Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
مقترحات للعلاج
بعد ذكر هذه الأسباب ننتقل إلى بعض المقترحات للعلاج، ونحن عندما ندرك الأسباب سندرك العلاج مباشرة، لكنني سأشير إشارة عاجلة إلى بعض الأسباب المهمة التي يمكن أن تعيننا على التخلص من نتائج سوء الفهم:
стр. 1717
حسن الظن بالمسلمين
أولها: حسن الظن بالمسلمين: أي: أن تكون القاعدة عندنا حسن الظن بإخواننا، وكم ترى ممن يتشبه بهدي الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، فالمجرمون والطغاة والمفسدون في الأرض يجد لهم ألف تأويل، أما إخوانه فلا يمكن أن يجدوا تأويلاً لديه، فضلاً عن أن يكون الأصل عنده حسن الظن.
فأين القواعد الشرعية يا إخوة؟! فكم تغيب عنا هذه المعاني، فالأصل أن يحسن المرء الظن بإخوانه المسلمين، فعندما يقول المسلم كلاماً يحتمل (أ) ويحتمل (ب) فيجب أن أحمله على أحسن محمل، فأقول مثلاً: فلان قال هذا، لكن هذا القول لا يليق به، فلا أتصور أنه يقصد كذا، أو لا أتصور أنه يريد كذا، إنما أتصور أنه يريد الأمر الآخر.
وأحياناً يكون الاحتمال (أ) بنسبة (٨٠%)، لكن الاحتمال (ب) بنسبة (٢٠%)، ويكون الاحتمال (ب) هو الأولى ظناً؛ فينبغي أن أحمله على هذا المحمل.
ثم ما المشكلة عندما أحسن الظن بفلان، وأكتشف أنه على خلاف ذلك؟! لا توجد مشكلة.
وكم نرى ممن يقيم معارك داخل الصف لأجل قضايا تافهة كلها كانت ناتجة عن إهماله لهذا الأدب الشرعي، ألا وهو حسن الظن بإخوانه المسلمين.
فنحن يجب أن نحسن الظن بالمسلمين ابتداءً، فضلاً عن طلبة العلم، فضلاً عن أهل العلم والدعاة، والناس الذين يتصدون لخدمة دين الله ، ولا يسوغ أن يقرأ المسلم الخير العادي في الصحف، أو يسمع تقارير سياسية عن الدعاة، فيحملهم على هذا المحمل وهو قد جرب على هذه الصحف كذباً، فكم نقرأ في صحف أو وسائل إعلام نعرف أنها سيئة عن بعض المشاكل التي تحصل في الخارج، فنحكم على إخواننا من خلال ما قاله هؤلاء، ولا نحسن الظن بإخواننا.
فأقول: يجب أن تكون عندنا قاعدة أن نحسن الظن بإخواننا المسلمين عموماً، فضلاً عن الناس الذين يتصدون للخير، والذين ظاهرهم الخير والصلاح.
نعم، هناك من يتستر، وهناك أناس سيئون، لكن لا يمكن أن تقودنا الغيرة على الدين والإسلام إلى أن نفتش عن الأخطاء والعيوب.
стр. 1718
عدم تتبع الزلات
خطوة أخرى أيضاً: ألا نعمد إلى تتبع عورات الناس وزلاتهم، ومن تتبع عورات إخوانه المسلمين تتبع الله عورته؛ حتى يكشفه ولو في جوف بيته، وتتبع الزلات والعورات والأخطاء وتصيدها مظهر من مظاهر مرض القلب، عافانا الله وإياكم.
والبشر لابد أن يقعوا في الخطأ أياً كان، لكن حين لا نسأل إلا عن الزلات، ولا نبحث إلا عن الأخطاء، فلابد أن نصل إلى مثل هذه النتائج، وهب أن فلاناً أخطأ، أو قال ما لا يليق، أو فعل ما لا يليق، فإن هذا لا يصح أن يكون مدعاة إلى أن تبحث عن مرادف لهذا الخطأ، ثم تبحث عن ثالث، ثم عن رابع؛ حتى تصل إلى نتيجة وقناعة تريدها نفسك.
стр. 1719
الدقة في النقل
ثالثاً: الدقة في النقل: فأنت عندما تنقل يجب أن تنقل الكلام بلفظه وحروفه، ثم بعد ذلك من حقك أن تذكر فهمك، لكن يجب أن يعلم الجميع أن هذا فهمك، وليس هذا هو ما يقصده.
وأيضاً يجب أن نفرق، فقد يحدثني شخص صالح موثوق، لكنه يحدث عن فهمه هو، وعن تقييمه هو للقضية.
فمثلاً: رجل صالح لا أشك فيه، ولا يمكن أن يتعمد الكذب، لكنه ينخدع بالظواهر، فجاء إلى بلد والتقى بمجموعة من الناس، فحدثوه عن فلان، فجاءنا فقال: رأيت أهل البلد يقولون كذا وكذا، أو جاء فرأى موقفاً وحكم عليه هو، فأنا عندما يقول لي: قال فلان كذا وكذا، لا أتهمه، لكن عندما يأتيني بفهمه هو، ففهمه ليس ثقة، فيبقى مجال للنقاش، عندما يروي لي رواية للحدث فيقيم هذا الحدث، يجب أن نفرق بين روايته هو وبين حكمه وتقييمه للنتيجة التي وصل إليها.
стр. 1720
الجمع بين المتفرق
رابعاً: الجمع بين المتفرق: من العجب أن تجد شخصاً يلزم بمسألة وهو قد صرح بنفيها في موضع آخر، أضرب لكم مثالاً عن سيد قطب ﵀ فقد كان أديباً، والأديب يستطرد، فقال في سورة (قل هو الله أحد): إن المسلم يشعر بأن هذا الوجود صادر عن واحد، فلا يرى إلا الله .
فهذه عبارة توهم منها أنه يرى وحدة الوجود، فجاء البعض وقال: إنه يرى وحدة الوجود، بينما هو قد صرح في موطن آخر أنه لا يرى وحدة الوجود، وصرح بانتقاد أصحاب وحدة الوجود بالاسم، وانتقد ما هم عليه، فهذا الكلام يعطيك قناعة أن الرجل ما يعتقد هذا، وإلا لما صرح به.
الرجل كان له مواقف مع جمال عبد الناصر ومع حمزة البسيوني، ومع غيرهما من الطغاة؛ فهل كان يعتقد أن جمال عبد الناصر هو الله مثلاً؟ لأن أصحاب وحدة الوجود يرون أن كل شيء هو الله، لو كان يعتقد أنه الله لما حدثت بينهما مشكلة.
عندما نكون منصفين فسنصل بداهة إلى هذه النتيجة.
صورة أخرى أيضاً من الشخص نفسه، عندما تحدث عن الكون وخلق الله ، يقول: إن المسلم يرى أن هذا الكون من خلق الله ، فهو يحب كل ما في هذا الكون؛ لأنه يرى أن هذا الكون صادر عن الله ، هذه عبارة شخص أديب، فجاء رجل فاضل، فقال: هذا يترتب عليه أنه يحب الشياطين، ويحب الكفار! مع أن له مواقف واضحة من اليهود والنصارى والكفار إلى غير ذلك.
شخص يقول كلاماً فيفهم منه أنه يرى رأياً ما، بينما تراه قد ألف كتاباً كاملاً في تفنيد هذا الرأي ومناقشته، فهل يمكن أن نتهمه بعد ذلك بأنه يقول هذا الرأي؟! هذا منطق غير مقبول، ولهذا يجب أن ندرك شخصية الإنسان عندما نريد أن نحكم عليه، فننظر ما عنده، وما هي منطلقاته، فأنا مثلاً أقول هذا الكلام عن سيد قطب ﵀، فيأتيني شخص ويقول: إنه ما وقع في خطأ؟ فأقول له: بل وقع في خطأ، فهو يخطئ مثلما يخطئ غيره، لكن لا يدعونا هذا إلى أن يكون الخطأ عندنا هو القاعدة، وأن نحاكم الرجل على كل موقف قاله، فنبدأ نقيم ونراجع، وأنه يقصد كذا ويقصد كذا، وكذا غيره من علماء الإسلام السابقين، الذين ألزموا بلوازم لا يقولون بها أصلاً.
هذه خواطر عاجلة حول هذا الموضوع، وأرجو ألا أكون أنا وقعت في سوء الفهم حين تحدثت عن سوء الفهم، وأيضاً ألا يساء فهم ما قلته وأنا أتحدث عن سوء الفهم.
وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجنبنا وإياكم الزلل في القول والعمل، ونترك بقية الوقت للإجابة على أسئلة الإخوة.
стр. 1721
الأسئلة
стр. 1722
الحكم على شخص بأنه سيئ الظن
السؤال
كيف أرد على من يسيء الظن أو الفهم بحجة مقنعة، مراعياً في ذلك أصناف الناس من سمح ومتكبر ومعاند؟
الجواب
أولاً: هذا حكمك على الناس، أنت عندما تقول: فلان متكبر، وفلان معاند، هذا حكم، وليس بالضرورة أن أقبله، فهو حكمك أنت، ونتيجة وصلت إليها أنت، قد لا نوافق عليه.
ثم سوء الظن قد نهى عنه الشرع، وقلت لكم قاعدة: سيئ الظن لا يعترف لك أنه سيئ الظن، يقول: أنا لا أسيئ الظن، ولو اعترف أنه سيئ الظن لانتهينا.
فمثلاً: الرجل المسرف لا يعترف لك أنه مسرف، يقول: هذا وضع طبيعي، البخيل لا يعترف أنه بخيل، كل صاحب مشكلة لا يعترف، لأن هذه ألفاظ مباشرة مرفوضة يتعلق بها المدح أو الذم، فسيئ الظن لا يعترف لك أصلاً بأنه سيئ الظن، حتى تقول له: اجتنب هذا السوء.
стр. 1723
الفرق بين سوء الفهم وسوء الظن
السؤال
هل هناك فرق بين سوء الفهم وسوء الظن؟
الجواب
نعم، سوء الظن قد ينتج عنه سوء الفهم، فسوء الظن شيء في القلب، فأنا عندي عدم ثقة بالناس عموماً، أو بشخص معين لسبب أو لآخر، فسوء الظن قضية داخلية، وسوء الفهم هو فهمي لتصرف أو لعمل، أو لكلام.
وقد يكون بينهما ارتباط وثيق، لكن هذا لا يعني أنهما شيء واحد، فقد يكون هناك سوء ظن وليس سوء فهم، وقد يكون سوء فهم ناتجاً عن عدم سوء الظن.
يعني: أنا أحسن الظن بفلان، لكن أسأت الفهم لأن فهمي غير دقيق، أو ما تصورت أطراف الموضوع، وقد يكون سوء الفهم من رجل خير، فلا يعني هذا أن سوء الفهم دلالة على سوء الإنسان، وسوء قصده، وسوء ظنه.
стр. 1724
إساءة الفهم في الدعاة
السؤال
قضية من يسيئون الفهم في الدعاة، وفيما يقولون وما يكتبون، ويتخذون هذا مجالاً للتكلم في أعراضهم، والوقوع في نياتهم ومقاصدهم.
الجواب
أولاً: هؤلاء لا يستحقون أن نجعل منهم قضية ومشكلة نتحدث عنها، لكني فقط ألفت أنظاركم إلى قضية لتتأملوا فيها، وهي واقع هؤلاء، ماذا يعملون؟ وماذا يقدم مثل هذا الرجل؟ لا يعمل شيئاً؛ هناك ارتباط عكسي بين كثرة الانتقاد وبين العمل، فأكثر الناس انتقاداً لهؤلاء الدعاة والعلماء لا يعمل شيئاً.
أنت ترى بعض الدعاة والعلماء وقته كله مليء، وتحتاج منه موعداً فلا تستطيع أن تحصل منه على وقت، لأنه رجل عامل يجاهد، وهذا إنسان فارغ، مرة في بيت فلان، ومرة في بيت فلان، ومرة في المناسبة الفلانية، فأنا أقول: يكفيك من شؤم هذا المسلك أن أصحابه غير عاملين، لا يقدمون شيئاً، ولا يعملون شيئاً، العمل الوحيد الذي يقدمونه هو تفكيك الصف.
نحن بحاجة إلى عمل، أنا أسألكم: نحن الآن في مجتمعاتنا الإسلامية جملة نعاني من أزمات، ومن الحكم بغير ما أنزل الله، ومن تنصير وتغريب للأمة، وانتشار للفساد الأخلاقي، وحرب على الإسلام، وحرب على الصحوة الإسلامية، وجهل بالعقيدة، وخطأ في الأخلاق والسلوك، وجهل بالعبادة، وأمراض كثيرة، فماذا قدمت أنت تجاه هذه القضايا؟ إنه لا يقدم شيئاً، فجهده كله مصروف لهذه القضايا.
أما الشباب الذين يسهرون على الفساد والسوء، فلا يمكن أن يذهب ولينصحهم، وليس عنده استعداد، لا يمكن أن يخطو خطوة واحدة في مواجهة المنصرين ودعاة التغريب، بل ربما تراه يدافع عن هؤلاء، وربما ينفذ مخططات لهم من حيث يشعر أو من حيث لا يشعر.
فأنا أقول: القضية لا تستحق أن نتحدث عنها، لكن عندما تنظر إلى هذا الجانب الوحيد ترى أن هؤلاء أقل الناس عملاً، وهذا طبيعي، فالرجل الجاد لا تشغله هذه القضايا، ثم هذا لا شك أنه ناتج عن سوء ظن، أو عن سوء قصد.
أنا أعرف كثيراً منهم خيرين ليسوا سيئي النية أصلاً، وبعضهم يرى أن هذا من الدين، لكن هذا مبلغه من العلم، وهناك من يدفعه الحسد، وهناك من يدفعه أمر آخر، وهناك من له مقاصد أخرى.
стр. 1725
سوء الفهم وثواب الاجتهاد
السؤال
هل هناك حالات لسوء الفهم يثاب عليه، وإذا لم يكن فالصحابة الذين اختلفوا في القصة المعروفة في قصة بني قريظة، هل بعضهم يثاب وبعضهم يعاقب؟
الجواب
سبق أن أشرت في البداية إلى أنه قد يحصل، ويجب أن نتأدب مع الصحابة ولا نقول: سوء فهم، نقول: خطأ في الفهم، أو خطأ في الاجتهاد، فقلت: إن هناك قدراً طبيعياً لابد أن يقع فيه الإنسان، والأخ نبهنا إلى أنه قد يأتي مجتهد إلى نص من النصوص فيخطئ في الفهم فيه، فيثاب ثواباً واحداً على الاجتهاد، لكنه لو أصاب فسيثاب ثوابين على الاجتهاد والصواب، لكن نحن لا نتحدث أصلاً عن سوء الفهم كله جملة، إنما نتحدث عن جانب من الجوانب التي ينتج عنها سلوكيات خاطئة، ومواقف خاطئة.
стр. 1726
كيفية تربية الشباب مع اختلاف استعداداتهم
السؤال
قد يكون هناك مجموعة من الشباب فيهم الجديد على الالتزام، وفيهم من قطع شوطاً في هذا الطريق، فلو وضع برنامجاً مكثفاً فسوف ينفر الجديد، ولو وضع برنامجاً خفيفاً فلن تتحقق التربية الجادة القديمة، فكيف نجمع بين هذا وذاك؟
الجواب
يمكن ألا نسير الناس في وتيرة واحدة، وأن نضع مثلاً خطاً عاماً يسير عليه الجميع، ثم نضع نقاطاً أخرى، ومجالات أخرى، وبرامج أخرى لمن هو طموح ومتطلع.
فأضرب لكم مثلاً: أنا عندي مجموعة من الطلاب في حلقة قرآن يحفظون، فعندما أقول: كل يوم تحفظون صفحة، وهم خمسة عشر طالباً، فالنتيجة أن اثنين أو ثلاثة ليس عندهم قدرة على أن يحفظوا صفحة كاملة أصلاً، واثنين أو ثلاثة عندهم قدرة أكثر، فعندما نضع خطاً واحداً وبرنامجاً واحداً للجميع، سنقع في هذه الإشكالية.
فكذلك البرامج يجب أن يكون فيها تنويع، بحيث تخدم الجميع، فهذه المشكلة تحصل كثيراً في المراكز الصيفية؛ لأن المركز يكون فيه عدد كبير من الشباب، فيهم طلبة علم، وفيهم ناس حديثو عهد بالالتزام، وفيهم مستويات مختلفة، فعندما أضع برنامجاً واحداً للجميع يحصل إشكال، إذا راعيت هؤلاء نزل البرنامج، وإذا راعيت هؤلاء تأثر أولئك، لكن عندما أضع خطاً عاماً، ثم أضع مجالات أخرى لغيرهم، أظن أنه بهذه الصورة أستطيع أن أوازن بين الشريحتين.
стр. 1727
متى تجوز إساءة الظن
السؤال
إذا كان هناك إنسان موضع لسوء الظن، فرأيته في موطن ريبة، فوقع في نفسي بعض الشيء، وأخبرت بعض الناس، فهل علي ذنب في ظني فيه؟ وهل علي ذنب في الإخبار بما وقع؟
الجواب
أنا أفهم من سؤال الأخ أنه يتحدث عن حالة لإنسان سيئ أصلاً، صاحب فجور، ورأيته في السوق، أو رأيته يدور حول بيت، أو رأيته مع شخص من الناس، فأسأت به الظن، فهل ينبغي له أن يخبر أم لا؟ هذه هي القضايا المتقررة عند العقلاء، يعني رجل مشهور بالفحش والسوء، ثم أراه مع شخص صغير مثلاً، فمن حقي أني أخبر والده، ومن حقي أن أنهاه، فهذا مجال لسوء الظن، لكن عندما تكون القاعدة أنك كلما رأيت شخصاً كبيراً مع شخص صغير أسأت الظن، فهاتان صورتان يجب أن نفرق بينهما.
إنسان شاب مثلاً أراه يدور في السوق، ويذهب ويأتي، فأنا أعرف الآن من خلال رصد الموقف وشخصيته فسأصل إلى نتيجة أن هذا الرجل صاحب نية سيئة مثلاً، أو شخص واقف عند مدرسة بنات بطريقة معينة، فالنظرة العامة أدت إلى نتيجة، قد تكون نتيجة خاطئة أحياناً، وقد تكون مصيبة، لكنها غالب الظن، فلا يمنع من أن أتخذ موقفاً معه، لكني أيضاً لن أعاقب هذا الشخص وأتخذ معه موقفاً حاسماً وعقوبة، لكن قد يناقش، وقد يعاقب؛ لأنه أوقع نفسه في موطن التهمة، وحتى يؤدب غيره ولا يجترئ، فهذه صورة غير التي تحدثنا عنها في قضية سوء الظن.
стр. 1728
حد الغيبة
السؤال
هناك موضوع درسناه وحفظناه منذ الصغر في المساجد والمدارس وفي البيوت ألا وهو موضوع الغيبة، يعرفها الصغار والكبار، إلا أنه في هذا الزمان توسع الموضوع حتى ضاقت حدوده، حتى عند أهل الخير والصلاح، فما هي هذه الحدود التي نلتزم بها؟
الجواب
الحدود التي نلتزم بها أن الغيبة حرام كلها حرام، إلا ما ترتب عليه مصلحة شرعية مثل: التظلم، أو الاستفتاء، أو التحذير من رجل ضال ومبتدع، أو استشارة في زواج أو غيره، فأنا أريد أن أشارك شخصاً، فأستشير شخصاً يعرفه، فيقول لي: لا، يعرف أنه خائن مثلاً، الآن استشرته وهو مؤتمن، فيجب أن يشير عليك، أو إنسان يريد أن يخطب مني، فسألت عنه، فيجب أن أقول كل ما أعرف عنه، ولا يعتبر هذا غيبة.
فقد جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تسأله، خطبها فلان وفلان، فقال: (أما فلان فصعلوك لا مال له، وأما فلان فلا يضع العصا عن عاتقه، وانكحي فلانً).
فالحدود واضحة، أنا أتصور أن ليس عندنا مشكلة مع الحدود، لكن أن نستهين بالأمر ونتساهل، ثم إذا وقعنا نحاول أن ندخلها في الحدود، أو نوسع الحدود قليلاً من أجل أن تدخل هي، فلا.
стр. 1729
علاج الخوف من النقد
السؤال
أنا شخص أخاف النقد بدرجة كبيرة، مما أثر ذلك على شخصيتي، وأصبحت أبتعد عن المناقشات والاختلاط، وأجلس وحيداً، وأخشى على نفسي من ذلك، فما رأيكم وما هو العلاج؟
الجواب
أولاً: نحن عندنا مشكلة أننا نقرن بين الخطأ والفشل، فالإنسان الذي يخطئ في تجربه هذا رجل فاشل، وبين الخطأ والانحراف، فإنسان وقع في خطأ علمي فهذا منحرف، وهذا سيئ.
وهذا ليس بصحيح، فالرجل الناجح قد يفشل، فالتاجر الناجح قد يدخل في صفقة ويفشل فيها، وأي شخص بارع في أي ميدان يمكن أن يدخل فيه ويفشل، في أي تجربة، ففشلي في التجربة أصلاً لا يعني أنني إنسان فاشل.
ثم هب أنك إنسان فاشل، فيمكن من خلال النقد مرة ومرتين أن تنجح في المرة الأولى، والمرة الثانية؛ حتى تزيد حالات النجاح، ثم تصل بعد ذلك إلى نتيجة نهائية.
وكل إنسان عنده هدف جاد يريد أن يحققه يصل إليه، مادام هذا الهدف موضوعياً يستطيعه، ويجب أن يعرف الإنسان أن عنده قدرات، حتى الحيوان عندما تعوده على شيء يتقنه، فكيف بالإنسان؟! مثلاً: الكلب يدرب على قضايا معينة -كلب حراسة أو كلب بوليس- ويتقنها، والببغاء يردد عليه الصوت ومن ثم يحفظه ويردده، وخذ أمثلة كثيرة، فأنت لن تكون أسوأ حالاً من هذه الكائنات الحية، ولست أغبى الناس، ولا أكثر الناس فشلاً، فينبغي ألا يصير لدينا إحباط، فمثلاً: فشلت هذه المرة أو أخطأت، فيمكن أن تنجح مرة أخرى، ولا إشكال، فعندما أفشل فهناك غيري فشل، وعندما أخطأت فهناك غيري أخطأ.
стр. 1730
خطأ الحكم على الملتزمين من خلال أشخاص
السؤال
بعض الشباب يسيئون الفهم في الالتزام بصفة عامة؛ بسبب سوء فهمهم لشاب ملتزم، نرجو من فضيلتكم إيضاح ذلك؟
الجواب
أنا أقول: افترض أنك تسمع عن بلد ولتكن نيجيريا مثلاً، وقابلت واحداً أو خمسة من نيجيريا، ووجدتهم بخلاء، فهل تحكم على أهل البلد كلهم بأنهم بخلاء؟ أو شخص مثلاً مر من عند مدرسة وطفل من أطفال المدرسة ألقى عليه حجارة، فحكم بأن طلاب المدرسة كلهم أشقياء، هل القاعدة عندك أن الإنسان يحكم من خلال شخص واحد؟ فلا يسوغ لي أن أحكم على الشباب الملتزمين من خلال شخص، أو شخصين، أو ثلاثة، أو مجموعة، أو حتى أهل هذه البلد، فمثلاً: افترض أننا نعيش في هذه البلاد، فلا يسوغ لي أن أحكم على الملتزمين كلهم.
وأنا أذكر أن شخصاً أرسل لي رسالة أنه يعاني من مشكلة، ثم قال لي: لا تقل لي: صاحب الأخيار، فإني جربتهم، فهم منافقون، وغير جادين، وغير صادقين، فقلت له: قد أوافقك أن الأخيار الذين قابلتهم غير جادين، ومنافقين، وغير صادقين، لكن هل قابلت كل الأخيار؟ هذا ليس بصحيح.
مع أنه أحياناً يكون عنده وهم مفترض، فلا يسوغ أن تحكم على الناس من خلال شخص واحد، فأنت لو أتينا إليك وقلنا لك إن هناك واحداً من أقاربك مثلاً أمسكوا به في قضية مخدرات، إذاً: فهل عائلتك كلها أصحاب مخدرات؟ أو تقول: أنا قابلت قريباً لك بخيلاً، إذاً: أنت بخيل، هذا كلام ليس بصحيح، حتى أخي الشقيق لا تلزمني أنت بما هو عليه، فكيف تلزم الآخرين بشخصية فلان؟! فالملتزمون شريحة من المجتمع فيهم الذكي والغبي، وفيهم البخيل والكريم، وفيهم الجبان والشجاع، فهو رجل من الناس هداه الله ، والناس معادن، هداه الله ، فستبقى عنده قضايا في نفسه قد لا تزول مع الالتزام، فلماذا أطالب أن يكون هو كل شيء؟!
стр. 1731
كلمة للنساء
السؤال
بعض الإخوة يطلبون كلمة للنساء.
الجواب
في الواقع أن النساء لهن حق علينا، فهن أمهاتنا، ونشعر أنهن راعيات الأجيال، فأنا أقول أولاً: إن الأصل في الخطاب الذي يوجه للرجال أن تدخل فيه النساء، وجاءتني طلبات كثيرة تطالب بالحديث عن قضايا تخص المرأة، وأنك كثيراً ما تتحدث عن الرجال والشباب، والمرأة لها حق، وأشعر فعلاً بأن لها حقاً، وقد وعدت أن أتحدث عن هذا الموضوع وعداً مفتوحاً، وإن شاء الله قد عزمت الآن على الإعداد لهذا الموضوع والحديث عنه، فسألقي محاضرة بعنوان: رسالة إلى فتاة، ولا أستغني عن مشاركة الإخوة وجهودهم، وقد تلقيت بعض الرسائل من بعض الفتيات عن طريق أقاربهن، أو عن طريق البريد، أفادتني كثيراً حول هذا الموضوع.
فأقول: المرأة لها حق علينا، وأن نتحدث لها مع الرجال هذا جانب، والجانب الثاني أن نخصها بحديث خاص، لكن السبب الذي يجعلنا لا نشير إليها؛ أننا لا نرى أمامنا إلا الرجال، فالمتحدث لا يتحدث إلا مع من أمامه، وينسى أن هناك من يسمع صوته ولا يراه.
فأقول باختصار: إن المرأة الآن تواجه حملة شنيعة، والأعداء يستعملون المرأة للتغرير، وإفساد الشباب، وجعل المرأة مجرد وسيلة لإثارة الشهوات والغرائز، وتحولت المرأة عند هؤلاء إلى تجارة، فما معنى أن يقوم تاجر بدعاية لسلعة معينة، فيضع عليها صورة المرأة؟! أنا أعتبر أن المرأة العاقلة ولو كانت فاجرة أو كافرة لا ترضى بهذا الأسلوب؛ لأن هذا يعني أنها صارت وسيلة للمال وللابتزاز، وللدعوة إلى تحصيل المال فقط لا غير.
فإلى هذا الحد تصل المرأة! هل هذا تكريم للمرأة مثلاً؟! عندما تنتخب المرأة ملكة جمال، وتؤخذ صورتها، وعندما يأتي محرر مجلة فيضع صورة فتاة على الغلاف؛ لأجل أن تروج المجلة لا غير، فهذه تجارة بالمرأة.
أسأل الله أن يكتب لبناتنا وأخواتنا الخير والصلاح والعفاف والستر والفضيلة، وأن ينفعنا وإياكم جميعاً بما نسمع.
стр. 1732
علم لا ينفع
العلم فضيلة عظيمة جاء الثناء عليها في الكتاب والسنة، وأجمع على ذلك العقلاء، ولكن هذا العلم لا يكون فضيلة إلا إذا كان علماً نافعاً، أما العلم الذي لا ينفع فهو مشغلة عما ينفع وقاطع من القواطع التي تصد عن الخير، وهو أنواع ينبغي معرفتها حتى تجتنب.
стр. 1733
فضل العلم والتعلم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد.
فهذه فرصة طيبة أن يتم هذا اللقاء، ونسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن يستمع القول ويتبع أحسنه إنه سميع مجيب، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.
ولعله من المناسب أن يكون مثل هذا الحديث في مثل هذا الوقت بالذات، مع بداية العام الدراسي، فهو بداية عام للعلم والتعلم سواء ما كان منه على مقاعد الدراسة ممن كان يدرس علوماً تنفع الأمة، أو ما كان حتى خارج هذا الوقت، فإن الغالب أن يكون وقت الإجازة وقت انشغال وسفر وذهاب وإياب، والأنشطة العلمية التي يسلكها الشباب غالباً يبتدئ بها الأخ مع بداية العام الدراسي.
ولهذا أحببنا أن نقول: كما أننا نحتاج إلى الحث على طلب العلم، والتعرف على فضله وثمرته وقيمته، نحتاج أيضاً إلى أن نتساءل كثيراً حول هذا العلم الذي نطلبه ونسعى إليه.
وقضية فضل العلم والدعوة إليه مثلكم ليس بحاجة إلى أن يُذكَّر بها، لكن يكفي أن نعلم دائماً أنه ما نُسب أحد إلى العلم إلا فرح بهذه النسبة، وما نُسب أحد إلى الجهل إلا واعتبر ذلك ذماً، حتى الجاهل الذي لا يفقه شيئاً حينما تقول له إنك جاهل، يعتبر هذه النسبة ذماً له وعيباً له، وهذا يكفي في الدلالة على أن العقلاء كلهم أجمعوا على قيمة العلم ومكانته، فلم يعد مجالاً للنقاش.
والنبي ﷺ قد رغّبنا فيه بفضائل عدة يكفينا منها قوله ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة) هنا يأتي هذا الوعد النبوي أن من سلك طريقاً، و (طريقاً) نكرة فأي طريق يلتمس به الإنسان علماً سيسهل الله له به طريقاً إلى الجنة، ما دام هذا الطريق مشروعاً، فالذي يحضر حلقات العلم في المساجد يلتمس العلم بذلك يسهّل الله به طريقاً إلى الجنة، والذي يلتحق بدراسة نظامية يلتمس بذلك علماً يسهّل الله له بذلك طريقاً إلى الجنة، والذي يشتري كتاباً من كتب العلم ليقرأ فيها أو يذهب إلى المكتبة ليقلب الكتب ويبحث عن كتاب يقتنيه، والذي يقرأ ويتناقش مع أحد زملائه، حتى ما قد يأتي به العلم المعاصر مما قد لا يكون في أذهاننا الآن مما يأتي في المستقبل من وسائل، فما دام هذا الطريق ليس فيه محذور شرعي؛ فكل من التمس طريقاً من هذه الطرق يلتمس به علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة وعلى هذا فالعلم بطرقه وأبوابه ووسائله طريق إلى الجنة.
стр. 1734
العلم الذي لا ينفع
لا أريد أن أتحدث عن فضل طلب العلم كما قلت لكم، وليس أمثالكم بحاجة إلى أن يُحدثوا عن ذلك، لكن من باب الإشارة والتذكير، أما موضوعنا فهو الحديث عن العلم الذي لا ينفع، وذلك قد جاء بنص حديث الرسول ﷺ ، وجاء في كتاب الله الإشارة إلى أنواع من هذا العلم الذي لا ينفع.
ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم ﵁ أنه قال: (لا أقول إلا كما كان ﷺ يقوله: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل) ثم قال: (وأعوذ بك من علم لا ينفع).
وورد هذا المعنى أيضاً في أحاديث أخرى، كحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وورد من حديث أنس، وورد من حديث أبي هريرة وكل هذه النصوص يستعيذ فيها النبي ﷺ من علم لا ينفع.
وفي حديث جابر (سلوا الله علماً نافعاً واستعيذوا به من علم لا ينفع).
وقد ورد أيضاً الاستعاذة من العلم الذي لا ينفع في حديث عبد الله بن أبي أوفى.
هذه النصوص في المسند والسنن تعطينا دلالة على أن هناك من العلم ما يصبح شراً يُستعاذ بالله منه، وأن تحصيل العلم بأي وسيلة، مما ينطبق عليه أنه العلم الذي يسهل الله به للعبد طريقاً إلى الجنة، وهذا يجعل الإنسان يتفاءل حينما يرى أن النبي ﷺ يستعيذ بالله من هذا العلم الذي لا ينفع، ويحذر ويعرف أن العلم قد يكون أحياناً غير نافع لصاحبه، بل قد يكون أحياناً وبالاً وشراً على صاحبه عافانا الله وإياكم.
وهذا أيضاً يعطينا دلالة على أن طلب العلم وجمع المعلومات ليست غاية في حد ذاتها، نعم الإنسان يستهدف العلم ويسعى في تحصيل العلم وتحصيل العلم عبادة، لكن مجرد تحصيل العلم للعلم في حد ذاته ليس غاية؛ لأن النبي ﷺ استعاذ بالله من العلم الذي لا ينفع، وهذا يعني أن هناك علماً ينفع وعلماً لا ينفع؛ ولهذا فالعلم وسيلة إلى تحقيق خيري الدنيا والآخرة، وما لم يترتب عليه هذا النفع فإنه شر يستعاذ بالله منه، والنبي ﷺ استعاذ بالله مراراً من العلم الذي لا ينفع، ولم يبين لنا ﷺ في هذا الحديث ما هو العلم الذي لا ينفع، لكنه جاء بعبارة واضحة محددة يفهمها كل الناس: أنه علم لكنه لا ينفع، فلا يعود بالنفع على صاحبه، والنفع ما كان نفعاً للمرء في دينه وآخرته، ثم ما كان ينفع الناس في دنياهم مما لا يكون على حساب الآخرة لأن الآخرة هي الأصل، فقد يحصل الإنسان علماً ينفعه في الدنيا لكنه يضره في آخرته، أرأيت مثلاً الساحر الذي يتعلم السحر، والسحر علم لكن الله يقول: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، والذي يتعلم السحر ينتفع بذلك في دنياه، وأهل الشعوذة والسحر والكهانة من أكثر الناس ثراء وتحصيلاً للمال، فهو ينتفع بذلك في دنياه لكن هذا النفع على حساب آخرته، ويجر عليها الوبال وخسران الآخرة فأصبح في النهاية علماً لا ينفع، بل هو من أشد العلوم ضرراً على صاحبه.
إذاً: فنحن أمام عبارة واضحة، أي علم لا يترتب فيه نفع في الآخرة، أو في دنيا العبد فإن هذا العلم من العلم الذي يستعاذ بالله منه، وقد تتفاوت مراتب هذا العلم، فقد يُصبح وبالاً على الإنسان، ويُصبح هذا العلم شراً بذاته، ويجلب الشر والفساد كما في تعلم العلوم التي تصد الإنسان عن دين الله أصلاً، أن يتعلم الإنسان علوماً فيها شبه وفيها إشكالات، فيكون العلم سبباً لصرفه عن الهداية إلى الضلال، فهذا في قمة ما يستعاذ بالله منه، وقد يكون العلم الذي يتعلمه الإنسان من الفضول فقد لا يترتب عليه ضرر مباشر وشر مباشر، لكنه من فضول العلم، ولا شك أن هذا لا ينفع، بل مآله إلى أن يضر الإنسان؛ لأنه أنفق فيه جزءاً نفيساً من وقته كان ينبغي أن ينفقه فيما ينفع فصرفه عن العلم النافع.
ثم أيضاً هذا العلم الذي تعلمه أخذ جزءاً من تطلع الإنسان للعلم، فالإنسان عنده تطلع للعلم وعنده رغبة في المعرفة والتعلم، فحينما يحصّل هذا العلم فإنه يسد هذه الرغبة، فتنصرف رغبته في العلم النافع.
على كل حال العلم الذي لا ينفع يتفاوت فقد يجلب ضرراً للإنسان، وقد يصل به إلى حرمان الفلاح في الآخرة كما قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] أي أنه ليس له في الآخرة من نصيب، وهذا الجزء من الآية يستدل به على أن السحر كفر صراح؛ لأنه حينما يكون ليس له أي نصيب في الآخرة فهذا معناه أنه لن يدخل الجنة، ومعناه أنه سيخلد في النار وهذا ليس إلا للكفار، فهذا العلم تسبب في حرمانه كل نصيب من الثواب والخير في الآخرة، وتسبب لخروجه من دائرة الإسلام ودخوله في الكفر، وقد يكون دون ذلك كما في شأن الذي يتعلم بعض
стр. 1735
أصناف العلم الذي لا ينفع
العلم الذي لا ينفع ليس بالضرورة شيئاً واحداً، إنما هو أصناف كثيرة:
стр. 1736
العلم الخالي عن الإخلاص لله
من أول مجالات العلم الذي لا ينفع: العلم الذي لا يُخلص فيه العبد لله : حينما لا يخلص النية لله ﵎ فإنه سيفقد نفع هذا العلم، وهذا الأمر واضح بأن العلم عبادة شرعية يتعبد بها الإنسان لله ﵎، والعبادات لا يثاب عليها الإنسان ولا تحمد إلا حين يبتغي بها وجه الله ، بل حقيقة العبادة أصلاً هي التقرب إلى الله وابتغاء وجه الله ، هذه العبادة أن يتقرب الإنسان إلى الله في أي عمل، سواء كان عملاً قلبياً، أو بلسانه، أو بجوارحه العمل الخالص الذي يرضى الله ﵎ أن يتقرب العبد به إليه، فإذا كان هذا الإنسان لا يخلص فمعناه أنه لا يتقرب إلى الله قط، فقد بطل أصلاً مقصود العبادة.
والله ﵎ أغنى الشركاء عن الشرك، فهو القائل : (من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) كما حدثنا بذلك النبي ﷺ .
بل قد نص النبي ﷺ على وعيد لأولئك الذين يفتقدون الإخلاص في طلبهم للعلم، فمن تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة، فمن تعلم العلم الشرعي لغير الله فإنه متوعد بهذا الوعيد الشديد، وهو ألا يجد ريح الجنة عافانا الله وإياكم.
إذاً: فهذا الرجل الذي لم يخلص النية في طلب العلم متوعد على تعلمه، بل هو يوم القيامة من أول من تسعر بهم النار، كما أخبر ﷺ أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: (قارئ تعلم العلم فيأتي به الله فيعرّفه نعمه فيعرفها فيقول: ما عملت؟ قال: تعلمت وقرأت، فيقال: كذبت تعلمت ليقال عالم وقرأت ليقال قارئ، ثم يؤمر به فيسحب إلى النار) عافانا الله وإياكم.
إن الله قد أعطاه نعمة؛ ولهذا عرّفه بهذه النعمة فعرفها وتعرّف عليها وأدركها لكنه تعلم ليقال عالم، وقرأ ليقال قارئ، ولهذا صار من أول من تسعر بهم النار، ولا شك أن هذا أعظم فوات لنفع العلم؛ لأن أهم مطلوب وأعلى مطلوب الإنسان في حياته هو نجاته من هذه النار.
ولهذا نحن أحوج ما نكون إلى استحضار النية والإخلاص في أي وسيلة، أي باب، أي طريق من طرق العلم، واستحضار النية يجعل الإنسان يشعر أن عمله عبادة.
يخرج من أول النهار، ويذهب إلى المدرسة أو إلى الجامعة، ويبقى فيها إلى ما بعد صلاة الظهر ثم يعود، وقد يبذل جهداً خارقاً وقت الدراسة لمتابعة بعض التكاليف، هذا الإنسان حينما تكون نيته خالصة لله يكون هذا الوقت والجهد الذي صرفه عبادة لله ﵎، فيثاب عليه عند الله لأنه قد صرفه لله ﵎، وقل مثل ذلك في سائر أبواب وطرق تحصيل العلم الأخرى.
ثم أيضاً تحقق الإخلاص أمان بإذن الله وضمانة من الانحراف والزيغ إلى مقاصد أخرى، فإن طالب العلم كلما تذكر أنه يطلب العلم لله ، ويتعلم العلم لله ﵎، دعاه ذلك إلى أن يراجع نفسه ويتفاءل دائماً؛ لأن طالب العلم عرضة للهوى، وعرضة للانحراف، وعرضة لأن يكون العلم نفسه سبباً في انحرافه وضلاله كما سيأتي في بعض أنواع العلم الذي لا ينفع.
يمكن أن أضيف هنا نقطة مهمة حول قضية الإخلاص، وهي أن هذا الأمر واضح بالنسبة لمن يتعلم العلوم الشرعية، لكن من يتعلم علوماً غير شرعية، أي لا تتعلق بأحكام الشرع، وليس مصدرها النقل، إنما هي من علوم الناس في دنياهم، كمن يدرس الطب أو الهندسة أو الإدارة، فهذا أيضاً يصدق عليه هذا الأمر، ولكن كيف يخلص نيته؟ حينما يكون قصده أن ينفع المسلمين بما يتعلم، وأن يسد ثغرة يحتاجها المسلمون، فحينما يكون فعلاً صادق النية، يثاب على ذلك، أي أن القضية ليست قضية وجاهة اجتماعية، فإن بعض العلوم تعطي الإنسان وجاهة اجتماعية وقيمة اجتماعية، فهو يتعلم لأجل الوصول إلى هذه القيمة الاجتماعية، أو إلى النفع المادي، ثم إذا دار بينك وبينه حديث قال: إنك لم تنفع المسلمين، صحيح لكن أنت هل أنت تتعلم هذا الأمر لتنفع به المسلمين أو لا؟ فحينما يكون قصد المسلم في تعلم هذه العلوم أن ينفع المسلمين، وأن تتخلص الأمة من الاعتماد على أعدائها، فلا شك أن هذا الأمر الذي يقوم به عبادة لله ﵎، أليس قضاء حوائج الناس والإحسان إليهم والإصلاح بينهم في أمور دنياهم أمراً مطلوباً؟ فحينما ذكر النبي ﷺ أعمال الخير قال: (يصبح على كل سلامى من الناس صدقة) أي أن كل عضو ينبغي أن يقوم الإنسان بحقه ونعمته فيتصدق، فقيل له: (ليس كلنا يجد ما يتصدق به، قال: كل تسبيحة صدقة) ثم قال ﷺ : (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وتعين الرجل على دابته تحمله أو ترفع له عليها متاعه صدق).
إذاً: أنت إذا وجدت إنساناً تعثّر في الطريق ووقفت وساعدته، فعملك هذا صدقة، فلو أن إنساناً اخترع آلة وطورها للمسلمين وتنفعهم في ذلك، فلا شك أن هذا الأمر صدقة.
وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، الآن حينما تقود السيارة وتنزل وتزيل الأذ
стр. 1737
العلم الذي لا يعمل به الإنسان
النوع الثاني من العلم الذي لا ينفع: الذي لا يعمل به الإنسان: وليس المقصود العلماء ولا حتى طلاب العلم فحسب، بل المقصود به أي مسلم يعلم علماً لا يعمل به فإن هذا العلم لا ينفعه، فمن علم مثلاً أن شرب الخمر حرام ولم ينته ولم يرتدع عن ذلك فهو لم ينتفع بعلمه، من علم أن الكذب حرام، وأن الغيبة حرام، وإسبال الثياب، وأن إيذاء المسلمين إلى آخره، فمن لم يعمل بهذه الأمور فهو داخل تحت من لم يعمل بعلمه.
إذاً: قضية العمل بالعلم ليس أمراً خاصاً بالعلماء، وليس أمراً خاصاً بطلاب العلم، بل كل من علم علماً في دين الله ولم يعمل به فهو داخل تحت هذه الدائرة.
ولهذا قال أحد السلف: والعلم ليس بنافع أربابه ما لم يفد عملاً وحسن تبصر سيان عندي علم من لم ينتفع في علمه وصلاة من لم يطهر يقول: إنه يستوي عندي من تعلم العلم فلم يعمل به، ومن صلى صلاة بغير طهارة؛ ولهذا جاء الوعيد في كتاب الله لأولئك الذين لا يعملون بما يتعلمون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٢ - ٤] فالعبرة والجزاء إنما هو بالعمل الذي يقوم به صاحبه.
وقد اختلف أهل التأويل في هذه الآية، هل نزلت في أولئك الذين يقولون: وددنا لو علمنا أفضل الأعمال فنعمله، أو في أولئك الذين يقولون فعلنا ولم يفعلوا؟ المقصود أن هذه الآية جاء فيها الدعوة إلى العمل، وأن المخالفة بين القول والعمل مما يوجب المقت، ثم أتبعها الله ﵎ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] فهو ﵎ يحب العاملين بما علموا.
стр. 1738
العلم الذي لا يظهر أثره على صاحبه
الأمر الثالث من العلم الذي لا ينفع، وإن كان هذا قريب من النوع السابق، ولكن ننص عليه لأهميته وإلا فهو جزء مما سبق، العلم الذي لا يظهر أثره على صاحبه في خشوعه وهديه وسمته: واليوم تجد عزلة بين التقوى والورع والخشوع والسمت وبين العلم، وما عرفت الأمة هذه العزلة من قبل، بل هما أمران يجب أن يتلازما: فحين يكون عند المرء علم لا يقوده إلى ذلك، فقد أوتي علماً لا ينفعه، وحين يكون عنده خشوع وتخشّع وخشية بعيدة عن العلم فهو أشبه بحال الضالين من النصارى وأهل التصوف ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤].
ولهذا جاء وصف أهل العلم في كتاب الله ﵎، كما قال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
فالله هنا قد وصف الذين يعلمون بأنهم قانتون ساجدون، يحذرون الآخرة ويرجون رحمة ربهم، إذاً فالعلم كان مدعاة لأن يتحقق لديهم ذلك رجاء رحمة الله ورغبته، والخشية من عذابه والقنوت والعبادة والخشوع لله .
وفي سورة الإسراء قوله ﵎: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩].
ولهذا قال أحد السلف: من أوتي من العلم ما لم يبكيه فحري ألا يكون أوتي علماً، ثم قرأ هذه الآيات.
نعم لأن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩] فهذه حالهم، وهذا أثر العلم عليهم وما جلبه لهم؛ ولهذا كان الشأن في عهد سلف الأمة ألا يلبث الرجل يطلب العلم حتى يُرى أثر ذلك في تخشعه وصلاته وعبادته.
وكانوا كما قال جندب ﵁: (كنا مع النبي ﷺ غلماناً حزاورة فتعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا به علماً).
وفي وصف النبي ﷺ لشأن مجالس الذكر التي تشهدها الملائكة كما أخبر ﷺ : (أن لله ملائكة سيارة يتبّعون حلق الذكر، فإذا جاءوا إلى هذا المسجد قالوا: هلمّوا إلى حاجتكم، ثم يصعدون إلى ربهم ﵎ فيسألهم فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يسبّحونك ويحمدونك ويهللونك ويكبرونك، قال: فماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنة، قال: فمم يستجيرون؟ قالوا: من النار، قال: أشهدكم أني قد أعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا، قالوا: فيهم فلان عبد خطاء، ليس منهم إنما جاء لحاجة فجلس، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).
وهذا الحديث من أعظم الأدلة على هذا الأمر؛ لأنه وصف هؤلاء بأنهم يسبحون الله ويحمدونه ويهللونه ويكبرونه، فهذا شأن طلبة العلم، وهذا شأن الذين يحضرون مجالس العلم، ثم هم يسألون الله الجنة ويستعيذون به من النار، حتى حينما قال الله: قد أعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا به كأنهم تساءلوا فقالوا: فيهم فلان خطاء، يعني أن الأصل في هؤلاء أنهم بعيدون عن المعصية والخطيئة، ولهذا لما رأوا ذاك الرجل جلس معهم كأنهم رأوا أن هذا ليس متصفاً بصفاتهم وليس مثلهم، فكأنهم رأوا أنه لا يستحق هذا الجزاء الذي وُعد به هؤلاء، وهذا الرجل ما استحق هذا الأمر إلا بصحبته هؤلاء: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، فإذا كان هذا الجليس قد غُفر له لأنه جالسهم وصاحبهم، فما بالكم بحالهم هم؟ فأنت لا تطمع وتطمح أن تكون مثل هذا الرجل لأن هذا الرجل كما جاء في هذا الحديث قد غُفر له، لأنه صاحبهم ولأنه جالسهم، وهذا يعني أن منزلة هؤلاء وأن ثواب هؤلاء أعظم مما يصل إليه هذا الإنسان الذي ما غُفر له إلا لأنه جالسهم، فكيف إذا كان مثلهم وعمل مثل عملهم؟ إذاً يجب علينا أيها الإخوة أن نتفقد أنفسنا، وأن نتساءل: أين أثر العلم على هدينا وعلى سلوكنا وسمتنا وخشوعنا؟ ولماذا نرى أن قضية الورع وقضية الهدي والخشوع والعبادة باب آخر غير باب العلم؟ لا.
فهما قرينان لا يفترقان؛ ولهذا حين قيل للحسن وهو من أورع الناس: يا عالم، قال: هل رأيت عالماً قط؟ إنما العالم من يخشى الله .
وكما كان قول السلف:
стр. 1739
العلوم التي لا تنفع في أصلها
الأمر الرابع: العلوم التي في أصلها لا تنفع: هناك علوم قد يشتغل بها الإنسان فلا تنفعه، وقد يهتم الإنسان أحياناً بمطالعات وقراءات وتعلم علوم، وتراه فقيهاً في هذه العلوم وهي لا تجلب له مصلحة لا في الدنيا ولا في الآخرة، والله ﵎ يقول: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧] نفى عنهم العلم فقال: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦] ثم قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] أثبت لهم العلم بعد أن نفاه عنهم، فهو هنا قد نفى عنهم العلم المعتبر في اصطلاح الشرع، أو أنهم لا يتعلمون علماً ينفعهم، فبركة هذا العلم وأثره قد نفيت عنهم، ثم أثبت لهم العلم فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وأي علم لا ينفع الإنسان في دينه ولا في دنياه هو داخل تحت هذه الدائرة وهذا الصنف، وما أكثر الناس اليوم ممن يتعلمون ويقرءون، ويبذلون جهوداً ومع ذلك لا ينتفعون بما تعلموا، بل قد ينتفع الناس بما تعلموا من هؤلاء وعلموهم به وهم حطب جهنم عافانا الله وإياكم.
أضرب لكم مثالاً حتى تعرفوا الفرق بين قضية تصحيح وسلامة نية الإنسان ودينه وبين ظلامه.
مثلاً: الذي اخترع الكهرباء كم ينتفع به الناس اليوم، فماذا حقق هؤلاء؟ تاه الأنام بقولهم فاليوم صاحي القوم عربد والله لا موسى ولا عيسى الكليم ولا محمد عرفوا ولا جبريل وهو إلى مقام القدس يصعد من كنه ذاتك غير أنك واحد في الذات سرمد فليخسأ الحكماء عن ذات له الأفلاك سجد من أنت يا رسطو ومن أفلاط مثلك يا مبلد؟ ومن ابن سينا حين قرر ما هذيت به وشيد؟ أي محمد ﷺ وموسى وجبريل وغيرهم لم يعرفوا عن الله ﵎ إلا أنه واحد ﵎ في الذات فقط، فهل أنتم يا أفلاطون وابن سيناء وفلان وفلان علمتم علماً لم يعلمه هؤلاء؟ فما قيمة ما تعلمه هؤلاء؟ وكما يقول أحدهم حين يحكي عن نفسه: لقد طفت في تلك المعاهد كلها وجولت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم يعني طاف وذهب وفعل وتعلم، ثم بعد ذلك لم ير علماً ولهذا أبو المعالي الجويني والرازي وغيرهم، أوصوا من بعدهم ألا يخوضوا في هذا العلم ولا يتعلمونه؛ لأنه علم عرف هؤلاء أنه لا ينفع كما قال الرازي: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي، وتعلم مثل ما تعلمت.
стр. 1740
استخدام العلم للصد عن حدود الله
النوع السادس وهو من أخطرها: حينما يستخدم الإنسان هذا العلم للصد عن حدود الله: وما أخطر ذلك أيها الإخوة، ما أخطر أن يوظف العلم للصد عن سبيل الله، والقمة في ذلك هم ضُلّال أهل الكتاب، حكى الله ﵎ عنهم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٥١ - ٥٤].
جاء كفار قريش إلى أهل الكتاب فسألوهم أهم خير وأهدى أم محمد ﷺ ؟ فقالوا: أنتم فنزلت هذه الآيات.
مع أن أهل الكتاب يعلمون تمام العلم أن النبي ﷺ على الحق، فكانوا قد جعلوا هذا العلم الذي تعلموه مجرد صد، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ﴾ [آل عمران:٩٩] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧١] فهؤلاء قد جعلوا هذا العلم وسيلة للبس الحق بالباطل، والصد عن سبيل الله، فيأتي الإنسان وقد أوتي بياناً وحجة، وأوتي علماً، وحفظ من المتون والأقوال والمسائل، فيأتي ينزل هذه النصوص وينزل هذه الأقوال، وينزل هذا العلم على وقائع ليست على ما جاءت عليه، فيكون سبباً للصد عن سبيل الله، وسبباً لفتنة الناس عن دين الله ، وما أكثر هذا الصنف!
стр. 1741
كتم العلم
سابعاً من العلم الذي لا ينفع: حينما يكتم المرء العلم: قد لا يلبس الحق بالباطل، وقد لا يصد عن سبيل الله، لكنه قد يكتم العلم الذي يجب عليه بيانه كما قال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].
حينما يجب على الإنسان أن يبين العلم فيكتمه يتعرض لهذا الوعيد، فيصبح هذا العلم غير نافع لصاحبه، ما قيمة العلم الذي تعلمه؟ وهب أنه حصّل ما حصّل لقد كان هذا العلم سبباً لأن تحيق عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين عافانا الله وإياكم، ولهذا يخبرنا ﵎ أنه أخذ الميثاق ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٨٧ - ١٨٨].
ولهذا من سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار عافانا الله وإياكم.
إذاً فحين يكتم المرء العلم في موقف يجب عليه أن يبينه فإنه لا ينتفع بعلمه، وأشد من ذلك الصنف الذي قبله الذين يلبسون الحق بالباطل ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ولا شك أن الذي يوظف العلم للفتنة والصد عن سبيل الله ويأخذ مقابل ذلك أجراً أنه ممن يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٤].
صورة أخرى نراها كثيراً في واقعنا، وهي من صور العلم الذي لا ينفع، هذه الصورة تتمثل في نماذج من الناس، ممن تعلم العلم الشرعي، وحصل على شهادات وعلى مناصب، كم هم الآن في العالم الإسلامي خريجو الكليات الشرعية والدراسات الشرعية؟ ثم بعد ذلك بقي هذا الإنسان في عمل لأجل أن يأخذ على ذلك أجراً ومرتباً ولم تستفد الأمة ولم يستفد أحد من هذا العلم الذي تعلمه، بل صار من أبعد الناس عنه، فهذه صورة من العلم الذي لا ينفع، والذي استعاذ منه النبي ﷺ .
هذه بعض الصور أيها الإخوة من العلم الذي لا ينفع، ولا نستطيع أن نحصره في دائرة واحدة فكل علم لم يحقق للمرء مصلحة في الآخرة وهي المقصود الأعلى والأهم من تحصيل العلم، أو مصلحة في دنياه فهو داخل تحت هذا العلم الذي يستعيذ النبي ﷺ بالله منه في دعاءه.
فنسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، ونستعيذ به ﵎ من العلم الذي لا ينفع، إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1742
الأسئلة
стр. 1743
استخدام الآخرين للعلم النافع استخداماً سيئاً
السؤال
إنسان تعلم علماً ينفع الناس، ولكن هناك من استغل هذا العلم لمضرة الناس، فهل يلحق صاحبه إثم إذا كان هو مخلصاً لله، أي أن مخترع الكهرباء لو كان مخلصاً لله وهناك من استعمل الكهرباء للسينما فهل يناله إثم؟
الجواب
المسلم عليه أن يخلص لله دائماً وليس مسئولاً عن سوء استخدام الناس لثمرة علمه، يا أخي حتى العلم فبعض المرجفين إذا أراد أن يضع فتنة ويثير فتنة ذهب ليراجع ويقرأ القرآن ويقرأ صحيح البخاري ويقرأ المغني وكتب السلف وفي إعلام الموقعين، ويأخذ نصوصاً يستدل بها! هذه صورة من صور الاستخدام السيئ للعلم، حتى العلم الشرعي قد يستخدم أحياناً استخداماً سيئاً، وليست مسئولية هؤلاء الذين علّموا هذا العلم ونشروه للناس.
стр. 1744
مجالسة أصحاب الشر
السؤال
ما رأيك بالذي يجالس أصحاب الشر من غير داعي ممن يكثرون من الضحك والغيبة.
الجواب
هذا ليس بعلم ولا ينفع، إذا كان العلم الذي لا ينفع مذموماً فما بالك بما هو وراء ذلك من مجالس اللهو، والله ﵎ وصف عباده وأضافهم إلى عبوديته فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢] فمجالس الزور لا ينبغي للمسلمين أن يشهدوها ولا يحضروها، وإذا مروا بهذه المجالس أن يمروا بها كراماً.
стр. 1745
الامتناع عن الخطابة خوف الخطأ
السؤال
أنا أريد أن أتكلم وأريد أن يكون عندي القدرة على الخطابة، لكني أخاف من الخطأ فأسكت، فهل هذا يعتبر من كتمان العلم؟
الجواب
يختلف الخطأ يا أخي، فهناك خطأ في حديث الإنسان وإلقائه، يعني أن يتحدث الإنسان فيرتبك أو يتردد، وهذا أمر طبيعي لا بد منه، ولا يصل الإنسان إلى الإتقان إلا على قنطرة وجسر هذه الأخطاء، أو الخطأ من النوع الآخر الذي يكون في العلم الذي يبلغه، فالأول الحل في المران والتدرب وتحمل أن يقع في الأخطاء حتى تقل ثم تضمحل.
أما النوع الثاني فالحل ألا يتكلم الإنسان إلا بما يعرف، وإذا كان الإنسان يشك في أمر فلا يتكلم فيه بغير علم، أو يقول: ما أعلمه هو هذا وقد يكون الأمر بخلاف ذلك.
المهم ألا يتكلم الإنسان إلا عما يعرف، ويضبط ألفاظه حين يتكلم به، هذا هو الحل للسلامة من الخطأ، لكن لو اجتهد الإنسان وتكلم بأمر يظنه حقاً ولم يكن كذلك، فإذا اجتهد وبذل وسعه وأخطأ، فإنه يؤجر على ذلك أجراً واحداً.
стр. 1746
معنى آية: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو)
السؤال
ما معنى ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]؟
الجواب
هذا فيه إخبار من الله ﵎ عن حال أهل الصداقة والخلة يوم القيامة، وهذه الآية جاءت في سورة الزخرف، فقوله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٨] وهذه في نفس السورة التي ذكر الله فيها هذه الآية الأولى.
فالذي أعرض عن ذكر الله ﵎ يقيض الله له شيطاناً فهو له قرين، والشيطان قد يكون من شياطين الإنس أو الجن، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف:٣٨] أي: ليتك كنت في المشرق وأنا في المغرب حتى لم نلتق ولم نصل إلى هذه المدينة.
والطائفة الأخرى هم الذين حكى الله عنهم بأنهم ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] فهذا حال أولئك، وهذا حال هؤلاء، وحال هؤلاء يتمنى أحدهم أن يكون بينه وبين صاحبه بعد المشرقين، ويتبرأ لله منه يقول: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩].
بل يقولون لله ﵎: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] يسألون الله أن يزيد أصحابهم من العذاب، وأن يضاعف عليهم العذاب لأنهم كانوا سبباً في إضلالهم.
أما هؤلاء فلهم شأن آخر، حتى حين يدخلون الجنة، يقول النبي ﷺ : (والله ما أحد أشد مبالغة منهم حين يسألون الله فيقولون: يا رب إخواننا كانوا يصلون معنا ويقومون معنا، فيقول الله لهم: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم من النار وقد حرم الله صورهم على النار؛ لأنهم يسجدون لله ﵎، فيخرجون من النار ثم يدخلونهم الجنة) يعني حتى الذين كانوا يصلون معهم ويقومون معهم من أهل المعاصي، بعد أن دخل هؤلاء الجنة وأرضاهم الله ﵎، لم ينسوا أولئك وصاروا يطالبون الله ﵎ أن يخلّص إخوانهم من النار، أما أولئك فيقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] عافانا الله وإياكم.
стр. 1747
معاودة الغيبة والعلم النافع
السؤال
أعلم علماً يقيناً بتحريم الغيبة والكذب وبعض الأمور، ولكن كثيراً ما أرتكبها ثم أستغفر الله، ثم أمسك، فهل يكون علماً لا ينفع، وما الحل للبعد عنها جزاك الله خير؟
الجواب
النفع ليست قضية واحدة، يعني إما أن توجد أو لا توجد! بل هي درجات، لو أخذنا ثلاثة أشخاص وأعطينا كل واحد مبلغاً من المال قدره مائة ريال، فالأول أحرقها بالنار، والثاني استفاد منها فتصدق بها جميعها، والثالث تصدق بشيء منها وصرف جزءاً في بعض حاجاته، فالأول لم ينتفع بها إطلاقاً، والثاني انتفع بها كلها، والثالث حصّل بعض النفع منها، فهكذا شأن العلم، فبعض الناس قد يتعلم علماً فيعمل به في نفسه ويكتفي بذلك، وبعض الناس يعمل به ويدعو الناس إليه ويعلم غيره، وبعض الناس يتعلم هذا العلم فيعمل به لكنه يقصر، والبعض لا يعمل به، فهناك من لم ينتفع به أصلاً، وهناك من انتفع به بعض الانتفاع، فأفضل الناس الذي تعلم هذا العلم وعمل به وعلمه ودعا الناس إليه، فالانتفاع يتفاوت بقدر ما تعمل بهذا العلم الذي تعلمته تكون انتفعت به، فليست كتلة واحدة إما أن توجد أو لا توجد.
стр. 1748
السؤال عن الأمور التي لا تقع
السؤال
ذكرت حديث اختيار الجليس، هل العكس ينطبق على الإنسان الملتزم الذي يجلس مع الفسقة، بمعنى أنه يفتن دون الرفقاء والأصحاب؟
الجواب
الشق الثاني ينبغي ألا يرد أصلاً؛ لأن قضية الاستجابة إلى الفسقة هذه قضية غير واردة، ولا بد دائماً أن يكون الرائد في العلم الذي ينفع، ولهذا من الصور التي لا تنفع وما أشرنا إليها اختصاراً، أن كثيراً من السلف كان إذا سأله أحد عن مسألة قال: وقعت أم لا؟ قال: لا، قال: انتظر حتى تقع، نحن نعلم علماً نحفظه يترتب عليه يقين، التفريع في المسائل التي ليس وراءها عمل مذموم، أحياناً الذي يطالع في التفريعات التي لا يترتب عليها عمل ولا فيها فائدة في الدنيا ولا في الآخرة، فهذه صورة من الصور التي لا تنتفع بها، الأصل أنه غير وارد أن يجالس الشاب المسلم الفسقة وهو ملتزم ويبقى معهم، ولهذا فهذا السؤال غير عملي، افترض أنا نقول إنه ينطبق عليه أو لا ينطبق، لكن المفترض ألا تجالسهم أصلاً؛ لأنك قد نُهيت عن صحبة هؤلاء وعن مجالستهم سواء كان ينطبق هذا أو لا ينطبق، ولا يترتب عليه شيء عملي بالنسبة لك.
لكن إذا كان الإنسان يحب أهل الفسق ويرتاح إليهم فليراجع نفسه وليراجع إيمانه فإن في إيمانه ضعفاً، وإلا فالإنسان الذي عنده قوة إيمان وتقوى ينفر من أهل الفسق والفجور، ويحب أهل الصلاح والتقوى.
стр. 1749
دراسة المواد العلمية كالرياضيات هل هي من العلم النافع
السؤال
ما رأيك في المواد العلمية كالرياضيات والكيمياء وغيرها، هل تعتبر علماً لا ينفع، خاصة وأن حصصها أكثر من حصص القرآن؟
الجواب
نحن لسنا في مجال نقاش، ما هي المناهج التي ينبغي أن نعلمها، وكيف، والمقدار، وكم؟ ليس هذا مجال نقاش، لكن أنت لا بد أن تتعلم هذه شئت أم أبيت اقتنعت أم لا، فدع القضية فيما ينفع، واضبط هذا العلم الذي تتعلمه فيما ينفع، حتى القضية التي قلتها، فالعلم علمان: علم شرعي لدين الله ، وأحكام الحلال والحرام، فهذا العلم لا إشكال في أنه علم نافع يرضي الله ورسوله ويجب أن تخلص به النية لله ﵎، والعلوم الأخرى تنفع إن أردت بها نفع المسلمين وتحقيق الخير لهم وإفادتهم، ولا شك أن الأمة تحتاج إليها فأصبح ذلك علماً نافعاً، وإن أردت بها مجرد وجاهة اجتماعية أو مجرد تحصيل وظيفة فقط صار بالنسبة لك علماً غير نافع.
стр. 1750
المخلص لا يحب المدح
السؤال
حينما يعمل عملاً وهو مخلص لله، ولكن يحب أن يمدحه الناس؟
الجواب
هذا غير مخلص، فالمخلص لا يحب أن يمدحه الناس، لكن إذا شابته شائبة من شوائب الرياء على حسب هذه الشائبة، وقد فصّل أهل العلم في ذلك، فإذا كان أصل العمل لغير الله فهذا خطير، لكن إذا كان عملاً لله ثم دخلته شائبة! والإخلاص درجات ويتفاوت الناس فيها.
стр. 1751
أثر المعاصي على الطلب والتحصيل
السؤال
ما هو أثر المعاصي على الطلب والتحصيل، وما هي أفضل الوسائل لحفظ القرآن الكريم وإتقانه؟
الجواب
المعاصي قد تكون سبباً لحرمان العلم أصلاً، فيقع الإنسان في النسيان أو قد تشغله عن العلم وتصرفه عن العلم، وقد تكون سبباً لحرمان بركة العلم؛ لأنه قد يحصّل الإنسان العلم لكن يُحرم البركة فيصبح علماً لا ينفع.
стр. 1752
الحلف بالطلاق
السؤال
في يوم من الأيام في العطلة قلت لأبي: سوف أذهب إلى مدينة كذا وقت صلاة المغرب والعشاء، أو إلى الساعة الثانية عشرة ليلاً، ولكن أبي رفض قال: لن تذهب إلا بعد الفجر، فقلت له: عليّ الطلاق إني سوف أذهب قبل الساعة الثانية عشرة، ولكنني أطعت والدي وذهبت في الوقت الذي حدده لي، فهل يقع عليّ الطلاق إذا تزوجت أو أكفّر أم ماذا أفعل؟
الجواب
هذا الذي بدأ من الآن يطلق عنده مشكلة، أصلاً حلفه بالطلاق أمر غير مشروع أصلاً، وإذا حلف الإنسان فليحلف بالله ، وهذه اليمين شاعت عند الناس لقلة تعظيمهم لله ﵎، ولماذا صار الحلف باباً من أبواب التوحيد؟ لأنه يرتبط بتعظيم الله، وهذا حلف بالطلاق لأن الطلاق أصعب شيء عنده، حيث يجعله يفارق أهله ويهدم أسرة، وهذا من قلة تعظيم الله ﵎، وهو من اتخاذ آيات الله هزواً؛ لأن الطلاق حكم شرعي شُرع لحل المشكلات.
ثم إن من الدليل على سخافة عقل الإنسان أن يحلف بالطلاق! فعندما يدعو الناس للغداء يؤكد ذلك بالطلاق وهكذا! فما هي علاقة الزوجة بفلان؟ سواء استجبت لدعوتك أو ما استجبت فما علاقة هذه القضية بمسألة الطلاق؟ فهذه عادة يعملها أحياناً السفهاء والناس الذين لا يقومون بالواجب؛ لا برعاية الأهل ولا بمراعاة الحياة الاجتماعية، بل هذا من هوان قيمة المرأة شريكة الإنسان في حياته، والله أخبر أنه أخذ بذلك ميثاقاً غليظاً، أي في هذا العقد والنكاح.
أنا ذهبت إلى مجال أبعد من القضية فأقول: إن هذا دليل على مشكلة في تعظيمنا لله أصلاً؛ لأننا نعدل عن الحلف بالله إلى هذا الأمر، ودليل على تفكك العرى وقيمة الحياة الاجتماعية، ولهذا نشأت مشكلات الطلاق ونشأت مشكلات كثيرة في مجتمعات المسلمين بسبب عدله في الحلف، وأقول للسائل أن يرجع لأقوال الفقهاء في الطلاق، وأنه إذا طلق ولم يتزوج إذا قال إذا تزوجت فأنت طالق، أو كل من تزوجت فزوجتي طالق! إلى آخر التفريعات.
стр. 1753
لا يعذر بالجهل من يقدر على التعلم
السؤال
هل يعذر الإنسان بجهله إذا كان بإمكانه التعلم ولكنه شُغل بالدنيا؟
الجواب
لا، إذا كان يستطيع أن يتعلم وانشغل فلا يُعذر.
стр. 1754
عدم التبكير لصلاة الفجر خوف الحسد
السؤال
أنا أريد الإخلاص ولكن كيف تفسر لي هذه الحالة: الذي يريد أن يصلي الفجر ولكن يقول إذا ذهبت إلى المسجد أول مرة أخاف أن يحسدوني من التبكير للمسجد؟
الجواب
لن يحسدك أحد إن شاء الله، هذا من المسابقة في الخيرات، وما يشرع للإنسان أن يتأخر عن العمل الصالح لأجل هذا أبداً.
стр. 1755
العلم الذي لا ينفع لا يورث الخشية
السؤال
الله بين في كتابه أن الذين يخشونه من عباده هم العلماء، ولكن نجد علماء اليهود والنصارى وأهل الفسق والعلمانيين لا يخشون الله، فكيف توجه هذه الآية؟
الجواب
نعم هؤلاء عندهم علم لكنه لن ينفعهم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].
следующие страницы →