← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

أثر المعاصي على الطلب والتحصيل السؤال ما هو أثر المعاصي على الطلب والتحصيل، وما هي أفضل الوسائل لحفظ القرآن الكريم وإتقانه؟ الجواب المعاصي قد تكون سبباً لحرمان العلم أصلاً، فيقع الإنسان في النسيان أو قد تشغله عن العلم وتصرفه عن العلم، وقد تكون سبباً لحرمان بركة العلم؛ لأنه قد يحصّل الإنسان العلم لكن يُحرم البركة فيصبح علماً لا ينفع.

стр. 1752

الحلف بالطلاق السؤال في يوم من الأيام في العطلة قلت لأبي: سوف أذهب إلى مدينة كذا وقت صلاة المغرب والعشاء، أو إلى الساعة الثانية عشرة ليلاً، ولكن أبي رفض قال: لن تذهب إلا بعد الفجر، فقلت له: عليّ الطلاق إني سوف أذهب قبل الساعة الثانية عشرة، ولكنني أطعت والدي وذهبت في الوقت الذي حدده لي، فهل يقع عليّ الطلاق إذا تزوجت أو أكفّر أم ماذا أفعل؟ الجواب هذا الذي بدأ من الآن يطلق عنده مشكلة، أصلاً حلفه بالطلاق أمر غير مشروع أصلاً، وإذا حلف الإنسان فليحلف بالله ، وهذه اليمين شاعت عند الناس لقلة تعظيمهم لله ﵎، ولماذا صار الحلف باباً من أبواب التوحيد؟ لأنه يرتبط بتعظيم الله، وهذا حلف بالطلاق لأن الطلاق أصعب شيء عنده، حيث يجعله يفارق أهله ويهدم أسرة، وهذا من قلة تعظيم الله ﵎، وهو من اتخاذ آيات الله هزواً؛ لأن الطلاق حكم شرعي شُرع لحل المشكلات. ثم إن من الدليل على سخافة عقل الإنسان أن يحلف بالطلاق! فعندما يدعو الناس للغداء يؤكد ذلك بالطلاق وهكذا! فما هي علاقة الزوجة بفلان؟ سواء استجبت لدعوتك أو ما استجبت فما علاقة هذه القضية بمسألة الطلاق؟ فهذه عادة يعملها أحياناً السفهاء والناس الذين لا يقومون بالواجب؛ لا برعاية الأهل ولا بمراعاة الحياة الاجتماعية، بل هذا من هوان قيمة المرأة شريكة الإنسان في حياته، والله أخبر أنه أخذ بذلك ميثاقاً غليظاً، أي في هذا العقد والنكاح. أنا ذهبت إلى مجال أبعد من القضية فأقول: إن هذا دليل على مشكلة في تعظيمنا لله أصلاً؛ لأننا نعدل عن الحلف بالله إلى هذا الأمر، ودليل على تفكك العرى وقيمة الحياة الاجتماعية، ولهذا نشأت مشكلات الطلاق ونشأت مشكلات كثيرة في مجتمعات المسلمين بسبب عدله في الحلف، وأقول للسائل أن يرجع لأقوال الفقهاء في الطلاق، وأنه إذا طلق ولم يتزوج إذا قال إذا تزوجت فأنت طالق، أو كل من تزوجت فزوجتي طالق! إلى آخر التفريعات.

стр. 1753

لا يعذر بالجهل من يقدر على التعلم السؤال هل يعذر الإنسان بجهله إذا كان بإمكانه التعلم ولكنه شُغل بالدنيا؟ الجواب لا، إذا كان يستطيع أن يتعلم وانشغل فلا يُعذر.

стр. 1754

عدم التبكير لصلاة الفجر خوف الحسد السؤال أنا أريد الإخلاص ولكن كيف تفسر لي هذه الحالة: الذي يريد أن يصلي الفجر ولكن يقول إذا ذهبت إلى المسجد أول مرة أخاف أن يحسدوني من التبكير للمسجد؟ الجواب لن يحسدك أحد إن شاء الله، هذا من المسابقة في الخيرات، وما يشرع للإنسان أن يتأخر عن العمل الصالح لأجل هذا أبداً.

стр. 1755

العلم الذي لا ينفع لا يورث الخشية السؤال الله بين في كتابه أن الذين يخشونه من عباده هم العلماء، ولكن نجد علماء اليهود والنصارى وأهل الفسق والعلمانيين لا يخشون الله، فكيف توجه هذه الآية؟ الجواب نعم هؤلاء عندهم علم لكنه لن ينفعهم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].

стр. 1756

تعلم العلم بنية الفساد السؤال إنسان كانت نيته وتخطيطه من بداية علمه أن يفسد في الأرض، وبعد تخرجه غيّر نهجه وبدأ بالتعليم، فهل المدة التي كانت نيته فيها فاسدة يتحمل عليها الإثم؟ الجواب لا تشغل نفسك بما مضى، العلم هو كما قال بعض السلف: تعلم العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، مثلاً إنسان يتعلم لأجل تحصيل الدنيا، ثم تحسن نيته فيبقى العلم الذي تعلمه موجوداً عنده فيستفيد منه، فأنت إذا صلحت نيتك وخلصت فلا تربط نفسك بما مضى من دهرك، والزم الذي بقي عليك، وقضية النية التي نويتها والعمل الذي عملته فتب إلى الله وكفّر عن ذلك بنشر الخير والعلم.

стр. 1757

الدراسة النظامية وتأثيرها على الإخلاص السؤال ما رأي فضيلتكم فيمن يقول: إن الدراسة النظامية تنقص قدراً من الإخلاص؟ الجواب هذا غير صحيح، صحيح أنه تُفتح للإنسان فرص قد تؤثر على الإخلاص، لكن الإنسان إذا أخلص نيته واتقى الله وراجع نيته دائماً تصبح خيراً وكم من المسلمين اليوم من استفاد من هذه الفرص، وسلك مجال الكتابة فيما ينفع المسلمين سواء في علوم الدين أو علوم الدنيا.

стр. 1758

صلاة الاستخارة السؤال أرجو أن تبين لنا كيفية أداء صلاة الاستخارة، وهل تكون صلاة الاستخارة في الأمور الخيرية مثل الجهاد وغيره؟ الجواب صلاة الاستخارة ركعتان من غير الفريضة، ثم يدعو بالدعاء الذي أخبرنا به النبي ﷺ .

стр. 1759

إماطة الخبز ونحوه عن الطريق السؤال ذكرت أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فهل إماطة ما كان من نعم الله كالخبز وغيرها تدخل في هذا وتعتبر أذى؟ الجواب الفرق بين أن يكون العمل عملاً مشروعاً، وبين أن يكون داخلاً ضمن هذا النوع مما أخبر به النبي ﷺ ، فإذا كانت تؤذي الناس في طريقهم فإزالتها تعتبر من إماطة الأذى، لكن قد يزيلها الإنسان تقديراً لنعم الله فيؤجر على ذلك، مثلما لو وجدت أوراقاً فيها اسم الله ﵎ مرمية وأزلتها، أنت أزلت هذه الأوراق عن الطريق لكن احتراماً وتعظيماً لاسم الله فعلت ذلك.

стр. 1760

ما يبدأ به من العلم السؤال لقد ذكرت في كتاب الشباب والصحابة أن أول علم يتعلمونه بعد القرآن هو العقيدة والتوحيد، فما رأيك بمن بدأ بالحديث قبل العقيدة، وهل من اللازم ما ذكرته؟ الجواب العلوم متلازمة، فالقرآن يتعلم منه الإنسان مسائل الإيمان ومسائل الأحكام التي هي العقيدة والفقه، وسنة النبي ﷺ أيضاً يتعلم منها هذا وذاك، فالقضية متلازمة لا نفصل بينها، وما لم يكن أحد العلوم ليؤدي إلى هذه الثمرة فلا خير فيه، إذا كان الإنسان يتعلم ويحفظ لمجرد أن يتسلى، ويقرأ حديث النبي ﷺ لأنه يحفظ فقط؟ لا، إذا قرأها فهي داخلة تحت هذا الأمر، إما أمر من أمور الإيمان والاعتقاد، أو أمر من أمور الأحكام والسلوك يلتزم به ويعمل به في حياته.

стр. 1761

معنى الفقه في الدين السؤال قال ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) هل المراد هنا بالعلم علم الفقه؟ الجواب من الأخطاء الربط بين اصطلاحات الفقهاء والاصطلاحات الشرعية، فالفقهاء قد يصطلحون على مصطلح لكنه ليس هو المصطلح الذي جاء في الكتاب والسنة فيقع خلط، فمثلاً كتب الرجعة، عند الفقهاء هي الرجوع للزوجة بعد الطلاق، لكن في الشرع قد لا يكون كذلك، القضاء والأداء مصطلحات كثيرة قد يصطلح عليها الفقهاء وهي تعني عندهم اصطلاحاً معيناً لكنها في لفظ الكتاب والسنة ليست كذلك، ولهذا يقع الإنسان في لبس، فيقصر المصطلح الشرعي على هذا المصطلح الفقهي، والفقه في الدين جاء في آيات كثيرة بغير هذا المعنى ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٧] هل المقصود بها أنهم لا يعرفون أحكام الفقه والحلال والحرام، أم أنهم لا يعرفون العزة لله ولرسوله، فجعل الله في ذلك فقهاً، هذا جاء بنص القرآن، فالفقه المقصود به إذا جاءت بنصوص الكتاب، والسنة المقصود به العلم بدين الله أياً كان.

стр. 1762

الدعاء على أعداء الدين بالموت السؤال هل يجوز في دعاء النوازل أن يدعو على اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء الدين؟ الجواب عند دخول المنزل لا يُشرع للإنسان أن يدعو على اليهود والنصارى، أما إذا كان في دعاء النوازل فهذا مشروع للمسلمين؛ لأن النبي ﷺ كان يقول: اللهم منزل الكتاب هازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم.

стр. 1763

الذنوب تمنع العلم السؤال ما رأيكم بمن يجعل الذنوب التي يرتكبها مانعاً وحاجزاً عن التوبة، كذلك يجعلها مانعاً له عن تعلم العلم الشرعي؟ الجواب من عقوبة الإنسان على ذنبه أن يحول بينه وبين ذلك، لكن المفترض للمسلم ألا تحول الذنوب بينه وبين التوبة، وحتى لو وقع في ذنب فلا يمنع ذلك عن تعلم العلم ولا يمنع ذلك عن التوبة والالتزام ومجالسة الأخيار، بل ذلك يكون بإذن الله سبباً لتخليه عن هذه الذنوب وتراجعه عنها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.

стр. 1764

ماذا بعد الالتزام ؟ الإنسان عرضة للغفلة والعصيان، والانهماك في مستنقعات الشهوة ورعونات النفس، خاصة الشباب، ثم يمن الله تعالى بالتوبة على من يشاء من عباده، فإذا تاب الإنسان والتزم فعليه أن يأخذ نفسه بالمجاهدة والابتعاد عن دواعي الشهوات، والحذر من الانتكاس بعد الهدى.

стр. 1765

الهداية عودة إلى الأصل الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فهي فرصة طيبة أن نلتقي بإخواننا الشباب هذا اللقاء المبارك في هذه البلدة التي تشرفنا بزيارتها، فنسأل الله أن نكون وإياكم من المتحابين بجلاله، وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله. معشر الشباب! عنوان هذه المحاضرة كما سمعتم: ماذا بعد الهداية؟ ظاهرة نشهدها كثيراً ونراها، وربما نكون نحن أيضاً من نتاج هذه الظاهرة، ترى صورة ذاك الشاب الذي عاش فترة من الغفلة والإعراض والجرأة على ما حرم الله ، وعاش مرحلة من التيه والضياع، ثم من الله عليه بالهداية، فهداه الله ، وسلك طريق الخير والاستقامة. أو ذاك الشاب الذي قد لا يكون كصاحبنا، قد لا تكون له تجربة في الفساد والإغراق فيه والانحراف، لكنه هو الآخر له تجربة قريبة من هذه التجربة، قد يكون عاش شخصاً عادياً لا اهتمام له، وغاية ما يشكل عنده أهمية فوز فريق رياضي أو تقدمه، أو قضية صغيرة أو كبيرة، أما قضية الاستقامة وقضية الدين فلا تقدم عنده ولا تؤخر كثيراً، ثم من الله عليه هو الآخر بالهداية، ونعتبرها في الواقع نقلة مهمة، فسلك مع الشباب الأخيار طريق الخير والاستقامة، فصار مع هذا الرأي. ومن ثم كان لابد لهؤلاء وأولئك ولجميع الذين سلكوا هذا الطريق من حديث خاص حول هذه المرحلة التي انتقلوا إليها وسلكوها، ولئن كان الحديث فيما قد يبدو لنا خاصاً بأولئك الذين هم حدثاء عهد بهذه المرحلة إلا أني أتصور أنه قد يعنينا جميعاً، وسنجد جوانب من هذا الحديث تعنينا ونشترك فيها جميعاً. الجانب الأول: هذه الهداية إنما هي عودة إلى الأصل: فإن الله يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣١]. أي: أن الله فطر الناس منيبين إليه، ومسلمين له، ومتوجهين له، فالبعض قد يتصور أنه ما دام هو قد تحول إلى هذا الطريق، أو ما دام فلان من الناس أياً كان هذا الشخص قد تحول إلى هذا الطريق، فإن هذا يعني أنه قد سلك طريقاً آخر، ومسلكاً آخر، ودرباً آخر. ولكن نحن نقول: إن هذا الشخص إنما عاد إلى الأصل، وعاد إلى المسار الطبيعي الذي كان ينبغي أن يسير فيه، والذي كان هو عليه أصلاً، فإن الله قد أخبر أنه فطر الناس منيبين إليه، ومتوجهين له، ومسلمين له. ونلمس هذا المعنى أيضاً واضحاً، بل قد يكون بصورة أدل وأقوى في الدلالة من قول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه يقول: (خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن ذكر الله ، فحرمت عليهم ما أحللت لهم). إذاً: الجميع خلق أصلاً على هذا الطريق، وخلق في هذا المسار، ثم جاءته الشياطين فاجتالته، فأخذ المسار الآخر، فعندما يهتدي فإنه يعود إلى الأصل الذي كان هو عليه وخلق عليه. وكما قال ﷺ : (ما من مولود يولد إلا على الفطرة، حتى يعجم عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). هذا جانب من الجوانب التي تعطينا دلالة على أن هذا الشاب الذي سلك هذا الطريق لم يسلك طريقاً جديداً أصلاً، ولم يسلك مساراً مبتدعاً، إنما عاد إلى الأصل وإلى الوضع الطبيعي والمسار الذي كان عليه. جانب آخر أيضاً: اخرج خارج المدينة وتأمل فيما أمامك تجد الجبال والأشجار، ومظاهر هذا الكون، وارفع نظرك إلى السماء تر السماء والنجوم وتر ما فيها، وحينئذٍ ستتذكر قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨]. إذاً: فترى هذا الكون أمامك بكل ما فيه يسجد لله ، يسجد له من في السماوات ومن في الأرض، والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب، حتى كثير ممن حق عليه العذاب هو في حقيقة أمره في بعض جوانب حياته يخضع ويسجد ويسلم لله . ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد:١٥]، لعلك تبحث عن الظل لتجلس تحته، أو لتوقف سيارتك في مكان تستظل به، ثم تتذكر فعلاً هذا الظل الذي يمتد ويعود مرة أخرى ويرجع، فتراه في الصباح يبدأ يتناقص، ثم ف

стр. 1766

الفضل لله وحده ثانياً: الفضل لله وحده: قد تتساءل بعد فترة فتقول: وفقت لسلوك هذا الطريق نتيجة قدراتي العقلية، لأني إنسان عاقل ومتزن، أملك قدرة على التفكير، و، و، وغير ذلك، فتبدأ تحلل بعض الأسباب التي أدت بك إلى العودة إلى الطريق الصحيح، وتنسى السبب الأساس والأهم وهو فضل الله وحده. وهي قضية يجب أن تتصورها، وألا تغيب عن بالك، فهي من باب الاعتراف بالفضل لأهله، فالله يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]. إذاً: النبي ﷺ كان محتاجاً إلى فضل الله، وإلى رحمة الله، وإلى توفيق الله؛ ليصرف الله عنه كيد أولئك الذين هموا أن يضلوه. وأبونا إبراهيم الذي سمانا المسلمين كما قال الله في كتابه، يقول وهو يدعو ربه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧]، فإبراهيم غير مستغن عن هداية الله ، وتوفيق الله له. والله يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم). إذاً: فأنت ما لم تستمد الهداية والتوفيق من الله فأنت في ضلال وفي خسران. والنبي ﷺ أيضاً يصور لنا حقيقة هذا الإنسان، ومدى قدرته على التحكم في نفسه، أو مدى قدرته على الاستغناء عن مولاه ، فيقول: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء)، ومفهوم تقليبها ليس مفهوماً ضيقاً، فنحن نفهم مثلاً أن هذا الحديث خطاب لمن كان مستقيماً على الخير والطاعة أنه قد ينحرف. لكن أيضاً حتى الإنسان الفاجر العاصي يمكن أن يقلب الله قلبه ليتحول إلى خير رجالات هذا الدين، بعد أن كان من أفسق الناس وأشقاهم. ويقول ﷺ في الحديث الآخر: (لقلب ابن آدم أشد تقلباً من القدر إذا استجمعت غليانا). إذاً: الذي يقلب هو الله . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]. فالشاهد إذاً: أننا يجب أن ننسب الفضل لأهله، وأن نعرف أن المتفضل الأول والأخير هو الله ، بدءاً بالهداية الأولى حين بين لنا هذا الحق، فإن الله هو الذي أرسل للناس الرسل، وأنزل لهم الكتب هداية، فقد قال عن ثمود: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]، مع أن ثمود لم يسلموا كما تعلمون، ولكن هذه الهداية التي هدى الله بها ثمود هي أن أرسل إليها الرسول. فنحن يجب أن نعترف لله بالفضل أولاً: أن أرسل إلينا الرسل، وأنزل إلينا الكتب، وأبلغنا هذا الدين وهذه الدعوة. لقد كان يمكن أن تكون أنت يهودياً، أو نصرانياً، أو وثنياً تعكف على وثن، أو تكون من الطوائف الضالة البعيدة عن الإسلام، فتكون رافضياً تتعبد إلى الله بالخرافات والخزعبلات، أو تكون قاديانياً تدين بنبوة ذلك الطاغوت، أو تكون صاحب نحلة أياً كانت. فلقد منَّ الله عليك بأن اتضح لك الطريق، بالهداية والدلالة والبيان والإرشاد، فكم من إنسان يلتبس عليه الحق بالباطل، ثم الفضل الآخر أن وفقك الله لسلوك هذا الطريق، ولو شاء الله لكنت ممن قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا عندما قال هذه الأبيات ومات وهو يردد هذه الأبيات؛ مات على ملة عبد المطلب، وقائل هذه الأبيات هو أبو طالب، عم النبي ﷺ الذي كان عنده قناعة تامة، وأيقن بهذا الحق، لكنه لم يسلك هذا الحق، مع كل ما بذله من جهد في حماية النبي ﷺ والذب عنه، صحيح أنه خفف عنه عذاب الله ، لكنه بقي في النار خالداً، ولا يمكن لأمثال هؤلاء أن يدخلوا الجنة حتى يسلموا لله . أقول: حتى مع وضوح الحق يبقى التوفيق في سلوك الحق -أيضاً- هي منة أخرى لله . فيجب أن نستحضر هذه القضية دائماً، وأن تستحضر أنك إذا وفقت لأداء عبادة من العبادات، أو وفقت لتوبة صادقة، أو وفقت لعمل صالح، أن تعرف أن صاحب الفضل أولاً وأخيراً هو الله سبح

стр. 1767

الهداية بداية حياة جديدة الجانب الثالث: هذه المرحلة بداية حياة جديدة: صحيح أنك عدت إلى الطريق، لكنك عدت بعد أن تشعبت بك الطرق والوديان، ومن ثم ستبدأ حياة جديدة بكل ما تعنيه هذه الحياة، فتجد الشاب تغير عندما هداه الله ، وأول ما تبدو مظاهر التغير في مظهره، فأزال المخالفات التي كانت موجودة عليه في المظهر، ولهذا عندما ترى مظهر الإنسان تأخذ انطباعاً معيناً عن هذا الشخص. ثم الأمور والمظاهر العامة في عبادته وفي قضاياه أصبح القريب والبعيد من حوله يعرف أن فلاناً هداه الله وأنه قد تغير. هذا صحيح، لكن يجب ألا نقف عند هذا الحد، وأن نتصور أنها نقلة بعيدة، وإذا أحسست أنك ما انتقلت إلى هذه النقلة فلابد أن تعيد حساباتك مرة أخرى، فقد تبقى عندك بقايا، فيجب أن تبدأ حياة جديدة، أولاً: في المظهر، وهذه قضية واضحة، والدليل على هذا أنك مجرد أن ترى الإنسان يمكن أن تأخذ تصوراً عنه، تقول: هذا فلان مستقيم أو هذا فلان لا أرتاح له من خلال المظهر، صحيح أن المظهر ليس كل شيء، لكنه يعطي دلالة واضحة نلمسها جميعاً، ونجدها في أنفسنا ضرورة. لكن أيضاً مع ذلك هناك تغيرات يجب أن تحصل لديك، وإذا لم تحصل لابد أن تعيد النظر فيها: فأولاً: يجب أن تتغير اهتماماتك، فأنت في السابق مثلاً كنت إنساناً ساذجاً، تعيش اهتمامات تافهة، فأهم قضية عندك قضية الكرة والرياضة، قضايا تافهة إذا تطورت في الأمر صارت قضايا دنيوية بحتة، يعني: إذا صرت جاداً إلى آخر حد تكون أهم شيء عندك دراستك، أن تنجح وتتفوق وتتخرج، هذه هي قضية القضايا عندك، وهي كل شيء، وهي التي تسيطر على تفكيرك. وقد تكون الاهتمامات بجوانب هي مخالفة لأمر الله ، فقد تكون تسيطر عليك الشهوة، وقد يسيطر عليك أمر محرم فصار هو بؤرة اهتماماتك. المهم: أياً كانت اهتماماتك ستبقى في محيط تافه، أما الآن فلا، فعندما هداك الله يجب أن تتغير اهتماماتك، وتفكيرك وخواطرك، فلا يليق بك الآن أن تهتم بالرياضة واللهو واللعب، صحيح أنك ستستمر في ممارسة هذه الأمور باعتبار أنها قضايا ليس فيها محذور شرعي، وقضايا لا يستغني عنها الشاب في مجال للترويح، لكن هناك فرق بين من يمارس ذلك، ومن تشكل هذه القضية في ذهنه قضية أساسية، فيمكن أن تجد اثنين من الشباب هذا الشاب رقم (أ) يمارس الرياضة بنسبة كبيرة، والآخر يمارسها بنسبة أقل، لكنك تجد الشخص الآخر قد استولت عليه، وصارت هي تفكيره. وكما يقال: من كانت الدنيا في قلبه، ومن كانت الدنيا في يده، فقد تجد صعلوك ومع ذلك الدنيا هي عنده كل شيء، وهي حساباته، وقد تجد إنساناً قد وسع الله عليه، ومع ذلك الدنيا لا تساوي عنده شيء. إذاً: فيجب أن تتغير اهتماماتك، وتصوراتك للحياة وتصوراتك للناس، ومقاييسك للناس، فأنت كنت في السابق تقيس الناس بمقاييس معينة وموازين معينة، يجب أن تكون الصورة تختلف، فأنت في السابق مثلاً كنت ترى شاباً يمر عليك وأنت واقف عند البيت فأخذت نظرة معينة عنه وصورة معينة تنظر إليه من خلالها، أو تراه في الفصل عندك، أو في المدرسة، وقد تكون هذه النظرة هذه سيئة مربوطة بالخطيئة، وتتحكم أحياناً في هذه القضية بنظراتك للناس، وقياسك لهم، لكنك الآن، أصبحت لك نظرة أخرى، وقياس آخر لهذا الإنسان. في السابق كنت ترتاح لفلان من الناس؛ لأنه إنسان طريف، وإنسان واسع الصدر، عنده طرافة وعنده متعة الحديث، أما الآن فأصبحت تحب في الله وتبغض في الله، وأصبح المعيار الذي يجعلك تختار فلاناً وتجلس معه وتتخذه خلاً لك وصديقاً مصافياً هو طاعة لله ، وعبادته لله ، وتقواه لله ، والمعيار الذي يجعلك تضع على فلان علامة استفهام هو كون فلان عاصياً لله . إذاً: تغيرت مقاييسك التي من خلالها تحكم على الناس وتتعامل معهم على أساسها. أيضاً من التغيرات: تغيرك في النظرة إلى وقتك، فأنت مثلاً في السابق كنت تعتبر أن هذا وقت فراغ تريد أن تتخلص منه بأي صورة، وتريد أن تعطل وقت الفراغ الذي عندك في أي مجال، في محاضرة أمس أرسل لي أحد الشباب سؤالاً، وكانت المحاضرة عن الاهتمامات، فيقول: كيف تطلب منا هذا الأمر ونحن الآن نعيش في عطلة وفراغ، ونعاني من فراغ، فلابد لنا من الانشغال بالرياضة والانشغال بمثل هذه القضايا التي تراها اهتمامات غير لائقة بنا. أنا أقول: يجب أن تصبح لك نظرة أخرى للوقت، فالرجل الجاد يبحث عن فراغ، ولا يشتكي من فراغ! ففي السابق كنت تقول هذه اللغة التي يقولها: كيف تطالبني ألا أتابع الرياضة، أو لا أتابع القضايا التي تسميها قضايا تافهة، وأنا أشتكي من الفراغ، وأعاني من الفراغ خاصة في هذه الإجازة، فلابد لي من مثل هذه الأساليب. بينما الآن، أصبحت تفكر تفكيراً آخر، تقول: أنا أبحث عن الفراغ لأحفظ كلام الله ، أبحث عن الفراغ لأعبد الله ، أبحث عن الفراغ لأستغل وقتي في بناء نفسي علمياً، وبناء نفسي تربوياً. المهم أن أستغل هذا الفراغ في طاعة الله ، وأعتبر أن أثمن ما أملكه في

стр. 1768

لا بد من التربية الجانب الرابع: لابد من التربية: فليست القضية الآن قراراً اتخذته وانتهيت، الآن هي بداية لمراحل أخرى، فالبعض يتصور أنه ألقى العبء الآن بعدما تاب، وأقبل على الله ، وترك الماضي، صحيح أنه خطا الخطوة التي تسهل عليه ما بعده، لكن أيضاً سيبقى يحتاج إلى التربية؛ ليزيل عنه رواسب الماضي، فستبقى رواسب عالقة من الماضي. وأضرب لك مثالاً بسيطاً: تجد الشاب الذي في الشارع يتكلم الكلام البذيء الساقط وغير اللائق، ثم هداه الله، وصار مع الناس الطيبين، فهو متعود أن يلعب الكرة في الشارع، وميدان الكرة ميدان يبعث على الحماس، ويستنفر منا حماساً أكثر من اللازم، فمع الحماس يتفاعل الإنسان فلا يملك نفسه، فتجده تبدو منه أحياناً بعض العبارات التي يزل فيها وهو لا زال حديث عهد بالالتزام. وهذا وضع طبيعي، يقول أبو واقد الليثي: (خرجنا مع الرسول ﷺ ونحن حدثاء عهد بكفر)، يعني: أنهم مسلمون جدد، وبناءً عليه بقيت عندهم رواسب، قال: (وللمشركين شجرة ينوطون بها أسلحتهم ويعلقونها عليها، فتنادينا من جنبات الوادي، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط)، لا يزال عندهم هذا الراسب. يأتي مثل هذا الشاب الذي هو حديث عهد بالهداية فتبدو منه فلتات في اللسان، وعندما يغضب يبدو منه ذلك؛ لأنه لا تزال عنده بعض الرواسب لم يتخلص منها، ثم هذه القضايا قد يتخلص منها سريعاً، لكن تبقى قضايا في الداخل تحتاج إلى مرحلة. يعني: في السابق مثلاً قد يكون يتابع أفلام الفيديو، أو يتابع برامج التلفاز، أو صور المجلات، المهم أنه يتابع هذه القضايا لتؤجج عنده نار الشهوة في قلبه، وعندما يتوب وأقبل على الله ، وسلك هذا الطريق ستبقى بعض رواسب الماضي وصور الماضي تتحرك أمامه، ومن ثم يحتاج إلى التربية ليزيل كل هذه الرواسب التي جاء بها من خلال الطريق السابق أو المسار الذي كان قد انحرف إليه. وأيضاً تحتاج إلى التربية لتكون معينة لك -بعد توفيق الله على الثبات على هذا الطريق، فإن القضية -كما قلنا في البداية- فضل وهداية من الله ، فكما أنها توفيق من الله يمكن أن يسلب عنك هذا التوفيق، فقد تضل عافانا الله وإياك. ولهذا كان النبي ﷺ إذا سافر يدعو بدعاء يدل على هذا المعنى، فكان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب، ومن الحور بعد الكور)، ومعنى (الحور بعد الكور) الضلالة بعد الهدى، والتحول من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، فالنبي ﷺ كان يستعيذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى. إذاً: عنايتك بالتربية تكون -بعد توفيق الله وسيلة لأن تجعلك تستمر وتثبت، وسنأتي لهذه القضية بمزيد من التوضيح في نقطة لاحقة. ثالثاً: أنت تحتاج إلى التربية لترتقي ويزيد إيمانك، وترتقي في مراتب الخير والصلاح، فتحتاج إلى التربية لتزيد إيمانك بالله ، فالإيمان يزيد وينقص كما تعلمون، وتحتاج إلى التربية -أيضاً- لتعطيك رصيداً علمياً جديداً فيزيد علمك وتحصيلك، وتحتاج إلى التربية -أيضاً- لتضبط سلوكك وأخلاقك مع الناس، وتحتاج إلى التربية لتتخلص من أخلاق وجوانب القصور التي كانت في نفسك. المهم أنك تحتاج إلى التربية لترتقي بنفسك، ولا يزال المرء محتاجاً إلى التربية حتى ولو تحول إلى أنه هو الذي يؤدي دور المربي. إذاً باختصار: لابد من التربية، وسلوكك هذا الطريق يعني أنك ستبدأ -أيضاً- قضية أخرى وهمّاً آخر هو هم التربية؛ حتى تعلو وترتفع، وستستمر وتربي نفسك حتى تنتهي من هذه الحياة.

стр. 1769

كيف أتعامل مع الماضي الجانب الخامس: سؤال يطرح كثيراً: كيف أتعامل مع الماضي؟ كان لك ماض سابق، فكيف تتعامل مع هذا الماضي؟ هناك عدة نقاط حول الماضي:

стр. 1770

عدم الحديث عن المعاصي السابقة أولاً: أن بعض الشباب تكون له تجارب سيئة، كان يفعل معاصي وخطايا، فيتحدث بها مع زملائه ومع الناس، وهذا مخالف لقول النبي ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل فيستره الله ، فيصبح فيقول: يا فلان! عملت كذا وكذا، بات يستره الله ويكشف ستر الله عليه). فالنبي ﷺ هنا يخبر أن الأمة معافاة إلا المجاهرين؛ لأن الإنسان الذي لا يجاهر أدعى للتوبة أصلاً، والناس لا يدرون ما عنده، فيتوب ويقبل على الله ، لكن الإنسان الذي يجاهر بالمعصية يعتبر مستخفاً بها، فقد يعاقبه الله فيصرفه عن التوبة، ثم -أيضاً- هذا الإنسان المجاهر صار تاريخه مكشوفاً أمام الناس، فصعب عليه أن يتخذ قرار التوبة والعودة إلى الله . فأقول: بعض الشباب يتحدث عن الماضي بما فيه أنه كان يفعل كذا وكان يفعل كذا، وفعل كذا، وهذه لها أخطاء أولها: أنها مجاهرة بالمعصية، والنبي ﷺ أخبرنا أن المجاهرة ليست إعلان المعصية، وإن كانت هي مجاهرة فعلاً، ومن أكبر وأشنع صور المجاهرة أن الإنسان يفعل المعصية أمام الناس، لكن قال: (وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل فيستره الله ، فيكشف ستر الله عليه، فيقول: يا فلان! فعلت كذا وكذا) أنه وقع في معصية في الليل أو في النهار المهم أنه لا يعلم عنها الناس، وقد سترها الله عليه، فيبدأ يتحدث بها عند الناس. أيضاً المجاهرة بالمعصية، أو الحديث عن الماضي يهون عليك أمر المعصية؛ لأن الإنسان الذي فعل المعصية وبقيت في داخله، تبقى تعتلج في داخله وتشكل عليه ضغطاً، وتدفعه للتوبة، والإكثار من الاستغفار والدعاء والرجوع إلى الله ، فتشكل عليه ضغطاً هو يحتاج إليه، لكنه عندما يتحدث بها ويعلنها أمام الناس تصبح القضية عنده سهلة. مثلاً: أحياناً تجد الشاب عنده مخالفة لا يعلم بها والده، فيعيش في رهبة من والده يخشى أن يعلم بهذه القضية، ودائماً يقول: كيف لو علم عني والدي وإلى غير ذلك، قد يحصل أنه يطلع عليه والده وهو يمارس المعصية، فيكتشف الخطأ والخلل، فتنتهي القضية عند الابن، ويحس أنه مكشوف فصار من الممكن أن يجاهر بعد ذلك. مثلاً: واحد يدخن ووالده لا يعلم أنه يدخن، وبعد فترة اكتشف والده أنه يدخن، فبعد ذلك صار عنده استعداد أن يشرب الدخان أمام والده لأن القضية صارت معروفة. فكذلك هذا الإنسان الذي تكون المعصية بينه وبين الله لا يعلم عنها أحد، تصبح تعتلج في نفسه وتشكل عليه ضغطاً، هذا الضغط يصب في مصلحته؛ لأنه يدعوه إلى التوبة والإقبال على ربه، لكن عندما يتحدث بها أمام الناس تهون عنده. وأيضاً من نتائج الحديث عن المعصية: تهوينها على الناس؛ لأنك حين تجلس مع زميلك وتقول: أنا كنت أفعل كذا وكذا، ومن الله علي بالهداية، ومرة فعلت كذا وكذا، هونت عليه المعصية، وصارت -أحياناً- دعوة غير مباشرة للوقوع في المعصية. إذاً: فالقضية الأولى التي تعنيك في علاقتك مع الماضي ألا تتحدث عن الماضي بكل ما في الماضي، فتتحدث عن معاصيك التي كنت تفعلها، اللهم إلا إذا كان لذلك حاجة، فتسأل عن قضية شرعية، هل هذه القضية عليها كفارة أم ليس عليها كفارة؟ أو لها توبة معينة أم ليس لها توبة؟ ففي هذه الحالة يمكن أن تسأل، أما ما سوى ذلك فلا ينبغي أن تتحدث هذا الحديث بما فيه من السلبيات التي أشرنا إليها.

стр. 1771

عدم التفكير بالماضي ثانياً: يعيش بعض الشباب أزمة وهمّاً يفكر فيه بالماضي، فيشغله كثيراً، قد يكون فعل أخطاء ومعاصي وكبائر فتشكل عليه ضغطاً، فيبدأ يفكر فيها كثيراً، وتصبح هماً يشغله ويؤرقه ليلاً ونهاراً. أيضاً: قد يكون هذا عائقاً من حيث لا يشعر، ولذا فلا داعي للانشغال بالماضي، أنت تبت إلى الله ، وأقبلت على الله، والتوبة تجب ما قبلها، فدع عنك التفكير في الماضي. ثم -أيضاً- هذا التفكير لا ينفع أصلاً، هب أنك ستؤاخذ بما عملت، وأن توبتك أصبحت قاصرة، فإن التفكير الآن لن ينفعك، بل التفكير سيشغلك عما تحتاج إليه. إذاً: فلا تنشغل بالماضي وليكن تاريخك ما كان، ولست أهون عليك شأن المعصية، لكن أنت الآن أمام مرحلة جديدة، أنت تماماً مثل إنسان يسير في الطريق، وكمية الوقود عنده قليلة، فأضاء عنده المؤشر ولم يهتم، بل يتجاوز محطات الوقود حتى نفد ما عنده من الوقود، فجلس يفكر ويقول: أنا إنسان مهمل؟! كيف فرطت؟! نعم أنت مهمل، لكن هذه المرحلة قد انتهت ففكر تفكير واقعياً عملياً في المرحلة الجديدة ماذا ستفعل فيها، أنت أمام مشكلة فحل هذه المشكلة. أنا أقول: إن واقع هذا الإنسان الذي ينشغل بالتفكير في الماضي مثل هذا الشخص، وقع في خطأ، لكن أنت الآن أمام مرحلة جديدة، فلا تشغل نفسك بما مضى، ففكر بالمرحلة الجديدة، ودعك من التفكير فيما مضى. صحيح أن هذه المعاصي التي فعلتها، أو هذا التقصير أو هذا الإهمال يجب أن يدعوك إلى مزيد من التوبة والاستغفار والطاعة، والخوف من الماضي، لكن هذا شيء، وأن يستولي على تفكيرك، ويصير هماً دائماً يسيطر عليك، ودائماً تفكر: أنا كنت أفعل كذا وكنت أفعل كذا، هذا يعوقك عن العمل الذي تحتاج إليه.

стр. 1772

مداومة الاستغفار والتوبة إلى الله ثالثاً: لابد من مداومة الاستغفار والتوبة إلى الله ، والشعور بخطر الماضي: وأظن أنك تفرق بين القضيتين: بين التفكير المزعج الذي تفكر فيه في الماضي، وبين التوبة والإقبال، والخوف من شؤم الذنب، هذه قضية وتلك قضية أخرى، هذه قضية واجبة، وينبغي أن تكون همّاً يؤرقك، أعني: تتوب وتستغفر وتخاف من ذنوبك. لكن الآن أنت تتذكر الماضي، فتتذكر أنك فعلت كذا وكذا، ومررت في الطريق ورأيت هذا المكان الذي فعلت فيه هذه المعصية، وهذا المكان الذي ذكرك بفلان، وذكرك بكذا وكذا، هذا لا يدعو إلى أن يصير هماً تفكر فيه، فاجعل هذا الموقف يدعوك إلى عمل صالح، يدعوك إلى الاستغفار، وإلى التوبة، بدلاً من أن يكون مجرد تفكير وهم يزعجك أكثر مما يكون عملاً منتجاً.

стр. 1773

التخلص من متعلقات الماضي رابعاً -وهي نقطة مهمة-: يجب أن تتخلص من متعلقات الماضي كان في الماضي عندك أشياء تدعوك إلى هذا من صور، أو أفلام، أو مواقف معينة، وقضايا كانت تشدك وتجذبك إلى المعصية، وتجذبك إلى الماضي، يجب أن تتخلص منها، وتكون حازماً مع نفسك كما قال النبي ﷺ : (إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله! ما لنا بد من مجالسنا، قال: فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر). الآن لاحظ هنا النبي ﷺ ما أمر بغض البصر ابتداءً، بل أمر بألا يجلس الإنسان في الطريق أصلاً، حتى يقطع الإنسان على نفسه كل طريق إلى المعصية، إذا جلست في الطريق لا محالة فغض البصر، مع أن هذا الخطاب كان موجهاً لأصحاب النبي ﷺ في ذاك المجتمع النظيف، ذاك المجتمع الذي كانت المرأة تلتصق بفي الحائط، حتى تؤثر في الحائط كما ورد في الحديث. إذاًَ: تخلص من القضايا التي تشدك إلى الماضي؛ لأنها يمكن أن تعيدك يوماً من الأيام، فتكون أنت في حالة ضعف، فيقوى عندك هذا الدافع فتهوي، والكثير من الشباب الذي يصاب بالحور بعد الكور، أو بالانتكاسة والضلال، السبب هو هذه القضية، هو بعض رواسب الماضي.

стр. 1774

أصدقاء الماضي خامساً: أصدقاء الماضي: أصدقاء الماضي يجب أن تتعامل معهم بصورة أخرى، فأحياناً الشخص له صداقات أيام غفلته وأيام إعراضه، وهؤلاء الأصدقاء يعرفون تاريخه، ويعرفون تفاصيل حياته، ويعرفون عنه كل شيء، هذا جانب. والجانب الثاني أنهم يعرفون نقاط الضعف لديه، المهم أنه من أكبر نقاط الضعف عند الشاب أصدقاء الماضي الذين يشدونه ويجرونه إلى المعصية، إما أنه إذا رآهم تذكر المعصية، وقد يشتاق إليها، أو إذا رآهم حن إلى الماضي بما فيه، أو أن هؤلاء يضغطون عليه، فهم يعرفون تاريخه ويعرفون نقاط الضعف عنده، فيمكن أن يضغطوا عليه من خلالها، فيعرفون كيف يفكر، ويعرفون متى يرجو، ومتى يرغب، ومتى يرهب، ومتى يخاف، إلى غير ذلك. الشاهد: أن من أكبر العوائق أصدقاء الماضي، ومن ثم لابد من التخلص -أيضاً- من أصدقاء الماضي، ويجب أن تحذر من أصدقاءك في الماضي أكثر من غيرهم، لأن الآخرين الذين يمكن أن يكونوا أكثر فساداً، هم أقل تأثيراً عليك من أصدقاء الماضي؛ لأن أصدقاء الماضي يعرفونك ويعرفون ما عندك. وسؤال هنا كثيراً ما يطرحه الشاب يقول: هل أدعو مثلاً أصدقائي؟ فيرتبط معهم بحجة أنه يريد أن يدعو، وهذا شعور طيب، أن الإنسان لما منَّ الله عليه بالهداية يشعر أن أولى الناس ببره وإحسانه ودعوته هم الناس الذين كانوا من قبل أصدقاء الغفلة. لكن هناك قضية أخرى، وهي أن هذه الدعوة قد تتسبب لك في أن تنجذب إليهم؛ لأنهم -كما قلت- يعرفون أسرارك وعلاقاتك السابقة، ويعرفون منك نقاط الضعف، فقد يكون وسيلة إلى جرك لهم؛ ولهذا فأنا أرى أنك لا تدعو أصدقاء الماضي، وينشغل بهم غيرك، ثم أنا لا أتصور أننا وصلنا إلى المرحلة التي ما عاد بقي أناس يحتاجون الدعوة إلا العشرة أو الخمسة عشر هؤلاء الذين كانوا أصدقاء لك في الماضي، فالمجتمع الذي حولك مليء بالناس الذي يمكن أن يستهلكوا كل جهدك وطاقاتك، وبرامج الدعوة والخير كثيرة، ستستهلك كثيراً من طاقتك ووقتك، فلم تعد ضرورة قاصرة عليك أنت حتى تدعوهم. ثم نحن ما قلنا إن هؤلاء محرومون من الدعوة فليدعهم غيرك؛ لأن ارتباط الشاب بهؤلاء قد يكون سبباً في عودته إلى ما كان عليه. إذاً: يجب أن تقطع علاقتك بالتفكير المغرق في الماضي وما كنت عليه، وإذا أتاك تفكير تحوله إلى عمل صالح أو توبة أو استغفار، أما مجرد التفكير والهم فإنه لا يقدم ولا يؤخر. الانقطاع عن الماضي ورواسب الماضي بما فيه، الانقطاع عن الماضي وأصدقاء الماضي، الجوانب التي تجذبك وتشدك إلى أن تحن إلى الماضي وتعود إليه.

стр. 1775

الحذر من الضلالة بعد الهدى سادساً: كن على حذر من الضلالة بعد الهدى، والحور بعد الكور -التي أشرنا إليها قبل قليل-: وهي نقطة يجب أن تكون هاجساً للجميع، فدائماً يسأل الله الثبات، ودائماً يخشى من هذه القضية، ويخشى أن يحال بينه وبين هذا الطريق، ويخشى أن يختم على قلبه، أليس النبي ﷺ كان كثيراً ما يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، وكان يقول: (اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين)، (اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علي). وكان يدعو في سفره، لأن الإنسان عندما يسافر يتغير من حال الإقامة إلى حال السفر، بكل ما في حياة السفر من متغيرات، فيذكره هذا بالقضية الأساس والأهم هو أنه كان مستقيماً على هذا الطريق، فيخشى أن يحال بينه وبينه. يا أخي! إذا كان الرسول ﷺ يدعو الله أن يثبته، ويخشى من الحور بعد الكور، ويقول له ربه : ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤]، فغيره من باب أولى. الرسول ﷺ يأتيه الوحي، ويعبد الله عبادة حقه تعينه وتثبته على طاعة الله ، وهو أعلم الناس بالله، أما نحن فلنا شأن آخر، وحياة أخرى، ولنا جوانب كثيرة تشدنا إلى طريق الضلال والشهوات عافانا الله وإياكم. ومن ثم فنحن أولى أن نخشع، والنبي ﷺ يقول: (فوالذي نفسي بيده إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). فأقول: يجب أن يكون هذا هاجساً لنا يقودنا مرة أخرى إلى عمل، لا يكون مجرد تفكير، فنكون دائماً على حذر من هذه القضية، وهذا يقودنا إلى دعاء الله دائماً، وسؤال الله السلامة، والنبي ﷺ قد علمنا أن ندعو الله عند السفر، وقد علمنا أن ندعو الله : (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك)، وقد علمنا أن نستهديه دائماً، وقد علمنا أن نسأل الله ألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، فإنه لو وكلنا إلى أنفسنا فإن هذا يعني الضلال والخسارة. إذاً: هذه الخطوة نتيجة للخوف الداخلي الذي قادنا إلى الدعاء، والدعاء من أفضل الأعمال، أليس النبي ﷺ يقول: (الدعاء هو العبادة)؟ جانب ثان أيضاً: أن يستزيد الإنسان من الأعمال الصالحة؛ لأنه يعرف أن الأعمال الصالحة تزيده تثبيتاً، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]. فلو استجابوا لأمر الله ، وفعلوا ما يوعظون به لكان خيراً وأشد تثبيتاً لهم، ولهدوا صراطاً مستقيما، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. فالأعمال الصالحة بعد توفيق الله تكون عوناً للمرء على الثبات، وعلى سلوك طريق الاستقامة. إذاً: هذه خطوة ثانية كانت نتيجة هذا التفكير، ونتيجة هذا الهاجس. خطوة ثالثة: الحذر من أسباب الضلال، ومن أهمها المعاصي، فإن المعصية تقول: أختي أختي، فتجر أختها، وتجر أختها، حتى تصبح عادة، فيعتادها الإنسان فينتقل إلى ما هو أكبر منها، حتى يضل عافانا الله وإياكم، وكم من الناس من كانت معصية واحدة سبباً في ضلالة وغوايته. إذاً: فيجب أن نحرص على هذه النعمة وأن نحافظ عليها، وقديماً كان يقال: المحافظة على النصر أصعب من الحصول عليه. وهذه القضية ليست عبارة كروية كما نستعملها ويتبادر إلى الذهن، هذه يقصدون بها النصر العسكري، فالإنسان يمكن أن يحقق النصر وينتصر في معركة، لكن المحافظة على هذا النصر قضية صعبة، أنا ممكن أن أستجمع قواي وطاقتي كلها وأحقق انتصاراً حاسماً، لكن أن أحافظ على هذا النصر وعلى هذا الموقع الذي حققته هذه قضية صعبة. فكذلك يجب ألا يقف تفكيرك عند هذا الحد، فتقول: أنا الآن استقمت وتجاوزت المرحلة! بل يجب أن تشعر أنك محتاج إلى الثبات، وإلى البحث عن أسباب عوامل الثبات حتى تسلكها لعل الله أن يوفقك إليها، وأن تكون على حذر باستمرار من الخلل أو أي انحراف يمكن أن يقودك إلى ذلك. وقلنا أيضاً: إن هذه القضية يجب ألا تكون مجرد هاجس فقط، فإذا صارت هاجساً صارت مرضاً، فصارت القضية مجرد تفكير لا تقدم ولا تؤخر، بل مع هذا الهم وهذا الهاجس تتحول إلى عمل، هذا العمل يتمثل في الدعاء، وبفعل أسباب الثبات وعوامل الثبات وتجنب عوامل الانحراف والضلال.

стр. 1776

الشعور بالفتور بعد الحماس سابعاً: سؤال كثيراً ما يطرحه بعض الشباب أو شكوى يشتكي منها يقول: أشعر أني بعد الاستقامة وبداية مرحلة الالتزام والاستقامة أشعر بحماس، وحب للخير، وإقبال على الطاعة، ثم بعد فترة أشعر بأني فقدت هذا الشيء الذي كنت أجده سابقاً، ويعتبر أن هذا مرض وقضية خطرة. وتفكير الإنسان في نفسه قضية مهمة، وشعوره بالمرض والخطأ قضية مهمة، لكن أيضاً يجب -على الأقل- أن نعطي نظرة حول هذه المشكلة التي يشتكي منها الشاب. وقد قال النبي ﷺ وهو من أعلم الناس بأدواء النفوس والقلوب، لما جاءه عبد الله بن عمرو بن العاص وكان يصوم النهار ويقوم الليل، ويختم القرآن في كل يوم، فقال له النبي ﷺ : (إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك) الحديث رواه أحمد، وصححه أحمد شاكر. هذا الإنسان عنده اندفاع، وكل عمل له شرة وحماس، ثم لكل شرة فترة، وكل حماس لابد أن يخفت، فمن كانت شرته إلى سنة فقد أفلح، وهذا الحماس والاندفاع يجب ألا يخرجه إلى حد ابتداع غير السنة، ومن كانت فترته إلى أن تجرأ فوقع في المعصية وقصر في الطاعة، فهذا نذير هلاكه. إذاًَ: لابد من الشرة والفترة، لابد من أن يكون الإنسان عنده في البداية إقبال وحماس، وشعور بالحرص على الطاعة والخير، ثم بعد فترة يشعر بالفتور. فنقول: هذا الفتور إذا تحول إلى أنه يجعل الإنسان يتجرأ على المعاصي ويقع فيها، وتحول إلى إنسان يقصر عن الطاعة والفرائض، فهذا فعلاً معيار الهلاك، وهذا ما قاله النبي ﷺ : (فمن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك). أما إذا كانت هذه الفترة ضعفاً في مشاعره الداخلية، وضعف الحماس لبعض السنن وبعض أفعال الخير المندوبة، فالقضية لا مناص منها، فإنه كما قال ﷺ : (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة)، فلابد من الفترة، فيحرص الإنسان على أن يعالج نفسه ويستزيد، لكن لا يجب أن تؤدي بنا إلى القلق، وأن نتصور معها أنها مرض. وتكون مرضاً إذا تحولت إلى التجرؤ على المعصية، وإلى التفريط في الفرائض، فحينئذٍ يجب أن نحاسب أنفسنا حساباً عسيراً، ونشعر أننا تجاوزنا الخط الأحمر، ودخلنا مرحلة الخطر.

стр. 1777

شكر نعمة الهداية أخيراً: أد شكر هذه النعمة: هذه نعمة منَّ الله بها عليك فأد شكرها، من خلال: أولاً: ما ذكرناه من الاعتراف بالفضل للمنعم، فإنه من أكبر النكران لأي معروف وأي نعمة ألا تعترف بالفضل له، فأنت -مثلاً- قد تقدم خيراً لإنسان ثم يقول: أنت لم تفعل شيئاً، وما قدمت لي شيئاً، فتشعر أن هذا أكبر نكران يمكن أن يقوم به، قد لا تطلب منه أحياناً جزاءً ولا شكوراً، لكن عندما تشعر أنه قد أنكر جميلك فأنت تشعر أن هذا من عدم الوفاء. ولله المثل الأعلى، فإنه لا أحد أحب إليه الثناء من الله ، فيجب أن تعترف اعترافاً داخلياً بقلبك وبلسانك أن صاحب الفضل والنعمة والمنة هو الله . ثم الحمد والثناء باللسان، بأن تحمد الله بلسانك، وتثني عليه، فالله يحب الثناء، ولهذا أثنى على نفسه، ولا أحد أحب إليه الثناء من الله . ثم بعد الاعتراف، وبعد الحمد والثناء، الخطوة الثالثة: أن تسعى في نقل هذه النعمة للآخرين، بالدعوة والنصح والتوجيه، وأن تقول للآخرين: ها أنا الآن عشت تلك التجربة، وها أنا سلكت هذا الطريق، ومن الله علي بسلوك هذا الطريق والعودة إليه، فهلم إلي، فأنا قد جربت ما أنتم عليه، وجربت هذا الطريق بكل ما فيه، واقتنعت قناعة تامة أن الحق هنا، فهلم إلي. الشاهد: أنه من شكر الله لنعمة الهداية أن يسعى الإنسان لنقلها للآخرين، من خلال النصيحة، والدعوة، ومن خلال استخدام تجربته السابقة، فيقول: أنا كنت على مثلما أنت عليه، وما وجدت والله اللذة، ولا وجدت الطمأنينة، ولا السكون، ولا الراحة، إلا في هذا الطريق الذي سلكته. نكتفي بهذا القدر، ونترك بقية الوقت للإجابة على بعض الأسئلة.

стр. 1778

الأسئلة

стр. 1779

نصيحة لمن يحلق اللحية ويسبل الثوب مدعياً أن الدين ليس بالمظهر السؤال بعض الشباب سواء في المركز أو في الخارج يلاحظ عليهم ملاحظات من إسبال الثوب أو حلق اللحية، وإذا نصحتهم قالوا: الدين ليس في الثوب أو في حلق اللحية، نرجو توجيه نصيحة لهم، مع أنك قلت: أول ما نبدأ به المظهر؟ الجواب بعض الناس عنده عبارة يقول: الدين ليس في المظهر، أو المظاهر ليست كل شيء، هذه عبارة فيها إجمال، صحيح أنك لا تحكم على الإنسان من خلال المظهر وحده. لكن أنا أسألكم سؤالاً: نحن الآن في مجلس فدخل علينا شخص ونحن نشاهد التلفاز فقفز واحد وأغلق التلفاز، لماذا؟ لأنه عارف أن مظهره مظهر إنسان مستقيم، فهل أعطاك المظهر دلالة أم لا؟ أب رأى ابنه مع واحد من الشباب، فانزعج جداً لما رآه مع فلان، وهو لا يعرفه، ولا يعرف تاريخه، لكن ساءه مظهره، فغير صحيح إطلاقاً أن المظهر لا يدل على شيء. صحيح أنه لا يعطيك تصوراً كاملاً عن الإنسان؛ لكنك تأخذ دلالة عن هذا الإنسان، وهذا الإنسان الذي عصى الله في المظهر أمام الناس قد يكون أكثر جرأة على ما سوى ذلك. فهذه قضية غير صحيحة أنه لا عبرة بالمظهر، فنحن نجد في أنفسنا أننا نأخذ دلالات، فأنت ترى إنساناً فتأخذ قناعة وتصوراً عنه من مظهره، يمكن أن يعطيك دلالة أن هذا الإنسان خفيف العقل، هذا الإنسان ما عنده مروءة، هذا إنسان متزن، وهو ما تكلم بكلمة واحدة. هذا شيء. والشيء الثاني: أن هذه واجبات شرعية لا مجال للنقاش فيها، فما دام هذا محرماً شرعاً فلا يجوز لك أنك ترتكبه، وما دام أنه هذا واجب شرعاً فيجب أن تعمله، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].

стр. 1780

الأمن من الفتنة في الدين السؤال أنا شاب لا أخشى ولا أخاف أن أنتكس بعد هداية، وحين أدعو بالدعاء الوارد لا أستشعر أنني من الممكن أن أعود وأرجع إلى طريق الضلال، فما رأيكم؟ الجواب هذا خطأ لا شك، وهذا دليل على الإعجاب بالنفس والغرور، يا أخي! الرسول ﷺ يحتاج إلى التثبيت، فكيف بك؟! هل تتصور أن النبي ﷺ كان يدعو عبثاً عندما يقول: (أعوذ بك من الحور بعد الكور)، أم أنه كان يرى أنه بحاجة إلى هذا الدعاء؟ ولعلكم تذكرون جميعاً عبارة السلف في النفاق: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. فنعوذ بالله من أن نأمن من مكر الله، ونعوذ بالله من أن يصل بنا الإعجاب بالنفس إلى هذا الحد، إلى أن يتصور الإنسان أنه قد جاز القنطرة. وأقول: إذا وجدنا هذا في أنفسنا فيجب أن نشعر أن هذا مرض نعاني منه، أرأيت أصحاب النبي ﷺ أليسوا كانوا يخافون من النفاق؟ وكما يقول ابن أبي مليكة: كل الذين أدركهم من أصحاب النبي ﷺ كان يخاف النفاق على نفسه، ما فيهم أحد يقول: إيماني كإيمان أبي بكر وعمر. فما بالنا نحن لا نخشى على أنفسنا؟

стр. 1781

كيفية تحاشي الوقوع في المعاصي السؤال أنا شاب مستقيم أعمل بعض الصالحات والحمد لله كحفظ القرآن وغيره، لكن -كما لا يخفى عليكم- إنني كشاب لا أصبر عن بعض المعاصي، فبماذا تنصحونني؟ الجواب لابد أن تجاهد نفسك، أحياناً يريد الشاب أن يصل إلى مرحلة أنه لا يكون عنده داع للمعصية، وأن شهواته كلها تنقطع، وهذا غير صحيح. هذه حكمة، فالله ركب الشهوات فينا لحكمة، والشاب في هذه المرحلة أقوى من غيره؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: وشاب نشأ في طاعة الله)؛ لأن الشهوات عنده أقوى، ودواعي المعصية أقوى، والغفلة أقوى؛ ولهذا إذا نشأ في طاعة الله كان يستحق أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. فأقول: أنك تتصور أن تصل إلى مرحلة لا تدعوك فيها الشهوة إطلاقاً هذا مستحيل، فلابد من ذلك، ولابد من مجاهدة، أليس النبي ﷺ يقول: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)، ولما خلق الله الجنة قال لجبريل: (اذهب فانظر فيها، فنظر فيها فقال: يوشك ألا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم أمر بها فحفت بالمكاره، فقال: يوشك ألا يسمع بها أحد إلا لم يدخلها، ثم خلق النار، فقال: اذهب فانظر فيها، فنظر فيها فقال: يوشك ألا يسمع بها أحد إلا لن يدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: يوشك ألا يسمع بها أحد إلا دخلها). الشاهد: أنك لن تصل إلى هذه المرحلة التي لا تخشى فيها من المعاصي، ولن تصل إلى المرحلة التي تستغني فيها عن الجهاد، لابد أن تجاهد نفسك، ولابد أن تعيش في صراع مرير مع الشهوات. ثم جاهد نفسك، وحاول ألا تترك المعصية فقط، بل تتخلص من أسباب المعصية، والعوامل التي تدعوك إلى الوقوع في المعصية، وأنت أعلم بنفسك، وأيضاً لو وقعت في المعصية فتب إلى الله وأقبل إليه.

стр. 1782

الانتكاس في الدين وأسبابه السؤال بعض الشباب هداهم الله يتضايقون من ظاهرة انتكاس بعض الشباب الذين يلتزمون بالدين ثم ينتكسون، فما توجيهكم لهؤلاء الشباب؟ ثم ما هي أبرز أسباب الانتكاسة التي ترونها؟ الجواب سبق أن تحدثت عن هذا الموضوع بالتفصيل في محاضرة بعنوان: (الحور بعد الكور) فيمكن للأخ أن يرجع إليها.

стр. 1783

كيف ننصح من ضل بعد هدى السؤال إذا كنت أعرف بعض الأصحاب قد ضل بعد أن كان مع الصالحين، فماذا أنصحه وأذكره به، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب تنصحه كما تنصح أي إنسان، فتذكره وتقول: إن هذه المعصية خطر عليك، وأنت لابد أن تطيع الله ، ولابد أن تقبل على الله ، وقد تكون المعصية بوابة للكفر والخروج من دين الله ، وقد يختم للإنسان على غير ملة الإسلام ودين الإسلام. فهذا الكلام الذي تقوله لأي إنسان يمكن أن تقوله لهذا الإنسان، ولا فرق بينه وبين الآخرين؛ لكن يمكن أن تضيف على ذلك أن تذكره بماضيه: أنت كنت تفعل كذا، وكنت تفعل كذا، وتفعل كذا، وكنت يوماً من الأيام تحدثني عن كذا، ويوم اجتمعنا قلت كذا وكذا، وأنت الذي كنت تنصحني وتدعوني؛ فهذا يجعله يحن إلى الماضي، ويفكر في الماضي. أقول: إن التركيز على هذه القضية قد ينفع مع أمثال هؤلاء.

стр. 1784

ما يفعل التائب إلى الله إذا هدده أصدقاؤه السابقون بكشف أسراره السؤال أنا شاب رجعت إلى الله ولي أصدقاء ليسوا صالحين، وهؤلاء يعرفون أسراري وأحوالي، ويستهزئون بي، ويهددونني إن رجعت إلى الله أن سوف يكشفون أسراري، فكيف أعود إلى الله وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً: أسرارك لازم تكشف، فأنت أمام خيارين الآن، افترض فعلاً أنهم لا يجرءون على كشف هذه الأسرار؛ لأنهم ليس لهم مصلحة، وكشف الأسرار فضح لهم، لكن افترض أنك وصلت إلى نقطة أن أسرارك ستكشف، فليس الحل أن تتراجع، لأنك إذا رجعت فستكشف أسرارك مرة أخرى، لكن في موقف آخر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. فيا أخي! بالله عليك قارن بين أن أسرارك تكشف في محيط مهما كان فهو ضيق، وبين أن تكشف أمام الله وأمام الخلائق يوم القيامة، هذا جانب. الجانب الثاني: أن هذا الأمر تهديد ومحاولة ضغط؛ ولهذا أنا قلت: ينبغي أن تبتعد عن أصدقائك السابقين، وللأسف بعض الشباب ينهار مع هذا الضغط، ثم ولو كشفت هذه الأسرار فما هي إلا معاص وكبائر كنت تفعلها، وافترض أنها كانت فواحش، فغايتها أن تقول: يا أخي! أنا فعلت هذا وتبت إلى الله ، وانتهينا. يا أخي! أصحاب النبي ﷺ كانوا يقعون في الشرك، وليس الفواحش فقط، وأكثر ما تتصوره في هذا الشاب أنه وقع في بعض الفواحش، فليقل ما يقال، أنا تبت إلى الله ورجعت، فلا تلتفت إلى مثل هذا الكلام. وليس أيضاً من المصلحة أن تقول: نعم أنا كنت أفعل كذا وتبت، وإن كان هذا الكلام لو قلته فلن يلومك الناس، لكن يمكن أن تقوله بصورة أخرى، تقول: من يثبت هذا الشيء؟ تقول: كل إنسان قادر على أن يتكلم ويقول هذا الكلام. فأنت لم تقل أمراً تؤاخذ به شرعاً، وأيضاً نفيت ما تتهم به، وهؤلاء الناس الذين يتجرءون على الكبائر يمكن أن يتجرءوا على الكذب. وأقول: أبشر بطول سلامة، فالكثير من أمثالك يعانون، والمشكلة أن كثيراً من الشباب يمنعه من التوبة هذه القضية. يا أخي! ضع نفسك أمام خيارين: إما أن تتوب وتستمر، أو ترجع مرة أخرى إلى الذي خفت أن يكشف عنك، ثم تكون عرضة لأن تكشف أسرارك أمام الخلائق يوم القيامة، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]، تكون عرضة لأن تعيش أنت وأصدقاؤك هؤلاء في موقف الحساب فيتبرأ كل واحد منكم من الآخر: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]. افترض أنك حوصرت وما بقي أمامك إلا هذا الخيار، فسيبقى خيار كشف الأسرار أهون عليك بكثير من أن تكشف يوم القيامة أمام الله . لكن أقول: استعن بالله ، وادع الله ، وثق إن شاء الله أن الله سيعينك. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى طاعته، وأن يجنبنا وإياكم أسباب معصيته وسخطه، وأن يجعلنا وإياكم من المتحابين بجلاله، ويظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وأشكر الإخوة الذين شرفوني بحضور هذا اللقاء، والحديث مع إخواني الشباب، ونسأله أن يرزقنا العمل بما علمنا، وصدق النية والإخلاص. هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ع

стр. 1785

ماذا نريد من المرأة ؟ الهجمة الغربية الشرسة على المرأة المسلمة تتطلب منا جهداً عظيماً في التوجيه والتربية والسلوك، حتى نقي فتياتنا وبالتالي أمتنا من الانحراف والانجرار وراء الدعوات الهدامة.

стр. 1786

حضور المرأة في تاريخ الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فعنوان حديثنا في هذا اللقاء: ماذا نريد من المرأة؟ هُنئ أحدهم بالبنت فقال: أهلاً وسهلاً بعقيلة النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار والأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون. فلو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخر للهلال والله تعالى يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة بموقعها، فادرع اغتباطاً، واستأنس نشاطاً، فالدنيا مؤنثة، والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها، والأرض مؤنثة ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنثة وقد زينت بالكواكب، وحليت بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة وهي قوام الأبدان وملاك الحيوان، والحياة مؤنثة ولولاها لم تتصرف الأجسام، ولا عرف الأنام، والجنة مؤنثة وبها وعد المتقون، وفيها ينعم المرسلون، فهنيئاً لك هنيئاً بما أوتيت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت. إن المرأة المسلمة لها دور -ولا شك- تحتاجه الأمة في كل عصر ووقت، وفي هذا العصر -عصر هذه الصحوة المباركة- نحن أحوج ما نكون إلى دور المرأة، ذلك أن أمام الصحوة تحديات كبيرة، وأهدافاً طموحة، وتطلعات عالية، لا يمكن أن تتم بجهد الرجال وحدهم، ولا يمكن أبداً أن نستغني عن دور المرأة وجهدها. ثم إن الصحوة الإسلامية تواجه تحدياً شرساً من أعدائها وكيداً وتآمراً، لهذا فهي أحوج ما تكون إلى أن تستنفر قواها، وأن تستثمر طاقاتها أجمع، والمرأة المسلمة جزء -ولاشك- من طاقة هذه الأمة، فنحن أحوج ما نكون إليه. وإنما الآخر كالأول، لقد قرأتِ سيرة النبي ﷺ ، ورأيت أنه على مدى صفحات تاريخ سيرته ﷺ لا تخطئك المرأة أبداً، فهناك في الفترة المكية، مرحلة الاستضعاف والتعذيب والإيذاء والمضايقة، مرحلة بداية الدعوة، قرأنا للمرأة دوراً بارزاً. ويبدو أمامك اسم خديجة ﵂ التي صحبت النبي ﷺ زوجة وفية، وكانت معه كخير ما تكون المرأة مع الرجال، حتى بشرها الله ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب، فهي لم ترفع صوتها على النبي ﷺ ، وحازت قصب السبق في اتباعه، ولذلك استحقت هذا الوعد وهذه البشارة منه ، يحملها جبريل، ويبلغها محمد ﷺ . وتقرئين أيضاً سيرة سمية ﵂ أول شهيدة في الإسلام، وأسماء ذات النطاقين، وغيرهن من النساء المؤمنات اللاتي كان لهن دور بارز في تلك المرحلة الحرجة من مراحل الدعوة، وهي مرحلة الدعوة المكية. وأما في المدينة بعد هجرة النبي ﷺ فإنك ترين أيضاً نماذج من ذلك، ترين أم سليم بنت ملحان وأم سلمة وصفية وعائشة وحفصة، وسائر زوجات النبي ﷺ ، وترين أم عمارة نسيبة بنت كعب وسائر المؤمنات من الصحابيات. إن هذا يعطينا شعوراً وقناعة بأننا نحتاج إلى دور المرأة، والآخر كالأول، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فما دام للمرأة دور هناك فلها دور أيضاً هنا.

стр. 1787

المرأة أم

стр. 1788

صفية بنت عبد المطلب وأسماء بنت أبي بكر وحديثنا في هذا اللقاء -معشر الأخوات الكريمات- يدور حول محاور ثلاثة: أولها: المرأة أم: إنك على مدى التاريخ القريب والبعيد لابد أن تري أسماء لامعة كتبت في صفحات بيضاء ناصعة في تاريخ أمتها، وتلك الأسماء -القائدة والمجاهدة والعالمة والمصلحة- أياً كان موقعها لابد أنه كان وراء كل منهما امرأة صالحة أعدت هؤلاء حتى صاروا إلى ما صاروا إليه، وهذا الأمر ليس حكراً على المسلمين، بل حتى سائر الأمم -الصادقون منهم- يعترفون بدور المرأة في ذلك. حين هنئ لنكولن أحد الزعماء الأمريكان قال: لا تهنئوني وهنئوا أمي؛ فهي التي رفعتني إلى مقامي هذا. ولسنا بحاجة إلى أن نستعرض سيرة هذا الرجل وأشباهه؛ فأمامنا صفحات واسعة قد لا نستطيع أن نأتي على جزء يسير منها في هذا اللقاء، أمامنا صفحات واسعة من تاريخ أمتنا، من أولئك النساء اللاتي كان لهن دور في إعداد الرجال على مدى تاريخ هذه الأمة الطويل. فها هي صفية بنت عبد المطلب ﵂ تقبل حين استشهد حمزة ﵁؛ لتنظر ما فعل القوم بأخيها، فيقول ﷺ لابنها الزبير: (دونك أمك فامنعها)، وأكبر همه ﷺ ألا يجد بها الجزع لما ترى، فلما وقف ابنها يعترضها قالت: دونك لا أم لك. فجاء إلى النبي ﷺ فأخبرها بذلك، فقال: (خل سبيلها)، فأتت إلى صفوف الناس، حتى أتت إلى أخيها، فنظرت إليه، فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له، وقالت لابنها: قل لرسول الله: ما أرضانا بما كان في سبيل الله، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله! وحين كان لـ عبد الله بن الزبير ما كان دخل على أمه، فقال: يا أمه! خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبق معي إلا اليسير، ومن لا دفع له أكثر من صبر ساعة من نهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك؟ فقالت: الله الله يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه فامض عليه، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية، فيلعبوا بك، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت: إني كنت على حق، فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي فليس هذا فعل الأحرار، ولا من فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟! القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير! والله لضربة بالسيف في عز أحب إلي من ضربة بالسوط في ذل! فقال: يا أماه! أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني، قالت: يا بني! إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك، واستعن بالله. وحين قتل ﵁ دخل ابن عمر المسجد فأبصره مطروحاً قبل أن يصلب، فقيل له: هذه أسماء فمال إليها وعزاها، وقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وإن الأرواح عند الله ، فقالت له أسماء ﵂: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. واسمعي إلى ما قالته للحجاج حين قتل ابن الزبير، دخل عليها فقال لها: يا أمه! إن أمير المؤمنين وصاني بك، فهل لك من حاجة؟ قالت: لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة، ولكني أحدثك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرج في ثقيف كذاب ومبير)، فأما الكذاب فقد رأيناه -تعني المختار - وأما المبير فأنت. فقال لها: مبير المنافقين. وفي رواية عن يعلى التيمي قال: دخلت مكة بعد قتل ابن الزبير بثلاث، وهو مصلوب، فجاءت أمه عجوز طويلة عمياء، فقالت للحجاج: أما آن للراكب أن ينزل؟ فقال: المنافق؟! قالت: والله ما كان منافقاً، كان صواماً قواماً براً، قال: انصرفي يا عجوز فقد خرفت! قالت: لا والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (في ثقيف كذاب ومبير) الحديث. إن تلك الروح العالية التي كانت لدى أسماء ﵂ هي التي صنعت الاستبسال والشجاعة في ابن الزبير ﵁. ويحتاج المصلحون الذين يدفعون أرواحهم وحياتهم وما لديهم ثمناً لدعوتهم وعقيدتهم، وترخص عندهم الأمور في سبيل الله ، يحتاجون إلى مثل هذه الأم التي تدفعهم إلى ميدان البطولة، تدفعهم إلى ميدان الاستشهاد، تدفعهم إلى ميدان تحمل ضريبة كلمة الحق، وضريبة الموقف الحق حين يشعر صاحبه أنه إنما عمل لله، وأنه إنما قام لله، فنحن أحوج ما نكون إلى مثل هذه الأم. بعيداً عن تلك الأم التي تخدر، والتي تخاف على ابنها من مصائب الدنيا، وها هي هند بنت عتبة ﵂ أم معاوية بن أبي سفيان كان يفتخر بها إذا افتخر فيقول: أنا ابن أمي هند.

стр. 1789

أم عمارة وأم عاصم وأيضاً من النساء اللاتي سطر لهن التاريخ صفحة سامقة عالية في ميدان الأمومة لأولئك الرجال الصادقين أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية ﵂، هي أم عبد الله بن زيد الأنصاري الذي وصف حديث وضوء النبي ﷺ وروي أنه قتل مسيلمة، وأم حبيب بن زيد الذي قابل مسيلمة في القصة المشهورة حين قطع مسيلمة -عليه من الله ما يستحق- أعضاءه قطعة قطعة، وهو يرفض أن يجيبه إلى ما يدعو. ولها مواقف مشهورة مشهودة في التاريخ ليس هذا وقت الحديث عنها، إنما نحن نحكي عن أم عمارة نسيبة ﵂ جانب الأمومة، وكيف خرجت أولئك الأبناء. وأم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ هي أم عمر بن عبد العزيز ﵀، وكان لها دور في تربيته وإصلاحه. وأمير المؤمنين في الأندلس عبد الرحمن الناصر حكم خمسين سنة وستة أشهر، ووطئت أقدام جيوشه بلاد فرنسا وأسبانيا وإيطاليا، الذي أزعج أوروبا، قتل أبوه وعمره واحد وعشرون يوماً فانفردت أمه بتربيته، فكان هذا الرجل من نتاجها.

стр. 1790

نماذج من أمهات العلماء وفي ميدان العلم والفقه نرى أيضاً أن الأمهات كان لهن دور بارز في إعداد الرجال، سفيان الثوري الإمام الفقيه المحدث الذي قال فيه الأوزاعي: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان. سفيان ﵀ كان ثمرة أم صالحة، روى الإمام أحمد بسنده عن وكيع قال: قالت أم سفيان لـ سفيان: يا بني! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي. أي: تكفيه نفقته وشئون حياته حتى يتفرغ للعلم. وقالت له توصيه: يا بني! إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك. والإمام الفقيه الثبت إمام أهل الشام وفقيههم أبو عمرو الأوزاعي الذي قال فيه بقية: إنا لنمتحن الناس بـ الأوزاعي، فمن ذكره بخير عرفنا أنه صاحب سنة. كان يتيماً فقيراً في حجر أمه، فنقلته من بلد إلى بلد، حتى تعلم وبلغ مرتبة الإمامة والفقه. والإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن قصته مع أبيه مشهورة رواها ابن خلكان، وذلك أن أباه فروخ فارق أمه وهي حامل به، وترك عندها ثلاثين ألف ديناراً، وأوصاها بحملها خيراً، ففارقها إلى ميدان الجهاد، وغاب هناك سنوات طويلة، فعاد بعد أكثر من ثلاثين سنة، عاد ليطرق بيته فخرج إليه ابنه ربيعة، فقال له: كيف تهجم على بيتي وأهلي؟! فقال له: كيف أنت تدخل بيتي؟ فعلت أصواتهما، وارتفعت خصومتهما، حتى جاء الإمام مالك واللجج والخصومة بينهما، فقال: أنا صاحب هذا البيت أنا فروخ، فسمعت أم ربيعة صوته وسمعت كلامه فعرفت أنه زوجها، فنادته وقالت: هذا ولدك فتعانقا. ثم سألها عن المال الذي أودعها إياه، فقالت: إني دفنته واختبأته، ونام ثم لما استيقظ قالت له: اذهب واشهد صلاة الفجر في مسجد النبي ﷺ ، وذهب ورأى رجلاً قد اجتمع حوله أفواج من الناس يستمعون إليه فسأل وهو مطرق رأسه خجلاً منه، فإذا هو ابنه ربيعة، فعاد إلى زوجه فوصف لها ما وصف، فقالت: أيسرك هذا أم الدنانير؟ قال: والله! هذا أحب إلي، فأخبرته أنها أنفقتها في تعليمه. لقد كان وراء الإمام ربيعة ﵀ تلك الأم التي ربته وتعاهدته حتى بلغ ما بلغ. والإمام مالك أيضاً الذي درس على ربيعة قال لأمه: أذهب فأكتب العلم. فقالت: تعال فالبس ثياب العلم، قال: فألبستني وعممتني، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن، وكانت تقول: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. والإمام الشافعي الإمام الفقيه المجدد، مات أبوه وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وتنقلت به من غزة مهبطه إلى مكة مستقر أخواله، وكانت من العابدات القانتات، ومن أزكى الخلق فطرة. وحصلت لها قصة مشهورة عند أحد قضاة مكة، ذلك أنها شهدت هي وأم بشر فأجاز شهادتهما فذكرته بقول الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]. والمهدي الخليفة العباسي الذي كان يلقب بقصاب الزنادقة وعدو الزنادقة أجمع المؤرخون أنه نتاج تربية أمه الخيزران التي أخذت الفقه عن الإمام الأوزاعي. ولله در القائل: وليس النبت ينبت في جنان كمثل النبت ينبت في الفلاة وهل يرجى لأطفال كمال إذا ارتضعوا ثدي الناقصات
следующие страницы →