← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

حضور المرأة في تاريخ الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فعنوان حديثنا في هذا اللقاء: ماذا نريد من المرأة؟ هُنئ أحدهم بالبنت فقال: أهلاً وسهلاً بعقيلة النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار والأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون. فلو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخر للهلال والله تعالى يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة بموقعها، فادرع اغتباطاً، واستأنس نشاطاً، فالدنيا مؤنثة، والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها، والأرض مؤنثة ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنثة وقد زينت بالكواكب، وحليت بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة وهي قوام الأبدان وملاك الحيوان، والحياة مؤنثة ولولاها لم تتصرف الأجسام، ولا عرف الأنام، والجنة مؤنثة وبها وعد المتقون، وفيها ينعم المرسلون، فهنيئاً لك هنيئاً بما أوتيت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت. إن المرأة المسلمة لها دور -ولا شك- تحتاجه الأمة في كل عصر ووقت، وفي هذا العصر -عصر هذه الصحوة المباركة- نحن أحوج ما نكون إلى دور المرأة، ذلك أن أمام الصحوة تحديات كبيرة، وأهدافاً طموحة، وتطلعات عالية، لا يمكن أن تتم بجهد الرجال وحدهم، ولا يمكن أبداً أن نستغني عن دور المرأة وجهدها. ثم إن الصحوة الإسلامية تواجه تحدياً شرساً من أعدائها وكيداً وتآمراً، لهذا فهي أحوج ما تكون إلى أن تستنفر قواها، وأن تستثمر طاقاتها أجمع، والمرأة المسلمة جزء -ولاشك- من طاقة هذه الأمة، فنحن أحوج ما نكون إليه. وإنما الآخر كالأول، لقد قرأتِ سيرة النبي ﷺ ، ورأيت أنه على مدى صفحات تاريخ سيرته ﷺ لا تخطئك المرأة أبداً، فهناك في الفترة المكية، مرحلة الاستضعاف والتعذيب والإيذاء والمضايقة، مرحلة بداية الدعوة، قرأنا للمرأة دوراً بارزاً. ويبدو أمامك اسم خديجة ﵂ التي صحبت النبي ﷺ زوجة وفية، وكانت معه كخير ما تكون المرأة مع الرجال، حتى بشرها الله ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب، فهي لم ترفع صوتها على النبي ﷺ ، وحازت قصب السبق في اتباعه، ولذلك استحقت هذا الوعد وهذه البشارة منه ، يحملها جبريل، ويبلغها محمد ﷺ . وتقرئين أيضاً سيرة سمية ﵂ أول شهيدة في الإسلام، وأسماء ذات النطاقين، وغيرهن من النساء المؤمنات اللاتي كان لهن دور بارز في تلك المرحلة الحرجة من مراحل الدعوة، وهي مرحلة الدعوة المكية. وأما في المدينة بعد هجرة النبي ﷺ فإنك ترين أيضاً نماذج من ذلك، ترين أم سليم بنت ملحان وأم سلمة وصفية وعائشة وحفصة، وسائر زوجات النبي ﷺ ، وترين أم عمارة نسيبة بنت كعب وسائر المؤمنات من الصحابيات. إن هذا يعطينا شعوراً وقناعة بأننا نحتاج إلى دور المرأة، والآخر كالأول، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فما دام للمرأة دور هناك فلها دور أيضاً هنا.

стр. 1787

المرأة أم

стр. 1788

صفية بنت عبد المطلب وأسماء بنت أبي بكر وحديثنا في هذا اللقاء -معشر الأخوات الكريمات- يدور حول محاور ثلاثة: أولها: المرأة أم: إنك على مدى التاريخ القريب والبعيد لابد أن تري أسماء لامعة كتبت في صفحات بيضاء ناصعة في تاريخ أمتها، وتلك الأسماء -القائدة والمجاهدة والعالمة والمصلحة- أياً كان موقعها لابد أنه كان وراء كل منهما امرأة صالحة أعدت هؤلاء حتى صاروا إلى ما صاروا إليه، وهذا الأمر ليس حكراً على المسلمين، بل حتى سائر الأمم -الصادقون منهم- يعترفون بدور المرأة في ذلك. حين هنئ لنكولن أحد الزعماء الأمريكان قال: لا تهنئوني وهنئوا أمي؛ فهي التي رفعتني إلى مقامي هذا. ولسنا بحاجة إلى أن نستعرض سيرة هذا الرجل وأشباهه؛ فأمامنا صفحات واسعة قد لا نستطيع أن نأتي على جزء يسير منها في هذا اللقاء، أمامنا صفحات واسعة من تاريخ أمتنا، من أولئك النساء اللاتي كان لهن دور في إعداد الرجال على مدى تاريخ هذه الأمة الطويل. فها هي صفية بنت عبد المطلب ﵂ تقبل حين استشهد حمزة ﵁؛ لتنظر ما فعل القوم بأخيها، فيقول ﷺ لابنها الزبير: (دونك أمك فامنعها)، وأكبر همه ﷺ ألا يجد بها الجزع لما ترى، فلما وقف ابنها يعترضها قالت: دونك لا أم لك. فجاء إلى النبي ﷺ فأخبرها بذلك، فقال: (خل سبيلها)، فأتت إلى صفوف الناس، حتى أتت إلى أخيها، فنظرت إليه، فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له، وقالت لابنها: قل لرسول الله: ما أرضانا بما كان في سبيل الله، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله! وحين كان لـ عبد الله بن الزبير ما كان دخل على أمه، فقال: يا أمه! خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبق معي إلا اليسير، ومن لا دفع له أكثر من صبر ساعة من نهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك؟ فقالت: الله الله يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه فامض عليه، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية، فيلعبوا بك، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت: إني كنت على حق، فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي فليس هذا فعل الأحرار، ولا من فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟! القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير! والله لضربة بالسيف في عز أحب إلي من ضربة بالسوط في ذل! فقال: يا أماه! أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني، قالت: يا بني! إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك، واستعن بالله. وحين قتل ﵁ دخل ابن عمر المسجد فأبصره مطروحاً قبل أن يصلب، فقيل له: هذه أسماء فمال إليها وعزاها، وقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وإن الأرواح عند الله ، فقالت له أسماء ﵂: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. واسمعي إلى ما قالته للحجاج حين قتل ابن الزبير، دخل عليها فقال لها: يا أمه! إن أمير المؤمنين وصاني بك، فهل لك من حاجة؟ قالت: لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة، ولكني أحدثك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرج في ثقيف كذاب ومبير)، فأما الكذاب فقد رأيناه -تعني المختار - وأما المبير فأنت. فقال لها: مبير المنافقين. وفي رواية عن يعلى التيمي قال: دخلت مكة بعد قتل ابن الزبير بثلاث، وهو مصلوب، فجاءت أمه عجوز طويلة عمياء، فقالت للحجاج: أما آن للراكب أن ينزل؟ فقال: المنافق؟! قالت: والله ما كان منافقاً، كان صواماً قواماً براً، قال: انصرفي يا عجوز فقد خرفت! قالت: لا والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (في ثقيف كذاب ومبير) الحديث. إن تلك الروح العالية التي كانت لدى أسماء ﵂ هي التي صنعت الاستبسال والشجاعة في ابن الزبير ﵁. ويحتاج المصلحون الذين يدفعون أرواحهم وحياتهم وما لديهم ثمناً لدعوتهم وعقيدتهم، وترخص عندهم الأمور في سبيل الله ، يحتاجون إلى مثل هذه الأم التي تدفعهم إلى ميدان البطولة، تدفعهم إلى ميدان الاستشهاد، تدفعهم إلى ميدان تحمل ضريبة كلمة الحق، وضريبة الموقف الحق حين يشعر صاحبه أنه إنما عمل لله، وأنه إنما قام لله، فنحن أحوج ما نكون إلى مثل هذه الأم. بعيداً عن تلك الأم التي تخدر، والتي تخاف على ابنها من مصائب الدنيا، وها هي هند بنت عتبة ﵂ أم معاوية بن أبي سفيان كان يفتخر بها إذا افتخر فيقول: أنا ابن أمي هند.

стр. 1789

أم عمارة وأم عاصم وأيضاً من النساء اللاتي سطر لهن التاريخ صفحة سامقة عالية في ميدان الأمومة لأولئك الرجال الصادقين أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية ﵂، هي أم عبد الله بن زيد الأنصاري الذي وصف حديث وضوء النبي ﷺ وروي أنه قتل مسيلمة، وأم حبيب بن زيد الذي قابل مسيلمة في القصة المشهورة حين قطع مسيلمة -عليه من الله ما يستحق- أعضاءه قطعة قطعة، وهو يرفض أن يجيبه إلى ما يدعو. ولها مواقف مشهورة مشهودة في التاريخ ليس هذا وقت الحديث عنها، إنما نحن نحكي عن أم عمارة نسيبة ﵂ جانب الأمومة، وكيف خرجت أولئك الأبناء. وأم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ هي أم عمر بن عبد العزيز ﵀، وكان لها دور في تربيته وإصلاحه. وأمير المؤمنين في الأندلس عبد الرحمن الناصر حكم خمسين سنة وستة أشهر، ووطئت أقدام جيوشه بلاد فرنسا وأسبانيا وإيطاليا، الذي أزعج أوروبا، قتل أبوه وعمره واحد وعشرون يوماً فانفردت أمه بتربيته، فكان هذا الرجل من نتاجها.

стр. 1790

نماذج من أمهات العلماء وفي ميدان العلم والفقه نرى أيضاً أن الأمهات كان لهن دور بارز في إعداد الرجال، سفيان الثوري الإمام الفقيه المحدث الذي قال فيه الأوزاعي: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان. سفيان ﵀ كان ثمرة أم صالحة، روى الإمام أحمد بسنده عن وكيع قال: قالت أم سفيان لـ سفيان: يا بني! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي. أي: تكفيه نفقته وشئون حياته حتى يتفرغ للعلم. وقالت له توصيه: يا بني! إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك. والإمام الفقيه الثبت إمام أهل الشام وفقيههم أبو عمرو الأوزاعي الذي قال فيه بقية: إنا لنمتحن الناس بـ الأوزاعي، فمن ذكره بخير عرفنا أنه صاحب سنة. كان يتيماً فقيراً في حجر أمه، فنقلته من بلد إلى بلد، حتى تعلم وبلغ مرتبة الإمامة والفقه. والإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن قصته مع أبيه مشهورة رواها ابن خلكان، وذلك أن أباه فروخ فارق أمه وهي حامل به، وترك عندها ثلاثين ألف ديناراً، وأوصاها بحملها خيراً، ففارقها إلى ميدان الجهاد، وغاب هناك سنوات طويلة، فعاد بعد أكثر من ثلاثين سنة، عاد ليطرق بيته فخرج إليه ابنه ربيعة، فقال له: كيف تهجم على بيتي وأهلي؟! فقال له: كيف أنت تدخل بيتي؟ فعلت أصواتهما، وارتفعت خصومتهما، حتى جاء الإمام مالك واللجج والخصومة بينهما، فقال: أنا صاحب هذا البيت أنا فروخ، فسمعت أم ربيعة صوته وسمعت كلامه فعرفت أنه زوجها، فنادته وقالت: هذا ولدك فتعانقا. ثم سألها عن المال الذي أودعها إياه، فقالت: إني دفنته واختبأته، ونام ثم لما استيقظ قالت له: اذهب واشهد صلاة الفجر في مسجد النبي ﷺ ، وذهب ورأى رجلاً قد اجتمع حوله أفواج من الناس يستمعون إليه فسأل وهو مطرق رأسه خجلاً منه، فإذا هو ابنه ربيعة، فعاد إلى زوجه فوصف لها ما وصف، فقالت: أيسرك هذا أم الدنانير؟ قال: والله! هذا أحب إلي، فأخبرته أنها أنفقتها في تعليمه. لقد كان وراء الإمام ربيعة ﵀ تلك الأم التي ربته وتعاهدته حتى بلغ ما بلغ. والإمام مالك أيضاً الذي درس على ربيعة قال لأمه: أذهب فأكتب العلم. فقالت: تعال فالبس ثياب العلم، قال: فألبستني وعممتني، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن، وكانت تقول: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. والإمام الشافعي الإمام الفقيه المجدد، مات أبوه وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وتنقلت به من غزة مهبطه إلى مكة مستقر أخواله، وكانت من العابدات القانتات، ومن أزكى الخلق فطرة. وحصلت لها قصة مشهورة عند أحد قضاة مكة، ذلك أنها شهدت هي وأم بشر فأجاز شهادتهما فذكرته بقول الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]. والمهدي الخليفة العباسي الذي كان يلقب بقصاب الزنادقة وعدو الزنادقة أجمع المؤرخون أنه نتاج تربية أمه الخيزران التي أخذت الفقه عن الإمام الأوزاعي. ولله در القائل: وليس النبت ينبت في جنان كمثل النبت ينبت في الفلاة وهل يرجى لأطفال كمال إذا ارتضعوا ثدي الناقصات

стр. 1791

موضي بنت أبي وهطان ومن النماذج القريبة زوجة الأمير محمد بن سعود ﵀ موضي بنت أبي وهطان كان لها دور كبير في إقناعه بمناصرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد أتاها أخوا الإمام محمد بن سعود وطلبا منها أن تقوم بهذا الدور في إقناعه أن يتبنى الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ ودعوته، فما زالت به حتى أقنعته بذلك، وأمرته أن يذهب إليه ويقابله، وتم ما تم حتى كتب الله النصر والتمكين لدعوة هذا الإمام المجدد بتوفيق الله بعد أن ناصره هذا الإمام الصادق، وهي أم الإمام عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود ﵀ الذي بلغ الغاية في العدل والعلم والورع، ولقب بمهدي زمانه. وهي نماذج طويلة -أختي الفاضلة- من الأمهات اللاتي صنعن القادة وأصحاب المواقف، واللاتي صنعن الفقهاء والعلماء، واللاتي صنعن المصلحين، لقد كان وراء كل واحد من أولئك أم صالحة، تعاهدته بالرعاية والتربية والإحسان حتى أبلغته ما بلغ. أتظنين أن تلك الأم التي تربي ابنها على أن يخاف حتى من ظله، التي تربي ابنها على أن يخاف من أي هاجس، وتخلق القلق والجزع والخوف والجبن لديه، أترين هذه قادرة أن تنتج ابناً يقول كلمة الحق حين يحتاج إلى ذلك؟ أترينها تنتج ابناً يحمل السلاح والجهاد في سبيل الله حين تفتقر الأمة إلى أمثاله؟ أم ترينها تنتج مصلحاً يدع الدنيا ويطلقها وراء ظهره؛ ليحمل على عاتقه أمانة الدعوة والإصلاح؟ أم ترين أن تلك المرأة التي تربي ابنها على حب الدنيا والتعلق بها وبمتاعها الزائل، أو تربي ابنها على أن يلبي داعي شهواته ورغباته، فلا ترى أن يكدر نومه، ولا أن يقلق راحته، ولا أن يهب عليه الهواء، أترين هذه الأم قادرة أن تنتج طالباً للعلم حاملاً لرسالته، متحملاً المشقة واللأواء والنصب في سبيل تحصيل العلم الذي ينفعه الله ويهديه به، ومن ثم يحمله بعد ذلك إلى أمته؟ إن أولئك الذين يتحدث عنهم التاريخ من القادة والمصلحين والحكماء والعلماء والدعاة، إن أولئك وغيرهم إما أن تكون وراء كل واحد منهم أم صالحة تعاهدته بالرعاية والتنشئة، أو أن يكون يتيماً، أو يكون قد خلف وصايا أمه المخذلة وراء ظهره، أما أولئك الذين يرضعون الجبن ويتربون في كنف المذلة والعار فلا يرتجى منهم أن يصلوا إلى هذه المنازل ولا أن يبلغوها. والأمة -أخواتي الفاضلات- أحوج ما تكون في هذه المرحلة إلى هؤلاء المصلحين والعلماء والدعاة والقائلين بالحق والقادة والمجاهدين، هي أحوج ما تكون إلى هذا الصنف الفريد من الناس، ولاشك أن كل واحد من هؤلاء لابد أن تكون له أم، فهلا أخذت على عاتقك أن تدعي ابنك ليكون من هؤلاء؟ هلا أخذت على عاتقك وأنت تداعبين ابنك وهو صغير أن يبلغ مبلغ الرجال، وأن تعديه لذلك، وتربيه على هذه المهمة، وأن تنشئيه من صغره وهو يحمل قضية الإسلام، وقضية الدين، وقضية هذه الأمة، ألا يعيش لنفسه، إنما يعيش لدين الله ، أن يشعر بأن الدنيا لا قيمة لها، ولا تعدل جناح بعوضة، وأنت حين تقومين بهذا الجهد فإنك تقدمين خيراً عظيماً لهذه الأمة، وتؤدين دوراً لن يؤديه إلا أنت، فهل أنت فاعلة ذلك؟

стр. 1792

المرأة زوجة أختي الفاضلة! هذا دور المرأة الأم، والحديث عن ذلك يطول، فنتجاوزه إلى دور المرأة زوجة، إن أولئك الذين كانت لهم أمهات في الصغر تعاهدتهم وعنيت بهم وربتهم، كان لهم بعد ذلك زوجات يعيشون معهن ليلهم ونهارهم، وكما أن للأم دوراً في تربية ولدها، وفي دفعه إلى ميادين العزة والكرامة، فالزوجة كذلك لها دور في إعانة زوجها ودفعه، أو في تثبيطه والقعود به. ولهذا حذر الله عباده فقال: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] ذلك أن المرء قد تقعد به زوجه، أو يقعد به أولاده عن ميادين العزة والفداء والتضحية، فيحذر الله عباده من أن يجبنوا، ومن أن يسيروا وراء أهواء أهليهم. إن أولئك كان لهن أزواج، وماذا ترين حال زوجات أولئك؟! إن زوجات أولئك لو كن كحال بعض زوجات زماننا، تخذله، وتزعجه، وتقلق ليله، فهو في نهاره مشغول بهم التعلم والتعليم، والدعوة والصبر على لأوائها، ويعود بعد ذلك إلى منزله ليحمل هماً آخر، ويعيش قلقاً آخر، فتزعجه في تأخره عنها، وفقدها له، وتضييعه لمصالحها، فلو كان حال الواحدة منهن مع زوجها بهذا المنطق وهذه اللغة لكان له شأن آخر، وحديث آخر، أما إذا أخذت هذه الزوجة على عاتقها أن تقف مع زوجها معينة له، ومؤيدة له، ومثبتة له، وأن تسد فراغه إذا غاب عن بيتها، وأن تسدد ما تراه عليه من خير، وأن تأخذ بيده إلى ما قد ترى أنه تجاوز أو قصر فيه؛ فلها أسوة حسنة في خديجة ﵂ حينما كان لها القدح المعلى في نصرة النبي ﷺ ، والوقوف معه حتى بشرت ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. حين أتاها ﷺ يرجف فؤاده بعد الوحي قالت له مطمئنة مثبتة: والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، ثم ذهبت إلى ورقة وكان قد تنصر، فحدثته بما صار من محمد ﷺ ، حتى طمأنها أن هذا هو الناموس الذي جاء على عيسى وموسى، وأنه يرجو أن يكون زوجها نبي هذه الأمة، وفعلاً تم ذلك، وطمأنها ورقة بأن زوجها محمد ﷺ هو نبي هذه الأمة. من خير ما يتخذ الإنسان في دنياه كيما يستقيم دينه قلب شكور ولسان ذاكر وزوجة صالحة تعينه

стр. 1793

المرأة الداعية

стр. 1794

الهجمة التغريبية على المرأة المسلمة الصفحة الثالثة من تاريخ المرأة: المرأة الداعية: المرأة أم للدعاة والمصلحين، والمرأة زوجة للدعاة والمصلحين، والمرأة أيضاً داعية هي في موقعها ومع بني جنسها، ولاشك أن هذا الدور يتأكد ويتزايد في هذه المرحلة التي نعيشها، وليست الأدوار الأولى من هذا الدور ولا أولى منه. إن الكثير من فتيات المسلمين في مراحل التعليم، واللاتي يعانين ما يعانين من نتاج الحملة الشرسة التي تشن على المرأة المسلمة في عفافها، وفي دينها، وفي حيائها، وفي أمور حياتها، إن الكثير من هؤلاء الفتيات لابد أنهن يقابلن كل صباح من تدرسهن، ومن تربيهن في المدرسة، ولن تعدم مدارس المسلمين وجامعاتهم من مدرسة صالحة وفية، ومن امرأة داعية مخلصة صادقة ناصحة، لن تعدم هذه المدارس -بإذن الله وحمده وتوفيقه- من هذا الصنف من الأخوات الفاضلات. ولو قام هؤلاء الأخوات بدورهن وواجبهن؛ لأبلغن هذه الكلمة، وأسمعن هذا الصوت كل فتاة في بلاد المسلمين في سن التعليم ومرحلة التعليم، وكانت مدارس المسلمين وجامعاتهم ميداناً للتربية والتنشئة والإصلاح والتطوير. فهل تدرك الأخت الفاضلة وهي تتحمل أمانة التدريس وعبء التربية أن دورها يتجاوز بكثير تلك الأسطر التي تقرؤها في الكتاب المدرسي، ثم تعيد بعد ذلك إلقاءها على فتياتنا وعلى بناتنا؟ أظن أننا ننتظر من أخواتنا دوراً أكبر من ذلك، وجهداً أعظم من هذا، ولا يسوغ بحال أن يقف دور المرأة على أن تلقن التلميذات، وأن تلقن الطالبات معلومات جافة، وعلى أن تستظهر هذه المعلومات التي تقرؤها في الكتاب، ثم تعيد بعد ذلك تسميعها وإلقاءها جافة على الطالبات، وهي تعلم أنهن يعانين ما يعانين، وهي تعلم أنهن يواجهن ما يواجهن. إن الفتاة المسلمة في عرض العالم الإسلامي وطوله قد أصبحت ضحية المجلة الهابطة، وضحية الفلم الساقط، وضحية تلك المؤامرة الشنيعة التي تشن على المرأة المسلمة؛ لتلحق بنساء الغرب، وتسير وفق طريقهن؛ لتأخذ طريق الهاوية والدمار والهلاك. وفي بلادنا يرد إليها أكثر من خمسين مجلة تهتم بالمرأة والأسرة، وهي مجلات كلها تنحى المنحى الغربي الساقط، وقد لا يمنعها من الإسفاف والوقاحة إلا رغبتها في مزيد من الانتشار وإسماع صوتها، هذه المجلات والصحف التي تتاجر بالغرائز، ويثرى أصحابها على حساب الفضيلة والعفة ممن يقرؤها ويقتنيها؟ تلك الأفلام من ينظر إليها ويستمع ما فيها؟ وتلك الأصوات النشاز التي تتحدث إلى المرأة عن قضيتها، تتحدث باسمها دون وكالة شرعية، تتحدث نيابة عنها، وهي لا تملك أدنى مؤهل يؤهلها لذلك، تلك الأصوات من يسمعها إلا الفتاة المسلمة هنا وهناك. وحين تعيش الفتاة في هذا المجتمع، وهي تقرأ هذه الأحداث، وتسمع هذه الأصوات، وترى تلك المشاهد، وتعيش في المقابل حين تعيش هذا الجو، فهي تبحث عمن يوجهها، عمن يأخذ بيدها، عمن ينقذها من هذا الطريق المظلم الذي تقاد إليه. فممن تريدين أن تسمع الصوت الناصح؟ وممن تريدين أن تتلقى التوجيه؟ إن لم تكن منك أنت التي تعلمينها، أنت التي تلقين عليها الدرس صباح مساء، إن المدرسة والمربية حين تريد أن تصل إلى أداء دور فعال في التربية والتنشئة والإصلاح والتقويم، إنها بحاجة إلى أن ترتقي أكثر في أسلوب الخطاب، ولغة التوجيه والحديث.

стр. 1795

الخطاب الذي ينبغي أن يوجه للفتاة وإننا -معشر الأخوات الفاضلات- ينبغي أن نتجاوز تلك اللغة، والتي لم تعد تعرف المرأة فيها إلا الحديث عن بعض القضايا التي تخص الفتاة، أو الحديث عن المخالفات التي تقع فيها النساء، فهي حين تتبع حديثاً يخصها تنتظر أن تسمع حديثاً عن الحجاب، والتحذير من السفور، وعن قوامة الرجل، وعن اختلاطها بالأجانب، وعن اللبس المحرم، والسماع المحرم، والكلام المحرم، إلى غير ذلك. وهو حديث لابد أن تسمعه، ولابد أن نقوله، ولا يجوز أبداً أن نقلل من شأنه وقيمته، لكن أليس هناك منطق آخر ينبغي أن نتحدث فيه مع المرأة؟ أليست الفتاة بحاجة إلى أسلوب آخر وصوت آخر يحدثها؟ لقد جاء النبي ﷺ إلى النساء؛ ليعظهن ويعلمهن، فكان مما قال لهن: (ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجاباً من النار، قالت امرأة: واثنين، قال: واثنين). إن النبي ﷺ هنا فتح لهن باباً في الرجاء، وحدثهن عن دور وأمر ينبغي أن يحتسبنه وتحتاج إليه المرأة، وفي موطن آخر أمرهن ﷺ بالصدقة، وأخبر أنهن أكثر أهل النار -عافانا الله وإياكن جميعاً من عذاب النار- وأمرهن أن يتصدقن ولو من حليهن. والمقصود أنه لا ينبغي أن نقتصر على هذا اللون من الخطاب، ولا ينبغي ألا يعرف الناس من قضية المرأة إلا لزوم الحجاب، والمنع من النقاب، والمنع من اللباس الفاضح، والاختلاط بالرجال، والحديث عن الأخطاء التي تقع فيها المرأة. أقول وأؤكد: لاشك أن هذا ينبغي أن نقوله، وينبغي أن نكرره ونخاطب المرأة به، لكن أيضاً ينبغي أن نتحدث حديثاً آخر، إن تلك الفتاة التي نعاني منها الآن وهي تتهاون بأمر الله ، فتتهاون في الحجاب، ويزعجنا هذا المنظر، ويؤلمنا هذا الموقف، إن الكثير منهن تعلم تمام العلم، وتوقن تمام اليقين أن هذا السلوك مخالفة لأمر الله ورسوله ﷺ ، وأنه لا يرضي الله . فلو خاطبناها بلغة أخرى، وسعينا إلى أن نغرس الإيمان عند فتياتنا، وأن نعنى بهذه القضايا ونركز عليها، أن تعنى المدرسة والمربية والموجهة بتربية الإيمان في نفوس الفتيات، وتذكيرهن بالله ، واليوم الآخر؛ حتى تصبح الفتاة فتاة تخشى الله ، وتخافه ، وتؤثر مرضاة الله على ما سواه، حينها يتعلق قلبها بالله ، وتدرك تماماً العبودية والخضوع لله ، وترى أن الحجاب والعفاف أنه لباس عز وشرف؛ لأنه استجابة لأمر الله ، وعبودية له . ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا فتفتخر الفتاة وتعتز بأن ترتدي هذا الحجاب، بأن تمتنع من هذا اللباس، بأن تمتنع من هذا السلوك، وتتجنب ذاك الموقف، وأن تقف هذا الموقف، وتلبس هذا اللباس، إنها تعتز بمثل هذه المواقف، وترى أنها تمثل عبودية لله ، وأن هذا يزيدها رفعة وشرفاً وفخراً. إن المرأة تتعلق بالمظاهر، وتفتن بالزينة، وتسعى إليها، ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، فحين تربى الفتاة أن لباس التقوى خير، ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. حين ترى أن زينة الإيمان هي أعلى زينة وأتم زينة، فنغرس هذا المعنى في نفسها، ونربيه لديها بالكلمة المؤثرة، والقدوة، وسائر وسائل التربية وأساليبها، حين نغرس هذه المعاني في نفوس فتياتنا وبناتنا؛ فإننا حينئذٍ نتجاوز هذه العقبات، وتنطلق هذه الفتاة لتلتزم أمر الله ، راغبة راضية متوجهة إليه لا أن تتجه له، وهي ترى أنه أمر تؤطر عليه أطراً، وتدفع إليه دفعاً. أقول: لو تحدثنا مع فتياتنا وبناتنا بهذه الصورة، وسعينا إلى التركيز على هذه الجوانب؛ على تحقيق العبودية لله ، وتوحيد الله ، وتعظيمه ، حتى لا يصبح في قلوبهن محبة فوق محبة الله ، ولا يخفن غير الله ، ولا يتجهن لسواه ، فإننا حينئذٍ نختصر على أنفسنا مراحل كثيرة من الطريق، ربما كانت تستوجب علينا قائمة طويلة من المناقشات والمجادلات؛ لإقناع هذه الفتاة بأن تترك هذا السلوك، أو تسلك هذا المسلك وتسير في هذا الطريق أو ذاك.

стр. 1796

حاجة الشباب والفتيات إلى الحديث الدعوي ممن يعرف واقعهم جانب آخر له أهميته أخواتي الفاضلات: وهو أن فتياتنا وشبابنا يعيشون في هذا العصر أزمات هي جزء من نتاج هذه الهجمة الموجهة على هذه الأمة، ويعيشون واقعاً مؤلماً، فهم جميعاً شيباً وشباناً رجالاً ونساءً يحتاجون إلى من يحدثهم عن واقعهم، خاصة في مرحلة الشباب. فالفتاة بحاجة إلى أن تسمع من تلك المعلمة التي ترى أنها تعرف واقعها، وتدرك مشكلاتها، وتعي حقيقة معاناتها، أن تحدثها بلغة واقعية، وبلغة العارفة المدركة لواقعها، وتطرح عليها الحلول العملية، ليست تلك الحلول المثالية والمغرقة في الخيال، ولا تلك الحلول التي تراها تتناسب معها هي، أي: المتحدثة، إنما تخاطب الفتاة التي تستمع إليها بما ترى أنها تعاني منه، وتتحدث معها بكل صراحة ووضوح عن مشكلاتها ومعاناتها، ثم أيضاً تطرح لها الحلول العملية التي ترى أنها تطيق أن تسلكها. والفتاة حين تسمع مثل هذه اللغة، وتنصت إلى مثل هذا الخطاب، فإنها حينئذٍ تدرك أنها تستمع لصوت يجمع بين النصح والشفقة والعلم والوعي والمعرفة بالواقع، فهذا أدعى للاستجابة، وأدعى لأن تؤتي هذه الجهود بإذن الله ثمرتها وبركتها. أخواتي الفاضلات! في قطاع التعليم أو غيره -مدرسة كنت أو مديرة أو موجهة- وفي أي ميدان كنت نحتاج إلى جهد ودور عظيم منك لا يمكن أن يؤديه غيرك، إن الرجل قد يكتب كتاباً، وقد يتحدث حديثاً يسجل، لكنه لا يستطيع أن يوصل هذه الكلمة المكتوبة، أو يسمع تلك الكلمة المسجلة إلى كل فتاة، لا يستطيع أن يسمع تلك الفتاة المعرضة الغافلة البعيدة. إن تلك الفتاة لا بد أن تكون تلميذة لمدرسة صالحة متدينة، لا بد أن تكون أختاً أو بنتاً لأم صالحة، أو قريبة لها، أو جارة لها، لا بد أن تعيش في واقعها القريب والبعيد، وأن ترى زميلةً لها أو أستاذةً أو أماً أو قريبةً أو جارة، أياً كان موقعها منها، لا بد أن ترى من أولئك النساء الخيرات الداعيات إلى الله . وحين تقوم المرأة بتحمل أمانتها ودورها ومسئوليتها، فإنها تبلغ كلمة لا يستطيع الرجال أن يبلغوها، وتخاطب من لا يستطيع الرجال أن يخاطبوه، وتشافه أولئك اللاتي لا يمكن أن يسمعن ولا يعين إلا منهن، فهل تدركين -أختي الفاضلة- عظم الأمانة والمسئولية التي حملك الله إياها؟! إن النبي ﷺ قد قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه). والله قد وصف الأمة بأنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأخبر أن هذا هو معيار ومناط خيريتها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. وخطاب الشرع يعم الرجال والنساء، فنحن أمة أمارة بالمعروف ناهية عن المنكر، أمة قائلة بالحق، أمة داعية إلى الله . الله الله -أخواتي الفاضلات- في تحمل هذه الأمانة، والقيام بدورها، وإبلاغ الكلمة لزميلتك إن كنت طالبة ودارسة، وإبلاغ الكلمة لتلميذاتك إن كنت مدرسة، وإبلاغ الكلمة لقريباتك، ولكل من تلقين، ولا تيأسي ولا تضجري من أن تبلغي كلمة، أو تبذلي جهداً، أو تأمري بخير، أو تنهي عن منكر، فنحن أحوج ما نكون إلى دورك، وإلى أن يتكاتف المسلمون جميعاً، وأن يحملوا الأمانة جميعاً، ويدركوا أنها أمانة لا تخص طائفة دون طائفة، ولا فئة دون فئة. أسأل الله لأخواتي الفاضلات الستر والعفاف والحياء، وأن يرزقهن الله الأزوج الصالحين الناصحين، والذرية الصالحة، إنه سميع قريب مجيب. وأكتفي بهذا الحديث؛ لأجيب على أسئلة الأخوات الفاضلات.

стр. 1797

الأسئلة

стр. 1798

نصيحة في طريقة التحصيل العلمي والكتب المناسبة في ذلك السؤال ما هي الكتب التي تنصح بها كل من تود زيادة الحصيلة العلمية والدينية لديها، وتود طلب العلم بها، وهل تستطيع أن تخصص يوماً للنساء تقوم بتعليمهن أمور دينهن من فقه وعقيدة؟ الجواب نجيب على الشق الثاني من السؤال فأقول: لست أنا من أهل هذه البلد، وإنما أنا زائر وراحل هذه الليلة. أما بالنسبة للشق الأول فالكتب لاشك أنها كثيرة بحمد الله في كل فن وفي كل علم، وعلى كل مستوى من المستويات، ولا أظن أن مشكلتنا تكمن في عدم معرفة الكتاب المناسب للقراءة، فمثلاً لو سألت الأخت السائلة أو غيرها أن تذكر لي بعض الكتب المناسبة في الحديث، وفي التفسير والفقه لعدت لي قائمة من ذلك، ولو وجهت لها السؤال بعد ذلك هل قرأت شيئاً من هذه الكتب؟ ربما تكون الإجابة غير مشجعة. فأقول: إن المشكلة لا تكمن في عدم معرفة الكتاب المناسب بقدر ما هي كامنة في وجود إرادة وعزيمة على القراءة والتحصيل. أما تحديد كتب معينة للمرأة فهذا يختلف على حسب سن المرأة، ومستوى تحصيلها وتعليمها، وعلى المرأة أن تستشير من هو قريب منها من أجل أن يعرف مستواها، فمثلاً الكتب التي تناسب الطالبة ليست من الكتب التي تناسب المدرسة، وكذلك التي تناسب المرأة التي قطعت مرحلة في التعلم ليست كالتي تناسب المرأة التي هي دون ذلك. وعموماً الكتب التي تناسب الرجال هي أيضاً مناسبة للنساء، قد كتب أهل العلم كتباً في منهج التعلم والتفقه وطرقه ووسائله وآدابه ومنهجيته، ينبغي للفتاة طالبة العلم أن يكون لها نصيب من قراءة مثل هذه الكتب.

стр. 1799

طريقة ترقيق القلوب السؤال كيف يمكن لنا أن نرقق قلوبنا، ونبعد عنها شبح الفتور؟ الجواب الله شرع لنا أن نستعين به في كل أمورنا، فنحن نقرأ في سورة الفاتحة كل يوم مرات عدة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ونحن نستعين بالله في أمور ديننا وفي أمور دنيانا، فكما أننا نستعين بالله على قضاء حوائجنا في دار الدنيا، فكذلك نحن نستعين بالله على أمور ديننا، كما كان ﷺ يدعو: (اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه)، فهو يستعين بالله على أن يعينه على اتباع الحق وعلى اجتناب الباطل. فلاشك أنه لا أرق للقلوب، ولا أنجع لعلاجها من ذكر الله ، وتلاوة كتابه، والتوجه له ، وعبادته، والإقبال على الله بالذكر والدعاء والتلاوة والعبادة، وسائر هذه الأبواب مدعاة لعلاج القلوب ورقتها. والله خلقنا ويعلم ما نحن فيه، ويعلم ما نعاني ، ولم يتركنا سدى، بل أنزل علينا هذا الكتاب العظيم الذي ما من خير إلا ودلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه.

стр. 1800

حكم الاستخارة في الأمور الواجبة السؤال هل تكون الاستخارة في الأمور الواجبة كالحج والعمرة وغيرها؟ الجواب لا، هذه الأمور الواجبة يجب على الإنسان أن يعملها ولا تتوقف على الاستخارة، والاستخارة أن يتردد الإنسان في أمر لا يدري أهو خير له أم غير ذلك، فيستخير الله.

стр. 1801

حكم حج المرأة مع الرفقة الصالحة دون محرم السؤال ما حكم حج المرأة مع رفقة صالحة بدون محرم؟ الجواب لا يجوز أن تسافر المرأة بدون محرم، سواء كانت مع رفقة صالحة أو ليسوا كذلك.

стр. 1802

التحقق من الحب في الله السؤال كثيراً ما نسمع أن فلانة تحب أختاً لها في الله، وقد يدخل فيه شيء للدنيا، كيف يتحقق الإنسان أن حبه حقيقة لله؟ الجواب هذا المعنى أشار إليه النبي ﷺ في قوله: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، وفرق بين قوله: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وبين قوله: أن يحب المرء في الله؛ لأن قوله: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله نفي لكل أسباب ووسائل المحبة غير هذه المحبة. وقالوا: إن من علامات المحبة الخالصة لله أنها إذا زادت طاعة لله زادت محبة لها، وإذا رأت منها تقصيراً وضعفاً قلت محبتها لها.

стр. 1803

حكم المسح على الجوارب السؤال حكم المسح على الجوارب سواء على طهارة أو غير طهارة؟ الجواب يشترط في المسح على الجورب أن تلبسها المرأة أو يلبسها الرجل على طهارة، فإن لبستها على غير طهارة لا يجوز لها أن تمسح عليها؛ لأن النبي ﷺ قال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).

стр. 1804

عمل اليوم والليلة السؤال إن في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم منهجاً ودستوراً لنا، نريد منك أن تذكر لنا أعظم وأفضل ما يقوم به الرسول ﷺ من أعمال صالحة وأخلاق في يومه الواحد من الصباح إلى المساء؟ الجواب أعظم وأفضل الأعمال هي الأعمال الواجبة، وأعظمها الصلاة، المحافظة على الصلاة في وقتها، وأداؤها كما ينبغي من أعظم الأعمال، ثم من الأعمال التي شرعت لنا في اليوم والليلة أن نبتدئ اليوم بذكر وقراءة أوراد وأدعية الصباح، وهي معروفة وقد دون أهل العلم كتباً صغيرة وكبيرة مطولة ومختصرة في هذه الأذكار، ثم أيضاً السنن الرواتب التي هي اثنتا عشرة ركعة أو عشر ركعات، قد أخبر ﷺ (أن من صلى لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة)، والوتر، وسائر الأعمال بعد ذلك من تلاوة القرآن، والإحسان إلى الناس، والصدقة، إلى غير ذلك.

стр. 1805

حكم ارتداء المرأة للباس القصير السؤال حكم ارتداء المرأة لبس قصير؟ الجواب لا يجوز للمرأة أن تلبس القصير الفاتن أمام الرجال الأجانب، لكن إنما يجوز لها ذلك أمام زوجها فقط.

стр. 1806

حكم كشف المرأة وجهها في بلاد الغربة السؤال ما حكم سفر المرأة إلى بلاد أجنبية ولا تغطي وجهها، مع العلم أن معها محرماً، وترتدي الطويل الساتر؟ الجواب أحكام الله لا تختص بهذه البلاد دون غيرها، فالذي أمرها بالحجاب في هذه البلاد أمرها بالحجاب في غير هذه البلاد.

стр. 1807

حكم مس الحائض المصحف السؤال ما حكم مس الحائض للمصحف؟ الجواب لا يجوز للحائض أن تمس المصحف؛ لأن النبي ﷺ قال في كتاب عمرو بن حزم: (لا يمس القرآن إلا طاهر).

стр. 1808

حكم الصلاة في الحافلة السؤال نذهب إلى المدرسة في وقت مبكر حتى يؤذن الفجر ونحن في الطريق، ونصلي صلاة الصبح ونحن في الحافلة، فهل نقضي هذه الصلاة أم لا؟ الجواب لا يجوز أن تصلي في الحافلة؛ لأن المرأة يجب أن تصلي وهي واقفة، وتستقبل القبلة، ولا يجوز أن يصلى على الراحلة إلا النافلة في السفر، فتنتظر حتى تصل إلى المدرسة إذا كانت تصل قبل خروج الوقت وتصلي، وإذا كانت لا تصل إلا بعد خروج الوقت ينبغي أن يرتب النساء لهن حلاً في الأمر، إما أن تذهب مع أذان الفجر أصلاً وتصلي، أو يتوقفن لأداء الصلاة، لكن لا يجوز ولا يعتبر هذا عذراً لهن أن يصلين في مثل هذه الحالة.

стр. 1809

طلاق الحامل السؤال هل يقع طلاق المرأة الحامل؟ الجواب نعم يقع طلاق المرأة الحامل، وتنتهي عدتها بوضع الحمل.

стр. 1810

حكم قطع الطواف لصلاة النافلة السؤال ما حكم قطع الطواف لصلاة نافلة بين الحجر والكعبة، وذلك عند رؤية المكان خالي، وهل يعاد الطواف الذي لم يكمل؟ الجواب المرأة أولاً المفروض أن تبتعد عن هذه الأماكن للرجال، وتصلي في مكان بعيد وفي الأماكن الخاصة بالنساء، لكن عموماً الطواف لو أراد أن يقطعه المرء جاز له، وإن كان ينبغي له أن لا يقطعه إلا لحاجة، لكن المرأة ينبغي أن تبتعد عن هذه الأماكن، وتصلي في الأماكن المخصصة للنساء. أسأل الله أن ينفعنا وإياكم جميعاً بما سمعنا، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع قريب مجيب. هذا والله أعلم.

стр. 1811

منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله الأنبياء قدوة الأنام لأنهم مؤيدون بالعصمة مصطفون من الله تعالى لتبليغ دينه والدعوة إلى عبادته وتوحيده، وقد ذكر الله قصصهم ومنهجم في الدعوة إلى الله في القرآن الكريم، فيجب على كل داعية الاهتداء بهديهم والاقتداء بسيرهم.

стр. 1812

أهمية الحديث عن منهج الأنبياء الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: ففي هذه الليلة الطيبة المباركة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر جمادى الأولى عام ١٤١٥ للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم نتحدث حول منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ، ولا أظن أن مثلي وفي هذه العجالة يمكن أن يأتي على منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله بفروعه ومعالمه، لكنها إضاءات وخواطر أملاها الواقع الذي نعيشه. ثمة ثوابت -معشر الإخوة الكرام- اتفق عليها أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، وهي قضايا ليست جديدة، وكيف تكون جديدة وهي قضايا المنهج؟! وقضايا المنهج ينبغي أن تكون معالم واضحة معالم لا يجهلها أحد معالم لا يزيغ عنها إلا من ضل وانحرف، وكيف تكون جديدة وهي حديث عن منهج الأنبياء الذي نقرؤه في كتاب الله ؟! كلنا يقرأ القرآن، وكلنا يقرأ ويتلو آيات الله التي فيها الحديث عن قصص الأنبياء، وعن منهج الأنبياء، وعن دعوتهم، ومن ثم فالحديث معشر الإخوة الكرام مع أمثالكم عن منهج الأنبياء لن يكون حديثاً جديداً إنما هو تذكير بحقائق نعرفها وندركها جميعاً إنما هو إعادة لأفراد المسائل والمواقف التي نقفها في الدعوة إلى الله إلى أصولها وجذورها. ولعل أول تساؤل يطرح: لماذا الحديث عن منهج الأنبياء؟. يدعونا معشر الإخوة الكرام للحديث عن منهج الأنبياء أمور عدة

стр. 1813

كثرة الحديث عن مناهج التغيير أولها: أن الحديث كثير عن المنهج فيتحدث الكثير اليوم عن التغيير ومناهجه، وتتنوع الأطروحات الإسلامية وتتنافس في طرح برامج التغيير ومناهج الإصلاح، وتنوع الاجتهادات واختلاف المواقف أمر لا غبار عليه، لكن المرفوض أن تتحول الجزئيات والاجتهادات إلى ثوابت، وأن تتحول القناعات الشخصية إلى قضايا منهجية عند البعض يوالي ويعادي من أجلها، وينطلق من اقتناعات شخصية أو اجتهادات ليرسم من خلالها منهجاً يرفض الدعوة إلا من خلاله، ويسفه الآراء التي تنطلق من سواه ويوالي ويعادي عليها ويستنبط من خلال ذلك معايير لتقييم الناس والبرامج الدعوية. إن قضية المنهج قضية تهتم بالثوابت والإطار العام، ومع تأكيدنا على ضرورة انضباط المسائل الاجتهادية بضوابط الشرع، ومع رفضنا لتلك القسمة الضيزى لشرع الله إلى لب وقشور؛ لكن مع ذلك كله لا يسوغ أن تتحول المسائل الاجتهادية إلى قضايا يؤثم فيها الناس ويخطئون ويضللون، أو أن تدعى الأمة إلى أن تجتمع على رأي فلان أو اجتهاد علان، ولا يجوز أن تتحول هذه القضايا إلى معيار للولاء والبراء. إن البعض من الناس يرسم ثوابت ومنطلقات يمليها عليه اجتهاده وربما تقليده لفلان من الناس، وربما كانت انعكاساً لوضع معين، فيرسم هذه الثوابت ثم يسعى بعد ذلك لتحويلها إلى منهج من خلال البحث عن نصوص شرعية تؤيد ذلك ولو أدى إلى أن يلوي أعناقها لياً، أو من خلال اجتهادات هي لآحاد من السلف تتحول هذه الاقتناعات عند صاحبنا إلى منهج من خالفه فهو منحرف ضال أفاك أثيم. وثمة طوائف لا تزال تعيش في عزلة عن النص الشرعي وغربة عن منهج الطائفة المنصورة، فلا تعدو مصادر المنهج أن تكون حسابات مرحلية، أو قضايا استراتيجية؛ ولهذا قد لا تكاد تفرق أحياناً بين حسابات بعض هؤلاء الدعاة وحسابات الساسة وأصحاب الأيدلوجيات الأرضية. لأجل هذا وذاك كان لا بد من الحديث عن منهج الأنبياء حتى لا تتحول القضية إلى فوضى وتسيب وانحراف عن النص الشرعي والثوابت الشرعية، وحتى أيضاً لا نشطط ونغلو فنحول اجتهاداتنا الشخصية التي لم ينص عليها نص واضح وصريح تتعبد الأمة به وربما كانت لا تعدو أن تكون مقولة لفلان، أو أن تكون وضعاً عشناه وألفناه، حتى لا تتحول هذه الاجتهادات إلى منهج وثوابت، ننصر الدعوة من خلالها ونقيم آمال الناس ونزنها من خلال هذا الميزان، إن هذا وذاك مرفوض؛ لهذا كان لا بد من الحديث عن منهج الأنبياء.

стр. 1814

العصمة من مزايا منهج الأنبياء أن الله قد عصمهم من الانحراف والخطأ والخلل وعصمهم من الأهواء، ومن ثم فاتباع سبيلهم ضمان بإذن الله في الاستقامة على الطريق والسلوك على الجادة، والأمن من الخلل وبنيات الطريق؛ لذا فمن رحمة الله بعباده أن لم يتركهم لاجتهادات البشر أو يعبدهم لآراء فكرهم، واقرأ في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، هل تجد دليلاً واحداً يأمر الناس بالتقليد ويحثهم عليه، إنك لن تجد الحديث عن التقليد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إلا في مقام الذم والعيب لأولئك الذين عطلوا عقولهم، وعطلوا منطق البرهان والحجة، وساروا وراء وعي فلان وفلان من الناس. إنه مما لا يليق شرعاً وعقلاً أن يعبد الناس أحداً من البشر فتكون آراؤه حجة ملزمة للناس وديناً لا يسعهم الخروج عليه، فهؤلاء البشر قد يكونون أئمة، وقد يكونون دعاة، وقد يكونون موجهين، وقد يكونون أعلاماً للأمة تستفتيهم الأمة، وتصدر عن رأيهم وتستضيء بقولهم، لكن ذلك لا يمكن أن يحولهم إلى معصومين إلى حجة بين الله وخلقه ينبغي عليهم أن يتبعوهم فمن خالف قولهم واجتهادهم صار ضالاً منحرفاً زائغاً. إن هذا معشر الإخوة الكرام خرق لإجماع السلف، وهو خلل في المنهج أترى في الأمة خيراً من أبي بكر وعمر ﵄ وقد قالا للناس جميعاً: إن أصبنا فأعينونا وإن أخطأنا فقومونا. ويرسم ابن عباس ﵁ للأمة معالم هذا المنهج فيقول: أقول لكم: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء! معشر الإخوة الكرام! إن مما أجمع عليه أهل السنة وسلف الأمة قديماً وأتباعهم أنه لا عصمة لبشر بعد الأنبياء، ومما أجمعوا عليه أنه ليس هناك أحد بعد النبي ﷺ حجة بين الله وخلقه، دع عنك أولئك الذين يرسمون أئمة بعدد شهور العام ويرون أن سواهم ضالون منحرفون إن لم يعطلوا عقولهم ويصموا آذانهم ويغمضوا أعينهم ويسيروا وراءهم؛ ولهذا تراهم ينادون ويدعون الإمام الغائب قائلين: عجل الله فرجه. أما الطائفة الناجية -أهل السنة والجماعة- فقد عصمهم الله من ذلك، نعم لهم أئمة وأعلام وعلماء تصدر الأمة عن رأيهم وقادة يوجهون الأمة ويسيرونها؛ لكنهم مع ذلك يبقون بشراً لا يمكن أن يرتفعوا إلى درجة العصمة، ومن هنا كانت الحاجة ماسة وملحة للحديث عن منهج الأنبياء. البديل عن منهج الأنبياء هو أن يتعبد الناس لآراء البشر أمثالهم، والبشر أياً كانوا لا يمكن أبداً أن يكونوا محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، إنها طريق واحدة وسبيل واحدة هي سبيل المعصوم ﷺ وما عداه فهو عرضة للخطأ والخلل والزيغ والانحراف إلا من عصم الله .

стр. 1815

أمر الله بالاقتداء بهدي الأنبياء ثالثاً: يقول الله مخاطباً نبيه ﷺ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام:٩٠] فيأمر الله نبيه محمداً ﷺ أن يقتدي بمنهج الأنبياء، وأن يقتفي أثرهم، وأن يسير على سنتهم، والخطاب للنبي ﷺ خطاب لأمته من بعده إلى قيام الساعة. ونتساءل معشر الإخوة الكرام: لماذا يبدئ القرآن ويعيد في الحديث عن منهج الأنبياء، والحديث عن قصص الأنبياء، ويتكرر في الآيات والسور الحديث عن هذا المنهج إشارة وإيماء أحياناً، وتفصيلاً واستفاضة أحياناً، فما تكاد تقرأ في جزء من القرآن الكريم إلا وترى قصة دعوة نبي من الأنبياء أو ترى إشارة إليه وإلى ما جرى بينه وبين قومه أليست هذه دعوة لأولئك الذين يقرءون هذا الكتاب ويتعبدون الله بتلاوته إلى أن يسيروا وفق هذا المنهج وأن يرتسموا معالمه ويسلكوا خطاه.

стр. 1816

الأنبياء هم أمة النجاح والإنجاز البشري اعتاد الناس أياً كانت اتجاهاتهم ومذاهبهم وطرقهم على أن يثنوا على أولئك الذين ينجحون على أولئك الذين ينجزون على أولئك الذين يبدعون ولا يزال الناس يتحدثون كثيراً عن عوامل نجاح فلان، وعن سر إبداع فلان فهاأنت ترى الأدباء يتغنون كثيراً في الحديث عن سيرة فلان وفلان من الأدباء الذين قد تحولوا إلى رفات يتحدثون عن سيرهم ونجاحهم وإنجازهم، ويتحدث المؤرخون والساسة أيضاً عن أولئك الناجحين ويقرءون سيرهم ويأخذون منها معالم يقتفونها ويسيرون في إثرها، ولا يزال المصلحون والمجددون والدعاة يحظون بعناية أهل العلم وأهل الفكر والتوجيه دراسةً لأسباب النجاح وتحليلاً لعوامل النهوض والارتقاء لا يزال أولئك يتحدث عنهم الكثير وهم قد يستحقون ذلك. لكن قمة النجاح وغاية الإبداع والإنجاز هو ما حققه أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، إن الله قد اختار الأنبياء للقيام بهذه الدعوة ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨] أفليس الدعاة إلى الله أحوج إلى دارسة سير الأنبياء وكيف حققوا مقاصدهم ونجحوا فيما يسعون إليه؟! بلى والله، فإنهم أولى قبل أن يكونوا معصومين وقبل أن يؤمر بالاقتداء بهم؛ لأنهم في قمة النجاح والإبداع والإنجاز، فكيف وهم مع ذلك معصومون وكيف ونحن مأمورون بالاقتداء بهم والسير على طريقهم. معشر الإخوة الكرام! هذه عوامل وأسباب تؤكد لنا ضرورة العناية بدارسة منهج الأنبياء، ونحن حين ندرس منهج الأنبياء فإننا ينبغي أن نأخذه جملة بكل تفاصيله وكل معالمه لا يسوغ أن نقتطع أجزاء من هدي الأنبياء فنحتج بها ونتحدث عنها ونخاصم من أجلها وندع ما سواها. ولا يسوغ أن نرسم منهجاً ونقرر ثوابت ثم نبحث لما قررناه عما يعززه ويعضده من منهج الأنبياء، فينبغي أن نتجرد من الأهواء والتبعية والتقليد إلا لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وحينها نستطيع أن نترسم معالم هذا المنهج واضحاً جلياً مشرقاً بعيداً عن الزلل والانحراف؛ ولهذا فليس كل من تحدث عن منهج الأنبياء وعن دعوة الأنبياء قد تحدث حديثاً شاملاً كافياً وليس مبرأً عن الهوى وعن الخلفية السابقة التي يأتي إليها فيبحث لها عما يؤيدها. وأنا حين أقول ذلك لست أدعي العصمة فيما أقول، فأنا لا أعدو أن أكون قد رصدت نقاطاً ظهرت لي من خلال تلاوة آيات الله فيما قصه الله عن أنبيائه، فسعيت أن أشير إلى بعض المعاني التي اتفق عليها الأنبياء عامتهم أو معظمهم وأرى أنها ينبغي أن تكون معالم وثوابت لمنهج الدعوة إلى الله . وقد يكون في بعض ما أراه خطأ أو شطط، وهذا دليل على سلامة منهج الأنبياء أصلاً؛ لأن البشر أياً كانوا لا يمكن أن يتجردوا عن الأهواء والأخطاء.

стр. 1817

التوحيد إن أول قضية من قضايا المنهج عند الأنبياء: هي قضية التوحيد. فهي قضية القضايا في دعوة الأنبياء، وهي الأساس الذي دعا إليه أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ففي كل أمة خلت ومضت بعث الله نبياً يدعو إلى عبادته والكفر بالطاغوت وينفي -وهو أعلم برسله- أن يكون أرسل رسولاً بغير شهادة التوحيد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وفي قصص الأنبياء المتعاقبة يذكر الله أن كل نبي قد قال لقومه أول ما قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] فما دام كل نبي بعث من أجل التوحيد وأرسل من أجل شهادة أن لا إله إلا الله، فمن يسير على منهجهم ويتبع خطاهم ما لم تكن قضية التوحيد هي القضية الأساس لديه، والأول في سلم اهتماماته فليعد النظر في منهجه، وهانحن نرى في عصرنا الحاضر صوراً صارخة من العدوان على التوحيد وركوب الشرك والطاغوت: أليس من المناقضة لأصل التوحيد ما نراه من أولئك الذين يمرغون جباههم أمام الأضرحة ساجدين أو متبركين بتربة ضريح ولي أو إمام؟! أو أولئك الذين يتوجهون لهم بالدعاء من دون الله معتقدين فيهم قضاء الحاجات، وتنفيس الكربات؟! كم في بلاد الإسلام من طواغيت تشد إليها الرحال وتعقد عليها الخناصر، أفيسوغ أن تقوم دعوة من الدعوات وتجعل هذه الصورة الصارخة من الشرك المناقض للتوحيد قضية هامشية أو جزئية من جزئيات الدعوة. ومن صور العدوان على التوحيد: ما يعتقده أهل الخرافة أن النبي ﷺ ، أو أن أوليائه يعلم أحد منهم الغيب أو يملك ضراً ونفعاً، أو أولئك الذين يفضلون كلام البشر وما ابتدعوه على كلام الله ، أتكون تلك الدعوة التي تحمل بين صفوفها بعض هؤلاء، أو تلتقي معهم أو تهادنهم وتجاملهم أتكون دعوة تسير على منهج الأنبياء؟! ومن صور العدوان على التوحيد والولوغ في الشرك: ما يعتقده الرافضة من تكفير أصحاب النبي ﷺ أبر هذه الأمة قلوباً، وأصدقها لهجة، وما يتعبدون فيه لله بزعمهم من سب خيرة الخلق والتنقص لهم، واعتقاد أن أئمة لا يجاوز عددهم عدد شهور العام هم المعصومون الذين يعلمون الغيب والناس بهائم لا عقول لهم وليس عليهم إلا أن يسيروا ورائهم، وكم يفعل هؤلاء عند البقيع أو عند أضرحة أئمتهم مما يتفطر له قلب كل مخلص أفتكون تلك الدعوة التي تصور الخلاف هؤلاء خلافاً جزئياً أو تلك التي تداريهم أو تسكت عن شركهم وضلالهم أتكون دعوة على منهاج النبوة؟! ومن صور العدوان على التوحيد والجرأة على الشرك: اتخاذ طائفة من البشر أنداداً من دون الله يشرعون ويحلون ويحرمون فيصدرون قانوناً يبيح ما حرم الله ويحرم ما أباح الله، ويبدل شرع الله سبحان وتعالى ويصبح هذا القانون شرعاً مطاعاً عند الناس متبعاً يقاد الناس إليه ويخضعون له ويجرمون ويبرئون على أساسه، فهل عرفت البشرية شركاً ومناقضة للتوحيد ومضاهاة لله في ربوبيته وأمره جل وعز أكبر وأشنع من هذا الشرك والعدوان على مقام الربوبية؟! لقد قال الله عن أولئك الذين أطاعوا أحبارهم ورهبانهم في إباحة بعض ما حرم وتحريم ما أباح: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]. وقال مخاطباً للمؤمنين أنهم لو أطاعوا المشركين في إباحة مسألة من المسائل -أكل الميتة- أنهم مشركون: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١] فكيف بمن شرع وأحل وحرم وبدل شرع الله وصير ذلك شرعاً يقاد الناس إليه ويخضع الناس له أليس هذا أصرخ عدواناً وجرأة على مقام الربوبية وعلى مقام الله ؟! إن الدعوة التي تسعى للالتقاء مع هؤلاء في منتصف الطريق، أو ترى لها مسوغاً في السكوت عن شركهم وضلالهم دعوة بعيدة كل البعد عن منهج الأنبياء. إن الذي يدين الله بالعقيدة الإسلامية ويتخذها منهجاً ونبراساً له ما لم يتخذ موقفاً واضحاً محدداً من أعداء العقيدة سواءًَ أكانوا عباد قبور وأضرحة، أو كانوا سبابة لأصحاب رسول الله ﷺ ، أو كانوا باطنيين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر المحض، أو كانوا من المغضوب عليه والضالين إخوان القردة وعباد الصليب؛ إن الذي لا يتخذ من أولئك موقفاً واضحاً محدداً ليس إلا جاهلاً ببدهيات العقيدة مما لا يعذر مسلم بجهله، أو متاجراً بدعوى اتباع العقيدة والدعوة إليها أليس الأنبياء كلهم جميعاً قد بعثوا لعبادة الله واجتناب الطواغيت فأين اجتناب الطوا

стр. 1818

المقصد الأعلى تعبيد الناس لله المعلم الثاني من معالم منهج الأنبياء: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥]. ومقولة الأنبياء المتكررة: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) مع ما فيها من دلالة على التوحيد فهي دليل على قضية أساسة أخرى: ألا وهي أن دعوة الأنبياء دعوة لتعبيد الناس لله وحده، فالهدف الأساس والمقصد الأعلى هو تعبيد الناس لله رب العالمين. ومن ثم الداعية السائر على خطا الأنبياء المقتفي آثارهم جدير بأن يتذكر كل حين ويستشعر كل آن أن غاية دعوته ومنتهى مقصده هو تعبيد الناس لله رب العالمين، وأن يعطي سائر أهدافه مكانها الطبيعي وحجمها المعقول، حينها لن يصبح داعية إلى نفسه لن يصبح داعياً لتجميع الناس حول شخصه أو حتى اجتهاداته أو حول اقتناعاته أو حول ما يرى أنه حق وقد يرى غيره أنه خلاف ذلك. إن غاية الدعوة ينبغي أن تكون: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥] أن تكون تأليه الناس وتعبيدهم لله .

стр. 1819

لا أسألكم عليه أجراً ثالثاً: ﴿لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام:٩٠]. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥ - ١٠٩]. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٢٤] إلى آخر الآيات، وكل نبي يقول هذه المقولة: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٩] ويأمر الله نبيه محمداً ﷺ أن يقولها واضحة صريحة: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. ومن ثم فإن السائر على منهج الأنبياء ينبغي أن يقولها صريحة للناس بلسان المقال: ما أسألكم عليه أجراً أنا لست أخاصم للدنيا إياكم ليست ترضيني أملي هدف أسمى أعلى نفسي لا ترضى بالدون. إنني أدعو إلى قضية واحدة إلى عبادة الله ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] عبادة الله بمعناها الشامل ومفهومها الواسع ولست أريد أي عجلة، وهذا المنهج ينبغي أن يكون منطق كل داعية لله بلسان مقاله، وأن يكون منطقه بلسان حاله. معشر الإخوة الكرام! أترون أولئك الذين يتاجرون بالكلمة فيقولون كلمة أو يصوغون أخرى ويرجون من ورائها أجراً أترى أولئك يفقهون حق الفقه منهج الأنبياء؟ أم هم منافقون أم هم متاجرون أم هم متزلفون؟ لست أدري. إن من الناس من يقول أحدهم كلمة ويشهد الله على ما في قلبه وهي كلمة يريد من ورائها أجراً، قد يكون هذا الأجر مالاً محدداً يقبضه ويتلقاه وقد يكون شهرة بين الناس وقد يكون جاهاً فالأجر في قوله: ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ)) نكرة في سياق النفي قد دخلت عليها (من) الزائدة فهي من أعلى صور العموم، إن أي أجر أي ثمرة عاجلة يريدها صاحبها في الدنيا كفيلة بأن تبعثر عليه الأوراق كفيلة بأن تكون هذه الكلمة التي يقولها، أو تلك التي يسطرها أن تكون وثيقة اتهام عليه لبراءته من منهج الأنبياء وانحرافه عن منهجهم، أما الدعاة الصادقون الذين يقتفون هدي النبوة ويسيرون على منهجها فهم أولئك الذين يقولون ما يعتقدون يقولون ما يعتقدون أنه الحق، ويدينون الله به دون أن يرجوا من وراء ذلك أجراً دون أن يرجوا من وراء ذلك أجراً في دار الدنيا أياً كان هذا الأجر مالاً أو جاهاً أو ثراء.

стр. 1820

الأمة الواحدة القضية الرابعة حول منهج الأنبياء: الأمة الواحدة. وتبدو قضية الأمة الواحدة قضيةً واضحة المعالم وصورةً محددة يدركها قارئ كتاب الله حين يتأمل أي سياق ورد في قصص الأنبياء، بل قد نص الله على ذلك تعقيباً على قصص الأنبياء قائلاً: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢]. والأمة والواحدة لا ينتهي مداها في دار الدنيا بل يمتد إلى الدار الآخرة حين يقف الناس للحساب والجزاء والمساءلة، فيقف أنبياء الله ، إذ جاءوا لنوح ﵇ فيقول الله له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لقومه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهد نبينا محمد ﷺ وتشهد هذه الأمة. معشر الإخوة الكرام! إن هذا يجعل المسلم يتخطى حاجز الزمن ويلغي فوارق الزمن فيرى أنه ينتمي إلى جيل واحد وإلى أمة واحدة وحزب واحد هو حزب الله: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] فهو يرى أن تاريخه لا يقف عند حدود ستين عاماً ولا عند حدود آبائه وأجداده أو حدود فلان وفلان بل ليس عند حدود هذه الأمة، فهو ضارب في أطناب وجذور التاريخ منذ أن هبط آدم ﵇ فهو يرى أنه ينتمي إلى أمة واحدة. وتجنى هذه الثمرة وتتم وحدة هذه الأمة يوم القيامة حين تشهد هذه الأمة لأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم هناك المحاكمة والمقاضاة، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]. هناك يوم يقول الله عن الظالمين: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٥٠]. حينها يتصل هذا الوثاق وهذا الرباط فتأتي هذه الأمة لتشهد في هذا المقام بأن نوحاً قد بلغ الرسالة، وأن هوداً قد أدى الأمانة، وأن صالحاً قد بلغ ما اؤتمن عليه، وتشهد لسائر أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم. إن من نتاج وحدة الأمة وحدة أمة الأنبياء إن اتحدت مواقف أعدائهم منهم، واقرءوا كتاب الله لتروها صورة واحدة كل نبي يعيش صراعاً مع طغاة قومه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف:٧٥] الملأ الذين كفروا من قومه، وهكذا يتزعم الملأ قضية المواجهة من أنبياء الله مع كل نبي ورسول يرسله الله إلى خلقه. ومن العجيب أن تتحد الأساليب والطرق ولهذا يقول الله : ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣] فكأن هؤلاء قد تواصوا واتفقوا على أسلوب واحد يواجهون به رسل الله والدعاة إلى منهجه لكنهم قوم طاغون. لا ينبغي العدوان بالسخرية والاستهزاء، ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود:٢٧]. ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود:٩١]. ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود:٦٢]. وقالوا لهود: ﴿إِنْ نَقُو

стр. 1821

دعوة الناس باللسان التي يفهمون القضية الخامسة من معالم منهج الأنبياء: بلسان قومه. يقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] ﴿نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [يونس:٧١] ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف:٦٥] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣] ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [النمل:٥٤] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف:٨٥] وهكذا فقد كان الأنبياء من أقوامهم، ويتكلمون بألسنتهم وهذا يحقق مقاصد ومكاسب أولها: حتى يفقه قومه ما يقول ويعون ما يدعوهم إليه، وإلى هذا أشار القرآن في قول الله : (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)، ومن ثم الخطاب الدعوي الموجه للناس ينبغي أن يكون واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، ولا يسوغ أن تتجاوز الرغبة في جمال العبارة وحسن الأسلوب لتحول الحديث إلى ألغاز تحتاج في إدراكها إلى خبرات لحل رموزه والبحث عن كوامنه؛ ولهذا كان ﷺ وهو أفصح الناس يتكلم بكلام فصل لو عده العاد لأحصاه، ولم يكن ﷺ يسرد لسائر الناس بل كان يكرر الكلمة ثلاثاً. ولئن دعت الداعية ضرورة أو وضع لا يمكنه من الإفصاح فليجأ إلى التلميح والإيماء، فإنه لا ينبغي أن يغلو فيحول القضية إلى قضية مبالغة فلا يدركها إلا هو، فيصبح المعنى في بطن الشاعر وحينها لا يعود لدعوته قيمة. ثانياً: كان النبي بلسان قومه، يعني: أنه منهم يعرفهم ويعرفونه، يعرف طباعهم وما هم عليه، ومن ثم فالداعية إلى الله أحوج ما يكون إلى أن يعرف واقعه ويعي حال الناس وحال المخاطبون ولهذا اختار الله الأنبياء من أقوامهم. ثالثاً: كون النبي بلسان قومه ومنهم يعني أنهم يعرفونه فليس غريباً عنهم وليس مهزلة فيهم؛ ولهذا قالوا لصالح: ﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود:٦٢] أي كنا نعرفك قبل هذا ونؤمل فيك الخير، وكان ﷺ معروفاً بين قومه بالصادق الأمين، وكان يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق، كان يأتيه الضعيف فيعينه والمحتاج فيسد حاجته. ولهذا فالدعاة إلى الله السائرون على منهج الأنبياء حري بهم أن يكونوا أعلاماً شامخة في أقوامهم يعرفهم القاصي والداني، وقد كانت قريش وقبلهم الأمم المكذبة لأقوامهم يصفون أنبياءهم بصفات النقص ويلصقون بهم التهم الباطلة وهم يعلمون أنهم مكذبون مفترون ولكنه الهوى والمكابرة أما لو كان أولئك الأنبياء نكرات لا يعرفهم إلا أزواجهم وذرياتهم لاستطاع أولئك أن يقولوا فيهم ما يقولون.

стр. 1822

ما من نبي إلا ورعى الغنم سادساً: ما من نبي إلا ورعى الغنم. حين سئل ﷺ عن رعيه للغنم أجاب بأن هذا شأن الأنبياء، وأن هذا أمر اختاره الله لأنبيائه فما من نبي إلا ورعى الغنم، والسكينة والوقار كما قال ﷺ في أهل الغنم ورعاة الغنم. لقد كان الأنبياء قادة ورعاة للبشرية، ومن ثم كان رعي الغنم تهيئة وتربية وإعداداً لهم؛ ولهذا نرى أسلوب الرفق والحكمة أمراً يغلب على منهج أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، فيقول الله لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] أي: إلى فرعون الطاغية الجبار الذي يضرب به المثل ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. وإبراهيم ﵇ يقول مخاطباً لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٣ - ٤٤] بلغة الهدوء والمنطق والحوار والإشفاق والنصيحة. وأما محمد ﷺ فما عرفت البشرية أرحم منه ﷺ : وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا غضبت فإنما هي غضبة لله لا حقد ولا شحناء فما عرفت البشرية أرحم ولا أرق فؤاداً منه ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فالدعاة إلى الله ينبغي أن يكون الرفق ديدنهم، ورائدهم قوله ﷺ : (ما كان الرفق بشيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه).

стр. 1823

المواجهة الصريحة للانحراف المعلم السابع من معالم منهج الأنبياء: أن الأنبياء ومع ما أوتوا من رفق وحكمة فقد واجهوا قومهم بانحرافاتهم مواجهة صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، فلوط ﵇ يقول لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠]. وشعيب ﵇ يقول الله عنه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود:٨٤ - ٨٥] وفي آية أخرى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:٨٦]. وإبراهيم ﵇ الذي كان رحيماً رقيقاً مع أبيه يعمد إلى أصنامهم فيكسرها ويحطمها ويعقد له مجلس المناظرة والمحاكمة فيقولون له: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢] فيقول ساخراً متهكماً: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣ - ٦٥] قال يخاطب قومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:٦٦ - ٦٧]. ويقول محاجاً لطاغية عصره: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨]. وموسى ﵇ الذي أرسله الله إلى فرعون وأمره أن يقول له قولاً ليناً قال له عندما أعرض واستكبر: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٣ - ٢٨]. وقال لـ فرعون: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:٢٢]. نعم، إنه موسى الذي أمره الله بالقول اللين، ولو قلنا إن الرفق والقول اللين مع أنه منهج لا يجوز تخطيه ولا المساومة عليه لكنه لا يعني السكوت عن قضايا الدعوة لا يعني السكوت عن مواجهة الناس بأخطائهم وانحرافاتهم وضلالهم، فهاهم أنبياء الله يعلنونها صريحة ويواجهون قومهم بشركهم وضلالهم مواجهة صريحة، أولئك الذي يعانون الفساد الأخلاقي يواجههم لوط بانحرافهم وضلالهم وأولئك يعانون الفساد الاقتصادي والاجتماعي وقطع الطريق يواجههم شعيب بذلك، وإبراهيم وموسى وهكذا فهي دعوة واحدة ومنهج واحد وأمة واحدة ومن ثم فالدعوة التي تقوم على منهج الأنبياء ينبغي أن تشعر أن قضايا الدعوة لا مجال فيها للمجاملة ولا مجال فيها للمداهنة، وأن الرفق والحكمة ليست ملازمة للصمت والإغضاء عن كلمة الحق حيث أرسل الله رسله وأخذ الله الأمانة والميثاق على من آتاهم الكتاب أن يبلغوه.

стр. 1824

الاهتمام بقضايا العصر المعلم الثامن: أن الأنبياء كانوا قضية عصرهم: فلوط ﵇ دعا إلى التوحيد ثم ندد بالفساد الأخلاقي الذي كان عليه قومه، وشعيب ﵇ دعا إلى التوحيد وندد بالفساد الاقتصادي والظلم الذي كان عليه قومه، وموسى دعا إلى التوحيد والإيمان وندد بالاستعباد والإهانة للناس: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:٢٢] وهكذا فالدعوة التي تسير على منهج الأنبياء ينبغي أن تقتفي معالم هذا المنهج وأن تسير على هذا الطريق فتعيش قضية عصرها. إنه لا يسوغ أن يعيش امرؤ في بلد يعج بدعاء غير الله وتقديس الأضرحة والاطراح بين يديها، ولا يعرف حينها من يعيش هذا العصر من قضية العقيدة إلا قضية الأسماء والصفات وأن القرآن منزل غير مخلوق، نعم هي قضايا من قضايا العقيدة، لكن قضية العصر ينبغي أن يعيشها. وحين يعيش المرء في موطن يحكم فيه بغير شرع الله فمعايشة العصر تعني أن تكون قضية الحكم بشرع الله وتوحيده وإفراده قضية من أسس دعوته ونهجه، وهكذا في أي عصر ومصر ينبغي أن يعيش الداعية قضية عصره ومنهجه، بل حتى أولئك الأنبياء مع أن قومهم لم يستجيبوا بعد لقضية التوحيد إلا أنهم تحدثوا عن الفساد والضلال والانحراف الذي كان في عصرهم ونددوا به، فلا ترى سورة يذكر فيها لوط ﵇ إلا ويذكر فيها تنديده بالفساد والشذوذ الذي كان عليه قومه، أو سورة يذكر فيها شعيب إلا وترى الحديث عن الفساد الاقتصادي وعن بخس الناس أموالهم وحقوقهم.

стр. 1825

الولاء على أساس الحق وحده المعلم التاسع من معالم منهج الأنبياء: الولاء على أساس الحق وحده، لقد ضرب الله لنا في القرآن مثلاً: ﴿اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠] ونوح حين وعده الله أن ينجيه وأهله، وكان ابنه يرى أنه من أهله وكان في معزل ناداه نوح: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣] حين دعا نوح ربه قال الله له: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]. وإبراهيم حين شاقه أبوه وعانده قال له ولقومه: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]. إنها قضية الولاء والبراء فهي تلك التي يقولها ﷺ : (إن آل بني فلان ليسوا بأولياء إن أوليائي إلا المتقون)، فقضية الولاء والبراء قضية من أسس قضايا العقيدة لا يجوز الإخلال بها والمساومة عليها وخدشها، فهي قضية من قضايا الأمة الواحدة مما اتفق عليها الأنبياء إلى قيام الساعة؛ ولهذا توعد الله أولئك فقال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢]. فمن يسير على منهج الأنبياء ينبغي أن يكون ولاؤه على أساس الإيمان وعلى أساس كلمة التوحيد وحدها لا غير.
следующие страницы →