← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

دعوة الناس باللسان التي يفهمون القضية الخامسة من معالم منهج الأنبياء: بلسان قومه. يقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] ﴿نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [يونس:٧١] ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف:٦٥] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣] ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [النمل:٥٤] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف:٨٥] وهكذا فقد كان الأنبياء من أقوامهم، ويتكلمون بألسنتهم وهذا يحقق مقاصد ومكاسب أولها: حتى يفقه قومه ما يقول ويعون ما يدعوهم إليه، وإلى هذا أشار القرآن في قول الله : (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)، ومن ثم الخطاب الدعوي الموجه للناس ينبغي أن يكون واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، ولا يسوغ أن تتجاوز الرغبة في جمال العبارة وحسن الأسلوب لتحول الحديث إلى ألغاز تحتاج في إدراكها إلى خبرات لحل رموزه والبحث عن كوامنه؛ ولهذا كان ﷺ وهو أفصح الناس يتكلم بكلام فصل لو عده العاد لأحصاه، ولم يكن ﷺ يسرد لسائر الناس بل كان يكرر الكلمة ثلاثاً. ولئن دعت الداعية ضرورة أو وضع لا يمكنه من الإفصاح فليجأ إلى التلميح والإيماء، فإنه لا ينبغي أن يغلو فيحول القضية إلى قضية مبالغة فلا يدركها إلا هو، فيصبح المعنى في بطن الشاعر وحينها لا يعود لدعوته قيمة. ثانياً: كان النبي بلسان قومه، يعني: أنه منهم يعرفهم ويعرفونه، يعرف طباعهم وما هم عليه، ومن ثم فالداعية إلى الله أحوج ما يكون إلى أن يعرف واقعه ويعي حال الناس وحال المخاطبون ولهذا اختار الله الأنبياء من أقوامهم. ثالثاً: كون النبي بلسان قومه ومنهم يعني أنهم يعرفونه فليس غريباً عنهم وليس مهزلة فيهم؛ ولهذا قالوا لصالح: ﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود:٦٢] أي كنا نعرفك قبل هذا ونؤمل فيك الخير، وكان ﷺ معروفاً بين قومه بالصادق الأمين، وكان يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق، كان يأتيه الضعيف فيعينه والمحتاج فيسد حاجته. ولهذا فالدعاة إلى الله السائرون على منهج الأنبياء حري بهم أن يكونوا أعلاماً شامخة في أقوامهم يعرفهم القاصي والداني، وقد كانت قريش وقبلهم الأمم المكذبة لأقوامهم يصفون أنبياءهم بصفات النقص ويلصقون بهم التهم الباطلة وهم يعلمون أنهم مكذبون مفترون ولكنه الهوى والمكابرة أما لو كان أولئك الأنبياء نكرات لا يعرفهم إلا أزواجهم وذرياتهم لاستطاع أولئك أن يقولوا فيهم ما يقولون.

стр. 1822

ما من نبي إلا ورعى الغنم سادساً: ما من نبي إلا ورعى الغنم. حين سئل ﷺ عن رعيه للغنم أجاب بأن هذا شأن الأنبياء، وأن هذا أمر اختاره الله لأنبيائه فما من نبي إلا ورعى الغنم، والسكينة والوقار كما قال ﷺ في أهل الغنم ورعاة الغنم. لقد كان الأنبياء قادة ورعاة للبشرية، ومن ثم كان رعي الغنم تهيئة وتربية وإعداداً لهم؛ ولهذا نرى أسلوب الرفق والحكمة أمراً يغلب على منهج أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، فيقول الله لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] أي: إلى فرعون الطاغية الجبار الذي يضرب به المثل ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. وإبراهيم ﵇ يقول مخاطباً لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٣ - ٤٤] بلغة الهدوء والمنطق والحوار والإشفاق والنصيحة. وأما محمد ﷺ فما عرفت البشرية أرحم منه ﷺ : وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا غضبت فإنما هي غضبة لله لا حقد ولا شحناء فما عرفت البشرية أرحم ولا أرق فؤاداً منه ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فالدعاة إلى الله ينبغي أن يكون الرفق ديدنهم، ورائدهم قوله ﷺ : (ما كان الرفق بشيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه).

стр. 1823

المواجهة الصريحة للانحراف المعلم السابع من معالم منهج الأنبياء: أن الأنبياء ومع ما أوتوا من رفق وحكمة فقد واجهوا قومهم بانحرافاتهم مواجهة صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، فلوط ﵇ يقول لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠]. وشعيب ﵇ يقول الله عنه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود:٨٤ - ٨٥] وفي آية أخرى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:٨٦]. وإبراهيم ﵇ الذي كان رحيماً رقيقاً مع أبيه يعمد إلى أصنامهم فيكسرها ويحطمها ويعقد له مجلس المناظرة والمحاكمة فيقولون له: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢] فيقول ساخراً متهكماً: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣ - ٦٥] قال يخاطب قومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:٦٦ - ٦٧]. ويقول محاجاً لطاغية عصره: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨]. وموسى ﵇ الذي أرسله الله إلى فرعون وأمره أن يقول له قولاً ليناً قال له عندما أعرض واستكبر: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٣ - ٢٨]. وقال لـ فرعون: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:٢٢]. نعم، إنه موسى الذي أمره الله بالقول اللين، ولو قلنا إن الرفق والقول اللين مع أنه منهج لا يجوز تخطيه ولا المساومة عليه لكنه لا يعني السكوت عن قضايا الدعوة لا يعني السكوت عن مواجهة الناس بأخطائهم وانحرافاتهم وضلالهم، فهاهم أنبياء الله يعلنونها صريحة ويواجهون قومهم بشركهم وضلالهم مواجهة صريحة، أولئك الذي يعانون الفساد الأخلاقي يواجههم لوط بانحرافهم وضلالهم وأولئك يعانون الفساد الاقتصادي والاجتماعي وقطع الطريق يواجههم شعيب بذلك، وإبراهيم وموسى وهكذا فهي دعوة واحدة ومنهج واحد وأمة واحدة ومن ثم فالدعوة التي تقوم على منهج الأنبياء ينبغي أن تشعر أن قضايا الدعوة لا مجال فيها للمجاملة ولا مجال فيها للمداهنة، وأن الرفق والحكمة ليست ملازمة للصمت والإغضاء عن كلمة الحق حيث أرسل الله رسله وأخذ الله الأمانة والميثاق على من آتاهم الكتاب أن يبلغوه.

стр. 1824

الاهتمام بقضايا العصر المعلم الثامن: أن الأنبياء كانوا قضية عصرهم: فلوط ﵇ دعا إلى التوحيد ثم ندد بالفساد الأخلاقي الذي كان عليه قومه، وشعيب ﵇ دعا إلى التوحيد وندد بالفساد الاقتصادي والظلم الذي كان عليه قومه، وموسى دعا إلى التوحيد والإيمان وندد بالاستعباد والإهانة للناس: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:٢٢] وهكذا فالدعوة التي تسير على منهج الأنبياء ينبغي أن تقتفي معالم هذا المنهج وأن تسير على هذا الطريق فتعيش قضية عصرها. إنه لا يسوغ أن يعيش امرؤ في بلد يعج بدعاء غير الله وتقديس الأضرحة والاطراح بين يديها، ولا يعرف حينها من يعيش هذا العصر من قضية العقيدة إلا قضية الأسماء والصفات وأن القرآن منزل غير مخلوق، نعم هي قضايا من قضايا العقيدة، لكن قضية العصر ينبغي أن يعيشها. وحين يعيش المرء في موطن يحكم فيه بغير شرع الله فمعايشة العصر تعني أن تكون قضية الحكم بشرع الله وتوحيده وإفراده قضية من أسس دعوته ونهجه، وهكذا في أي عصر ومصر ينبغي أن يعيش الداعية قضية عصره ومنهجه، بل حتى أولئك الأنبياء مع أن قومهم لم يستجيبوا بعد لقضية التوحيد إلا أنهم تحدثوا عن الفساد والضلال والانحراف الذي كان في عصرهم ونددوا به، فلا ترى سورة يذكر فيها لوط ﵇ إلا ويذكر فيها تنديده بالفساد والشذوذ الذي كان عليه قومه، أو سورة يذكر فيها شعيب إلا وترى الحديث عن الفساد الاقتصادي وعن بخس الناس أموالهم وحقوقهم.

стр. 1825

الولاء على أساس الحق وحده المعلم التاسع من معالم منهج الأنبياء: الولاء على أساس الحق وحده، لقد ضرب الله لنا في القرآن مثلاً: ﴿اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠] ونوح حين وعده الله أن ينجيه وأهله، وكان ابنه يرى أنه من أهله وكان في معزل ناداه نوح: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣] حين دعا نوح ربه قال الله له: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]. وإبراهيم حين شاقه أبوه وعانده قال له ولقومه: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]. إنها قضية الولاء والبراء فهي تلك التي يقولها ﷺ : (إن آل بني فلان ليسوا بأولياء إن أوليائي إلا المتقون)، فقضية الولاء والبراء قضية من أسس قضايا العقيدة لا يجوز الإخلال بها والمساومة عليها وخدشها، فهي قضية من قضايا الأمة الواحدة مما اتفق عليها الأنبياء إلى قيام الساعة؛ ولهذا توعد الله أولئك فقال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢]. فمن يسير على منهج الأنبياء ينبغي أن يكون ولاؤه على أساس الإيمان وعلى أساس كلمة التوحيد وحدها لا غير.

стр. 1826

الاستعانة بالله واللجوء إليه المعلم العاشر من معالم منهج الأنبياء منهج الأمة الواحدة: الاستعانة بالله واللجوء إليه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩]، ثم قال : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] فقد كان أنبياء الله يلجئون إلى الله في السراء والضراء يلجئون إليه عبادةً وخضوعاً وتذللاً له ، ويلجئون إليه استعانة واستنصاراً به ؛ ولهذا كان الجواب سريعاً عاجلاً: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٠ - ١٤]. وجدير بمن يكون على هذا المنهج ويقتفي أثره أن تكون له صلة بالله ، دعاءً ورغبة ورهبة ولجوءاً إليه ، واستعانة به ، واستمداداً للعون والثبات والتوفيق منه .

стр. 1827

قضية النصر وحقيقته المعلم الحادي عشر من معالم منهج الأنبياء ومعالم الأمة والواحدة وهو حول قضية النصر وحقيقته: لقد وعد الله ووعده صادق: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٧]. وقد نصر الله طائفة من أنبيائه وأهلك أقوامهم وجعلهم عبرة وعظة للمكذبين من بعدهم، لكن هناك من أنبياء الله من يأتي يوم القيامة وليس معه إلا الرجل والرجلان، ومن يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، ومنهم أولئك الذين تجرأ عليهم إخوان القردة والخنازير المغضوب عليهم فقتلوهم، وقد عاب الله في كتابه على أولئك الذين قتلوا الأنبياء ﴿وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:١١٢] ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:٢١]. أترى أن أولئك الأنبياء الذين كتب الله لهم أن يقتلوا لم يتحقق فيهم وعد الله : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]؟ بلى والله، لقد تحقق فيهم هذا الوعد، لكن مفهوم النصر مفهوم أشمل. إنه ليس بالضرورة التمكين في دار الدنيا فقد يقتل أنبياء الله، وقد يمضون ولما يتبعهم أحد، لكن الله لن يخلف وعده رسله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] حينها يحقق الله الوعد لأولئك، فحقيقة النصر والتمكين ليست قاصرة أو منتهية بهذه الدار. معشر الإخوة الكرام! هذه بعض معالم منهج الأنبياء، ومعالم الأمة الواحدة علنا أن نقتفي أثرهم وأن نترسم من خلالها منهجاً واضحاً محدداً نسير عليه في دعوتنا، فوالله إن منهج أنبياء الله خير وأزكى وأبر من اجتهادات البشر بأنفسهم التي هي ليست معصومة من الهوى أو الضلال أو الانحراف. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى الاقتداء بأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، وأن يحشرنا تحت لوائهم وفي زمرتهم.

стр. 1828

الأسئلة

стр. 1829

علاج الفتور الدعوي عند الدعاة السؤال الكثير من معاشر الدعاة يدعو إلى الله ويجعل همه الأول: هو هداية الناس وتعبيدهم لله عز وعلا، ولكن إذا فتح الله عليه من زهرة الدنيا تقهقر عن طريقه وبدأ يتراجع عن الكثير من الهموم التي كان يحملها، ويحتج بكثير من الحجج والأسباب التي يعلق عليها؛ فضيلة الشيخ! هل من علاج لهذا الأمر وهذه الظاهرة في ضوء منهج الأنبياء؟ الجواب نعم، فالعلاج في إدمان تلاوة كتاب الله وتدبر معانيه ومراجعته فإنه قد ينسى وقد يغفل وقد يأخذه الهوى وتأخذه دواعي الغفلة والخطأ والاجتهاد، لكن مداومته لتلاوة كتاب وتدبره كفيلة بإذن الله بإعادته إلى جادة الصواب.

стр. 1830

منهج الأنبياء في الدعوة توقيفي ووسائله اجتهادية السؤال هل منهج الأنبياء في الدعوة توقيفي أم هو اجتهادي؟ الجواب فرق بين المنهج وبين وسائله، فالمنهج من جنس ما ذكرنا لا شك أنه توقيفي ولا بد من السير وفق ما كانوا عليه، لكن الوسائل لا تعدو أن تكون قوالب لإبلاغ المنهج وأدائه، فهي ليست توقيفية، فما دام استخدام الوسيلة جائزاً شرعاً فلا حرج من استخدامها في مجال الدعوة إلى الله ؛ لأننا لم نتعبد بوسائل محددة لا يجوز الخروج عليها، وإلا فهذا يترتب عليه أن نلغي كل الوسائل المعاصرة الآن مثل وسائل الاتصال وأن لا نستخدمها؛ لأن هذه الوسائل لم تكن مستخدمة من قبل.

стр. 1831

الصبر على البلاء في الدعوة السؤال القارئ لكتاب الله والمتأمل لقصص الأنبياء ودعوتهم يجد مدى ما واجه الأنبياء من التبعات والمشاق وصعوبة الطريق وثبتوا عليه عليهم الصلاة والتسليم، لكن الكثير منا إذا واجه أقل القليل مما واجه الأنبياء والمرسلون نكص على عقبيه وارتد عن طريقه نسأل الله الثبات، فهل من توجيه حفظكم الله فالأمر خطب وجلل؟ الجواب هؤلاء من الذين قال الله عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٠]، فالمرء ينبغي أن يعلم أن القضية قضية دين وعبودية لله ، وأن الأمور بيد الله أولاً وآخراً، وأن يلجأ إلى الله ويسأله الثبات، ويستعين به، وأن لا يسأل الله البلاء ولقاء العدو، فإذا واجه الابتلاء فعليه أن يثبت ويصبر. وقد يكون مبتلى ولا يعلم؛ لأن الابتلاء قد يكون في السراء وقد يكون في الضراء، ومن أشد صور الابتلاء أن يبتلى المرء وهو لا يعلم أنه مبتلى فيقع في الفتنة والابتلاء ويركب الغواية من حيث لا يشعر.

стр. 1832

عصمة الرسل السؤال هل الرسول ﷺ معصوم من الخطأ؟ الجواب هنا كلام طويل حول قضية العصمة، لكنهم معصومون من الكبائر ومعصومون من الخطأ في مقام التبليغ والوحي، حتى لو اجتهد أحدهم وخالف اجتهاده النص والوحي فإنه لا يقر على اجتهاده؛ ولهذا فهو كما قال الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] فالأنبياء معصومون عن الكبائر ومعصومون أيضاً في مقام التبليغ والوحي، والنبي ﷺ صلى على عبد الله بن أبي فلم يقره الله على ذلك، وقصته مثلاً مع ابن أم مكتوم وإذنه للمنافقين إلى غير ذلك.

стр. 1833

حكم السكوت عن الشرك السؤال يقول: هل على طالب العلم شيء عندما يرى بعض المناظر الشركية ولا يدعوهم إلى الإسلام مثل الشرك الحاصل الآن في البقيع؟ الجواب لا شك أن الشرك يحصل في كل مكان، لكن لا شك أن عليه إثماً ووزراً، والمسلم العادي لا يسوغ له أن يسكت على منكر يراه فكيف إذا كان طالب علم، فكيف إذا كان المنكر هو من باب الشرك بالله .

стр. 1834

البدء في الدعوة بما يحتاجه المدعوين السؤال بم تنصح طالب العلم الذي يريد الذهاب إلى الدعوة في الأمصار والقرى، بماذا يبدأ؟ الجواب يبدأ الناس بما يحتاجون إليه، وأن قد تذهب إلى مناطق تنتشر فيها الخرافة والجهل والاعتقاد بالجن والسحرة، فينبغي أن تركز على هذا الأمر وقد تذهب إلى منطقة فيها أناس يجهلون الوضوء والصلاة ونحوها فتركز على هذه القضية، وقد تذهب إلى منطقة فيها فساد اجتماعي وسفور فتركز على هذه القضية، فتبدأ وتركز في الحديث ودعوة الناس على ما تراهم محتاجون إليه، وأن ترفق بالناس ولا تتصور أن الناس سيتركون المنكر سريعاً، فقد يرث هذه الأمور كابر عن كابر فتنقله منها بين عشية وضحاها، فأوصي بأن يتحدث مع الناس بما يحتاجون إليه، وأن يسأل ويعرف ما هم عليه، ثم أيضاً يرفق بالناس ويكون واقعياً فيما يطلبه ويريده من الناس.

стр. 1835

حلاوة الإيمان السؤال كيف أستطيع أن أذوق حلاوة الإيمان؟ الجواب يقول النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) ويقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ومحمد ﷺ نبياً).

стр. 1836

أسباب تعين على قيام الليل السؤال أوضح لنا بعض الأمور المعينة على قيام الليل؟ الجواب من أهم ذلك: العزيمة الصادقة والبعد عن المعاصي واجتنابها، وسلوك الأسباب التي تعين الإنسان مثل التبكير في النوم والقيلولة وغيرها، لكن أهم سبب هو وجود العزيمة، فحين يكون عند الإنسان عزيمة وهمة يستطيع أن يفعل ما يريد، وحين تنقص العزيمة فمهما فعل من أسباب قد لا يستطيع ذلك.

стр. 1837

أحسن كتب السير السؤال ما أحسن كتاب في هذه السير مثل سيرة النبي محمد ﷺ ويعقوب إلى آخره؟ الجواب قصص الأنبياء وردت في كتاب الله ، ومن أفضل شيء أن نقرأها في القرآن فتدبر ونعيد ونراجع، ثم نقرأ في كتب التفسير فإنها توضح الغامض وتجمع المتفرق وتستنبط ما كان خافياً.

стр. 1838

نصيحة لمن يتأثر من النقد السؤال ما رأيكم في الشاب الحساس الذي يتأثر من النقد وغيره؟ وبماذا تنصحونه تجاه هذه الحساسية؟ الجواب الله قد نهى عن الظن، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢]. فقد أمر باجتناب كثير من الظن حتى لا يقع في بعض الظن، بحيث يجعل المرء بينه وبين الظن من حوله سترة فيجتنب الكثير حتى لا يقع في القليل، والمسلم عليه أولاً أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين ثم لا يشغل نفسه بما لا طائل وراءه، فالذي يشغل نفسه بأعمال الناس وأقوالهم وسلوكهم، لا يجني من وراء ذلك شيئاً، وقد يجني من وراء ذلك العقوبة العاجلة فيصاب بالهم والغم والتألم بأنه ظن بالناس ما ليسوا عليه.

стр. 1839

معنى النصيحة في الدين السؤال حديث: (الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) هل المقصود بالنصيحة في هذا الحديث الطاعة أم الوعظ والإرشاد والدعوة؟ الجواب النصيحة: تعني قول كلمة الحق، والإعانة على الحق، والرد على الباطل، وتعني: الطاعة في غير معصية الله .

стр. 1840

الدعوة والعوائق التي تعترضها السؤال هل الاقتداء بالأنبياء في الدعوة يزيل العوائق التي تعيق الدعوة إلى الله ويخلص الداعية من كثير من العوائق؟ الجواب لا، وهذه مشكلة، ومن المشكلات التي كنت أريد أن أشير إليها أن من أخطائنا أحياناً في تقويم المنهج أن تعرض الدعوة لعوائق وصعوبات يجعل هذا دليلاً على الخطأ والانحراف فيها، وهذا ليس بصحيح، بل هذا الأمر سنة الأنبياء فالأنبياء تعرضوا لعوائق وتعرضوا لصعوبات، بل العكس: قد يتهم الإنسان أحياناً إذا لم ير شيئاً من ذلك؛ لأن من طبيعة الدعوة الابتلاء والعقبات والصعوبات. لا شك أن المسلم يتحاشى ذلك ويبتعد عنه؛ لكن أيضاً لا يسوغ أن يكون هدفنا الابتعاد عن كل عائق وعن كل صعوبة لأجل أن تسلم دعوته، لقد كان إبراهيم ﵇ حريصاً على أن تبلغ القاصي والداني ومع ذلك قال ما قال لقومه وفعل ما فعل معهم، ونوح ولوط وشعيب وغيرهم من أنبياء الله، ومحمد ﷺ واجه قومه وسفه أحلامهم وفعل ما فعل وواجه العقبات والصعوبات، فليست العقبات والصعوبات التي يواجهها الدعاة إلى الله دليلاً على انحراف منهجهم، وأيضاً ليس مسئولاً عما يصيب المسلمين مما جرى، وإلا فإن ياسر وسمية قتلا لأنهما اتبعا النبي ﷺ ، أكان النبي ﷺ هو المسئول عن ذلك؟! أصحاب النبي ﷺ لما أخرجوا من ديارهم وأموالهم أكان ﷺ هو السبب ودعوته ومنهجه هو السبب في ذلك؟! لا يمكن أن يقال ذلك. فأقول: أنه بالعكس لا بد من العوائق ولا بد من الصعوبات والعقبات وهكذا شأن الدعوة وشأن منهج الحق.

стр. 1841

الدعوة إلى الله من غير حب مع المجتمع السؤال إذا كان النقد والمواجهة يستلزم العداوة والأذى، كيف ترون إمكانية إصلاح المجتمع والأخطاء الصغيرة فيه دون أن يتحول المجتمع إلى ساحة قتال؟ الجواب لا أحد يدعو إلى القتال، وإلى الصراع، لكن أيضاً لا بد منه، ولا يمكن أبداً أن نصحح الأخطاء بدونه، وها هو منهج الأنبياء إذا أردت غيره فابحث لك عن بديل فإبراهيم ﵇ عاش صراعاً مع قومه، وموسى عاش صراعاً مع فرعون وقومه، ولوط وشعيب وغيرهم صرحوا بنقدهم لأقوامهم والمنكرات التي كانت شائعة في عصرهم ووقتهم، نعم الإنسان قد يرتب أموره قد يسقط بعض الأساليب قد يؤخر ويقدم لكن هذا كله لا ينبغي أن يكون على حساب المنهج لا ينبغي أن يكون على حساب مضمون الدعوة لا ينبغي أن يكون على حساب السكوت عن الأخطاء والتربيت على الأكتاف. أسال الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا وإياكم من أتباع أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، وأن يحشرنا تحت لوائهم وفي زمرتهم إنه سميع قريب مجيب. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1842

هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين الحجة والبرهان نور يضيء الطريق فيتضح الصواب من الخطأ، وإنما أرسل الله الرسل وأيدهم بالحجج الباهرات والأدلة النيرات حتى يعذر إلى الخلق ويقطع ألسنة المعاندين، ولذا ينبغي أن يتخذ المسلم في منهج حياته ألا يصدر ولا يرد إلا عن دليل.

стр. 1843

مطالبة أصحاب الدعاوى بالبراهين والأدلة

стр. 1844

مطالبة الذين اتخذوا من دون الله آلهة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، أما بعد: فموضوع حديثنا هذه الليلة: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. ولعلنا نقف وقفات قد تطول حول آيات طويلة من كتاب الله تؤيد هذا المعنى، وهي تطالب الناس جميعاً بأن يكون منطق الحجة والبرهان ولغة الدليل هي السائدة في الدعوى، فلا سيدعي أحد دعوى إلا بدليل وبرهان وحجة، وفي النقاش والحوار يكون النقاش والحوار أيضاً للحجة والبرهان، وحين حاولت أن أورد بعض الآيات في كتاب الله رأيت آيات كثيرة جداً تشير إلى هذا المعنى، وهذا لعمق هذه القضية، ولكونها قضية مرتبطة بالمنهج، بالتلقي والحوار، والدعوة والإقناع كل هذه القضايا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنطق البرهان والدليل والحجة. وسبق أن تحدثنا حول المنهج وأهميته، وحول بعض جوانب الخلل في المنهج، وأننا بحاجة إلى أن نترسم ضوابط ومعالم للمنهج. إن وقوعنا في خطأ في قضية جزئية واحدة أمر قد يتجاوز، ثم هو أمر قد تكون تبعته ليست ذات بأس، أما أن يكون الخلل والخطأ في المنهج فإن هذا مدعاة لتوالد الأخطاء، ومدعاة لتكاثرها وتعاظمها، ومن هنا كان لا بد من الحديث عن المنهج، والحديث عن المنهج أيضاً ينبغي أن يكون مربوطاً بما سبق أن قلناه سابقاً، فليس ما نعيشه ونتوهمه ونتلقاه هو بالضرورة المنهج الذي نرسم من خلاله ما نراه من اقتناعات ومناهج، والذي نقيس من خلاله الناس ونجعله كالمسطرة التي نقيس بها بعد الناس ودنوهم من المنهج. القرآن يطالب بالبرهان ويطالب بالدليل، وأن يكون منطق الناس ورائدهم هو البرهان والدليل، وهذا الأمر نراه في كتاب الله كثير، يتمثل من خلال أمور وجوانب عدة: الأمر الأول: المطالبة بالحجة والبرهان عند الدعوى. وهذا نجده في كتاب الله كثيراً، بل مع فئات لا يشك أحد في بطلان دعواهم وأنها لا تعدو أن تكون دعوى صادرة عن الهوى والتشهي، وعارية عن الدليل والحجة، ومع ذلك يطالبهم الله بالبرهان. أولاً: قد طلب الذين اتخذوا من دونه آلهة -وهل يشك عاقل في بطلان هذه الدعوى- طالبهم بالبرهان: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤]. وفي سورة المؤمنون يقول : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧] ومن يشك في بطلان ألوهية غير الله؟ ومن قد يختلج لديه شك في أن الله الرزاق الخالق هو الواحد الأحد المستحق للعبادة؟ لكن من ادعى خلاف ذلك فليأت بالبرهان والدليل والحجة، والذي معه الحق ويملك الحق لا يخشى بحال من مطالبة الناس بالدليل، ولا يخشى مطالبة الناس بالبرهان. إنك تستطيع أن تطرح أي قضية على بساط البحث بكل وضوح وكل صراحة، وتستطيع أن تتحدى كل من يعارضك ويناقشك في هذه القضية التي تدعو الناس إليها، ولو كانت قضية بدهية، ولو كانت أكبر قضية من القضايا، هل هناك قضية أوضح وأجلى من قضية تفرد الله بالألوهية، ومع ذلك يطالب الله أولئك الذين تنكبوا الطريق وعارضوا بالبرهان. وهكذا شأن من يحمل الحق، إن من يحمل الحق لا يخشى من الحوار، لا يخشى من النقاش، لا يخشى من الجدل؛ لأنه يملك الحق الذي لا لبس فيه ولا غموض، فما دام لديه برهان فليطالب الناس بالبرهان والحجة.

стр. 1845

مطالبة الذين ادعوا لله الولد ثانياً: طالب الله الذين اتخذوا الولد معه ، مع شناعة هذه القضية: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٤] ومع ذلك يقول الله في سورة يونس: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٦٨]. وفي سورة الصافات: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات:١٥١ - ١٥٧]. وفي سورة الكهف يقول : ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٤ - ٥].

стр. 1846

مطالبة الذين جعلوا الملائكة إناثاً ثالثاً: طالب الله بالدليل والبرهان أولئك الذين جعلوا الملائكة إناثاً، يقول في سورة الزخرف: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف:١٩ - ٢١].

стр. 1847

مطالبة الذين جادلوا في آيات الله رابعاً: أيضاً طالب الله بالبرهان والحجة والدليل أولئك الذين جادلوا في آيات الله ، ففي سورة غافر: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٣٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]. وفي سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨]. وفي سورة لقمان يقول : ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان:٢٠]، ولفظة العلم ترادف في كتاب الله البرهان والحجة والدليل، إن العلم في شريعتنا ليست قضية لا يدركها إلا خاصة من الناس، قد يسوغ هذا الأمر عند النصارى الذين يرون أن رهبانهم لهم الحق وحدهم في فهم الكتاب المقدس، وفي تفسيره، وبيان مراد الله ، وقد يكون هذا الأمر سائغاً عند أولئك الذين يجعلون لهم أئمة عدد شهور العام هم وحدهم المؤهلون لمعرفة الدين، وهم وحدهم الذين يفهمون مراد الله ، وقد يكون هذا سائغاً عند أهل الخرافة الذين يرون أن التلميذ ينبغي أن يكون عند شيخه كالميت عند مغسله يقلبه كيف شاء، أما المسلمون فهم يقرءون في كتاب الله : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، ومن يقول إن هذه الآيات يخاطب بها اثنا عشر إماماً، أو تخاطب بها فئة خاصة من الناس، فليأت بالبرهان والحجة والدليل. إذاً: فقضية العلم ونفي العلم ونفي البرهان كلها تدور حول قضية الدليل، ولهذا قال أهل العلم: إن المقلد الذي يأخذ الحكم دون دليل ليس طالب علم. والعلم معرفة الهدى بدليله ما ذاك والتقليد مستويان

стр. 1848

مطالبة الذين ساووا بين المسلمين والمجرمين خامساً: أولئك الذين ادعوا المساواة بين المجرمين والمؤمنين، بين المسلمين والكافرين طالبهم الله أيضاً بالحجة والبرهان: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم:٣٥ - ٤٠].

стр. 1849

مطالبة اليهود والنصارى فيما ادعوا على الله سادساً: طالب الله بالبرهان إخوان القردة اليهود والنصارى، وقد اعتاد الناس جميعاً مسلمهم وكافرهم أن أولئك لا يعرفون منطق الدليل ولا البرهان والحجة، أولئك لا يحسبون لكلماتهم أي حساب، فهم إما قوم مغضوب عليهم قد لعنهم الله وطبع على قلوبهم، أو قوم ضالون، فاليهود قوم قد غضب الله عليهم وطبع على قلوبهم، وصاروا لا يحسبون لكلمتهم حساباً، أليسوا هم القائلون: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]؟ تعالى الله عما يقولون، أليسوا هم القائلون أخزاهم الله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]؟ ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] يلعنهم الله في كتابه لعنات متتابعة إلى يوم القيامة، ومع سخف مقالتهم وشناعتها وسخف مقالة إخوانهم من الضالين النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، هم أولئك الذين أعاروا عقولهم لطغاة الرهبنة والقساوسة حتى يفكروا بالنيابة عنهم، وحتى يفهموا الكتاب المقدس بالنيابة عنهم، وحتى يمسخوا عقولهم ويقولون: ليس لكم حق في فهم كتاب الله ، مع ذلك يدعي اليهود والنصارى دعوى عريضة مضحكة: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، فيجادلهم الله بالقرآن، يجادلهم بالحجة والبرهان والدليل، يقول الله حاكياً مقالتهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]. نعم إن كان لديكم دليل أو حجة أو برهان فهاتوا برهانكم، وهاتوا دليلكم. وكل ما سبق من المطالبة بالدليل والبرهان، من مطالبة الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر، ومن مطالبة الذين اتخذوا الولد مع الله ونسبوا إليه الولد، ومن مطالبة الذين جعلوا الملائكة وهم عباد الرحمن إناثاً، ومن مطالبة المجادلين في آيات الله بغير علم، ومن مطالبة أولئك الذين ادّعوا التسوية في الدار الآخرة بين المؤمنين والكفار، وأخيراً مطالبة اليهود والنصارى بالدليل والبرهان على دعواهم أنهم وحدهم الذين يدخلون الجنة إن كل ما سبق يعطينا دلالة أنه لا يحق لأحد أن يدّعي دعوى إلا ببرهان وحجة وسلطان مبين، وأيضاً أنه لا يحق لامرئ أن يجادل أو يناقش، أو يُبطل دعوى أخرى إلا بالبرهان والحجة والسلطان. ويتنوع الحديث عن الدليل في القرآن، فتارة يأتي بالبرهان، وتارة بالحجة، وتارة بالسلطان، وتارة بالعلم، وكلها معان لها أثر ولها وقع في بيان مصدر التلقي، والحجة، والدليل، والجدل، والحوار، كله إنما ينبغي أن يكون بلغة الدليل والحجة والبرهان، والكتاب، والعلم، والسلطان وهي كلها معان تدور حول معنى الحجة وبعيداً عن العاطفة، بعيداً عن الأحكام المسبقة، بعيداً عما سماه الله أماني ودعاوى كاذبة.

стр. 1850

عيب القرآن ونعيه على المقلدين من غير دليل الأمر الثاني: يؤيد هذا المعنى عيب القرآن ونعيه على أولئك الذين يقلدون غيرهم، فقد عاب الله على أولئك الذين يقلدون الآباء والأجداد، يقول في سورة الزخرف: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢ - ٢٣]. إن لكل أمة تراثاً ورثوه من آبائهم وأجدادهم، ويعتزون به، وينافحون عنه، أما وقد وصلت القضية إلى مبدأ الاعتقاد والدين فينبغي أن يطّرح ما عليه الآباء والأجداد، وأن يكون الدليل والبرهان والحجة هو السائد في التلقي، هو السائد في التعبد لله ، وهو السائد في منطق الحجة والبرهان، وعليه فإن من ينعى عليك أنك قد خالفت أمراً ألفه الآباء والأجداد، أو أنك أتيته بأمر لم يعهده فإن هذا قد سلك منطق أولئك الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٣] ولو كان يملك دليلاً وبرهاناً وحجة على ما يقول لصاغه، ولهذا صار يُضرب في وجه كل من يدعو إلى إحياء سنة قد أُميتت، أو إلى إنكار منكر ألفه الناس بأن هذا أمر لم نعهده، وهذا أمر جديد، ولو أحسنوا لقالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٤].

стр. 1851

عيب من قلدوا الأحبار والرهبان ثانياً: ينعى الله على أولئك الذين قلدوا الأحبار والرهبان، يقول في سورة التوبة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] وتأمل في هذه الآية الكريمة، كيف ربط الله الأمر بعبادته والخضوع له: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [التوبة:٣١]. فمقتضى العبودية لله تعني أن يسلّم المرء أمره لله ، بعيداً عما ورثه عن آبائه وأجداده، بعيداً عمّا تلقاه من فلان وفلان من الناس، فيسلم الأمر لله ، فلا يتعبد الله إلا بما جاء في كتابه ، وعن سنة نبيه ﷺ .

стр. 1852

عيب الذين قلدوا السادة والكبراء ثالثاً: ينعى على أولئك الذين يقلدون السادة والكبراء كما نعى على الذين قلدوا آباءهم وأجدادهم، وعلى الذين قلدوا الأحبار والرهبان، يقول الله في آيات كثيرة في كتاب الله تحكي لنا ذاك الحوار الذي يجري يوم القيامة بين أهل النار، يقول في سورة الأحزاب: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨]. إن من يسير وراء سادته وكبرائه مغمضاً عينيه ينبغي أن يضع نصب عينيه هذه الآية الكريمة حتى لا يكون من أولئك الذين يقولون هذا الكلام: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧]. وفي سورة غافر يقول : ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٧ - ٤٨] نعم لقد حكم الله بينهم بالعدل والقسط، وما كان الله ليظلم أحداً، لقد كان على أولئك الذين استُضعفوا أن يحكّموا عقولهم وأن يفكروا ملياً فيما ورثوه عن أولئك الذين استكبروا، وأن لا يغمضوا عيونهم ويسيروا وراء أولئك ويتبعوهم دون حجة أو برهان، ألم يخلق الله لهم عقولاً؟ ألم ينزل الله كتباً متلوة؟ ألم يرسل الله رسلاً يدعون الناس لكلمة الحق؟ فلماذا يغمضوا أولئك عيونهم؟ ولماذا يعطلون عقولهم ليسيروا وراء كبراءهم ويتبعوهم وتكون النهاية أن يتبرءوا منهم يوم لا تنفع البراءة! ومع مشهد آخر في كتاب الله يحكي أيضاً هذا الجدل والتعاتب في سورة إبراهيم، يقول : ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]. وفي سورة سبأ يقول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ:٣١ - ٣٢] لقد سموه هدى وأتاهم الهدى ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٣٢ - ٣٣]. نعم هذا عملهم، لقد كان باستطاعتهم أن يفكروا، كان باستطاعتهم أن يتبعوا الهدى الذي آتاهم الله إياه، الذي يقرءونه في كتاب الله ويسمعونه من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، والله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩]. إذاً فتقليدهم لكبرائهم، تقليدهم لأسيادهم، تقليدهم لطغاتهم الذين دعوهم إلى أن يمرّغوا جباههم أمام أضرحة يرجون منها التبرك، تقليدهم لكبرائهم الذين أفتوهم أن الصلاة قد تسقط عنهم، وأن الصيام لا يعدو أن يكون كتم أسرار، تقليدهم لكبرائهم وطغاتهم الذين أصبحوا يفسرون لهم كلام الله على ما لا يحتمل فيسيرون وراءه، أو تقليدهم لكبرائهم الذين يدعونهم إلى الشهوات وإلى أن يسيروا وراءهم قادهم إلى هذه النهاية المؤلمة عافانا الله وإياكم، وهي أن يتخاصموا ويتجادلوا يوم القيامة في النار لكن حين لا ينفع الجدل، ولا تنفع الخصومة، ولن يجزيهم الله إلا بما كانوا يعملون وما كان الله ليظلم أحداً. حينها يسدل الستار بعد أن يقول الشي

стр. 1853

قصص الأنبياء ومطالبتهم بالحجة والبرهان لقد ساق الله قصص أنبيائه في كتابه الكريم حتى تكون عبرة وعظة وقدوة، وقال لنبيه ﷺ : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]. ومن جوانب الاقتداء بالأنبياء الاقتداء بهم في منهج الدعوة ومخاطبة الناس، وها هي بعض الأمثلة التي تبيّن أن الأنبياء أيضاً كانوا في دعوتهم لأقوامهم وخطابهم معهم يطالبونهم بالحجة والبرهان. هود ﵇ يقول الله عنه في سورة الأعراف: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ [الأعراف:٧١] فهو يرى أن من عوامل بطلان آلهة قومه أن الله لم ينزل بها من سلطان، فلو كان لديهم سلطان فليأتوا به وليذكروه له. ويوسف ﵇ يقول الله عنه في سورة يوسف: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠]. وإبراهيم يقول الله عنه: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨٠ - ٨١]. ومحمد ﷺ يأمره الله أن يطلب الحجة والبرهان: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤]. ولو استطردنا في ذكر قصص الأنبياء في مطالبتهم بالحجة والبرهان لأقوامهم لطال المقام، والمقصود أيضاً كما أن الله طالب المكذبين والمعرضين والمعاندين بالحجة والبرهان والدليل، فكذلك أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يطالبون أقوامهم بالحجة والبرهان والدليل، مع أن دعواهم كانت دعوى فاسدة، وقضيتهم كانت قضية تافهة، فهم يطالبون الذين يتخذون آلهة من دون الله بالبرهان والدليل، ويطالبون الذين يسمونها آلهة من تلقاء أنفسهم، فما بالكم بمن هو دون ذلك مما قد يكون فيه مجال للخلاف والنقاش والأخذ والعطاء؟

стр. 1854

الحديث عن الجوارح في القرآن

стр. 1855

امتنان الله على الخلق بالجوارح الأمر الرابع أيضاً الحديث في القرآن عن الجوارح، وهو حديث كثيف، فالحديث عن الجوارح في القرآن فيه الإشارة إلى قضية الدليل والبرهان والحجة. أولاً يمتن الله على عباده بأن سخّر لهم هذه الجوارح، يقول في سورة النحل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨] وفي سورة الملك: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨] وفي سورة السجدة: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٩] وفي سورة الملك: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك:٢٣] ماذا يعني امتنان الله بأن جعل لهم السمع والبصر والعقل؟ حين يمتن الله على عباده بالسمع والبصر والعقل، فهذا يعني بالضرورة أنها نعمة يمتن بها علينا، يعني أن تعطيلها من تعطيل خلق الله ومن تغيير خلق الله، ولا يجوز تغيير خلق الله بل هذا من تلبيس الشيطان، يقول الله حاكياً سبيله وحجته: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩]. فلماذا يخلق الله للناس السمع والأبصار والأفئدة والعقل؟ وإذا كانت سنة الله في الناس أن يتبعوا غيرهم وأن يسيروا وراءهم، فلم لم يخلق الله لنخبة خاصة من الناس عقولاً وسمعاً وأبصاراً، ويترك البقية كالذي ينعق بما لا يسمع، أما وقد خلق الله للناس سمعاً وأبصاراً وأفئدة وامتن بها عليهم، فهذا يعني أن يحكّموها وأن يستخدموها في البحث والوصول إلى الحق.

стр. 1856

أمر الله عباده باستخدام هذه الجوارح ثانياً: أمر الله خلقه باستخدام هذه الجوارح فيقول في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] أرأيت الذي يتلقف ما يسمع من فلان أو فلان دون أن يفكر ودون أن يتأمل ودون أن يسمع أو يبصر، أرأيت هذا قد أتى بأمر الله فعلاً، وأتى بما أمره الله به؟ أرأيت الذي تُرفع له راية ويُعلى بصوت ويرى أمراً فيسير وراءه دون أن يسأل ويستخدم جوارحه، أترى هذا وذاك قد التزموا أمر الله أم تراهم ممن عابهم الله ؟

стр. 1857

العقوبة بالطبع على الجوارح ثالثاً: أخبر الله أن الطبع على هذه الجوارح عقوبة يعاقبهم الله بها، يقول الله في سورة البقرة: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧]. ويقول أيضاً: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣] عجباً! يخبر الله أن الطمس على هذه الجوارح عقوبة يعاقب الله بها عباده، فكيف يطمس العبد جوارحه كيف يطمس قلبه ويطمس سمعه ويطمس بصره ليُصبح بعد ذلك إمّعة يقوده الناس فينقاد!

стр. 1858

الحساب على الجوارح رابعاً: أخبر الله أنه سيحاسب الناس على هذه الجوارح: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. الذي أمره الله أن يسمع، وأمره أن يبصر، وأمره أن يتفكر ويفكر، ولم يلتزم أمر الله ، أليس سيسأل عن هذا؟ سيسأله الله عن سمعه وبصره وفؤاده حين سمع ما حرّم الله، ونظر إلى ما حرّم الله، لكنه أيضاً سيسأل إذ عطّل هذا السمع والبصر والفؤاد وقد أمره الله بأن يسمع، وأمره الله بأن يُبصر، وأمره الله بأن يعقل بفؤاده.

стр. 1859

عيب الذين لم ينتفعوا بجوارحهم خامساً: لقد عاب الله في القرآن على أولئك الذين لم ينتفعوا بهذه الجوارح ولم يستفيدوا منها، يقول في سورة البقرة: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨]، ويقول: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٧١] وهذه الآية فيها جانبان: الأمر الأول: بأن الله عابهم بأنهم صم بكم. الأمر الثاني: أن الله شبههم بالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، وهي الماشية والبهيمة، فهم مثل رجل يدعو بهيمته فينعق بها، فالبهيمة لا تسمع إلا دعاء ونداء، لكنها لا تفقه ما يقوله الراعي، تفهم أن هذه الكلمة كلمة زجر، تفهم أن هذه الكلمة دعوة للطعام، أن هذه الكلمة دعوة للشراب، أن هذه الكلمة دعوة للمراح والمبيت وحين يكون الناس كذلك فهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فلقد عاب الله على الذين أصبحوا صماً بكماً وشبههم بالراعي الذي يقود القطيع، فينعق بما لا يسمع، حينها يأتي هذا القطيع يوم القيامة فيقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، ويقول : ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]. إن هؤلاء الذين اتبعوا هم أولئك الذين كان يُنعق بهم، وكانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء. وفي سورة الأنعام أيضاً يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] إذاً فالذي يُعطّل جوارحه عن سماع الحق وعن سماع الحجة والبرهان لا يسوغ أن يُمتدح بأنه يسير على الجادة، بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]. والإفاضة في الحديث عن آيات القرآن الكريم يطول، وأظن أن فيما تحدثنا عنه كفاية في دعوة الناس إلى أن يتعبدوا لله بما في كتابه ، وبما أتاهم به نبيهم ﷺ ، بعيداً عمّا ورثوه من آبائهم وأجدادهم، بعيداً عن تلك التقاليد والرسوم التي عهدوها وألفوها، بعيداً عمّا يسمعونه من رأي فلان وفلان من الناس، سواء كان عالماً متبوعاً أو كان سيداً مطاعاً. إن هذا كله أيضاً دليل على أن أولئك الذين يسيرون ويعطلون عقولهم ليسوا أهلاً للمدح والثناء بل هم أشبه بأولئك الذين ذمهم الله وعابهم وأخبر أنهم ضالون.

стр. 1860

معاناة السلف من المقلدة وذمهم للتقليد والسلف لهم مقالات طويلة في العيب على المقلّدة، وذمهم ونقدهم، ليس هذا وقت حصرها، لكني أورد أبياتاً لإمام المغرب ابن عبد البر ﵀ يقول: يا سائلي عن موضع التقليد خذ عني الجواب بفهم لب حاضر وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتي واحفظ عليّ بوادري ونوادري لا فرق بين مقلد وبهيمة تنقاد بين جنادل ودعاثر تباً لقاض أو لمفت لا يرى عللاً ومعنى للمقال السائر فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة ال مبعوث بالدين الحنيف الطاهر ثم الصحابة عند عدمك سنة فأولاك أهل نهى وأهل بصائر ولا يزال المصلحون يعانون من هذا الصنف من الناس الذي يحتج دائماً بما ورثه عن آبائه وأجداده، أو بما قلده عن فلان وفلان، وهي معاناة لا تعدو أن تكون كمعاناة الأنبياء حين يأتيهم قومهم يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٤]. المنذر بن سعيد ﵀ كان مصلحاً، وكان يدعو للإصلاح، ولهذا يحكي معاناته مع قومه فيما رواه عنه ابن عبد البر يقول: عذيري من قومي يقولون كلما طلبت دليلاً هكذا قال مالك فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليه المسالك فإن زدت قالوا قال سحنون قبلهم ومن لم يقل ما قاله فهو آفك فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا وقالوا جميعاً أنت قرن مماحك وإن قلت قد قال الرسول فقولهم أتت مالكاً في ترك ذاك المسالك نعم كان يعاني من أولئك الذين يحتجون عليه بقول الرجال، فإن قلت قال الله ضجوا وصيحوا، وإن قلت قال النبي ﷺ قالوا إن فلاناً أعلم بحديث النبي ﷺ ، ولم يترك ذاك إلا وقد أتته الحجة والبرهان في هذا.
следующие страницы →