Полный текст (1 904 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
توجيهات للمربين في المراكز الصيفية
السؤال
هل من كلمة للإخوة المربين في المراكز الصيفية حتى يستطيعوا تقسيم ثمرة الجهد؟
الجواب
نقول للإخوة المربين والذين يتولون مثل هذه الثغور: إنهم على ثغور مهمة فينبغي لهم أولاً: أن يدركوا قيمة العمل الذي يقومون به، ولا يستهينوا به، فقد يرون مثلاً هذا العمل يشغلهم عن قضايا شخصية يريدونها، قد يكون بعضهم يريد أن يجعل من الإجازة فرصة للقراءة مثلاً العلمية، أو لجولات دعوية معينه، أو لبرامج يريدها لنفسه، فيرى أن مثل هذا العمل يشغله عنها، أو قد يزهد أحياناً فيما هو عليه حين يرى ما عليه الآخرون، أقول: أول وصية ألا يزهدوا فيما هم عليه، وأن يروا أنهم على ثغور مهمة وأن دورهم لا يقل عن دور غيرهم، فعليهم أن يعتنوا بالبقاء على هذه الثغور وحمايتها، وألا يفكروا في التحول عنها.
ثم أن يتقوا الله في هؤلاء الشباب الذين جاءوا يطلبون الخير والصلاح والاستقامة، ووثق أهلهم فيهم فسلموهم أولادهم، والقضية ليست أمانة شخص، إنما الصحوة كلها مرهونة بهذا الجيل، والمربون الآن يتحملون أمانة ومسئولية إعداد هذا الجيل ليستلم القيادة، وأي خلل في تربيتنا وأي خلل في هذه الأمانة يحدث شرخاً في الأمة كلها؛ لأننا نحن نربي القادة، ونربي الجيل، فأرى أن المسئولية التربوية أبعد أن تكون مسئولية عن شخص وفرد بعينه، وإن كانت هذه بحد ذاتها مدعاة للمربي أن يدرك الأمانة والمسئولية، إنها مسئولية الأمة كلها أجمع من خلال إعداد هذا الجيل، فنصيحتي لإخواني في المراكز الصيفية وغيرهم من المربين أن يضعوا هذا الأمر نصب أعينهم.
стр. 632
توجيهات لكبار السن في مراعاة التغير الاجتماعي في التربية
السؤال
هناك كثير من كبار السن عندهم أخطاء في التربية، يظنون أن طرقهم التي يستغلونها ويعملونها طرق تربوية حقيقية، وهي ضد ذلك؛ بدليل النتائج المزرية لهذه الأعمال، فنريد توجيه كلمة من فضيلة الشيخ لهؤلاء؟
الجواب
المشكلة أن عند الآباء أن الأب تربى في عصر وجيل له طبيعة خاصة، وظروف خاصة فيريد أن يصب الابن في القالب الذي عاش فيه هو، وأظن أننا أشرنا إليها في شريط (يا أبت)، مثلاً الأب في هذا السن عاش في وضع كانت المرأة عندما تخرج تلتصق بالحائط وتبتعد عن الناس، والمجتمع محصور وليس متصلاً بمجتمعات أخرى، واليوم يعيش الشاب في البيت وهو يرى مشهداً عارياً تماماً، يرى مشهداً ساقطاً، يرى أموراً لا قبل له بها، والأب يعيش في عالم آخر وهو لا يدري ما يعيشه الابن.
الابن يعيش ازدواجية في التوجيه من المدرسة، من الأسرة، من هنا وهناك، يعيش مشكلات لم يكن يعيشها الأب؛ ولهذا لا يسوغ أن يصب الأب الابن في القالب الذي عاش فيه، بل يرعى هذا الفرق.
أنا أتصور أن أكبر الأسباب أن الأب عاش في عصر وجيل وتربى على نمط معين يريد أن يربي ابنه أو بنته على هذا النمط الذي عاش عليه، فيجب أن ندرك التغير الذي حصل في المجتمعات والفروق.
أيضاً يجب أن يكون عندنا استعداد لأن نراجع أنفسنا، وها أنت ترى الأسلوب الذي تسلكه لم ينجح، فلماذا لا تعيد النظر؟ ولماذا نستعصي على أنفسنا أن نقول: إننا قد أخطأنا وكل إنسان يقع في الخطأ حتى العلماء والصالحون، فما بالك بمجرد أب أو أستاذ، فهو أكثر عرضة لأن يقع في الخطأ من أولئك الذين هم على صلاح واستقامة وعلم، فعندما يضع الأب والمربي هذين الاعتبارين في ذهنه أعني: جانب الفرق بين المجتمعات التي عاشها والتي يعيشها الآن، وجانب احتمال الخطأ والمراجعة، أظن أنه سيتجاوز كثيراً من هذه المشكلات.
стр. 633
معالجة الخلل في التربية
السؤال
تحدثت عن التوازن والتكامل للتربية، لكن ماذا لو ربي الابن على غير ذلك؟ وما هي طرق التصحيح للخطأ الأولي عند الانتباه؟
الجواب
يعني: أنت قد تركز على جانب من الجوانب أكثر من غيره في التربية لحل مشكلة معينة ولحل خطأ، لكن هذا تصحيح فقط في مرحلة التصحيح بعد ذلك تعود إلى التوازن، أضرب لك مثلاً: الإنسان يجب أن يربى بتوازن بحيث يجد من والده ومن أمه نوعاً من العاطفة، ورعاية هذه الجوانب عنده، ثم نوعاً من الحزم، فيتربى بين هذه الخيوط المتقابلة، فحين نجد الابن متربياً تربية عاطفية بحتة، أو متربياً على القسوة فنريد أن نعيده للتوازن قد نضطر إلى أن نرتكب خللاً تربوياً متعمداً طبعاً ليس خللاً شرعياً إنما في أسلوب من الأساليب، حتى يعود بعد ذلك إلى الوضع الذي نريده ثم نعيش بعد ذلك مرحلة متوازنة، لكن هذا وضع مؤقت وجانب مؤقت.
مثلاً: الفاسق المعرض قد نركز معه على جانب الترهيب حتى يعود إلى صوابه وحينئذ نتعامل معه بمنطق الترغيب والترهيب، والعكس فالإنسان الذي عنده غلو وعنده مشكلات في الغلو، يمكن أن تعطيه نصوص الرجاء وتركز عليها حتى نعيده إلى الوسط، ثم بعد ذلك تتعامل معه تعاملاً متوازناً.
стр. 634
كيف يعرف الداعية أنه على منهج متوازن متكامل
السؤال
إذا كان الشاب سائراً في طريقه في الدعوة إلى الله ، فكيف يعرف أنه سائر على منهج متكامل متوازن كما تدعون إليه في هذه المحاضرة؟
الجواب
المراجعة الدائمة مهمة، أن نراجع كيف نربي أنفسنا، وكيف نربي غيرنا، ونراجع مناهجنا التربوية، والمراجعة بالمصطلح الشرعي هي محاسبة النفس وهي الكفيلة باكتشاف الأخطاء خاصة هذه الجوانب، فهناك مثلاً أخطاء في حياة الإنسان قد تكون ظاهرة أو واضحة، لكن هناك جوانب قد تكون خفية ولا يدركها الإنسان، فعندما يحاسب نفسه يستطيع أن يكتشف أخطاءه.
стр. 635
الموازنة بين الحكمة والمداهنة
السؤال
كيف نوازن بين الحكمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين المداهنة والخوف؟
الجواب
هذه من القضايا التي يكون فيها إشكال، بعض الناس لا يعرف إلا الحديث عن الرفق والحكمة وينسى أن هناك نصوصاً شرعية تأمر بالجهر بالحق والصدع به، وأن هناك نصوصاً تأمر بالأخذ على يد الظالم، وأن النبي ﷺ بايع أصحابه على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم، وأن يقولوا بالحق حيث كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، بل إنه ﷺ قال: (خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)، فلا يسوغ مثلاً أن نركز على هذا الجانب، وأن نربي الناس عليه على حساب الجانب الآخر، والعكس أيضاً، فلا يسوغ أن نربي الناس على الاندفاع، ونهمل الجانب الآخر من الرفق والحكمة وأخذ الناس بحسن التعامل، مع ملاحظة أن الحكمة ليست مجرد فعل الرفق، فقد يكون من الحكمة الحزم والقسوة، وقد يكون من الحكمة الرفق، فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه.
стр. 636
الأسلوب الأمثل للتربية
السؤال
كثير من المربين الذين يقومون بجمع الشباب يعانون من تفاوت القدرات بينهم، فمنهم الذكي ومنهم دون ذلك، ومنهم من يميل إلى الترفيه والضحك واللعب، والآخر يميل إلى الجدية والطريقة المثلى، فما هو الأسلوب الأمثل لإفادة الجميع بارك الله فيك؟
الجواب
المشكلة موجودة وأنا أتصور أنها على نطاق أوسع من هذا النطاق، مثلاً في الجانب المدرسي، تجد المدرس عنده أربعون طالباً في الفصل، يأخذون منهجاً واحداً، ويشرح لهم درساً واحداً في وقت واحد، هؤلاء الطلاب فيهم شخص نابغ ذكي، وفيهم شخص مغفل غبي، وفيهم شخص بين ذلك، فكيف يعامل هؤلاء؟ وكيف نتعامل معهم؟ وهم يدرسون منهجاً واحداً وكتاباً واحداً وخطة دراسية واحدة، ويجب أن يتخرج من الجامعة كل هؤلاء، وإذا لم يتخرج من الجامعة فمعناه أنه إنسان فاشل إلى غير ذلك، فأنا أتصور المشكلة أكبر من حجم التجمعات التربوية هذه، حتى على مستوى التعليم، التعليم في العالم الإسلامي مثلاً، هيكلية التعليم، هل هناك رعاية لهذا الجانب؟ يعني: المتفوق الموهوب والشخص الضعيف يدرسون في منهج واحد وكتاب واحد ونظام واحد إلى أن يتخرج من الجامعة، هل هذا بناء ممكن أن يخدم الأمة؟ نعم، نحن بحاجة إلى التربية الجماعية وهي ضرورة أصلاً، يعني: الفرد لا يتربى وحده، ضروري أن يكون في مجموعة من خلال التعليم ومن خلال لكن أيضاً مع التربية الجماعية، يجب أن يكون هناك مراعاة للفروق الفردية، والوسائل والمناهج مثلاً التي ألفناها ليست قضايا لا يسوغ النقاش فيها، الشيء الوحيد الذي لا يسوغ النقاش فيه هو شرع الله ، هو ما جاء بنص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أما الأوضاع التي اعتدناها، فيمكن أن نناقش فيها وأن نعيد النظر فيها، فمثلاً نحن اعتدنا أن تكون المحاضرات بعد المغرب، يمكن يأتينا وقت بأن نجعل المحاضرات بعد الظهر، وقد نرى أناساً يريدون هذا الوقت، يعني: هذه القضية ممكن أن تكون قابلة للنقاش في وقت من الأوقات وكذلك برامجنا التربوية، التعامل مع الشباب في الحلقات في المدارس، بل حتى المناهج التعليمية لا يوجد مانع من مراجعتها وإعادة النظر فيها، ونحن لا ندعو لإلغاء كل هذا الكيان، لكن يمكن أن نضع حلولاً بديلة تسمح بمراعاة هذه الجوانب، وأنا أتصور لو أن المربين وضعوا في ذهنهم مثل هذه القضايا وتناقشوا فيما بينهم وفكروا، يمكن أن نخرج بحلول على الأقل تخفف من هذه المشكلة؛ لأنك أمام مشكلتين، نريد للشاب أن يتربى في وسط مجموعة؛ لأنه لا يمكن أن يتربى الإنسان تربية سليمة إلا في وسط جماعة، فإن معاني الأخوة والإيثار والقدوة لا تتحقق إلا في وسط الجماعة، وهناك جوانب فردية من خلال قدراته الخاصة وجوانب ضعف خاصة تحتاج إلى مراعاة، فكيف نحقق التوازن بينها، فهذه تحتاج إلى أن نعيد النظر، ويمكن أن نبتكر وسائل وأساليب جديدة، مع المحافظة على الجو الذي نعيش فيه الآن بصورة تكفل لنا أيضاً تحقيق جانب التربية الجماعية.
стр. 637
المنهج التربوي الصحيح بين وسائل التوجيه المتناقضة
السؤال
تحدثت فضيلة الشيخ عن التوازن بالنسبة للطالب في دروسه وما يتلقاه والشارع والبيت، والمدرسون يعانون من هذه القضية، بين الأفكار التي يعطونها لطلابهم وبين ما يتلقفه الطالب خارج المدرسة، من الشارع أو وسائل الإعلام أو غيرها، ما هو المنهج التربوي للأستاذ حيال هذه المشكلة؟
الجواب
المشكلة ليست مشكلة المدرس وحده، بل هي مشكلة كل المؤسسات التربوية.
الأب مثلاً يربي ابنه على أنه لا يسمع كلمة سب ولا شتم ولا كلمة قبيحة ولا نابية، فيخرج إلى الشارع أو المدرسة فيسمع ذلك من أقرانه.
أو يربي ابنه على المحافظة على الخير والعفة، فيرى خلاف ذلك، وقل مثل ذلك في الأستاذ وأي شخص، فهناك ازدواجية في التربية وتناقض؛ ولهذا أرى أن من أهم الأشياء أن نركز على تنمية ما يسمونه بالانتخاب الاجتماعي، أن نربي عند الناس المعايير التي يحكمون من خلالها، بمعنى أنني أعود ابني على أن يميز بين الحق والباطل، وأن يكون عنده استقلالية في التفكير، ومنهج يستطيع أن يقاوم، ويستطيع أن يفكر، ويستطيع أنه يرى أن هذا الشيء خطأ، وهذا الشيء مرفوض.
لكن إذا ربينا الناس على قالب واحد يمكن أن يصطدم عندما يرى مثل هذه المواقف، ومع ذلك فهذه قضية صعبة معقدة تحتاج إلى مجاهدة وتحتاج إلى تخطيط وتوحيد للجهود، فلا شك أنه عندما تكون مؤسسات المجتمع متكاملة في الشارع والمدرسة والبيت والنادي ووسائل الإعلام والمسجد، وكلها تسير في منظومة واحدة، يكون هناك تكامل وتوازن، لكن عندما يكون هناك خلل نجتهد ونبذل بعض الوسائل وتبقى مع ذلك وسائل قاصرة.
فالحل هو أن تراجع أوضاع هذه المؤسسات على مستوى الأمة، وأن تكون تربية الأمة متكاملة وتسير في خط واحد وفق العقيدة الإسلامية، والمنهج الشرعي.
стр. 638
البدائل المناسبة لقضاء أوقات الفراغ في العطلة
السؤال
أقبلت الإجازة بفراغها، فما هي البدائل في رأيكم لشغل وقت الشباب بين العاشرة والخامسة عشرة وسط هذا الغزو الفكري الذي جاءنا عن طريق أجهزة اللهو المختلفة؟
الجواب
هناك بدائل موجودة الآن، لكنني أشعر أنها بدائل قاصرة، فمثلاً عندنا حلقات قرآن ومراكز صيفية وبرامج للشباب كثيرة، لكني أشعر أنها بدائل قاصرة لا تكفي مع أنها من خير ما يشغل به الشباب أوقاتهم، لكن أنا أطرح سؤالاً آخر: الشاب الذي اعتاد أنه يشاهد الأفلام ويمتع نفسه باللهو واللعب، عندما تنقله من الشارع إلى أن يجلس في المسجد كل يوم من العصر إلى صلاة المغرب هل يطيق ذلك؟! لو أطاقه فهذا خير ولا شك، ونتمنى أن يكون الشباب كذلك، لكن الشباب تربوا على اللهو واللعب، فأنا أشعر أننا عندما نطالب هؤلاء بمثل هذا الإطار أنه مطلب غير واقعي، قد ينجح وقد لا ينجح لو قمنا بعمل إحصائية لعدد الشباب الذين في الحلقة، ثم نسبنا هذا العدد إلى الطلاب الذين في المدارس في أعمارهم لوجدنا النسبة غير مشجعة.
أنا أقول: المفترض أن يتداعى الآباء والأمهات والصغير والكبير على أن نبحث عن حلول للمشكلات التي نعاني منها، فمثلاً البنات يعانين من فراع ومشكلات، لأن الأسر أتت بالخادمات، وصارت البنت تعيش فارغة، ليس لها عمل إلا المكالمات الهاتفية، أو القراءة، وهل تقرأ في صحيح البخاري أو مسلم؟ لا، إنما تقرأ في المجلات، والشاب كذلك، فقد كان الشاب سابقاً يعمل مع أهله في الحقل، والبنت تعمل مع أمها في المطبخ وشئون البيت، ولا يجدون وقتاً إلا للراحة، أما الآن فقد تغيرت الأمور، فلماذا لا يتداعى أهل الرأي وأولو الألباب من مجتمعات المسلمين على أن يوجدوا حلولاً لهذه المشكلات التي يعاني منها الأطفال الشباب الفتيات؟ أنا أقول لكم: أنا كأب أشعر أنني لا أملك البديل لأطفالي الصغار، فإنهم عندما يذهبون إلى أقاربهم أو إلى الجيران يرون أنهم يعيشون مع شاشة التلفاز والفيديو، فماذا أقول لطفل صغير؟ اجلس واقرأ القرآن؟ وإذا قرأ فإنه يمل، هل هناك بدائل فعلاً تتناسب معهم؟ على كل حال هناك بدائل موجودة، كحلقات القرآن، والمراكز صيفية، وهناك بدائل أخرى كرحلات الصيد يمكن للآباء وخاصة الذين يعانون من نزوع أبنائهم وبناتهم إلى اللهو واللعب أن يعملوا بها، ولو أخذ الأب إجازة ولو كانت طويلة وذهب بأبنائه وبناته إلى بعض المصايف والرحلات، وتخلل هذا بعض البرامج التي توجهه وتعينهم، لا شك أنه حفاظ على أوقاتهم.
يسهر الشباب ليالي طويلة إلى الفجر في الإجازة مع بعضهم ولا يدري الأب على ماذا يجتمعون، والفتاة مثل ذلك.
فأقول: بعض هذه الوسائل يمكن أن تشكل حماية للأبناء والبنات من جحيم الفراغ الذي يعانونه، وبعض الإحصائيات والدراسات التي أجريت حول الفراغ تقول: إن عدداً من الشباب عنده معدل سبع ساعات فراغ يومياً، فأين يذهب في هذه الساعات السبع؟ فأقول: إنها قضية يجب أن نفكر فيها على مدى أوسع، انظروا إلى المراكز الصيفية، كم عدد المدارس التي فيها مراكز صيفية بالنسبة للمدارس الموجودة أصلاً؟ ثم كم عدد الملتحقين بالمراكز بالنسبة إلى عدد الطلاب الذين يدرسون عندنا؟ لا يقارن، وأنا لا أزهد من هذه الوسائل والبرامج، لكني أقول: إنها لا تزال دون حجم الاحتياج الذي نحتاج إليه.
ثم ننتقل إلى عالم الفتيات: ماذا تقدم الفتيات في الإجازة وفي فراغهن؟ فهذه أسئلة محيرة لي ولكم، لكن لو كانت القضايا تشغلنا ونفكر فيها ونعمل فيها بدلاً من المشكلات والهموم والكلام الفارع الذي نطرحه يمكن أن نجد ولو بعض الحلول التي تحل لنا جزءاً من هذه المشكلة.
стр. 639
موقف الإسلام من الأحداث الدائرة على المسلمين
السؤال
جزاكم الله خيراً، هذا يسأل -فضيلة الشيخ- عن ما هو موقف المسلم أمام الأحداث الواقعة في هذه الأيام في البوسنة وبلاد الأفغان وفي اليمن؟
الجواب
الأحداث التي تحصل في العالم الإسلامي كثيرة، ولو أردنا أن نأخذ قضية واحدة من هذه القضايا التي أشار إليها السائل لطال بنا الوقت، بل قضية واحدة تحتاج إلى محاضرة بكاملها، لكن نقول: هناك ثوابت يتعامل فيها المسلم مع هذه القضايا: أولاً: أن يشعر المسلم أن هذه القضايا قضايا تخصه بصفة شخصية، يقول النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، لأنها قضايا تخصه، ليس صحيحاً أبداًَ أنها قضايا لا تعنيه.
ثانياً: يجب أن يتألم المسلم لمصائب إخوانه، وأن يسأل الله أن ينقذ إخواننا من هذا الجحيم الذي يعيشونه.
ثالثاً: في مصادر التلقي يجب أن يعرف المسلم ما هي المصادر التي يمكن أن يتلقى منها؟ أنا اليوم كنت في الطائرة أقرأ في إحدى الصحف السيئة للأسف، وخاصة الصفحتين الحديث عن أحداث اليمن كلها تصب في قالب واحد وتصب في تشكيل ذهن القارئ وفق عقلية معينة، فيجب أن نحذر، وأن نتلقى الأخبار والتحليلات من مصادر موثوقة.
رابعاً: ولاء المسلم وبراؤه بالمعايير الشرعية: فهو يرى أن وحدة كلمة المسلمين مطلب مهم، ويرى أن ولاءه لله ، ويرى أن أي شخص علماني أو اشتراكي أو شيوعي أو بعثي أياً كان منهجه ومذهبه فهو رجل لا يجوز أن يمنح ولاءه له، ولا تأييده له، ويرى أن المسلم أياً كان مكانه ينبغي أن يمنح ولاءه له، هذه معايير يتعامل بها المسلم مع مثل هذه القضايا.
أسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن اجتمعوا على ذكره، وأن يجعلنا ممن يذكرهم فيمن عنده، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع قريب مجيب.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 640
وقف لله
إن أنواع الوقف لله كثيرة، فمن الناس من يقف ماله، ومنهم من يقف داره ومنزله، ومنهم من يقف نفسه للدعوة إلى الله تعالى، ومنهم من يقف نفسه ووقته لتعليم المسلمين أحكام دينهم، فعلى المسلم أن يهب نفسه لله تعالى، وأن يوقفها في أعمال الخير، كي يفلح وينجح في الدنيا والآخرة.
стр. 641
ميل النفوس إلى الإبداع والتجديد في كل شيء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فهذه فرصة طيبة أن نلتقي وإياكم في هذه الليلة المباركة، وفي هذا المكان المبارك، في بيت من بيوت الله، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتحابين بجلاله، وممن يجتمعون على تدارس كتابه والتواصي به.
في بداية هذا اللقاء أشكر شكراً عامراً الإخوة في مركز الدعوة بالرس على دعوتهم وحسن ظنهم، وإن كان هذا الطلب لم يستجب له إلا متأخراً، فأشكرهم أولاً على حسن ظنهم ودعوتهم، وأشكرهم ثانياً على صبرهم علينا، ومراعاتهم لظروفنا، نسأل الله أن يبارك في أعمالهم وفي جهودهم، إنه سميع مجيب.
أيها الإخوة! تميل النفوس إلى التجديد والإبداع، وتمل التكرار والوتيرة الواحدة، وهي سنة لله في الكون كله، فالماء إذا بقي ساكناً لا يتحرك فإنه يأسن ويتغير، ولو عقدت مقارنة بين منزل بني منذ عشر سنوات ومنزل فرغ منه الساعة لوجدت بينهما بوناً شاسعاً، وذلك أن النفس دائماً تتطلع إلى التجديد والتغيير، وكذلك الكتاب يحرص القارئ والمقتني له على أن يقتني الطبعة الجديدة منه، والتي تتميز بإخراج حديث.
وهانحن نرى أعداءنا الذين أصبحنا نستهلك سلعهم قد أصبحوا يستثمرون هذه الظاهرة في النفوس، فتراهم يطورون في موديلات المنتجات، وخذ مثلاً السيارات فإنهم يطورونها في المظهر دون المضمون، ولكن هذا التطوير والتجديد يحظى بقبول الكثير، فيأسر المستهلكين، ويشكل اختيار الموديل مطلباً أساساً، فقد يؤخر المرء قراره بشراء سيارة ما في انتظار موديل جديد؛ رغبة في التجديد والتنويع، والذي قد يكون في المظهر دون المضمون، وذلك أن النفوس دائماً تميل إلى التجديد.
فالتجديد مطلب للجميع، ومسعىً للكافة، يتطلعون إليه، ويطالبون به، ويقدرون إبداع صاحبه، حتى ولو كان لا يعدو مجرد المظهر دون المضمون والجوهر.
стр. 642
التجديد عند الدعاة إلى الله في الوسائل دون الخوض في الثوابت
إذاً: فإذا كانت النفوس تتطلع إلى التجديد والابتكار، فلماذا لا يسلك الدعاة إلى الله هذا المسلك؟ ولماذا لا يكون التجديد مطلباً لهم، فينوعون في أساليبهم وطرقهم ووسائلهم بما يكون محاطاً بسياج المنهج، محصوراً في دائرة الشرع، فلا يسوغ أن يسلط التجديد على الثوابت الشرعية فيقضى عليها باسم التجديد والابتكار؟ لكن حين يكون تنويعاً وتشويقاً فلا بأس فالنفس تمل وتألف، ونحن نرى في تاريخ الحركة العلمية والفكرية في أمتنا أن الكثير من أسلافنا قد سلكوا هذا المسلك، فجددوا في التأليف، وجددوا في طرق التدريس، ولعل من يرصد الحركة العلمية والفكرية على مدى تاريخ الأمة يدرك ذلك واضحاً ظاهراً.
وهذه المحاضرة هي محاولة لعرض هذا الموضوع بقدر من التجديد في الأسلوب دون المضمون، وفي طريق المعالجة دون الأفكار والمنطلقات، وكل الطرق تؤدي إلى مكة.
إننا نطالب الناس دائماً بمطالب ملحة تشكل عندنا قضايا أساسية، وعلى قدر حاجتنا لهذه المطالب، وعلى قدر شعورنا بأهميتها، سيعلو صوتنا فيها، وستتكرر مطالبتنا، وسيتكرر نداؤنا، ولن يقف هاجس التكرار عائقاً لنا دون الإلحاح في المطالبة.
إننا أيها الإخوة! ونحن نطالب بهذه المطالب الشرعية لسنا بأولى من الدائن الذي يطالب بدينه ويلح، ويرفع صوته صباح مساء، ويبدئ ويعيد ويكرر، إن مطلبنا أعظم وأبعد أثراً من مطلب صاحب الدين، إن مطلبنا هو المطلب الشرعي للناس أن يفيئوا إلى الله جميعاً، وهي كلمة واحدة إليها ندعو، وحولها ندندن، ونرفع دائماً أصواتنا يمنة ويسرة، نطالب بالعودة إلى الله ، وبالرجوع إلى الله ، وبالعمل لهذا الدين، والدعوة له، ونطالب المسلمين جميعاً أن يسيروا معنا في صف واحد، وأن يركبوا معنا القطار، ويخوضوا معنا المعركة في الفكر أولاً والعلم والحجة واللسان، والتي تهيئ بعد ذلك للملحمة الكبرى في مواجهة الكفر وأهله وقادته.
إن من حقنا أيها الإخوة! ونحن نرى أن مطالبنا مشروعة، بل نرى أنها تتصدر قائمة المطالب المشروعة، من حقنا أن نكرر مطالبنا، وأن نرفع أصواتنا، وأن نبدئ ونعيد فيها، ومن ثم فقد نكرر كلاماً كثيراً، ولكن سنظل نكرر ونرفع الصوت حتى يستجيب الناس ويفيئوا إلى دين الله .
فهذه محاولة لنوع من المطالبة، وقد لا يكون ثمة جديد في الموضوع والمضمون في حقيقتها، فهي حقيقة واحدة حولها ندندن، وإليها ندعو، لكن التجديد قد يكون في الأسلوب والمظهر.
стр. 643
أهمية الوقف والمال في نشر الدعوات والمبادئ
يدرك أصحاب المبادئ والدعوات أن مبادئهم تتطلب منهم بذلاً منقطع النظير، وتضحية بالنفس والنفيس، ويسعون بكل جهد لابتكار الوسائل والطرق، وحشد الجهود لخدمة مبادئهم ومعتقداتهم، فهم يجمعون المال والتبرعات لخدمة دعوتهم، ونشر معتقداتهم، وكم نقرأ في الحديث والقديم من أن الطائفة الفلانية جمعت كذا وكذا من المال، أو قررت توفير كذا وكذا لخدمة المبدأ والطائفة، وأحياناً تقام الحفلات والبرامج العامة ليصبح ريعها وقفاً على جمعية إنسانية، أو نحلة أرضية، أو مذهب ضال.
وفي تاريخنا الإسلامي نقرأ في كتب الفقه الكثير عن الأوقاف، والتي ساهمت مساهمة فعالة في خدمة الحركة العلمية على مدى تاريخ الأمة، فهذا وقف على مدرسة حنفية، وهذا وقف على مدرسة شافعية، وهذا وقف على مدرسة أهل الحديث والمشتغلين به، وهذا وقف على المشتغلين بالسنة ومواجهة أهل البدعة.
إن نظرة عجلى في تاريخ المدارس وفي كتب الفقه تعطينا الدلالة على عمق هذه الظاهرة وأثرها في دفع المسيرة العلمية، ولقد كانت الحركة العلمية والنهضة العلمية التي سادت في هذه الأمة على قرون متطاولة تعتمد اعتماداً أساساً واعتماداً كبيراً على هذه الأوقاف، وفي الجهاد في سبيل الله كان هناك من حبس أدرعه وأعتده في سبيل الله ، أو أوقف غلة أرض على المجاهدين في سبيل الله ، أو ريع منزل من المنازل على المرابطين.
وهكذا.
فاقرءوا كثيراً عن الأوقاف وأحكامها وما يتعلق بها، ويفيض الفقهاء في الحديث عنها؛ لأنها كانت ظاهرة سائدة منتشرة على مدى تاريخ الأمة، فالوقف يبقى شجرة مباركة تؤتي أكلها كل حين، فيبقى أصله ويدر الثمرة، فهو من خير ما ينفق الإنسان، وأفضل ما يساهم به في سبيل الله .
стр. 644
الاهتمام بوقف الطاقات البشرية فالمال ليس كل شيء
قد ينفق الإنسان مبلغاً كثيراً من المال، ويساهم هذا المال ولا شك مساهمة فعالة في إطعام جائع أو مسكين، وفي نصرة مجاهد في سبيل الله ، وفي دعم برنامج دعوي، أو مشروع إغاثي، وفي جلب خير للأمة، ولكن هذا يبقى مجرد مساهمة تنقضي مع انقضاء هذا المال، وما أسرع ما يزول، وأما حين يوقف مالاً يبقى أصله ويدر غلته فإنه يبقى خيره عميماً بعد ذلك، (وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل).
وليس هذا بالمال وحده، فلئن كان هذا شأن المال ودوره لدى كل صاحب دعوة ومبدأ، فهل صحيح أن بالمال وحده يستطيع الإنسان أن يحقق ما يريد؟ قد يسوغ أيها الإخوة! لأصحاب المبادئ الأرضية والدعوات الضالة أن يعتمدوا أساساً على المال، فيشتروا قناعات الناس وضمائرهم ومعتقداتهم مقابل المال، ولكن ما يشرى بالمال يمكن أن يأتي من يساوم عليه، والبيع لمن يزيد، والذي يبيع قناعاته ومعتقداته بالمال فهو على أتم الاستعداد أن يتخلى عنها حين ينقضي هذا المال.
أقول: قد يسوغ لأصحاب هذه المبادئ أن يغروا الناس بالمال لاتباعهم، والسير وراءهم، وأما نحن فحين نقول: إن المال أساس وعصب مهم للدعوة إلى الله ، فإنا لا نقول ذلك لأنا نرى أن يعطى الناس، وأن تشترى معتقداتهم، وأن يحاسبوا بالدينار والدرهم على قناعتهم، إن هذا الدين حق، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩].
إنه حق واضح لا مجال للمساومة عليه، نعم قد يكون تأليف الناس مطلوباً، والمؤلفة قلوبهم لهم سهم من الزكاة، لكن هذا شيء واشتراء ذمم الناس شيء آخر.
إذاً أيها الإخوة! ليس بالمال وحده فقط تنتصر الدعوات، فمع أن المال مطلب ملح وأساس لكن ثمة طاقات أخرى ومطالب أخرى بحاجة إلى أن يعتنى بها، فهناك الطاقة الهائلة والجهد الذي لا يعوض وهو الطاقة البشرية بكل فروعها ومجالاتها، إننا بحاجة إلى أن نحشد الطاقات البشرية لخدمة دين الله والدعوة إليه، فهل نفكر في جعل صنف من الناس وقفاً لله تعالى؟ نقرأ في القرآن الكريم أيها الإخوة! قوله تعالى عن امرأة عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥]، لقد أحست بالحمل، وكانت خدمة دين الله تتصدر قائمة اهتماماتها وتطلعاتها، فنذرت حينئذٍ أن تقف هذا المولود على خدمة دين الله؛ بأن يكون خادماً للمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، والذي اختاره الله حيناً من الدهر قبلة يتوجه إليه في الصلاة، إنها الأرض المقدسة التي أمر موسى بني إسرائيل أن يدخلوها، والتي سار بهم إليها بعد ذلك نبي الله يوشع بن نون، والأرض التي هاجر إليها إبراهيم ﵇، والأرض التي أسري بنبينا محمد ﷺ إليها، والأرض والموطن المشهود له بالفضل على مدى التاريخ، والتي أخبر النبي ﷺ أنها موطن الطائفة المنصورة حتى تشهد آخر ملاحم الإسلام حين ينزل عيسى بن مريم ﵇ فيقتل الدجال.
ومن ثم لا غرو أن يوقف هذا الغلام وهذا الوليد على خدمة هذا المسجد، واستجاب الله لدعائها، ولكن الله رزقها خيراً من ذلك كله، فاستجاب الله لها، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:٣٦ - ٣٧].
فاستجاب الله دعاءها وأعاذها وذريتها من الشيطان الرجيم، فكان الشيطان ينخس كل مولود فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها عيسى ﵇، استجابة لدعوة هذه الأم الصالحة، استجاب الله دعاءها فكان هذا الحمل أنثى، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦]، ولكنها كانت أماً لرسول من أولي العزم من الرسل، يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله؛ يحيي موتى الأبدان، وقبل ذلك معجزته الأهم والأولى والتي أرسله الله من أجلها أنه كان يحيي موتى القلوب، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور.
ونقرأ في القرآن أيضاً عن بيع وصفقة مع أولياء الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَ
стр. 645
أهمية وقف النية والقلب لله تعالى في كل الأعمال
نحن نحتاج إلى من يكون وقفاً لله تعالى بقلبه وتوجهه، فلا يتوجه قلبه لغير الله ، فيخلع من قلبه قصد سواه، أو إرادة غيره، أو الميل إلى ما لا يرضيه ، إنه يستقبل القبلة ببدنه خمس مرات كل يوم وليلة، ولكن قلبه يستقبل قبلة دائمة في منامه ويقظته، إنه ليس لقلبه إلا قبلة واحدة، فقلبه وقف لله تعالى.
وحين يدعو ويسأل فأمام ناظريه قوله ﷺ : (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وقبل ذلك قوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].
إنه لا يمكن أبداً أن يتوجه لغير الله ، أو يدعو غير الله ، أو يسأل غير الله ، أو يستعين بغير الله ، فهي أمور وقفت لله ، وصرفها لغير الله يعني انخلاع المرء من عبوديته لله إلى الذل والعار، إلى العبودية للمخلوق، والعبودية لما دون الله ، فدعاؤه وعبادته وتوجهه وقف لمولاه .
قد يكون للناس نوايا وتطلعات وشوائب من الرياء، والشهرة، وحب الظهور، والتعلق بحظوظ النفس، أما هو فيجاهد نفسه ويكابدها، وهو يدرك عمق المشكلة، وشدة خطورتها، لاسيما وهو يسمع عبارات السلف تهزه هزاً عنيفاً، يسمع عباراتهم في الدعوة إلى مجاهدة النفس في تصحيح النية وإخلاصها لله ، (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).
ولا يزال قول سفيان الثوري ﵀: ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي؛ لأنها تتقلب علي.
وقول يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد.
لا تزال هذه الأقوال تطرق مسمعه وتتراءى أمامه، فحينئذٍ تصبح نيته وقفاً لله تعالى.
إن قضية تصحيح النية ووضوح المقصد قضية بدهية لدى الناس جميعاً، لدى الغافل والمقبل على الله ، لدى قوي الإيمان وضعيف النفس والهمة، إن الجميع يقرون بضرورة تصحيح النية، والتوجه إلى الله .
إن الناس أيها الإخوة! قد يتوجهون لمطلب العلم، ولتحصيل العلم، هذا المطلب الملح الذي يتفق الناس جميعاً أنه مطلب شريف نزيه، وليس أولى وأدل على فضل العلم من أنه ما نسب امرؤ إلى الجهل إلا عد هذا عيباً وذماً وقبحاً، وما نسب إلى العلم إلا وعد هذا ثناء وخيراً.
إن مطلب تحصيل العلم مطلب مشترك لدى الجميع، فمنهم من يسعى إليه، ومنهم من تقصر همته دون ذلك، ولكن قد يسعى المرء للعلم فتعترض له النوايا لتقطع عليه الطريق، فتتحول نيته فيصبح مطلبه أن يقال فلان كذا وكذا، وأن يتصدر في المجالس، وأن يحصل على شهادة يسترزق بها، وأن يستطيع أن يتحدث مع المتحدثين، وأن يتفيهق مع المتفيهقين، وأن يتفاصح مع المتفاصحين.
إن العلم مهما كان عبادة وقربة لله ، ومهما كان مطلباً شريفاً يسعى إليه ذوو الهمم العالية، إلا أنه بحاجة إلى أن يصحح المرء فيه نيته، ويتفقدها ويتفقد إخلاصه، فيصبح علمه وطلبه للعلم وقفاً لله تعالى، فلا يتعلم إلا ونيته خالصة لله ، وإلا كان -عافانا الله وإياكم- أحد الثلاثة.
والدعوة إلى الله هي الأخرى أيضاً طريق الأنبياء والرسل، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
ولكن هذا الطريق هو الآخر قد يعترض المرء فيه ما يعترض مما يكدر نيته، أو يقطع عليه طريقه، فتنحرف مسيرته حينئذٍ، إنه قد تأسره الشهرة، فينقاد وراءها، وقد يأسره حظ من حظوظ الدنيا، أو مطمع زائل، فتنحرف نيته وتزيغ، وقد يبدو له -وقد بدأ مخلصاً صادقاً سليماً- مطمع أو مطمح فيحرفه عن مسيرته.
ومن ثم كان من أشد الناس حاجة إلى أن يصحح نيته، وأن يتفقد نيته، وأن تكون دعوته لله وحده، وأن يراقب نفسه ويراجعها؛ حتى تصبح دعوته وقفاً لله ، فلا يتطلع ولا يرجو غير مرضاة الله وابتغاء وجهه، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
والعابد الذي قد حنا ظهره، وأسهر ليله، وأظمأ نهاره، فأصبح يشار إليه بالزهد والورع والعبادة، هو أيضاً أحوج ما يكون إلى أن يراقب نيته، وأن يصحح مقصده.
إن الشيطان أيضاً قد يجد سبيلاً ومسلكاً إلى هذا العابد، فيحرفه ويقطع عليه الطريق، ومن ثم كان هذا أيضاً بحاجة إلى أن تكون نيته وقفاً لله تعالى.
إننا أيها الإخوة! جميعاً -في أي ميدان كنا وحيثما اتجهنا- بحاجة إلى أن نفرض رقابة صارمة على نوايانا حتى تصبح وقفاً لله ، فلا تلتفت يمنة و
стр. 646
اجعل تفكيرك وقفاً لله تعالى
لابد للمرء أن ينحصر تفكيره فيما هو نافع؛ من صلاح القلب، ومن تفكير في خلق الله وآلائه، والتفكير فيما يقدمه خدمة لدين الله ، والدعوة في سبيل الله ، فلا يبقى بعد ذلك في تفكيره مجال لأفكار رديئة، وخواطر هزيلة، وأحلام اليقظة، فضلاً عن التفكير في أوحال الشهوات، وأدران الشبهات، فقد أصبح تفكيره وقفاً لله ، فصار لا يفكر إلا فيما يرضي الله ، وفي إصلاح نفسه وتعاهدها، وفي إصلاح عيوب نفسه، أياً كانت طرائق التفكير ومجالاته، وأياً كان مشربها ومسلكها، فكلها تصب في بحر واحد، وتؤدي إلى طريق واحد وهو: أن يكون تفكيره وقفاً لله تعالى.
стр. 647
اجعل مشاعرك وعواطفك وقفاً لله تعالى
يجب على المرء أن يجعل مشاعره وعواطفه كلها لله، فإن أحب أحب لله، وإن أبغض أبغض لله؛ لأن لسانه يلهج دائماً بالدعوة الصادقة: (وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك)، فمشاعره هي الأخرى وعواطفه وقف لله تعالى.
وحين يأخذ الحماس بلب أصحاب الأهداف الوضيعة، فيطير رياضي عشق الرياضة حماساً لانتصار فريقه، ويسيطر عليه هذا الحماس لتتولد عنه أعمال تدل على مبلغ صاحبها من العقل، وحين يطغى الحماس على شاب تائه ليستعرض بسيارته أمام الناس، فيمارس التفحيط، أو ما يسمى بالتطعيس، وينتج عن ذلك إزهاق للأرواح، وعطب للأبدان، وحين يسيطر الحماس نفسه على فنان عاشق للصوت الحرام؛ فيجعل الغناء شعاره ويشتري لهو الحديث، حين يطغى الحماس على هؤلاء جميعاً فصاحبنا ليس في نفسه إلا الحماس لدين الله ، فقد استهلكت خدمة الدين همه، واستنفدت طاقته، فلم يعد لها بعد ذلك مزاحم، وتتزاحم هذه المطالب التي يسعى إليها الناس إلى صاحبنا تبحث لها عن مكان، فلا تجد مكاناً؛ لأن حماسه قد أصبح وقفاً لله تعالى.
ما أحوجنا إلى أن نحشد هذه الطاقات الهائلة، هذه الطاقات التي قد نهدرها: الحماس والعواطف وما ينشأ عنها من أعمال قد نراها بأعيننا، وقد تودي بصاحبها إلى أن يخاطر بنفسه، وأن يزهق روحه استجابة لحماسة ثائرة، ما أحوج الأمة أن توفر هذا الحماس وهذه الطاقة والمشاعر كلها خدمة لدين الله .
وتخيلوا أيها الإخوة! حين تحشد هذه الطاقات من العواطف والمشاعر التي يتمتع بها الشباب جميعاً، والشاب يتدفق حيوية وحماساً وعاطفة؛ حين تحشد هذه الطاقات كلها خدمة لدين الله ، فأي جهد سينتج عنها؟! وأي ثمرة نستطيع أن نجنيها بعد ذلك؟! حين يتزاحم الناس على قضاء أوقاتهم فيما تقودهم إليه نفوسهم عالية كانت أم دنيئة، فيقضي الأول وقته في الدنيا وتحصيل المال، فيصبح هذا الهم هو الذي يسيطر عليه، فحياته لجمع المال، فهو عبد للدينار والدرهم، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض، فليس لديه فراغ للجلوس مع الناس، ولا للحديث معهم، بل إن أهله وأبناءه وزوجه لا يستطيعون أن يجدوا من وقته نصيباً؛ لأنه مشغول بهذه الدنيا وجمع المال، فقد سيطر هذا الهم وهذا الهدف على وقته.
والثاني الذي يقضي وقته في التسكع في الطرقات والأسواق، أو عند مدارس البنات؛ بحثاً عن فريسة، أو مطاردة لتائهة.
والثالث الذي يسيطر اللهو على حياته، فلا يسأل عنه حراماً كان أم حلالاً، فاللهو شعاره ومطلبه وهدفه الأساس، ومبلغه من العلم.
والرابع والخامس والسادس والجميع الذين تسيطر هذه الأهداف على أوقاتهم، حين يتنافس هؤلاء في قتل الوقت، ووأد العمر وأد أثمن ما يملكون، فصاحبنا له منطق آخر مع وقته، ومقياس يختلف عن مقاييس هؤلاء جميعاً، فالوقت الضائع لديه هو كل وقت لم يكتسب فيه خيراً، أو يقدم فيه فضلاً، ولسان حاله: إذا مر بي يوم ولم استفد هدى ولم استزد علماً فما ذاك من عمري وهكذا فهو يدرك أن وقته هو الحياة، وأن الوقت هو أثمن ما يملك، والله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، وهل هناك أنفس لديه من عمره وحياته ووقته؟ ومن ثم فقد جعل وقته وقفاً لله تعالى.
مرة أخرى أقول أيها الإخوة! إن البشر هم الذين بتوفيق الله يصنعون التاريخ والحياة، وهم الذين جعلهم الله وسيلة للتغيير في هذه الحياة وهذا الكون، وهم الذين استخلفهم الله في الأرض، فهم الطاقة التي لا يسوغ أن تهدر، ولا يسوغ أن تهمل وتذهب سدىً.
ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى أن نستثمر هذه الطاقة، وأن نستغل هذه الطاقة، وأن نوظف هذه الطاقة في خدمة ما خلقنا من أجله، فقد خلق الله الناس ليعبدوه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
لقد خلق الله الإنسان خليفة في الأرض؛ ليقوم بهذا المنهج وهذا الدين في الأرض، وسخر الله له كل ما في السماوات والأرض، فسخر الله له النعماء، وصرف عنه الضر والبأس، ويسر له كل هذا الكون بكل ما فيه، كل هذا تسخيراً لهذا الإنسان الذي ما خلق أصلاً ولا أوجد إلا ليكون عبداً لله ، وإلا ليقوم بعبودية الله بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ قريبة أو بعيدة قد تعظم وقد تصغر عند الناس، ولكنها عند الله عظيمة غالية؛ لأنها عبادة يتوجه بها إلى الله .
إن هذا الإنسان الذي لم يخلق إلا لعبادة الله لا يسوغ أبداً بحال أن تصرف طاقته وجهده في غير مرضاة الله ، وفي غير ما خلق من أجله، ونحن في هذه المرحلة التي تعيشها أمتنا، وفي هذا الواقع الأليم الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية أحوج ما نكون إلى حشد الطاقات، وأحوج ما نكون إلى أن نجمع الجهود، فنستنفر وندعو الناس جميعاً لأن يتبرعوا فيخرجوا لنا أناساً وقفاً ل
стр. 648
الوقف لأعمال الخير لا تتعطل منافعه
أيها الإخوة! يتحدث الفقهاء عن حكم نقل الوقف، فيقررون أنه لا يسوغ نقله إلا حين تتعطل منافعه، فهل هذا الوقف الذي ندعو إليه كذلك؟
و
الجواب
لا، إنه وقف دائم لا يسوغ نقله؛ لأن الوقف لا يسوغ نقله إلا حين تتعطل منافعه، وهذا الوقف لا يمكن أبداً أن تتعطل منافعه، فصاحبه إن أعياه التعب وأرهقه الجهد فقعد به عن عمل تتطلع نفسه إليه فلن يعجز لسانه عن دعوة صالحة للإسلام والمسلمين، وإن خرس لسانه فجوارحه لن تعجز أن تقدم خيراً، وإن شلت جوارحه فقلبه يلهج بحب الله ورجائه والتوجه إليه، فحتى وهو مقعد كسيح لا يستطيع حراكاً تنصر الأمة به، (أبغوني ضعفاءكم فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم)، وإن قعد به مرض أو سفر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً كما صح ذلك عن النبي ﷺ .
إنه لن تضيق أمامه الأبواب وهو يسمع التوجيه النبوي الكريم كما في الصحيحين من حديث أبي ذر ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيله، قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً.
قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق، قلت: يا رسول الله! أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك).
وحتى حين يموت ويودع الحياة فالمسلم مبارك حياً وميتاً، وكم نرى ونشاهد أن رجلاً من الصالحين مات فاجتمع الناس لجنازته، فوافق ذلك أن حضرت جنازة أخرى، فصلى عليها هذا الجمع العظيم وساروا فيها، فصار هذا الرجل بركة في حياته وموته، وكم نسمع أن فلاناً من الناس قد تاب وأناب إلى الله حين مات فلان الرجل الصالح، وكم نرى ونسمع أن بيتاً بأسره قد تغيرت أحواله، وتبدلت أموره إلى الصلاح؛ لأن أهله افتقدوا شاباً صالحاً قانتاً مطيعاً لله تخطفه الموت من بينهم، فهاهو المسلم تبقى بركته حياً وميتاً، فلا تتعطل منافعه، فهو حينئذٍ وقف دائم لا يسوغ نقله؛ لأن منافعه لا تتعطل.
стр. 649
الوقف عقد لازم لا خيار فيه ولا رجوع
الوقف عند الفقهاء أيها الإخوة! عقد لازم لا خيار فيه، فحين يتبرع امرؤ بمال فيوقفه فلا يملك بعد ذلك أن يرجع، وهانحن بعد ذلك قد عقدنا الصفقة وتم البيع، فلا مجال للخيار؛ لأنه لا غبن ولا تدليس ولا خلابة، فقد تم البيع، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى أن قال الله : ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:١١١].
فلا مجال إلا الوفاء بالصفقة، والوفاء بالبيع، فاستحقاق الثمن حينئذٍ أو النكوص والنقض, وحينئذٍ يستحق صاحبه النكال عافانا الله وإياكم، فهو عقد لازم لا خيار فيه ولا مجال فيه للرجوع والتردد.
جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ في أرضه التي أوقفها في خيبر، وهو حديث عظيم وأصل من الأصول في باب الوقف، قال رسول الله: (لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف)، فلناظر الوقف ووكيله أن يأكل منه بالمعروف، وينتفع من غلته بما لا يعود على مقاصد الوقف بالإبطال.
стр. 650
حكم ناظر الوقف هنا
ومن هنا يتحدث الفقهاء عن ناظر الوقف، فيسوغ له أن يأكل ما يقيمه بالمعروف، ويسوغ له أن ينتفع منه بالمعروف، لكن هذا الانتفاع لا يسوغ أبداً أن يتحول إلى مصدر للتمول والتأكل، فحينئذٍ تتعطل منافع الوقف التي من أجلها وقف.
وأما هاهنا فالواقف والموقوف وناظر الوقف شيء واحد، وله أن يمتع نفسه، أو يشغلها بالمعروف؛ لأن من ولي الوقف له أن يأكل منه بالمعروف، فالنفس تكل وتمل، وتحتاج إلى شيء من التسلية والانبساطة؛ حتى تعود بعد ذلك أكثر حماسة وعزيمة.
ولنا في نبينا ﷺ أعظم الأسوة وخير القدوة، فقد كان ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً، وكان ﷺ يداعب أصحابه ويمازحهم، وكان كما يقول عنه جرير ﵁: (ما رآني ﷺ إلا تبسم).
ويوصي النبي ﷺ من جاء يشتكي إليه من قسوة قلبه فيقول: (ساعة وساعة).
إن من تمام حيوية المرء ونشاطه وهمته ومما يعينه: أن يأخذ لنفسه قسطاً من الراحة، والمزاح المشروع، واللهو المباح، ولكن هذا يجب أن يكون مقيداً بالمعروف، فلا يسوغ له أن يتجاوز، فإذا تجاوز حينئذٍ فأصبح اللهو والراحة واللذة مطلباً أساساً فحينئذٍ اعتدى على هذا الوقف، وهذا لا يسوغ له، فهو ناظر ووصي وولي لا يجوز له أن يأكل إلا بالمعروف، ولهذا قال ﷺ : (كل لهو باطل إلا ثلاث)، فاللهو وإمتاع النفس بما يهيئها لأن تخدم دين الله، (ملاعبة الرجل أهله، أو تأديبه فرسه، أو رميه بقوسه).
стр. 651
تعدد مجالات الوقف وتنوع مصارفه
الوقف عند الفقهاء له مجالات شتى، ومصارف منوعة، فقد يكون وقفاً على الذرية، أو على ابن السبيل، أو طالب العلم، أو ربما طالب علم معين كفقه حنفي أو حنبلي، أو وقف على المجاهدين والمرابطين، ولن يضير المرء أبداً أن يقف شيئاً من ماله على مجال دون غيره مادام يرى أن هذا المجال بحاجة، وأنه أولى من غيره من الأبواب.
وهكذا فنحن نرى من يقف وقته على العبادة والذكر، ودعوة الناس بسمته وزهده، فتراه يقضي سحابة نهاره تالياً لكتاب الله ، وصائماً، وقانتاً، ومصلياً ومقبلاً على الله ، فإذا رآه الناس ذكروا الله ، وتذكروا هدي الصالحين والسابقين، وحين يدعو ينفع الله المسلمين بدعوته.
ونرى من يقف نفسه على إغاثة المحتاج وإعانة المنقطع، ونرى من يقف نفسه على دعوة غير المسلمين إلى دين الله ، وإلى الدخول في السلم كافة، أو من يقف نفسه على إصلاح من قسا قلبه من المسلمين، وتنكب الطريق منهم، فصار جهده وهمه ووقته وتفكيره وحياته كلها مصروفة على دعوة هؤلاء، وعلى وعظهم، وعلى نصحهم، وعلى الأخذ بأيديهم ليسلكوا الطريق المستقيم، ويسيروا في ركاب الصالحين.
ونرى من وقف نفسه على تعاهد النبتة الصالحة، وعلى تعاهد عدة الأمة وذخيرتها، على تعهد الشباب بالتربية والتعليم والتوجيه والدعوة لكتاب الله ، فثنى ركبتيه في بيت من بيوت الله يقرئهم كتاب الله ، ويعظهم بزواجره، ويرغبهم بفضائله، فوقف حياته ووقته على هؤلاء الشبيبة وأولئك الصبية، كل هذا إعداداً لمن ينفع الله بهم الأمة.
ونرى من وقف نفسه على تعليم العلم الشرعي، فصار همه وحياته حتى أشغله عن سائر ما يتمتع به الناس من مصالح، فلم يعد وقته ملكاً له، وإنما هو ملك للناس، بل لم يعد هو حتى ملكاً لنفسه، فقد أصبح وقفاً لله تعالى.
والآخر الذي وقف حياته على إنكار المنكرات الظاهرة، وهكذا نرى مجالات شتى، وجوانب متعددة كلها تصب في مصب واحد وطريق واحد.
وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه ﷺ قال: (أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة).
فلماذا نقسم العدد على أربعين قسمة ضيزى فنختصرها ونجعلها طريقاً واحداً وخصلة واحدة؟! ولماذا نوصد تلك الأبواب التي فتحها لنا النبي ﷺ مشرعة؟! وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعدل حجراً أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد الستين والثلاثمائة، فإنه يمسي يومئذٍ وقد زحزح نفسه عن النار).
وهكذا فهي مصارف شتى للوقف، ومنافع متنوعة تسير في منظومة واحدة دون تنافر أو تناقض، فكلٌّ وقف نفسه على باب من أبواب الخير، ولسان حاله يقول كما قال إمام دار الهجرة: كلانا على خير وبر.
стр. 652
أمثلة من السنة النبوية للذين وقفوا أنفسهم لله تعالى
ولنفتح بعض الصفحات من السنة النبوية؛ لنرى نماذج من هذه الأوقاف: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من خير معاش الناس لهم: رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه، أو رجل في غنيمة أو شعبة من هذه الشعب أو بطن وادٍ من هذه الأودية يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير)، رواه مسلم.
فالنبي ﷺ يصور لنا نموذجاً من أولئك الناس: فهذا الذي وقف حياته في سبيل الله ، خدمة لدين الله ، فهو على فرسه كلما سمع هيعة أو فزعة طار ولبى يبتغي الموت والقتل مظانه، فلم يبق له مطلب يسعى إليه، ولا هدف يسير إليه إلا هذا الهدف وهذا المطلب، فقد وقف حياته لله .
والآخر الذي لم يطق الصبر على الفتن والمصائب، وصار في عصر يقتضي منه العزلة بضوابطها الشرعية، فرأى أن يعتزل الناس ليعبد الله في شعب من الشعاب.
إن أولئك كلهم قد وقفوا حياتهم لله ، ويتمنى ﷺ أمراً لم يمنعه منه إلا شفقته ﷺ على المسلمين، وهو أرحم الناس ﷺ ، وأرقهم قلباً، كم نقرأ في سنته ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي)، (لولا أن أشق على الناس)، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
يتمنى ﷺ أمراً يعتذر عنه ﷺ بعد ذلك شفقة على المسلمين، فيقول: (ولولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني).
وفي هذا الحديث دعوة للمسلم أن يكون هذا مسعاه، فلا يتخلف عن سرية تغزو في سبيل الله ، ولا يسمع هيعة وفزعة إلا طار ولبى يبتغي الموت والقتل مظانه، إنه لا يتقاعس عن عمل يخدم فيه دين الله ، فما أن يسمع صوتاً يدعوه بحق وصدق أن يسلك هذا الميدان، وأن يجاهد هاهنا بيديه وسلاحه وسنانه، أو يجاهد هناك بقلمه، أو يجاهد هنا بلسانه، إلا طار ولبى؛ يبتغي نصرة دين الله وخدمته، فقد وقف حياته لله .
وحين قيل له ﷺ إن خالداً منع الزكاة قال: (إن خالداً احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله ، فخيل خالد وسلاحه وأعتده لم يعد لها غرض إلا الجهاد في سبيل الله ، وإعلاء كلمته، وحتى جسده ﵁ قد جعله وقفاً لهذا الميدان وهذه الحياة، فمات ﵁ وأرضاه وما في جسده موضع شبر إلا وفيه جرح يشهد بصدق بلائه، وصدق دعوته وإخلاصه لله ، وقد شهد زهاء مائة زحف، وهو القائل ﵁: ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب بأحب لي من ليلة شاتية في سرية من المهاجرين أصبح بها العدو.
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)، وأخرجاه أيضاً من حديث ابن مسعود، وأخرج البخاري نحوه من حديث أبي هريرة.
إنها صورة أخرى من صور الوقف؛ من وقف ليله ونهاره لتلاوة كتاب الله تعالى، ومن وقف ماله فأهلكه في الحق والإنفاق في سبيل الله آناء الليل وآناء النهار، كلها صور وإن تنوعت مجالاتها وطرقها، فكلها تصب في نهر واحد، وتؤدي إلى طريق واحد.
стр. 653
الأسئلة
стр. 654
تعدد المجالات في خدمة دين الله تعالى
السؤال
هل العمل للدين مقصور على طلب العلم أو إلقاء المحاضرات؟ وهل يمكن لمن لا يتمكن من ذلك العمل للدين، أفدنا أفادك الله؟
الجواب
أظن أنه سبق الإجابة على هذا السؤال، وقلنا: إن الوقف له مجالات كثيرة شتى، فالمرء يبحث عن المجال الذي يمكن أن يخدم فيه دين الله ، ولن تضيق الأبواب والطرق أمام امرئ جاد لخدمة دين الله ، حتى ولو كان مقعداً كسيحاً.
стр. 655
الاهتمام بدعوة الشباب المتواجدين خارج حلقات العلم
السؤال
إن هناك شباباً وفقهم الله تعالى للخير قد أوقفوا أنفسهم لله تعالى عملاً لا قولاً، هؤلاء الشباب هم الذين يدرسون في حلقات القرآن الكريم، لكني كأحد الشباب ألاحظ عليهم عدم الاهتمام بمن هم خارج هذه الحلقات من الشباب، فما تعليقكم على هذا بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
لا شك أن نصيحتنا لهؤلاء جميعاً ولغيرهم أن يدعو غيرهم إلى هذا الميدان وإلى هذا المجال، وألا يبخلوا على غيرهم بهذا الطريق الذي هداهم الله له، ومنّ عليهم بسلوكه، وإن من تمام شكر نعمة الله عليك حين وفقك لحفظ كتابه، وحين وفقك لسلوك هذا الطريق أن تنقلها إلى غيرك، وأن تدعو إليها من حرم منها، ولعل هذا يكون أدعى إلى ثباتك على هذا الطريق بإذن الله .
стр. 656
إمكانية أن يقف الإنسان نفسه لله تعالى في جهتين فأكثر
السؤال
هل يمكن للإنسان أن يقف نفسه لله في جهتين: كالعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
الجواب
الناس طاقات شتى ومواهب متنوعة، فالبعض من الناس قد لا يجيد إلا ميداناً واحداً ومجالاً واحداً، فينبغي له أن يستغل جهده وطاقته في خدمة دين الله واستثمار ما منحه الله من قدرة خدمة لما يريد الله ، ومن الناس من رزقه الله الموهبة.
والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنى فهو كالغيث أينما نزل نفع، فتارة ينبت العشب لينتفع به الناس، وتارة يبقى ماء يحتبس يشرب منه المارة، وتارة ينزل في الأرض فينتفع به من يحفر بئراً، فمن الناس من رزقه الله مجالات وجوانب شتى، فهذا حري به أن يساهم فيما يستطيع، وعلى كل حال فالناس أصناف شتى، فمنهم من لا يصلح إلا في ميدان واحد، ومنهم من يصلح في أكثر من ميدان، ومنهم من يكون أمة وحده.
стр. 657
الاهتمام بحفظ كتاب الله تعالى والعمل به
السؤال
هناك جانب قد غفل عنه الكثير من الشباب ألا وهو حفظ كتاب الله، وتدبره، والعمل به، ونشره بين الناس، فما ترى يا فضيلة الشيخ! لو كان للمرء وقت لحفظ كتاب الله والعمل به؟
الجواب
سبق أن ذكرنا نموذجاً من ذلك في قوله ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين قال: ورجل آتاه الله الكتاب فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار)، فهذا مما يغبطه الناس عليه ويحسده الناس عليه، والذي يحفظ كتاب الله يكون قد حفظ وقته أولاً في استثماره فيما يعود عليه بالنفع دنيا وآخرة، وقد كرر تلاوة كتاب الله ، وله في كل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ويضاعف الله بعد ذلك لمن شاء أضعافاً كثيرة.
ويقال له يوم القيامة: (اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها)، وهذا الكتاب يأتي شفيعاً يوم القيامة لأصحابه، فيحاج عن صاحبه الذي كان يقرؤه به، وأولى الناس بالإمامة والصلاة، وأولاهم بأن يتولى أمورهم، وبعد ذلك أيضاً كله هو الذي يستطيع أن يقرأ القرآن في كل أحواله: أن يقرأ وهو قائم، وهو جالس، وهو مضطجع، وهو يمشي، أن يقرأ في الظلام والضياء، وأما غيره فلا يستطيع أن يقرأ القرآن إلا في حال يتهيأ له فيها أن يتطهر، وأن يكون المصحف أمامه يقرأ منه، فتتهيأ له أبواب وتنفتح له طرق من العبادة لا تنفتح لغيره، فيكفي هذا فضلاً لحفظ كتاب الله .
стр. 658
الوسائل التي تعين الإنسان على أن يجعل أعماله وقفاً لله تعالى
السؤال
ما هي الوسائل التي تعين الإنسان على أن يجعل أعماله وقفاً لله تعالى؟
الجواب
النبي ﷺ يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فإذا وقف المرء قلبه لله توجهت بعد ذلك سائر جوارحه، فأصبحت كلها وقفاً لله تعالى، وإذا وقف قلبه على شهوة أو شيطان توجهت جوارحه بعد ذلك لذلك.
стр. 659
الاهتمام بالدعوة إلى الله تعالى مع مجاهدة النفس في تجنب الرياء
السؤال
عندي من العلم -ولله الحمد- شيء لا بأس به، ولكن حينما أريد الظهور إلى الناس لإلقاء الدروس والمحاضرات تأتيني الأوهام والوساوس من جهة الخوف من الرياء، فكيف أرد هذا الأمر عن نفسي، أرجو التوجيه بما ترى، ولك جزيل الشكر؟
الجواب
نحن نحفظ جميعاً أيها الإخوة! النصوص عن السلف في التورع عن الرياء، والبعد عن مضان الشهرة، وتشديدهم في ذلك، ودعوتهم للإخلاص، ومجاهدة النفس، ومع ذلك تصدروا لما تصدروا له، والتقاعس عن أداء الواجب الشرعي خوفاً من الرياء يجعل المرء عرضة لأن يترك واجباً يحاسب عليه أمام الله ، فالله يسأل عبده يوم القيامة فيقول: ما منعك إذ رأيت المنكر ألا تنكره؟ ويقول ﷺ : (لا يحقر أحدكم نفسه، قالوا: وكيف يحقر نفسه؟ قال: يرى أمراً لله عليه فيه مقال، فيسأله الله فيقول: يا رب! خشيت الناس).
فقد يمنعه خشية الناس، وقد يمنعه ورع كاذب، وقد يمنعه هذا الأمر أو ذاك، فالمهم أياً كان هذا الأمر الذي يمنعه سيبقى عائقاً له عن أداء الواجب الشرعي، فما دام المرء قد وجد عنده علماً وخيراً فينبغي له أن يبادر وأن يدعو الناس وأن يعلمهم، ولو لم يتصدر ويدعو ويعلم الناس إلا من أحس أنه قد بلغ الغاية من العلم لم يتصدر أحد، ولم يدع أحد، ولم يؤلف أحد إلا المرائين الذين لا يراد منهم خير.
стр. 660
كيفية إعادة النية الفاسدة إلى مكانها الصحيح
السؤال
تكلمت عن تصحيح النية، فكيف نصحح النية حيث إنه كثيراً ما يبدأ الشاب مشواره بإخلاص ونية صحيحة، ثم نجد أن نيته تتغير إما شهرة أو طمعاً في الدنيا أو غير ذلك، فكيف نعيد النية إلى مسارها الصحيح؟
الجواب
أن يفرض الإنسان على نفسه رقابة صارمة، وأن يواجه نفسه دائماً، ويتعاهد نفسه، ثم يكثر من عبادة الله ، وخاصة عبادة السر التي تدعوه إلى أن يجاهد نفسه، وأن يشعر بحاجته وفقره إلى الله ، ويستعين بالله على ذلك.
стр. 661
كيفية معرفة أن النفس مخلصة أو غير مخلصة
السؤال
كررت كثيراً خلال هذه المحاضرة: أن الأعمال لابد لها من إخلاص النية لله ، فما الذي يدل المرء على أنه مخلص لله في عمله؟
الجواب
إذا وجدت نفسك تتوجه يمنة ويسرة إلى مطامع أياً كانت وتغلفها بغلاف الخير والصلاح، فراجع نيتك.
стр. 662
كيفية جعل التفكير وقفاً لله تعالى مع وجود المنكرات المنتشرة
السؤال
كيف أجعل تفكيري وقفاً لله تعالى وأنا أرى المحرمات والمعاصي أمامي دائماً: إما في مجلة خبيثة، أو في تلفاز ودش ملعونين، أو في أسواق مليئة بالملاحظات، فلماذا لا يزال السبب المانع لوقف العقل على الله تعالى؟
الجواب
لا شك أن إزالة المنكرات ومظاهر الفتنة أمر مطلوب، ولكن هذا لا يعفيك، فقد وجد من عاش في بيئة تغص بالشرك والوثنية ودعاء غير الله، وهي بيئة أشد فتنة من هذه الفتنة، ومع ذلك كان من مات من هؤلاء مات على الشرك؛ لأنه لم يقل: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
فوجود الفتنة والشهوات أمامك ليس عذراً لك بحال في أن تسلك طريق الغواية والضلال، بل المطلوب منك أن تقبل على الله وتئوب إليه، وأن تساهم أنت في وقف هذا السيل الجارف من هذه الفتن والشهوات، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم منها.
стр. 663
نصيحة للشباب الذين كانوا يحفظون كتاب الله تعالى ثم فرطوا في ذلك وفرطوا في الاستقامة
السؤال
ما نصيحتكم للشباب الذين كانوا حفظة لكتاب الله، ثم أخذ شيئاً فشيئاً يتدرج إلى النزول، فاستبدل الأشرطة الدينية بأشرطة الغناء والعياذ بالله؟ وهذا أيضاً سؤال مشابه، يقول: لي صديق ملتزم ويدرس في حلقة ويشارك في النشاط المدرسي، وقد بدأت الآن تطغى عليه بعض المظاهر غير اللائقة بالشباب المستقيم، وقد ترك الحلقة والنشاط المدرسي ورفض الحضور، فماذا أفعل وأتصرف مع هذا وأمثاله، أرجو توجيهي لأتدارك صديقي من الانتكاس أعاذنا الله من ذلك؟
الجواب
هذه ظاهرة نشاهدها كثيراً، وهي تتكرر على مدى التاريخ، لكن أيضاً مع أن هذه الظاهرة مزعجة ومقلقة، إلا أنها تبقى ظاهرة قليلة في مقابل الذين يسيرون على طريق الاستقامة والخير؛ لأن الذي ينحرف ويزيغ هو الذي يلفت انتباهك، وأما الذي يسير أصلاً على الطريق السوي والصحيح فلا يلفت انتباهك، وقد سبق أن تحدثت عن هذا الموضوع بالتفصيل في محاضرة بعنوان: الحور بعد الكور، فأحيل الأخ إليها.
стр. 664
وقف الإنسان نفسه لتعليم الناس أمور دينهم
السؤال
كثير من المسلمين ممن يعيشون بين أظهرنا لا يعرفون واجبات دينهم، فهل هناك من يقف نفسه لتعليم هؤلاء في القرى والهجر والمدن أيضاً؟
الجواب
لا شك أن من يقف نفسه على تعليم هؤلاء ودعوتهم هو ممن وقف نفسه على خدمة دين الله .
стр. 665
ينبغي للمسلم أن يكون صاحب همة عالية في أعمال الخير
السؤال
أنا شخص من المسلمين وأحب أهل الخير والدعاة إلى الدين، وأريد خدمة هذا الدين، وكأني أفهم من كلامكم أنه لابد لي أن أكون صاحب طاقة عالية، وأنا أشعر أنني لست كذلك، فهل هناك خدمة خاصة لأصحاب الطاقات، مع المعذرة إن كنت أسأت الفهم، ودلني حفظك الله على أعمال بسيطة أستطيعها؛ لعلي أكون ممن يحشر مع الصالحين وإن لم أكن منهم؟
الجواب
هذه همة غير عالية، ولا يسوغ أن يكون مطلب الإنسان: دلني على أعمال بسيطة وسهلة أعملها، فينبغي أن يكون هم الإنسان وتطلعه إلى أن يكون مع المصلحين، وإلى الهمة العالية، هذا أولاً.
وإن قعدت به نفسه فالله لا يظلم أحداً، وخدمة دين الله مجالاتها واسعة؛ بمال ينفقه في سبيل الله على محتاج، أو على مشروع دعوي لخدمة دين الله ، أو بكلمة طيبة، أو بنصيحة صادقة، أو بأي جهد يبذله خدمة لدين الله .
وأظن أن الأبواب والطرق والمجالات لا يمكن أبداً أن تضيق عن رجل مهما كانت طاقته، ومهما كانت قدرته، ومهما كان علمه؛ لن تضيق المجالات لخدمة دين الله والدعوة إليه، لكن ينبغي أن نتطلع نحن إلى الصورة الأعلى، ولا يسوغ للإنسان أن يبحث عن أعمال سهلة وهينة يعملها، فتكون همته دنية، بل ينبغي له أن يكون صاحب همة عالية.
стр. 666
نصيحة في أن يهتم الإنسان بما ينفعه في الدنيا والآخرة
السؤال
السواد الأعظم في بلدنا وكذلك في كثير من البلاد قد أوقف ماله ووقته وجهده على ملذات نفسه، فترى الشخص مظهره طيباً، ولا يسمع إلا طيباً، ويملك من الطاقات المالية والعقلية الشيء الكثير، وإذا نظرت في حاله فلا ترى له في الدعوة ولا في نفع نفسه نصيباً، فما توجيهكم لمثل هؤلاء؟
الجواب
توجيهنا لمثل هؤلاء هو أن يحشدوا طاقاتهم وجهودهم لما ينفعهم أولاً، ولما يدخرونه عند الله ، وأن ينفقوا أنفس ما يملكون لخدمة دين الله ، هذا أكثر ما نستطيع أن نقول لهؤلاء.
стр. 667
دعوة إلى أن توقف جماعات نفسها لله تعالى
السؤال
لعل هذه الصورة التي رسمتها لذلك الشخص الذي وقف كل جانب من جوانب حياته وشخصيته لله صورة مثالية، فهل ترى إمكانية وجودها، أم نفهم أن المطلوب هو التسديد والمقاربة كل بحسب جهده وطاقته وقدرته، أرجو التوضيح؟
الجواب
أولاً: قلت: إنه لا جناح على من ولي الوقف أن يأكل بالمعروف، فلا جناح على الإنسان أن يمتع نفسه بما يمتع به سائر الناس، لكن هذا ينبغي ألا يعود على مقاصد الوقف بالإبطال، وهذا لا شك مطلب عالٍ، لكنه ليس مثالياً، مطلب أن يتصدر للأمة جمع يوقفون أنفسهم ومشاعرهم وهمهم وحياتهم لله ، لكن أن تكون الأمة كذلك لا شك أن هذا مطلب مثالي لا يمكن تحقيقه، فنحن نطلب أن يتصدى جمع وفئام من الناس لهذا المطلب، ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
فنحن ندعو إلى أن ينفر من الشباب طائفة، ومن النساء طائفة، ومن الرجال ومن الجميع أن ينفر طائفة يجعلون أنفسهم وقفاً لله ، فيصبحوا منارات يسير بها الناس، ثم يبقى بعد ذلك سائر الناس كل يشارك بما يستطيع وما يتيسر له، لكن أنت ينبغي أن تتطلع إلى أن تكون من هؤلاء، وأن تسابق في الخيرات وتنافس فيها.
стр. 668
نصيحة للآباء في أن يوقفوا من أبنائهم لخدمة دين الله تعالى
السؤال
ما تقول للآباء وما نصيحتك لهم في جعل أولادهم وقفاً لله تعالى لخدمة هذا الدين، فإن الخير سيعود إليهم؟
الجواب
على الأب أن يساهم في تربية ابنه، وأحياناً للأسف تجد الأب يغرس في ابنه الهمم الدنيئة والنازلة، فهو يربي ابنه من الصغر، ويكرر له هذه المقولة: يا بني! تكبر إن شاء الله وتتعلم وتأخذ شهادة وتتوظف وتكد على نفسك وعلى عيالك، فيظل الابن يسمع هذا الكلام دائماً من أبيه، وكأن الله خلق هذا الابن كما خلق بعض الكائنات التي تأكل وتشرب وتتمتع بالشهوات.
فالأب صالح وخير، ويغضب عندما يرى ابنه على معصية، وعندما يراه مقصراً في طاعة، لكن هذه المعاني التربوية يغفل عنها، فمن من الآباء دائماً يكرر على ابنه: نريدك أن تكون حافظاً لكتاب الله، وأن تخدم دين الله ، وأن تكون مجاهداً في سبيل الله، وأن تكون داعية إلى دين الله ، فيغرس عنده هذا المفهوم، ويغرس عنده هذه الهمة، ويربيه على هذا الأمر حتى يصبح وقفاً لله ، فبعد ذلك يكون امتداداً لعمله كما قال ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
وقد يقول بعض الآباء: فاتنا القطار، ولا أستطيع أن أساهم الآن، فنقول: أمامك أن تهيئ أبناءً صالحين يكونون خلفاً لك، ويكونون من كسبك، (إن أطيب ما أنفقتم من كسبكم، وإن أولادكم من أطيب كسبكم)، (أنت ومالك لأبيك).
فحين يقوم الأب بتربية ابن صالح، وتقوم الأم بتربية ابن أو بنت صالحة، فحينئذٍ هؤلاء يقدمون خيراً لأنفسهم أولاً، فيبقى ذلك امتداداً لعمله الصالح، (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ومنها: أو ولد صالح يدعو له)، والولد في لغة العرب يشمل الابن والبنت، ويقدمون خيراً للأمة بعد ذلك حينما يقدمون هذا النموذج الفعال المنتج.
стр. 669
أهمية المال في تسيير الدعوات ونهوض المجتمعات
السؤال
تكلمت -حفظك الله- عن أهمية الطاقة البشرية وضرورة استغلالها، وقللت من أهمية الطاقة المالية، وقلت: إن الاهتمام بهذا الجانب عند أصحاب المبادئ الأرضية فقط، ألا ترى أن الجانب المالي مهم لمسيرة الدعوة؟
الجواب
هذا كلام غير صحيح، بل أنا قلت في البداية: إن من يرصد الحركة العلمية على مدى تاريخ الأمة يجد أنها قامت واعتمدت على الأوقاف، فهناك من وقف ماله على مدرسة من المدارس، وهناك من وقف ماله على طلبة العلم الفقهي أو الحديث أو العقيدة أو غير ذلك.
وهناك من وقف ماله على المرابطين والمجاهدين في سبيل الله ، وقلت: إن المال مطلب وضروري ومهم، ولكن الطاقة البشرية أهم، وعندما نقول: إن الطاقة البشرية أهم من الطاقة المالية لا يعني أبداً أن نقلل من شأن المال وقيمته، هذا أولاً.
والأمر الثاني: أن الطاقة المالية ثمرة من ثمار استغلال الطاقة البشرية، فتوظيف الطاقة البشرية يساعد أصلاً على وجود الطاقة المالية، وإذا وجد المال دون أشخاص فلا يمكن أن يصنع شيئاً.
стр. 670
الاهتمام بالأهل والأقارب قدر المستطاع
السؤال
إذا نظرت إلى واقعي شيئاً قليلاً أجد أنني قد صرفت الكثير منه وقفاً لله تعالى، وأسأل الله أن يكون كذلك، فقد صرفته ما بين إصلاح النفس، والنشاط، والدعوة مع الآخرين، وما بين حلقة، ونشاط مدرسي، وجماعة مسجد وغير ذلك، إلا أنني أجد نفسي مقصر جداً تجاه الأقارب وأهل البيت خاصة؛ وما ذلك إلا لأني أجد استجابة من غيرهم أكثر، فما رأي فضيلتكم؟
الجواب
الإنسان عليه أن يسعى ويسدد ويقارب، وبعد ذلك لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فعليه أن ينذر عشيرته، ويسعى إلى إصلاحهم قدر الإمكان، لكن حينما يكون غيرهم أكثر استجابة وأكثر إقبالاً، فيستجيب ويهديه الله في حين يرفض أولئك أن يستجيبوا لك، فلا ضير عليك؛ لأن المرء ليس عليه إلا الدعوة والتبليغ، والقلوب بيد الله .
следующие страницы →