Полный текст (1 904 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
نصيحة في أن يهتم الإنسان بما ينفعه في الدنيا والآخرة
السؤال
السواد الأعظم في بلدنا وكذلك في كثير من البلاد قد أوقف ماله ووقته وجهده على ملذات نفسه، فترى الشخص مظهره طيباً، ولا يسمع إلا طيباً، ويملك من الطاقات المالية والعقلية الشيء الكثير، وإذا نظرت في حاله فلا ترى له في الدعوة ولا في نفع نفسه نصيباً، فما توجيهكم لمثل هؤلاء؟
الجواب
توجيهنا لمثل هؤلاء هو أن يحشدوا طاقاتهم وجهودهم لما ينفعهم أولاً، ولما يدخرونه عند الله ، وأن ينفقوا أنفس ما يملكون لخدمة دين الله ، هذا أكثر ما نستطيع أن نقول لهؤلاء.
стр. 667
دعوة إلى أن توقف جماعات نفسها لله تعالى
السؤال
لعل هذه الصورة التي رسمتها لذلك الشخص الذي وقف كل جانب من جوانب حياته وشخصيته لله صورة مثالية، فهل ترى إمكانية وجودها، أم نفهم أن المطلوب هو التسديد والمقاربة كل بحسب جهده وطاقته وقدرته، أرجو التوضيح؟
الجواب
أولاً: قلت: إنه لا جناح على من ولي الوقف أن يأكل بالمعروف، فلا جناح على الإنسان أن يمتع نفسه بما يمتع به سائر الناس، لكن هذا ينبغي ألا يعود على مقاصد الوقف بالإبطال، وهذا لا شك مطلب عالٍ، لكنه ليس مثالياً، مطلب أن يتصدر للأمة جمع يوقفون أنفسهم ومشاعرهم وهمهم وحياتهم لله ، لكن أن تكون الأمة كذلك لا شك أن هذا مطلب مثالي لا يمكن تحقيقه، فنحن نطلب أن يتصدى جمع وفئام من الناس لهذا المطلب، ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
فنحن ندعو إلى أن ينفر من الشباب طائفة، ومن النساء طائفة، ومن الرجال ومن الجميع أن ينفر طائفة يجعلون أنفسهم وقفاً لله ، فيصبحوا منارات يسير بها الناس، ثم يبقى بعد ذلك سائر الناس كل يشارك بما يستطيع وما يتيسر له، لكن أنت ينبغي أن تتطلع إلى أن تكون من هؤلاء، وأن تسابق في الخيرات وتنافس فيها.
стр. 668
نصيحة للآباء في أن يوقفوا من أبنائهم لخدمة دين الله تعالى
السؤال
ما تقول للآباء وما نصيحتك لهم في جعل أولادهم وقفاً لله تعالى لخدمة هذا الدين، فإن الخير سيعود إليهم؟
الجواب
على الأب أن يساهم في تربية ابنه، وأحياناً للأسف تجد الأب يغرس في ابنه الهمم الدنيئة والنازلة، فهو يربي ابنه من الصغر، ويكرر له هذه المقولة: يا بني! تكبر إن شاء الله وتتعلم وتأخذ شهادة وتتوظف وتكد على نفسك وعلى عيالك، فيظل الابن يسمع هذا الكلام دائماً من أبيه، وكأن الله خلق هذا الابن كما خلق بعض الكائنات التي تأكل وتشرب وتتمتع بالشهوات.
فالأب صالح وخير، ويغضب عندما يرى ابنه على معصية، وعندما يراه مقصراً في طاعة، لكن هذه المعاني التربوية يغفل عنها، فمن من الآباء دائماً يكرر على ابنه: نريدك أن تكون حافظاً لكتاب الله، وأن تخدم دين الله ، وأن تكون مجاهداً في سبيل الله، وأن تكون داعية إلى دين الله ، فيغرس عنده هذا المفهوم، ويغرس عنده هذه الهمة، ويربيه على هذا الأمر حتى يصبح وقفاً لله ، فبعد ذلك يكون امتداداً لعمله كما قال ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
وقد يقول بعض الآباء: فاتنا القطار، ولا أستطيع أن أساهم الآن، فنقول: أمامك أن تهيئ أبناءً صالحين يكونون خلفاً لك، ويكونون من كسبك، (إن أطيب ما أنفقتم من كسبكم، وإن أولادكم من أطيب كسبكم)، (أنت ومالك لأبيك).
فحين يقوم الأب بتربية ابن صالح، وتقوم الأم بتربية ابن أو بنت صالحة، فحينئذٍ هؤلاء يقدمون خيراً لأنفسهم أولاً، فيبقى ذلك امتداداً لعمله الصالح، (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ومنها: أو ولد صالح يدعو له)، والولد في لغة العرب يشمل الابن والبنت، ويقدمون خيراً للأمة بعد ذلك حينما يقدمون هذا النموذج الفعال المنتج.
стр. 669
أهمية المال في تسيير الدعوات ونهوض المجتمعات
السؤال
تكلمت -حفظك الله- عن أهمية الطاقة البشرية وضرورة استغلالها، وقللت من أهمية الطاقة المالية، وقلت: إن الاهتمام بهذا الجانب عند أصحاب المبادئ الأرضية فقط، ألا ترى أن الجانب المالي مهم لمسيرة الدعوة؟
الجواب
هذا كلام غير صحيح، بل أنا قلت في البداية: إن من يرصد الحركة العلمية على مدى تاريخ الأمة يجد أنها قامت واعتمدت على الأوقاف، فهناك من وقف ماله على مدرسة من المدارس، وهناك من وقف ماله على طلبة العلم الفقهي أو الحديث أو العقيدة أو غير ذلك.
وهناك من وقف ماله على المرابطين والمجاهدين في سبيل الله ، وقلت: إن المال مطلب وضروري ومهم، ولكن الطاقة البشرية أهم، وعندما نقول: إن الطاقة البشرية أهم من الطاقة المالية لا يعني أبداً أن نقلل من شأن المال وقيمته، هذا أولاً.
والأمر الثاني: أن الطاقة المالية ثمرة من ثمار استغلال الطاقة البشرية، فتوظيف الطاقة البشرية يساعد أصلاً على وجود الطاقة المالية، وإذا وجد المال دون أشخاص فلا يمكن أن يصنع شيئاً.
стр. 670
الاهتمام بالأهل والأقارب قدر المستطاع
السؤال
إذا نظرت إلى واقعي شيئاً قليلاً أجد أنني قد صرفت الكثير منه وقفاً لله تعالى، وأسأل الله أن يكون كذلك، فقد صرفته ما بين إصلاح النفس، والنشاط، والدعوة مع الآخرين، وما بين حلقة، ونشاط مدرسي، وجماعة مسجد وغير ذلك، إلا أنني أجد نفسي مقصر جداً تجاه الأقارب وأهل البيت خاصة؛ وما ذلك إلا لأني أجد استجابة من غيرهم أكثر، فما رأي فضيلتكم؟
الجواب
الإنسان عليه أن يسعى ويسدد ويقارب، وبعد ذلك لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فعليه أن ينذر عشيرته، ويسعى إلى إصلاحهم قدر الإمكان، لكن حينما يكون غيرهم أكثر استجابة وأكثر إقبالاً، فيستجيب ويهديه الله في حين يرفض أولئك أن يستجيبوا لك، فلا ضير عليك؛ لأن المرء ليس عليه إلا الدعوة والتبليغ، والقلوب بيد الله .
стр. 671
نصيحة في عدم جعل المجالس للكلام في أعراض العلماء وطلبة العلم وتقييمهم
السؤال
ما رأيك فيمن لهم مجالس عملهم فيها هو الحديث في تقييم العلماء وطلبة العلم، ويزعمون كما يدل لسان حالهم على أن هذه المجالس وقف لله تعالى؟
الجواب
هذه المجالس وقف للشيطان، ووقف للهو والباطل، وهؤلاء من أقل الناس عملاً ونصيباً، ولا يستحقون أن نقول فيهم أكثر من هذا.
стр. 672
نصيحة لمن يقضون مجالسهم في المباحات أو الكلام في أعراض العلماء
السؤال
ما رأيك في مجالس الملتزمين -وجلهم من طلبة العلم الشرعي- الذين يقضون وقت مجالسهم في المباحات، وأحياناً في الكلام في أعراض العلماء والجماعات؟
الجواب
أولاً: أن تطالب الناس دائماً ألا يتكلموا إلا في قضايا جادة أو قضايا علمية أو وعظ، هذا مطلب مستحيل، لكن أن نطالب الناس أن يحفظوا أوقاتهم، وأن يحرصوا على استغلال الوقت فيما ينفع، وأن يمنعوا مجالسهم من الحرام، فهذا مطلب مهم.
وأما الانشغال بالكلام في أعراض العلماء والناس فهذا شأن الناس البطالين وغير العاملين، وكما قلت لا يستحق هؤلاء أن نجعل منهم قضية نتحدث عنها.
стр. 673
إصلاح الإنسان لنيته وقصده
السؤال
إن بعض الشباب هداهم الله قد أصيبوا بمرض خطير ألا وهو الشهوة الخفية، وهي حب الصدارة قبل أن ينضج فكرياً وعلمياً، فهل من كلمة لهؤلاء قبل أن يضيعوا في الدنيا والآخرة؟
الجواب
نعم هذه بوابة خطيرة يا إخوة! ومدخل خطير، ونحن يجب دائماً أن نراجع أنفسنا في نوايانا، فيراجع الإنسان نفسه في عبادته لله ، وأن يراجع نفسه في طلبه للعلم، وفي دعوته، وفي كل عمل يقدمه، ويحاسب نفسه حساباً عسيراً قبل أن يتعرض للحساب الذي لا عمل بعده، وما أشق على الإنسان وأشد عليه من نيته ونفسه التي بين جنبيه، واقرءوا ما يقوله السلف عن الإخلاص، ومجاهدة النية التي يقولون: إنها من أشد الأمور على العابد لله .
стр. 674
نصيحة في الاهتمام بالشباب، ومخاطبتهم بما يناسبهم
السؤال
إننا نلاحظ على كثير من الشباب في المدارس وفي الشوارع وفي النشاطات خيراً كثيراً وحباً للخير، لكن المشكلة تكمن في البيوت وفي أولياء الأمور عموماً، فهلا قدمت كلمة توجيهية لنا في دورنا في هذه الحالة، وكلمة أخرى لأولياء الأمور، وجزاك الله خيراً؟
الجواب
نحن يجب أن نتخلص من عقدة السبب الواحد والمشكلة الواحدة، المشكلة ليست في البيت وحده، البيت جزء من المشكلة، لكن المشكلة موجودة في الشارع وفي البيت وفي المدرسة وعند الجميع، فالتقصير من الجميع بدأً بإمام المسجد، وخطيب الجمعة، والمدرس، والأب، نحن جميعاً مقصرون في حق هؤلاء.
إن هذا الشاب يحضر الجمعة، لكنه لم يسمع من خطيب الجمعة يوماً من الأيام حديثاً عقلياً مقنعاً هادئاً يخاطب عاطفته وقلبه، ولا يسمع إلا حديثاً يرى أنه لا يخصه، ولم يسمع من أستاذه كلمة ناصحة مشحونة بالود والعاطفة والمحبة، وكذلك والده والجميع.
أقول: إن التقصير من الجميع، ولا يسوغ أن نرمي التقصير على فئة دون أخرى، فيجب أن نتكاتف ونتعاون جميعاً؛ لنتجاوز هذا التقصير، ونسعى لاستنقاذ أنفسنا أولاً، واستنقاذ إخواننا.
стр. 675
التزام الألفاظ الشرعية في الكلام
السؤال
قلتم: إن الكلام تكون نيته لله ورسوله، وكررتم: خدمة دين الله، فهل هذا التعبير صحيح؟ أوليس الأولى نصرة دين الله كما جاء في كتاب الله؟
الجواب
نشكر الأخ على هذا التنبيه، وأحياناً الإنسان عندما يتحدث قد لا يستطيع أن يضبط ألفاظه وعباراته، فعلى كل حال إن قلنا: نصرة دين الله ، فلا شك أن هذا مصطلح شرعي، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، ولنستبدل هذه الكلمة بغيرها.
والمهم أن المقصود والمطلب واحد، وأيضاً التأدب في الألفاظ الشرعية مطلوب ولا شك، فنشكر الأخ على ملاحظته.
стр. 676
الخطاب في غالب أحكام الشريعة عام للرجال والنساء
السؤال
نسينا النساء في هذا اللقاء مع العلم أنهن معنيات أيضاً في وقف أنفسهم لله، فهلا أشرتم إلى هذا؟
الجواب
الخطاب للرجال تدخل فيه النساء تبعاً في كتاب الله وسنة نبيه، والنساء لهن حق علينا، ولهذا -إن شاء الله- ستكون هناك محاضرة في الأسبوع القادم يوم الأربعاء في مدينة الرياض بعنوان: يا فتاة! وهي خاصة بالنساء، ولعل من لا يتيسر له حضورها أن يسمعها من خلال أجهزة التسجيل.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن ينفعنا وإياكم جميعاً بما نسمع، وأن يرزقنا إخلاص القلوب، وتوجه الأعمال له ، وألا يفرق هذا الجمع المبارك إلا بذنب مغفور، وعمل صالح مقبول، ويجعلنا وإياكم ممن اجتمعوا في بيت من بيوته على ذكره ، وأن يرفع درجاتنا وإياكم في المهديين.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 677
حديث مع الشباب
إن الشباب ألم وأمل، ألم عندما ينحرفون ويضيعون فيسببون شرخاً عظيماً في المجتمع، ويتركون هوة سحيقة فيه.
وأمل للأمة إذا ما صلحوا وسعوا في نهضتها، وعرفوا ما لهم وما عليهم تجاه خالقهم، وتجاه دينهم وأمتهم.
والحديث عن الشباب ومشاكلهم والحمولة الملقاة على عاتقهم، وكيفية إصلاح شئونهم وتوجيههم التوجيه السليم، حديث ذو أهمية بالنسبة للفرد والمجتمع.
стр. 678
حال شباب الأمة واختلاف نظرة طوائف الناس إليهم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فإن من يتأمل في واقع الشباب الآن يدرك أن هناك شرخاً عظيماً وانصداعاً في هذا الكيان، وهو كيان مهم من كيانات الأمة، وركن ركين من أركان المجتمع ودعاماته، والأمم والمجتمعات إنما تقوم بشبابها، وعندما تتحدث أنت عن الانحراف في واقع الشباب والفساد في كثير منهم لست بحاجة إلى إيراد أدلة على هذه الدعوى، فالجميع يسلم لك بذلك، ولا أظن أحداً أبداً يخالف في هذه البدهية، وأظن أنه من الترف الفكري وإضاعة الوقت أن نسعى إلى إثبات البدهيات، ولكن القضية التي قد يقع حولها الخلاف هي التعامل مع هذا الواقع، فالجميع يتفقون على أن هذا الواقع واقع غير شرعي، وأن هذا الواقع يحتاج إلى تصحيح، وأن هذا الواقع فيه انحراف، وهذه قضية بدهية ويتفق عليها الجميع.
وكما قلت: عندما تتحدث أنت عن أوساط الشباب والفساد والخلل الموجود في هذا الكيان لست بحاجة إلى أدلة ولا إيراد شواهد، بل هذا من إثبات البدهيات، وكما قال الشاعر: وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل ولكن الخلاف يحصل في منهج التعامل مع هذا الواقع، فهذا واقع يفرض نفسه الآن، أو واقع موجود على الساحة، فكيف نتعامل مع هذا الواقع؟ وكيف نتعامل مع هؤلاء الشباب؟ أظن أن هذه القضية بحاجة إلى أكثر من تفكير، وبحاجة إلى أكثر من جهد، وبحاجة إلى تنوع المجالات والجهود، فهي قضية مهمة من قضايا مجتمعنا، وقضية مهمة من قضايا الدعوة، وأنت عندما تتأمل في أساليب الناس في التعامل مع هذا الواقع تجد أن الناس أصناف شتى: فهناك فئة لا تتجاوز إثارة الأحزان والأشجان والندب لهذا الواقع الأليم، فهو يحدثك عن مرارة الواقع، وعن الفساد والانحراف، ويذكر لك ألواناً من الصور بل وألواناً من الصور الصارخة لهذا الفساد والانحراف، لكنه يقف عند هذا القدر، وهذا القدر يشترك فيه الكثير من الناس، ندب الواقع، والحديث عنه، والانتقاد له يشترك فيه الكثير، ولكن المشكلة ليست هنا فنحن الآن تجاوزنا مرحلة إقناع الناس بفساد هذا الواقع، وهي مرحلة أظن أننا لسنا بحاجة للحديث عنها، وعندما نتحدث عنها وعن مرارتها، ونندب هذا الواقع يجب أن نتحدث بلغة من يريد التغيير لا من يقف عند هذا الحد، فهناك فئة كثيرة -كما ذكرنا بل قد يكون منهم من أهل الصلاح والخير والاستقامة- تقف عند هذا الحد، تقف عند حد انتقاد الواقع، وإثارة الأحزان، والندب على هذا الواقع، والاسترجاع، وهذا منطق العاجزين، ومنطق الكسالى، ومنطق غير العاملين، ومنطق الذين يستسلمون للواقع، وما ترى أحداً يستسلم للواقع إلا صاحب عجز، وأنت ترى الإنسان قد يكون في حالة فقر، وعليه ديون، فتراه يسلك ألف وسيلة ويبحث عن ألف أسلوب ليحتال على هذه المشكلة، ويخرج من هذا المأزق، وترى امرأً يريد هدفاً في الحياة الدنيا أياً كان هذا الهدف، وتكون أمامه العقبات والمشاكل الكثيرة، فتراه يسعى ويفكر ويبحث عن ألف طريق وألف وسيلة؛ ليتجاوز هذه المشكلة.
وهناك أمور مثل هذا تتكرر عندنا كثيراً، فعندما يكون عند الإنسان حاجة في أي دائرة حكومية وقد يكون فيها مشكلة تتطلب تأخير هذه المعاملة، أو تتطلب عدم البت فيها، فماذا يصنع هذا الإنسان؟ تراه يسأل عن المسئول من أي بلد، ويسأل عن أقربائه، ويحاول بطريقة أو بأخرى أن يتصل بأقرباء هذا المسئول؛ حتى يتصلوا به ليقنعوه بحل هذه المشكلة.
وهكذا عندما يتقدم أحد ليخطب ابنته تراه يسأل عنه، وعن أخواله، فما يلبث أن يجد امرأ يحل له هذه المشكلة، فالشاهد: أن الإنسان هنا لم يقف عندما كان صاحب حاجة وإرادة وتصميم، واستطاع أن يحتال على حاجته، واستطاع أن يجد ألف أسلوب، وأما في قضايا دينه فالقضية تقف عند هذا الحد: عند التألم والأحزان والأشجان لا غير.
وهناك فئة أخرى تغرق في الحديث عن وصف المرض، وعن ذكر مظاهره وأعراضه بلغة تبعث على الأسى وتبعث على اليأس والقنوط، وعندما تذكر له بعض النماذج وتحاول أن توجد عنده بصيصاً من الأمل، فتحدثه عن بعض البشائر فإنه يفاجئك ببعض المظاهر الصارخة من الفساد والانحراف؛ ليسعى في تبديد كل أمل لديك في تغيير هذا الواقع، وقد لا تختلف هذه الفئة عن سابقتها، لكن الفئة السابقة فئة تقتصر فقط على مجرد التألم، وأما هذا فهو يزيد وقد يتحدث من خلال منابر ومن خلال وسائل الحديث مع الناس عن الانحراف وعن الفساد وعن الخطأ وعن الضلال وعن انحراف الشباب، ثم يقف عند هذا الحد.
إن هذا وصف للمرض وقد يكون مطلوباً -أحياناً- لإقناع من لا يدرك خطورة المرض، ولكن أن يكون هو العلاج فلا، فعلينا أن نفكر ملياً في هذا الأسلوب، إن هذا الأسلوب غاية ما ينتجه فقط إثارة الاهتمام بالمرض، وإثارة الشعور بالمرض، وأما القضية التي نحتاج إليها فهي العلاج، إننا الآن لا نملك أدنى شك ولا أظن أن أحد
стр. 679
الاستقامة على دين الله وترك طريق الغفلة
فالصفحة الحادية والعشرون بعنوان: لا زلنا عند مطلبك.
كنا قد طلبنا في تلك المحاضرة من الشاب أن يودع طريق الغفلة، وأن يسلك طريق الاستقامة، وحاولنا قدر الإمكان أن نسلك ألواناً من الحجج والأدلة العقلية والمنطقية والأدلة المستنبطة من كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وحاولنا أن نتحدث مع الشاب ونحشد له الكثير من المؤيدات والحجج والبراهين التي تؤيد مطالبنا المشروعة، وهانحن الآن نخاطبه بلغة أخرى ومنطق آخر، ولكن هذا لا يعني: أننا تخلينا عن مطلبنا الأول، فلا زلنا نطالب وبصوت عالٍ وبصوت ملح نطالب جميع هؤلاء الشباب أن يعودوا إلى طريق الاستقامة والصلاح، أطل منهم أن يعودوا وليس أن يسلكوا؛ لأن هذا هو الأصل، وهذا هو طريق الفطرة، فلا نزال على هذا المطلب وسنستمر عليه، ومهما خاطبناك بلغة أخرى فهو خطاب آخر أو حديث ثانوي، ويبقى حديثنا الأصلي أننا لا زلنا نطالبك بالتوبة، ولا زلنا نطالبك بالعودة إلى الطريق الصحيح وإلى المسار السليم ألا وهو: الاستقامة على شرع الله .
وسنزيد إلحاحاً وسنزيد مطالبة، ونشعر أن من محبتنا لك ومن مودتنا لك ومن حقك علينا أن نزيد في المطالبة والإلحاح، إنك ترى رجلاً يطلب من إنسان دينه أو حقه فتراه يلح في مطالبته، وتراه يحاول أن يستعين بالشفعاء والوسطاء، ويسلك آلاف الأساليب والحيل كي يطالب بحقه، وأنت ترى أنه يطالب بحق مشروع، فبالله عليك أينا أكثر حقاً؟ أتصور أن مطالبنا أكثر مشروعية من الرجل الذي يلح في المطالبة بدينه، فذاك رجل يطلب حقاً شخصياً له، وأما نحن فنطلب منك إسعادك، ونطلب منك أن تسلك الطريق، وأنت وحدك المستفيد، وأنت وحدك الخاسر حين ترفض هذا القرار، فأينا أكثر مصداقية في مطالبه؟ وأي المطلبين أكثر مشروعية؟ إنك لا تلوم ذاك الإنسان الذي يطالب حقاً ويطالب ديناً، فما بالك تلومنا نحن وتعتب علينا على إلحاحنا ولا نزال نلح وسيستمر هذا المطلب مطلباً ملحاً إلى أن تفرق بيننا وبينك المنية أو أن تلبي هذا المطلب.
стр. 680
لا زلت مسلماً أيها الشاب
الصفحة الثانية والعشرون: لا زلت مسلماً.
هناك وهم كاذب يسيطر على البعض من الشباب، وهو ما أشرت إليه في مقدمة حديثي: فيتصور الشاب أن أمامه خيارين: الخيار الأول: أن يتوب ويسلك طريق الالتزام والاستقامة، ويعني هذا: أن تنقلب حياته رأساً على عقب، فيبدأ يحافظ على الأوامر، ويبدأ يفعل النوافل ويحرص عليها، ويبدأ يجتنب المحرمات والمعاصي، ويبدأ يتغير تفكيره ويتغير منطق حياته ومنهج حياته، فيصيبه انقلاب كامل في حياته.
الخيار الثاني: أن يفشل في تحقيق هذا الخيار لسبب أو لآخر وهو لا يزال عنده قناعة أن هذا هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه، إنه سلك هذا الطريق يوماً من الأيام لكنه فشل: إما لضعف شخصيته، أو لحواجز وهمية، فالقضية إذاً أمامه الخيار الآخر وهو: أن يبقى على ما هو عليه، فحينئذ يتصور أنه ما دام ملتزماً فله معاملة أخرى، وأنه ما دام ملتزماً فمن حقه أن يضيع وقته، وما دام ملتزماً فمن حقه ألا يحافظ على الصلاة، وما دام ملتزماً فليس مطالباً أن يفعل النوافل، وليس مطالباً أن يقرأ القرآن، وليس مطالباً بهذه المطالب.
أنت ترى مثلاً نقلة بعيدة جداً وشاسعة جداً بين هذا الشاب وهو في طريق الغفلة والإعراض، وعندما يسلك طريق الالتزام، ترى نقلة بعيدة جداً، أليس هناك حل ثالث وخيار ثالث لنختصر هذه النقلة؟ إنك أنت قد تفعل بعض المعاصي، وقد تكون تسير في طريق الغفلة، لكن لماذا تضع هذا الحاجز أمامك: أنك إنسان غير ملتزم وغير مستقيم؟ فتراه عائقاً يعوقك عن المساهمة في كثير من أمور الخير، ويعوقك عن كثير من الطاعات، وتراه مبرراً لك لأن تقع في كثير من المعاصي.
فأنت مثلاً: قد تطالب الشاب أنه يتخلى عن سماع الغناء، وعن مشاهدة الأفلام، وتطالبه بالمحافظة على صلاة الفجر، وتطالبه بأن يفعل السنن الرواتب، وأن يقرأ القرآن، فكأنه يستغرب هذا المطلب ويقول لك: يا أخي! أنا لست ملتزماً وأنا لست مستقيماً، وقد لا يقول هذا الكلام بلسان المقال لكنه يقوله بلسان الحال، فمن أين هذا الوهم؟ ولماذا لا تفترض طريقاً ثالثاً ومرحلة ثالثة؟ إنك قد تقول لي: عندك عوائق وعندك أعذار وعندك أسباب تمنعك من طريق الاستقامة، فنقول: إذا لم تسلك هذا الطريق فثمة طريق ثالث، فلا يعني هذا أنه مسوغ أن يتخلى عن المطلب السابق، لكن لم لا تجعله مرحلة وسيطة؟ لماذا لا تقول: أنا غير ملتزم لكني مسلم؟ فما الذي يمنع مثلاً: من أن أعفي لحيتي وإن كنت غير ملتزم؟ لأن المسلم مطالب بذلك، وما الذي يمنع من أن أحافظ على صلاة الفجر؟ وما الذي يمنع من أن أفعل النوافل؟ وما الذي يمنع من أن أقرأ القرآن، ومن أن أشارك في أمور الخير ولو كنت لست من أهل الاستقامة، ولست من أهل الالتزام والطاعة؟ بل أتصور أنا أن هذه خطوة مهمة قد تقودك إلى الانتقال للمرحلة الأخرى، وقد تجعلك تكون أكثر قدرة على سلوك الطريق الفعلي فعلاً الذي نطالبك به.
مرة أخرى عندما نطالبك نحن بهذا المطلب فلا يعني: أن نتخلى عن طلبنا الأول، فهو مطلب ملح وهو الأصل، ولكن إذا لم تلب هذا المطلب أو عجزت أو فشلت فلا يعني هذا أبداً بحال أنك أصبحت شخصاً آخر، أو كأني أحياناً بك تتصور أنك غير مكلف، أو كما يقول أهل الأصول: غير مخاطب بفروع الشريعة، فأنت إذا كنت غير ملتزم ومظهرك غير مستقيم، فهذا لا يعفيك إطلاقاً من التكاليف الشرعية، فكل نص شرعي سواء أمر أو نهي: سنة واجب محرم مكروه أنت مطالب به، وليس هناك أبداً نصوص خاصة وأحكام خاصة وأشياء خاصة بالملتزمين، وأمور خاصة بغير أولئك.
стр. 681
كن من أهل العافية
الصفحة الثالثة والعشرون: كن من أهل العافية.
هناك مشاهد تكررت من الشباب، فيلتقي الشاب مع زملائه فيحدثهم عما فعل، فقد فعلت البارحة كذا وكذا، وشاهدت مثلاً: فيلماً، أو فعلت كذا وكذا، أو فعلت تلك الفعلة، بل وكأنه ينتظر اللقاء على أحر من الجمر؛ حتى يحدث زملاءه عما فعل.
وأحياناً يعمد إلى أن يفعل بعض الممارسات أمام زملائه وأمام الناس إما من خلال عدم المبالاة، أو من خلال الافتخار بهذا العمل، والنبي ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل ثم يستره الله ، فيصبح فيقول: يا فلان! فعلت البارحة كذا وكذا، فيصبح وقد ستره الله فيكشف ستر الله عليه) يعني: أنت مثلاً عندما تفعل معصية أو تقع في المعصية أياً كانت هذه المعصية صغيرة أو كبيرة ما الداعي إلى أن تتحدث بها مع الناس؟ إن فعلك للمعصية ذنب، والحديث مع الناس ذنب آخر ومعصية أخرى، إن هذا قطع الطريق على التوبة، لأنه تسهيل للمعصية، ودعوة غير مباشرة للمعصية، ثم لو لم يكن كذلك إن هذا وسيلة لأن تقطع الطريق على نفسك أن تتوب، فإن الناس قد عرفوا ما عندك.
فإن ابتلاك الله ووقعت في المعصية فلماذا لا تستتر بستر الله ، وتكون من أهل العافية؟ كما قال النبي ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، فالمجاهرة دليل -مع الاعتذار الشديد- على أنك إنسان مستخف بالمعصية، وعلى أنك إنسان لا تبالي بمعصية الله ، وأما ذاك الإنسان الذي يقع في المعصية، ويتصور أن هذا ذنب، وأن هذا نتيجة أن نفسه غلبته حتى أوقعته في تلك المعصية، وينتظر الوقت الذي يتوب فيه إلى الله ، فهذا إنسان أقرب حال من ذاك الإنسان الذي يفتخر بهذه المعصية، ويتحدث بها مع أقرانه، أو يفعل معصية أمام الناس.
فهناك ثلاث مراتب فلماذا تختار أنت أسوأ هذه المراتب؟ كما قلنا في الصفحة السابقة: المرتبة الأولى: التوبة والإقلاع عن المعصية والذنب، هذه المرتبة هي الخيار الطبعي والأمر المطلوب.
المرتبة الثانية: مرتبة الإعلان والمجاهرة والافتخار، هذه مرتبتان، وأنت عندما تفشل في المرتبة الأولى لماذا تختار المرتبة الثانية؟ هناك حل وسط، لا يعني: كونه وسطاً أنه خير، لا، فالوسط الخيري: هو التوبة والإقلاع.
المرتبة الثالثة: أن تستتر بستر الله ، وأن تجتهد ألا تفعل معصية أمام الناس على الأقل إذا كنت مبتلى بهذه المعصية، فهذا طريق وخطوة بأن تقلع عن المعصية.
ونحن عندما نقول لك هذا الكلام لا نعطيك إطلاقاً مشروعية أن تفعل المعصية، لكن على الأقل هذا أهون الشرين، وهذه وسيلة إلى أن تستتر بستر الله ، وإذا كنت تقول: أنا ابتلاني الله بالوقوع في المعصية وأحاول التخلص منها ولم استطع، وسأسعى إلى ذلك، فأتصور أن أول خطوة تعينك على ذلك هي أن تستتر بستر الله ، وأن تكون من أهل العافية كما قال النبي ﷺ ، واختيارك لهذا الأسلوب وهذا الطريق يعني: أنه وسيلة لينقلك نقلة أخرى بعد ذلك، ووسيلة إلى أن تتوب إلى الله ، وبعد ما يكون عندك عزيمة وإرادة فليس هناك مشكلة، فالناس ما يعرفون عنك الماضي السيئ والتاريخ السيئ الذي أحياناً يكون عقبة وحاجزاً بين الإنسان وبين التوبة، يقول النبي ﷺ في حديث النجوى قال: (وأما العبد المؤمن فيدنيه ربه فيضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه فيقول: أتذكر ذنب كذا وكذا؟ أتذكر ذنب كذا وكذا؟ قال: حتى إذا ظن أنه قد هلك قال: أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم أو أغفرها لك في الآخرة)، فقد تفعل ذنباً ويستر الله عليك، فلا داعي لإعلان ذلك الذنب فقد يمكن أن تكون من أهل هذا الحديث أن تكون ممن ستر الله عليهم في الدنيا، وغفر الله لهم في الآخرة، فإن استتارك بستر الله ، وعدم إعلانك لهذا الذنب لعل هذا أن يكون وسيلة لأن يقول الله تعالى لك يوم القيامة: (أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك في الآخرة).
وأما ذاك الذي يجاهر بالمعصية، ويتحدث بها ويفاخر بها، ويدعو إليها فأحرى به أن يكون ممن قال فيهم النبي ﷺ : (وأما الفاجر فينادى بذنوبه على رءوس الخلائق).
стр. 682
لا تحتقر المعصية
الصفحة الرابعة والعشرون: لا تحتقر المعصية.
حين تبتلى بمعصية فلا تحتقر هذه المعصية، إنك عندما تتحدث مثلاً مع بعض الناس عن معصية وسيئة يقع فيها يقول لك: هذه قضية سهلة، أو على الأقل هناك من خالف في هذه المسألة، أو هناك من يفعل أسوأ من هذا، أو أنا أفعل أسوأ من هذا، وهذا من نتائج المعصية وأثر المعصية، إنك عندما تفعل المعصية، وتقع فيها وتبتلى بها فأنت ينبغي أن تتصور وألا يزول أبداً من خاطرك ومن ذهنك أنك تجرأت على معصية الله ، وعصيان الله أمر عظيم، كما يقول بعض السلف: لا تنظر إلى صغر المعصية، وانظر إلى عظم من عصيت.
ويضرب النبي ﷺ مثلاً لمحقرات الذنوب فيقول: (إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإن مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أشعلوا نارهم، وأنضجوا عشاءهم، وإن محقرات الذنوب متى ما يؤخذ بها المرء تهلكه).
ويروي البخاري عن ابن مسعود أثراً يضرب فيه مثلاً، فلا بد من إحدى الصورتين، فاختر أنت الصورة المناسبة، يقول ﵁: إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يوشك أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب طار على أنفه فقال به: هكذا.
فكيف واقعك مع ذنوبك ومعاصيك؟ فأنت عندما تبتلى بمعصية وتفعل المعصية هذا لا يعني أن تجاهر بها، ولا أن تبحث عن مسوغ، ولا يعني مرة أخرى: أن تستهين بهذه المعصية وتحتقر هذه المعصية.
فليكن عندك هذا الهاجس، وليكن عندك هذا الشعور: أنك عاصٍ لله، وأنك تفعل المعصية، وحتى ولو كنت تفعل معصية أعظم منها فينبغي ألا يهون عليك تلك المعصية الصغيرة التي تقع فيها، وهذه خطوة للتوبة والإقلاع عن الذنب، بل إن استحقار المعصية قد يحولها إلى كبيرة ولو لم تكن كذلك، ومعاصيك مهما عظمت ومهما كثرت ومهما تكررت فهي لا تسوغ لك بحال أبداً أن تستهين بالمعصية، أو أن تأتي عندما ترتب هذه المعاصي على عظمها وصغرها أن تنظر إلى تلك الصغيرة أو تلك التي تأخذ مرتبة متأخرة في الترتيب، أن تنظر إليها نظرة ازدراء واحتقار أبداً، فرب معصية تحتقرها قد توبقك وتكون سبباً في هلاكك.
стр. 683
إياك وإضلال الناس
الصفحة الخامسة والعشرون: إياك وإضلال الناس.
هذه صورة تتكرر كثيراً، فتجد شاباً مستقيماً محافظاً على أوامر الله خير تربى تربية محافظة، وولد من أبوين مسلمين محافظين عليه، وبعد فترة يتغير، وكثيراً ما يقال: من صاحب من الناس؟ إذاً نستطيع أن نقول: إن فلاناً من الناس هو الذي أضله؛ نتيجة أنه صاحبه، فلماذا أنت تسلك هذا الأسلوب؟ فأنا أتصور أنك مقتنع قناعة تامة بأنك تسير على طريق خاطئ، ومقتنع أن طريقك طريق غير شرعي، فلماذا تتسبب في إضلال الناس وإضلال الآخرين؟ فأنت عندما تأتي وتأخذ فلاناً من الناس الذي كان ما يقع في المعصية، وصاحبته أنت وعاشرته ولازمته فأوقعته في الفساد والمعصية فأنت تسببت في إضلاله وإيقاعه في المعصية.
فقد تضله بالمصاحبة وقد تضله بطريقة أخرى، فأنت تدله على الطريق المثلى في المعصية، فتهدي إليه صورة، أو تهدي إليه فيلماً، أو تهدي إليه مجلة، وتدله بطريقة أو بأخرى على طريق المعصية، وتهون عليه أمر المعصية بأي وسيلة، فتكون أنت قد ساهمت في إيقاعه في المعصية بصورة أو بأخرى، وقد تكون قصدت ذلك وقد تكون لم تقصد، لكن لأجل أنك تعرف النتيجة وتعرف النهاية فأنت السبب، فعندما تأخذ فلاناً من الناس أو ابن فلان معك وتصاحبه وتعرف أنت إلى ماذا سيصير، وتعرف أنت النهاية عندما تهدي لفلان هذا الفيلم، أو تقص عليه هذه القصة، أو تعمل معه هذا العمل أو ذاك تعرف النهاية، فلماذا تكون سبباً في ضلال الناس؟ أنت يا أخي! مقتنع أن طريقك خاطئ، ويمكن أنك تبحث عن طريق الصلاح والاستقامة، فكيف ترتكب أنت الخطأ وهذا الأسلوب مع الناس وتنقلهم إلى أن ما ترى أنه أمر فاسد، فأنت ترى أن هذا الطريق الذي هم عليه هو طريق الخير، وهو طريق الصلاح، وهو الطريق الطبيعي الذي ينبغي أن يسلكه الإنسان، ألا تخشى أن ينطبق عليك قول الله : ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]؟! وأنت مثلاً عندما تأتي وتصاحب فلاناً من الناس وبسبب مصاحبتك له انحرف وضل، أتدري أنك تأتي يوم القيامة تحمل وزرك مع وزره هو؟ هذا كلام الله ، ألا تخشى أن ينطبق عليك قول النبي ﷺ : (من دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً).
وهنا أضرب لك مثالاً محدداً بسيطاً: فأنت أتيت وأهديت إلى فلان فيلماً وأنت قد شاهدت هذا الفيلم، فقد تقول لي: ما أستطيع أتخلص منه، أنا تعودت، أنا أصبحت صاحب إدمان، سنتنازل معك فنقول: قد تكون كما قلت، لكن ما المبرر أنك تهديه إلى فلان من الناس؟ وماذا يترتب على ذلك؟ فإذا أنت أهديته إلى فلان فسينظر إليه، والنظر هذا معصية، وهذا العمل سيصرفه عن كثير من أنواع الطاعات، بل قد يتسبب في وقوعه في المعصية، بل قد يكون سبب في انحرافه كما سنتحدث إن شاء الله في الدرس القادم، وسنذكر لكم نماذج من ذلك.
فقد يكون ذلك سبباً في انحراف أناس آخرين، فهذا الشاب قد يعطي هذا الفيلم لآخرين، فقد تراه أخته وقد يراه أخوه، فتخيل معي الآن ما هي النتائج التي ترتبت على هذه الهدية التي قمت بإهدائها إلى فلان من الناس، فالنتيجة أنك أنت تتحمل المسئولية كاملة، وتتحمل كل الأوزار الذين وقعوا فيها هؤلاء؛ لأنك أنت سهلت لهم طريق المعصية، وهذا قول النبي ﷺ : (من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً)، وأنت ترى مشهداً آخر معاكساً فأنت تهدي إلى هذا مثلاً فيلماً ساقطاً، لكنك ترى من يهدي إلى فلان شريطاً إسلامياً، وترى من يهدي إليك أنت شريطاً إسلامياً وكتاباً إسلامياً، أنت مثلاً: قد تصاحب فلاناً لغرض إفساده، أو لقضية معينة، وتعرف النتيجة، لكنك ترى أنت من يدعوك ويحاول أن يأخذ بيدك ليصحبك؛ كي ينقلك إلى طريق الاستقامة.
فيا أخي! هل هذا المشهد لا يدعوك إلى أن تراجع نفسك؟ فانظر كيف أنت عائش في النقيض، فهناك من يسلك نفس الأساليب التي تسلكها: أسلوب المصاحبة، والكلام، والإهداء، وتجده يحترق حتى ينقل فلاناً أو فلاناً إلى طريق الهداية، وأنت تمارس نفس الأسلوب بطريقة أخرى، فعلى الأقل يا أخي! إذا ما اقتديت به المفروض أن هذا الخطوة تجعلك تتوقف عن أن تسلك هذا الطريق: طريق إضلال الناس، وهي قضية خطيرة ما يسوغ أن تستهين بها، وفرق بين أن تفعل معصية وتقع فيها، وبين أن تسهلها على الناس، وتدعو الناس إليها، وتحاول أن تنقل الناس إلى المعصية، فتتسبب في إضلال الناس.
стр. 684
إزالة الحواجز الموضوعة بين الصالحين وغيرهم
الصفحة السادسة والعشرون: لماذا هذه الحواجز؟ لماذا هذا العداء المفتعل وهذه الحواجز المصطنعة بينك وبين الأخيار؟ نرى الآن حواجز وحدوداً بين هذا الشاب وبين الناس الأخيار، فإذا نظر بعضهم إلى بعض فإنه ينظر شزراً، فلا يسلم عليهم، وإذا حصل السلام فيكون سلاماً -كما يقول الناس-: روتينياً، وأما مشاعر المودة وتبادل الحديث إلى غير ذلك فكل هذا قد لا يوجد.
قد تقول أنت: إن السبب هم الأخيار، وكثيراً ما يقال هذا الكلام، فيقول هذا الشاب: الأخيار لا يسلمون علي، والأخيار يفرضون حواجز وعندهم استكبار إلى غير ذلك، فأقول له: إنه من السهل جداً أن تحمل الآخرين المسئولية، فأنت الآن طرف في المشكلة فمن السهل أن تحمل الآخرين المسئولية كاملة، لكن بقي طرف آخر في القضية ومن العدل والمنطق دائماً أنك ما تحكم بين شخصين إلا عندما تسمع منهما جميعاً، ولهذا يقولون: إذا أتاك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تحكم له حتى تسمع من الخصم الآخر؛ فقد تكون فقئت كلتا عينيه.
يعني: يأتيك رجل ويقول: هذه عيني مفقوءة، فلعل الآخر فقئت كلتا عينيه، فانتظر حتى تسمع منه.
فكونك تحمل الآخرين المسئولية هذا منطق سهل، مثلاً: عندما يرسب الطالب من السهل أنه يحمل الأستاذ المسئولية، وعندما يفصل الموظف نتيجة الإهمال، أو يخصم عليه: من السهل أنه يحمل رئيسه المسئولية، وهكذا من السهل على كل إنسان أنه يحمل الآخرين المسئولية، بل أنت مثلاً: لو تلتقي بالمسجونين فإنك تجدهم يتحدثون عن تجاوز القضاة وتجاوز الشرطة والهيئات، فيحمل الآخرين المسئولية.
الأمر الثاني: أن العلاقة ما هي من طرف واحد وإنما هي علاقة تبادلية مشتركة، فأنت عندما تقول لي: هو ما يسلم، فإنه أيضاً يقول لك: وأنت ما تسلم، فالقضية ما هي من طرف واحد، فلماذا أنت تطالب فقط من طرف واحد؟ فالقضية الآن قضية مشتركة تحتاج إلى تنازل منك أنت وتنازل منه هو، وإلى مبادرة منك أنت ومبادرة منه هو، فليست من طرف واحد حتى نحمل هذا الطرف المسئولية وحده.
الأمر الثالث: من الخاسر؟ فمثلاً هو عندما يعرض عنك سيكون بينك وبينه حاجز، وصار هنا
السؤال
من سيخسر؟ أفترض أن الخسارة لك أنت؛ لأنك أنت عندما تصاحبه وتجلس معه ستستفيد منه، وستجد منه أموراً كثيرة من أمور الخير ولو على الأقل أن تجد منه ريحاً طيبة كما قال النبي ﷺ ، وأما هو فقد لا يخسر كثيراً، فالخاسر أنت، أو بعبارة أخرى أنت صاحب الحاجة، فأنت الآن الذي تحتاج إلى أن تحسن هذه العلاقة، فالأولى أن تكون المبادرة منك أنت؛ لأنك أنت صاحب الحاجة، ثم أنت الذي ستخسر عندما تبقى هذه العلاقة علاقة سلبية.
الأمر الرابع: أن هذا المستقيم قد سبقك في ميادين كثيرة، فهو مثلاً: استقام، وترك المعصية، وفعل الطاعة، وفاقك في أمور كثيرة، فيا أخي! نريد منك نحن أن تفوق في هذه القضية وحدها، لماذا دائماً ترضى أن تكون في آخر القائمة؟! لماذا لا تقول: فلان سبقني في جوانب كثيرة من جوانب الخير فلابد أن أسبقه في هذا الخير، فنريد منك أن تساهم في تحطيم هذا الحاجز.
أمر خامس: قد يكون من حقه ذلك عندما هو يفرض هذا الحاجز، وعندما يرفض أن يلتقي بك، أو يجلس معك، أو يتحدث معك، والقضية ليست كبراً وليست غروراً وإن كانت قد توجد حالات نادرة، لكن لماذا لا تحمل دائماً أنت إلا أسوأ التفاسير؟ فهناك باب العذر والتبرير، فمثلاً: أنت عندما تلتقي به وتسخر منه بالله عليك أليس من حقه أن يرفضك؟ فلماذا أنت تواجهه بالسخرية دائماً؟ وأحياناً بالكلام وبالغمز أحياناً وبالإشارة بصورة أو بأخرى، أنت تفعل معه أنواعاً من السخرية، فكيف مع ذلك تطلب منه أنت أن يحطم هذه الحواجز، وأن يعاملك بنقيض ما تعامله؟! أيضاً: هو قد يكون عنده عذر آخر، فقد يكون يريد أن يحافظ على نفسه، فيرى مثلاً: أنه عندما يجلس معك تحدثه أنت عن المعاصي، وتحدثه عما تفعل وتسوغ له المعصية، فيرى أن جلوسه معك من باب مصاحبة جليس السوء، وقد تكون سبباً في وقوعه في المعصية، فمن هنا فهو يرفضك لا كبراً ولا استكباراً وإنما يرفضك من باب أن يحافظ على نفسه.
فلماذا لا تكون أنت صاحب القرار؟ ولماذا لا تحطم هذه الحواجز وتحترم مشاعر الآخرين؟ فتبدأه بالسلام وتبتسم له وتبدي له إعجابك وارتياحك بما هو عليه، وتقول: والله يا أخي! أنا أغبطك على الذي أنت عليه، يا أخي الكريم! هذا شيء أنا أجزم أنه موجود عندك في الداخل لماذا لا تقوله؟ أنا أجزم أنك أنت عندما يسألك أحد تقول: والله يا أخي! إني أغبط الناس المستقيمين والأخيار، وأتمنى أن أكون مثلهم، فأنت عندما تسلم عليه وتبتسم له وتقول: يا أخي! أنا أغبطك على الواقع الذي أنت عليه، وأتمنى أن أكون مثلك، وأتمنى أن أصير إلى الحال التي أنت عليه، وأرى أني على خطأ وعلى انحراف، وأخشى على نفسي لكن الشكوى إلى الله، وتساهم أنت في تحطيم الحواجز هذه، فتستفيد الكثير، وتختصر عليك خطوات كثيرة، لماذا لا تتمثل قول الشافعي: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعا
стр. 685
مساهمة الشاب ولو كان عاصياً في مسيرة الخير
الصفحة السابعة والعشرون: تساهم معنا في المسيرة.
فأنت الآن ترى مسيرة الصحوة سواء من خلال ما تشاهد في واقعك القريب والبعيد، أو ما تسمع عن أخبار المسلمين، ولو سألتك: هل هذا الأمر يهمك؟ لقلت لي: يهمني، وطبيعي أنه يهمك؛ لأنك إنسان مسلم، ومهما كان عندك من التقصير والإهمال فإن هذا الأمر يهمك.
سؤال آخر: ألم يهدك أحد يوماً من الأيام كتاباً؟ ألم يهدك شريطاً؟ ألم يدعك بأن تحضر محاضرة؟ وقد تكون حضرت هذه المحاضرة من خلال دعوة فلان من الناس، أو سمعتها في الشريط الذي أهداه إليك فلان من الناس، ففكر واسأل نفسك هذا
السؤال
ماذا يريد مني؟ ولماذا أهدى لي هذا الكتاب؟ وهذا الشريط لماذا دعاني لحضور هذه المحاضرة؟ ولماذا وجه لي هذه النصيحة؟ وستعرف أنت الإجابة.
ثم أقول لك: هل فكرت أنك أنت تصنع مثل ذلك؟ فأنت عندما نطالبك مثلاً: أن تساهم في الدعوة إلى الله تقول لي: أنا ما استطيع، وهذا الأمر يحتاج إلى إنسان صاحب علم، وإنسان مستقيم، وإنسان خير، فأقول لك: أنت مثلاً: ما تستطيع أنك بعد ما تسمع هذا الشريط أن تهديه إلى زميلك، فتكون قدمت خطوة طيبة ولا تحتقرها أطلاقاً؟ لماذا لا تفكر يوماً من الأيام أنك تحضر محاضرة؟ لماذا لا تدعو زميلك معك.
وهناك أسلوب آخر: وهو أن زميلك هذا الطيب المستقيم الذي معك في الفصل إذا أنت قلت له كلمة طيبة وقلت له: والله يا أخي! أنا أغبطك على طريق الخير والاستقامة والصلاح، فاستمر على ما أنت عليه.
فهذا الكلام الذي تقوله والله يثبت الكثير.
يذكر لي أحد الإخوة الطيبين يقول: كان لنا زميل أعرفه أنا كان من الصالحين والأخيار ثم انحرف -عافنا الله وإياكم- حتى وقع في المخدرات، وأصبح إنساناً آخر، يقول: قابلته مرة من المرات وأنا أشك فيه هل هو صاحٍ، أو غير صاحٍ، فسلمت عليه فقال لي: خليك مع فلان لا تفارقه أبداً، يقصد زميله السابق الخير، فأنتم على طريق الخير والصلاح والاستقامة.
فأنا أريد أن يكون عندك هذا الشعور.
وأنا سأضرب لك مثلاً وهي قصة أظن أنك قد سمعت عنها: الإمام أحمد ﵀ له قصة مشهورة، يقول ابنه عبد الله: كنت أسمع أبي كثيراً ما يقول: اللهم اغفر لـ أبي الهيثم! اللهم ارحم أبا الهيثم! اللهم تجاوز عن أبي الهيثم! فقلت له: من يكون؟ قال: ألا تعرفه؟ قلت: لا، قال: لما دعيت للجلد جذبني بردائي فقال: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا أبو الهيثم العيار اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني جلدت ثمانية عشر ألف جلدة في طريق الشيطان وسبيل الدنيا، وأنت تجلد في طاعة الرحمن وسبيل الآخرة فأولى مني أن تثبت.
فانظر إلى أبي الهيثم هذا قاطع الطريق، الذي ما تاب ولا عنده نية أنه يتوب، وهو في السجن ويقول: أنا جلدت ثمانية عشر ألف جلدة في سبيل الدنيا وطاعة الشيطان، فيأتي للإمام أحمد وهو يشعر أن الإمام أحمد يعيش في محنة، وأن هذه المحنة تعيشها الأمة، فمن الواجب عليه أن يؤيد الإمام أحمد، فهو لا يملك شيئاً من الآثار كي يذكر بها الإمام أحمد، ولا يحفظ الأحاديث، وما يملك إلا تاريخه السابق في الإجرام، فاستطاع أن يوظف هذا التاريخ السابق في الإجرام ليقول للإمام أحمد: إنني ضحيت وبذلت وأنا صاحب معصية، فأنت أولى مني أن تضحي وأنت صاحب طاعة.
يقول الإمام أحمد ﵀: فزادني هذا الكلام تثبيتاً، وكان الإمام أحمد يستغفر له كثيراً حتى إن ابنه عبد الله يسأل ويستغرب: من يكون هذا الرجل؟ ولعله قد غفر الله له بدعوة هذا الرجل الصالح.
فأنت مثلاً: قد يكون لك أستاذ ناصح تسمع منه دائماً النصيحة والتوجيه سواء عامة أو خاصة، فعندما تأخذ بيد أستاذك وتقول له: والله أنا معجب بطريقتك، وأشعر أني أستفيد منك، وأشعر أن الشباب يستفيدون منك.
فهذه الكلمة التي تقولها كلمة ما تعجز عنها، وكلمة موجودة في مشاعرك ولن تخسر هذه الكلمة، لكن هذه الكلمة ستدفع هذا الأستاذ دفعة قوية؛ لأنه يشعر أن كلامه وقع في قلوب الآخرين.
وعندما ترى مثلاً: داعية أو خطيب جمعة أو رجلاً أياً كان أثر فيك، فتبدي له الإعجاب، وتبدي له تفاعلك مع ما حدث، فهذه قضية قد تحتقرها ولكنها خطوة مهمة تدفع هذا الرجل وتزيده حماسة وشعوراً بنتيجة عمله، فأثر عليه ولا تحتقر شيئاً أبداً يا أخي! فوالله إن كلمة واحدة قد تقولها تدفع هذا الرجل دفعات كثيرة، وإذا كنت عاجز فاكتب له ورقة وأرسل من يبلغ له هذه الرسالة، وقل لفلان من الناس: قل لفلان هذا الكلام.
فهذه جهود يسيرة يمكن أن تقوم بها فلا تحتقرها، فهي على الأقل تعطيك شعوراً بأنك عملت شيئاً، وأنك ساهمت بدفع الصحوة ولو بشيء يسير.
أنا أقول: يمكنك أن توظف خبرتك في الفساد في دعوة الناس إلى الخير، فعندما تقول لفلان: أنا أضحي وأسهر وأتحمل وأتعرض للمخاطر: مخاطر الفضي
стр. 686
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الصفحة الثامنة والعشرون: حين تكون مع أصحابك.
قد تجلس مع أصحابك فما المانع مثلاً -وهذا الكلام امتداد للصفحة السابقة- أنك تأتي بشريط وتعطيه زملاءك وتقول: اسمعوه، وما المانع أنك تقترح عليهم اقتراحاً، وما المانع أنك عندما تكون مع أصحابك تقول: والله نريد أن نصلي، وعندما يفعلون منكراً تحاول أن تنكر عليهم حتى ولو كانوا أصحاب سوء، ولو كنت سيئاً مثلهم، فقد يسخرون منك، لكن أنت تقول: أنا منطقي مع نفسي، فلو كنت مع أصحابك وزملائك ولو كانوا أصحاب سوء ولو كنت أسوأ منهم؛ ما المانع أن تكون في تناصح معهم، وتكون في تذكير، وتبذل خطوات في أنك تنكر عليهم، وأن تعوقهم عن مشروع يريدون أن يقعوا فيه، فكثيراً ما يكون أحد هؤلاء سبباً في منع أصحابه أن يقعوا في منكر أو أن يقعوا في سيئة، ولعل مثل هذه الخطوات تكون وسيلة لأن يعينك الله ويتوب عليك.
стр. 687
خطر السخرية من الأمور الشرعية
الصفحة التاسعة والعشرون: إياك والسخرية.
إن السخرية تكثر في مجالس الكثير من الشباب في الأمور الشرعية، سواء في العبادات، أو الآيات، أو السخرية من الناس الصالحين الأخيار؛ لأجل الطرفة وإذهاب الملل والسآمة، وأحياناً لأجل الافتخار بذلك، وهذا أمر كما تعلم من نواقض الدين ومن نواقض الإسلام، وقد ينقل صاحبه إلى الردة والكفر عافانا الله وإياك، وأظن أنك قد قرأت ودرست في كتاب التوحيد: باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، وساق فيه شيخ الإسلام قول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فالسخرية أمرها خطير.
فاحرص قدر الإمكان أن تتخلى عنها، وحين تسمع من يدخل في ذلك من زملائك وأقرانك فينبغي أن تنتصر للدين ولو كنت منحرفاً، ولو كنت أسوء منه، فينبغي أن تنتصر للدين، إنك لو سمعت من يسب أباك أو أمك لغضبت وانتفخت أوداجك واحمرت عيناك، وقمت ولم تقعد؛ انتصاراً لأبيك وأمك، ولو قلت لك: إن والديك أعز وأغلى عليك من دينك، أو إن نفسك أعز عليك وأغلى من دينك؛ لاعتبرت هذا اتهاماً، ولاعتبرت هذا إهانة وسوء ظن، ولكن ما بالك تنتصر عندما تهان وعندما يوجه لك اللوم والسخرية والانتقاد، ولا ترضى أبداً أن تمس بسوء، وأما دين الله فلا تنتصر له.
مرة أخرى أقول لك: مهما كنت تقع في المعاصي، ومهما بلغ بك الفسق والفجور فإن هذا ليس مسوغاً لك وليس عذراً لك ألا تنتصر لدين الله .
فإذا سمعت من يسخر أو يسب الناس الصالحين والأخيار، أو يسخر بدين الله فانهه ولو بكلمة واحدة.
стр. 688
امنح ولاءك لدين الله
الصفحة الثلاثون: لمن تمنح ولاءك: يقول الله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].
إن هذه الآية خطاب للمسلمين جميعاً: للصالح وغيره، للتقي والفاجر، للمؤمن المحافظ والفاسق المفرط، إن شأنها شأن سائر النصوص الشرعية خطاب للجميع، فهي دعوة للجميع أن يكون وليهم المؤمنين، وأن ينخرطوا في حزب الله ويتولوا المؤمنين، إننا ندعوك من خلال تجارب قد تكون قد مرت عليك، فقد تكون مثلاً: تشجع نادياً رياضياً وتمنح له ولاء، هذا الولاء يفرض عليك أنماطاً كثيرة من السلوك والتعامل، فأنت مثلاً: تحب هذا اللون؛ لأنه يذكرك بهذا النادي، وتكره ذاك اللون؛ لأنه يذكرك بالنادي الآخر، وأنت قد تحب فلاناً؛ لأنه يلعب في هذا النادي، وتكره فلاناً، وتستولي عليك مشاعر عالية من الفرح لتحقيق الانتصارات، ومشاعر أخرى من الحزن والقلق للخسائر والتراجعات، اسأل نفسك هذا
السؤال
ألا تمنح هذا الولاء وتسخر هذا الولاء لمن يستحقه؟ ألا ترى أن هذا من قصر الاهتمامات ودنو الهمة؟ من حقك أن تمارس الرياضة بضوابط مشروعة، ومن حقك أن تفعل ما تراه جائزاً شرعاً، ولكن أن يكون ولاؤك مربوطاً بهذه الأمور فهذه قضية أخرى.
فاحرص يا أخي! أن يكون ولاؤك للإسلام، وأن تتفاعل مع قضايا الإسلام ومع مشكلات المسلمين المستضعفين، وأن تتفاعل مع الدعوة ومع قضايا الدعاة، ولو على الأقل أن تسمع الأخبار وتتطلع الأخبار، وقد تقول لي: لا أجد مصادر لذلك، فأقول لك: إن هذا كلام غير صحيح، فأنت مثلاً: قد تشجع النادي الفلاني فتعرف ذاك اللاعب وتاريخه وأين ولد وأين نشأ، وتعرف كل ما يتعلق بذلك؛ لأن القضية باختصار تهمك وتعنيك، ولو طرحت على بعض الشباب سؤالاً فقلت له: ما أكثر ما تحفظه: أسماء اللاعبين، أو أهل الفن، أو غيرهم ممن تمنح لهم ولاءك، أو أصحاب النبي ﷺ ؟ لأجابك بالجواب الأول.
إذاً فكيف استطعت أن تحصل على هذه المعلومات؟ وكيف استطعت أن تعتني بها؟ إنك ترى مثلاً: بعض الشباب كثيراً ما يكتب على دفاتره وكتبه الدراسية ومفكرته بعض الأسماء التي يتعلق بها، وقد تكون أسماء بعض المطربين الساقطين، أو أسماء أخرى لغرض أو لآخر، إنها تعبر عن رمز للولاء، فنحن نريد أن يتحول ولاؤك إلى ولاء آخر، أن يتحول ولاؤك للدين والإسلام حتى ولو كنت صاحب معصية وصاحب فسق وصاحب فجور، إن هذا ليس مسقطاً لهذا الواجب الشرعي عنك.
стр. 689
الاستفادة من مواهب وقدرات الشباب ولو كانوا عصاة
الصفحة الحادية والثلاثون: مواهبك وقدراتك.
إنك تملك مواهب أياً كانت هذه المواهب، فقد تكون رجلاً جريئاً مثلاً، فبدلاً من أن تكون جرأتك مثلاً: مع رجال الشرطة، أو رجال الهيئة، أو تكون جرأتك مع أساتذتك، أو مع فلان أو مع والدك فتقول ما تريد، وتقف عند كلمتك، فأنت تملك قدرة وجرأة فهذه الجرأة يا أخي! نريد أن توظف جزءاً منها للخير، فعندما تأتي الآن وتقف في وجه والدك وتناقشه وتجادله، وقد ترفع الصوت عليه؛ فأنت تملك قدراً من الجرأة: إنها جرأة غير شرعية، ولكنك أنت على الأقل رجل جريء، وقد تعارض أستاذك مثلاً وتقف في وجهه وتعاند وترفض الاستجابة، فأنت حينها رجل جريء وإن كانت جرأة غير مقبولة، ولكن ما دمت رجلاً جريئاً فنريد يا أخي! قدراً من هذه الجرأة لتوظفها لأمور الخير، فعندما تجلس مثلاً مع زملائك فيسخر أحدهم من الدين فنريد أن توظف هذه الجرأة للدفاع عن دين الله ، ونريد منك أن توظف هذه الجرأة كي تكون دافعاً لك على أن تتخذ قرارات مهمة تحتاج إليها، فتقول كلمة الحق التي قد يعجز عنها غيرك.
وهكذا قد تكون ذكياً ونابغة، وقد تكون حافظاً، وقد تملك موهبة أياً كانت هذه الموهبة، فنحن نريد منك أن تسخر هذه الموهبة التي أعطاك الله تعالى أو جزءاً منها.
وقلما تجد امرأً من الناس إلا وأعطاه الله موهبة: إما في الحفظ، أو في الفهم، أو في الجدل، أو في الجرأة، أو في أي أمر من الأمور، فنريد منك حتى -ولو كنت على حال غفلة وإعراض- أن توظف هذه الموهبة وهذا الجهد لخدمة دين الله وللخير.
فعندما تكون صاحب جدل ومنطق وتفحم الآخرين؛ نريد منك أن توظف جدلك في الدفاع عن الحق، وفي أمور الخير، وهكذا عندما تكون جريئاً، وعندما تكون قوي الشخصية، وعندما تكون حافظاً، وعندما تكون ذكياً، وعندما تكون متفوقاً، فالمهم فكر في نفسك وستجد أنك على الأقل متفوق في جانب وتملك موهبة من المواهب، فنريد أن تسخر هذه الموهبة لخدمة دين الله .
стр. 690
المسلمون على اختلاف مراتبهم هم ضحية لمخططات الأعداء
الصفحة الثانية والثلاثون: من الضحية؟ إنك ترى تخطيط الأعداء في إفساد مجتمعات المسلمين، وترى الضحايا أمامك، ترى هؤلاء يسعون إلى القضاء على المسلمين؛ من الضحية؟ إن الضحية هم أبناؤك وإخوانك، ألا تتصور أنك أنت ضحية؟ وأحياناً يكون ذلك بنفس الأساليب التي قد تسعى إليها أنت، فتكون أنت وسيلة لتنفيذ مخططات أعدائك، ثم أنت الآخر مستهدف، إن وقوعك في المعصية، وسعيك إليها، وإعراضك وغفلتك لا يمنحك العذر عند أعداء الله ، فإنهم يحقدون عليك ما دمت مسلماً، ألم تسمع أنت عن أخبار المسلمين؟ فإنهم يقتلون، فتجد أحدهم مقتولاً ولو كان لا يؤدي الصلاة، ولو كان لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، إنك أنت مستهدف، ويجب أن تعلم أنك مستهدف: في دينك، وعقيدتك، وأخلاقك، وأمنك، وحياتك ما دمت مسلماً وما دمت تنتمي إلى الإسلام، حتى ولو أعلنت أنك علماني، حتى ولو أعلنت خروجك عن الإسلام فما دام أن أصلك إسلامي فأنت مستهدف، وأنت ترى العالم الآن كله يجتمع على حرب الإسلام والمسلمين، وما أريد أن أسرد لك أمثلة وشواهد فأنت ترى وتحفظ الكثير من ذلك.
стр. 691
اجعل الالتزام بأوامر الله تعالى همك وهاجسك
الصفحة الثالثة والثلاثون: اجعله هماً.
فأنت مقتنع أنك تريد الالتزام وتريد الاستقامة، فلا ترجع في اتخاذ هذا القرار، وقد تحاول ذلك وتفشل، لكن هذا لا يعني: أن تلغي هذا القرار، فاجعل هذا على الأقل هماً يسيطر عليك وعلى تفكيرك، فقد يتحول هذا الهم إلى عمل يوماً من الأيام، وسأضرب لك مثلاً من سيرة واحد من أصحاب النبي ﷺ : إنه جبير بن مطعم ﵁، فقد قدم إلى النبي ﷺ بعد غزوة بدر، قال: فسمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فكاد قلبي يطير، قال: فوقر الإيمان في قلبي منذ ذاك الحين، ثم أسلم بعد الحديبية، وغزوة بدر كانت في السنة الثانية، والحديبية كانت في السنة السادسة، يعني: أسلم بعد أربع سنوات أو خمس سنوات, فلاحظ أن ذلك الذي سمعه بقي هماً في ذهنه خمس سنوات، وأخيراً نجح فعلاً واتخذ هذا القرار الذي كان يؤرقه لسنوات.
فإذا فشلت أنت وما استطعت أنك تتوب فاجعل هذا هماً وهاجساً، وانتظر اللحظة والفرصة المناسبة، فقد يوفقك الله بعد ذلك.
стр. 692
الاتعاظ بالماضي وتدارك ما فات
الصفحة الرابعة والثلاثون وهي الأخيرة: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ:٤٦].
يقول الله لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦]، ففكر في ماضيك: قد قطعت شوطاً من العمر، وطويت صفحات كثيرة من سنين عمرك محصلاً للشهوات واللذات، فماذا بعد ذلك؟ وماذا حصلت؟ وماذا جنيت؟ قد تكون جنيت تأخر مستواك الدراسي، وقد تكون جنيت الهم والغم، وقد تكون جنيت التعاسة في الدنيا ونظرة الناس السيئة، وبعد ذلك حتى لو سلكت طريق الاستقامة والخير فأنت ترى أولئك قد سبقوك، فحصلوا علماً شرعياً لم تحصله، وعملوا عبادات كثيرة لم تعملها، فاحرص من الآن واتخذ القرار عاجلاً.
стр. 693
الأسئلة
стр. 694
لا يكون فعل معصية ما مبرراً للإنسان في فعل معاصٍ أخرى
السؤال
هل يفهم من ذكرك للمرحلة الوسطية بين الانحراف والاستقامة: إصلاح الظاهر فقط دون الباطن مثل إعفاء اللحية وتقصير الثوب دون الأعمال الأخرى أو البقاء على هذه الحالة؟
الجواب
لا، لا يفهم هذا، لكن أقول مثلاً: إن حلق اللحية معصية، وكونك تفعل معصية أخرى كبيرة ليس هذا عذراً في أنك تقع في هذه المعصية، فأنا أقول: أعف لحيتك استجابة لأمر الله، إسبال الثوب معصية لله، فما الذي يمنع أن تقصر ثوبك ولو كنت تقع في معصية أخرى وهكذا، فعليك أن تتخلى عن المعاصي، وعدم الاستقامة وكونك إنساناً مقصراً ليس هذا مبرراً لك أن تقع في المعصية، لكن هذا لا يعني أبداً أنه دعوة إلى إهمال الباطن.
стр. 695
نصيحة لمن حاول الالتزام فوجده صعباً عليه
السؤال
أنا شاب أحاول الالتزام منذ زمن بعيد محاولات شبه جادة، ولكني أجد أن الأمر ليس سهلاً؛ فأني لو التزمت الالتزام المطلوب فهناك بعض الذنوب أرى من الصعب علي تركها بسهولة حتى بعد الالتزام، فماذا أفعل؟
الجواب
أولاً: نقترح أن تكون توبتك جادة حتى تنجح.
ثانياًً: أقول لك: إن هذا وهم وهذا من كيد الشيطان، فأنت كنت في يوم من الأيام لا تفعل هذه الذنوب ولا شك، ثم أصبحت تفعلها من خلال العادة، فكل ما اكتسبته من خلال العادة تستطيع أن تتركه من خلال العادة، فترى أن الصبي الصغير لا يستطيع المشي، فيحاول ويحبي ثم ينهض تارة ويكبو أخرى حتى يستطيع بعد ذلك فيصبح يجري، وترى من لا يحسن السباحة فيحاول ويغرق أحياناً وينجح أحياناً ويفشل أحياناً حتى بعد ذلك يستطيع أن يجيدها، فأنا أقول أولاً: هذا وهم وحيلة شيطانية.
الأمر الثاني: افترض أنه بقي ذنب أو ذنبان لم تتركها فبالله عليك أيهما خير لك: أن تبقى في الطرف الآخر على الصفر أو على الأقل تتقدم خطوة إلى الأمام؟ لا شك أن الأفضل هو الثاني، وتقدمك خطوة إلى الأمام سيعطيك دفعة وقدرة على التخلي عن الذنب.
فنقول لك: التزم واسلك مع الصالحين حتى ولو بقيت بعض الذنوب التي تفعلها، فهذا خير لك ألف مرة من أن تبقى على حالك السابقة.
стр. 696
الصبر على نصيحة الإخوان
السؤال
أخي وما أدراك ما أخي! لقد تعبت في نصحه، وفي بعض الأحيان عندما أذكره تدمع عيني، وفي صلاة الفجر من المستحيل أن يستيقظ، وكثيراً ما أذهب لأصلي وأتركه، فماذا أفعل؟
الجواب
لا تيأس منه، وحاول تنويع الأساليب والطرق، وما دام أنه عنده جانب خير ما دام أنه يسمع الموعظة ويتأثر فهذه -إن شاء الله- خطوة نحو الخير، فحاول ولا تيأس أبداً، ولا تنس أن تدعو له.
стр. 697
الضابط في معرفة الاعتدال من الغلو
السؤال
أنا شاب لا أدري أين أصنف نفسي: هل أضعها مع الشباب الملتزم؛ لأني أصاحبهم، وأحافظ على الصلاة، وألتزم بأعمال الخير، أم أضع نفسي مع من يسمون أنفسهم المعتدلين؛ لأن لدي أفكار لا تناسب أفكار الملتزمين، وقناعة أني لن أصبح منهم، ولن تتناسب صفاتي وصفاتهم وتصورهم للأمور، فما رأيك جزاك الله خيراً؟
الجواب
أولاً: ما هو صحيح الاعتدال؟ هو هدي النبي ﷺ ، ومن الخطأ أن تفترض معنى الاعتدال من ذات نفسك، فتظن أنك أنت معتدل وأن الآخرين متطرفون، وأن الآخرين غلاة في الدين، هذا أمر غير صحيح.
وأنا لا أستطيع أن أصنفك؛ لأني لا أعرف حالك، وأنت أعلم بحالك، والتصنيف يا أخي لا يكون بناء على قناعاتك أنت، وإنما خذ قناعاتك هذه واعرضها على النصوص الشرعية، وعلى ضوئها تستطيع أن تصنف نفسك، لكن أنا أتصور أنك إذا كنت ترى نفسك دون زملائك الذين تصاحبهم فأنت من المفرطين، فأسأل الله أن يتجاوز عنك.
стр. 698
الاهتمام بدعوة غير الملتزمين وتنوع الأساليب في ذلك
السؤال
جاءني شاب هذا اليوم وقال لي: إني أريد أن التزم، وأنا أفكر في ذلك منذ أيام، وطلب مني أن أقابله لأحدثه وأشجعه على ذلك، فكيف أبدأ معه؟
الجواب
كان المفروض أنك تبدأ معه قبل أن يأتيك، وأنك تأتيه أنت قبل أن يأتيك، لكن ما دام أنه قد جاء فأقول: إن الناس يختلفون سواء بالنسبة لك أنت أو بالنسبة له هو، فبعض الناس مثلاً: قد تؤثر عليه الموعظة والتذكير باليوم الآخر أكثر، وبعض الناس قد يؤثر عليه الترهيب، وبعض الناس الترغيب، وبعض الناس الإقناع العقلي، وبعض الناس في الحديث عن نتائج المعصية في الدنيا، ولما تنظر هدي النبي ﷺ كيف كان يدعو الناس للإسلام تجده يستعمل مع هذا أسلوباً، ومع الآخر أسلوباً، ومع الثالث أسلوباً، فأنا أقول: اجتهد أنت بأنك تشخص هذا الإنسان وتعرف ما هي النقاط التي يمكن أن تؤثر عليه من خلالها، وحاول أن تقوي علاقتك معه وتنقله إلى مواقع الخير، وتذهب به إلى زملائك الطيبين والأخيار، وتعطيه بعض الأشرطة وبعض الكتب، وتواصل معه ولا تيأس منه، ولا تنس أيضاً الدعاء له.
стр. 699
الاهتمام بتزويج الشباب العزاب
السؤال
أريد الزواج وأستطيع جمع المال من العمل، ولكن أهلي يستهزئون بي، ويقولون: اصبر حتى تنتهي من دراستك، فهل أسمع لكلامهم أم لا؟
الجواب
حاول أن تقنع أهلك، والشاب زواجه قد يكون ضرورة، ولعلنا قرأنا في الصحف قبل فترة عن تزويج بعض الرافضة لمائة شاب زواجاً جماعياً، وهؤلاء كانت أعمارهم سبعة عشر وثمانية عشر وستة عشر عاماً، فلماذا هؤلاء يحرصون على تكثير النسل وعلى حل مشاكلهم ونحن لا نسعى إلى ذلك؟! فأقول: إنها قضية بحاجة إلى أن نعتني بها جميعاً، فيحاول الأخ أن يقنع أهله قدر الإمكان، ونسأل الله أن يوفقه.
стр. 700
نصيحة لمن يريد الاستقامة، وإزالة بعض الشبه في ذلك
السؤال
أنا شاب أبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة وأريد أن ألتزم، لكن لا أجد الظروف المناسبة للالتزام، وأريد أن أتابع أصحاب الخير ولكن أهلي لا يثقون بي، فماذا أفعل؟
الجواب
أولاً: لا تنتظر الظروف، بل نريدك أنت أن تصنع الظروف، فلا تنتظر حتى تأتيك ظروف مناسبة.
وأما قضية ثقة أهلك وعدم رضا أهلك فهذه قضية يجب ألا تؤثر عليك، فأنت الذي ستحاسب وحدك، وستأتي الله وحدك، وأنا أجزم أن أهلك عندما تستقيم وتسلك طريق الخير سيثقون بك أكثر.
стр. 701
نصيحة لمن حاول الاستقامة وضعف عن ذلك
السؤال
أنا شاب قد فعلت كبائر الذنوب، وإن لم تدركني رحمة الله فإنني هالك لا محالة، وقد حاولت الالتزام كثيراً ولكن فتن العصر وأشياء نفسية تؤثر فيّ، فعلى سبيل المثال: لا أريد أن أحلق اللحية، ولا أن أقوم بمعاكسة الفتيات، ولكن دون شعور مني أفعل ذلك، مع أني -والحمد لله- لا أسير مع رفقاء السوء، ولا أدخن، ولا أحب المعصية ولكن للأسف أفعلها، فأرجو منك أن تخبرني بالحل الصحيح، وأن تدعو لي بالصلاح.
الجواب
جاهد نفسك، وهذا الشعور شعور طيب، وعندما يوجد عند إنسان هذا الشعور فهذه خطوة نحو التوبة، وأفضل حل للإنسان أنه يسير مع الصالحين، وكونك تترك الناس السيئين هذه خطوة، لكن انتقل إلى الخطوة الأخرى: أن تسير مع الصالحين؛ لأنك تشعر أنك تنتقل تلقائياً إلى مثل هذا الوضع، بل ستشعر عندما تسير مع الصالحين أن وضعك وضع شاذ فتحاول أن تصحح هذا الوضع، ثم استعن بدعاء الله ، واحرص على العبادة.
وأنا أظن أن هذه حيلة نفسية عندما تقول: لا استطيع، لماذا لا تستطيع؟ وعندما تقول: أفعل ذلك بدون شعور، اسمح لي أن أقول لك: أنت عاقل ومكلف وبالغ، وعندك إرادة فلماذا لا تستطيع؟ فأنت مثلاً: تستطيع أن تعمل كثيراً من الأعمال في حياتك: فتستطيع أن تتزوج، وتستطيع أن تأكل، وتستطيع أن تذهب وتأتي، وما يمكن أن تناقش في هذه القضية، ولما تكون طالباً مثلاً تستطيع أن تذاكر وتنجح، ولما تكون موظفاً تستطيع أن تنتج في عملك؛ حتى تحصل على تقدير مناسب، وهكذا عندما تكون في أي ميدان تستطيع أن تنجح فيه إلا في هذا الميدان لماذا؟ هذه وسيلة تخادع بها نفسك، فأقول: إنك تستطيع، والله ما كلفك إلا بما تستطيع.
стр. 702
نصيحة في الالتزام ورد بعض الشبه في ذلك
السؤال
إنني أجتهد وأرغب في الالتزام ولكن مما يفسد علي ذلك علاقتي بأصدقائي الذين أظن أني لا استطيع تركهم، وكذلك بعض العلاقات الخاصة كالعلاقات الهاتفية وغيرها، وكذلك تصوراتي بنظرة المجتمع نحوي، فكيف الخلاص؟
الجواب
لماذا أنت تفترض أنك لا تستطيع أن تتخلص من أصدقائك؟ أنت تستطيع أن تتخلص منهم، وما هو المانع من ذلك؟ تستطيع أن تقول لأصدقائك: والله يا شباب أنا اكتشفت أن لي طريقاً آخر غير طريقكم مع احترامي لكم وتقديري للعلاقة السابقة، فأود أن تنقطع العلاقة التي بيننا، ما الإشكال في هذا، أو تتركهم دون أن تقول هذا الكلام، وقد تجد صعوبة في البداية لكن هو قرار لا بد منه؛ لأنك لا بد أن تتحمل ضريبة القرار السابق الذي اتخذته لما سرت معهم، ثم أنت لا بد أن تتبرأ منهم حتماً إما في الدنيا أو في الآخرة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦].
فأنت لا بد أن تتبرأ منهم إما في الدنيا وإما في الآخرة، فاختر أحد الأمرين فإذا كانت هذه صعبة عليك فأظن أنها أصعب عليك جداً أنك تنتظر إلى يوم القيامة وتحشر معهم ثم تتبرأ منهم، فهناك لا ينفع اللوم ولا الندم.
وكذلك العلاقات الهاتفية هي الأخرى تستطيع أن تتخلص منها، وذلك أن تحرص قدر إمكانك أنك ما تكون في البيت مثلاً، أو أنك لا تجيب عليها، وتجاهد نفسك، وحتى يا أخي! لو بقيت عندك بعض الشوائب، وسعيت في إصلاحها فهذا خير وأفضل بكثير من أن ترفض الالتزام جملة وتفصيلاً؛ لوجود هذه الشوائب التي تتعلق بها.
وأما نظرة المجتمع نحوك فأنا أجزم أن المجتمع ستتغير نظرته نحوك، فأنت الآن المجتمع ينظر نحوك بنظرة شاذة، وقلت: إنك إذا تبت لن يعدل المجتمع نظرته نحوك، فنقول: إذا لم تتعب فالنتيجة أن المجتمع لا يزال ينظر إليك النظرة السابقة ولا تتغير تلك النظرة، فأنت الآن أمام ثلاثة خيارات: الخيار الأول: أنك تبقى على الفساد، وستبقى نظرة المجتمع لك كما هي.
الخيار الثاني: أنك تتوب وتبقى نظرة المجتمع لك.
الخيار الثالث: أنك تتوب وتتحسن نظرة المجتمع إليك، ولو افترضنا أن الفرض الثالث غير موجود مع أنه هو الأصل فما بقي قدامك إلا خياران: أن تستمر على الفساد ويبقى الناس ينظرون إليك نظرة سيئة، أو تستقيم وينظر الناس إليك نظرة سيئة، فبالله عليك أيهما أفضل؟ أتصور أن الرأي الثاني أفضل، وهو الذي ينفعك، وأما إذا بقيت على الفساد فلا ينفعك ذلك؟ وتبقى النظرة هي، فعلى الأقل أنت يا أخي! لما تتوب بعض الناس تتعدل نظرته إليك، وافترض أن كل الآخرين ما نظروا إليك نظرة خير فأهم شيء لك هو نجاتك يوم القيامة، مع أني أجزم أن المجتمع سيغير نظرته، وأن الناس كلهم سيغبطونك على ما أنت فيه.
لعل هذا يكون آخر سؤال، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن نلتقي وإياكم إن شاء الله على خير، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
سبحانك اللهم وبحمدك, نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 703
من يحمل الأمانة
لقد جعل الله تعالى لقيام دينه سنة لا تتخلف ولا تتبدل، وهي حمل أتباعه كلهم له وشعورهم جميعاً بالمسئولية تجاهه، فدين الله لا يناط قيامه بفئة من الناس دون غيرها، ولا بشخص دون سواه، ولقد ضرب الله تعالى لنا في القرآن صوراً مشرقة في الشعور بواجب القيام بالبلاغ، وأخرى سيئة في التنصل من تبعة الاتباع، فإبلاغ الدين أمانة، ولهذه الأمانة صور عديدة يجب القيام بها في ميدان الدعوة الرحب الفسيح.
стр. 704
تكريم الله للإنسان بالعبودية له تعالى والدعوة إليه
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فإن عنوان درسنا لهذه الليلة ليلة الخميس الموافق للعشرين من شهر رجب عام ١٤١٥ للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم هو (من يحمل الأمانة؟).
وأشكر في بداية هذا اللقاء الإخوة في مركز الدعوة والإرشاد بالدمام على حسن ظنهم بي، وتشريفي بهذا اللقاء والحديث لإخوتي الكرام.
معشر الإخوة الكرام! لقد كرم الله الإنسان، كرم الله بني آدم، فخلق الله آدم بيده ، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها، وخص بني آدم دون سائر المخلوقات بتكريم ومنزلة ومزايا خاصة لهم دون غيرهم.
لكن أعظم تكريم هو أن الله حملهم هذا الدين، وجعلهم عباداً له، فشرفهم بالانتساب إليه ، والتعبد له ، فصار شرف الإنسان وعزه هو حينما يذل بين يدي مولاه، فشرفه في عبوديته لله ، وكماله هو في فقره إلى الله ، واستغنائه عمن سواه، بل هذا هو الذي خلق بنو آدم من أجله، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فأعظم تشريف وتكريم لهذا المخلوق أن جعله عبداً له، وجعله خاضعاً له.
ومن تمام هذه العبودية وكمالها تشريف آخر، وتعظيم لمنزلة هذا الإنسان دون سائر خلق الله ، وذلك أن الله جعله حاملاً لمشعل الهداية ولدعوة الخير إلى الناس جميعاً، فهو الذي يحمل كلام الله ، وهو الذي يبلغ كلام الله ودينه للناس كافة.
إن الإنسان العابد لله ، والمتجه له وحده ذكراً كان أو أثنى، صغيراً كان أو كبيراً، قد شرفه الله بحمل هذا الدين إلى الناس كافة، وتبليغه لهم، وحين يعرض هذا الإنسان، ويتنكب الطريق يكون بديله إنساناً آخر، فالقضية إنما تدور حول الإنسان ومعشر البشر.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
إذاً: فهذا الدين إنما يقوم به، وينصره، ويذب عن حياضه أولئك الذين تشرفوا بعبودية الله ، والخضوع له ، فصار هو أعظم محبوب إليهم، وهو المعبود الحق، والمعبود الواحد لهؤلاء جميعاً، وصار البشر -مهما علت منزلتهم وشأنهم- لا يساوون شيئاً عند هذا العابد لله ، وأنى له أن يرجوهم ويتطلع إلى ما عندهم، وترمق عينه ذات اليمين وذات الشمال، وقد اختار العبودية لله ؟! بالله عليكم -أيها الإخوة، وأيتها الأخوات- أي تشريف ورفع لمنزلة الإنسان أسمى من أن يكون داعياً للناس إلى عبودية الله ، وتوحيد الله ، وأن يخلعوا عنهم كل توجه لغير الله ، وأن يدعو الناس بلسان حاله، وأن يدعو الناس بلسان مقاله، وأن يوظف وقته وجهده لتحقيق هذه الغاية، وأداء هذه الرسالة، وحين لا يستجيب الناس يشهر سلاحه مجاهداً في سبيل الله ، قد هانت عليه نفسه في سبيل الله ، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣]، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩].
فهل يعدل هذه المنزلة منزلة أخرى؟! وهل يعدل هذا الشرف شرف آخر؟!
стр. 705
دلالة الاصطفاء على علو مكانة الدعوة إلى الله
ومما يزيد الأمر وضوحاً -وهو أوضح من الشمس في رابعة النهار- ويزيد القضية برهاناً وبياناً أن الله اختار لهذه المهمة، ولهذه الوظيفة خيرة خلقه: أنبياءه ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، فقولوا لي -بالله عليكم-: ما هي وظيفة الأنبياء؟ وما هي وظيفة الرسل؟ لماذا أرسل الله الرسل؟ لماذا أرسل الله الأنبياء؟ أليس الله قد أرسلهم لتحقيق هذه الغاية، فكل يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، ﴿اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]؟ إذاً: فالذي يختار هذا الطريق، ويسير في هذا الطريق إنما يختار أن يسير على هدي الأنبياء، وأن يقتفي آثارهم، وأن يختار لنفسه المهمة التي اختارها الله لصفوة خلقه عليهم صلوات الله وسلامه.
следующие страницы →