← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

نصيحة لمن حاول الاستقامة وضعف عن ذلك السؤال أنا شاب قد فعلت كبائر الذنوب، وإن لم تدركني رحمة الله فإنني هالك لا محالة، وقد حاولت الالتزام كثيراً ولكن فتن العصر وأشياء نفسية تؤثر فيّ، فعلى سبيل المثال: لا أريد أن أحلق اللحية، ولا أن أقوم بمعاكسة الفتيات، ولكن دون شعور مني أفعل ذلك، مع أني -والحمد لله- لا أسير مع رفقاء السوء، ولا أدخن، ولا أحب المعصية ولكن للأسف أفعلها، فأرجو منك أن تخبرني بالحل الصحيح، وأن تدعو لي بالصلاح. الجواب جاهد نفسك، وهذا الشعور شعور طيب، وعندما يوجد عند إنسان هذا الشعور فهذه خطوة نحو التوبة، وأفضل حل للإنسان أنه يسير مع الصالحين، وكونك تترك الناس السيئين هذه خطوة، لكن انتقل إلى الخطوة الأخرى: أن تسير مع الصالحين؛ لأنك تشعر أنك تنتقل تلقائياً إلى مثل هذا الوضع، بل ستشعر عندما تسير مع الصالحين أن وضعك وضع شاذ فتحاول أن تصحح هذا الوضع، ثم استعن بدعاء الله ، واحرص على العبادة. وأنا أظن أن هذه حيلة نفسية عندما تقول: لا استطيع، لماذا لا تستطيع؟ وعندما تقول: أفعل ذلك بدون شعور، اسمح لي أن أقول لك: أنت عاقل ومكلف وبالغ، وعندك إرادة فلماذا لا تستطيع؟ فأنت مثلاً: تستطيع أن تعمل كثيراً من الأعمال في حياتك: فتستطيع أن تتزوج، وتستطيع أن تأكل، وتستطيع أن تذهب وتأتي، وما يمكن أن تناقش في هذه القضية، ولما تكون طالباً مثلاً تستطيع أن تذاكر وتنجح، ولما تكون موظفاً تستطيع أن تنتج في عملك؛ حتى تحصل على تقدير مناسب، وهكذا عندما تكون في أي ميدان تستطيع أن تنجح فيه إلا في هذا الميدان لماذا؟ هذه وسيلة تخادع بها نفسك، فأقول: إنك تستطيع، والله ما كلفك إلا بما تستطيع.

стр. 702

نصيحة في الالتزام ورد بعض الشبه في ذلك السؤال إنني أجتهد وأرغب في الالتزام ولكن مما يفسد علي ذلك علاقتي بأصدقائي الذين أظن أني لا استطيع تركهم، وكذلك بعض العلاقات الخاصة كالعلاقات الهاتفية وغيرها، وكذلك تصوراتي بنظرة المجتمع نحوي، فكيف الخلاص؟ الجواب لماذا أنت تفترض أنك لا تستطيع أن تتخلص من أصدقائك؟ أنت تستطيع أن تتخلص منهم، وما هو المانع من ذلك؟ تستطيع أن تقول لأصدقائك: والله يا شباب أنا اكتشفت أن لي طريقاً آخر غير طريقكم مع احترامي لكم وتقديري للعلاقة السابقة، فأود أن تنقطع العلاقة التي بيننا، ما الإشكال في هذا، أو تتركهم دون أن تقول هذا الكلام، وقد تجد صعوبة في البداية لكن هو قرار لا بد منه؛ لأنك لا بد أن تتحمل ضريبة القرار السابق الذي اتخذته لما سرت معهم، ثم أنت لا بد أن تتبرأ منهم حتماً إما في الدنيا أو في الآخرة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦]. فأنت لا بد أن تتبرأ منهم إما في الدنيا وإما في الآخرة، فاختر أحد الأمرين فإذا كانت هذه صعبة عليك فأظن أنها أصعب عليك جداً أنك تنتظر إلى يوم القيامة وتحشر معهم ثم تتبرأ منهم، فهناك لا ينفع اللوم ولا الندم. وكذلك العلاقات الهاتفية هي الأخرى تستطيع أن تتخلص منها، وذلك أن تحرص قدر إمكانك أنك ما تكون في البيت مثلاً، أو أنك لا تجيب عليها، وتجاهد نفسك، وحتى يا أخي! لو بقيت عندك بعض الشوائب، وسعيت في إصلاحها فهذا خير وأفضل بكثير من أن ترفض الالتزام جملة وتفصيلاً؛ لوجود هذه الشوائب التي تتعلق بها. وأما نظرة المجتمع نحوك فأنا أجزم أن المجتمع ستتغير نظرته نحوك، فأنت الآن المجتمع ينظر نحوك بنظرة شاذة، وقلت: إنك إذا تبت لن يعدل المجتمع نظرته نحوك، فنقول: إذا لم تتعب فالنتيجة أن المجتمع لا يزال ينظر إليك النظرة السابقة ولا تتغير تلك النظرة، فأنت الآن أمام ثلاثة خيارات: الخيار الأول: أنك تبقى على الفساد، وستبقى نظرة المجتمع لك كما هي. الخيار الثاني: أنك تتوب وتبقى نظرة المجتمع لك. الخيار الثالث: أنك تتوب وتتحسن نظرة المجتمع إليك، ولو افترضنا أن الفرض الثالث غير موجود مع أنه هو الأصل فما بقي قدامك إلا خياران: أن تستمر على الفساد ويبقى الناس ينظرون إليك نظرة سيئة، أو تستقيم وينظر الناس إليك نظرة سيئة، فبالله عليك أيهما أفضل؟ أتصور أن الرأي الثاني أفضل، وهو الذي ينفعك، وأما إذا بقيت على الفساد فلا ينفعك ذلك؟ وتبقى النظرة هي، فعلى الأقل أنت يا أخي! لما تتوب بعض الناس تتعدل نظرته إليك، وافترض أن كل الآخرين ما نظروا إليك نظرة خير فأهم شيء لك هو نجاتك يوم القيامة، مع أني أجزم أن المجتمع سيغير نظرته، وأن الناس كلهم سيغبطونك على ما أنت فيه. لعل هذا يكون آخر سؤال، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن نلتقي وإياكم إن شاء الله على خير، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. سبحانك اللهم وبحمدك, نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 703

من يحمل الأمانة لقد جعل الله تعالى لقيام دينه سنة لا تتخلف ولا تتبدل، وهي حمل أتباعه كلهم له وشعورهم جميعاً بالمسئولية تجاهه، فدين الله لا يناط قيامه بفئة من الناس دون غيرها، ولا بشخص دون سواه، ولقد ضرب الله تعالى لنا في القرآن صوراً مشرقة في الشعور بواجب القيام بالبلاغ، وأخرى سيئة في التنصل من تبعة الاتباع، فإبلاغ الدين أمانة، ولهذه الأمانة صور عديدة يجب القيام بها في ميدان الدعوة الرحب الفسيح.

стр. 704

تكريم الله للإنسان بالعبودية له تعالى والدعوة إليه الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فإن عنوان درسنا لهذه الليلة ليلة الخميس الموافق للعشرين من شهر رجب عام ١٤١٥ للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم هو (من يحمل الأمانة؟). وأشكر في بداية هذا اللقاء الإخوة في مركز الدعوة والإرشاد بالدمام على حسن ظنهم بي، وتشريفي بهذا اللقاء والحديث لإخوتي الكرام. معشر الإخوة الكرام! لقد كرم الله الإنسان، كرم الله بني آدم، فخلق الله آدم بيده ، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها، وخص بني آدم دون سائر المخلوقات بتكريم ومنزلة ومزايا خاصة لهم دون غيرهم. لكن أعظم تكريم هو أن الله حملهم هذا الدين، وجعلهم عباداً له، فشرفهم بالانتساب إليه ، والتعبد له ، فصار شرف الإنسان وعزه هو حينما يذل بين يدي مولاه، فشرفه في عبوديته لله ، وكماله هو في فقره إلى الله ، واستغنائه عمن سواه، بل هذا هو الذي خلق بنو آدم من أجله، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فأعظم تشريف وتكريم لهذا المخلوق أن جعله عبداً له، وجعله خاضعاً له. ومن تمام هذه العبودية وكمالها تشريف آخر، وتعظيم لمنزلة هذا الإنسان دون سائر خلق الله ، وذلك أن الله جعله حاملاً لمشعل الهداية ولدعوة الخير إلى الناس جميعاً، فهو الذي يحمل كلام الله ، وهو الذي يبلغ كلام الله ودينه للناس كافة. إن الإنسان العابد لله ، والمتجه له وحده ذكراً كان أو أثنى، صغيراً كان أو كبيراً، قد شرفه الله بحمل هذا الدين إلى الناس كافة، وتبليغه لهم، وحين يعرض هذا الإنسان، ويتنكب الطريق يكون بديله إنساناً آخر، فالقضية إنما تدور حول الإنسان ومعشر البشر. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. إذاً: فهذا الدين إنما يقوم به، وينصره، ويذب عن حياضه أولئك الذين تشرفوا بعبودية الله ، والخضوع له ، فصار هو أعظم محبوب إليهم، وهو المعبود الحق، والمعبود الواحد لهؤلاء جميعاً، وصار البشر -مهما علت منزلتهم وشأنهم- لا يساوون شيئاً عند هذا العابد لله ، وأنى له أن يرجوهم ويتطلع إلى ما عندهم، وترمق عينه ذات اليمين وذات الشمال، وقد اختار العبودية لله ؟! بالله عليكم -أيها الإخوة، وأيتها الأخوات- أي تشريف ورفع لمنزلة الإنسان أسمى من أن يكون داعياً للناس إلى عبودية الله ، وتوحيد الله ، وأن يخلعوا عنهم كل توجه لغير الله ، وأن يدعو الناس بلسان حاله، وأن يدعو الناس بلسان مقاله، وأن يوظف وقته وجهده لتحقيق هذه الغاية، وأداء هذه الرسالة، وحين لا يستجيب الناس يشهر سلاحه مجاهداً في سبيل الله ، قد هانت عليه نفسه في سبيل الله ، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣]، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]. فهل يعدل هذه المنزلة منزلة أخرى؟! وهل يعدل هذا الشرف شرف آخر؟!

стр. 705

دلالة الاصطفاء على علو مكانة الدعوة إلى الله ومما يزيد الأمر وضوحاً -وهو أوضح من الشمس في رابعة النهار- ويزيد القضية برهاناً وبياناً أن الله اختار لهذه المهمة، ولهذه الوظيفة خيرة خلقه: أنبياءه ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، فقولوا لي -بالله عليكم-: ما هي وظيفة الأنبياء؟ وما هي وظيفة الرسل؟ لماذا أرسل الله الرسل؟ لماذا أرسل الله الأنبياء؟ أليس الله قد أرسلهم لتحقيق هذه الغاية، فكل يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، ﴿اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]؟ إذاً: فالذي يختار هذا الطريق، ويسير في هذا الطريق إنما يختار أن يسير على هدي الأنبياء، وأن يقتفي آثارهم، وأن يختار لنفسه المهمة التي اختارها الله لصفوة خلقه عليهم صلوات الله وسلامه.

стр. 706

عموم نصوص التكليف الدعوي معشر الإخوة الكرام! إن النصوص في كتاب الله تأمر الناس أن ينصروا الله ، وأن ينصروا دين الله ، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأن يدعوا إلى الخير، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]. فمن المخاطب بهذه النصوص المتظافرة في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﷺ ؟! ويقول ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) فقوله: (منكم) يعني: أياً كنتم رجالاً ونساء، وشيباً وشباناً، وعلماء ومتعلمين وعامة، يقول: (من رأى منكم) فكل من يعتقد أنه مخاطب بكلام الله ، وكل من يعتقد أنه مخاطب بسنة النبي ﷺ فهو داخل تحت هذه النصوص، فهو إما أن يختار ألا يكون منا، وهو خيار صعب لا يرضاه المسلم، وإما أن يختار الخيار الآخر: أنه مخاطب بهذه النصوص وهذا التكاليف الشرعية، ومحمل بهذه الأمانة العظيمة. بل إن الله يصف هذه الأمة وصفاً عاماً جامعاً لهذه الأمة فيقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. ألستم من أمة الإسلام؟! مَنْ مِنَ المسلمين لا يرضى أن ينتسب لهذه الأمة؟! بل مَنْ مِنَ المسلمين يرضى أن يناقش انتماؤه لهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؟! فما هي وظيفة هذه الأمة؟! وما هي مهمة هذه الأمة؟! إنها في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. إذاً: من الذي يحمل هذا الدين؟! ومن الذي يحمل هذه الأمانة؟! أهي طائفة خاصة من هذه الأمة؟! أهو خطاب للنخبة؟! أم هو خطاب للأمة ولكل من يعقل كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، رجلاً كان أو امرأة، شاباً كان أم شيخاً، أياً كان موقعه في سلم الأمانة والمسئولية الدنيوية في هذه الدنيا، وأياً كان موقعه الاجتماعي بين الناس، وأياً كان علمه وتحصيله؟ فهو ما دام يرى أنه من هذه الأمة فهو مخاطب بهذه الصفة، فالأمة كلها إنما اكتسبت هذه الخيرية؛ لأنها تقوم بدين الله ، ولأنها تأمر بالمعروف، والمعروف اسم جامع يشمل كل ما أمر الله به من اعتقاد أو عمل أو سلوك أو خلق، ولئن كان هذا المعروف يغضب فئة من الناس فهذا لا يخرجه عن كونه معروفاً، فالأمة كلها إنما اكتسبت هذه الخيرية؛ لأنها تأمر بهذا المعروف. والمنكر كلمة جامعة عامة لكل ما يخالف شرع الله في الاعتقاد والتعبد والعمل والسلوك، فالأمة كلها مخاطبة بأن تسعى لإزالة هذا المنكر، وأن تسعى لتغيير هذا المنكر أياً كان، سخط من سخط، ورضي من رضي، ما دام أنه منكر في عرف الشرع، وخطاب الشرع، فالمناط في تحديد المعروف والمنكر إنما يؤخذ من وحي من أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الله .

стр. 707

وسطية الأمة وشهادتها على الناس لباس لا يقتصر على النخبة لقد أخبر الله أن هذه الأمة أمة وسط فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، أليس هذا للأمة أجمع؟! أليست الأمة كلها موصوفة بأنها شهيدة على الناس في الدنيا والآخرة؟! إذاً: فلماذا نتأخر؟ ولماذا نتقهقر؟ ولماذا نختزل كل هذه النصوص ونحصرها في زاوية ضيقة لنقول بعد ذلك: إنها تعني النخبة، وإنها تعني فئة خاصة من الناس، أما نحن فدورنا كدور الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، دورنا أن نسير وراء القطيع، أما هذه النصوص، وأما هذه المهمة، وإبلاغ هذا الدين، وحماية مجتمعات المسلمين، والقيام بأمر الله ؛ فهي مهمة النخبة؟! لست أدري كيف وصل الحال بهذه الأمة إلى هذا الفهم؟! وكيف تلقي عن نفسها هذا اللباس، وهذا العز، وهذا التكريم والتشريف، حيث كرمها الله بأن تحمل الرسالة، وبأن تحمل الدين؟! وأي قيمة أشرف وأعلى من دين الله ؟! إذاً: فمن منطلق عموم النصوص في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ندرك أن الجميع مخاطبون بحمل الأمانة، وأن الجميع ما داموا ضمن إطار هذه الأمة، وما داموا منا، فواجب عليهم جميعاً أن يكونوا شركاء في الأمانة.

стр. 708

مواقف عظيمة من الشعور بالمسئولية

стр. 709

موقف الربيين أتباع الأنبياء إننا حين نقف مع قصص أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم نلمس هذا الأمر واضحاً جليا، يقول مخاطباً أصحاب رسول الله ﷺ داعياً لهم إلى التأسي بأولئك السلف الذين سبقوهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٧]. لقد كان هؤلاء الربيون يشعرون أن الأمانة لا تخص هذا النبي وحده، بل لابد أن يقوموا معه، ولابد أن يقاتلوا معه ويتحملوا، ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٧].

стр. 710

موقف مؤمن آل فرعون وصاحب أصحاب القرية ويسمع رجل من آحاد الناس مؤامرة تحاك في الظلام لأحد أنبياء الله ، وهو موسى ﵇، فيسمع أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، فيشعر أن من واجبه أن يؤدي دوره، ومن واجبه أن يساهم في كشف هذه المؤامرة لموسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠]. ورجل آخر يسمع بأنبياء الله وقد واجهوا ما واجهوا، فيتحمل النصب والتعب واللأواء، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٣ - ١٤]. ثم جاء هذا الرجل كما يقول الله عنه: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٠ - ٢٥]. لقد شعر هذا الرجل أن القضية ليست قضية الأنبياء وحدهم، فحين يكذبون وحين لا يسمع لهم أقوامهم لا يرى أن عليه أن يسترجع، وأن يحوقل، وأن يندب ويبكي على هذا الدين وهذه العقيدة كيف تضيع ويأفل نجمها فحسب، بل يشعر أن عليه أن يقوم بدوره، فيأتي من أقصى المدينة، ويأتي يسعى ويمشي. قال ابن هبيرة: تأملت حال هذا الرجل، فرأيته قد جاء من أقصى المدينة، ورأيته قد جاء يسعى على قدميه، ليأتي وهو لا يقول إلا كلمة واحدة، يقول: إن ما يدعوكم إليه هؤلاء حق وصدق، فاتبعوا المرسلين، فالقضية هم يسيطر عليه، فكانت عاقبته أن يعتدي عليه أولئك لأنه خاطبهم بهذا الخطاب، أو لأنه -بمنطق أولئك المتجبرين المتكبرين- تدخل فيما لا يعنيه، فيقتل ويدخل الجنة، وحين قتل ودخل الجنة كان هم قومه يختلج في صدره، ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]. إنه يتمنى أن يعلم قومه منزلته؛ حتى يؤمنوا ويلحقوا به بعد ذلك كله، وأنى لمثل هذه الحقائق المستقرة في قلب هذا الرجل أن يقتلعها الطغيان، وأن يقتلعها الإيذاء، وأن يقتلعها حتى القتل؟! فبعد أن أراقوا دمه لم يزل يختلج في صدره هذا الهم، ولم يزل يبكي على حال قومه، ويتمنى أن يعلموا ما صار إليه؛ علهم أن يلحقوا به، وأن يغفر الله لهم. ونعود مرة أخرى إلى موسى، فحين جاء موسى، وواجه قومه بدعوتهم، قام رجل مؤمن، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨]. ويعيش في جدل مع قومه وهو يكتم إيمانه، حتى إذا رأى أن الأمر لم يعد فيه مجال للمداراة مع هؤلاء؛ أظهر ما هو عليه فقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٨ - ٣٩].

стр. 711

موقف الصديق الأكبر ﵁ ولقد تمثل بنصيحة هذا المؤمن أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين كان يدفع أذى المشركين عن رسول الله ﷺ ، ولذا بلغ علي بن أبي طالب أن بعض الجهلة يفضلونه على أبي بكر الصديق ﵁، فكان يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟! ثم يذكر قصة أبي بكر الصديق ﵁ مع نبي الله ﷺ حين جاء عقبة بن أبي معيط وخنقه بردائه، فجاء أبو بكر الصديق ﵁ يدفع عن رسول الله ﷺ ، ويقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! فكان علي ﵁ ييقول: بالله ربكم: أهو خير أم مؤمن آل فرعون؟! فيسكتون، فيقول: والله! هو خير من مؤمن آل فرعون، هو يعلن إيمانه، وذاك رجل يكتم إيمانه.

стр. 712

أنموذج التخلي عن تحمل المسئولية ومع موسى مرة أخرى، فقد وعد الله قومه أن يدخلوا الأرض المقدسة، فيذكرهم موسى بوعد الله، ويعدهم بأن يتحقق لهم النصر بشرط أن يدخلوا الباب، ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة:٢٣]، فيمتنع القوم، ويستكبرون عن الدخول، وحين لم تجد هذه المحاولات مع أولئك الجبناء، ومع أولئك الذين قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:٢٥]. نعم، حين يتخلى الناس عن الأمانة، وحين يتخلى الناس عن القيام بهذا الدور، ماذا يصنع موسى؟ لقد شكا إلى ربه فقال: ((إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي)). أما هؤلاء فقد شعروا أن القضية لا تعنيهم، وإنما تعني موسى وربه، فقالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، وقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة:٢٢].

стр. 713

للانتماء ضريبة يجب أداؤها المسلمون جميعاً يشعرون أنهم ينتمون لهذا الدين، ويتشرفون بالانتساب إلى هذا الدين، ولو سألت أحدهم في مقام الإنكار عليه والجدل والخصومة، فقلت له: ألست بمسلم؟ لاستنكر منك هذا السؤال قائلاً: ومن يناقش في انتمائي لهذا الدين؟! لكن مَنْ مِنَ المسلمين يسأل نفسه السؤال بجد وصدق: وماذا يعني انتمائي لهذا الدين؟! وماذا يعني انتمائي لهذه الأمة؟! أليس يفرض علي الولاء لهذا الدين القيام بنصرة هذا الدين والذب عن حياضه والدعوة إليه، وإلا فما معنى أن أنتمي لهذا الدين؟! إن الناس يشعرون بأن للانتماء ضريبة، أرأيتم أصحاب الطوائف الضالة المنحرفة، أليسوا يشعرون أن عليهم بانتمائهم لهذه الطائفة أو تلك ثمناً لابد أن يدفعوه، ومن ثم يتعصبون لطائفتهم، ويدعون إلى معتقدهم، ويسعون إلى نشره بكل غال ورخيص، ويذبون عنه، ويدافعون عنه؟! أرأيتم أولئك الذين سيطرت عليهم اللغة الوطنية، فصار الواحد منهم لا يشعر بالانتماء إلا للتراب والوطن، أليس يشعر أن عليه أن يعمق ولاءه وانتماءه لوطنه، وأن يذب عنه بالحق والباطل، وأن يتعصب له؟! إذاً: ما بالنا -معشر الإخوة والأخوات- وقد شرفنا الله بأعظم انتماء -أن ننتمي لهذا الدين- ما بالنا لا ندرك ما يفرضه علينا انتماؤنا لهذا الدين؟ وماذا يعني كوننا مسلمين مؤمنين؟

стр. 714

عموم العقوبة بالمخالفة يوجب عموم حمل الأمانة لقد أخبر الله أن الناس حين يعرضون عن شرع الله ، وحين يرتكبون ما يخالف أمره ، يعمهم الله بالعقوبة، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، وقال تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف:١٠٠]. فمن سنة الله أن يعاقب الناس، وأن يهلكهم، وأن تعمهم العقوبة حين يتنكبون شرع الله ، فهذه العقوبة من يعاقب بها؟ أهي عقوبة للنخبة؟! أهي عقوبة لفئة خاصة من الناس؟! أم هي عقوبة للمجتمع كله قد تأتي عليه وتبيد الأخضر واليابس، وتهلك الصغير والكبير؟ نعم، إنها عقوبة للجميع. إذاً: فلنعي -أيها الإخوة- جميعاً أن مجتمعات المسلمين حين تعرض عن شرع الله ، وحين يظهر فيها الخلل، ويعلوا فيها الفساد، تكون مهددة بعقاب من الله ، ووعيد من الله ، هذا العقاب يعم الجميع، يعم الصغير والكبير، ويعم العالم ومن دونه. إذاً: إذا كانت العقوبة تعم الجميع، وإذا كانت العقوبة مهدداً بها الجميع، فالدور -إذاً- منوط بالجميع، والمسئولية والأمانة يجب أن يحملها الجميع سعياً في دفع عقوبة الله وغضب الله حين يعمل في الناس بالمعاصي وهم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا.

стр. 715

حمل الأمانة نجاة من غرق عام يضرب ﷺ مثلاً بليغاً للناس في مجتمعاتهم فيقول: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً فلم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً). فنحن جميعاً راكبون في هذه السفينة، ونحن جميعاً مطلوب منا أن نأخذ على أيدي أولئك الذين يريدون الفساد، ويريدون الفتنة، ويريدون الغرق، وإن الفتنة كل الفتنة هي الصد عن سبيل الله ، وإن الفتنة كل الفتنة تجهيل الناس بدينهم، وتجهيل الناس بأمر الله . إذاً: أيسوغ لواحد منا وهو يشعر أنه يركب هذه السفينة، وهو يشعر أن الخطر يعم الجميع، أيسوغ له أن يتخلى عن حمل الأمانة؟! فالجميع ما داموا راكبين في هذه السفينة يجب عليهم أن يحملوا الأمانة.

стр. 716

صور ونتائج للتنصل من القيام بواجب الأمانة يعرض الله علينا في كتابه الكريم صوراً من أولئك الذين تخلوا عن حمل الأمانة، ورأوا أنها موكولة إلى فئة خاصة، فعاقبهم الله ، وهم بنو إسرائيل، وقد ذكرنا موقفهم مع موسى حين ظنوا أن القضية إنما تعني موسى وهارون، فحين سلكوا هذا السبيل عاقبهم الله ، فتاهوا في الأرض أربعين سنة، فحين تخلوا عن الأمانة، وعن تحرير الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم -وهي أمانة لا تخص موسى وهارون ﵉، إنما هي أمانة في أعناقهم جميعاً- حين تخلوا عنها عاقبهم الله بأن تاهوا في الأرض أربعين سنة. وكذلك أولئك الذين قال الله عنهم: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٦٣ - ١٦٤] وكانت النهاية ما أخبر تعالى به في قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥]. ويخبر الله أن بني إسرائيل قد حقت عليهم لعنة الله، فيقول تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. معشر الإخوة الكرام! تلك نماذج تساق في مساق الذم، وفي مساق القدوة السيئة التي يراد لهذه الأمة أن تتجنبها، وألا تسير على طريقها، تساق تحذيراً لهذه الأمة، فما بالنا نقول بلسان حالنا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف:١٦٤]؟! ولماذا نفترض أن القضية تعني فلاناً وغيره، وإن لم يكونا على اسم موسى وهارون، فالمنطق هو المنطق، والسبيل هو السبيل، إنه سبيل أولئك الجبناء الذين كتب الله لهم الأرض المقدسة فاختاروا التيه والضلال، فتاهوا أربعين سنة عقوبة لهم على تخليهم عن حمل هذه الأمانة.

стр. 717

تفريط السابقين عظة لجيلنا ماذا نقول عن الأجيال السابقة؟ إننا جميعاً نتفق على ذم ذاك الجيل الذي كان على يديه إضاعة بلاد الأندلس بوابة المسلمين إلى أوروبا، ولا يزال الصغار والكبار يقرءون في التاريخ ذم أولئك الذين خانوا المسلمين وخانوا الأمة كلها، فتحولت تلك البلاد. حيث المساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيس وصلبان حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان فماذا نقول نحن عن أولئك الذين ضاعت على أيديهم تلك البلاد التي وطئتها أقدام أصحاب رسول الله ﷺ ؟! يقول ابن عمر ﵄: أرتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان. لقد جاب أصحاب النبي ﷺ تلك البقاع التي نسمع عن مؤامرة بها تحاك ضد إخواننا المسلمين هناك. فماذا نقول عن الذين أضاعوا ذلك المجد؟! وماذا نقول عن أولئك الذين ساهموا بقصد أو بغير قصد في حياكة ونسج أكفان الخلافة الإسلامية حتى تفرقت الأمة الإسلامية شذر مذر، وتفرقت إلى شيع وأحزاب يلعن بعضها بعضا، ويقتل بعضها بعضا؟! ماذا نقول عن أولئك؟! وماذا نقول عن أولئك الذين أضاعوا أولى القبلتين وثالث الثلاثة المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها؟! إذاً: ما دمنا ننعى على من كانوا وراءنا، وما دمنا نرى أنهم يتحملون تلك المسئولية، فيا ترى! ماذا سيقول الجيل الذي يلينا عنا؟! ألا يحق له أن يتحدث عنا باللغة نفسها؟! ألا يحق له أن يصفنا بما نصف به نحن أولئك؟! وما الذي يميزنا عن غيرنا؟!

стр. 718

رحابة ميدان نفع الأمة إننا نرى أن ثمة مجالات عدة في حياة المسلمين يمكن أن تسهم في خدمة الأمة، ويمكن أن تسهم في نصر هذا الدين والذب عنه، فالأمة تحتاج لكل الوظائف والتخصصات والأدوار، وما من أحد يجيد فناً من فنون الدنيا، أو علماً من علومها، أو ينبغ في ميدان من ميادينها إلا ويرى أن ساحة الأمة الواسعة الفسيحة سيجد فيها مكاناً رحباً يمكن أن يؤدي من خلاله دورا، ويمكن أن يسهم من خلاله في أداء الأمانة وحملها. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا -إذاً- يخص الأمر نخبة خاصة من الناس؟! فالأمة تحتاج لكل الطاقات، وكل التخصصات، وكل المواهب، والأمراض التي حلت بهذه الأمة هي أوسع وأشمل من أن يحيط بها فئة محدودة من الناس، أو نوع معين من الناس من أصحاب القدرات الخاصة، فإذا كان ذلك كذلك فالأمانة -إذاً- يحملها الجميع. معشر الإخوة الكرام! أشعر أن عقارب الساعة يدفع بعضها بعضا، وأرى أنني مضطر إلى الوقوف عند هذه النقطة، والاكتفاء بهذه المقدمات الثمان التي توصلنا إلى النتيجة التي نريد أن نصل إليها، وهي التي توصلنا إلى الإجابة عن هذا السؤال الذي طرحناه أول الحديث: (من يحمل الأمانة)؟

стр. 719

صور من الأمانة يجب على المسلمين حملها

стр. 720

حفظ المجتمع وحمايته من الفساد ننتقل بعد ذلك للإشارة إلى صور من الأمانة التي يجدر بالأمة أن تحملها، وأن تتواصى الأمة كلها بأن تحملها، وأن تقوم بها وبأدائها، وهي صور على سبيل المثال لا الحصر، فالمقام لا يتسع لأكثر مما نورد، والمقام يدعونا إلى الإشارة، والحر تكفيه الإشارة. من الأمانات المهمة التي ينبغي أن يتحملها المجتمع كله وأن تتحملها الأمة كلها: المحافظة على المجتمع وحمايته من الفساد. أسألكم جميعاً معشر الإخوة الكرام، وأوجه سؤالي للأخوات والإخوة جميعاً: أفيكم أحد مرت به ساعة شك فيها، أو أحتاج إلى من يثبت له أن مجتمعات المسلمين مستهدفة؟! أيشك أحدنا أن هذه المجتمعات يراد لها أن تغوص في أوحال الرذيلة والفساد، وأن تتخلى عن دينها؟! كيف نشك في ذلك ونحن نقرأ قول الله الذي لا يبدل القول لديه -وكتاب الله ما فيه إلا صدق وحق، ولا مجال فيه للمناقشة والمراجعة-: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وقول الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]. فإذا كان هناك يهود ونصارى فلن يرضوا عن هذه الأمة حتى تتبع ملتهم، فارتماء الأمة في أوحال الفساد والرذيلة، وتخليها عن دينها، واختيارها للشعارات الأرضية الباطلة، كل هذا لا يكفي ولا يرضيهم، فلا بد أن يسوقوا الأمة إلى أن تتنصر أو تتهود. وها نحن نرى صور الفساد وتيارات الهدم والفتن تتوارد على مجتمعات المسلمين، ولستم بحاجة إلى أن أثير أشجانكم بذكر الأمثلة والصور والتناقضات، ويكفي أحدنا دلالة على ذلك أن يخرج إلى شارع من شوارع المسلمين، وإلى سوق من أسواقهم، وإلى مجتمع من مجتمعاتهم؛ ليرى نتاج هذا الغزو، ونتاج هذا التدمير الذي يراد بهذه الأمة. فهذه المجتمعات المسلمة مستهدفة، ومجتمعاتنا يراد لها أن تتنكب الطريق، إذاً: فمن المسئول عن الحفاظ على المجتمع؟! ومن المسئول عن الدفاع عن المجتمع؟! ومن الذي ينبغي عليه أن يقف في خندق الدفاع عن هذا المجتمع، وعن عقيدته ودينه وخلقه وسلوكه؟! ومن المخاطب بذلك؟! أليس أبناء المجتمع كلهم؟! أليس المسلمون كلهم ينبغي عليهم أن يقفوا صفاً واحداً في الميدان؟! إذاً: فالأمانة الأولى -معشر الإخوة الكرام- أمانة نتحملها جميعاً، وهي أن نقف جميعاً في خندق الحماية والذب والدفاع عن حرمات هذا المجتمع، وعن دينه، وعن عقائده، وعن خلقه، وأن نقف في وجه هذه الحملة الغاشمة الظالمة التي تسعى لاقتلاع مجتمعات المسلمين، ولو أن المسلمين جميعاً أدركوا الأمانة والدور والمسئولية لما استطاع أولئك أن يصنعوا شيئاً، ولارتدت سهام أولئك في وجوههم، ولارتدت إلى نحورهم.

стр. 721

نشر العلم والدين ثانياً: نشر العلم والدين وتعليمه مسئولية الجميع: فمسئوليتنا جميعاً أن نساهم في نشر هذا العلم، ولئن كان هذا الأمر يخص أهل العلم بصفة أخص، فنحن جميعاً لا نعفى من المسئولية، فبعضنا لا يملك علماً ولكنه يملك المال الذي يستطيع من خلاله أن يطبع، ويستطيع من خلاله أن يوظف من يعمل على نشر هذا العلم. فنحن نملك الخدمات التي يمكن أن نقدمها لتسهيل مهمة أولئك الذين ينشرون العلم، ويقدمونه للناس جميعاً، ونحن بحاجة إلى أن نعلم الناس أحكام دينهم، وأن نعلم الناس معتقداتهم، وأن نعلم الناس أن يعتقدوا أن الله واحد لا شريك له ولا رب سواه، وأن يعتقدوا أن الله متصف بالأسماء الحسنى والصفات العلى، وأن يعتقدوا أن أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم هم أفضل الناس وخير الناس وأبر الناس، وأن يعتقدوا أن أبر الناس وأطهر الناس بعد رسل الله هم أصحاب النبي ﷺ ، أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوماً اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ . وأن نعلم الناس أحكام العبادة، وأحكام الطهارة والصلاة، وأن نعلم الناس ما يحل وما يحرم عليهم في معاملاتهم، وفي بيعهم وشرائهم، وفي حديثهم ومنطقهم، وفي أخلاقهم وسلوكهم، وأن نعلم الناس دين الله ، وهو دور يمكن أن يقوم به الجميع، وأن يساهم به الجميع، من خلال نشر العلم، ومن خلال عقد حلق العلم ودروسه ومجالسه وإحلالها، ومن خلال المساهمة بالمال، والمساهمة بالرأي، والمساهمة بالتشجيع والتأييد. إنني أجزم -مشعر الإخوة الكرام- بأننا كلنا جميعاً نستطيع أن نساهم بأداء هذا الدور، نعم نستطيع أن نساهم في نشر هذا العلم، وتعليم الناس دين الله ، في وقت يراد للأمة فيه أن تجهل دينها، ويراد للأمة فيه أن يتحول الدين إلى قضايا هامشية، وإلى قشور كما يدعي أولئك أخزاهم الله .

стр. 722

بيان الحق والدين الأمانة الثالثة: بيان الحق والدين: إن من حق الأمة أن تسمع كلمة الحق واضحة، وإن من حق الأمة أن تعلم دينها؛ فلقد أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا العلم ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧]، وعاب الله على أولئك الذين لم يفوا بهذا الميثاق، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧]. لقد عاب الله على أولئك الذين يكتمون ما أنزل الله فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠]، فلا تقبل توبتهم إلا إذا بينوا، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران:٧٧]. إذاً: مع هذا الوعيد الشديد -معشر الإخوة الكرام- على كتمان ما أنزل الله ، ومع هذا الذم لأولئك الذين أخذ عليهم الميثاق أن يبينوا للناس دين الله ولا يكتمونه، مع ذلك كله لا يبقى لأحد من هذه الأمة عذر في أن يعلم أمراً مما أنزله الله فيكتمه. فلماذا أنزل الله هذا الدين؟! ولماذا أنزل الله هذه النصوص التي تأمر الناس بالخضوع لله وحده دون سواه؟! أليس من حق الناس أن يعلموا ما أنزل الله إليهم؟! لماذا أنزل الله هذه النصوص التي تأمر بالاحتكام إلى شرع الله ، ونبذ التحاكم إلى ما سواه؟! أليس من حق الناس أن يعلموا هذا؟! أليس مما أنزل الله على المسلمين جميعاً أن يتبرءوا من كل كافر؟! فلماذا لا يعلم الناس ما أنزل الله إليهم؟! أليس مما أنزل الله على الناس ألا يأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة؟! أليس من واجب من آتاه الله علماً أن يبين للناس ما نزل إليهم؟! أليس مما أنزل الله على الناس أن تحتشم المرأة، وأن تتحجب، وأن تبتعد عن أعين الرجال؟! أليس من واجب من آتاه الله علماً أن يبين للناس ما نزل إليهم؟! وقل مثل ذلك في كل ما أنزله الله . إذاً: فكل ما أنزله الله في كتابه، وجاءت به سنة رسوله ﷺ هو حق يجب أن يعلمه الناس كل الناس، ولولا ذلك لما أنزله الله في آيات تتلى إلى يوم القيامة، وحين نكتم عن الناس هذا الأمر نستحق لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩]. أيحق بعد ذلك لأحد من هذه الأمة صغيراً كان أو كبيراً أن يكتم أمراً مما أنزله الله؟! وأن يكتم أمراً من دين الله ؟! فتبليغ دين الله فرض على الأمة كلها، وإن من حق الأمة كلها أن تسمع لما أنزل الله .

стр. 723

نقل الدين إلى المجتمعات الضالة ومن صور الأمانة التي تتحملها الأمة كلها: نقل هذا الدين إلى سائر المجتمعات: فكم يموت من الناس -معشر الإخوة الكرام- في العالم بأسره كل يوم على الشرك والكفر! وكم يموت كل يوم ممن لا يعلمون شيئاً عن دين الله ! وكم يموت كل يوم من أولئك الذين يعتقدون أن نبيهم هو المرزا غلام أحمد، أو الذين يعتقدون أن معبودهم هو بهاء الله، أو الذين يمرغون جباههم عند قبر الحسين وعند مراقد الأئمة! وكم يموت كل يوم من أولئك الذين يطوفون على قبور من يزعمون أنهم أولياء! وكم من الناس من يموت على النصرانية، أو على البوذية، أو على الإلحاد في العالم بأسره ممن لم يسمع كلمة الحق واضحة، وممن لم يدع إلى دين الله ! فتبليغ هؤلاء مسئولية من؟! ودعوة هؤلاء واجب من؟! أهي واجب فئة خاصة وطائفة خاصة، أم هي واجب هذه الأمة أجمع؟! وفي هذا العصر عصر الانفجار الهائل لوسائل الاتصال، ونقل المعلومات، والذي أصبح العالم فيه قرية واحدة كما يقال، تخلينا -معشر المسلمين- لتبقى قنوات الفضاء، ووسائل الاتصال، والأجهزة الحديثة حكراً على دعاة الفاحشة والرذيلة، أو على دعاة التنصير أو التضليل والدعاية، أما أهل المنهج الحق الذين حملهم الله تبليغ هذا الدين للأمة كلها فقد غفلوا عن قول قائلهم وقد وقف بفرسه على المحيط: والله! لو أعلم أن خلف هذا البحر قوماً لخضته إليهم؛ لأدعوهم إلى دين الله . فمسئولية من -معشر الإخوة الكرام- وأمانة من دعوة هذا العالم بأسره إلى دين الله ؟! أليست مسئولية المسلمين أجمعين؟! أليست أمانة في أعناق المسلمين أجمعين صغيرهم وكبيرهم؟!

стр. 724

عوائق في طريق القيام بأمر الله تعالى

стр. 725

اعتقاد اختصاص العلماء بالدعوة والبلاغ بعد أن تحدثنا عن الإجابة على السؤال الأول (من يحمل الأمانة؟) ثم ذكرنا صوراً من الأمانة التي يجب على المسلمين أن يساهموا في حملها، نطوف سريعاً حول بعض المفاهيم الخاطئة، والعوائق التي تعيق الناس عن القيام بأمر الله : فمن ذلك اتكاؤهم على أهل العلم وحدهم، فما إن تثار قضية من القضايا حتى يقول الناس: إن هذه مسئولية العلماء، فأين العلماء، وأين الدعاة؟ وإني أسألكم الآن وقد ملأتم هذا المسجد: هذا الحضور كم فيه من متخرج من كليات شرعية ودراسات شرعية؟! وكم فيه ممن يدرك مسئولية الدعوة؟! وكم فيه من أستاذ ومن موظف ومن مسئول؟! لو قام هؤلاء الذين حضروا معنا في هذا المسجد، والذين يضيق بهم هذا المكان بدورهم؛ لرأينا أن هذه الرسالة تبلغ إلى كل مدرسة، وتبلغ الأستاذ والطالب، ولرأينا هذه الرسالة تبلغ كل مؤسسة، وكل حي، وكل مكان. أقول -معشر الإخوة الكرام-: إن إحالة الدور على أهل العلم والدعاة وحدهم ليس إلا صورة من صور التخلي عن الأمانة والمسئولية، أفلا يستطيع أحدنا أن يقول كلمة صادقة يريد بها وجه الله ؟! أو ينفق مالاً يريد به نصرة دين الله ؟! أو يقف عاضداً ومعيناً لمن يدعو إلى الله ؟! أليس فينا مثل ذاك الذي قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨]؟! أليس فينا مثل ذاك الذي جاء من أقصى المدينة يقول: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١]؟

стр. 726

الاكتفاء بنصرة الله لدينه دون العمل وهناك مقولة ثانية لا أجد لها شبهاً إلا مقولة عبد المطلب حين جاء أبرهة ليهدم البيت، حيث جاء عبد المطلب إلى أبرهة وقد أخذ أبرهة إبله، فظن أبرهة أن هذا الرجل سيناقشه في قضية البيت، وإذا به يثير قضية الإبل، يثير القضية الخاصة والهم الخاص، فاستغرب أبرهة هذا الموقف، فقال له: كنت أظن أن تحدثني عن البيت! فقال: أنا رب هذه الإبل، وللبيت رب يحميه. إن هذا المنطق هو المنطق السائد عند كثير من المسلمين الذين لا يهم أحدهم إلا مصالحه الخاصة، وقضاياه الخاصة، أما الدين فهو دين الله ينصره الله ، وليس عليه إلا الدعاء إن كان ثمة دعاء، أما العمل والجهد والبذل فليس إلا في مصالحه وحوائجه الخاصة.

стр. 727

السلامة في آلام الدعوة إلى الله قد يشعر المرء بتبعة عظيمة حين يساهم في حمل الأمانة، فمن يعمل لابد أن يقع في الخطأ، ولابد أن يتعرض للخطأ؛ لأنه بشر، ولابد أن يصيبه ما يصيب من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من الأذى ونحو ذلك، فالمقصود أن هذا طريق له تبعات، وحينها يقول: السلامة لا يعدلها شيء. فيؤثر السلامة من ذلك كله، ويرى أن عدم دخوله هذا الميدان يريحه من هذه الأعباء، ووالله! ما سلم، بل السلامة في الدخول في هذا الميدان، أويظن أن تنكبه هذا الطريق يعني السلامة؟! ومتى كان التخلي والنكوص عن القيام بالأمانة سلامة؟! نعم قد يسلم الإنسان من التبعة في الدنيا، وقد يسلم من أن يصمه الناس بالخطأ، وقد يسلم من أن يتحمل مضاضة ونتيجة عمل عمله يريد به وجه الله ، لكنه لن يسلم حين يسأل يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟! فيقول: يا رب! خشية الناس.

стр. 728

دين الله لا يناط بأشخاص إذاً: معشر الإخوة الكرام! هذا الدين دين الله ، ونحن جميعاً ننتمي لهذه الأمة، وننتمي لهذا الدين، فالأمانة أمانتنا جميعاً، والمسئولية مسئوليتنا جميعاً، فينبغي أن نساهم فيها، وألا نعلق القضية على شخص بعينه، أو فرد محدد، فالأمة لا تتعلق بالأشخاص حتى النبي ﷺ ، فحين ظن الناس يوم أحد أنه مات كان مصعب بن عمير يقرأ قول الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]. وقال أنس بن النضر ﵁: وماذا تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا وموتوا على ما مات عليه. وتلا أبو بكر الصديق ﵁ هذه الآية يوم موت رسول الله وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. فلئن كانت القضية غير متعلقة بشخص محمد ﷺ نبي هذه الأمة، الذي يجب على المسلم أن يكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين؛ فما بالكم بغيره؟! إذاً: فلا يسوغ أن تعلق الأمة قضيتها بفرد أو فردين، ولا يسوغ أن تعلق الأمة قضيتها بنخبة من النخب، بل هي قضية الأمة كلها، وأمانة الأمة كلها، وهل تجد الأمة أزكى من موسى وهارون؟! ومع ذلك حين تخلى قومهما عن الأمانة والمسئولية لم يستطع موسى ﵇ إلا أن يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:٢٥]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وأترك بقية الوقت للإجابة على بعض ما ورد من أسئلة الإخوة.

стр. 729

الأسئلة

стр. 730

تعدد ميادين الدعوة وفق قدرات الدعاة السؤال نرجو من فضيلتكم توجيه كلمة إلى من قد أصيب بفتور وإحباط تجاه حمل هذه الأمانة بمجرد أن حدث له أمر أصاب شخصيته بين فئة من الناس، واعتقد في نفسه أنه لا يصلح لحمل هذه الأمانة؟ الجواب الأمانة ليست قضية محددة واحدة إما أن يطيقها الإنسان أو لا يطيقها، بل هي مراتب ودرجات. إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع فحين يعجز الإنسان عن القيام بدور وعمل ومهمة؛ فإن هذا لا يعني أنه أصبح امرأً فاشلاً لا يطيق غير ذلك، فأمامه ميادين أخرى وفرص أخرى يمكن أن يؤدي الأمانة والعمل من خلالها، وليس أداء الأمانة والعمل لنصرة هذا الدين حكراً على أسلوب معين، أو طريقة بعينها.

стр. 731

توجيه لطالب العلم في الدعوة إلى الله السؤال هل من كلمة -حفظكم الله- لطلبة العلم الذين لا يخرجون زكاة علمهم، معللين ذلك بانشغالهم في التحصيل والطلب، وجزيتم خيرا؟ الجواب لا يمكن أن يصل الإنسان أبداً إلى مرحلة يشعر من خلالها أنه قد أتم التحصيل والطلب، فالإنسان لا يزال يرى أنه بحاجة للمزيد، وكلما ازداد علماً رأى أنه بحاجة إلى أن يزداد أكثر، إذاً: فلن يصل الإنسان إلى تلك المرحلة التي يرضى فيها عن نفسه، والأمة تنحط، ومجتمعات المسلمين تعاني، وحين ندعو جيل الصحوة إلى أن يتفرغ كلياً، وينقطع عن القيام بهذه الأدوار المحمودة، حينها من سيتصدى للناس، فيدعوهم ويأمرهم، ويقضي حوائجهم، وينكر المنكرات، ويعين على نشر الدين والحق؟! لا شك أنك لن تجد أحداً أبداً في هذه الأمة يزعم أو يدعي أو يرى أنه قد اكتفى من العلم، مهما بلغ علمه وعلا شأنه. والمقصود أن الإنسان يمكن أن يعمل ويجمع بين هذين الأمرين، فيجمع بين التحصيل وتعلم العلم والقيام بهذا الدور، بل إن الإنسان عندما ينعزل كلياً، ويوقف وقته وجهده على مجرد التحصيل، لا يلبث أن يتبلد إحساسه بعد ذلك، ولا يلبث أن يصيبه الخمول والفتور، فتراه يحمل علماً غزيراً، لكنه لا يمكن أن يجد في نفسه الحماس للقيام به، ونشره، ودعوة الناس إليه.

стр. 732

بيان ما يمكن للمسلم فعله من دعوة غيره في حال كثرة شواغله السؤال قد يشتغل الإنسان بعمله أو دراسته عن أن يكون نشيطاً في مجال الدعوة، وهو يشعر أنه مقصر، ولكنه لا يستطيع الجمع بين عمله أو دراسته، وبين أن يكون نشيطاً في الدعوة، فنرجو من فضيلتكم أن ترشدونا إلى حد أدنى يستطيع الإنسان أن يقوم به مع اختلاف عمله وشواغله؟ الجواب أولاً: الإنسان يمكنه أن يدعو ويخدم هذا الدين في بيته أولاً، في تربيته لأهله، وإعدادهم، وفي مجال عمله إن كان موظفاً، أو طالباً، أو مدرساً، أياً كان فهو يمكن أن يعمل في مجال عمله وميدان عمله، ولماذا نرى الدعوة ميداناً آخر غير الميدان الذي نحن فيه؟! وبعد ذلك لابد أن تبقى له فضول أوقات، فعليه أن يستثمر جزءاً من فضل وقته مما يفضل عن عمله يقوم فيه بجهد لخدمة دين الله . ولو أن كل إنسان قام بالدعوة في ميدان عمله لغطينا المجتمع كله؛ لأن الناس في المجتمع إما أن يكونوا طلاباً، أو موظفين، أو عاملين في قطاعات معينة، فلو أن التاجر -مثلاً- في سوقه قام بالدعوة في ميدانه، وكذلك المدرس، والطالب، والموظف، والمرأة في مدرستها، وفي حيها، وفي أسرتها؛ لبلغت الدعوة الجميع.

стр. 733

الموقف المطلوب عند هلاك قادة الأمة السؤال هناك أناس قد نافحوا عن الإسلام وتصدروا لهذه الصحوة، ثم أتت عليهم رياح فاقتلعتهم، ثم أصيب بعض المسلمين بإحباط بسبب هذا، فهل فعلهم صحيح؟ الجواب لا شك أن هذا دليل على مرض في الأمة أشار إليه مالك بن نبي ﵀ بقوله: إن الأمة تتعلق بالأشخاص. فالمسلمون دائماً يندبون فيقولون: قم يا صلاح الدين. ويتمنون أن يرزق الله هذه الأمة قائداً مثل صلاح الدين؛ حتى يعيد لها مجدها، ولكن لم تفكر الأمة يوماً من الأيام أنه يمكن أن يكون بين يديها صلاح الدين، فإذا كان هناك ناس اقتلعتهم الرياح، فماتوا، أو مضوا، أو أصابهم ما أصابهم، فهل الأمة عاجزة عن أن تخرج من يقوم بهذا الدور؟! ما عقمت نساء المسلمين، وما توقف الأمر، ولكن مشكلة الأمة أن تعلق قضيتها بشخص أو بشخصين أو بأشخاص، كما قال ﷺ : (إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). لكن حين نقوم، وننشر العلم، ونتعلمه، وندعو إليه، ونسعى إلى تحصيله؛ فإننا لا نلبث حتى نسد هذا الفراغ الذي تركه أولئك. ألم يكن في الأمة مثل الإمام أحمد ويزيد بن هارون وغيرهم ممن كان لهم دور فماتوا، فأوجدت الأمة بعدهم من قام بالأمانة؟! ألم يكن فيها مثل شيخ الإسلام والعز بن عبد السلام ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم؟! وما تلبث الأمة حتى تخرج لنا في كل عصر ووقت ومصر أفذاذاً من هؤلاء، فلئن مضى أولئك، وتوسدوا الثرى، وطوتهم الأحداث والسنون، فإن الأيام كفيلة بأن يأتي غيرهم، وحين نعلق القضية بأشخاص فأننا لا يمكن أن نصنع شيئاً.

стр. 734

توجيه للمرأة في القيام بدورها السؤال نريد كلمة للنساء تحثهن فيها على الاهتمام بالأمانة، ولزوم الطاعة؟ الجواب لا شك أن المرأة تقوم بدور مهم، والمرأة تقف على بوابة خطيرة من بوابات الأمة، وعلى ثغر من ثغور الأمة، فهي أم الأسرة، وهي مربية الأجيال، إن كل فتاة تخرج إلى هذا المجتمع لها أم، وإن كل شاب يخرج إلى هذا المجتمع له أم، فحين تقوم هذه الأم بدورها، وتشعر بمسئوليتها أولاً في بيتها في إعداد هذا الجيل وهذا النشء، وفي إصلاح أبنائها وبناتها وتربيتهم، وفي إصلاح زوجها ودعوته، وإعانته على طريق الخير والحق، ثم في دعوة بني جنسها، ونشر الدين والخير بينهن، فإنها تقوم بدور مهم لا يمكن أن تستغني عنه الأمة.

стр. 735

دور الكتاب الموجه لحمل الأمانة السؤال هناك بعض الكتب الخاصة بإلقاء بعض الدروس في مناسبات خاصة، مثل دروس شهر رمضان، وكتب أخرى في الخطب، فهلا وضعت وصنفت لنا كتاباً ليقرأ في اجتماعات الأحياء المنتشرة، ولله وحده الحمد والثناء، ففي هذه المنطقة وغيرها يهتم الناس بالأمور التربوية، بارك الله فيكم وفي علمكم وجهودكم؟ الجواب هناك كتب كثيرة موجودة من كتب السلف، والكتب المعاصرة، كتب كثيرة تخدم، ويمكن أن تفيد الناس، وما أظن -والله- أن القضية توقفت عند وجود كتاب مناسب يقرأ فيه، لكن لو تصدى أحد لهذا الأمر؛ فذلك أمر حسن، والحمد لله فالناس فيهم خير كثير، ويمكن أن نجد من يقوم بهذا العمل، ولماذا تكون هذه القضية وقفاً على فلان أو غيره من الناس؟! فهذا الأمر حسن، ولكن ينبغي ألا ننتظر مثل هذه الأمور، فالكتب كثيرة -سواء من كتب السلف والكتب المعاصرة- مما لو قرئ على الناس؛ لأفادهم كثيراً في أي باب من الأبواب التي تريد أن تخاطب الناس بها.

стр. 736

نجاة المصلحين السؤال هل العقوبة تكون عامة حتى للمصلحين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧]، وقال تعالى: ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هود:٥٨]؟ الجواب لا، المصلحون ينجيهم الله ، كما في الآية التي استشهد بها السائل، لكن الذين كانوا صالحين في أنفسهم، ولم ينكروا، ولم يقوموا بدورهم معرضون للهلاك مع أولئك.

стр. 737

بيان ما ينبغي للطالب الجامعي فعله للقيام بدوره السؤال أنا طالب جامعي، فما هو الدور الملقى علي في حمل هذه الأمانة، وما هي حدود هذا الدور؟ الجواب أولاً: أن تحرص وتجتهد في دراستك، وتحتسب النية لله ، فإن كنت في تخصص شرعي ودراسة شرعية فأنت تتعلم علماً شرعياً تحتاج الأمة إليه، وإن كنت على غير ذلك؛ فالأمة -أيضاً- لا تستغني عن طاقتك، فالمطلوب أن يحرص الأخ على أن يتقن تخصصه، ويبدع فيه؛ حتى ينفع الأمة من خلاله، ثم بعدما يتخرج من هذه المرحلة وهذه الدراسة يمكن أن يقدم خيراً، وينفع هذه الأمة أياً كان دوره، وأياً كان تخصصه. ثم يأتي دوره مع زملائه داخل الجامعة، ودوره مع الناس جميعاً، فيمكن أن يقول كلمة طيبة، أو يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر، أو يسعى إلى نشر علم أو بيان حق في حيه، وفي منزله، وفي أسوار الجامعة بين زملائه، ولكن أؤكد على القضية الأولى: أن يحرص على إعداد نفسه، واغتنام هذه الفرصة وهذه الدراسة، بأن يبدع في تخصصه ودراسته أياً كانت؛ حتى ينفع الله به الأمة.

стр. 738

دواء مرض الخوف من آثار حمل الأمانة السؤال إن هاجس الخوف الذي يدب في كثير من النفوس يقف حاجزاً أمام تطبيق هذه التوجيهات القرآنية والنبوية، فكيف الخلاص من هذا الهاجس؟ الجواب الخلاص من هذا الهاجس يكون باستحضار قول الله : ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤].

стр. 739

حاجة الأمة إلى تصحيح المسار في كل شئونها السؤال أترون أن هذه الصحوة تحتاج إلى أن تتربى عقدياً قبل أن تنطلق في سبيل الدعوة، وما هو تعليقكم حول هذا؟ الجواب أمراض الأمة كثيرة في كل الجوانب، ولا نهمش الأمة في قضية واحدة، فالأمة بحاجة إلى عناية بالعقيدة، وبحاجة إلى العناية بالخلق والسلوك، وبحاجة إلى تصحيح العبادة، وبحاجة إلى تصحيح كل هذه الأمور. أسأل الله في هذا المقام الكريم المبارك أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل مجلسنا هذا الكريم المبارك من المجالس التي يباهي بها ملائكته ، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأسأله في هذا المقام الكريم المبارك وهذا الجمع المبارك أن يكتب النصر والعز والتمكين لأمة المسلمين. اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك وقد اجتمعنا في انتظار فريضة من فرائضك، وقد اجتمعنا على مجلس نتذاكر فيه وعدك ووعيدك وأمرك ونهيك، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تكشف هذه الغمة عن المسلمين. اللهم لا تدع من المسلمين جائعاً إلا أطعمته، ولا خائفاً إلا أمنته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا أسيراً إلا أطلقته وفككت وثاقه يا أرحم الراحمين، ولا عدواً ومنافقاً إلا أهلكته وفضحته وهتكت ستره يا رب العالمين. اللهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وعزك الذي لا يرام، اللهم ارحم الأمهات الباكيات، اللهم ارحم الأسر الثكالى، أولئك الذين أصيبوا بأبنائهم وفلذات أكبادهم، ما بين قتيل وأسير ومصاب، اللهم اكتب النصر والعز والتمكين لهذه الأمة، وارفع عنها الظلمة والغشاوة، اللهم عليك بأعدائك الذين يصدون عن سبيلك، ويعادون أولياءك، اللهم عليك بهم، اللهم افضح سترهم واخزهم أمام الناس يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 740

آفات الأخوة الأخوة في الله مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام، يقوم عليه الولاء والبراء والحب والبغض، وهذا المبدأ قد حيي بإذن الله مع وجود جيل الصحوة بعد أن كادت تطغى الروابط القبلية والحزبية وغيرها من روابط الجاهلية، لكن هذه الأخوة لها آفات كثيرة تجعلها قاصرة لا تؤتي ثمارها، بل قد تعود عليها بالإبطال، ولذا يجب التنبه لها والحذر منها.
следующие страницы →