← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

نجاة المصلحين السؤال هل العقوبة تكون عامة حتى للمصلحين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧]، وقال تعالى: ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هود:٥٨]؟ الجواب لا، المصلحون ينجيهم الله ، كما في الآية التي استشهد بها السائل، لكن الذين كانوا صالحين في أنفسهم، ولم ينكروا، ولم يقوموا بدورهم معرضون للهلاك مع أولئك.

стр. 737

بيان ما ينبغي للطالب الجامعي فعله للقيام بدوره السؤال أنا طالب جامعي، فما هو الدور الملقى علي في حمل هذه الأمانة، وما هي حدود هذا الدور؟ الجواب أولاً: أن تحرص وتجتهد في دراستك، وتحتسب النية لله ، فإن كنت في تخصص شرعي ودراسة شرعية فأنت تتعلم علماً شرعياً تحتاج الأمة إليه، وإن كنت على غير ذلك؛ فالأمة -أيضاً- لا تستغني عن طاقتك، فالمطلوب أن يحرص الأخ على أن يتقن تخصصه، ويبدع فيه؛ حتى ينفع الأمة من خلاله، ثم بعدما يتخرج من هذه المرحلة وهذه الدراسة يمكن أن يقدم خيراً، وينفع هذه الأمة أياً كان دوره، وأياً كان تخصصه. ثم يأتي دوره مع زملائه داخل الجامعة، ودوره مع الناس جميعاً، فيمكن أن يقول كلمة طيبة، أو يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر، أو يسعى إلى نشر علم أو بيان حق في حيه، وفي منزله، وفي أسوار الجامعة بين زملائه، ولكن أؤكد على القضية الأولى: أن يحرص على إعداد نفسه، واغتنام هذه الفرصة وهذه الدراسة، بأن يبدع في تخصصه ودراسته أياً كانت؛ حتى ينفع الله به الأمة.

стр. 738

دواء مرض الخوف من آثار حمل الأمانة السؤال إن هاجس الخوف الذي يدب في كثير من النفوس يقف حاجزاً أمام تطبيق هذه التوجيهات القرآنية والنبوية، فكيف الخلاص من هذا الهاجس؟ الجواب الخلاص من هذا الهاجس يكون باستحضار قول الله : ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤].

стр. 739

حاجة الأمة إلى تصحيح المسار في كل شئونها السؤال أترون أن هذه الصحوة تحتاج إلى أن تتربى عقدياً قبل أن تنطلق في سبيل الدعوة، وما هو تعليقكم حول هذا؟ الجواب أمراض الأمة كثيرة في كل الجوانب، ولا نهمش الأمة في قضية واحدة، فالأمة بحاجة إلى عناية بالعقيدة، وبحاجة إلى العناية بالخلق والسلوك، وبحاجة إلى تصحيح العبادة، وبحاجة إلى تصحيح كل هذه الأمور. أسأل الله في هذا المقام الكريم المبارك أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل مجلسنا هذا الكريم المبارك من المجالس التي يباهي بها ملائكته ، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأسأله في هذا المقام الكريم المبارك وهذا الجمع المبارك أن يكتب النصر والعز والتمكين لأمة المسلمين. اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك وقد اجتمعنا في انتظار فريضة من فرائضك، وقد اجتمعنا على مجلس نتذاكر فيه وعدك ووعيدك وأمرك ونهيك، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تكشف هذه الغمة عن المسلمين. اللهم لا تدع من المسلمين جائعاً إلا أطعمته، ولا خائفاً إلا أمنته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا أسيراً إلا أطلقته وفككت وثاقه يا أرحم الراحمين، ولا عدواً ومنافقاً إلا أهلكته وفضحته وهتكت ستره يا رب العالمين. اللهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وعزك الذي لا يرام، اللهم ارحم الأمهات الباكيات، اللهم ارحم الأسر الثكالى، أولئك الذين أصيبوا بأبنائهم وفلذات أكبادهم، ما بين قتيل وأسير ومصاب، اللهم اكتب النصر والعز والتمكين لهذه الأمة، وارفع عنها الظلمة والغشاوة، اللهم عليك بأعدائك الذين يصدون عن سبيلك، ويعادون أولياءك، اللهم عليك بهم، اللهم افضح سترهم واخزهم أمام الناس يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 740

آفات الأخوة الأخوة في الله مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام، يقوم عليه الولاء والبراء والحب والبغض، وهذا المبدأ قد حيي بإذن الله مع وجود جيل الصحوة بعد أن كادت تطغى الروابط القبلية والحزبية وغيرها من روابط الجاهلية، لكن هذه الأخوة لها آفات كثيرة تجعلها قاصرة لا تؤتي ثمارها، بل قد تعود عليها بالإبطال، ولذا يجب التنبه لها والحذر منها.

стр. 741

طلب الكمال والمثالية الآفة الثانية: طلب الكمال والمثالية: إن البعض حين يسمع عن حقوق الأخوة في الله، وعن ثمراتها في الدنيا، ويسمع عن أخلاق المتحابين في الله، يوهم نفسه أنه سيعيش في جنة من الحب والود والرخاء، سيعيش مع رفقة لا يمكن بحال أن يسمع من أحدهم كلمة جارحة، أو يرى من أحدهم زلة أو يدرك منه هفوة، فهو يطمح إلى أن يكونوا إخواناً على سرر متقابلين، ويفاجأ فيما بعد بخلاف ما كان يحلم به، فيحتمل الأولى، ويصبر على الثانية، ويقبل الثالثة على مضض، وتأتي الرابعة بعد ذلك، فتقول له: إن أولئك ليسوا جادين، إن أولئك لا يعرفون حق الأخوة، ولا معاني الأخوة، إن هذه الأخوة طلاء خارجي، إنها تزويق ومخادعة أكثر من أن تكون محبة صادقة، ولو كان واقعياً مع نفسه لرأى أن السبب في ذلك أنه كان يتطلع إلا ما لا يمكن أن يحصل في دار الدنيا، ولو كان واقعياً لقال لنفسه: إن البشر يبقون بشراً مهما بلغوا من التقوى والصلاح والإيمان، ومحبة الخير للناس، فلا يمكن أن يبلغ أحد منهم درجة العصمة والسلامة من الخطأ. فهذه الأخوة وإن كانت أخوة في الله، ومحبة من أجله، فهي بنيان بشري، وهي عمل بشري، وهي جهد بشري لا بد أن يصيبها جهد البشر، ولا بد أن يرى من إخوانه الأسخياء الورعين الصالحين الهفوة والزلة والخطأ في أنهم بشر. ثانياً: يقول الله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، لو فكرنا -معشر الإخوة الكرام- في هذه الآية لرأينا أنها تدعونا إلى أن نكون واقعيين في تلك البحبوحة التي نتصورها من هذه الأخوة، فإن الله حكى أنه نزع ما في صدور أهل الجنة من غل، وهذا يعني أنه كان في النفوس ما فيها، وكان بينهم ما كان، والجنة دار طيبة لا يدخلها إلا ما كان طيباً محضاً، فيحبسون حينئذٍ فينزع الغل منهم، حتى يتأهلوا لأن يدخلوا هذه الدار الطيبة المحضة، ثم هذا نعيم يمتن الله به على أهل الجنة، أفترون أن أحداً في دار الدنيا يمكن أن يدرك نعيم الجنة قبل أن يموت؟! إذاً: فنحن نكون مثاليين حين نطلب من إخواننا أن لا يصدر منهم زلة ولا هفوة، حين نتطلع إلى هذه الصورة المشرقة المبالغة في الخيال فنطلب نعيم الجنة، ولن يدخل أحد الجنة في دار الدنيا. ثالثاً: نقرأ في سيرة خير القرون الرعيل الأول، فرط هذه الأمة، أولئك الذين امتن الله عليهم فألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمة الله إخواناً، أولئك الذين امتن الله على محمد ﷺ بأن ألف بين قلوبهم، وأنه ﷺ لو أنفق ما في الأرض جميعاً ما ألف بينهم، فمع تلك الصورة المشرقة التي رسمها هذا الرعيل في وسط تلك الجاهلية الظلماء إلا أننا نقرأ فيها بعض ما قد كان يعكر هذه الصورة ويخدش في هذه الأخوة. رأى أحدهم أبا ذر ﵁ ومعه غلام وعليه حلة، وعلى غلامه حلة مثلها، فسأله كيف يلبس رقيقه كما يلبس، فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي ﷺ : (عيرته بأمه؛ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس). إن أبا ذر ﵁ من خيرة أصحاب النبي ﷺ ، ومن السابقين إلى الإسلام، ومع ذلك تأتيه حالة من حالات الضعف البشري فيعير رجلاً بأمه، يعيره بمقاييس الجاهلية، لكنه ﵁ ما يلبث أن يستفيق ويستيقظ مع هذا التوجيه النبوي فيتجاوز تلك الهفوة ليعطينا صورة مشرقة يعجز عنها الكثير من المسلمين الآن يلبس خادمه كما يلبس، ويطعمه كما يطعم، ويعتبره أخاً له! وفوق هذه الصورة، أبو بكر الصديق ﵁، وعمر بن الخطاب كثيراً ما كان ﷺ يقول: (خرجت أنا وأبو بكر وعمر، وأتيت أنا وأبو بكر وعمر)، كانا عند النبي ﷺ ، فيقول أحدهم: أمر فلاناً؛ فيقول صاحبه: أمر فلاناً، فيرد عليه: ما أردت إلا خلافي، فيقول: ما أردت خلافك، فترتفع أصواتهما عند النبي ﷺ ، وينزل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢]، ومع ذلك تبقى حدثاً عارضاً ثم تزول، لكن أولئك كانوا يدركون تماماً أن هذه الأخوة مع عمق بنيانها وقوة أركانها تبقى أخوة بشرية قد يأتيها ما يعكرها، قد يأتيها ما يهزها لكنها كالعاصفة التي تهب ثم تزول، ولا تزيدهم إلا ثباتاً ورسوخاً، فالذي يحصل أن المرء يتطلع إلى صورة مثالية، فيعتبر هذه العواصف والخوادش شهادة إدانة على عدم صدق الأخوة والمحبة، ولئن كانت شهادة إدانة أفيحق أن تدين بها الرعيل الأول، فإن كان يحدث ما يحدث بين ذلك الجيل فلأن يحدث مع غيرهم

стр. 742

الأثرة وحب النفس الآفة الثالثة من آفات الأخوة: الأثرة وحب النفس. إن من نتاج الأخوة أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، بل لا يتم إيمانه إلا حين يرقى إلى هذه المنزلة، ويصل إلى هذه الدرجة، حين يحب لأخيه ما يحب لنفسه (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفس)، أما حين يرقى درجة أعلى من ذلك فهو يكون ممن أثنى الله عليهم في كتابه في آيات تتلى إلى يوم القيامة: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، فحين نطمع في الوصول إلى منزلة الأخوة، وإلى أن نجني ثمراتها في الدنيا والآخرة، فلنعلم أن غلاء الثمرة وصفاءها يفرض علينا أن ندفع ثمناً باهضاً، أوله أن نتخلى عن محبة ذواتنا وعن رغبات أنفسنا، أما حين يكون المرء لا يحب الخير إلا لنفسه، أما حين يفوز منطق الأثرة والأنانية، وتعلو وترتفع لغة (أنا) فهو أول وخز في بنيان هذه الأخوة، وأول دليل على أننا لسنا مؤهلين لأن نجني هذه الثمرة اليانعة، وأن نصل إلى هذه المنزلة العالية.

стр. 743

رابطة الجاهلية الآفة الرابعة: رابطة الجاهلية. إن الأخوة في الله تعني أن تكون أخوة في الله، من أجل الله حقاً، تعني أن نكون كما قال ﷺ : (أن يحب المرء لا يحبه إلا لله). قد يحب المرء أخاه لله، لكن مع ذلك قد يكون من وطنه، أو قد تكون ثمة رابطة حزبية أو قبلية أو عنصرية أو جاهلية، قد تأتى هذه الرابطة فتزيد الأخوة أخوة والمحبة محبة، فتبقى حينئذ رابطة الجاهلية، وحين تزداد محبتك لفلان وتنقص لفلان، والدافع لذلك انتماء وطني أو فكري أو حزبي أو قبلي فاعلم أن محبتك مدخولة، وأن أخوتك مخدوشة. فالأخوة في الله -معشر الإخوة الكرام- تعني أن نتجاوز كل هذه الحواجز تعني أن نتجاوز كل هذه النظرات، فالذي يحب في الله ويؤاخي في الله، لا فرق عنده بين من كان من هذه البلاد ومن كان من تلك البلاد، لا فرق ولا ميزان ولا معيار على أساس الانتماء، ولا أساس الأصل ولا غيرها من تلك الموازين الهشة، قد يستطيع المرء أن يجمع خليطاً متناثراً من هذه الموازين، فتقوم صلته على أساس إقليمي وحزبي وفكري وقبلي، أما الأخوة في الله، فهي بنيان متفرد لا يقبل غيره، وحين يدخل عامل آخر فالنقيضان لا يجتمعان، فهي لا تعيش إلا وحدها، ولا تنمو إلا بعيدة عن سواها من الروابط، فحين نريد الأخوة حقاً في الله فلنخلصها من كل رابطة من روابط الجاهلية! وعجباً لهذه الأمة التي أكرمها الله بعد أن كان يقتل بعضها بعضاً، ويسبي بعضها بعضاً، وبعد أن كان منطق الجاهلية هو المنطق السائد، وقانونها هو المحكم، وأعرافها هي تلك الأسوار التي لا يقبل أحد أن يتسورها، عجباً لهذه الأمة بعد أن انتشلت من هذا الحضيض أن يخرج فيها من يريد أن يعيدها جذعة مرة أخرى، فبعد أن ارتقت هذا المرتقى، وصعدت إلى هذه المنزلة تعود مرة أخرى لتشد إلى خيوط الجاهلية وجواذبها. ولهذا حين كسع غلام لرجل من المهاجرين غلاماً آخر من الأنصار فتنادوا: يا للمهاجرين! ويا للأنصار! غضب ﷺ وقال: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم)! متى عرف أولئك مصطلح المهاجرين ومتى عرفوا مصطلح الأنصار؟ إنه مصطلح شرعي لم يعرفه أولئك إلا بعد أن جاء الإسلام، لم يعرف أولئك إلا قريشاً وبني مخزوم والأوس والخزرج وغطفان، هي تلك المصطلحات التي كانت سائدة عند أولئك، أما مصطلح المهاجرين فلم يعرف إلا حين فر أولئك بدينهم، والأنصار لم يعرف إلا حين تبوأ أولئك الدار والإيمان فآثروا إخوانهم، فإنه إذاً مع أنه مصطلح شرعي لم يعرفه أولئك إلا تحت دائرة الإسلام، يرفض ﷺ أن يتعصب أولئك لهذا الاسم، وأن يتحزبوا هذا التحزب. مع أن هذا الاسم اسم شرعي بحت لم يعرفوه إلا بعد أن دخلوا هذا الدين، فكيف بعد ذلك بالأسماء التي خير حالها أن تكون عليه مصطلحات تواضع الناس عليها، أفيسوغ بعد ذلك أن تكون مقاييس يتنادى عليها، ويوالى ويعادى من أجلها، إنها بحق دعوى الجاهلية، ومن دعا بدعوى الجاهلية وتعزى بعزاء الجاهلية فهو جدير بأن يعير بتعيير الجاهلية، كما قال ﷺ : (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا).

стр. 744

دخول الأغراض الدنيوية الآفة الخامسة: أن تدخل أغراض دنيوية غير شرعية: كما أن الروابط الجاهلية قد تخدش بنيان هذه الأخوة، فقد تأتي أيضاً الروابط الدنيوية، قد يأتي جانب المال والمنفعة، وقد يأتي أيضاً جانب آخر، الذي هو إفراز لهذا الانحراف والشذوذ الذي أصبحت تعاني منه وللأسف تجمعات شباب هذه الأمة، فقد يحب الشاب أخاه لله، لكن تدخل مع ذلك شهوة محرمة، فقد يكون هذا الشاب مع طاعته وصلاحه وضيئاً، فيتسلل الشيطان إلى قلب صاحبه، فتدخل الشهوة المحرمة. ولئن كانت رابطة الأخوة في الله والمحبة من أجله رابطة لا تعيش إلا وحدها، ولا تقوم إلا متفردة فهي ترفض أي شريك، ومن أشرك مع الله غيره تركه الله وشركه، فهي إن كانت ترفض الروابط الجاهلية وترفض رابط المال والمصلحة فهي أشد رفضاً ومقتاً لهذا الرابط، وحين يدخل مع داعي المحبة والأخوة داعي الشهوة المحرمة، فهي بداية للانحراف والخلل.

стр. 745

الإفراط في المتابعة سادساً: من آفات الأخوة الإفراط في المعاتبة، قد يعتاد الناس أموراً يرون أنها من مكملات الأخوة ومن حقوقها، فمثلاً: قد يشعر البعض منكم أنه حين يأتي عليه ضيف في هذه البلاد فإن من حقه عليه أن لا ينصرف قبل أن يتناول طعام العشاء، رغبة في إكرامه وأداء الحق له، وقد يكون في هذا إثقالاً على صاحبه وإحراجاً له، والأخ لا يريد أن يبالغ في الاعتذار، فيستجيب محرجاً ويشعر أن أخاه قد أحرجه وضايقه. وأحياناً يسود منطق العتاب على التقصير والمقاطعة، فحين يلقى صاحبه يعاتبه فهو منذ شهر لم يره، فلماذا القطيعة، أين الاتصال؟ لم نرك من سنة أو سنوات، وكما تعرفون مع تغير الحياة وتعقدها قد يكون الإخوان في مدينة واحدة فيمر على الأخ سنوات لا يرى أخاه فيها، وحين يلتقون يبادر بالمعاتبة، فيبادر الآخر بالاعتذار ولو كان سريع البديهة حصيفاً لكال له الصاع صاعين، وكما يقول أهل الصحافة: لقذف الكرة في مرماه، فقال: لئن كنت لا أزورك فلم لا تزورني أنت، لئن كنت قاطعاً فلم تكون قاطعاً أنت، ولو عاد الجميع إلى واقعيتهم ورشدهم لرأوا أن عدم زيارة هذا الأخ لأخيه وعدم لقائه به، ليس دليلاً بالضرورة على عدم محبته، وعلى عدم أخوته. وهذا المعنى الذي يشير إليه الإمام أحمد ﵀ حين قال له أحد أصحابه: يا أبا عبد الله، لو كنت آتيك على نحو ما تستحق لكنت آتيك كل يوم، فقال الإمام أحمد ﵀: لا تقل ذلك، إن لي إخوة لا أراهم في العام إلا مرة، أنا أوثق بمودتهم ممن ألقاهم كل يوم. فعدم كثرة اللقاء لا تعني بالضرورة ولا تستلزم عدم المحبة والمودة! أقول: أحياناً نفرط في العتاب واللوم على إخواننا ونتصور أن هذا مما يزيد بنيان الأخوة، فلا شك أنه حين يبالغ فيه الأخ قد يهدمها وقد يشعر الأخ أنه محرج، فقد يضطر أحياناً للكذب، قد يضطر لعدم مقابلة أخيه، قد يضطر لأمور لأنه يشعر أنه سيفرط في عتابه ولومه.

стр. 746

تصيد الأخطاء سابعاً: من آفات الأخوة تصيد الأخطاء، ولهذا يقول ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه؛ لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله)، والحديث رواه الترمذي عن ابن عمر، ورواه أحمد وأبو داود عن أبي برزة، ورواه أهل السنن عن البراء ﵁، فهو حديث مشهور في كتب السنة. إن من يبحث عن العورات والأخطاء ويتصيدها يجازيه الله، والجزاء من جنس العمل. وشتان بين من يتتبع عورته ويتصيد كلماته وعباراته بشر من البشر، وبين من يتتبع الله عورته، فإن الله عليم بالنوايا وما تخفي الصدور، والبشر قد يتزين لهم في لحن القول، وقد يقال لهم قول ظاهره الرحمة وباطنه العذاب كما يقال، أما الله فهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالبحث عن الزلات والأخطاء من صفات أهل النفاق عافانا الله وإياكم. يقول ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات. فالمؤمن حين يرى هفوة على أخيه أو خطأً يبحث له عن العذر، أما المنافق فهو يبحث عن الزلة ويبحث عن الهفوة.

стр. 747

سوء الظن الآفة الثامنة: سوء الظن: في سورة الحجرات يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]، ثم يعقبها الله بوصايا تعين على إتمام بنيان الأخوة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات:١١]، ثم يقول الله بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢]. وسوء الظن هو تلك الأرض التي تنبت التصيد والبحث عن الأخطاء، سوء الظن هي تلك الشرارة التي توقد هذه العداوات والإحن، والتي تبدأ من شعور في الداخل، ومن ظن سيء، فحينئذٍ يظل الأخ يبحث عن برهان يؤيد ما يختلج في صدره من ظن سيء، فيحول الشك إلى يقين والوهم إلى حقيقة لا تقبل الجدل، ويبني من هذه الأوهام بنياناً شامخاً على رأس دبوس كما يقال. ولو كان المرء واقعياً لرأى أن الناس تمر بهم ظروف ومواقف وأحوال يراها الإنسان من نفسه، فمثلاً قد يقابل الأخ أحد أخوانه فلا يبش له، ولا يرحب به ذاك الترحيب الذي اعتاده، فيبدأ يفسر ويتساءل عن السبب، ويحمل في نفسه علي شيء، كره مقابلتي إلى آخره، ويبدأ يقرأ في وجهه أوهاماً لو عاد إلى الحقيقة لعرف أن هذا الشخص كان مريضاً، هذا الشخص كان يعاني من مشكلة، هذا الشخص على الأقل كان يفكر، كان شارد التفكير. أحياناً يتصل على أخيه في الهاتف، ويشعر بعدم الترحيب، ويشعر أن صاحبه يرغب أن ينهي المكالمة في أسرع وقت، وهو لا يعرف ظروفه، أنت اتكأت على أريكتك وأردت أن تنتظر الترحيب ولا تدري أن صاحبك قد يكون على طعام الغداء، قد يكون ينتظره صاحبه عند الباب، قد يكون يقرأ، قد يكون منشغلاً، فهو يريد أن ينهي المكالمة على أحر من الجمر، وقد يكون استيقظ من نومه وينتظر أن تنهي المكالمة حتى يدعو بدعاء الاستيقاظ، فمشاعر الناس لا تعرف ما وراءها. وبعض الناس طبيعته أنه لا يرحب، وبعض الناس قليل الابتسامة، هكذا طبعه، وهو يكن المحبة والتقدير، وتراه يعني أغلى فرصة هي تلك الفرصة التي تقابله فيها. فلو كان الإنسان واقعياً لاستطاع أن يجد ألف تفسير وتفسير لمثل هذه الظواهر، لكن حينما يكون حساساً يبدأ يقرأ ما وراء السطور، ويقرأ أوهاماً ليس لها حقيقة، ويقصد كذا ويريد كذا، ثم يعاقبه الله فيبدأ يعيش في جحيم، فعندما يخرج للشارع ويقابل فلاناً ويسلم عليه، يرى ردود الفعل والقضية كلها أوهام. وافترض يا أخي الكريم أنك أحسنت الظن بعشرة من الناس، واكتشفت منهم تسعة ليسوا أهلاً لحسن الظن، فقال واحد كلمة في مجلس يقصد الإساءة إليك، وأنت حملتها على المحمل الخير، فالنتيجة أنك استرحت منه واستراح خاطرك، وبدأ هذا الشخص يغتاظ، وأنت خرجت سليماً معافى، وماذا عليك مثلاً لو قال رجل كلمة يقصدك بها، أو أخفى ابتسامة وبخل بها عنك ماذا تخسر، لكن حين تحسن الظن ولو أخطأت أحياناً فمنحت حسن الظن لغير من لا يستحق، ستجني راحة البال والطمأنينة. ويضرب لنا الإمام الشافعي مثلاً في ذلك، جاءه الربيع بن سليمان وهو مريض، فقال له يدعو له: قوى الله ضعفك، قال الإمام الشافعي: لو قوى الله ضعفي لقتلني، يعني لو قوى الله المرض لقتلني، قال: فاعتذر الربيع بن سليمان، وقال: والله ما أردت إلا الخير، فقال الشافعي: إني والله أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير، لكن الإمام الشافعي أراد أن يداعبه، وأن يصحح له هذا الخطأ، فيقول له: لو شتمتني أعلم أنك لا تريد إلا الخير. ومتى يسود بيننا هذا المنطق، للأسف أننا نحسن الظن بالأعداء، نحسن الظن بأهل النفاق، الذين يتربصون بالدعوة الدوائر، يجتهد الإنسان فيفتش لهم عن ألف عذر، ربما إذا أعوزته المعاذير قال: لعل لهم عذراً وأنت لا تعلم، أما أخوه الذي معه على الطريق، فإنه يتهمه ويقول: هذا يخادع، أنت لا تعرف عواقب الأمور، ولا تعرف ما يريد! يا أخي! هذا على الأقل معك على خط واحد. ذاك صاحب فجور وفسق لا يحضر الصلاة في جماعة المسلمين وهو يجاهر بالمعصية، فيقول: لا يا أخي الكريم، إنه يريد الخير، يريد المصلحة، أحسن الظن بالناس، اتق الله، هل فتشت عن قلبه، لكن تجاه الأخ الناصح يقول: هذا فيه مشكلة، وإذا لم يكتشف الخطأ يقول: هناك خطأ لكن نتيجة دهائه وخبثه ومكره استطاع أن ينطلي عليك. فهذا أحياناً منطق نسمعه بين الإخوان وبين الدعاة، نعم قد يكون أخطأ، لكن متى يأتي الحال الذي يعامل الإخوة بعضهم بعضاً بذاك المنطق الذي يعاملون به أعداءهم، وتلك المجاملات التي يعاملون بها أ

стр. 748

كثرة المخالطة الآفة التاسعة: كثرة المخالطة: لا شك أن من الأخوة في الله أن يجلس الأخ مع إخوانه وقتاً ربما كان أكثره معموراً بذكر الله، وطاعة الله والمحبة فيه، لكن إذا طال الأمر فإنه يتحول إلى داء، ويلفت الإمام ابن القيم ﵀ إلى ذلك فيقول: الاجتماع بالإخوان قسمان: أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت. يعني: أناس يرتاح بعضهم لبعض، يريدون أن يقضوا الوقت فقط، كحال أكثر مجالس الناس. قال: فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه، أنه يفسد القلب ويضيع الوقت. الثاني: الاجتماع بهم على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات، يعني ينبغي أن نحذر من هذه الآفات الثلاث: إحداها: تزين بعضهم لبعض. يعني: وجود نوع من المجاملة والمراءاة أحياناً. الثاني: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود. هو في البداية أخ له في الله ويحبه في الله، ويتعاون معه على الخير، ثم إنهم لا يفترقون، يسهرون مع بعض ويذهبون مع بعض، ويأتون، والقضية تحولت إلى مؤانسة على الطبع، ولو فتشنا كم هي المجالس التي يقضيها الإخوة الصالحون، والناس الأخيار المتحابون في الله، وهي من هذا الصنف وهذا النوع التي تتحول إلى مؤانسة الطبع واللقاء فيه، فهذا من آفات الأخوة، يبدأ يجامل صاحبه، وتبدأ هذه الأخوة تفتقد ثمراتها الحقة.

стр. 749

الإفراط في المحبة والتجاوز فيها عاشراً: الإفراط في المحبة والتجاوز فيها: قد يفرط المرء في محبة بعض إخوانه، قد يكون للأخ ثلة من إخوانه يلتقي بهم، ويراهم ويحبهم في الله، لكنه يحب فلاناً من الناس محبة زائدة، هو طبيعي أن يشعر أخ بارتياح لفلان أكثر من غيره، لكن داخل إطار معين، إذا تجاوزه يتحول إلى غلو، فينشأ عن ذلك نتائج سلبية، منها أنه ينقص في نظر الآخرين. هؤلاء عشرة كلهم إخوة في الله ويحبهم في الله، وربما فيهم من هو أتقى من صاحبه، لكن هذا صاحبه الذي لا يبيع ولا يشتري من أجله كما يقول العامة، هو الذي إذا فقده فقد الناس، فيبخس حقوق الآخرين من أجل حق فلان من الناس، وعنده استعداد ألا يأتي إذا فقد فلاناً، ويأتي إذا أتى فلان، فترتب على هذه المبالغة في هذه المحبة بخس حقوق الآخرين. يترتب عليها أيضاً أن يقلع عن خطئه، ويترك النصيحة التي هي من أهم ثمرات الأخوة، كما أشرنا في مبدأ الحديث أنه مع الإفراط في المحبة وكثرة الصلة وطولها حتى تجد اثنين من الشباب يصبحون كما يقال: روحان حللنا بدنا، فإذا رأيت محمداً ترى علياً، خرج علي يخرج محمد، دخل علي معناه سيدخل محمد بعده، يعني فصار لا يفقد أحدهما بعد الآخر، وهو طبيعي أن يكون بين شخصين ارتياح أكثر، لكن بقدر معين إذا تجاوزت فيه حتى صرت أجامله وأترك نصيحته وربما أبرر له أخطاءه، فهذه ثمرة ثالثة قد تكون وسيلة لموافقته على باطله، أو مشاركته فيه، وهذه حالات كثيرة، والذي ابتلي بها يشتكي منها، ويشعر أنه بدأ يضعف وبدأ يجامل صاحبه، لزيادة الغلو في هذه المحبة التي ما استطاع يتخلى عنها، وصار يشعر أنه لا بد أن يصاحب أخاه ويوافقه، فصار يوافقه على الباطل. وآفة رابعة: أن تتحول إلى محبة عاطفية، وقد تنتقل إلى صورة لا تليق إلا بأهل الشذوذ، يعني كل واحد يعطيه الشريط كما يقال، فيحكي له سيرته، قد يكون الإنسان مع الصالحين وهو صالح، ففي حال خلوته قد تدعوه نفسه الأمارة بالسوء فيقع في معصية من المعاصي ويستره الله ، فحين يلقى صاحبه يكشف له ما ستر الله عليه، فيصبح ممن قال فيهم ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل فيستره الله، فيصبح فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، بات يستره الله ويكشف ستر الله عليه). يا أخي! ما هو المبرر أنك عندما تلقى فلاناً تقول له: أنا والله وقعت في كذا؟ هو يقولها من باب الشكوى والشعور بالتقصير، لكن ما الحاجة إليها؟ يا أخي سترك الله فتب إلى الله واستتر بستر الله، وهذه مجاهرة: (كل أمتي معافى إلى المجاهرين)، فأنت الآن تدعو إلى التخلص من العافية، ألا تطمع أن تكون ممن قال فيهم النبي ﷺ : (وأما المؤمن فيدعوه ربه فيضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه فيقول: وأنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أسترها لك اليوم)؟ قد ستر الله عليك المعصية فكيف تكشف هذا الستر وهذا الحجاب، وكيف تصل محبتك وصلتك بفلان من الناس إلى أن تكشف له عن أسرارك، إنك ترتكب معصية أخرى. ثانياً: هذه وسيلة للإعانة على المعصية فإنك تكون قدوة سيئة له، فهو عندما يرى صاحبه الذي يتواصى معه على الخير، ويحبه في الله، عندما يراه يقع في المعصية صار قدوة سيئة أمامه، قد يكون هو وقع في نفس المعصية، فعندما يراك وقعت في نفس المعصية، صرت قدوة سيئة، وسننت سنة سيئة، ودعوته بسلوكك من حيث لا تشعر إلى ضلالة. وقد تنتقل إلى صورة أخرى ونتيجة ثالثة وخاصة مع استمرائها؛ وهو أنه حين يعرف كل منهما ما في داخل صاحبه تتحول القضية إلى أن ينتقلا إلى حال يعين بعضهم بعضاً على المعصية، ويشعر أنه يعرف أنه يقع في ارتكابها، ويعرفه أنه كان فعل كذا، فتبقى الأمور مشوبة، وتكون مدعاة إلى تعاونهم على المعصية، وقد تكون سبب في انحرافهما جميعاً، والسبب يكمن في البداية في الإخلال بالأدبين الشرعيين، أولاً: في قضية الإفراط في الصلة والأخوة التي تكون على حساب الآخرين، والأمر الثاني: تجاوز الأدب الشرعي في الاستتار بستر الله. معشر الإخوة الكرام! هذه بعض الآفات التي أشرت إليها آنفاً، والتي فيها من التصريح، وفيها من التلميح ما قد يمنع المقام عن الاستمراء فيه، والحر تكفيه الإشارة، هي عبارات وإشارات، وهي لا تعني بحال الطعن في هذه الأخوة، والطعن في هذا الجيل المبارك، بل إن الذي يدفعنا إلى الحديث عن هذه الآفات هو شعورنا بثمرات هذه الأخوة، وحرصنا عليها يدفعنا إلى التحذير من هذه الآفات، ومحاولة الحديث عنها حتى نتجنبها، وإلا فنحن والله نشعر بهذه الصلة، ونرى -والمسلمون شهداء الله في أرضه- أن هذا الجيل وهذه الصحوة سنت هذه السنة الحسنة، لقد نسيت هذه الأمة هذا المفهوم، نسيت إني أحبك في الله، نسيت الأخوة في الله، وأصبحت مجرد أمور مدونة في الكتب، ليس لها رصيد على أرض الواقع، فجاء هذا الجيل وجاءت هذه الصحوة لتتجاوز كل تلك الروابط، ولتقضي على كل تلك الصفات الجاهلية. وطبيعي أن يكون هذا الجيل الذي هو إفراز لهذا المجتمع

стр. 750

الأسئلة

стр. 751

زيادة المحبة في الله بسبب اتحاد النسبة والانتماء السؤال أحب فلاناً من الناس في الله، ولكن حين أعلم أنه من قبيلتي يزداد حبي تلقائياً، ولكن دون أن ينقص حبي للآخر الذي ليس منها، فهل في ذلك شيء؟ الجواب هذه القضية تحصل في قضايا غير قضية القبيلة كقضية البلد، العنصر، الانتماءات الفكرية أياً كانت، وهذه من المداخل الصعبة، ومحك يختبر المسلم نفسه عليه، قد يحصل أن يصل الإنسان إلى درجة الكمال هذا صعب، لا بد أن يحصل ما يحصل؛ لكن الواحد يحاول أن يجاهد نفسه، والمقياس هو أنه عندما يكون فلان أتقى لله من فلان أحبه، وفلان عندما يعصي الله أكثر أبغضه، وقد تدخل مثل هذه الاعتبارات؛ لكن يحاول الإنسان أن يتخلص منها، يحاول أنه يراجع نفسه، لأن كلمة أحبك في الله، والأخوة في الله، هذه كلمة فيها إجمال؛ لكن المحك عندما تأتي إلى قضية القبيلة أو الانتماء فهنا يكمن المحك في مدى صدق الأخوة والمحبة.

стр. 752

قوة الأخوة بعامل الجوار والقرابة ونحوها السؤال الأخوة وحدة قائمة بذاتها لا تجتمع مع غيرها من الروابط هكذا قلت في المحاضرة، ألا ترى أن بعض الروابط تزيد من الأخوة في الله مثل الجوار والقرابة ورفقة السفر؟ الجواب أنا قلت هذا الكلام، لكن هل تشاركون أنتم السائل في هذا الفهم؟ أنا قلت إن الأخوة قضية لا تعيش إلا متفردة وحدها في مقابل الروابط الجاهلية، مثل الإخاء في القبيلة، والإخاء لأجل الوطن، أما أن يكون هذا قريباً لي فهذا له حق شرعي، وكذلك الجار، فهذه قضية غير القضية التي نتحدث عنها، وهي قضية الروابط الجاهلية.

стр. 753

نصيحة لمن يتعود التأخر عن الجماعة حتى تفوت بعض الركعات السؤال لنا أخ في الله ملتزم ظاهراً ونحسبه على خير والله حسيبه، ولكن يتعمد هذا الأخ عدم حضور صلاة الجماعة إلا بعد انقضاء ركعة أو ركعتين، وأصبحت هذه عادة لديه، وربما أثر على إخوته، مع العلم أنه جار للمسجد، وخريج إحدى الجامعات الإسلامية، ونوقش في الموضوع ونصح مراراً، ولكنه لا يرد علينا عن الأسباب التي تدعوه لذلك، هلا وجهت له نصيحة ولأمثاله لعل الله أن يأخذ بيده. الجواب لا شك أن النصيحة له ولإخوانه كما قال النبي ﷺ : (أول ما يحاسب عليه المرء من عمله يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص شيء من صلاته قال الله : انظروا هل لعبدي من تطوع فيتم بها ما انتقص من صلاته)، وكلنا أولئك والله المستعان، لكن أول عمل نحاسب عليه الصلاة فإذا لم نعتن بالصلاة فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.

стр. 754

الفرق بين الحب في الله والحب لله السؤال قال ﵊: (من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان)، أو كما قال ﷺ ، وقال ﵊: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، ومنها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله)؛ فما هو الفرق بين الحب في الله وبين الحب لله؟ أثابكم الله. الجواب الحب في الله والأخوة في الله درجات، هناك أمر الإخلال به كفر، فعندما يأتي واحد ويعين الكافر على أخيه المسلم فذلك من نواقض الإسلام مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين، فعندما تأتي إلى شيوعي أحمر أو اشتراكي أو نصراني أو بوذي وتعينه على أخيك المسلم فهذا الإخلال قد يبلغ إلى درجة الكفر، أو مظاهرة المشرك ومؤاخاته هذه المؤاخاة كفر، ومحبته لأجل دينه كفر، ثم تنتقل إلى محبة واجبة دونها. يعني يجب عليك للمسلم: رد السلام، وقضاء الحوائج، وكف الأذى، والإخلال بها معصية، لكن الإخلال بها لا يصل إلى حد الكفر، وهكذا حتى تصل إلى درجات النوافل، وهي درجات للمقربين آخرها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فمنها قدر لا يتم الإسلام إلا به جملة، وهو حب المسلمين جملة وبغض الكفار، ثم تصل إلى حد فيه معصية، تصل إلى حد من الطاعات هو من باب التسابق في الخير، شأنها شأن سائر الأعمال الصالحة، وهكذا الدين من عند حكيم عليم يجعل حداً هو خط أحمر لا يتجاوزه أحد، ثم بعد ذلك يفتح مجالات لأولئك الذين سما إيمانهم وعلت تقواهم ودرجتهم حتى يصعدوا في مثل هذا الميدان، ومن خلاله ندرك الفرق بين أن يحبه في الله، وأن يحبه لله، وأن يحبه لا يحبه إلا لله.

стр. 755

حب الرجل الوضيء الوجه في الله السؤال نود -حفظكم الله- أن تلقوا مزيداً من الضوء حول دخول أمور أخرى على المحبة في الله، خصوصاً إذا كان أحدهما حسن الوجه، والله يعينكم؟ الجواب أشرت إلى هذا إشارة، والحر تكفيه الإشارة، أحياناً شاب يحب شاباً في الله وكلاهما مطيع لله وصالح وخير، لكن قد يكون وضيء الوجه فتدخل شهوة من الشهوات المحرمة التي سيطرت على الكثير من أبناء المسلمين، فتبدأ تدخل أغراض غير شرعية، وتبدأ تزداد الصلة به واللقاء به إلى أن تتجاوز أحياناً إلى أنه قد يقع في بعض الهفوات وبعض الأمور التي هي نتيجة مثل هذه القضية، وهذا داء ينبغي أن يحسم ابتداء، من أول ما يشعر الإنسان بهذا الأمر يحسم الداء ويخلص نفسه من هذه الأمراض وهذه القضايا ويشعر أنه هذه أمارة انحراف وشذوذ. لقد فطر الله الرجل على الميل إلى المرأة، والمرأة تميل إلى الرجل، فحين تنعكس القضية فهذه أمارة شذوذ الله يعافينا وإياكم، وحين يدرك المرء هذا من نفسه عليه أن يبادر بعلاج نفسه. لو كان عند الإنسان فرس تريد أن تدخل مكاناً ضيقاً، فأول ما تدخل يستطيع أن يعيدها، لكن كلما دخلت صار صعباً عليه أن يسحبها من ذيلها، حتى إذا استحكمت صار أمراً لا يستطيعه، فحين يستحكم الأمر في قلبه يدرك أنه خطأ، ويدرك المشكلة لكن لا يستطيع علاجه.

стр. 756

الأرواح جنود مجندة السؤال هل المحبة في الله بصفة عامة تدخل في الحديث الذي رواه النبي ﷺ : (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)؟ الجواب نعم، هي جزء من ذلك، أنت أحياناً مسافر تركب طائرة، وتجد شخصاً ملتحياً، فتشعر تلقائياً أنك تتمنى أن يركب إلى جنبك وتدعوه للجلوس بجوارك، تسلم عليه سلاماً خاصاً فيه شعور بمودة، فكما أن الناس يألف بعضهم بعضاً لاتفاق الطبع، فكذلك اتفاق الدين ولهذا نهى الشرع عن التشبه بالكفار، ومن الحكم أن الشبه يورث المحبة؛ والأرواح جنود مجندة، فحين يتجانسان في الظاهر يتآلفان في الباطن.

стр. 757

فضل إفشاء السلام السؤال لقد شاع بين أوساط الشباب اليوم قلة إفشاء السلام، فأصبح السلام على من تعرف فقط، نرجو منك الحث على إفشاء السلام بين الشباب وعامة الناس! الجواب هذا الأمر لا يخص الشباب، السلام على من تعرف صار سنة مهجورة، أضرب لكم مثالاً نراه في الحياة اليومية، حتى نعرف أن عدم السلام ينبغي أن نراجع أنفسنا فيه، أحياناً مثلاً عندك ضيف المجلس رحبت به ولقيته، طبيعي أن تدخل البيت أكثر من مرة وتأتي، حينما تعود إلى المجلس لا تعيد السلام مرة ثانية، والسنة إذا فصل بينك وبينه حجر أو شجر أن تعيد السلام، لا المصافحة والعناق، لكن قل: السلام عليكم، ولو تعودنا عليه لصار لهجة دارجة على ألسنتنا؛ لأن الإنسان يلقى أخاه في الشارع، المدرس يلاقي الطالب، الضابط يلاقي الجندي، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، لكن المدرس يلاقي الطالب فيقول لنفسه: عيب أن تسلم عليه لأن ذلك يهز من شخصيتك وقيمتك، والطالب يستحي ولا يجرؤ أن يسلم على الأستاذ. وهكذا الضابط الجندي، وقد قالوا: من الحكمة أن الراكب يسلم على الماشي، لأن الراكب عنده نوع من الرفعة دون الماشي فيسلم عليه حتى يشعره بالتواضع، لهذا فالأولى أن تسلم على من دونك، حتى نشعر بالتآخي. والسلام يشعر بالمودة، وفاعله مأجور، فإذا قال: السلام عليكم يؤجر عشر حسنات، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة، فإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعطي ثلاثين حسنة.

стр. 758

معنى المجاهرة بالذنب السؤال ذكرتم أن من يذكر ذنبه لصاحبه يدخل في حديث من جاهر بالذنب، والذي يظهر أن المقصود بالحديث من يذكره على سبيل التفاخر، بخلاف من يذكره على سبيل الندم، وإن كان خطأً، لكن لا يعد من المجاهرين؟ الجواب هذا الذي يظهر للآخر، لكن قد يظهر لغيرك خلاف ذلك، وهي ثلاث صور يجب أن نفرق بينها: الصورة الأولى: أن يذكره على سبيل الفخر. الصورة الثانية: أن يذكره ليستفتي ولم يجد حلاً إلا أن يصرح لفلان فيشكو له المشكلة. الصورة الثالثة: أن يذكره على سبيل الندم. فيسوغ له إذا كان سيستفتي وعنده مشكلة وما وجد حلاً لها إلا أن يصرح لصاحبه، مع أنه يمكن أن يبحث عن وسائل أخرى. لكن ذكره على سبيل الندم ما الداعي إليه، إذا ندمت يا أخي فدعها بينك وبين الله، واستتر بستر الله، والنبي ﷺ حين بايع أصحابه قال: (فمن أصاب منكم شيئاً فعوقب به فهو كفارة له في الدنيا، ومن ستر الله عليه فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عفا عنه)، وفي حديث النجوى إيماء إلى ذلك، بل البخاري ﵀ بوب على حديث النجوى في كتاب الأدب: باب ستر المسلم على نفسه، وبوب على حديث: (كل أمتي معافى). وحين جاء رجل يشكو للنبي ﷺ قال: (يا رسول الله أصبت من امرأة قبلة، قال عمر: ألا سترت على نفسك)؛ ومعناه أن المتقرر عند الصحابة أنه كان الأولى أن يستر على نفسه، مع أنه جاء مستفتياً يسأل هل عليه كفارة أم لا؟ وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم، وأن يجمعنا وإياكم في دار كرامته ورحمته إنه سميع مجيب، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 759

دعوة للمصارحة لقد خلق الله الإنسان مجبولاً على الخطأ والنقص، وكل عمل بشري معرض للخطأ سواء كان عملاً فردياً أو جماعياً؛ لكن الجنس البشري كثيراً ما يتهرب من تحمل مسئولية الخطأ ومصارحة النفس بعثراتها بطريقة أو بأخرى، وهذا يؤدي مع المدى إلى أضرار جسيمة كان يمكن تداركها لو كان المرء شجاعاً يصارح نفسه ويدعوها لمعالجة الأخطاء.

стр. 760

معنى المصارحة الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فهي فرصة طيبة أن نلتقي بالإخوة الكرام في هذا البلد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً، والذي جعل الله الناس يؤمونه ويقصدونه ويسعون إليه من كل فج عميق. موضوعنا أيها الإخوة الكرام لهذه الليلة بعنوان: دعوة للمصارحة، ولعلنا نقف قليلاً حول المعنى اللغوي لهذه الكلمة قبل أن نبدأ في الموضوع: يقول الأزهري: صرح الشيء وصرحه وأصرحه إذا بينه وأظهره، ويقال: صرح فلان ما في نفسه تصريحاً إذا أبداه، والتصريح: خلاف التعريض، ومن أمثال العرب: صرحت بجدان وجلدان إذا أبدى أقصى ما يريده. وفي اللسان: انصرح الحق أي: بان، وكذب صرحان أي: خالص، ولقيته مصارحةً ومقارحةً وصراحاً وكفاحاً بمعنىً واحد إذا لقيته مواجهةً، وصرح فلان بما في نفسه، وصارح: أبداه وأظهره. أي أن هذا المعنى الذي نستعمله معنىً صحيح لغة، وذلك أن بعض الكلمات قد تستعمل في غير موضعها، فمن ثم كان لا بد من تحقيق مثل هذا المعنى وصحة استعماله لغةً.

стр. 761

المصارحة نوع من الصدق وعدمها ضرب من الكذب المذموم معشر الإخوة الكرام! الصدق: خلق محمود، ومطلوب شرعاً، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] ويعد الله الصدق ضمن صفات عباد الله الصالحين: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر الآية وفيها قول الله : ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ويقول ﷺ في الحديث المشهور: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار) وفي الحديث الآخر: (الصدق مع البر وهما في الجنة، والكذب مع الفجور وهما في النار). وفي المقابل: فالكذب خصلة شنيعة، وصفة مرذولة يحق على صاحبها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ألا لعنة الله على الكاذبين، وهو سلم وطريق للفجور الذي يؤدي هو الآخر إلى النار: (وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار) وفي الحديث الآخر: (الكذب مع الفجور وهما في النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً). وحين يكون المؤمن جباناً أو بخيلاً فإنه لا يمكن أن يكون كذاباً أبداً، وكما أن الصدق صفة مطلوبة شرعاً، وصفة يستحق صاحبها الثناء، وكما أن الكذب مذموم بالشرع مغموص صاحبه بصفة من صفات المنافقين حتى يدعها؛ فهما كذلك في الخلق المستقيم والفطرة السليمة، فما زال الناس برهم وفاجرهم يدركون أن هناك تناسباً بين الكذب وبين السب والانتقاص؛ لذا لا يطيق أحدهم أن يوصف بأنه كذاب. إن غاية السب والشتم لأي امرئ من الناس كائناً من كان أن تتهمه بأنه كذاب، وحتى أكذب الناس الذي يتخذ الكذب حرفة ويأخذ على ذلك أجراً ويجعله صنعته، هو الآخر لا يرضى أن يوصف بالكذب؛ لأن الكذب صفة مرذولة مذمومة في فطر الناس السوية قبل أن تأتي الأديان باستحسان رفضها وتركها ودعوة الناس إلى الصدق، فما بالكم حين يكون الصدق بعد ذلك بنص الشرع طريقاً إلى البر والبر طريقاً إلى الجنة، وحين يكون الصدق قريناً للبر وهما في الجنة، وحين يكون الصدق صفةً يوصف بها المسلمون والمسلمات وتكون سلماً ووسيلة لأن يعدهم الله بعد ذلك بالأجر العظيم. لئن كانت هذه شناعة الكذب على الناس وممارسته على الناس لئن كان بهذا القدر من الشناعة والرفض، فما بالكم بمن يمارس الكذب على نفسه، إن القضية أكبر شناعة وأكبر خطأً واستخفافاً بالنفس أن يمارس المرء الكذب على نفسه. نعم معشر الإخوة الكرام! إننا أحياناً نمارس الكذب على أنفسنا أحياناً أفراداً وأحياناً جماعات وبصورة تفرض سحباً من الأوهام المفتعلة وتضع سياجاً يحول دون الرؤية الصادقة الواضحة، فكم نفتعل العمش والعشى بل والعمى والتعامي نفتعل ذلك ونحن نستطيع أن نبصر الحقيقة بأم أعيننا! ومن حقنا أن نتساءل: من المستفيد والخاسر من حجب الحقائق وافتعال الضبابية حول الواقع؟ لئن كان الكذب على الناس مرفوضاً. بالفطرة السليمة والشرع القويم، وكان من خلق الرجل الجاد فضلاً عن الرجل الملتزم بالشرع أن يكون صادقاً أن يكون صريحاً أن يكون واضحاً في حديثه مع الناس فأحرى به أن يكون صادقاً وواضحاً وصريحاً مع نفسه!

стр. 762

أهمية المصارحة الفردية للنفس إن مرحلة العواطف والحماسة مرحلة يجب أن نتجاوزها، ومرحلة ستر العيوب وإخفاء الأخطاء سلوك يجب أن نتخلى عنه، ومن ثم كان لا بد من دعوة للمصارحة، فهي دعوة للمصارحة على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي: أما على المستوى الفردي: فمن سجية النفس وطبيعتها التي فطرها الله عليها أنها ترهب الخطأ وتهاب الانحراف وترفض تأنيب الضمير واللوم الداخلي، وتلك صفة يكفي في استحقاقها كون المرء إنساناً، فالناس كل الناس مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم أياً كانوا تلومهم أنفسهم حين يقعون في الخطأ، ويواجهون سياطاً من اللوم والعتاب من تلقاء أنفسهم حين يرون أنهم وقعوا في الخطأ أياً كان هذا الخطأ ومهما كان مصدره ومهما كانت مقاييسه وموازينه. وقد يكون الخطأ عند زيد من الناس هو الصواب بعينه عند عمرو، وقد يكون الحق عن طائفة هو الباطل عند طائفة، لكن الناس يشتركون في أنهم يرفضون الخطأ ويهابونه وتلومهم أنفسهم لوماً عنيفاً عندما يقعون في الخطأ، فهم يشتركون في هذا الأصل وإن اختلفوا في مقياس الخطأ والصواب، وهذا أمر لا يعنينا، إنما الذي يعنينا هو أن تأنيب النفس ولومها أمر مشترك عند الناس جميعاً. أما المسلم الذي يدرك قيمة الحياة وغايتها ويعلم أن الدنيا دار ممر، وأن الدنيا وسيلة للدار الآخرة فهو أشد لوماً لنفسه وأشد عتاباً ومحاسبة لنفسه، ومن ثم فإنه تواجهه نفسه بسياط مؤلمة من اللوم والتأنيب والمحاسبة على الخطأ الذي يقع فيه، وحين تثقل على النفس تبعة الخطأ وتنوء بحمل نتائج التقصير فإن الإنسان حينئذ يمارس حيلاً لا شعورية مع نفسه لينفي عنها الخطأ أو يهون من حدوده، أو يخفف تبعاته، كل ذلك يعمله مع نفسه حتى يسلم من اللوم والعتاب الداخلي، وتارةً يحاسب نفسه ويراجعها؛ لكن هذه الحيل تساهم في إخفاء الحقيقة وفي تكوين ركام من الأوهام تحجب عنه الرؤية الصادقة تحجب عنه الحقيقة فحينئذ يخادع نفسه ويكذب على نفسه ومن ثم كان لا بد له من دعوة للمصارحة حتى يكون صريحاً مع نفسه.

стр. 763

وسائل التخلص من مسئولية الخطأ

стр. 764

تحميل الآخرين مسئولية الخطأ معشر الإخوة الكرام! إننا نمارس الكذب كثيراً على أنفسنا نمارس الكذب أفراداً، ونمارس الكذب جماعات، أما على المستوى الفردي فإن المرء حين يقع في الخطأ -كما قلنا- تلومه نفسه، وتؤنبه، فهو يحاول أن يتخلص من هذا اللوم، ويحاول أن يتخلص من هذا التأنيب فيفتعل حيلاً نفسية لا شعورية يحاول أن يدفع بها عن نفسه تبعة الخطأ ومرارة تحمل المسئولية، فيمارس الكذب على نفسه، ويحق على هذا السلوك كل شناعة تحق على الكذب. فلئن كان الكذب فجوراً وشناعةً حين يمارسه المرء على الآخرين، فهو كذلك حين يمارسه على نفسه، بل هو يزيد على ذلك استغفالاً لنفسه وسلوك مسلك النعامة التي تخفي رأسها وتظن أن العدو لا يراها كما يقال في المثل. إن الفرد يمارس أحياناً أسلوب الإسقاط وتحميل المسئولية على الآخرين، فالطالب الذي يفشل في الامتحان مثلاً لم يكن ذنبه أنه كان مهملاً، بل هو كان جاداً وقد بذل كل الجهد لكن الأستاذ كان فاشلاً، فالأستاذ كان لا يجيد شرح المادة، أو أن أعمال السنة كانت هي السبب ولو كانت نسبتها ضئيلة؟ نعم هي السبب في رسوبه. وربما لم يكن هذا وذاك ولكن أسئلة الامتحان كان مفاجئة وكانت غامضة، أو كان التصحيح غير دقيق، أو كانت نفسيته يوم الامتحان غير مستقرة فلم يوفق للإجابة، وهكذا يفتعل هذا الطالب ألواناً من الحجج والمعاذير ليقنع نفسه ويخدع نفسه أنه لا يتحمل المسئولية. أما لو كان جاداً وبعبارة أخرى: لو كان صادقاً مع نفسه لاعترف بأنه يتحمل المسئولية أياً كان، فالطالب مثلاً يعرف أستاذه طوال العام، فلئن كان الأستاذ جدلاً لا يجيد شرح المادة فكان بإمكان الطالب أن يعطي هذه المادة جهداً مضاعفاً حتى يعوض القصور الذي يأتي من أستاذه. والطالب ليست هذه أول مرة يدخل فيها قاعة الامتحان فهو يتوقع أن تأتيه الأسئلة على أي صورة وعلى أي احتمال، المهم: أنه لو كان جاداً وصادقاً وصريحاً مع نفسه لاعترف أنه سبب الفشل ولاعترف أنه يتحمل المسئولية. فهكذا يحمل الآخرين المسئولية، وهذا الكلام يقوله لنفسه ولا يقوله للآخرين. وهكذا نجد الحجة أيضاً نفسها تتبدى عندما يسلك الشاب سلوكاً غير مستقيم، فيواجه بالمناصحة فيحتج بأن والده لم يحسن تربيته أو أنه نشأ في بيت غير محافظ، بل حين ترى أنت مثلاً شاباً مستقيماً صالحاً خيراً وترى فيه عيباً فتناقشه فيه، كأن يكون هذا الشاب ليس جاداً ليس حريصاً على طلب العلم الشرعي فيه جانب من جوانب القصور أياً كان هذا الجانب، فتناقشه وتصارحه فماذا سيقول لك؟ سيقول لك: إني تربيت مع مجموعة غير جادة إني كنت مع رفقة كانوا غير حريصين على العلم حتى مضى زهرة عمري وريعان شبابي ولم أستفد، والسبب هو فلان فهو الذي يتحمل المسئولية السبب هو أستاذي إنه يجيد أن يحمل المسئولية لأي شخص كان ولو لم يكن له علاقة بالأمر من قريب أو بعيد، أما أن يكون شجاعاً صادقاً فيحمل نفسه المسئولية فيقول: أنا وإن تربيت في بيت يعج بالفساد والفتنة فإني مكلف شرعاً أن أسمع كلام الله وأحضر إلى صلاة الجمعة مع الناس فأسمع ما يقوله خطيب الجمعة أدرس في المدرسة وأقرأ وأسمع من الأستاذ وأسمع من هنا وهناك؛ فقد كان هذا كله جديراً بأن يوقظني إن كان في قلبي حياة لكنه لا يملك الشجاعة التي تؤهله أن يقول هذا الكلام.

стр. 765

الاعتذار بسوء التربية والوسط الذي يعيش فيه والآخر الذي يحتج مثلاً بالتربية والوسط الذي عاشه يحتج بهذه التربية على كونه عاش هزيلاً على كونه عاش مفرطاً في جانب العلم أو الدعوة، هو الآخر غير جاد مع نفسه، وإلا فهو يسمع كما يسمع الآخرون ويقرأ كما يقرأ الآخرون. معشر الإخوة الكرام! في غزوة بني قريظة حين حكم فيهم النبي ﷺ سعد بن معاذ ﵁ فحكم فيهم: بأن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم كان كل من بلغ الحلم قتل، ومع ذلك كان هذا الشاب صغير السن ربما يبلغ الرابعة عشرة أو الثالثة عشرة أو أكثر أو دون ذلك، وقد عاش في بيت يهودي، فأبوه يهودي وأمه يهودية، وعاش في وسط أحياء اليهود، وهو من الصغر يرضع الحقد على هذا الدين ويسمع من والده ومن عمه ومن أقاربه ومن أمه ومن الوسط الذي هو فيه؛ يسمع ذم هذا الرجل وأنه كذاب غير صادق، ومع ذلك قتل، فهل قتل ظلماً؟ الجواب لم يقتل ظلماً فهذا حكم الله من فوق سبع سماوات وسيلقى الله ويحاسبه. فلئن كان أحد -معشر الإخوة الكرام- يعذر بسوء التربية فهؤلاء أولى بالعذر من غيرهم ممن عاش في بيئة مسلمة يسمع الكلمة صباح مساء، فلماذا نتهرب من المسئولية ونحملها الآخرين، ونسقط تبعاتنا على غيرنا، تارة على الأب تارة على الأستاذ تارة على فلان أو فلان من الناس تارة على الوسط الذي نعيش فيه، ونتفنن في ارتفاع الرقم الذي يصل إليه الذين يتحملون المسئولية وننسى أشخاصنا وننسى أنفسنا؟

стр. 766

أسلوب التبرير وهناك أسلوب ثالث: أسلوب التبرير، أن نلتمس الأعذار فنرى أنه ليس هناك شخص بعينه يمكن أن نحمله المسئولية لكن ثمة أعذار كانت هي السبب وراء وقوعنا في ذلك، ففلان الذي وقع في المعصية والانحراف! يرى أنه مسئول عن نفسه، ويرى أن والده أو قريبه أو مربيه لا يتحمل المسئولية، ولكن من جهة أخرى: يرى أنه عاش في عصر بدت أمامه الفتن لا يستطيع دفعها يرى أنه عاش في مرحلة أو فترة لم يستطع فيها أن ينتصر على تلك الفتن التي واجهته فهو معذور! أو فلان الذي لا يستيقظ للصلاة مثلاً: يرى أنه ثقيل النوم يرى أن هناك سبباً من الأسباب يمنعه من الاستيقاظ للصلاة! والآخر الذي يمتنع عن مجال من مجالات الدعوة هو الآخر يفترض ويفتعل أمامه مفاتن يخشى أن تترتب على عمله، ويرى أنه لا ينبغي أن ينزل إلى الواقع لا ينبغي أن ينزل إلى الميدان وهكذا يفتعل أعذاراً وأوهاماً يرى أنها عذراً له عن قعوده وتخليه، والعذر الأول والأخير لو كان صريحاً وصادقاً مع نفسه هو الكسل، وليس غير الكسل. وحين يفشل الفرد في الإسقاط فلا يجد من يحمله المسئولية ويفشل في التبرير لعمله يسلك أسلوباً ثالثاً: أن يتهرب من التفكير في المشكلة أصلاً: فهو حين يبدأ جلسة صريحة يحاسب فيها نفسه، فحينئذ يكتشف أنه يتحمل المسئولية بنسبة (١٠٠%) كما يقال، ولم يجد من يحمله المسئولية، ولم يجد عذراً لنفسه يكتشف بعد فترة أنه صار يفكر في موضوع آخر وانساق به التفكير إلى موضوع آخر ونسي القضية الأساس، فما السبب؟ هو دون شعور يتهرب من التفكير في مشكلته وإذا أردت أن تتأكد فأمسك بأي إنسان تراه في الشارع من الناس المعرضين، بل دون ذلك أمسك بإنسان من الصالحين الأخيار الذي تراهم يقعون في أي خطأ من الأخطاء وقل له: أسألك بالله أن تجلس نصف ساعة فتفكر في نفسك، تجده لا يطيق ذلك فلا يطيق أن يفكر في نفسه، بل يتهرب من التفكير. وحتى حين يجلس عازماً على التفكير في نفسه يتهرب فتصده نفسه، لأنه لو فكر في نفسه تفكيراً صادقاً صريحاً لتوصل إلى نتيجة لا مجال للمجادلة فيها أنه هو يتحمل المسئولية فحينئذ تؤنبه نفسه، ويلومه ضميره، وهو لا يستطيع أن يتحمل هذا التأنيب وهذا اللوم، فيختصر الطريق من أوله وينصرف عن التفكير في نفسه وفي مشكلاتها أصلاً.

стр. 767

عقدة البحث عن الحل والعلاج رابعاً: حين يفشل في ذلك كله تبدو له عقدة البحث عن الحل والعلاج: فحين يفشل المرء في الحيل السابقة ويتكرر إخفاقه مع نفسه يعمد إلى أسلوب يتصور من خلاله أنه يبحث عن الحل، بل إنه يمارس العلاج وهو يزيد الأمر تعقيداً، فهناك من يقصر في طاعة من الطاعات أو يقع في معصية من المعاصي ويفشل في مجاهدة نفسه واستنقاذها، فيعمد بعد ذلك للبحث عن العلاج، والعبارة: أنا شاب أشكو من كذا وكذا فما الحل؟ هذه العبارة كثيراً ما نراها ضمن أسئلة المحاضرات أو نقرؤها في زاوية الفتاوى والمشكلات التي تعرض في الصحف، أو نقرؤها في رسالة يحملها البريد. إن هذا لا يعني الاعتراض على السؤال أو طرح المشكلات؛ لكن الواقع أوسع من ذلك، إنك ترى هذا الشاب يطرح السؤال في كل مناسبة ويلقيه في أكثر من لقاء، ويبقى مع ذلك في تطلع إلى الحل يبقى يثير السؤال نفسه ويطرحه؛ ولهذا ترى السؤال الذي يطرح في هذا اللقاء هو السؤال الذي يطرح في لقاء الغد وربما من الشخص نفسه وبنفس اللغة: أنا شاب أشكو من هذه المشكلة فما الحل وما العلاج وما الوسيلة؟! ومكمن الداء هنا: انصراف الشاب عن الحل الحقيقي والعمل على البحث عما وراء ذلك، فالمعصية طريقها واضح لا خفاء فيه، وما نهى الله الإنسان إلا عما يطيق، والطاعة طريقها أبلج لا يختلف إلا على من اعوج عن الطريق، فلا يزيغ عن طريق الله إلا هالك: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]. ومع تكرار السؤال والإلحاح فيه دون جدوى يغيب عن بال الشاب أن الحل بيده وأن العلاج ببساطة هو أن يترك ما كان يفعل أو يفعل ما كان يترك وأن يجاهد نفسه على ذلك، وحين يفشل في هذا فلا يعني أن هناك عشرين خطوة نسي هو الخطوة العشرين وهي العقدة وهي السبب في عدم الوصول إلى الحل، إن مكمن الداء وأساس المشكلة هو ضعف الإيمان وضعف العزيمة والإرادة.

стр. 768

نماذج من المشكلات المتكررة مع وضوح العلاج ولنعرض أيها الإخوة نماذج من الأسئلة التي كثيراً ما تصلنا حتى لا نحلق في الخيال سؤال وصلني في أحد الدروس: شاب يقول: إنني أعق والدي فما الحل؟ أجيبوني بالله عليكم كيف تجدون الحل لمثل هذه السؤال؟! إني لا أجد أن أقول لهذا الشاب إلا ما قلته له: الحل أن لا تعق والديك، فهل هناك حل آخر غير هذا الحل؟! سؤال آخر يتكرر أيضاً: إنني أسمع الغناء وأريد أن أتخلص من الغناء فما الحل؟ إنني شاب لي صحبة فاسدة وأريد أن أتخلى عنهم، فكيف أتخلى عنهم؟ الحل: أن تترك سماع الغناء الحل: أن تترك الصحبة الفاسدة فالحل في يدك، حين تفشل فالمشكلة ليست في أن هناك عشرين خطوة أو ثلاثين خطوة لم نذكرها لك، أو أننا ذكرنا لك هذه الخطوات كلها ونسيت أنت الخطوة الأخيرة وصارت هي العقدة في الحل. لا أستيقظ لصلاة الفجر فما الوسيلة لذلك؟ مشكلتي أنني أقع في العادة السرية وأجاهد نفسي لكني لا أستطيع، فما الحل؟ وهي قائمة طويلة معشر الإخوة الكرام من الأسئلة تتكرر كثيراً، فيجاب عن السؤال ثم ترى السائل نفسه يعرض السؤال مرة أخرى وبنفس اللغة وعلى الشخص نفسه مرة أخرى، وهكذا يبقى في حلقة مفرغة. معشر الشباب! إننا لا نرفض أبداً أن يطرح الشاب مشكلاته لا نرفض أن يسأل أن يبحث عن الحل، وأيضاً لا نعترض على المتحدث حين يجيب وحين يذكر خطوات للحل، لكننا نخشى أن تتحول القضية إلى عقدة يتصور الشاب بعد ذلك أنه معذور؛ لأنه لم يصل إلى الحل. شاب اتصل علي بالهاتف فجلس معي قرابة الساعة يشكو مشكلته وأعرض له الحل، ثم قال: إني ذهبت إلى فلان من طلبة العلم سبع مرات، وفلان كذا وكذا مرة، وفلان، قلت له: هل أنت مقتنع بعد ذلك مما عرضت لك أنه هو الحل؟ قال: لا، قلت: أتريد حلاً لم تأت به الشريعة الإسلامية، لست أدري؟! المشكلة هي منك أنت وحدك المشكلة أنك إنسان ضعيف الشخصية ضعيف الإيمان ضعيف العزيمة والإرادة، فلا داعي أن تضيع أوقات الناس وتشغل الناس بهذا السؤال هذه مشكلتي! إذا لم تستطع فكن صريحاً واقعياً مع نفسك وقل: إنني ضعيف! وجاهد نفسك ولا داعي لإضاعة الوقت؛ لأنك حين تبحث عن الحلول فإن هذا يهون عليك بشاعة الخطأ الذي وقعت فيه ويخفف عليك من لوم النفس وتأنيبها؛ لأنك تتصور أن هناك حلاً لا يملكه إلا رجل رأيته في المنام ولما تراه إلى الآن في اليقظة، فأنت تسأل بكل مناسبة وكل لقاء علك أن تجد من رأيته في المنام، ولعلك ترى ملك الموت قبل أن ترى هذا الذي رأيته في المنام والذي يملك الحل السحري الذي تتوهمه أنت. معشر الإخوة الكرام! إنها مخادعة وحيلة نفسية نتخلص بها من عيوبنا، وخير لنا أن نكون صرحاء مع أنفسنا أن نكون واضحين فنحدد أسباب المشكلة ونعرف أن مكمن الداء هو تقصيرنا هو ضعف إيماننا هو ضعف همتنا، وحينئذ نستطيع أن نحل المشكلة أو على الأقل أن نعترف بالمشكلة، وأن نعترف بمسئوليتنا خير لنا من المخادعة والمراوغة. شاب أرسل لي رسالة يشتكي فيها مشكلته، ويذكر لي أنه أرسل إلى عدد ممن لم يتجاوبوا معه، فأرسلت له رسالة مطولة من ثلاث صفحات وتفاعلت مع مشكلته، وظننت أن هذه الرسالة ستكون الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، فرد علي بالشكر والترحيب بالاهتمام برسالته وأخبرني أنه استفاد مما أعطيته، ثم بعد ثلاثة أشهر أتسلم رسالةً وأقرأ الرسالة فأرى أن الخط ليس غريباً علي، والقلم ليس غريباً علي، وإذا بالاسم نفسه لكن العنوان يختلف، ثم أنظر إلى ظرف الرسالة فأرى أنها أرسلت من مكتب البريد الذي أرسلت منه الرسالة السابقة، فأعود إلى المنزل وأقارنها بالرسالة السابقة وإذا هي هي، فإذا هو الشاب نفسه يرسل لي الرسالة بنفس اللغة وبنفس المشكلة: أنني شاب أشتكي من هذه المشكلة ثم حكى لي قصته، فما الحل؟ فرددت عليه قلت له: الآن اقتنعت أن الحل السابق هو ما قلت لك إنك باختصار ضعيف الإرادة ضعيف العزيمة فأرجو أن لا تشغل نفسك بالبحث عن الحل أو البحث عن تلك الخطوات السحرية التي تنتظرها من فلان وفلان، الحل تملكه أنت وحدك، وخير لك أن تكون صريحاً مع نفسك من أن تشغلها بالبحث عن حل ليس هو الحل الناجح والنافع. مرة أخرى معشر الإخوة الكرام! لسنا نعترض على السؤال وعلى طرح المشكلات وعلى الحديث عنها؛ لكن حين نطرحها يجب أن نطرحها باقتصاد، ويجب أيضاً أن نتصور مكمن الداء وأساس المشكلة، وحين نجيب أيضاً عن السؤال وعن المشكلة فيجب أن نوقف السائل على أن الحل بيده. وأن الحل ليس هذه الخطوات المرقمة التي أعطيناها إياه.

стр. 769

الورع البارد وخطوة وأسلوب خامس: هو أسلوب الورع البارد في مقابل تلك الحجج السابقة هناك من يدرك تبعات العمل الجاد وتكاليفه على النفس، فلا يطيق الصبر ولا يستطيع المداومة فيصعب عليه أن يصارح نفسه بالكتم ويفاتحها بالخمول، فيتعلل حينئذ بأنه يتورع عن تحمل المسئولية ويخاف من الأمانة. وكم نرى نماذج ممن يملك القدرة والعلم والوقت فيضيع عمره سدى وأوقاته هدراً، وحين يدعى إلى العمل والمشاركة يعتذر بأنه ليس أهلاً، وأن الأمانة أكبر والمسئولية أشق مع أنه يعلم أن الكثير ممن هم في الميدان دونه بمراحل، ولولا ثقتنا بحسن نوايا هؤلاء وطيب قلوبهم وصدق إيمانهم لقسنا حالهم بحال من قال: ﴿ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩].

стр. 770

التهرب من المسئولية بنقد الآخرين وأحياناً يسلك صاحبنا مسلكاً آخر: فينتقد العاملين ويتحدث عن زلاتهم وأخطائهم ويرى أن هذا الميدان من العمل فيه من الأخطاء هذا الخطأ والثاني والثالث والرابع والميدان الآخر: فيه من الخطأ كذا وكذا، ومن يحاضرون يخطئون في كذا وكذا، ومن يتصدرون لحلق القرآن يخطئون في كذا وكذا، ومن يربون الشباب يخطئون في كذا وكذا فيعطيك قائمة من الأخطاء للناس جميعاً، هذه الأخطاء والزلات لم تصدر فعلاً عن قناعة تامة، إنما صدرت من حيلة نفسية من رجل كسول لا يستطيع العلم ولا يطيق الصبر على تحمل لأواء الطريق ومشقته، فحينئذ لا مناص له من خيارين لا ثالث لهما: الخيار الأول: أن يقول: إن أولئك عاملون جادون ناصحون صادقون وأنا رجل كسول فاشل لا أستطيع العمل، وهذا خيار صعب على النفس أن تقوله، فحينئذ يلجأ إلى الخيار الثاني: إنه لا يطيق أن يتحمل لا يطيق أن يضحي لا يطيق أن يهدر تلك الأوقات التي يقضيها مع أقرانه في انبساطة وأحاديث جانبية ويسافر هنا وهناك حيثما أراد فحينئذ يعمد إلى حيلة نفسية فينتقد العاملين ويتحدث عن أخطائهم، وقد يتحدث عن أخطاء واقعة فعلاً لكنه هو لا يعمل مثقال ذرة مما يعمله أولئك، والباعث إلى الحديث عن هذه الأخطاء كلها هو أوهام يفترضها أمام نفسه حتى لا يرى أنه مقصر ومهمل ويصارح نفسه بالحقيقة المرة.

стр. 771

معوقات المصارحة على المستوى الجماعي

стр. 772

خوف البلبلة وتفريق الصف كل ما سبق على المستوى الفردي. أما على المستوى الجماعي فنمارس ذلك كثيراً، فمع هذه الصحوة المباركة واليقظة الخيرة لا بد من أخطاء وتجاوزات، والآن وقد اتسع نطاق الصحوة وامتد رواقها فكان لا بد من أن تكون الأخطاء مكشوفة والعيوب ظاهرة، وفي المقابل فالتصحيح لا مناص ولا سبيل له إلا أن يكون تحت ضوء الشمس وبمستوى وضوح الأخطاء. ولست أدري متى نتجاوز تلك المرحلة التي نمارس فيها دفن الأخطاء ومواراة العيوب والتستر على الحقائق باسم المصلحة، ومتى ننتهي من إشهار سلاح إثارة الفتنة والبلبلة في وجه الناصح والمنتقد، ويصبح هذا السلاح عصاً يلوح بها بين حين وآخر، فنمارس ألوان الإرهاب الفكري في وجه من يدعو إلى التقويم ومن يدعو إلى التصحيح ويسعى للإصلاح. إن هذا هو المعوق الأول للمصارحة، أعني: خوف الفتنة والبلبلة وتفريق الصف، فنمارس دفن الأخطاء والعيوب والتستر عليها حتى لا يكون هناك فتنة وحتى لا يكون هناك بلبلة في وسط الصحوة، حتى تأتي الطامة الكبرى والبلبلة الكبرى بعد ذلك.

стр. 773

عقدة القنوات الخاصة والمعوق الثاني: عقدة القنوات الخاصة، هنا من ينادي وبصدق أن نقد المربين يسمعه المتربون ونقد الأساتذة يقرؤه الطلاب، ونقد الآباء صار بمحضر الأبناء، ومن ثم يدعو أولئك إلى أن يكون النقد من خلال قنوات وزوايا خاصة، هذه القنوات ليس لها وجود إلا في أذهان أصحابها، نعم يستطيع الأب أن يوجه اللوم للأم بلقاء خاص ويستطيع مدير المدرسة أن ينتقد الأساتذة وحدهم، لكن قطاعات الصحوة أكبر من ذلك كله، والحديث عن أخطائها لا يمكن إلا من خلال كلمة تسجل وتسمع في الآفاق من الجميع، أو مقالة تطبع وتقرأ من الكافة، وحين يسمع الجميع عن الخطأ كان ماذا؟ أليس هذا مدعاة أن يعلموا أن قضيتهم في أيد أمينة أليس هذا مدعاة أن يعلموا أن هناك من يتحدث بالنيابة عنهم. معشر الإخوة الكرام! إن أخطاءنا لم تعد سراً ولم تعد خافية، فنحن مثلاً حين نتحدث أن أخطاء المربين فسيسمع بها المتربون حتماً ويقرئونها؛ لأنه لا مجال للحديث إلا تحت ضوء الشمس، فأي الطريقين خير لنا: أن يعيش أولئك المتربون وهم يرون الأخطاء بأم أعينهم أو يسمعونها حينئذ من الناصحين فيدركون أن هناك من يتحدث بالنيابة عنهم، وهنا من يحامي عن أخطائهم، وهناك من يطالب بحقوقهم ويصححها؟ إن مشكلتنا -معشر الإخوة الكرام- من عقدة التلازم بين الخطأ والانحراف، فنتصور أن من وقع في الخطأ فهو منحرف أن من أخطأ مرة فهو فاشل، وتهربنا من هذه العقدة التي نفترضها يريحنا كثيراً من هاجس التخوف من المصارحة، فنريد أن نتحدث وبوضوح ونقول: هذه أخطاؤنا ونحن مع ذلك ناجحون هذه أخطاؤنا ومع ذلك لم نفشل، فهل نصل معاشر الإخوة الكرام إلى هذا المستوى من النضج والتفكير؟ فنتحدث عن الأخطاء والزلات ونحن نشعر أن تجاربنا ليست فاشلة، وهذا هو النتاج الذي نراه الآن بأم أعيننا، إنه نتاج النجاح الذي لا يستطيع أحد أن يتصور أنه نتيجته وحده وأنه ثمرة جهده وحده، فهو نتاج جهد الجميع. إن هذا النتاج الذي نراه ليس إلا دليلاً واضحاً على النجاح ولكن فشلنا في تجربة لا يعني أننا فاشلون، وخطؤنا مرة لا يعني أننا قد فقدنا الصواب حتى النهاية.

стр. 774

خوف استثمار الأعداء والمعوق الثالث: استثمار الأعداء مما يعيق المصارحة عند البعض: التخوف من استثمار أعداء الصحوة لهذه الأخطاء والاتكاء عليه، مع أن هذه الأخطاء لم تعد سراً وأمراً لا يدركه إلا الخاصة، وسيأتي مزيد حديث عن هذا الجانب عند الحديث عن المنهج القرآني.

стр. 775

التبرير بأن الخطأ حتم لا ينفك عنه البشر المعوق الرابع: لا ينجو أحد من الخطأ: إن البشر من طبيعتهم الخطأ والقصور فهو ملازم لأعمالهم وجهودهم، لكن أيسوغ أن يكون ذلك عذراً لارتكاب الخطأ والتهاون والإهمال، فحين تنتقد وتطلب الإجابة عن خطأ يرتكب يقال لك: إن الخطأ من صفات البشر والقصور ملازم لأعمالنا، فكيف يسوغ لنا أن نحتج دائماً على أخطائنا وتقصيرنا وإهمالنا بأن الخطأ ملازم للبشر، ولا يسوغ لمن يقع في الكبائر أن يحتج هو الآخر بأن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. إن العصمة لغير الأنبياء مطلب مستحيل ولا شك، بل واعتقاد ذلك خلل في المنهج وانحراف في المعتقد، فلا بد من الخطأ والتقصير، لكن هذا شيء وكون هذا يعتبر سلاحاً يشهر في وجه الناصح، ووسيلة للدفاع عن الأخطاء شيء آخر. إنه لا يسوغ لنا أن نستر عيوبنا وأخطائنا وندافع عنها بحجة أن البشر يقعون في الخطأ ويقعون في القصور ولا بد.
следующие страницы →