Полный текст (1 904 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
معوقات المصارحة على المستوى الجماعي
стр. 772
خوف البلبلة وتفريق الصف
كل ما سبق على المستوى الفردي.
أما على المستوى الجماعي فنمارس ذلك كثيراً، فمع هذه الصحوة المباركة واليقظة الخيرة لا بد من أخطاء وتجاوزات، والآن وقد اتسع نطاق الصحوة وامتد رواقها فكان لا بد من أن تكون الأخطاء مكشوفة والعيوب ظاهرة، وفي المقابل فالتصحيح لا مناص ولا سبيل له إلا أن يكون تحت ضوء الشمس وبمستوى وضوح الأخطاء.
ولست أدري متى نتجاوز تلك المرحلة التي نمارس فيها دفن الأخطاء ومواراة العيوب والتستر على الحقائق باسم المصلحة، ومتى ننتهي من إشهار سلاح إثارة الفتنة والبلبلة في وجه الناصح والمنتقد، ويصبح هذا السلاح عصاً يلوح بها بين حين وآخر، فنمارس ألوان الإرهاب الفكري في وجه من يدعو إلى التقويم ومن يدعو إلى التصحيح ويسعى للإصلاح.
إن هذا هو المعوق الأول للمصارحة، أعني: خوف الفتنة والبلبلة وتفريق الصف، فنمارس دفن الأخطاء والعيوب والتستر عليها حتى لا يكون هناك فتنة وحتى لا يكون هناك بلبلة في وسط الصحوة، حتى تأتي الطامة الكبرى والبلبلة الكبرى بعد ذلك.
стр. 773
عقدة القنوات الخاصة
والمعوق الثاني: عقدة القنوات الخاصة، هنا من ينادي وبصدق أن نقد المربين يسمعه المتربون ونقد الأساتذة يقرؤه الطلاب، ونقد الآباء صار بمحضر الأبناء، ومن ثم يدعو أولئك إلى أن يكون النقد من خلال قنوات وزوايا خاصة، هذه القنوات ليس لها وجود إلا في أذهان أصحابها، نعم يستطيع الأب أن يوجه اللوم للأم بلقاء خاص ويستطيع مدير المدرسة أن ينتقد الأساتذة وحدهم، لكن قطاعات الصحوة أكبر من ذلك كله، والحديث عن أخطائها لا يمكن إلا من خلال كلمة تسجل وتسمع في الآفاق من الجميع، أو مقالة تطبع وتقرأ من الكافة، وحين يسمع الجميع عن الخطأ كان ماذا؟ أليس هذا مدعاة أن يعلموا أن قضيتهم في أيد أمينة أليس هذا مدعاة أن يعلموا أن هناك من يتحدث بالنيابة عنهم.
معشر الإخوة الكرام! إن أخطاءنا لم تعد سراً ولم تعد خافية، فنحن مثلاً حين نتحدث أن أخطاء المربين فسيسمع بها المتربون حتماً ويقرئونها؛ لأنه لا مجال للحديث إلا تحت ضوء الشمس، فأي الطريقين خير لنا: أن يعيش أولئك المتربون وهم يرون الأخطاء بأم أعينهم أو يسمعونها حينئذ من الناصحين فيدركون أن هناك من يتحدث بالنيابة عنهم، وهنا من يحامي عن أخطائهم، وهناك من يطالب بحقوقهم ويصححها؟ إن مشكلتنا -معشر الإخوة الكرام- من عقدة التلازم بين الخطأ والانحراف، فنتصور أن من وقع في الخطأ فهو منحرف أن من أخطأ مرة فهو فاشل، وتهربنا من هذه العقدة التي نفترضها يريحنا كثيراً من هاجس التخوف من المصارحة، فنريد أن نتحدث وبوضوح ونقول: هذه أخطاؤنا ونحن مع ذلك ناجحون هذه أخطاؤنا ومع ذلك لم نفشل، فهل نصل معاشر الإخوة الكرام إلى هذا المستوى من النضج والتفكير؟ فنتحدث عن الأخطاء والزلات ونحن نشعر أن تجاربنا ليست فاشلة، وهذا هو النتاج الذي نراه الآن بأم أعيننا، إنه نتاج النجاح الذي لا يستطيع أحد أن يتصور أنه نتيجته وحده وأنه ثمرة جهده وحده، فهو نتاج جهد الجميع.
إن هذا النتاج الذي نراه ليس إلا دليلاً واضحاً على النجاح ولكن فشلنا في تجربة لا يعني أننا فاشلون، وخطؤنا مرة لا يعني أننا قد فقدنا الصواب حتى النهاية.
стр. 774
خوف استثمار الأعداء
والمعوق الثالث: استثمار الأعداء مما يعيق المصارحة عند البعض: التخوف من استثمار أعداء الصحوة لهذه الأخطاء والاتكاء عليه، مع أن هذه الأخطاء لم تعد سراً وأمراً لا يدركه إلا الخاصة، وسيأتي مزيد حديث عن هذا الجانب عند الحديث عن المنهج القرآني.
стр. 775
التبرير بأن الخطأ حتم لا ينفك عنه البشر
المعوق الرابع: لا ينجو أحد من الخطأ: إن البشر من طبيعتهم الخطأ والقصور فهو ملازم لأعمالهم وجهودهم، لكن أيسوغ أن يكون ذلك عذراً لارتكاب الخطأ والتهاون والإهمال، فحين تنتقد وتطلب الإجابة عن خطأ يرتكب يقال لك: إن الخطأ من صفات البشر والقصور ملازم لأعمالنا، فكيف يسوغ لنا أن نحتج دائماً على أخطائنا وتقصيرنا وإهمالنا بأن الخطأ ملازم للبشر، ولا يسوغ لمن يقع في الكبائر أن يحتج هو الآخر بأن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
إن العصمة لغير الأنبياء مطلب مستحيل ولا شك، بل واعتقاد ذلك خلل في المنهج وانحراف في المعتقد، فلا بد من الخطأ والتقصير، لكن هذا شيء وكون هذا يعتبر سلاحاً يشهر في وجه الناصح، ووسيلة للدفاع عن الأخطاء شيء آخر.
إنه لا يسوغ لنا أن نستر عيوبنا وأخطائنا وندافع عنها بحجة أن البشر يقعون في الخطأ ويقعون في القصور ولا بد.
стр. 776
وقفات مع المنهج القرآني في المصارحة
أخيراً: بعد هذه المعوقات للمصارحة سواء كانت على مستوىً فردي، أو على مستوىً جماعي، وبعد تلك الأعذار والأساليب والحجج التي نفتعلها لتكون عائقاً لنا وحاجزاً عن الوصول إلى الحقيقة، بل نسلكها لتكون وسيلة لممارسة الكذب على أنفسنا؛ نقف وقفات مع المنهج القرآني:
стр. 777
القرآن الكريم يعاتب رسول الله وهو بين المشركين في مكة
إننا نقرأ القرآن معشر الإخوة الكرام، فنقرأ فيه عتاباً للنبي ﷺ ، يقول الله وفي سورة مكية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس:١ - ١١].
فيعاتب الله نبيه محمداً ﷺ في آيات تتلى ويقرؤها المسلمون جمعياً، بل ويسمعها كفار مكة، ويجهر بها ﷺ ويقرأ بها في الصلاة أمام الناس، ومع ذلك لم يكن هذا العتاب منقصاً لشخصية محمد ﷺ .
كان بالإمكان أن يكون هذا العتاب رؤيا يراها ﷺ ورؤيا الأنبياء وحي، أو كلمة يقولها له جبريل، أو أي نوع من أنواع الوحي يوحيه الله ، لكن لحكمة بالغة يأتي هذا العتاب قرآناً يقرؤه الناس إلى يوم القيامة عتاباً للنبي محمد ﷺ ، وهو القدوة المثلى ليكون ذلك قدوة ومنهجاً يسلكه الناس.
стр. 778
مصارحة الصحابة وعتابهم في مكة
ونقرأ كثيراً عتاباً صريحاً، بل أحياناً قاسياً ووعيداً للجماعة المسلمة ولأصحاب النبي ﷺ على شتى مراحل الدعوة، فنقرأ في القرآن المكي قول الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
стр. 779
مصارحة المسلمين بعد غزوة بدر
ويهاجر ﷺ إلى المدينة، ويستقر هناك، ويعيش المسلمون ويخوضون أول معركة كانت فرقاناً بين الحق والباطل -وهي معركة بدر- وصارت تلك المعركة شهادة لكل من خاضها وعاش فيها: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ومع ذلك يواجه أولئك بعتاب يقول الله فيه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٧ - ٦٨] إنه عتاب يأتي لأهل بدر.
стр. 780
مصارحة المسلمين بعد غزوة أحد
ثم تدور الأيام وتأتي بعدها غزوة أحد، ويعاتب أولئك أيضاً في عتاب صريح وإيقاف لهم على مكمن الداء وأساس المشكلة: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
ثم يقول الله بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٢ - ١٥٣].
﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران:١٥٤].
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢].
ولهذا قال أحد أصحاب النبي ﷺ : ما كنت أعلم أن منا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية.
стр. 781
مصارحة المسلمين بعد حادثة الإفك
ولا يتوقف العتاب، فيتكرر في حادثة الإفك حين أشاع أحد المنافقين فرية ماجت في صف المجتمع المسلم، فجاء ذاك العتاب والوعيد الشديد، يقول الله : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٤ - ١٧].
стр. 782
مصارحة المسلمين بعد غزوة حنين
وفي غزوة حنين وهي من آخر المشاهد، يقول الله : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥].
стр. 783
المصارحة بالخطأ لا تمنع من الفضيلة وعلو المنزلة
وهكذا نقرأ في القرآن الكريم آيات عظيمة كثيرة يواجه فيها المسلمون ويواجه فيها أصحاب النبي ﷺ بعتاب يسمعه المنافقون أعداء الله ورسوله ويسمعه اليهود أهل الكتاب ويسمعه كفار قريش والمشركون الذين يتربصون الدوائر، ويبقى هذا القرآن يتلى إلى قيام الساعة، ومع ذلك كله لم يكن مانعاً من أن يكون أولئك خير القرون، كما قال ﷺ : (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
ولم يكن ذلك كله مانعاً من أن يكون أولئك أمنة لهذه الأمة، يقول ﷺ : (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).
ولم يكن ذلك مانعاً من أن يكون أولئك كلهم ممن قال الله فيهم: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء:٩٥].
ولم يكن ذلك مانعاً من أن يكون أساس النجاة ومعيار النجاة إلى يوم القيامة هو اقتفاء أثر ذلك الجيل.
أخبر ﷺ أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله! قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
معشر الإخوة الكرام! كان ذلك النقد تواجه به الأمة ويواجه به المجتمع صريحاً واضحاً تحت ضوء الشمس، وفي وضح النهار، وفي آيات تتلى ويقرؤها الجميع، ويسمعها الأعداء والمنافقون وأهل الكتاب والمشركون، كان ذلك النقد ضرورة للتربية ضرورة للبناء ومع ذلك لم يكن هذا النقد كله معوقاً لذلك الجيل ولتلك النخبة أن تصل إلى تلك المنزلة، فما بالنا نريد أبراجاً عاجية! وما بالنا نفرض حول أنفسنا أسواراً من الأسلاك الشائكة! لخوف النقد الذي نتصور أنه يعني الفشل نتصور أنه يعني إثارة الفتنة أنه يعني إثارة القلاقل أنه يعني استثمار الأعداء لهذه الفرص إلى غير ذلك من الأوهام التي نفتعلها لنخادع أنفسنا، ولنمارس نحن حجب الحقائق عن أنفسنا ولنمارس صنع الركام وصنع العشا على أعيننا حتى لا نرى الحقيقة، وخير لنا أن نرى الحقيقة!
стр. 784
النتائج المرة لعدم المصارحة
أيها الإخوة! هل بقي بعد ذلك من حاجة إلى أن نقتنع بأننا بحاجة بل بضرورة إلى المصارحة، وحين تتخلف هذه المصارحة فما النتائج المرة لتخلفها؟
стр. 785
تراكم الأخطاء حتى الوقوع في الهاوية
أقول أولاً: إن المصارحة ولو دون تصحيح الخطأ خير لنا على كل حال، إننا حين نكون صرحاء سواءً كنا أفراداً أو جماعات نكون واضحين، فنقرر أننا نحن مخطئون وأننا نتحمل المسئولية كاملة وهذا خير لنا ولو فشلنا في علاج الخطأ، أو لم نكن نملك الحل، فأن نعرف الواقع خير من أن نخادع أنفسنا ونتصور أننا على طريق سليم، وأننا على الجادة، ولا نكتشف ذلك إلا حين تقع القاضية.
стр. 786
استفحال الأخطاء واستمراؤها
ثانياً: إن ممارسة حجب الحقائق على أنفسنا سواءً كنا أفراداً أو جماعات مدعاة إلى استفحال الأخطاء واستمرارها واستمرائها حتى تحول الأخطاء إلى جزء من تفكيرنا أصلاً، فنصبح نحن نتفكر بمنظار هذه الأخطاء، وبعد ذلك نستنكر على كل ناصح ومنتقد.
стр. 787
فتح باب النقد للمرتزقة والوصوليين
ثالثاً: إن عدم المصارحة مجال لفتح الباب على مصراعيه أمام من ينتقد وهو لا يريد الإصلاح، هناك من يرتزق ويكتسب من نقد الصحوة والطعن في رموزها وبرامجها ووسائلها، وهي قضية لم تعد خافية على أحد.
أتدرون معشر الإخوة الكرام! أننا حين نمارس حجب الحقائق وحين نسكت الأصوات الناصحة الصادقة فإننا نفتح المجال لأولئك المرتزقة، لأن أولئك الذين يتاجرون لا بد أن ينطلقوا من أخطاء تقع فعلاً فيضخمونها ويستعملون كل أنواع المضاعفات العددية فيضرب العدد في أضعافه ثم يربعه بعد ذلك حتى يجعل من الجزء اليسير خطأ شنيعاً ظاهراً أمام الناس، فيتحدث مع أولئك الذين لم يعتادوا أن يسمعوا إلا الثناء ولم يعتادوا أن يسمعوا النقد فيرون فعلاً أن هناك خطأ وأن أولئك يتحدثون عن واقع فيجتمعون ويستجيبون لأولئك المنتقدين.
لكن لو بنينا منهجاً من النقد الذاتي الصريح وكنا صرحاء واضحين، وسمحنا للصوت الناصح الذي يتحدث بحكمة فينتقد الأخطاء ويضعها في موضعها الشرعي لما وجد أولئك مجالاً، ولكان أقلنا تفكيراً وأضعفنا إدراكاً يستطيع أن يقول وبأعلى صوته لأولئك: نعم، إن ما تقوله فيه جزء من الحقيقة ولكن هذا لا يعني الفشل ولا يعني أن كل ما تقوله هو الحق ولا يعني سلامة نيتك ومقصدك وإرادتك.
إنه لا سبيل لتجاوز هذه العقبة، ولا سبيل لإسكات تلك الأصوات إلا ببناء منهج للنقد واضح صريح نتحدث به عن أخطائنا تحت ضوء الشمس وفي وضح النهار، وإلا فلنعلم أن هذا سينشئ أولئك الذين لا يجيدون النقد سواءً كانوا عن حسن نية أو كانوا عن سوء نية، ولا يهمنا نيتهم، المهم: أن إسكات الأصوات الصادقة التي تجيد النقد والنصح مدعاة لإظهار وبروز تلك الأصوات النشاز الأصوات الشاذة التي لا تعرف المنهج السليم، فتدعو إلى إسقاط كل هذا العمل وذاك الجهد بحجة هذا الخطأ أو ذاك.
стр. 788
السقوط في النهاية
رابعاً: من نتائج حجب الحقائق: السقوط في النهاية؛ لأن الحواجز التي نفترضها تبقى حواجز مؤقتة فلا بد أن يكتشف الناس الخطأ بعد ذلك، ولأضرب لكم مثلاً واقعياً: الجهاد الأفغاني: بدأ الجهاد في وقت نسيت فيه الأمة الجهاد حتى صار من يدرس في الفقه يترك باب الجهاد؛ لأنه يشعر أنه يتحدث عن غير الواقع، فقام هذا الجهاد وأحيا هذه الفريضة في الأمة، وكان طبيعياً أن يكون هذا الجهاد فيه خطأ وفيه قصور وفيه تجاوزات والجهاد الأفغاني والأمة الأفغانية جزء من الأمة لا يمكن أن نفصل أمراض الأمة عن أمراضها، فكان طبيعياً أن تمتد العدوى بأمراض الأمة إلى الجهاد الأفغاني ومن باب أولى أن تمتد أمراض العمل الإسلامي والصحوة إلى الجهاد الأفغاني، فكان في الصف منافقون كان في الصف وصوليون كان في الصف من يريد السلطة كان في الصف فرقة وفتنة كان في الصف أخطاء، ومع ذلك كله لم تكن تلك الأخطاء مخرجة للجهاد عن كونه جهاداً شرعياً قام بواجب شرعي يجب على الأمة أن تدعمه وأن تقف معه، ولكن ما الذي كان يدور؟ كنا نتحدث في ذاك الوقت وبعاطفة جياشة عن أولئك المجاهدين وكأنهم صحابة أو تابعون، ونبالغ في سوق الكرامات والقصص والتي كثير منها لا أصل له، وكثير منها ربما كان مصدره ممن تعرفونهم من أصحاب الطرق وغيرهم ممن يتاجرون بمثل ذلك، ونساهم في إخفاء الحقائق أمام الناس، وحين يقع خطأ ظاهر نسارع في البحث عن تزويقه وتزيين الصورة، فهذا الخطأ يفتعله الأعداء الأعداء هم الذين يسعون إلى تفريق المجاهدين الأعداء هم الذين يفعلون الأعداء هم الذين يحيكون المؤامرات.
وحين يدخل رجل منافق في الصف فيقال: ليس صحيحاً هذا الأمر لقد تاب لقد رجع إلى الله إلى غير ذلك، وحين بدت أصوات ناصحة تحذر المجاهدين فتقول لهم: إن في الصف منافقين لا بد من تنقية الصف لا بد من المراجعة لا بد من المحاسبة، ووجهت تلك الأصوات الناصحة في أن مرادها الطعن في الجهاد وأن هذا يعني الوقوع مع الأعداء في خندق واحد ويعني الوقوف ضد الجهاد إلى غير ذلك، وصارت تمارس ألوان الإرهاب الفكري ضد هؤلاء بأنهم ضد الجهاد بأنهم يثبطون بأنهم بأنهم إلى غير ذلك.
وحين تواجه هذا المتحدث في لقاء خاص وحديث صريح يقول لك: أعترف بأن هناك أخطاء ولكن حين نقول هذه الأخطاء أمام العامة ماذا يصنع العامة؟ لن يدعموا الجهاد فمن المصلحة أن نستر هذه الأخطاء والعيوب، وحين تقوم الدولة الإسلامية بإذن الله ستتجاوز هذه الأخطاء والعيوب.
وكان ما كان وحان قطف الثمرة، وصارت النتيجة التي سمعتم عنها، فتخلى الكثير من الناس عن الجهاد حتى سمعنا ممن ذهب ابنه شهيداً بإذن الله في تلك البقاع من يتندم ويبكي يقول: كيف ذهب ابني شهيداً في هذه الصفوف، وسمعنا العامة يقولون: إن أولئك دجالون كذابون أخذوا أموالنا إلى غير ذلك، وصاروا يتهمون الدعاة بأنهم خدعوهم، أو أنهم مغفلون خدعوا إلى غير ذلك.
أرأيتم ما النتيجة التي جنيناها؟ فما رأيكم لو كنا صرحاء من البداية؟ وقلنا للناس: معشر المسلمين! إن هذا جهاد فيه أخطاء فيه كذا وكذا، ولكن هذه الأخطاء لا تمنع من التصحيح.
ولو كنا نقول وبوضوح للمجاهدين: إن لديكم أخطاء فصححوا كذا افعلوا كذا اصنعوا كذا، لكان هذا مدعاة أن يعي الناس وأن يستعدوا حتى ولو لم يصحح الخطأ لقبول النتيجة المؤلمة التي صار إليها الواقع والتي صار الجميع يتندمون فيها على تلك الأموال التي يظنون أنهم أضاعوها هدراً وذهبت هدراً.
إننا نحن المسئولون عن هذه النتيجة؛ لأننا مارسنا حجب الحقيقة.
ولنتجاوز هذا الحدث ولا داعي لإثارة الماضي، والرجل الجاد ينظر إلى ما أمامه، فلنعتبر بتلك الأحداث ولنكن في المستقبل صرحاء مع أنفسنا صرحاء مع الناس ولنعرف أننا مهما مارسنا حجب الحقائق، ومهما مارسنا افتعال الأسوار الشائكة، فإن الناس لا بد أن يعرفوا الحقائق.
فخير لنا أن نكون صرحاء مع أنفسنا أفراداً وجماعات مع الناس ومع أنفسنا حتى لا نحصد تلك الثمرة والمرارة المؤلمة.
стр. 789
آداب المناصحة والمصارحة
وأخيراً: فمع الدعوة للمصارحة لا بد من الاعتدال والتوازن، فلا يفرط الفرد ويبالغ في النظر إلى أخطائه فيحمل نفسه أخطاء لا يتحملها بحجة المصارحة، أو يبالغ فلا ينظر إلى نفسه إلا من زاوية واحدة وهي زاوية الخطأ، فحينئذ يصل إلى نهاية مفادها أنه لا يحمل إلا الأخطاء.
وعلى مستوى الجماعة أيضاً فليس كل ما يعلم يقال، ولكل مقام مقال، ونحن حين نطالب بالنقد الواضح والصريح فإن هذا لا يعني أن نتحدث عن كل خطأ نعلمه في كل مناسبة وكل لقاء.
وحين ندعو إلى المصارحة فإن هذا لا يعني أن يغيب عن بالنا أيضاً المنهج الشرعي في النقد والنصح وهذا أمر معروف للجميع، وليس هذا وقت التفصيل في الحديث عنه، ولكن أقصد أننا حين نتحدث عن الدعوة للمصارحة سواءً على مستوى الفرد أو الجماعة فإننا مع ذلك يجب أن نعلم أن هذا ينبغي أن يبقى في دائرة التوسط والاعتدال، فلا نفرط نحن معشر الأفراد في النظر إلى أخطائنا وعيوبنا فنحمل أنفسنا أخطاء لا نتحملها، ولا أيضاً نفرط في الحديث عن أخطاء الصحوة بمناسبة أو غير مناسبة مما يكون مدعاة إلى الخلل بالمنهج الشرعي ونشوء مفاسد تترتب على ذلك.
стр. 790
الأسئلة
стр. 791
تنبيه على لفظ حديث الإخبار عن خيرية القرون الثلاثة
السؤال
ذكرت حديث (خير القرون) ولكن لفظه في الصحيحة: (خير الناس قرني) هذا ما قاله الإمام ناصر الدين الألباني.
الجواب
نشكر الأخ على تنبيهه، فالإنسان مع الحديث والاستمرار فيه قد لا يستحضر النص كاملاً، وقد يخطئ في الآية وهو يحفظها، فهذا أمر طبيعي، ونشكر الأخ على تنبيهه، وطيب أن يكون بيننا مثل هذا التواصل والتنبيه، فقد يكون الخطأ ناشئاً عن سهو أو سبق لسان، وقد يكون الخطأ ناشئاً عن كون المرء حفظ الحديث خطأً أو أنه وقع في مثل هذا الخطأ، فنشكر الأخ على تنبيهه ونأمل أن يستمر مثل هذا السلوك عند الإخوان جميعاً.
стр. 792
التفريق بين النصيحة والفضيحة
السؤال
إن مما يفهم من خلال حديثك أنك ما فرقت بين المناصحة على انفراد والفضيحة بين البشر، مع العلم أن منهج تصويب الخطأ هو منهج قرآني، ومع أنه تصويب لكنه تصويب يظهر في أحسن كلام وأجمل عبارة إلى آخر السؤال
الجواب
يعني: أظن أننا أشرنا إلى هذا في آخر التنبيه، والأخ معذور؛ لأنه كتب السؤال مبكراً.
стр. 793
تدارك الخطأ في المستقبل
السؤال
قد يستطيع الشخص أن ينتقد ويعرف أن هذا تصرف خطأ لكنه إذا صار في مكان ذلك الشخص المخطئ يقع فيه وهو لا يدرك ذلك؛ هذا لأنه إذا صار في مكان المواجهة يرتبك بينما إذا زال عنه يفكر بهدوء ويعرف ذلك فما رأيك؟
الجواب
نعم، هذا وضع طبيعي، أنت الآن مثلاً عندما تقيم كلاماً تستطيع أن تستخرج عليه أخطاء كلحن في الكلام أو خطأ استشهاد أنا لو أخذت الشريط واستمعت إليه بهدوء بعد ذلك أستطيع أن أكتشف الأخطاء، لكن وأنا أقوم في العمل لا أستطيع ذلك، وهذا لا يمنع من أن نتواصل بالمناصحة واكتشاف الأخطاء، وأن الإنسان إذا اكتشف أخطاءه يكون هذا مدعاة إلى أن يتداركها فيما بعد.
стр. 794
استمرار ظهور الأخطاء
السؤال
بعد أن صارحت نفسي وجدت الأخطاء فاستطعت أن أعالج كثيراً من الأخطاء، ولكن
السؤال
ظهرت أخطاء كثيرة غير الأولى فأحسست أني أغرق في الأخطاء، فأنا أعالج من هنا وتظهر أخطاء من هنا، فما الحل وإلى متى؟
الجواب
الحل أن تستمر، أولاً: أنت تتصور أن يأتيك وقت لا تستطيع أن تكتشف الأخطاء؟ وهذا لن يأتيك إلا إذا انغلق التفكير، وإلا فالإنسان لا بد أن يقع في الخطأ، فاكتشافك الخطأ لا يعني أن يكون مدعاة للشعور بالفشل.
ثم أنت عادة تنظر إلى الخطأ وتنسى جوانب الصواب وجواب الإبداع التي في نفسك؛ لأنك دائماً لا تنظر إلا إلى الخلف، الآن المسجد الذي عندنا لو نظرنا إليه مثلاً مع ما فيه من الزينة -وإن كان الأولى اجتناب ذلك- فإذا كانت سلمية ليس فيها مشكلة فإنها لا تلفت انتباهنا، لكن لو كان فيها خلل فإن كل واحد يدركها واضحة الإضاءة التي في المسجد لو كان فيها مصباح واحد لا يضيء فإن كل واحد منا يراه.
فالخطأ يرى بوضوح، أما الصواب فلا يرى؛ ولهذا فأنت عندما تركز على الأخطاء وحدها تتضخم عندك فتتصور أنك أصبحت -كما تقول- غارقاً في الأخطاء، ومهما كان فاكتشافك للأخطاء دليل على نجاحك، ودليل على أنك بدأت تسير في الطريق الصحيح، فاستمر في علاج الأخطاء.
стр. 795
اعتذار المربي عن التقصير والخطأ
السؤال
ما رأي فضيلتكم في المربي الذي يعتذر عن بعض التقصير فيه بسبب وجود هذا التقصير في المربين؟
الجواب
قد يكون هذا سبباً لكنه ليس عذراً، وفرق بين الأمرين، أضرب مثالاً: إنسان خرج للسوق يريد أن يشتري كتاباً فرأى امرأة متبرجة ففتنته ثم استمر معه الأمر حتى وقع في المعصية، فتبرج هذه المرأة هو السبب في وقوعه في المعصية لكن هل هذا عذر له أمام الله؟ ليس عذراً.
وإذا فرقنا بين الأمرين عرفنا، فأنت إنسان مكلف تتحمل المسئولية ويجب أن تعرف أن المربي لك أياً كان مستواه وإدراكه لا بد أن يكون عنده قصور لا بد أن يكون عنده خطأ، فيجب أن تكون على مستوى أنك ترتفع إلى مستوى إدراك أخطاء المربي وتجاوزها، وكل مرب فيه سلبيات وأخطاء لا يعني أن ترفضه، بل لا بد أن يكون فيمن يربيك والدك وأستاذك أو شيخك أياً كان لا بد أن يكون فيه أخطاء وسلبيات، وقد تدركها أنت واضحة بأم عينك لكن هذا لا يعني فشله بحال، فأنت يجب أن تتجاوز السلبيات والأخطاء وتستفيد مما عنده.
وإذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
стр. 796
النقد الشرعي المنضبط
السؤال
عندما ينتقد بعض المربين أو المشايخ تقوم بعض الأنشطة بنشر هذا النقد على شكل خلاف بين الطرفين، ما يثير الشك في ضعاف الإيمان ويقيم ثغرة الأعداء ومرضى القلوب، هذا كله يمنع من النقد فما الحل؟
الجواب
مرة أخرى أقول: نحن حينما ندعو إلى النقد المنضبط ندعو إلى النقد الشرعي، كوني أنا مثلاً أنتقد واحد من الناس المشهورين بالخير والصلاح والدعوة في محضر من الناس هذا أمر غير لائق وأمر غير شرعي، وبإمكاني أن أصحح الخطأ بصورة وأخرى، فدعوتي للنقد لا تحملني مسئولية أي نقد آخر غير منضبط، فأنا لا أدعو إلى النقد المفتوح على مصراعيه وإنما إلى النقد والمصارحة المنضبطة بالضابط الشرعي.
стр. 797
التبرير للتقصير بعدم صلاح المجتمع
السؤال
يوجد معي شاب في العمل يريد الهداية ويقول: إن المانع أنه لا يوجد شباب صالحون في الحي الذي يسكنه، فما الحل؟ وجزاك الله خيراً، أرجوا الدعاء ولإخواني الموجودين من المسلمين الثبات على دين الله .
الجواب
هذا من أساليب التبرير افرض أنك أنت موجود في مجتمع كلهم كفار فهل هذا عذر لك؟! وإذا كان جاداً يعرف أنه سيلقى الله، وليست القضية أن ينظر طريق الخير إن استطاعه وإلا فلا شيء عليه، فليعلم أنه طريق واحد وليس أمامه خيار في سلوكه، وأن البديل هو الخسارة؛ ولهذا فهو يخادع نفسه.
أضرب لك مثالاً هذا في العمل، هل العمل مثل إنسان تخرج الآن من الجامعة ويريد أن يتوظف فقالوا له: لا يوجد وظيفة إلا في قرية بعيدة أو في مكان بعيد يحتاج أن تسكن بعيداً وإلا فلن تتوظف، هل ممكن أن يقول: لن أتوظف لم أجد وظيفة؟ لا، بل سيكون عنده استعداد أن يمشي ستين كيلو على التراب حتى يعمل ويتحمل من أجل الوظيفة؛ لأنه يعرف أنه ليس له إلا هذا الخيار.
واحد لم يجد قبول في الجامعة فإنه يذهب إلى جامعة أخرى منطقة أخرى لأنه يبحث عن الدراسة ولأنه مصر على الهدف، فإذا كان هذا الإنسان جاداً استطاع أن يجد الناس الصالحين وإذا بحث عنهم وجدهم ولو في غير حيه.
يا أخي! إذا كنت جاداً ومشكلتك أنك نذرت لله يميناً ألا تصاحب إلا من في حيك فلك مجال غير الكفارة وهو أن تنتقل إلى حي آخر غير هذا الحي، وأظن الهداية وطريق الخير يستحق أن تبذل هذا الثمن، مع أنك لو كنت جاداً لوجدت طريقاً بسهولة وأنت ساكن في حيك وبين عشيرتك.
стр. 798
المنهج المنحرف في النقد
السؤال
ألا تعتقد أن العنف في معالجة الأخطاء من الآخرين والخوف من قسوة العقاب، من أسباب الهروب من المصارحة؟
الجواب
من ضمن الأسباب المنهج المنحرف في النقد والمصارحة أعني أن هناك مناهج منحرفة في النقد موجودة في الساحة الآن، وهي مدعاة لأن نرفض النقد لأننا أصبحنا نرفض ونتصور عن كل من ينتقد صورة أخرى، لكن أنا أقول: إن السبب في البداية أننا روجنا لهؤلاء بأننا لم نقم منهجاً للنقد، لكن لو كان هناك منهج واضح للنقد تربينا عليه لما كان هناك مجال لأولئك أصلاً أن يكون لهم وجود وثقل في الساحة.
стр. 799
حكم إسبال الثوب لغير خيلاء
السؤال
هذا الأخ يسأل عن حكم إسبال الثوب إذا كان لغير خيلاء ولا كبر؟
الجواب
إسبال الثوب محرم سواء كان لخيلاء أو لغير خيلاء؛ لأن النبي ﷺ قال: (من جز إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)، وفي الحديث الآخر: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي لنار) فالحديث الأول مقيد، والثاني مطلق، فاختلف الحكم فالحكم في الحديث الأول: أن الله لا ينظر إليه يوم القيامة، والحكم الثاني أنه في النار، فلا يجوز أن نحمل المطلق على المقيد إلا إذا اتحد الحكم.
ثم في حديث آخر صريح يزيل عنك الإشكال، يقول النبي ﷺ : (أزرة المؤمن إلى نصف ساقه، فإن أبى فإلى الكعبين، ومن جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، وما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) فجعل النبي ﷺ الأقسام ثلاثة: قسم يجعل إزاره إلى نصف ساقه أو إلى الكعبين.
وقسم يجر إزاره خيلاء، هذا لا ينظر الله إليه.
وقسم أسفل من الكعبين يعني: ليس عن خيلاء، فدل هذا الحديث على أن التحريم ليس قاصراً على الخيلاء.
نعم، إذا جره خيلاء فهو معصية أخرى وعقوبة أشد؛ لأن عدم نظر الله إليه أشد من مجرد توعده بالنار، ثم إن هناك أحاديث عن النبي ﷺ ينكر فيها على المسبل دون أن يسأله عن قصده، ولو كان الإسبال خاصاً بالخيلاء لسأله: هل أنت تفعل ذلك خيلاء ولم تفعله خيلاء.
بل في حديث آخر يقول النبي ﷺ : (إياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة) يعني: إسبال الإزار سبب أصل للمخيلة.
стр. 800
كيفية المحافظة على الإجازة باستغلالها في الخير
السؤال
هذا يسأل عن بعض الوصايا خلال الإجازة أو على الأقل بعض المقترحات المعينة على الحفاظ على الإجازة
الجواب
نحن اليوم نودع الأسبوع الأول من الإجازة، لكن أقول: إننا يجب دائماً أن لا نتوقف، أحد الشباب في الحرم يسألني: أنا جاد وبدأت أستغل وقتي وأقرأ، لكن لا أجد الكتب المناسبة للقراءة! قلت: هل تعرف كتاب رياض الصالحين، قال: نعم.
قلت: ما رأيك هل هو مناسب للقراءة؟ قال: نعم، قرأته؟ قال: لا.
هل تعرف كتاب جامع الأصول؟ نعم، هل هو مناسب للقراءة؟ نعم، قرأته؟ لا، تعرف تفسير ابن كثير مناسب للقراءة؟ نعم، قرأته؟ لا.
قلت إذاً: ليست مشكلتك أنك لا تعرف الكتب التي تناسب للقراءة لكن هذا أسلوب من أساليب عدم المصارحة مع النفس، ومشكلتك أنك ليس عندك عزيمة على القراءة.
فأقول: الناس يختلفون في مستوياتهم وقدراتهم وطاقاتهم، فكل يحفظ وقته بما يرى أنه بحاجة إليه، فمثلاً: بعض الشباب يرى أنه ينبغي أن يوفر وقتاً لحفظ القرآن في الإجازة البعض مثلاً في حفظ أحاديث النبي ﷺ في حفظ بعض المتون في قراءة في دعوة البعض في برنامج هنا أو هناك فالناس يختلفون على حسب مواقعهم، المهم أن الهاجس عندنا هو أن نحفظ وقتنا.
وأصلاً كونك تضع برنامجاً للناس كلهم فهذا خطأ؛ لأني عندما أقول لك مثلاً: اجتهد في حفظ القرآن قد تكون أنت حفظت القرآن عندما أقول لك: احفظ السنة أو جزءاً من السنة قد تكون لم تحفظ القرآن والأولى أن تبدأ بحفظ القرآن، فأهم شيء أنك تعرف ما الشيء الذي تحتاج إليه، ثم تجتهد في أن ترسم برنامجاً يعينك على حفظ إجازتك أو على حفظ وقتك فيما أنت بحاجة إليه.
ثم أيضاً مع هذا نتخلص من عقدة الإجازة، أعني أن هناك أوقاتاً نهدرها غير الإجازة.
стр. 801
اقتراح محاضرة
السؤال
نشكركم على شريط: يا أبت! وأنا أول من استفدت منه، وأهديته لوالدي فكان لهذا أكبر أثر عليه، وليتنا أن نرى شريطاً بعنوان: يا بني! على غرار: يا أبت! أولاً وإخواني ثانياً.
الجواب
هناك فكرة، لكن ذلك قد يطول ولا يأخذ وقتاً، وهذا أدعى أن تكون المحاضرة ناضجة وتجتمع فيها الأفكار، وهو اقتراح وجيه، وأتمنى أن الأخ عندما يقترح موضوعاً يقترح بعض العناصر وبعض الأفكار وإذا كان يعرف مراجع تكلمت عن الموضوع فليفدنا بها حتى يكون الموضوع متكاملاً، فأحب أن يكون هناك تواصل ومراسلة مثلاً، سواء في اقتراح موضوعات أو عناوين أو ملاحظات أو انتقادات أو غيرها.
أسأل الله أن يجعلنا وإياكم متحابين بجلاله، وأن يجعلنا وإياكم ممن اجتمعوا لأجله ، وأن يمن علينا وعليكم في هذا المجلس العظيم المبارك بالتوبة الصادقة النصوح، وأن يكفر عنا سيئاتنا وذنوبنا، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
وأكرر شكري في نهاية هذا اللقاء للإخوة في مركز الدعوة في مكة على هذا البرنامج الحافل الذي نظموه، والذي هذه المحاضرة ليست إلا جزءاً يسيراً منه، وأيضاً نكرر شكرنا لهم على حسن ظنهم ودعوتهم لنا، ونسأل الله أن نكون عند حسن ظنهم، وأن يجعلنا خيراً مما يظنون بنا، وأن يغفر لنا ما لا يعلمون.
هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 802
لبيك اللهم لبيك
الحج شعيرة من شعائر الإسلام، والقيام به هو استجابة لأمر الله ، وإن الناظر ليجد الحجيج من المسلمين يستجيبون لأمر الله ويلبون نداءه ويعملون بما أمر في الحج وينتهون عما نهى رغم انطواء الحكمة من وراء ذلك؛ لكنهم ما أن ينتهوا من النسك ويعودوا إلى بلدانهم حتى ينهمكوا في المحرمات ويرتكبوا المناهي بكافة صورها ومراتبها، فكان من المهم أن يتعلم المرء من الحج الدروس والعبر التي تنفعه في سائر حياته.
стр. 803
وقفات حول التلبية
стр. 804
الاستجابة لله ينبغي ألا تعقبها مخالفة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، أما بعد.
فهذه هي أول ليلة من هذا الشهر الحرام شهر ذي القعدة، ونحن نستقبل جميعاً وإياكم موسماً عظيماً، وأياماً فاضلة من أيام الله ، تلك الأيام التي فضلها الله على سائر الأيام، فما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، أي عشر ذي الحجة، وأفضل عمل صالح يؤدى في هذه الأيام هو الحج إلى بيت الله الحرام، ومن ثم أحببنا أن نقف في هذه الأمسية وفي هذا الدرس حول بعض المعاني المتعلقة بهذه الشعيرة العظيمة، ولهذا أقترح أن يكون عنوان هذا الدرس: لبيك اللهم لبيك، وهو لا يخرج عن العنوان المعلن فهي وصايا هامة.
في هذا الدرس -معشر الإخوة الكرام- لن أتحدث عن أحكام الحج، ولن أتحدث عن آدابه، ولا عما ينبغي أن يفعله الحاج، أو عن الأخطاء التي يقع فيها الحجاج، وهي جوانب مهمة ولا شك ونحتاج إلى الحديث عنها كثيراً، وحين أختار ألا أتحدث عنها فإن هذا لا يعني بحال أني أرى أن ما أقوله هو أولى من ذلك، ولكني أردت أن أطوف وإياكم في هذه الأمسية حول واقع المسلمين الذين يفدون إلى بيت الله الحرام لنأخذ بعض الدروس وبعض الوقفات التي نتأمل فيها واقعنا جميعاً وخاصة واقع أولئك الحجاج الذين يلبون نداء الله ، ويأتون إلى هذا البيت ملبين مهلين، وأول قضية نقف عندها هي وقفات حول التلبية.
الوقفة الأولى: ما إن يخلع الحاج ملابسه ويرتدي ملابس الإحرام حتى يجهر بهذا النداء وهذا الذكر: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
إنه يعلن استجابته لله استجابة بعد استجابة، يعلن استجابته لنداء الله ولأمره، ويكرر هذا ويصدح به على رءوس الملأ، ويتعبد إلى الله بهذا الذكر، لكنك حين ترقب هذا الذي يلبي في سائر حياته ترى له شأناً آخر مع حدود الله ، إنه يتجرأ على أن يتجاوز حدود الله ، ويتجرأ على أن يخالف أوامر الله ، إنه يرى الأمر واضحاً أمامه مما أمر الله به وافترضه عليه، ومع ذلك يترك هذا العمل عن عمد وسبق إصرار، وهو أيضاً يرى الأمر مما نهاه الله عنه وحذره منه وتوعده عليه بأليم العقاب، ومع ذلك يتجرأ على مخالفة أمر الله وعلى انتهاك حدوده، فأين تلك الاستجابة التي كان يعلنها وهو يقول: لبيك اللهم لبيك؟ أين ذاك الخضوع الذي لم يكتف بأن يكون سراً في نفسه حتى جهر به وأعلنه على رءوس الملأ استجابة لله بعد استجابة، وخضوعاً لله بعد خضوع؟ إنه لو تأمل هذا المعنى لعاد به ذلك كثيراً ولفكر ملياً وهو يجهر بهذا الدعاء وهذا الذكر، ولعادت به الذاكرة إلى حياته تلك التي يسطرها بالصفحات المخالفة لأمر الله ، إن هذا الدافع الذي يدعوه إلى إعلان الاستجابة لأمر الله على رءوس الخلائق ينبغي أن يدفعه للاستجابة لأوامر الله ونواهيه في سائر حياته.
стр. 805
التلبية يجب ألا يعقبها الشرك
الوقفة الثانية حول التلبية: لقد كان أهل الجاهلية يعلنون الشرك الصراح وهم يلبون ويجاهرون به، فيقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك! فجاء الإسلام بتلبية التوحيد والإخلاص، إنه إعلان للبراءة من الشرك بكل صوره وأبوابه، من الشرك في ربوبية الله ، فالله هو وحده المتصف بصفات الجلال والتعظيم فاعتقاد أن أحداً من البشر يشاركه الخلق أو الرزق أو أنه يملك الضر والنفع هو إشراك مع الله المتفرد بالربوبية، وكم يتجرأ أولئك الذين يعلنون هذا الدعاء صباح مساء: لبيك لا شريك لك كم يتجرأ هؤلاء على الشرك بالله في مقام ربوبيته، فيعطون تفويضاً لمن يسمونهم بمشايخ الطرق أو الأئمة أو غيرهم، يعطونهم تفويضاً في التصرف في الكون فيعتقدون أن فلاناً ينفع، أو أن فلاناً يضر، أو أن فلاناً بيده هذا الأمر أو ذاك.
واعتقاد أن هناك من يملك التشريع للناس والتحليل والتحريم هو أيضاً خرق لسياج التوحيد، واستخفاف بالله وعظمته، وهو القائل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].
إنها قضية واضحة كل الوضوح لا لبس فيها ولا غموض ولا مجال فيها للمجادلة والمراء، إن إعطاء حق التشريع والإباحة والتحريم لأحد غير الله خرق لسياج التوحيد وإشراك بالله في ربوبيته، ويصدق على أولئك قول الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] فما بال هذا الرجل الذي يُعلن التلبية ويصدح بها نافياً للشرك عن الله ، يتجرأ في الإشراك بالله ومنازعة الله في ربوبيته وأمره: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقد قرن الله الحكم بشرعه بعبادته: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠].
والتوجه لغيره بالدعاء وطلب الحاجة إعلان ممن فعل ذلك أنه يجهل قدر الله ، وأنه لا يعظّم الله حق التعظيم، وهو القائل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] وهو القائل: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤] فما بال البعض ممن يعلن البراءة من الشرك هاهنا ويكررها، حين يعود إلى بلاده يتوجه إلى غير الله فيدعو غير الله ، ويرغب إلى غير الله ، ويتوجه إلى غيره .
стр. 806
الجهر بالتلبية
الوقفة الثالثة حول التلبية: يسن الجهر بالتلبية، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (أفضل الحج العج والثج) والمقصود به رفع الصوت بالتلبية وإراقة الدم في سبيل الله ، وحين أحرم أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا يلبون رفعوا أصواتهم فما بلغوا الروحاء حتى بحت أصواتهم.
إنه مشهد جميل ورائع وصوت شجي وندي يملأ الميادين والأزقة والطرقات معلناً التوحيد لله : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك! لكنك ترى المسلم الذي يجهر بالتلبية ويعلنها ويكررها ويرفع بها صوته، تراه حين يعود بعد ذلك إلى بلده يستحي أن يجهر بما ينبغي أن يجهر به، فهو يستحي أن يعلن انتماءه الحقيقي وولاءه لدينه، يستحي أن يصلي النافلة وربما صلاة الجماعة، يستحي أن يترك معاقرة الخمرة، يستحي أن يفعل ذلك أمام الناس وهو الذي كان يجهر بالتلبية لله .
إن هذا الشعور الذي يدفع المسلم للجهر بالتلبية ينبغي أن يدفعه إلى أن يجهر بانتمائه وبدينه وأن يعلنها صريحة واضحة أمام الناس: ها أنا مسلم أدعو الله وأدعو إليه وأنتمي لدينه، ها أنا مسلم أتعبد لله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى ولو خالف ما عليه الناس.
стр. 807
الحج وإبراهيم
النقطة الثانية: الحج وإبراهيم.
стр. 808
الولاء لله ولدين الإسلام وأهله
الحج يربط المسلم ويذكره بنبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهو الذي بنى البيت، وهو الذي أذن في الناس بالحج فجاءوا رجالاً وركباناً على كل ضامر من كل فج عميق يستجيبون لهذا النداء، وهو الذي نبع ماء زمزم لابنه إسماعيل حين تركه وودعه وأمه، فنادته أمه قائلة: إلى من تتركنا إلى من تتركنا؟ فلا يجيب إبراهيم النداء ولا يلتفت إليها، ثم تسأله فتقول: آلله أمرك بهذا؟ فيقول: نعم فتقول: إنه لن يضيعنا.
وتبقى تلك المرأة مع ولدها إسماعيل في واد غير ذي زرع، وحين يفارقهم إبراهيم يرفع يديه إلى السماء ويدعو الله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٧] وتأتي حين يجوع ولدها ويبكي، تذهب ذات اليمين وذات الشمال، فتصعد الصفا وتصعد المروة وتتردد هنا وهناك حتى يمن الله عليه بهذا الماء.
إن المسلم هناك وهو يطوف بالبيت، ويصلي خلف المقام، ويسعى بين الصفا والمروة، ويشرب ماء زمزم، وهو يتنقل بين هذه المناسك إنه يشعر بأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإبراهيم ﵇، وهذا يعني أولاً: أن هذا يشعره بالانتماء والولاء لإبراهيم ﵇، وللحنيفية التي جاء بها، إن إبراهيم هو الذي دعا الله : ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة:١٢٩] إن إبراهيم هو الذي سمانا المسلمين من قبل، هو الذي أمر الله نبيه ﷺ وأمر أمته من بعده أن تتأسى به وأن تنتمي إليه.
ما بالنا نرى هذا المسلم الذي يأتي إلى البيت والذي يشعره بالولاء لإبراهيم، نراه حين يعود إلى بلاده يوزع ولاءه ذات اليمين وذات الشمال، فهو تارة ينتمي لاتجاه قومي، وتارة لاتجاه وطني، تارة يتبنى منهجاً علمانياً، تارة يتبنى منهجاً يعارض الملة الحنيفية التي جاء بها إبراهيم ﵇.
إنه هو الذي كان يطوف بالبيت وكان يصلي خلف المقام، وكان يطوف بين الصفا والمروة، هو الذي لا يستحي بعد ذلك أن يُعلن أمام الناس أنه قومي أو وطني أو علماني، إنه هو الذي يستقبل القبلة البيت الذي بناه إبراهيم كل يوم خمس مرات ويردد في صلاته: كما صليت على إبراهيم وعلى آله إبراهيم كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنه هو هو الذي يوزع ولاءه وانتماءه، ولهذا يأمر الله أمة محمد ﷺ أن تجهر بها صريحة وتعلنها واضحة في وجه من يدعوها لمنهج منحرف: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥].
ولئن كان الله قد أمر المخاطبين بها لأول مرة أن يقولوها في وجه من يدعوهم لليهودية، أو من يدعوهم للنصرانية، فهو أمر لمن يدعوهم بعد ذلك لنحلة أرضية أو مذهب مادي، إن أمة الإسلام حزب واحد، وجماعة واحدة، وأمة واحدة لا يعرف فيها المسلم الولاء إلا لمنهج واضح المعالم، ذاك المنهج الذي اختصه إبراهيم ﵇: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥].
стр. 809
عدم صرف العبادة لغير الله تعالى
ثانياً: إن منهج إبراهيم وملة إبراهيم لها معلم بارز وشعار ظاهر بيّنه الله لورثة إبراهيم، فقد اختصم اليهود والنصارى وكل منهم يدّعي أنه سائر على منهج إبراهيم، فجاء الوحي: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] إن مجرد نزاع أولئك على الانتماء له والادعاء بالسير وراءه لأعظم دليل على سمو الانتماء لهذا النبي الكريم، إن ملة إبراهيم هي كما حكى الله : ﴿كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] وفي سورة الأنعام يقول حين أعلن بطلان إلوهية ما سوى الله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩].
وفي سورة النحل يصفه الله بذلك: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] ثم يأمر الله نبيه، والأمر له أمر لأمته من بعده: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣].
أترى أخي المسلم وأختي المسلمة بعد ذلك أولئك الذين يصرفون العبادة لغير الله في شتى أنحاء بلاد المسلمين يحق لهم أن ينتسبوا وينتموا لإبراهيم؟ ومع هذا التأكيد على ملة إبراهيم فيوحي الله إليه محذراً إياه من الشرك ومبيناً له أن من أهم ما يقتضيه حج بيت الله الحرام إعلان البراءة من الشرك والخلوص منه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] ثم يخاطب الله أمة الإسلام في ثنايا آيات الحج: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١].
وقد أخبر الله في كتابه وهو العليم الحكيم أن الكثير ممن يدعي الإيمان يقع في الشرك فقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فما بال البعض ممن يحج إلى البيت وينتسب لإبراهيم يقعون في الشرك ويتوجهون لغير الله ؟ أيظن أولئك أن مجرد الانتساب للإسلام كاف لخلاصهم من الشرك وقد قال الله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، أم يظنون أن مجرد إقرارهم بالإيمان والدين كاف وقد أخبر الله أن أنبياءه لو أشركوا لحبطت أعمالهم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
لقد حكى الله عن المشركين أنهم وهم يتوجهون لأوثانهم بالعبادة ما كانوا يقصدون عبادة تلك الأوثان، بل كانوا يتخذونها وسيلة وزلفى إلى الله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
فبالله عليكم ما الفرق بين أعرابي كان في ذلك العصر البائد يتوجه إلى حجارة يركع لها ويسجد ويرى أنها تقربه إلى الله زلفى، وبين رجل في القرن العشرين في عصر العلم والوعي أصبح يطوف على رفات قد مضت عليها السنون، ويعتقد أن صاحب هذا الضريح يقربه إلى الله زلفى ومنزلة إلى الله ؟ إنها صورة واضحة، إنه الشرك بالله إنه الشرك الذي جاء هذا الدين لمحوه، هو الذي أرسل الله محمداً ﷺ لإبطاله والقضاء عليه، فما أجدر المسلم وقد أجاب نداء إبراهيم فجاء ملبياً أن يحرص على أن يتعلم ملة إبراهيم، أن يحرص على أن يعرف هذا الطريق وهذه الملة ليبتعد عن موجبات الشرك صغيره وكبيره.
стр. 810
عقيدة البراءة من المشركين
ثالثاً: لقد ورثت الأمة الإسلامية من أبيها إبراهيم عقيدة البراءة من المشركين وعداوتهم؛ ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].
فقد أعلنها إبراهيم صريحة واضحة: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ [الممتحنة:٤] ولحكمة عظيمة تنزل آية براءة في موسى الحج، ويرسل النبي ﷺ من يقرأ بها في الموسم: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة:١ - ٢].
فهل يُدرك المسلم وهو يلبي نداء إبراهيم أن عليه أن يقطع الولاء لكل مشرك وكافر، ولو كان أقرب قريب؟ وألا يوالي إلا من كان حنيفاً مسلماً؟ هل يدرك المسلم وهو يلبي، وهو يستجيب لنداء إبراهيم، وهو يستقبل البيت الذي بناه إبراهيم خمس مرات، هل يدرك أن ملة إبراهيم قائمة على البراءة من كل كافر بالله ، ومن كل مشرك أياً كان كفره وشركه، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، أو كان وثنياْ أو مرتداً ما دام كافراً بالله فملة إبراهيم تقتضي إعلان البراءة واضحة، وقد أعلنها الله ، ونزلت هذه الآيات في موسم الحج وقُرئت على الناس في ذاك العام أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فما أجدر المسلم وهو يقضي هذه المناسك أن يتذكر هذه المعاني العظيمة.
إن قوماً من الزائغين رأوا أن الحج موطن إعلان البراءة من المشركين، والبراءة عندهم من المشركين تعني البراءة من أبي بكر وعمر وممن يحبهما ويترضى عنهم، وإن استعمال أولئك الضالين الزائغين لهذا المصطلح الشرعي لا يعني أن نتخلى عنه، فهو مصطلح جاء في كتاب الله ، وأمر الله به، ونودي بهذه الآيات في يوم الحج الأكبر في يوم النحر، فاستخدام أولئك لها استخداماً خاطئاً لا يعني بحال أن ينسى المسلم أنه مُتعبد بذلك، لكن البراءة التي يعرفها المنتمي حقاً لملة إبراهيم غير تلك البراءة.
следующие страницы →