← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الجهر بالتلبية الوقفة الثالثة حول التلبية: يسن الجهر بالتلبية، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (أفضل الحج العج والثج) والمقصود به رفع الصوت بالتلبية وإراقة الدم في سبيل الله ، وحين أحرم أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا يلبون رفعوا أصواتهم فما بلغوا الروحاء حتى بحت أصواتهم. إنه مشهد جميل ورائع وصوت شجي وندي يملأ الميادين والأزقة والطرقات معلناً التوحيد لله : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك! لكنك ترى المسلم الذي يجهر بالتلبية ويعلنها ويكررها ويرفع بها صوته، تراه حين يعود بعد ذلك إلى بلده يستحي أن يجهر بما ينبغي أن يجهر به، فهو يستحي أن يعلن انتماءه الحقيقي وولاءه لدينه، يستحي أن يصلي النافلة وربما صلاة الجماعة، يستحي أن يترك معاقرة الخمرة، يستحي أن يفعل ذلك أمام الناس وهو الذي كان يجهر بالتلبية لله . إن هذا الشعور الذي يدفع المسلم للجهر بالتلبية ينبغي أن يدفعه إلى أن يجهر بانتمائه وبدينه وأن يعلنها صريحة واضحة أمام الناس: ها أنا مسلم أدعو الله وأدعو إليه وأنتمي لدينه، ها أنا مسلم أتعبد لله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى ولو خالف ما عليه الناس.

стр. 807

الحج وإبراهيم النقطة الثانية: الحج وإبراهيم.

стр. 808

الولاء لله ولدين الإسلام وأهله الحج يربط المسلم ويذكره بنبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهو الذي بنى البيت، وهو الذي أذن في الناس بالحج فجاءوا رجالاً وركباناً على كل ضامر من كل فج عميق يستجيبون لهذا النداء، وهو الذي نبع ماء زمزم لابنه إسماعيل حين تركه وودعه وأمه، فنادته أمه قائلة: إلى من تتركنا إلى من تتركنا؟ فلا يجيب إبراهيم النداء ولا يلتفت إليها، ثم تسأله فتقول: آلله أمرك بهذا؟ فيقول: نعم فتقول: إنه لن يضيعنا. وتبقى تلك المرأة مع ولدها إسماعيل في واد غير ذي زرع، وحين يفارقهم إبراهيم يرفع يديه إلى السماء ويدعو الله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٧] وتأتي حين يجوع ولدها ويبكي، تذهب ذات اليمين وذات الشمال، فتصعد الصفا وتصعد المروة وتتردد هنا وهناك حتى يمن الله عليه بهذا الماء. إن المسلم هناك وهو يطوف بالبيت، ويصلي خلف المقام، ويسعى بين الصفا والمروة، ويشرب ماء زمزم، وهو يتنقل بين هذه المناسك إنه يشعر بأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإبراهيم ﵇، وهذا يعني أولاً: أن هذا يشعره بالانتماء والولاء لإبراهيم ﵇، وللحنيفية التي جاء بها، إن إبراهيم هو الذي دعا الله : ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة:١٢٩] إن إبراهيم هو الذي سمانا المسلمين من قبل، هو الذي أمر الله نبيه ﷺ وأمر أمته من بعده أن تتأسى به وأن تنتمي إليه. ما بالنا نرى هذا المسلم الذي يأتي إلى البيت والذي يشعره بالولاء لإبراهيم، نراه حين يعود إلى بلاده يوزع ولاءه ذات اليمين وذات الشمال، فهو تارة ينتمي لاتجاه قومي، وتارة لاتجاه وطني، تارة يتبنى منهجاً علمانياً، تارة يتبنى منهجاً يعارض الملة الحنيفية التي جاء بها إبراهيم ﵇. إنه هو الذي كان يطوف بالبيت وكان يصلي خلف المقام، وكان يطوف بين الصفا والمروة، هو الذي لا يستحي بعد ذلك أن يُعلن أمام الناس أنه قومي أو وطني أو علماني، إنه هو الذي يستقبل القبلة البيت الذي بناه إبراهيم كل يوم خمس مرات ويردد في صلاته: كما صليت على إبراهيم وعلى آله إبراهيم كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنه هو هو الذي يوزع ولاءه وانتماءه، ولهذا يأمر الله أمة محمد ﷺ أن تجهر بها صريحة وتعلنها واضحة في وجه من يدعوها لمنهج منحرف: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥]. ولئن كان الله قد أمر المخاطبين بها لأول مرة أن يقولوها في وجه من يدعوهم لليهودية، أو من يدعوهم للنصرانية، فهو أمر لمن يدعوهم بعد ذلك لنحلة أرضية أو مذهب مادي، إن أمة الإسلام حزب واحد، وجماعة واحدة، وأمة واحدة لا يعرف فيها المسلم الولاء إلا لمنهج واضح المعالم، ذاك المنهج الذي اختصه إبراهيم ﵇: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥].

стр. 809

عدم صرف العبادة لغير الله تعالى ثانياً: إن منهج إبراهيم وملة إبراهيم لها معلم بارز وشعار ظاهر بيّنه الله لورثة إبراهيم، فقد اختصم اليهود والنصارى وكل منهم يدّعي أنه سائر على منهج إبراهيم، فجاء الوحي: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] إن مجرد نزاع أولئك على الانتماء له والادعاء بالسير وراءه لأعظم دليل على سمو الانتماء لهذا النبي الكريم، إن ملة إبراهيم هي كما حكى الله : ﴿كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] وفي سورة الأنعام يقول حين أعلن بطلان إلوهية ما سوى الله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩]. وفي سورة النحل يصفه الله بذلك: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] ثم يأمر الله نبيه، والأمر له أمر لأمته من بعده: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]. أترى أخي المسلم وأختي المسلمة بعد ذلك أولئك الذين يصرفون العبادة لغير الله في شتى أنحاء بلاد المسلمين يحق لهم أن ينتسبوا وينتموا لإبراهيم؟ ومع هذا التأكيد على ملة إبراهيم فيوحي الله إليه محذراً إياه من الشرك ومبيناً له أن من أهم ما يقتضيه حج بيت الله الحرام إعلان البراءة من الشرك والخلوص منه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] ثم يخاطب الله أمة الإسلام في ثنايا آيات الحج: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١]. وقد أخبر الله في كتابه وهو العليم الحكيم أن الكثير ممن يدعي الإيمان يقع في الشرك فقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فما بال البعض ممن يحج إلى البيت وينتسب لإبراهيم يقعون في الشرك ويتوجهون لغير الله ؟ أيظن أولئك أن مجرد الانتساب للإسلام كاف لخلاصهم من الشرك وقد قال الله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، أم يظنون أن مجرد إقرارهم بالإيمان والدين كاف وقد أخبر الله أن أنبياءه لو أشركوا لحبطت أعمالهم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]. لقد حكى الله عن المشركين أنهم وهم يتوجهون لأوثانهم بالعبادة ما كانوا يقصدون عبادة تلك الأوثان، بل كانوا يتخذونها وسيلة وزلفى إلى الله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. فبالله عليكم ما الفرق بين أعرابي كان في ذلك العصر البائد يتوجه إلى حجارة يركع لها ويسجد ويرى أنها تقربه إلى الله زلفى، وبين رجل في القرن العشرين في عصر العلم والوعي أصبح يطوف على رفات قد مضت عليها السنون، ويعتقد أن صاحب هذا الضريح يقربه إلى الله زلفى ومنزلة إلى الله ؟ إنها صورة واضحة، إنه الشرك بالله إنه الشرك الذي جاء هذا الدين لمحوه، هو الذي أرسل الله محمداً ﷺ لإبطاله والقضاء عليه، فما أجدر المسلم وقد أجاب نداء إبراهيم فجاء ملبياً أن يحرص على أن يتعلم ملة إبراهيم، أن يحرص على أن يعرف هذا الطريق وهذه الملة ليبتعد عن موجبات الشرك صغيره وكبيره.

стр. 810

عقيدة البراءة من المشركين ثالثاً: لقد ورثت الأمة الإسلامية من أبيها إبراهيم عقيدة البراءة من المشركين وعداوتهم؛ ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]. فقد أعلنها إبراهيم صريحة واضحة: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ [الممتحنة:٤] ولحكمة عظيمة تنزل آية براءة في موسى الحج، ويرسل النبي ﷺ من يقرأ بها في الموسم: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة:١ - ٢]. فهل يُدرك المسلم وهو يلبي نداء إبراهيم أن عليه أن يقطع الولاء لكل مشرك وكافر، ولو كان أقرب قريب؟ وألا يوالي إلا من كان حنيفاً مسلماً؟ هل يدرك المسلم وهو يلبي، وهو يستجيب لنداء إبراهيم، وهو يستقبل البيت الذي بناه إبراهيم خمس مرات، هل يدرك أن ملة إبراهيم قائمة على البراءة من كل كافر بالله ، ومن كل مشرك أياً كان كفره وشركه، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، أو كان وثنياْ أو مرتداً ما دام كافراً بالله فملة إبراهيم تقتضي إعلان البراءة واضحة، وقد أعلنها الله ، ونزلت هذه الآيات في موسم الحج وقُرئت على الناس في ذاك العام أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فما أجدر المسلم وهو يقضي هذه المناسك أن يتذكر هذه المعاني العظيمة. إن قوماً من الزائغين رأوا أن الحج موطن إعلان البراءة من المشركين، والبراءة عندهم من المشركين تعني البراءة من أبي بكر وعمر وممن يحبهما ويترضى عنهم، وإن استعمال أولئك الضالين الزائغين لهذا المصطلح الشرعي لا يعني أن نتخلى عنه، فهو مصطلح جاء في كتاب الله ، وأمر الله به، ونودي بهذه الآيات في يوم الحج الأكبر في يوم النحر، فاستخدام أولئك لها استخداماً خاطئاً لا يعني بحال أن ينسى المسلم أنه مُتعبد بذلك، لكن البراءة التي يعرفها المنتمي حقاً لملة إبراهيم غير تلك البراءة.

стр. 811

وقفات حول النحر النقطة الثالثة: وقفات حول النحر.

стр. 812

النحر يذكر بإبراهيم وهو يستجيب لأمر الله من أعظم ما شرعه الله في الحج النحر له ، ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤]. فالنحر عبادة عظيمة لله ، ولهذا سمى الله هذا اليوم بيوم النحر، وهو أفضل أيام الحج، بل هو أفضل أيام العام وهو يوم الحج الأكبر، وهو الذي قال فيه ﷺ : (أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم القر) فتسميته بالنحر دليل على عظم هذه العبادة وعلو شأنها. ولنا مع النحر وقفات: الوقفة الأولى: النحر يذكر المسلم بإبراهيم ﵊ حين أمره الله بذبح ابنه الذي رزقه الله إياه على حين كبر، وكانت امرأته عاقراً فرزقه الله إياه بعد أن يئس من الولد، وحين بلغ معه السعي وبلغ تلك السن التي يفرح فيها الوالد بولده، ويستبشر به أمره الله ، وكيف جاءه الوحي؟ جاءه الوحي رؤيا في المنام، ولم يأته الوحي مباشرة كلاماً من الله أو من الملك، وهذا لحكمة عظيمة، ثم أُمر إبراهيم ﵇ أن يقوم هو بذبحه، ولو أمر أن يوصله إلى معركة يقتل فيها أو أن يوصي من يقتله فقد يهون الأمر عليه، أما أن يمارس هو ذبحه فالأمر صعب. ثم هو يمارس الذبح بيده فهو يرى وجهه وروحه تقعقع يراه ويذبحه استجابة لأمر الله ، ولا يتردد ويتلكأ، ومع ذلك أيضاً يسعى إبراهيم إلى أن يشرك إسماعيل في الابتلاء فيعرض عليه الأمر في صورة عرض وأخذ رأيه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]. إنه وهو يسأله هذا السؤال لم يكن ليوقف استجابته لأمر الله على موافقة إسماعيل حاشا وكلا، لكنه كان يريد أن يشاركه إسماعيل في الابتلاء، وما كان من ابنه إسماعيل إلا أن قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. وحين استسلم لله وانقاد لم يكن بعد ذلك من حاجة أن يراق دم هذه النفس البريئة، والذي شاء الله أن يكون من ذريتها هذه الأمة التي تحج إلى بيت الله وتحمل رسالة الله ويخصها الله بخاتمة الأديان: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤]. فيشرع الله النحر للمسلمين ليذكروا اسم الله ، ويشرعه لهم في الحج ومن لم يحج فإنه تشرع له الفدية، لكن أين واقع ذلك المسلم الذي ينحر الدم لله من واقع إبراهيم في الاستسلام والخضوع لله ؟ إنك ترى هذا المسلم الذي يتقرب إلى الله بنحر الدم قرباناً لله يتردد ويتلكأ عن الاستجابة لأمر الله ، تراه يبذل العلم والحجج الواهية ويناقش ويبدئ ويعيد في تسليمه لأمر الله .

стр. 813

الاستعداد لبذل النفس وتقديمها قرباناً إلى الله الوقفة الثانية حول النحر: المسلم الذي يقدم القربان لله ويتعبد إليه بالنحر يحمل الاستعداد لبذل نفسه وتقديمها قرباناً لله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]. وكم حفظ لنا التاريخ من النماذج من أولئك الذين يحمل أحدهم روحه على كفه ويسير في ميدان الوغى والجهاد يتمنى أن يصاب ويقتل، فهذا أحد أصحاب النبي ﷺ حين يصيبه السهم وتخرج أمعاؤه يضع الدم على وجهه ويستبشر ويقول: (فزت ورب الكعبة). ولا غرو وقد سمعوا نبيهم محمداً ﷺ يقول: (وددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أُحيا ثم أُقتل، ثم أُحيا ثم أُقتل) إن المسلم الذي ينحر الدم قرباناً لله ينبغي أن يكون على أتم الاستعداد أن يقدم رقبته رخيصة لله حين يدعو داعي الجهاد في ساحة الوغى.

стр. 814

النحر عبادة لا تصرف لغير الله الوقفة الثالثة حول النحر: إذا كان النحر من أفضل أعمال الحج، بل هو مما شُرعت المناسك من أجله، وأفضل أيام الحج بل أيام العام هو يوم النحر؛ إذا كان النحر بهذه المنزلة فهو عبادة عظيمة من أجل العبادات، وصرفه لغير الله يعني بكل بساطة أن هذه عبادة لغير الله وشرك به، ولهذا أمر الله نبيه محمداً ﷺ أن يخلص هذه العبادة: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، وأمره أن يجهر بها للناس: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] وهذا يعني بكل بساطة أن صرف ذلك لغير الله إشراك به. ويحذر ﷺ أمته من صرف هذه العبادة لغيره سبحانه، ففي صحيح مسلم عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً)، بل ويسد النبي ﷺ أبواب الذبح لغير الله وطرقه، فحين يأتيه رجل يستأذنه في الوفاء بنذره وقد نذر أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأله ﷺ : (أكان فيها عيد من أعياد الجاهلية؟ أو كان فيها وثن من أوثانهم؟) إن هذا كله إقامة للسياج حول هذه العقيدة، حول هذا التقرب إلى الله حتى لا يخرق هذا السياج ويتجاوز، فما بالنا نرى المسلم الذي ينحر لله في هذا الموسم ويتقرب له يريق الدماء وينحر القرابين لغير الله، فتارة يستجيب لأمر مشعوذ أو ساحر، فيذبح طائراً أو حيواناً يهل به لغير الله، وتارة أخرى يذبح للجن، وأخرى يذبح أمام حجارة أو رفاة قبر! إن هذا المشهد مع ما فيه من خرق لسياج التوحيد، وتسور لحدود الشرك فهو يحكي نفسية ضعيفة، تخاف من الجن وتخشى بطشهم، تشعر أن كل ما في هذا الكون عدو يكيد لها ويريدها بسوء، ويحكي صورة من صور الجهل والتخلف الجهل بالأسباب والمقدمات، فهل نحره لحجارة أو رفاة سيدفع عنه ضراً أو يجلب له نفعاً؟ إنك لتأسى على واقع هذه الأمة التي حمّلها الله الرسالة وجعلها خير أمة واستشهدها على الناس، ومع ذلك ترى البعض من المسلمين يعلقون آمالهم بحجارة صماء أو رفاة قبر عفا عليه الزمان.

стр. 815

الاعتناء بالحقيقة والمضمون دون المظاهر الوقفة الرابعة حول النحر: يقول الله تعقيباً على آيات النحر: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]. إن القضية ليست بالمظهر ولا بالمظاهر، إنما هي بالمضمون والمقصود، إن هذه اللحوم والدماء لن ينال الله منها خيراً وهو سبحانه المستغني عن خلقه، وهو أغنى عن الشرك وأغنى عن خلقه، وأنى له أن يحتاج أو يفتقر إلى غيره، هذا إشعار للمسلمين أن يعتنوا بالحقيقة والمضمون دون المظاهر، وإنك حين تتأمل في واقع المسلمين ترى أن المظهرية قد سيطرت على حياتهم، إنك تراه يصلي ويعتني بأداء الركوع والخشوع، لكن جوهر الصلاة وحقيقتها في واد آخر، فهو في واد وهذا في واد آخر، إنك ترى المظاهر قد أصبحت تخدع المسلمين وتسيّرهم، وهكذا صارت تسيطر على حياتهم، فأنت ترى الأستاذ في ميدان التعليم يُرى أن نجاحه في أن يُكمل هذا الكتاب كله دون أن يترك منه سطراً، أن يكتب كتابة واضحة على السبورة، أن يستعمل وسائل الإيضاح، أن يُعنى بكراسة التحضير ورصد الدرجات، أما ما وراء ذلك وأهم منه بناء الجيل وإعداده وتعليمه فهو شأن آخر، أليس هذا مظهراً من مظاهر عناية الأمة بالمظهرية وغياب المضمون عنها؟ وهو تراه سلوكاً يسيطر على المسلمين في حياتهم كلها وفي عبادتهم، إن في هذا إثارة وإلماحاً لهذه الأمة أن تُعنى بالحقائق وأن لا تكون أمة تُخدع بالمظاهر.

стр. 816

وقفات حول محظورات الإحرام النقطة الخامسة: وقفات حول محظورات الإحرام.

стр. 817

ترك المحظورات الوقفة الأولى حين يلبس المحرم ويلبي نداء الله يلتزم بالامتناع التام عن محظورات الإحرام، فيتجرد عن المخيط، ويترك الطيب، ويمتنع عن حلق شعره، ويتخلى عن الرفث ومقدمات النكاح، إنه يستجيب لذلك كله دون تردد، ولا يمكن أن تحدثه نفسه أن يتجاوز هذا المحظور، لكن ما باله في سائر حياته يتجاوز ما حرّم الله عليه؟ فالذي حرم على المحرم الطيب هو الذي حرم على المسلم أكل الربا، والذي حرم الرفث ومقدمات الجماع هو الذي حرم النظر الحرام على المسلم في كل حين، والذي نهاه عن لبس المخيط هو الذي نهاه عن لبس الذهب والحرير إنك لتبحث عن مبرر أو مسوغ لهذا التناقض الذي يعيشه المسلم في سلوكه فلا ترى غير التناقض.

стр. 818

إحرام المرأة الوقفة الثانية حول المحظورات اعتدت أن ترى في أسواق المسلمين وأزقتهم وفي مدارسهم وجامعاتهم أن ترى المرأة المسلمة متبرجة متعطرة قد فُتنت بتقليد أعداء الله ، بل تحول الأمر إلى أن أصبحت تُعاب حين تنتقب أو ترتدي الحجاب، لكنك ترى المسلمة نفسها والتي رأيتها بالأمس في السوق كذلك تراها متحجبة حال إحرامها، لا يبدو منها إلا ظاهر لباسها أو وجهها وكفاها، وهنا يقفز إلى ذهنك سؤال يفرض نفسه، ماذا تغير في واقع هذه المرأة؟ ولماذا تحجّبت الآن وتركت الزينة؟ هل أكرهها أحد أو ألزمها به؟ لقد تحجبت استجابة لأمر الله، ولأن هذا لباس المحرمة، إذاً أليس الحجاب هو لباس المسلمة في كل حين وفي كل وقت؟ أليس الذي أمرها بهذا اللباس حال إحرامها هو الذي أمرها بالحجاب في سائر أحوالها فأي مبرر لهذا التناقض؟ وأي مسوغ لهذه الازدواجية.

стр. 819

قتل الصيد الوقفة الثالثة حول المحظورات يمتنع المسلم في الحرم عموماً وحال إحرامه أياً كان عن قتل الصيد، بل عن تنفيره وإثارته، ولا تكاد ترى من يتجرأ على خرق هذا السياج، وهو انضباط محمود ولا شك، لكن ما بالك ترى المسلم الذي يتورع عن قتل الصيد بل عن تنفيره وإثارته، يريق دم أخيه المسلم أو يتسبب في ذلك، كم هي الأنهار جارية من دماء المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله؟ والبعض منها يسيل بأيد مسلمة فيقتل المسلم أخاه، ويسعى لذلك دون رادع أو وازع، وهو هو الذي كان يتورع في الحرم عن تنفير الصيد وإثارته، إنه يمتنع هنا لأن الله قد حرّم عليه تنفير الصيد وقتله، ولكن الله سبحانه الذي حرم عليه ذلك هو الذي حرم عليه دم أخيه المسلم، فما باله يسترخص دم أخيه ويستعظم تنفير طائر أو حمامة؟ وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى وألمح إليه فسأل أصحابه: أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ وحين قرر لهم ﷺ حُرمت اليوم والشهر والبلد قال: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا). كم ترى ممن يتجرأ على انتهاك حرمات المسلمين في عرض العالم الإسلامي وطوله في إراقة دم المسلم، أو السعي إلى ذلك، أو انتهاك عرضه، أو ظلمه في ماله، يتجرأ على ذلك وحين يأتي إلى بيت الله الحرام يتورع عن إثارة طائر أو حمامة، بل تراه يتقرب ويشتري بماله الطعام إلى هذا الطائر أو ذاك يتقرب إلى الله بإطعام هذا الطائر، وينسى أن حرمة دم المسلم أعظم من ذلك كله، ينسى أنه كما قال ﷺ : (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم).

стр. 820

وقفات حول الدعاء النقطة السادسة: وقفات حول الدعاء. في الحج هناك ترى المسلمين من كان منهم براً ومن كان دون ذلك، من كان تقياً ومن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ترى الجميع شيباً وشباناً، رجالاً ونساء، قد رفعوا أكف الضراعة إلى الله يدعونه ويبتهلون إليه عشية عرفة، وعلى الصفا والمروة، وعند الجمرات، فهم ما بين مستغفر تائب وعائد إلى الله نادم، وصاحب حاجة سائل لمولاه، تراهم قد قطعوا العلائق إلا إلى الله ، وقد انقطعت آمالهم إلا به ، لكن هذا المسلم الذي يتوجه إلى الله ويخلص له ويدعوه، ويقطع حبل الرجاء إلا به ، تراه وقد علّق أمله بالمخلوق خوفاً ورجاء، تراه ينطرح ذليلاً بين يدي مخلوق، يشعر أن حاجته بيده، وأن مخرجه مرهون به، فكيف يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أليس خيراً للمسلم أن يعتز، وأن لا تكون له حاجة إلا لله ، وأن يترفع عن استجداء المخلوقين، وشعوره أن مصيره بيد فلان أو فلان من الناس.

стр. 821

وقفات حول الحجر الأسود النقطة السابعة: وقفات حول الحجر الأسود. عبارة يعرفها الجميع ويرددونها حين جاء عمر بن الخطاب ﵁ وقبّل الحجر قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك ما قبّلتك) إننا مع تلك الشهادة من عمر ﵁ وهو أفضل الأمة بعد خليفة نبيها أبي بكر الصديق ﵁، يقر أن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع، فما بالنا نرى المسلمين بعد ذلك يعتقدون أن هذا الحجر أو ذاك قد تعلّق مصيرهم به، وقد تعلّقوا بحديث باطل لا يصح أن يُنسب إلى النبي ﷺ : (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) فإذا كان هذا الحجر وهو في بيت الله لا يضر ولا ينفع، فما بالك بغيره من الحجارة؟ تلك التي صار للأسف الكثير من هذه الأمة يتبرك بها ويتمسّح بها. ثانياً: إن عمر ﵁ يبيّن أن الدافع الأول والأخير لتقبيله لهذا الحجر هو أنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك، وهذا يخط لنا منهجاً في اتباع سنته ﷺ والسير وراءه والحرص على التعرف على معالم هديه ﷺ ، وأن نتّبع سنته ونقتدي بهديه عليه أفضل الصلاة والتسليم سواء أعلمنا الحكمة أم لم نعلم، ظهر لنا المقصود أم لم يظهر، فنحن نتعبد لله باتباعنا لسنة نبيه محمد ﷺ .

стр. 822

وقفات عامة ثامناً وأخيراً وقفات عامة.

стр. 823

دقة المواعيد ثمة وقفات علنا أن نأتي بما يسمح به الوقت منها. الوقفة الأولى: إنك حين تتأمل في المناسك ترى فيها دقة عجيبة، فأنت ترى المسلم يقف عند هذا المكان من حدود عرفة فلو وقف هنا كان داخل عرفة، ولو تأخر متراً واحداً كان خارج عرفة فلو وقف هنا نائماً وقف صامتاً لصح حجه، ولو وقف هنا وصار يدعو ويتضرع لم يصح حجه، ما الفرق بين هذا المكان وذاك؟ تراه يرمي الجمرة الأولى قبل الثانية وبعدها العقبة ولو رمى تلك قبل هذه لم يصح، تراه يبدأ من الصفا وينتهي بالمروة ولو عكس لم يصح له الأمر، هذا اليوم يقف في عرفة وفي الليل يبيت بمزدلفة وفي أيام التشريق يكون في منى، إنك ترى فيها انضباطاً عجيباً لا ترى له حكمة ظاهرة في نفسك. لو رمى قبل الزوال بدقائق لكان رميه غير صحيح وكانت عبادته غير صحيحة، ولو رمى بعد الزوال لكان موافقاً للسنة، وهكذا في دفعه من عرفة، وفي سائر المناسك تراها منضبطة بمكان أو وقت أو زمن أو هيئة معينة لا تكاد ترى لها تعليلاً وتفسيراً، فما الفرق بين من يتقدم دقيقة أو أخرى؟ لا تكاد تجد لها إلا الاستسلام والخضوع لله ، وهكذا ينبغي أن يكون شأن المسلم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. إن معنى الإسلام أيها الأخوة هو الاستسلام لله ، والتسليم له، والانقياد لأوامره، والانتهاء عن نواهيه، سواء أدرك المسلم حكمة ذلك أو لم يدركها، وهو يقطع أنه ما شرع الله من أمر إلا له حكمة، لكن هذا شيء وكونه يجعل استجابته لهذا الأمر موقوفة على إدراك الحكمة شيء آخر.

стр. 824

الانضباط في الوقت أيضاً: مما في ذلك الانضباط الدقيق في الوقت في المناسك، ولا شك أن هذا يربي المسلم على أن يُعنى بوقته، وينضبط فيه فأنت ترى أن دقيقة واحدة تقديماً أو تأخيراً قد يتوقف عليها صحة العبادة وبطلانها، أو يتوقف عليها اتباع السنة أو مخالفتها، إن هذا يربي في المسلم أن يكون منضباً في أوقاته وفي مواعيده، وتتأسف حين تتأمل واقع المسلمين فتراهم نموذجاً لإهدار الأوقات وإضاعتها، والتفريط في المواعيد وعدم الانضباط بها، كيف لا وهم يعلمون أن الأوقات هي عمرهم، فالوقت هو الحياة: (ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم فقد ذهب بعضك) كيف به وهو يعلم أنه سيسأل يوم القيامة عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟

стр. 825

العمل بفتوى العلماء الوقفة الثالثة من الوقفات العامة. ترى الناس في الحج يفدون إلى مراكز الإفتاء، فترى أحدهم يسأل ويستفتي، ويتورع عن مسائل دقيقة، وهو على أتم الاستعداد أن يستجيب لما يقال له، فلو أُفتي بأن عليه أن ينحر دماً لكان على أتم الاستعداد، لو أُفتي أن عليه أن يعيد الطواف لأعاده، لو أُفتي أن عليه كذا وكذا لفعل، بل لو أُفتي أن عليه أن يعيد الحج من العام القادم لكان على أتم الاستعداد لأن يفعل ذلك لكن ما بال هذا المسلم الذي تراه وهو يسأل هنا بدقة وربما بتكلف تراه في حياته بعد ذلك لا يسأل عن أمور دينه، وتراه يضرب خبط عشواء في عبادته وفي معاملته وفي سلوكه، فإنه لا يرى دافعاً في نفسه إلى أن يسأل عن صلاته وأحكامها، إلى أن يسأل عن هذه المعاملة أهي جائزة أم محرمة؟ يسأل عن هذا العمل أهو جائز أم لا؟ وحين يُنكر عليه يعتذر بالجهل، وشفاء العي السؤال، ولو كان جاداً في التزامه بأمر الله لسأل ولبحث عمّن يرشده إلى دينه.

стр. 826

التخلف الحضاري عند المسلمين وقفة رابعة: حين ترى واقع المسلمين في الحج، ترى مظاهر مؤلمة ومؤذية، ترى مظاهر تدل مع ما سبق الإشارة إليه من الوقوع في الشرك والجهل في العبادة، ترى أيضاً مظاهر من صور التخلف الحضاري عند هذه الأمة، إنك ترى من لا يتردد في أن يرمي زجاجة الماء في طريق الناس، من لا يتردد في أن يقضي حاجته هنا وهناك، وترى الطرق والأزقة قد علتها القاذورات، وترى الفوضى بين الناس ففي مرورهم، في ذهابهم، في إيابهم، في رمي الجمرات، في الطواف ترى ازدحام الناس وخصومتهم وعدم انضباطهم مما يوحي بأن الأمة أيضاً مع أنها تعاني من مظاهر الشرك، تعاني من الجهل في العبادة، من التجرؤ على حرمات الله إلا أنها مع ذلك تعاني تخلفاً حضارياً، فهي تعاني تخلفاً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، وهو مشهد يؤذينا جميعاً. ما أجدر أن تكون هذه الأمة قدوة للناس في كل شئونها وحياتها، في توحيدها لله ، في عبادتها، في أخلاقها، في سلوكها، ومع ذلك أيضاً في مظاهر النظافة والانتظام والانضباط! إنك ترى انعدام مشاعر الأخوة والقضاء عليها، فترى المسلم يخاصم أخاه لا لشيء إلا لأنه دخل قبله في الطريق، لا لشيء إلا لأنه لم يمكنه من هذا المكان أو ذاك، وكم ترى الخصام واللجج ورفع الأصوات بين المسلمين الذين جاءوا خاضعين لله ، أليس في هذا دليل على أن مشاعر الأخوة بين المسلمين بحاجة إلى من يعيد بناءها؟ بحاجة إلى من يركّز عليها ويعتني بها؟

стр. 827

الطمع والتسفل صورة أخرى أيضاً تراها من واقع المسلمين مما يحكي تخلفهم كثيراً ما تشاهد هناك في مواقف الحج وقد ازدحموا وأصبح بعضهم يدفع البعض، ولا تكتشف مبرراً لذلك إلا حين ترى من يوزع على الناس زجاجات الماء، أو علب المرطبات، وترى الناس يزدحمون على هذا الذي يوزع بالمجان، ولو أخذت حجارة من أحد جبال مكة ووقفت وأعلنت للحجاج: سبيل لله لازدحم الناس عليك! يحق للإنسان ولا شك أن يأخذ، وهذا ما وزّع إلا ليؤخذ، ولكن أليس في هذا دليل على أن هذه الأمة أصبحت يدها سُفلى، أصبح المسلمون دائماً يستفلون، لا يعملون، لا يبادرون إنهم على أتم الاستعداد أن يأخذوا، أن يزدحموا، على أن يأخذوا أي شيئاً يوزَّع، ربما تراه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، قد يأخذ كتاباً بأي لغة لا يفهمها وتراه يزاحم لأجل أن يأخذ كوباً من الماء، أو يأخذ علبة من المرطبات، ثم مع ذلك لا يراعي مشاعر إخوانه فهو يأخذ كمية كبيرة على حساب ما يحتاج إليه الناس. لقد رأيت مرة سائلاً عند المسجد النبوي، ورأى رجلاً قد مر معه زجاجة فأوقفه وقال: هذا من ماء زمزم؟ يريد أن يعطيه إياه، لقد بلغ به الكسل واستجداء الناس إلى أن يتكلف أن يخطو خطوات والماء قريب منه حتى يأخذ من الماء، فهو ينظر إلى المارين فإذا رأى رجلاً ماراً سأله أن يعطيه من هذا الماء الذي معه، أهذه هي العمرة؟ بل إننا نعاني من اليد السفلى حتى عند الصالحين والأخيار، وإليك المثال إنك تجد الكثير من الشباب على أتم الاستعداد أن يستفيد وأن يحضر الدروس والمحاضرات، وهو لا شك أمر طيب ومطلوب لكن أن يقرأ هو، أن يحصّل هو، أن يبذل هو! هذا أمر صعب، إنك لا تتهمه بعدم الحرص، فما الذي يأتي بهذه الجموع إلا الحرص، والرغبة ولا شك، لكن أين هذا الحرص، لِم لم يدفعه إلى القراءة، إلى الاطّلاع، إلى البذل؟ أليس هذا دليلاً على أنا تعودنا على اليد السفلى؟ واليد العليا خير من اليد السفلى. إن المسلمين بحاجة إلى أن يربوا في أنفسهم هذه المعاني، فتكون أيديهم عليا فيكونون هم المعطين وليسوا هم الآخذين، يكونون هم المنفقين يبذلون لأنفسهم، يعملون في كل أحوالهم ولا ينتظرون الناس ويستجدونهم، بل حتى نحن نمارس اليد السفلى أيضاً في دعوتنا فنحن حين نسلك أسلوباً من أساليب الدعوة ننتظر أن يُقدم إلينا جاهزاً، وبعبارة أخرى: نتسول في أساليب الدعوة، فلا نملك الاستعداد أن نفكر أو نبتكر أو نبذل جهداً في اكتشاف هذه الطريقة أو تلك، حتى الكسل واليد السفلى قد سيطرت علينا في حياتنا الدعوية وفي حياتنا العلمية إن المسلم ما أجدره أن ينظر دائماً إلى الأعلى، وأن يكون هو الأعلى دائماً، وأن لا يكون هو الآخر.

стр. 828

التعب والنصب والبذل للدين وقفة من الوقفات أيضاً حول هذا الحج. ترى الناس في الحج يبذلون جهداً مضنياً، ويتحملون مشقة عظيمة، والله قد امتن على عباده بأن سخّر لهم هذه الدواب والأنعام التي تنقلهم وتحملهم إلى بلد قال الله : ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾ [النحل:٧] ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨]. قبل سنوات معدودة كان المسلم يأتي من خراسان ومن أقصى أفريقيا على دابته، وربما يأتي على قدميه أحدهم جاء من إحدى بلدان أفريقيا على قدميه وبدأ مسيره من شهر ذي الحجة، كلما دخل بلداً عمل فيها واكتسب شيئاً من المال، ثم سافر حتى وصل إلى مكة من العام القادم، وقضى حجه وعاد بنفس الطريقة ووصل إلى أهله وقد هل هلال ذي الحجة من العام الذي يليه، ومع ذلك يتعب ويتحمل النصب! وهذا الوقت الذي تيسرت فيه الأسباب والوسائل ترى المسلم كذلك يوفر من قوته وقوت عياله حتى يوفّر قيمة السفر وتكاليفه، ثم يقف طوابير طويلة ويتعب وينصب حتى يحصل على تصريح بالسفر، ويعطّل عمله وأهله وقتاً ويأتي إلى هذه البلاد، ثم يأتي وتراه يسعى في الشمس والحر وفي كل الأحوال يتحمل ذلك لله ، لكن أين المسلمون بعد ذلك عن سائر أمور عبادتهم؟ إنهم هم الذين ينصبون ويتعبون وينفقون المال لأجل أن يبذلوا هذا، فأين هم بعد ذلك من بذلهم لله في سائر أمورهم؟ من تعبهم في خدمة دين الله ، وبذلهم لله ؟

стр. 829

قابلية الاستجابة للأمر الشرعي أخيراً: ترى الناس في هذا الموسم، وترى عجباً، ترى ذاك الذي كان يعاقر الخمرة ويتغنى بها يبكي متضرعاً مقبلاً على الله في عرفات! تراه قد تجرد من ثيابه وتخلى عنها لله ، ترى تلك المرأة السافرة الفاتنة، ترى تلك المرأة المتبرجة والتي كانت في هذا البلد أو ذاك تعرض مفاتنها وتتاجر بها؛ تراها وقد ارتدت الحجاب، وأقبلت على الله في هذا الموسم، إن هذا مع أنه يحمل مظهراً من مظاهر التناقض والازدواجية كما أشرنا إليها قبل قليل، لكنه أيضاً يحمل جانباً آخر، وهو أن هؤلاء المسلمين يحملون استعداداً للاستجابة، يحملون استعداداً للتسليم لله ، إن تلك المرأة التي هي تتاجر بالسفور وتسعى إليه ها هي تلتزم الحجاب، مع أنها تعيش تناقضاً صارخاً إلا أن عندها استجابة لأمر الله ، ذاك الذي كان يجتهد في الصد عن سبيل الله صار يتعب وينصب ليحج إلى بيت الله . أليس في هذا دليل -معشر الإخوة الكرام- أن النفوس مع ما فيها من أمراض تحمل قابلية للخير لو وظّفت واستثمرت لحققت خيراً كثيراً؟ إنك ترى مظاهر في الحج تدل على الجهل، لكنها مع ذلك تحمل في طياتها بذرة خير، ترى ذاك الذي يأتي وصحن البيت قد امتلأ بالطائفين فصار يزاحم الناس ليقبّل الحجر وهو على استعداد أن تُزهق روحه أن يُقتل دون الحجر، أن يُقبّلها ويُقتل دونها، والآخر في وهج الشمس يصعد على جبل عرفات وهو يظن أن الصعود عليه سنة، وهو على أتم الاستعداد أن يتحمل النتائج التي تترتب على ذلك في سبيل أن يصعد إلى هذا الجبل. إن هذه المظاهر وغيرها مع ما تحمل من الجهل والإيذاء للناس إلا أنها تدل على أن هذا الرجل يحمل نفساً تتطلع للتضحية تتطلع للبذل، فماذا لو أقنعنا هذا المسلم الذي يزاحم ويتعب وينصب ليقبّل الحجر ماذا لو أقنعناه أن جهده في الدعوة لدين الله وخدمة دين الله وفي بلده خير وأبقى له من هذا الأمر الذي قد يأثم به؟ إننا نجزم أن هذا المسلم لو كان يحمل الاقتناع بأن بذله هذا العمل أو ذاك خير له من هذه البدعة في صعوده إلى هذا الجبل أو ذاك، ومن تعريضه لنفسه للضر والمرض، لو أقنعناه بذلك تمام الاقتناع لكان على أتم الاستعداد أن يبذل ولو جزءاً يسيراً من ذلك. وتخيلوا -معشر الإخوة الكرام- هذه الملايين من الرجال والنساء الذين يفدون إلى بيت الله يعلنون الاستجابة لله والتوحيد، يخضعون لأمر الله، يسيرون في هذه الليلة وفي تلك يسيرون إلى هذا المكان وإلى ذاك استجابة لأمر الله ، ماذا لو غُرس عند هذه الأمة حقيقة الإسلام، وحقيقة الانتماء للإسلام، وأن هذا الدين الذي يدعوهم إلى أن يفد إلى هذه الأماكن، وإلى أن يبذلوا هذا العمل أو ذاك يدعوهم إلى أن يستجيبوا لأمر الله وأن يبذلوا لدين الله ؟ إنني أجزم أن هؤلاء لو اقتنعوا تمام الاقتناع لوجدنا على الأقل منهم ألوفاً يحملون الكلمة الصادقة يغيّرون بها وجه الأرض. معشر الأخوة الكرام إنها خواطر عاجلة لا يجمعها جامع إلا أنها تدور حول الحج إلى بيت الله. مرة أخرى: إن هذا ليس حديثاً عن أحكام المناسك ولا عن آدابها ولا استقصاء لأخطاء الناس في ذلك، وليس هجري للحديث عن هذا رغبة عنه، لكني أردت أن ألمح إلى هذه المعاني التي نفتقدها، والتي هي بحاجة إلى أن نتذكرها وأن نكتشف أمراضنا وأمراض الأمة من خلال هذه المواسم التي يجتمع فيها المسلمون. أسأل الله أن ييسر لحجاج بيت الله أمورهم، وأن يرزقهم الإخلاص لله ، والتوحيد له، والبراءة من التوجه إلى ما سواه، والاستسلام له، والخضوع له .

стр. 830

الدعاة الصامتون من الأمور اللازمة لنجاح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الداعية قدوة في نفسه، وأن يتخلق بالأخلاق الفاضلة، وأن يظهر عليه أثر العلم الذي يحمله، فالقدوة العملية تؤثر في الناس أبلغ تأثير، وهي من أقوى الوسائل لإقناع المدعوين بصدق الداعية في دعوته.

стр. 831

من هم الدعاة الصامتون ؟ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فعنوان حديثنا هذه الليلة: الدعاة الصامتون، وحديثنا يتضمن النقاط الآتية: أولاً: وقفة حول العنوان. ثانياً: وقفة مع نصوص القرآن الكريم. ثالثاً: الداعية الأول، والدعوة الصامتة. رابعاً: أصحاب النبي ﷺ بعده يترسمون معالم المنهج. خامساً: مزايا الدعوة الصامتة. سادساً وأخيراً: من مجالات الدعوة الصامتة. إن البعض قد يظن أننا نعني بالحديث عن الدعاة الصامتين، أولئك الذين صمتوا عن بيان كلمة الحق، وأولئك الذين قعدوا عن سبيل الدعوة إلى الله ، هذا الفهم ربما يتبادر إلى ذهن من يسمع العنوان، لكن هؤلاء إنما هم شياطين خرس ليسوا جديرين بوصف الدعوة، لهذا فلا يسوغ أن يوصف هؤلاء بأنهم دعاة صامتون، بل هم شياطين خرس، إن الذين يسكتون عن الحق حيث يجب بيانه، والذين يقعدون عن القيام بنصرة هذا الدين خاصة في هذا العصر الذي تكالب فيه الأعداء على هذه الأمة، وكشروا عن أنيابهم، وأعلنوها حرباً ضروساً شاملة على الإسلام وأهله، وعلى كل من دعا لدين الله ، إن أولئك الذين يقفون على الحياد في هذه المعركة التي تعيشها الأمة، ليسوا جديرين بأن يوصفوا بأنهم دعاة صامتون، إنما هم شياطين خرس، فالساكت عن الحق شيطان أخرس. إنما نعني بالدعاة الصامتين: أولئك الذين يدعون إلى الله بأحوالهم، أولئك الذين تبلغ أحوالهم عن دعوتهم، فهم يدعون الناس بأفعالهم وسيرهم وأحوالهم، إنهم لم يتكلموا ولم ينطقوا، لكن أحوالهم وأمورهم ناطقة بما يدعون إليه، بل ربما كانت هذه الأحوال أبلغ من أي كلمة وأي بيان.

стр. 832

ذكر القدوة والأسوة في كتاب الله أمر الله نبيه ﷺ بالتأسي بمن سبقه من الأنبياء والاقتداء بهديهم، يقول ﵎ عن إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام:٨٤ - ٩٠]. إن الله ﵎ يأمر نبيه ﷺ أن يقتدي بهدي أولئك الذين قص عليه سيرهم وأنباءهم في هذا الكتاب، وهذا الخطاب ليس للنبي ﷺ وحده، بل هو خطاب للنبي ﷺ ولأمته من بعده، إنها دعوة للنبي ﷺ أن يقتدي بهدي من سبقه من الأنبياء، وهي دعوة أيضاً لمن يقرأ القرآن بعد النبي ﷺ أن يسير على نفس المنهج، ويسلك السبيل نفسها. ثانياً: أمر الله نبيه وأمته من بعده بالتأسي بإبراهيم ﵇ ومن معه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ [الممتحنة:٤]، ثم قال ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة:٦]. ثالثاً: أمر الله أمة محمد ﷺ بالتأسي به: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. رابعاً: نهى ﵎ عن التناقض بين القول والعمل، وذم ذلك المسلك وعابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، وعاب ﵎ على بني إسرائيل أنهم ينسون أنفسهم إذ يأمرون بالبر غيرهم، فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، وتتوالى الآيات في كتاب الله التي تدعو المؤمنين إلى أن يكون العمل مصداقاً للقول وما يدعو إليه الإنسان، يقول ﵎: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]، وقد استنبط بعض المفسرين من هذه الآية أن فيها الأمر بأن يعمل الداعية بما يقول ويدعو إليه. خامساً: قص القرآن قصص بعض الصالحين والسابقين فيما مضى، يقول ﵎: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف:١٠] الآيات، وهي آيات يقرؤها المسلم كل أسبوع في يوم الجمعة، يقرأ فيها قصة هؤلاء الفتية من أهل الكهف، ويقرأ في القرآن الكريم أيضاً قصة أصحاب الأخدود، ويقرأ في القرآن الكريم قصة سحرة فرعون حينما آمنوا بموسى وقالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]. وهي آيات كثيرة يقصها الله علينا في كتابه عن السابقين أتباع الأنبياء الذين ساروا على سننهم وطريقتهم. أيضاً: يذكر الله ﵎ في القرآن أحوال بعض الذين عاصروا التنزيل فأثنى على مواقفهم، فبقيت خالدة تتجاوز حدود الزمان والمكان الذي كانت فيه؛ لتبقى منارة للأجيال من بعدهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ م

стр. 833

السنة النبوية زاخرة بالنماذج والقدوات ويقص علينا النبي ﷺ أيضاً قصصاً أخرى من مواقف أولئك الصادقين الصابرين، الذين دعوا لدين الله ، وبذلوا أرواحهم وأنفسهم وأموالهم ومهجهم في سبيل الله ، إننا نقرأ في سيرة النبي ﷺ قصة شاب آمن بالله ودعا قومه وضحى بنفسه في سبيل الله حتى آمن أهل قرية حين رأوا موقف هذا الشاب وقد جاد بنفسه في سبيل الله، فتنادى الناس جميعاً: آمنا بالله رب الغلام؛ لتنطلق هذه الكلمة سهماً آخر يتجه إلى صدور أولئك الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، بعد أن أحرقهم وقطع أحشاءهم ذاك السهم الذي انطلق من قلب هذا الغلام الصادق الذي ضحى بنفسه في سبيل الله ، وظن أولئك المفسدون المجرمون أنهم حين يقتلون هذا الغلام أنهم سيقتلون هذه الدعوة التي دعا إليها، وأنهم سيدفنون هذا الدين الذي آمن به ودعا إليه، فإذا بهم يسمعون الناس يتنادون: آمنا بالله رب الغلام، إن النبي ﷺ حين قص علينا هذه القصة، أو حين قص علينا قصة نفر آواهم المبيت إلى غار، فدعوا الله بصالح أعمالهم، أو حين قص علينا قصة تمثل نموذج الشاكر لنعمة الله ، ونموذج المعرض عن شكر هذه النعمة في قصة الأعمى والأقرع والأبرص وغيرها من القصص التي تملأ دواوين السنة، إن النبي ﷺ حين قص علينا هذه النماذج إنما أراد لها أن تكون قدوة لمن يقرأ هذه الأخبار، لتكون قدوة لمن جاء بعدهم، ويصبح أولئك الماضون دعاة صامتين لدين الله . سابعاً: أمر الله ﵎ نبيه ﷺ أن يتلو على المؤمنين سيرة ابني آدم بالحق إذ قتل أحدهما أخاه ظلماً وعدواناً، فصار من الدعاة الصامتين للجريمة والقتل، فما من نفس تقتل ظلماً إلا صار على ابن آدم الأول كفل منها، إذ هو أول من سن القتل، كل ذلك تأصيل للقدوة والأسوة الحسنة، ودعوة للدعاة إلى الله على منهاج النبوة أن يترسموا معالمها، وهو أيضاً تأصيل لمبدأ التأثير بالسلوك والعمل، وامتداد لميدان الدعوة والمخاطبة لتتجاوز الكلمة المجردة فتمتد عبر ميدان فسيح لتصبح الكلمة وسيلة من الوسائل وأسلوباً من الأساليب، لا أن تحصر الدعوة في الكلمة وحدها.

стр. 834

النبي ﷺ القدوة الأولى والإمام الأوحد إن الدعاة إلى الله مهما علا شأن قضية الدعوة لديهم، ومهما ابتكروا من الأساليب والوسائل فهم رهن بمنهج الداعية الأول والإمام الأوحد ﷺ ، والتحرر من ذلك يعني التحرر من المنهج، والعدوان على السنة المتبعة، وولوج الطريق المبتدعة، لذا فنحن حين ندعو إلى أن تأخذ الدعوة بعداً شمولياً لدى أصحابها فتتجاوز الجمود على الأساليب التقليدية التي يرثونها، ندعو في ذات الوقت إلى أن تحاط الدعوة إلى الله بسياج الاتباع للنبي ﷺ ، وألا يكون تخطي الأساليب التقليدية لتجاوز هديه، لهذا كان كل داع إلى الله أحوج ما يكون إلى أن يحشد النصوص ويحشد الآثار التي تؤيد هذا المنهج الذي يدعو إليه، والتي تعلن للناس أنه لم يأت ببدعة من القول. ومن صور الاقتداء الواردة في السنة ما كان صلح الحديبية، حين دعا النبي ﷺ الناس أن ينحروا هديهم وأن يحلقوا رءوسهم فلم يستجب له أحد حيث أصاب الناس ما أصابهم من الإحباط؛ ذلك أنهم جاءوا إلى هذا المكان، وكانوا قد سمعوا الوعد من النبي ﷺ أن يدخلوا البيت الحرام، وأن يطوفوا به آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون، فحين رأوا ما رأوا من مصالحة النبي ﷺ لقريش، وآلمهم الموقف وهم يرون أبا جندل يرسف في قيوده، ولا يملك الرسول ﷺ إلا أن يعيده إلى المشركين، فلم يطق أولئك المؤمنون أصحاب النبي ﷺ أن يستجيبوا لأمر النبي ﷺ ، فما كان منه إلا أن أتى أم سلمة ﵂ يشكو إليها عدم امتثال أصحابه لأمره، فأشارت عليه أن يخرج ولا يكلم أحداً، فيدعو بالحلاق فيحلق رأسه، ثم ينحر بدنه، فخرج ﷺ وفعل ذلك، فما كان من الناس حين رأوا ذلك إلا أن اجتمعوا يحلق بعضهم لبعض حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً من الغم. وكان صدق حاله ﷺ من أعظم ما استدل به البعض على صدق رسالته ﷺ حتى دخلوا في الإسلام، ومن هؤلاء عبد الله بن سلام ﵁ إذ قال بعد أن رآه: فعرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. لقد كانت حال النبي ﷺ ناطقة بصدقه، وأنه لم يكن ينطق عن الهوى، وأنه كان يأتي بالوحي من الله ﵎، وأنه إنما كان يأتيهم بخبر السماء؛ لذلك كانت حاله وحدها كافية في دعوة الكثير من الناس للإسلام، فمن رآه ﷺ عرف الصدق في وجهه. ومن الناس من دخل في الإسلام وآمن بالنبي ﷺ لموقف أبصره أو مشهد رآه، والسيرة تزخر بالكثير من هذه المواقف التي دخل فيها فئام من الناس الإسلام، وأعلنوا متابعتهم للنبي ﷺ لما رأوه من المواقف. واختار الله له أن يكون في مبدأ حياته أميناً صادقاً ليكون ذلك مرآة على صدقه، وليقرأ في سيرته وهديه -من سمع بدعوته- الصدق وسمو المنهج، فقد كان النبي ﷺ يلقب بالصادق الأمين، حيث عاش مع بني قومه أربعين سنة عرفوا منه خلالها الصدق والإحسان للناس، والأمانة وحسن الخلق، وأنه ﷺ لم يكن يجاريهم في مجونهم ولهوهم، إن تلك الحال التي كان يعيشها ﷺ كانت دعوة صامتة، وكانت إشارة إلى أولئك الجادين في معرفة الحق أن هذا الرجل الذي عرفوا مدخله ومخرجه، وعرفوا سيرته لم يكن ليتحاشى الكذب على الناس، ثم يتجرأ على الكذب على الله ﵎، وهو أمر لم يختص به النبي ﷺ دون غيره من الأنبياء، بل يحكي الله ﵎ عن قوم صالح أنهم قالوا: ﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود:٦٢]، نعم لقد كانت سيرة صالح في قومه كسيرة محمد ﷺ وكسيرة سائر الأنبياء، لقد كانوا يرجون فيه الخير، ويؤملون فيه الخير، فلما دعاهم إلى الله ﵎ وإلى أن يفارقوا ما كانوا عليه خاب ظن أولئك الضالين بنبيهم صالح، وقد كانوا يؤملون فيه الخير، وأي خير أعظم من أن يدعوهم إلى عبادة الله ﵎ وحده. إذاًَ: ها هي سيرة النبي ﷺ وها هي حياته تزخر بالعديد من المواقف التي تظهر أنه لم يكن داعية بمقاله فقط، بل كان ﷺ داعية إلى الناس بحاله ومواقفه، وها نحن نرى الناس الصادقين، نرى الناس المتعبدين لله ﵎، لا يخطئهم هدي النبي ﷺ وسيرته، نراهم يسعون إلى أن يعرفوا كيف كان ﷺ يصلي، وكيف كان ﷺ يصوم، وكيف كان ﷺ ينام ويستيقظ، وكيف كان يضحك ﷺ ، وكيف كان في سفره وإقامته، وفي سلمه وحربه، وفي أحواله كلها ﷺ .

стр. 835

اقتداء الصحابة بالنبي جعلهم قدوات لمن بعدهم رابعاً: أصحاب النبي ﷺ بعده هم حملة الدعوة، فكانوا هم أيضاً رضوان الله عليهم دعاة صامتين لمن جاء بعدهم، فقد كانوا رضوان الله عليهم يترسمون معالم منهج اختطه لهم ﷺ ، فتعيش الدعوة حية في قلوبهم وضمائرهم، يقرأ ذلك من يطلع على سيرهم قبل أن يسمع أقوالهم، حين دعا ﷺ الناس للصدقة، وقد جاء قوم مجتابي النمار فرق ﷺ -وهو صاحب القلب الرحيم- لحالهم، وتألم ﷺ لمنظرهم فخطب في الناس ودعاهم لأن يتصدقوا مما يملكون من درهمهم من دنانيرهم من صاع برهم من صاع تمرهم من ثيابهم، فلم يتصدق أحد، فجاء رجل من أصحاب النبي ﷺ معه صرة كادت يده أن تعجز عنها بل قد عجزت، فألقاها بين يدي النبي ﷺ فتتابع الناس بعد ذلك، فتهلل وجه النبي ﷺ ، فصار هذا الرجل داعية صامتاً، صار هذا الرجل داعية بحاله لأولئك الذين كانوا يشهدون هذا المشهد حتى تتابعوا في بذل صدقاتهم، حتى رئي عند النبي ﷺ كومين من ثياب وطعام، فتهلل وجه النبي ﷺ وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة). وحين استنفر النبي ﷺ الناس ليغزوا الروم ولم يعذر أحداً في ذلك، جاء أقوام لا يجدون ما يحملهم يسألون النبي ﷺ أن يحملهم، فلم يجد ﷺ ما يحملهم، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، تولى هؤلاء وهم يبكون أن لم يفتح لهم الميدان ليشاركوا في الجهاد في سبيل الله، فخلد القرآن ذكرهم وسيرتهم، ليكون هذا الموقف دعوة لمن جاء بعدهم أن يعيش كما كان يعيش أولئك: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]. إن من لم يفتح له الميدان للجهاد في سبيل الله، إن من لم يطق أن يشارك مع المجاهدين الصادقين الصابرين، ولم يجد مالاً ينقله إلى ساحة الجهاد، أو لم يجد سلاحاً يقاتل به، أو لم يجد ميداناً يفتح له ليجاهد في سبيل الله، إن ذلك لا يمكن أن يعذره بحال في ألا يحدث نفسه بالجهاد في سبيل الله، والنصح لله ورسوله، إن الذي لم يجد ميداناً يشارك فيه، ولم يجد ميداناً يعيش فيه مع الصادقين الصابرين المخلصين لا يعذر أبداً في ألا يعيش معهم بقلبه، وأن يعيش معهم بحاله، وأن ينصح لله ورسوله. وهاهم جمهور أصحاب النبي ﷺ يبعثون إلى أهل مكة برسالة مع عروة بن مسعود فيرجع مشدوهاً إلى أصحابه يحدثهم بما رأى، وقد أدرك أنه أمام جيل آخر دون أن يكون منهم تعبير باللسان، يرجع إلى أصحابه يقول: لقد وفدت على الملوك، وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف واحد منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له. نعم أيها الأخوة، لقد رجع عروة بغير الوجه الذي ذهب به، لقد رجع وقد رأى هذا الموقف من أصحاب النبي ﷺ ، رأى هذا الموقف الذي يعبر عن الحب الصادق، الذي يعبر عن الود البعيد عن أبهة الملوك التي كان يعيشها قيصر وكسرى والنجاشي، وقد سبق له أن وفد عليهم فعلم هذا الرجل أن للنبي ﷺ شأناً آخر غير شأن أولئك الملوك، وعلم أن هؤلاء أتباع صادقون جادون غير أتباع أولئك الملوك: أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع أولئك أصحاب النبي وحزبه ولولاهم ما كان في الأرض مسلم ولولاهم كادت تميد بأهلها ولكن رواسيها وأوتادها هم ولولاهم كانت ظلاماً بأهلها ولكن همُ فيها بدور وأنجم فيا لائمي في حبهم وولائهم تأمل هداك الله من هو ألوم بأي كتاب أم بأية حجة ترى حبهم عار علي وتنقم وها هي سيرة أصحاب النبي ﷺ تبقى صورة ناطقة للأجيال، ما إن يتحدث متحدث وما إن يتكلم متكلم إلا ويجد نفسه مضطراً لأن يزين مقالته ويدبجها بمواقف أصحاب النبي ﷺ في الدعوة إلى الله في الجهاد في سبيل الله ﵎، وفي تعلم العلم، وفي الإحسان إلى الناس، وفي عبادة الله ، وفي كل ميدان من الميادين ما إن يتحدث متحدث أو يخطب خطيب إلا وهو يرى أمام عينيه مواقف لأصحاب النبي ﷺ تبقى منارة للأجيال من بعدهم، ذكر ذلك الجيل الذي اختاره الله ليكون فرط هذه الأمة، الذي اختاره الله ﵎ ليتشرف بصحبة النبي ﷺ وحمل هذا الدين، يبقى ذلك الجيل داعية لسائر الأ

стр. 836

مزايا الدعوة الصامتة إننا حين ندعو إلى أن نكون دعاة صامتين إلى دين الله ﵎ بأحوالنا ومواقفنا وسيرنا، ونستشهد على ذلك بهدي النبي ﷺ ، ومواقف أصحابه من بعده، ومواقف سلف الأمة من بعدهم، إننا أيضاً نضيف إلى ذلك مزايا تمتاز بها هذه الدعوة الصامتة، والتي تعنى بالأحوال قبل الأقوال، ومن هذه المزايا:

стр. 837

أحوال الداعية أبلغ من أقواله أن الدعوة بالأحوال قبل الأقوال، وأن الدعوة الصامتة أبلغ من القول، فإن المرء يستطيع أن يدبج المقال، ويستطيع أن يحسن الحديث، ويستطيع أن يتفوه بما لا يعتقد، يستطيع المرء أن يزخرف القول ويزينه، لكن أن يكون ذلك المقال مصداقه حال هذا الرجل وفعله فهي صورة أخرى وحالة أخرى. لقد أمر النبي ﷺ الناس أن يحلقوا رءوسهم، وأمر النبي ﷺ الناس أن ينحروا بدنهم كما مر معنا، وما كان أولئك الذين أمرهم ﷺ بالذين هم يتلكئون عن الاستجابة لأمره، وهم أسرع الناس مبادرة للاستجابة لأمره ﷺ وطاعته، لكن لم يكن ذلك الأمر أبلغ من حاله ﷺ حين خرج وحلق شعره ﷺ ، ونحر بُدنه أمام الناس، فكان ذلك الفعل منه ﷺ رسالة للناس للاستجابة له ﷺ . ولهذا حين سئلت إحدى زوجاته ﷺ : أكان صائماً يوم عرفة؟ أرسل له ﷺ بقدح لبن فشربه ﷺ أمام الناس، فكان ذلك أبلغ دلالة لكل من حضر الموقف أنه ﷺ لم يكن صائماً.

стр. 838

أحوال الداعية يستوعبها سائر طبقات الناس ثانياً: تمتاز الدعوة الصامتة أنها تدرك من جميع الطبقات، إن الكلمة المسموعة أو المكتوبة تعيش أزمة اختلاف مستويات ومدارك الناس، والذي يتحدث أمام من ينصت له أو يكتب لمن يقرأ له يجد نفسه بين طبقتين ممن يستمع ويقرأ، فإن حسن المقال وارتفعت لغته شعر أن هناك من لا يدرك هذا الكلام أو من لا يفهمه حق فهمه، وإن كان مقاله دون ذلك شعر أن هذا نزولاً بالكلمة عما يليق بها، وأن هذا نزولاً بالسامعين والقراء الذين ينبغي له أن يحترم أسماعهم ويحترم أفهامهم، أما الذي يدعو الناس بحاله فهو يدعو بدعوة يدركها الجميع، ويفهمون مغزاها، يدركها من يقرأ ومن لا يقرأ، يدركها الذي قد بلغ الغاية في إدراك فصيح الكلام وبليغه، ومن كان دون ذلك.

стр. 839

المواقف الحية تبقى في الأذهان أكثر من الكلمات الميزة الثالثة للدعوة الصاتمة: إن الكلام ولا شك له أثر عظيم على النفوس، وكم تترك الكلمة الصادقة من أثر، بل كم تصنع الكلمة الصادق من مواقف، لكن الكلمة الصادق مهما كانت تبقى بعد ذلك عرضة للنسيان، فهي تبقى في الذاكرة فترة ثم تزول ويأتيها ما يغمرها ويمحوها. أما الموقف والمشهد فإنه يبقى في الذاكرة لا يزول أبداً، إن النبي ﷺ ذات يوم كان مع أصحابه، فرأى جارية من السبي تأتي لرضيعها وتضمه وترضعه، فاستوقفه الموقف ﷺ وهو الرجل الذي كانت قضية الدعوة وقضية التعليم قضية حية في ضميره ﷺ ، فخاطب أصحابه قائلاً لهم: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فيقول أصحابه: لا، فيقول ﷺ : لله أرحم بعبده من هذه بولدها)، ويمضي هذا الموقف ويزول، لكن أولئك الذين سمعوا هذه الكلمة من النبي ﷺ ربما ينسون حديثاً كثيراً سمعوه منه ﷺ ، أما إذا رأوا امرأة ترضع طفلها فإنهم سيتذكرون ذلك الموقف الذي سمعوا فيه تلك الكلمة منه ﷺ .

стр. 840

المواقف الحية تثبت للمدعو إمكانية تحقيق ما يدعى إليه رابعاً: إن الكلمة أيضاً تترك أثراً على الناس وتدعوهم إلى العمل والسلوك، لكن ربما يظن البعض من الناس أن هذه الصورة التي يتحدث عنها المتحدث صورة مثالية يصعب تطبيقها، وإذا أمكن تطبيقها فهي في هذا الزمان الذي مرجت فيه العهود وفسد فيه الناس صورة تستعصي على التطبيق، أما حين تكون دعوة بالحال وموقفاً يراه الناس فإنها تكون دعوة لكل من يرى هذا الموقف أن هذه الصورة يمكن أن تحدث، وأن هذا الموقف يمكن أن يكون، إن الذي يسمع عن مواقف الاستشهاد في سبيل الله والجهاد في سبيل الله ربما يهزه هذا الموقف، لكنه قد يشعر أن النفوس البشرية قد لا تطيق هذا البذل وهذه التضحية، لكنه حين يرى هذه النماذج أمام عينيه يدرك أن هذه القضية ترقى إلى ميدان الواقع، وتتجاوز الحيز النظري، إنه حين يسمع عن الإنفاق في سبيل الله، فيرى بعينه من يجود بماله، وحين يسمع عن الاجتهاد في عبادة الله ﵎ وطاعة الله ، وحين يسمع عن الصبر عما حرم الله ﵎، وعن مجاهدة النفس ومقاومة الفتن ثم يرى النموذج أمام عينيه، سواء كان نموذجاً حياً يراه أمام عينيه، أو كان نموذجاً يقرؤه، فتتخيل تلك الصورة في ذهنه، إنه حين يعيش هذا الموقف لا شك أن ذلك يترك في نفسه أثراً أعظم بكثير من أثر الكلمة مهما عظمت فصاحتها وبلاغتها. إنه يشعر أن هذه القضية التي يدعو إليها أصحابه يمكن أن يطبقها البشر، ويمكن أن يعملها البشر، ولهذا اختار الله ﵎ أن يكون أنبياؤه صلوات الله وسلامه عليهم بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ليكونوا قدوة وأسوة للناس.

стр. 841

مواقف الدعاة وأفعالهم تدل المدعوين على صدق ما يدعون إليه أخيراً: من مزايا الدعوة الصامتة أنها أعظم إجابة على شبه المضلين والمفسدين، إن الصراع لا يمكن أبداً أن يتوقف بين أهل الحق وأهل الباطل، فال يزال أهل الباطل يثيرون الشبه أمام دعاة الحق، فيتهمونهم بأبشع التهم، وهي تهم ورثوها من فرعون حين قال عن موسى: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]، وقال عن السحرة الذين آمنوا لموسى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٢٣]، ورثوه من أولئك الذين ما أتاهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون، لقد كان أولئك يتهمون الأنبياء بأنهم سحرة، وبأنهم مجانين، وبأن أتباع الأنبياء ضعفاء بادي الرأي، وأن أولئك إنما كان إيمانهم واتباعهم لموسى إنما كان عن مؤامرة خفية كان يستهدف منها عرش فرعون ومجده وملكه، لكن صبر أولئك السحرة على ما واجههم، وسيرة موسى ﵇ الذي كان قد عاش مع بني إسرائيل، وكانوا يعرفونه ﷺ ويعرفون سيرته؛ كانت تلك المواقف أعظم إجابة على تلك التهمة والفرية التي أطلقها فرعون على أولئك المصلحين. وهي أيضاً أعظم إجابة كانت على تلك الفرية التي أطلقها كفار قريش على النبي ﷺ ، فاتهموه بأنه صابئ وأنه ساحر يفرق بين المرء وزوجه، واتهموه بما اتهموه به ﷺ ، وما يزال المفسدون الأفاكون الظالمون يثيرون الشبه والتهم على من يتبع سنة الأنبياء ويسير على طريقتهم، فحين تكون حال هؤلاء حالاً صادقة للناس، وحالاً واضحة للناس تكون هذه أعظم إجابة على كذب أولئك وإفكهم.

стр. 842

مجالات الدعوة الصامتة أخيراً: ما هي مجالات الدعوة الصامتة؟

стр. 843

القدوة الحسنة أول مجال من مجالات الدعوة الصامتة: القدوة والأسوة الحسنة، وقد مر معنا نماذج كثيرة من ذلك أظن أننا لسنا بحاجة إلى إعادتها.

стр. 844

التفوق في مناحي الحياة المجال الثاني من مجالات الدعوة الصامتة: التفوق في مجالات الحياة المختلفة: حين يكون المتدينون والدعاة إلى الله هم المتفوقون في مجالات الحياة المختلفة، هم المتفوقون في دراستهم، وهم المتفوقون في ميادين العمل، وهم العاملون الصادقون المخلصون، ويرى الناس أنهم حين يدخلون ميداناً من الميادين فهم المتفوقون فيه، وهم البارزون فيه، إن هذا يعطي الناس دلالة على صدق هؤلاء، وأن حال هؤلاء وإخلاصهم وصدقهم ليس قاصراً على ميدان من الميادين، بل هاهم يثبتون للناس أنهم ومع انشغالهم بالدعوة إلى الله ﵎، ومع انشغالهم بتعلم العلم الشرعي، مع انشغالهم بواجبات شرعية لم يشغل بها غيرهم، فهم مع ذلك كله قد تفوقوا في سائر ميادين الحياة. إن الأعداء اليوم يحاولون أن يفسروا هذه الصحوة بأنها إفراز لمشكلات اقتصادية أو عقد نفسية واجتماعية يعاني منها أولئك المتدينون، أما حين يكون هؤلاء المتدينون هم المتفوقون في ميادين الحياة ومجالاتها، وحين تمتد هذه الصحوة لتشمل طبقات الأثرياء والمثقفين ثقافة حديثة معاصرة كما يقول البعض فإن هذا يمثل أعظم رد للمتدينين يبين كذب ما يدعيه أولئك الأعداء.

стр. 845

الإحسان إلى الناس وتبني قضاياهم المجال الثالث من مجالات الدعوة الصامتة: الإحسان إلى الناس وتقديم الخير لهم وتبني قضاياهم، لقد كان ﷺ -كما حكت عنه زوجه خديجة ﵂ يقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، وكان ﷺ يكسب المعدوم، ويشفع للناس ويحسن لهم. أنه ﷺ جاء إلى بريرة يسألها أن تعود إلى زوجها، فتسأله ﷺ : أهو آمر ﷺ أم شافع؟ فيقول ﷺ : إنه شافع، فتقول: لا حاجة لي فيه. لقد اتسع هذا القلب الرحيم ﷺ ليشفع في هذه القضية الزوجية وليشفع لهذا الرجل الذي أتى إلى النبي ﷺ يسأله الشفاعة فيشفع ﷺ لدى امرأة كانت أمة من الإماء أن تعود إلى زوجها. بل يتجاوز ﷺ ذلك كله إلى الحيوان فيدخل ﷺ حائطاً من حوائط الأنصار فيرى جملاً قد احدودب ظهره، فلما رأى النبي ﷺ ذرفت عيناه، وكأنه رأى في قلب النبي ﷺ الرحمة والإحسان، فيأتي إليه النبي ﷺ ثم يسأل فيقول: (أين صاحب هذا الجمل؟ فيقول رجل: أنا، فيقول ﷺ : اتق الله، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه). إن النبي ﷺ وهو الأسوة الحسنة للناس من بعده يرسم لنا هذه القدوة والأسوة أن نحسن إلى الناس وأن نسعى في تبني قضايا الناس أياً كانت هذه القضايا، وهذا الهدي لم يكن خاصاً بالنبي ﷺ ، بل كان هدياً للأنبياء من قبله، فها هو يوسف ﵇ يقول له صاحباه في السجن: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦]، فقد رأيا فيه ﷺ الإحسان إليهما. إن تبني الصالحين والدعاة إلى الله الإحسان إلى الناس، وتقديم الخير لهم هو تأسٍ بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهو أيضاً باب من أعظم أبواب الخير، وهو أيضاً تعرف إلى الناس، فيعرف الناس أن هؤلاء جادون صادقون مخلصون، وأن هؤلاء خير لهم من أولئك الذين يتاجرون بقضاياهم، وحين نعرف هذا نعرف سر ذلك الحرص الشديد من أعداء هذه الدعوة على إغلاق منافذ الخير لهؤلاء حتى لا يحسنوا إلى الناس، ولو كانت نتيجة ذلك أن تشرد الأسر، وأن يموت الجائعون، وأن يهلك الأيتام، لو كانت نتيجة ذلك ما كانت، المهم ألا يعرف الناس عن هؤلاء أنهم صادقون، وألا يعرف الناس عن هؤلاء أنهم يحسنون للناس.
следующие страницы →