Полный текст (1 904 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
مواقف الدعاة وأفعالهم تدل المدعوين على صدق ما يدعون إليه
أخيراً: من مزايا الدعوة الصامتة أنها أعظم إجابة على شبه المضلين والمفسدين، إن الصراع لا يمكن أبداً أن يتوقف بين أهل الحق وأهل الباطل، فال يزال أهل الباطل يثيرون الشبه أمام دعاة الحق، فيتهمونهم بأبشع التهم، وهي تهم ورثوها من فرعون حين قال عن موسى: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]، وقال عن السحرة الذين آمنوا لموسى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٢٣]، ورثوه من أولئك الذين ما أتاهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون، لقد كان أولئك يتهمون الأنبياء بأنهم سحرة، وبأنهم مجانين، وبأن أتباع الأنبياء ضعفاء بادي الرأي، وأن أولئك إنما كان إيمانهم واتباعهم لموسى إنما كان عن مؤامرة خفية كان يستهدف منها عرش فرعون ومجده وملكه، لكن صبر أولئك السحرة على ما واجههم، وسيرة موسى ﵇ الذي كان قد عاش مع بني إسرائيل، وكانوا يعرفونه ﷺ ويعرفون سيرته؛ كانت تلك المواقف أعظم إجابة على تلك التهمة والفرية التي أطلقها فرعون على أولئك المصلحين.
وهي أيضاً أعظم إجابة كانت على تلك الفرية التي أطلقها كفار قريش على النبي ﷺ ، فاتهموه بأنه صابئ وأنه ساحر يفرق بين المرء وزوجه، واتهموه بما اتهموه به ﷺ ، وما يزال المفسدون الأفاكون الظالمون يثيرون الشبه والتهم على من يتبع سنة الأنبياء ويسير على طريقتهم، فحين تكون حال هؤلاء حالاً صادقة للناس، وحالاً واضحة للناس تكون هذه أعظم إجابة على كذب أولئك وإفكهم.
стр. 842
مجالات الدعوة الصامتة
أخيراً: ما هي مجالات الدعوة الصامتة؟
стр. 843
القدوة الحسنة
أول مجال من مجالات الدعوة الصامتة: القدوة والأسوة الحسنة، وقد مر معنا نماذج كثيرة من ذلك أظن أننا لسنا بحاجة إلى إعادتها.
стр. 844
التفوق في مناحي الحياة
المجال الثاني من مجالات الدعوة الصامتة: التفوق في مجالات الحياة المختلفة: حين يكون المتدينون والدعاة إلى الله هم المتفوقون في مجالات الحياة المختلفة، هم المتفوقون في دراستهم، وهم المتفوقون في ميادين العمل، وهم العاملون الصادقون المخلصون، ويرى الناس أنهم حين يدخلون ميداناً من الميادين فهم المتفوقون فيه، وهم البارزون فيه، إن هذا يعطي الناس دلالة على صدق هؤلاء، وأن حال هؤلاء وإخلاصهم وصدقهم ليس قاصراً على ميدان من الميادين، بل هاهم يثبتون للناس أنهم ومع انشغالهم بالدعوة إلى الله ﵎، ومع انشغالهم بتعلم العلم الشرعي، مع انشغالهم بواجبات شرعية لم يشغل بها غيرهم، فهم مع ذلك كله قد تفوقوا في سائر ميادين الحياة.
إن الأعداء اليوم يحاولون أن يفسروا هذه الصحوة بأنها إفراز لمشكلات اقتصادية أو عقد نفسية واجتماعية يعاني منها أولئك المتدينون، أما حين يكون هؤلاء المتدينون هم المتفوقون في ميادين الحياة ومجالاتها، وحين تمتد هذه الصحوة لتشمل طبقات الأثرياء والمثقفين ثقافة حديثة معاصرة كما يقول البعض فإن هذا يمثل أعظم رد للمتدينين يبين كذب ما يدعيه أولئك الأعداء.
стр. 845
الإحسان إلى الناس وتبني قضاياهم
المجال الثالث من مجالات الدعوة الصامتة: الإحسان إلى الناس وتقديم الخير لهم وتبني قضاياهم، لقد كان ﷺ -كما حكت عنه زوجه خديجة ﵂ يقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، وكان ﷺ يكسب المعدوم، ويشفع للناس ويحسن لهم.
أنه ﷺ جاء إلى بريرة يسألها أن تعود إلى زوجها، فتسأله ﷺ : أهو آمر ﷺ أم شافع؟ فيقول ﷺ : إنه شافع، فتقول: لا حاجة لي فيه.
لقد اتسع هذا القلب الرحيم ﷺ ليشفع في هذه القضية الزوجية وليشفع لهذا الرجل الذي أتى إلى النبي ﷺ يسأله الشفاعة فيشفع ﷺ لدى امرأة كانت أمة من الإماء أن تعود إلى زوجها.
بل يتجاوز ﷺ ذلك كله إلى الحيوان فيدخل ﷺ حائطاً من حوائط الأنصار فيرى جملاً قد احدودب ظهره، فلما رأى النبي ﷺ ذرفت عيناه، وكأنه رأى في قلب النبي ﷺ الرحمة والإحسان، فيأتي إليه النبي ﷺ ثم يسأل فيقول: (أين صاحب هذا الجمل؟ فيقول رجل: أنا، فيقول ﷺ : اتق الله، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه).
إن النبي ﷺ وهو الأسوة الحسنة للناس من بعده يرسم لنا هذه القدوة والأسوة أن نحسن إلى الناس وأن نسعى في تبني قضايا الناس أياً كانت هذه القضايا، وهذا الهدي لم يكن خاصاً بالنبي ﷺ ، بل كان هدياً للأنبياء من قبله، فها هو يوسف ﵇ يقول له صاحباه في السجن: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦]، فقد رأيا فيه ﷺ الإحسان إليهما.
إن تبني الصالحين والدعاة إلى الله الإحسان إلى الناس، وتقديم الخير لهم هو تأسٍ بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهو أيضاً باب من أعظم أبواب الخير، وهو أيضاً تعرف إلى الناس، فيعرف الناس أن هؤلاء جادون صادقون مخلصون، وأن هؤلاء خير لهم من أولئك الذين يتاجرون بقضاياهم، وحين نعرف هذا نعرف سر ذلك الحرص الشديد من أعداء هذه الدعوة على إغلاق منافذ الخير لهؤلاء حتى لا يحسنوا إلى الناس، ولو كانت نتيجة ذلك أن تشرد الأسر، وأن يموت الجائعون، وأن يهلك الأيتام، لو كانت نتيجة ذلك ما كانت، المهم ألا يعرف الناس عن هؤلاء أنهم صادقون، وألا يعرف الناس عن هؤلاء أنهم يحسنون للناس.
стр. 846
العفو والتنازل عن حظ النفس
رابعاً: من مجالات الدعوة الصامتة كظم الغيظ، والتنازل عن الحظوظ والحقوق الشخصية، يقول ﵎: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، ويقول ﵎: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، ويقول ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٣٩ - ٤٠]، ثم يقول ﵎ بعد ذلك: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]، ويقول ﵎: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ثم يقول ﵎ في أوصافهم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤].
حين يعرف الناس عنا أنا نتنازل عن حقوقنا الشخصية، حين يعرف الناس عنا أنا نعفو عمن ظلمنا، بل ونحسن إليه، فلا شك أن الناس سيعرفون منا حسن الخلق، وسيعرفون منا أخلاق الأنبياء، ولهذا كان ﷺ أخاً كريماً حين فتح ﷺ مكة وتمكن من أعدائه الذين فعلوا ما فعلوا معه ﷺ ، وآذوه وأخرجوه، وفي الوقت الذي ظنوا أن هذا الموقف سيكون فيه حتفهم أطلقهم ﷺ وعفا عنهم، فكان ذلك من أعظم الأسباب في دخول أولئك في دين الله أفواجاً؛ لأنهم عرفوا منه ﷺ الصدق والأمانة والعفو والإحسان قبل أن ينبأ، وعرفوا منه ذلك بعد أن نبئ وأرسل، وعرفوا منه ذلك بعد أن عادوه وآذوه وفعلوا ما فعلوا معه ﷺ ، وها هو أحد أصحابه ﷺ يقول: (كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء آذاه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
стр. 847
الصدق ورفع راية الخير والصلاح
خامساً: من مجالات الدعوة الصامتة: الصدق في الدعوة ورفع شعار الخير والصلاح.
في صلح الحديبية جاء رجل من بني كنانة موفداً من قريش، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : (هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له، فبعثت له واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت).
نعم حين رأى هؤلاء يلبون ورأى البدن شعر أن هؤلاء إنما جاءوا عماراً لبيت الله ﵎، وأنهم لم يأتوا محاربين لقريش فرجع من فوره دون أن يسمع كلمة واحدة من النبي ﷺ .
стр. 848
صدق العاطفة من قبل الداعي
المجال السادس من مجالات الدعوة الصامتة: العاطفة الصادقة المتوقدة في نفس الداعية، وهي إفراز لمشاعر صادقة تكمن في نفسه ما تلبث أن تبدو على أرض الواقع في سلوكه وفي قسمات وجهه، فيقرؤها كل من يراه لتترك في نفسه أثراً يفوق ألف خطبة وألف محاضرة، ويشعر الناس وهم يتعاملون مع هذا الصنف من الناس بما يحركهم ويدفعهم من الداخل، وما نزال نسمع الكثير ممن يتحدث عن العاطفة حديث الذم والنقد، حتى صار من مراتب الجرح والتنقص للمرء أن يقال فيه: إنه عاطفي أو متحمس، وربما صار ذم هذا النوع من الناس مهرباً للبعض الذي قد تبلد حسه تجاه المنكرات، وتجاه مصائب الأمة، فصار حين يطلب منه التفاعل أو يشكى إليه الحال يتنهد قائلاً: إن الأمور لا تعالج بالعواطف، ولا تعالج بالحماس.
نعم إن الإغراق في العواطف مرفوض والانطلاق وراء الحماس وحده تهور، لكن الدعوة إلى إلغاء ذلك كله تطرف هو الآخر.
ولعل سائلاً يتساءل: هل خلق الله ﵎ هذه العواطف الجياشة عند الناس عبثاً؟ لم يعد يقبل أهل الطب والعلم اليوم أن يكون هناك عضو من أعضاء الإنسان لا يؤدي دوراً، فكيف يقبل أن تكون هذه المشاعر المشتركة لدى عامة الناس، والتي تمثل وقوداً لأعمال ومواقف شتى يقوم بها المرء، كيف يكون ذلك كله عبثاً لا فائدة منه، ويذم المرء حين يتصف به؟ إننا حين نذم أولئك الذين يتهورون فيعملون أعمالاً لم يحسبوا لها حساباً، والذين لا يدفعهم إلا الحماس غير المنضبط، فإننا لا نعذر أولئك المثبطين القاعدين الذين قد تبلد حسهم، وماتت أرواحهم، وهم يرون الأمة تنحر، ويرون الكفر يعلن صراحاً في هذه الأمة، ويرون الأمة يسعى إلى إخراجها من دين الله كما كانت تدخل في دين الله أفواجاً، إن أولئك الذين يرضون بالسكوت والقعود، ولا يزيدون على الحوقلة، أولئك أيضاً قد ارتكبوا منكراً آخر لا يقل عن منكر أولئك: ألا وهو منكر السكوت والقعود عن الحق.
إن الصادق أيها الإخوة الذي يغضب لله ، والذي يغار على حرمات الله ﵎، والذي تكون حاله كحال أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا يتناشدون الشعر فإذا أردت أحدهم على دينه دارت حماليق عينيه، فكانت حالهم كحال النبي ﷺ الذي لم يكن يغضب لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه ﷺ شيء.
إن هذه الأحوال أيها الإخوة أعظم قدوة وأسوة لنا لأن نتأسى بها فنملك العاطفة المنضبطة، والحماس لدين الله ﵎، وتلك العاطفة أيضاً التي يملكها أولئك الذين ترق أفئدتهم ويحزنون حينما يرون فقيراً معوزاً يتيماً، أو أولئك الذين يرون مسلماً يظلم، أو يموت جوعاً أو يقتله البرد ولم يجد ما يكفيه، إن أولئك الذي يتفاعلون مع هذه العاطفة أو تلك، ويرى الناس هذا الواقع على أحوالهم وعلى قسمات أوجههم، إنهم يتركون أثراً أعظم بكثير من أثر أولئك الخطباء.
стр. 849
المواقف المتميزة التي يقفها الداعية
سابعاً: من مجالات الدعوة الصامتة: المواقف المتميزة التي تشكل صدى لدى معاصريها ومعايشيها، وتمتد بعد ذلك عبر أفق الزمن لتخترق حواجزه وتصبح منارة وضياء للأجيال، إنك لو تصفحت سير الصحابة فستجد عبارات الأمر بالصبر والوصية به، والأمر بالثبات على المبدأ وعلو شأن القضية عند أصحابها، لكن ذلك لن يكون مثل المواقف التي سطروها رضوان الله عليهم في الصبر على البلاء ومواجهة الأذى والمضايقة، فلا يزال في ذاكرة المسلمين أجمعين ما يردده الخطباء والمتحدثون من صور صبر بلال وعمار، وتضحية ياسر وسمية، وتحمل خباب وصهيب، لا يزال هؤلاء يتذكرون تلك الصور لأولئك الذين صبروا على الفتنة والمحنة، إنك تجد أقوالاً لأولئك في الأمر بالعبادة والاجتهاد في طاعة الله ﵎، لكن هذه الأقوال لن تترك في نفسك أثراً أعظم من أثر سير القوم حين تقرؤها وتتمعنها، وهكذا تبقى المواقف الصادقة منارة للجيل يقرؤها المعاصرون، فيكون هؤلاء الذين وقفوا هذه المواقف دعاة للأمة بمواقفهم، ثم يبقون بعد ذلك دعاة للجيل من بعدهم.
هذه بعض مجالات الدعوة الصامتة، وجوانبها، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الدعاة لدينه إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 850
الأسئلة
стр. 851
كيفية التوفيق بين القدوة العملية وكون العمل خالصاً لله سليماً من الرياء
السؤال
كثيراً ما يتردد الإنسان في إظهار بعض الأعمال؛ لأنه يريد أن يكون داعية صامتاً، ولكنه يخاف أن يكون داعية مرائياً، فما الموقف الصحيح هنا؟ ويقول: إذا كان الشاب يحاول أن يكون قدوة لغيره، خاصة لمن هو دونه في أمور الخير، لكن نفسه ضعيفة لا تلبث أن ترائي بعملها، وتتزين للناس؛ فما رأي فضيلتكم؟
الجواب
هذه من القضايا الدقيقة التي ينبغي أن نراقب أنفسنا فيها، وهي ما يتعلق بقضايا الإخلاص والرياء التي يعيش فيها الشاب في تردد بين أن يعمل العمل فيخشى أن يكون هذا العمل رياءً، وألا يكون خالصاً لله ﵎، وبين أن يعمل هذا العمل، وربما أدى هذا بالشاب إلى أن يترك أعمالاً كثيرة خوفاً على نفسه من الرياء، ولا شك أن الذي خشي من الرياء يملك قدراً من الإخلاص لله ﵎، وأن خشيته من الرياء دليل على إخلاصه، فلا ينبغي له أن يترك العمل خشية مراءاة الناس ابتداءً.
ثانياً: قد تكون بعض الأعمال إعلانها أفضل من إسرارها، وإن كان الأصل في الأعمال أن الإسرار أفضل، أرأيت هذا الذي جاء بصرة فألقاها أمام النبي ﷺ أتظن أن عمل هذا خير، أم لو كان قد أتى بذلك سراً؟ إذاً: الأصل أن يخفي الإنسان أعماله إذا استطاع ذلك، فإن هذا أعظم لإخلاصه وأصدق لنيته وأبرأ، لكن حينما يكون الإعلان أفضل وأولى ويكون قدوة للناس فلا شك أن ذلك يجعله ضمن من قال عنهم ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)، ثم إنه لا ينبغي للإنسان أن يتكلف فعل الأمر أو تركه على خلاف حاله، فينبغي للإنسان أن يسير على حاله المعتادة، أن إنساناً اعتاد أن يصوم قدراً من النفل، أو يصلي قدراً من الليل، أو يقرأ شيئاً من القرآن، أو اعتاد عمل أي باب من أبواب الخير فلا ينبغي له أن يترك هذا الباب وهذا العمل، ويتكلف تركه إذا كان مع الناس، وكذلك لا ينبغي له أن يتكلف فعله ليقتدي الناس به إذا كانت نفسه أصلاً لا تدفعه إلى هذا العمل، وهي قضايا دقيقة ينبغي أن نراقب أنفسنا فيها، فقضايا الإخلاص من أصعب القضايا على النفس.
стр. 852
وجود الداعية الصامت مقترن بكون الدعوة محور حياة الإنسان
السؤال
كيف يمكن تأهيل الدعاة الصامتين باختصار؟
الجواب
يتم ذلك حينما تكون قضية الدعوة قضية مهمة عندنا، وليست قضية هامشية، يعني: حينما تسيطر قضية الدعوة على حياتنا كلها، فتصبح حياتنا كلها دعوة إلى الله ﵎، ونصبح نشعر أننا نرفض أنفسنا دائماً، فيشعر الإنسان أنه في البيت وفي مقر الدراسة وفي مقر العمل وهنا وهناك وفي أي ميدان يشعر أنه داعية إلى الله ﵎.
стр. 853
حكم الساكت عن الحق عند خوف الضرر على نفسه
السؤال
هل يعد الساكت عن الحق الخائف على نفسه شيطاناً أخرس؟
الجواب
إذا سكت الإنسان عن إنكار المنكر، أو عن بيان حق يجب أن يقوله؛ فإن كان يخاف على نفسه من أذىً سوف يغلب على ظنه أنه يلحقه، فهو بين خيارين: إن اختار تحمل هذا الأذى كما تحمل أصحاب النبي ﷺ الأذى في سبيل الله فله ذلك، وهذه من مقامات أولي العزم، وإن لم يختر ذلك فإنه يجوز له حينئذٍ أن يسكت لأنه أصبح في حكم المكره.
стр. 854
التعامل السيئ من قبل الداعية مع الآخرين يمثل نقضاً لمفهوم القدوة الحسنة
السؤال
كثير من الشباب منا صغاراً كانوا أو كباراً يعطون صورة سيئة عن الالتزام، وذلك من خلال معاملتهم لأهلهم ولوالديهم بالأخص، مما يؤدي إلى نتائج سيئة؛ فما نصيحتك لهم؟
الجواب
لا شك أن هذا نقض للدعوة، يعني: أن هذا الشاب الذي يعطي أهله أو يعطي الناس من حوله صورة سيئة عن واقعه لا شك أن هذا يعطي الناس رسالة بأنه غير صادق في تدينه، غير صادق في دعوته، ولهذا تجد مثلاً الآباء أحياناً أو الأمهات يخاطبون هؤلاء وينتقدونهم بعبارات مفادها: أين أثر أصحابك عليك؟ أين أثر هذا الدين الذي تدين به؟ أين أثر ما تدعو الناس إليه على نفسك؟ فقد يكون الشاب مثلاً ينكر على أهله منكرات، وقد يكون يشارك مثلاً إخوانه الصالحين في مثل هذه اللقاءات ومثل هذه التجمعات فيرى أهله منه صورة مخالفة لما هو عليه، فيقصر في حقوقهم ويسيء معاملتهم، وربما يقصر في الواجبات الشرعية فيرون أن الفعل ينطق بخلاف القول، فيشكون في صدق هذه الحال التي هو عليها، وقل مثل ذلك مثلاً في واقعه مع الناس، مع زملائه في المدرسة، مع أقاربه هنا وهناك، حينما تكون سيرته لا تمثل ما يدعو إليه الناس فإن هذا يكون أعظم تنفير وصد عن طريق الالتزام.
стр. 855
حسن الخلق من أهم مجالات الدعوة الصامتة
السؤال
أليس الالتزام بالأخلاق الكريمة هو من الدعوة الصامتة؟
الجواب
سبق الإشارة إلى هذا، ولا شك أن حسن الخلق من أعظم الدعوة الصامتة، بل إننا نجد مثلاً في السيرة أن هناك من أسلم لأنه رأى من النبي ﷺ موقفاً من المواقف، وهناك الكثير ممن دخل الإسلام ممن جاء بعد النبي ﷺ إنما كان دخوله في الإسلام لما رأى من خلق بعض المسلمين.
стр. 856
الدعوة الصامتة سلاح بيد الدعاة إلى الضلال
السؤال
هل تعتقد أن من أسباب المذاهب الهدامة الدعاة الصامتين لهذه المذاهب، أم هناك أسباب أخرى؟
الجواب
نعم، لا شك أن ما يبذله أولئك عامل من عوامل نجاحهم في دعوتهم، وسبق أن تحدثت عن هذا في محاضرة بعنوان: إنهم يعلمون، وذكرت نماذج مما يبذله هؤلاء، وكيف أنهم يحسنون للناس وينفقون عليهم، ويسهرون في خدمتهم، انظروا مثلاً ما يفعله المنصرون، فهم يدخلون على الناس من باب تقديم العلاج والإغاثة وإنقاذ الناس، وهكذا حتى تكون هذه الوسائل مدخلاً لإضلال الناس، فيشعر الناس أن هؤلاء صادقون وجادون فيما يدعون إليه، ويتساءلون بلسان حالهم، وربما بلسان مقالهم: أين المسلمون عنا؟
стр. 857
وجود جوانب سيئة في الرجل القدوة لا يلزم منه ترك الاقتداء به في جوانبه الحسنة
السؤال
يقال: ينظر كثير من الناس في هذا الزمان إلى العيوب والمساوئ عند بعض الأشخاص، ولا ينظر ما عنده من المحاسن فيقتدي بها؛ فهل من توضيح لذلك؟
الجواب
المسلم دائماً يجب أن يكون ضالته الحق حيثما وجده، فإذا افترضت أن هناك إنساناً سيئاً أو حتى إنساناً غير متدين، ووجدت عنده جانباً إيجابياً فيجب أن تقتدي بهذا الجانب، وليس هذا بالضرورة تزكية لهذا الشخص، فالله ﵎ خاطب المؤمنين بقوله: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، يعني: الله يقول للمؤمنين: إذا كنتم تألمون وكان الجهاد يصيبكم فيه ما يصيبكم، فإن أعداءكم يصيبهم ما يصيبهم، فإذا كان أولئك يصبرون على ما أصابهم وهم أهل باطل وفساد، فأنتم أولى أن تصبروا، يقول ﵎: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤].
إذاً: أنت قد ترى مثلاً من إنسان اجتهاداً في عمله وإخلاصاً وبذلاً، وقد ترى منه محافظة على وقته، وقد ترى منه أي جانب من الجوانب الإيجابية، وهو إنسان سيئ، فقد تجعل من هذا الجانب قدوة لك، لا أن فلاناً قدوة لك، لكن أنت تقتدي به في هذا الجانب، فكيف إذا كان إنساناً صالحاً وعنده بعض الأخطاء وعنده بعض العيوب، فإنك ينبغي أن تقتدي بما تراه فيه من سلوك حسن، وما تراه فيه من خير، وأن تدع ما تراه فيه مما هو خلاف ذلك، وهذه طبيعة البشر، لا أحد يقتدى به في كل ما يفعل ويدعو إليه إلا النبي ﷺ وغيره من الناس مهما علت حاله، ومهما سمت نفسه، ومهما كان سيبقى بشراً يؤخذ من قوله ويرد.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجنبنا وإياكم أسباب معصيته وسخطه إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 858
مشكلات وحلول
مشكلتنا في الواقع ليست مشكلة حديث وتوجيه، وليست مشكلة علم ومعرفة، إنما تتمثل مشكلة كثير من المسلمين اليوم أنهم لا يستطيعون أن يحولوا هذا الرصيد العلمي لديهم إلى واقع وتطبيق وسلوك.
стр. 859
سر وجودنا في هذه الحياة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، إنه ﵎ سميع مجيب.
وبعد: فكثيراً ما نشعر أن مشكلتنا في الواقع ليست مشكلة حديث وتوجيه، وليست مشكلة علم ومعرفة، إنما تتمثل مشكلة كثير من المسلمين اليوم أنهم لا يستطيعون أن يحولوا هذا الرصيد العلمي لديهم إلى واقع وتطبيق وسلوك.
عنوان هذا الحديث: (مشكلات وحلول).
والحديث موجه لكم، ولهذا فأرى أنه مما يفرض نفسه أن تكون هذه المشكلات نابعة منكم أنتم، فيكون حديثاً عن مشكلاتكم، ويكون حديثي صدى لهمومكم وخواطركم وما تعانون منه.
ولهذا حين اقترح علي الإخوة هذا الموضوع فضلت أن أختصر في الحديث، فتكون الكلمة مختصرة بحيث يكون معظم الوقت للأسئلة والتساؤلات، على أن تصبح هذه التساؤلات جزءاً من الموضوع؛ لأنني أستطيع أن أدون قائمة من المشكلات، ثم أتحدث معكم عنها، وربما تشعرون أن هذه المشكلات تعنيكم، لكن لاشك أن هذا يختلف عما إذا كانت المشكلات صادرة منكم أنتم، وحينما يكون الحديث إجابة عن تساؤلاتكم، فتشعرون أن هذا الحديث صدى لما تفكرون فيه، ولما تعانون منه؛ ولهذا فقد اخترت أن يكون معظم الوقت للإجابة على الأسئلة التي تدور داخل هذا الإطار، وإجابة على تساؤلات معينة واستفسارات بقدر ما هو محاولة لحل بعض المشكلات التي نعاني منها أو التي نشعر أننا نعاني منها جميعاً.
ولعل ما سأتحدث عنه في بداية الحديث يشكل قاعدة لنا تحل جزءاً من كثير من المشكلات التي نعاني منها.
أول مثلاً سؤال يتبادر إلى الذهن عند أي شخص غريب مثلي أنا مثلاً يدخل الدار، قد يدخل مثلاً يتساءل، ينظر ذات الشمال يقول: هذا المبنى لمن؟ وأشعر أن المبنى الذي على يساري صالة، فسأفكر أن هذا ليس مكتباً إدارياً في الدار قطعاً، لأنه وجدت صالة واسعة معنى هذا الكلام أن هذه الصالة لابد أن تستخدم لعمل معين.
الساحة التي نجلس فيها الآن جميعاً سيعرف أي شخص يدخل أن هذه الساحة صممت لأجل أن تستخدم لأغراض معينة، يبدو لي أنا مثلاً أنها تستخدم لأنشطة رياضية، تستخدم لمثل هذه الأنشطة المسائية التي يمكن أن تجتمعوا فيها.
ولهذا يشعر كل إنسان يعيش في الحياة أن أي شيء موجود فهو موجود لحكمة، وله غرض معين، يعني لو أتانا إنسان غريب عن حياة الحاضرة، ولا يعرف أي شيء من صور الحضارة، ووجدني أتحدث أمامكم وأمامي لاقطات قد لا يستطيع أن يعرف لماذا هذه الأجهزة موجودة أمامي، لكن هو سيقول على كل حال إن هذه الأجهزة ما وجدت عبثاً، وما وجدت لأجل أن تكون حاجزاً للرؤية بين المتحدث وبعض الحضور، فلابد أنها وضعت لغرض ولحاجة معينة، ولاستخدام معين تستخدم فيه.
وهذا التساؤل دائماً نجده يأتي إلى أذهاننا في أي شيء، فالإنسان عندما يرى أمامه جهازاً جديداً، ويجد فيه أزراراً ومؤشرات، تجد أنه يتساءل لماذا هذه؟ وما هي الحاجة أن يوضع مثل هذا الشيء؟ هذا تساؤل كما قلت يقفز إلى أذهاننا دائماً في حياتنا اليومية التي نعيشها.
لكن يجب أن نطرحه نحن بشكل أكبر في قضية مهمة جداً، وهي سر وجودنا في هذه الحياة، أعني أن الإنسان يتساءل لماذا وجدت في هذه الحياة؟ لماذا وجد هذا الكون كله بما فيه من السموات السبع، والأرض والأشجار والحيوانات والكواكب والعالم الفسيح الذي نراه، لماذا وجد هذا الكون؟ ولماذا وجدت أنت؟ وما هو موقعي من هذا الكون؟ هذا تساؤل يجب أن نطرحه ونفكر فيه ونصل منه إلى نتيجة معينة.
قد تكون الإجابة بدهية، فكل إنسان حينما تسأله يقول لك: أنا وجدت وخلقت لعبادة الله ، وهذا أبسط سؤال يجب أن يجيب عليه أي مسلم، والذي لا يعرف الإجابة على هذا التساؤل سنضع علامة استفهام على دخوله في الإسلام، وعلى اعتباره من المسلمين.
هذا فيما يتعلق بخلق الإنسان، لكن بقية الكائنات المخلوقة في هذا الكون كله، لماذا وجدت ولماذا خلقت؟
الجواب
خلقت وسخرت ووجدت من أجل الإنسان نفسه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣].
فكل ما في السماوات وما في الأرض من كائنات ومن هذا العالم الذي لا نستطيع أن ندرك أسراره، خلق وسخر من أجل هذا الإنسان، وهذا الإنسان خلق من أجل عبادة الله ﵎.
стр. 860
قيمة الإنسان في عبوديته لله
أول قضية في التوحيد يجب أن يعيها المسلم: ما هو سر وجوده؟ لماذا خلق؟ خلق الإنسان من أجل عبادة الله ﵎، من أجل توحيد الله .
وماذا يعني هذا الأمر؟ هناك نتائج مهمة تترتب على هذا التساؤل، أولها: ما قيمة عبادة الله في حياتنا؟ فعندما نعرف أن الإنسان ما خلق ولا وجد ولم يسخر له كل ما في الكون إلا لعبادة الله، فهذا معناه أن هذا الإنسان لا يساوي شيئاً بدون عبادة الله ، بل يصبح كائناً آخر، يصبح صفراً على الشمال.
وأصدق وصف لهؤلاء ما وصفهم الله ﵎ به في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤]، يعني: هم في حقيقة حياتهم وسلوكهم يعيشون كما تعيش الأنعام، فالإنسان الذي يعيش لشهواته، ولما تدعوه إليه نفسه فقط، وهذه القضية الأولى والأخيرة عنده في الحياة، هو يعيش كما تعيش الأنعام.
ثم جاء الاستدراك: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) لماذا صاروا أضل من الأنعام؟ أضل من الأنعام لأن الأنعام خلقت هكذا، وما كلفت هذا التكليف، وما جعل عندها الاستعداد لتحمل هذا التكليف، أما أنت فقد جعل الله عندك عقلاً، وفطرك على الخير، وخاطبك بالأوامر والنواهي، وأرسل إليك الرسل؛ كل هذا لكي تعيش حياة أخرى، فحينما تكون عندك كل هذه الفرص وتعيش عيشة الأنعام فأنت في الواقع أضل من الأنعام، لأن الأنعام هذا منتهى ما هي عليه.
وهذا يعني أيضاً أن أعلى شرف يمكن أن يصل إليه الإنسان، وأعلى عز وأعلى قيمة للإنسان في الدنيا هي في مدى تحقيقه لعبودية الله ﵎.
فأنت لو سألت الناس في كل المجتمعات: ما هي المعايير والموازين والمقاييس التي يقيسون الناس من حولهم بها؟ مثلاً أنت تعتبر هذا الرجل رجلاً ناجحاً في الحياة، أو رجلاً سعيداً في الحياة، من هو الرجل السعيد في الحياة في نظرك؟ لو طرحت هذا السؤال على مجموعة من الناس قطعاً ستجد الإجابة متفاوتة، وكل إنسان يجيب بما عنده، فإجابات الناس تعكس ثقافتهم وتعكس خلفياتهم وتعكس ما عندهم من تفكير.
فلو سألت أي إنسان من هو أسعد الناس في الحياة؟ ومن هو أفضل الناس في الحياة في نظرك؟ ستجد إجابات تختلف، فبعض الناس يقول: الإنسان الثري هو أسعد الناس في الحياة، وبعضهم: الإنسان الذي عنده جاه، وبعضهم: الذي عنده سلطان، فإجابات الناس تختلف.
لكن ما هي الإجابة الحقيقية فعلاً؟ نعود إلى القضية التي قلناها أول شيء وهي مسألة لماذا وجد الإنسان؟ وجد الإنسان لعبادة الله ﵎، ولتحقيق هذا الأمر، إذاً: أسعد الناس في الحياة، وأعلى الناس قيمة في الحياة هو الإنسان الذي يحقق القضية تحقيقاً تاماً، فكلما كان الإنسان أكثر عبودية لله ، وأكثر خضوعاً لله ﵎ صار أعلى قيمة في الحياة.
إذاً: قيمتك في الدنيا كلها تكمن في تحقيق هذه القضية.
أما الاعتبارات التي يضعها الناس ومقاييسهم وموازينهم حتى يقيسوا بها الإنسان الذي له قيمة في الحياة، فكلها يمكن أن تزول، ولنفترض أن عندنا إنساناً ثرياً يملك مبالغ طائلة، ويعيش حياة الأباطرة، قد نتصور أن هذا الإنسان هو الإنسان الذي بلغ القمة، بينما هذا الإنسان يمكن تأتيه كارثة أو مشكلة مالية فينهار ويتحول إلى إنسان مفلس تماماً.
هذا الإنسان يمكن يسير بسيارته ويصير عليه حادث فيفقد حواسه ويجلس مقعداً في المستشفى، فماذا تنفعه الملايين التي عنده، أو ماذا تنفعه قيمته أو مكانته عند الناس؟ ممكن بسهولة يأتيه مرض من الأمراض فيقضي على حياته كلها، وممكن في النهاية يموت وسيموت قطعاً، وعندما يموت يمشي وراءه أناس في جنازته، والناس تعزي في الجرائد والصحف، لكن خلاص انتهى.
دفن في قبره، مجرد من شهاداته، مجرد من الألقاب التي تعود أن يأخذها في الدنيا، مجرد من الاحترام الذي يلقاه عند الناس في الدنيا.
فأي شخص يدخل الحفرة يستوي فيها هو والفقير والغني والصعلوك، فالذي مات من الجوع ودفن وكان سبب موته هو الجوع يستوي تماماً مع الذي مات من التخمة، ومع الذي مات من أي أمر آخر، وتنتهي الستين والسبعين سنة.
ما هو الرصيد الحقيقي الذي يجعل لك قيمة في الحياة؟ الإنسان الذي أقام عبودية الله ﵎، وحقق هذا الجانب، وتحققت القضية عنده بوضوح، سيبقى له عمر ممتد، وستبقى الحياة الدنيا الذي عاشها مجرد مرحلة من المراحل، فهو يعيش في الدنيا ستين أو سبعين أو ثمانين سنة، لكن في النهاية سينتقل إلى الدار الآخرة.
إذاً: فقيمتك في الحياة وحياتك الحقيقية هي بمقدار ما تحقق في نفسك عبودية الله ﵎.
стр. 861
حقيقة العبودية
وهذا يقودنا إلى تساؤل آخر: الله الإنسان وجعل له الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي، والدورة الدموية، وخلق له حواساً، وسمعاً وبصراً، ومشاعر ونفسيات، وحباً وكرهاً.
كل هذه القضايا التي خلقها الله لم يخلقها عبثاً، بل هي مخلوقة كلها لوظيفة، فهل كل هذه الأشياء لكي تحصر قضية العبادة في صلاة خمس مرات في اليوم فقط، وتصوم إذا جاء شهر رمضان؟! عندما نقول: أنت ما خلقت إلا للعبادة ليس المعنى أنه يجب أن تحصر نفسك في المسجد مثلاً، دائماً تقرأ القرآن، أو دائماً تصلي، لكن المعنى أن تكون حياتك كلها مربوطة بشرع الله ﵎، وبما يرضي الله .
стр. 862
لا يكلف الله نفساً إلا وسعها
أيضاً هذه تقودنا إلى قضية أخرى مهمة: من القضايا الكثيرة التي نجد الشباب يطرحونها، مثلاً عندما تنصح أحد الشباب تقول له: اترك هذا العمل؛ فإنه لا يرضي الله ورسوله، يقول لك: أنا أعرف أن هذا العمل حرام، وأعرف أنه لا يرضي الله ورسوله، وأعرف أن نتيجته نتيجة مزعجة في الدنيا قبل الآخرة، لكن لا أستطيع.
فأقول: قبل أن ندخل نحن وإياك في جدل ونقاش تستطيع أو لا تستطيع، نعود إلى القضية التي قلناها سابقاً، أنت لماذا خلقك الله؟ خلقك الله لعبادته، والذي خلقك هو الله ﵎، وخلق جوارحك، وخلق حواسك، وخلق ما في الكون هذا كله، وقد خلقك ﵎ بهذه الطبيعة التي فيك، وبهذه الغرائز، وبهذه الجوانب كلها؛ لأجل عبادة الله ﵎.
إذاً: معنى هذا الكلام باختصار أنه ما دام الله هو الذي خلقك، وخلقك بهذه الطبيعة، وبهذه الخصائص، وبهذه الصفات، وأمرك بالعبادة، إذاً: معناها أنك قادر أن تؤدي هذه الوظيفة وهذا الدور، فإن من صفات الله العلم، ومن صفاته الحكمة.
فهل تتصورن لو اعتنى شخص خبير -مثلاً- وصمم لنا اللاقط الصوتي، على أساس أن يلتقط لمسافة عشرة أمتار، ثم جاءنا فني بسيط وكشف عليه وقال: هذا لا يمكن أصلاً، وهو غير مؤهل أن يقوم بهذا الدور.
سنقول: الذي صنع هذا إنسان خبير، وقد جهزه بطريقة معينة تجعله يعمل في هذا الظرف وهذا الوضع.
فالذي خلقك أنت هو الله ﵎، وهو يعلم أن البشر يمكن تقع عنده مشكلات، يمكن ينسى، يمكن يجهل، لكن الله ﵎ لا يمكن أن يجهل شيئاً، ولا يمكن أن تخفى عليه خافية ﵎، فالله هو الذي خلقك، ولما خلقك الله لعبادته معنى هذا الكلام تلقائياً أنك قادر أن تقوم بهذا الدور، حينما خلقك الله وأمرك بأوامر، ونهاك ﵎ عن معاص، هذا معناه أنك تستطيع أن تجتنب هذه المعاصي، وهذا معناه أنك تستطيع أن تأتي بهذه الأوامر.
لا يمكن أبداً أن يكون الله الذي خلقك، وهو ﵎ يعرف نوازعك، ويعرف طبيعتك، ويعرف قدراتك، ويعرف مشكلاتك، ويعرف كل الواقع الذي يحيط بك، لا يمكن أبداً أنه ﵎ يأمرك بأشياء أنت لا تستطيع أن تعملها، ولا يمكن أنه ﵎ ينهاك عن أشياء لا تستطيع أن تتركها.
أضف إلى ذلك أنك تعرف أنه ﵎ مع ما يتصف به ﵎ من علم ومن حكمة، فالله ﵎ عليم خبير حكيم ، أيضاً هو عدل ﵎، لا يظلم الناس مثقال ذرة، هو رحيم بعباده، رءوف بعباده ﵎، لا يمكن أن يظلم الناس، هل تتصور أن الله يخلق إنساناً غير قادر أن يترك المعصية، ثم يقول له: أنا حرمت عليك هذه المعصية، وإذا وقع فيها حاسبه وعاقبه ﵎، لا يمكن أبداً أن يتصور هذا؛ لأن هذا الإنسان أصلاً ما خلق إلا لعبادة الله ﵎، وعبادة الله تتمثل في فعل الطاعات واجتناب النواهي.
إذاً: هذه الحقيقة البدهية وهي أننا ما خلقنا إلا لعبادة الله ﵎، يترتب عليها تلقائياً أن كل شيء نهانا الله عنه، فنحن نستطيع أن نتركه، ونستطيع أن نتجنبه.
والقضية ليس فيها مجال للمخادعة، فأنت تستطيع أن تخادع البشر، وتستطيع أن تلف وتدور، وتستطيع أن تتصنع أشياء كثيرة، لكن أمام الله لا، يختم الله ﵎ على لسان هذا العبد، ثم تنطق عليه جوارحه، يده ورجله وساقه وسائر أعضائه كلها سوف تنطق عليه أمام الله ، فلا يوجد مجال للمخادعة.
إذاً: لنكن واقعيين مع أنفسنا، حينما خلقنا الله ﵎ لعبادته، فهذا يعني أن الوظيفة الأساسية لنا في الكون كله هو تحقيق هذه القضية، وهذا يعني أن قيمتك الحقيقية بقدر ما تكون عبداً لله ﵎، وأنك كلما ابتعدت عن هذا الطريق أصبحت إنساناً يعيش على الهامش، وهذا يعني القضية التي تهمنا كثيراً ويجب أن نضعها قاعدة لنا في حل مشكلاتنا والتعامل مع حياتنا أنه ما دام الله حرم علينا أمراً، فنحن قطعاً نستطيع أن نتركه؛ لأن الله خلق الناس وهو يعرفهم ﵎، يعرف الله أن فيهم ذكياً وفيهم غبياً، أن فيهم إنساناً قوي الشخصية وفيهم ضعيف الشخصية، يعرف كل هذه القضايا، والتكليف الشرعي ما جاء لطبقة معينة، جاء للناس كلهم، هذا يعني تلقائياً أن كل إنسان كلف بهذه التكاليف، فهو قادر على أن يمتثل بها، وقادر على أن يسير عليها.
هذه القضية يجب أن نعيها، ويجب أن نربطها بالقضية الأساس والأولى التي بدأت بها الحديث، وهي أننا ما خلقنا إلا لعبادة الله ﵎، والله هو الذي خلقنا بهذه الطبيعة وبهذه النوازع، وبهذه الظروف، خلقنا ﵎ بطبيعة معينة، وبكيفية معينة، تعيننا على تحقيق هذه القضية، تعيننا على أن نكون عبيداً لله حقاً، تعيننا على أن نمتثل أمر الله ﵎ ونجتنب نهيه.
أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يمتثل أوامره، ويجتنب زواجره ونواهيه، إنه ﵎ سميع مجيب.
стр. 863
الأسئلة
стр. 864
عبودية المخلوقات كلها لله
السؤال
إن السماوات والأرض وما فيها خلق من أجل الإنسان، هل هذه الكائنات لا تعبد الله؟
الجواب
يقول الله ﵎: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
ويقول ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]، ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٤٩ - ٥٠].
آيات كثيرة في القرآن تدل على هذه الحقيقة، وهي أن الكون كله خاضع لله ، يعني: ما من شيء في هذا الكون إلا يسبح لله ﵎، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، كيف يسبح؟ قال الله: (لا تفقهون تسبيحهم)، فهذا لا يعنينا، لكن هذا الكون كله يسبح لله ، ويسجد لله ، السماوات والشمس والقمر والنجوم تسجد لله ﵎، الظل الذي نراه كل صباح ومساء يسجد لله ، ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرعد:١٥]، ثم قال ﵎ في آخر الآية: ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد:١٥]، فالظل في أول النهار وآخره يسجد لله .
إذاً: هذا يفيدك في قضية مهمة وهي أن الإنسان العابد لله والمطيع لله يعيش متناسقاً مع حركة الكون كله، يعيش عيشة طبيعية، أما الإنسان العاصي لله فهو يعيش في اتجاه مضاد، يشعر أنه يعيش في وادٍ والكون كله بأفلاكه ونجومه وكائناته وما فيه يعيش في اتجاه آخر.
стр. 865
مشكلة صديق السوء
السؤال
هناك مشكلة يعاني منها الشباب وهي مشكلة صديق السوء الذي قد جعل كثيراً من الشباب ينحرفون عن الطريق السوي، تكلم حفظك الله عن هذه المشكلة؟
الجواب
هذه القضية من أكبر المشكلات التي يعاني منها الشاب، ومن أكبر الأمور التي تشكل ضغطاً عليه، فهي مشكلة له، وربما جزء من الشباب يشعر أن سبب دخوله في الدار أصلاً هي هذه المشكلة، ثم قد توجد معه المشكلة وهو هنا، ثم إذا خرج، يعني بعض الشباب قد يتوب وتتحسن أحواله، ويشعر فعلاً بالخطيئة والذنب، ويقرر أنه إذا خرج من الدار يعود إلى حياة أخرى، فإذا خرج عاد إلى أصدقائه ورفاقه السيئين، ثم عاد إلى ما كان عليه.
أول قضية يجب أن نشعر بها أن كل مشكلة نقع فيها لها حل، ولا يوجد مشكلة ليس لها حل، لكن أيضاً لا يعني هذا أن الحل سهل، فيجب أن نفرق بين قضيتين: بين شيء صعب وشيء مستحيل، فحينما أقول لك: المشكلة لها حل لا يعني هذا أنه حل سهل، بل هو حل صعب.
ومن الطبيعي عندما تقع في مشكلة كبيرة تحتاج أن تدفع ثمناً باهظاً لها، وطبيعي عندما تريد هدفاً كبيراً أن تدفع له ثمناً، فمثلاً إنسان صار له مشكلة وتحمل ديوناً، وصار عليه مبلغ كبير، وشعر أنه لابد أن يسدد هذا الدين، ودخل في أعمال تجارية وصار يعمل ويشتغل، يشعر هو أنه لكي يحل هذه المشكلة الكبيرة لابد أن يعمل عملاً مضاعفاً، ويبذل جهداً كثيراً، وكلما صارت لك مشكلة أكبر صرت تشعر أنت أن الجهد المطلوب منك لحل هذه المشكلة أكثر.
يعني أنت لا تتصور أن هناك حلولاً سهلة للمشكلة، وإذا كنت تريد حلولاً سهلة، فدع عنك التفكير في مشكلاتك، وتحمل أعباء المشكلات، وبعدين تحمل الثمن الباهظ لتدفعه في المستقبل.
وأنا سأقول لك حقيقة واحدة أتصور أنها من أفضل ما يعينك على التخلص من هذه المشكلة تماماً: أخبرنا الله ﵎ أن في يوم القيامة إذا جاء الناس وعاينوا ما عملوا، ورأوا ما قدموا، ورأوا حقيقة الحياة الدنيا، يبدأ كل إنسان يتبرأ ممن اتبعه، كما قال ﵎: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧].
وكما قال ﵎: ﴿وَيَوْمَ يَعَظُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧]، فالإنسان عندما يصيبه شيء يعض على أصبعه، لكن هنا يعض على يديه كلها ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
هذه حقيقة لابد أن تحصل يوم القيامة، أن يتبرأ الصديق الحميم، وتتقطع الأوصال بينهم، بل حتى يقولون لربهم ﵎: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، يعني: الصديق الذي كان وإياه، والخليل الذي كان وإياه، يسأل الله أن يزيده عذاباً؛ لأنه يرى أنه كان هو السبب في ضلاله.
إذاً: المقاطعة لابد أن تحصل، ولابد أن تتم، وستعلن على الملأ واضحة مكشوفة، وأنت لا بد أن تصل إلى هذه المرحلة، عرفت أنك لابد أن تصل إلى هذه النتيجة، لابد أن تعلن المقاطعة في الدنيا؛ فهي في الدنيا أهون عليك أولاً، ثم تؤدي ثمرتها وقيمتها، تقول: يا رب! إنني لأجل رضاك قاطعت أصدقائي، وتخليت عن جلسائي، وتخليت عن أولئك الذين أحبهم ويحبونني، وآلفهم ويألفونني، لكن إذا لم تعلن هذه في الدنيا والله ستعلنها يوم القيامة، وتعلنها حيث لا ينفع، يعني مجرد حسرة ومجرد ندم.
فإذا كانت قضية إنقاذ نفسك مهمة عليك، وإذا كنت تشعر فعلاً أنك تريد أن تتوب، وأنك تريد أن تجتنب طريق الضلالة، يا أخي! ادفع الثمن، أما إذا كنت تريد المطالب العالية بثمن سهل فلا يمكن أن تأخذها أبداً ولا تستطيع.
وأسهل لك أنك تتحمل الصعوبة التي تواجهها الآن من أن تتحمل عذاب الله ، الذي سيعيش فيه الإنسان خلوداً لا ينتهي أبداً، يا أخي! أيها أسهل عليك أن تتحمل قليلاً من الصعاب الآن، وتتحمل مشقات التخلي عن أهوائك، أو أن تكون يوم القيامة ممن ﴿إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩]، ممن يعيش يتمنى أن يموت ولا يستطيع أن يموت، يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، يتمنى أن يخفف عنه يوم واحد من العذاب ولا يخفف عنه.
فأنت لو فكرت في هذه القضية ووضعت الميزانين، شعرت فعلاً أن القضية لا تساوي شيئاً في الدنيا، وأنك تستطيع أن تتخلى عن كل الاعتبارات والعوائق، إذا شعرت أنك لابد أن
стр. 866
عراقيل موهومة في طريق طلب العلم
السؤال
بدأت حفظ القرآن الكريم وحفظت بعض الأجزاء ولله الحمد، ولكني توقفت فجأة عن الحفظ، فحاولت إكمال حفظه، لكني لم أستطع حتى قراءة القرآن، أو الكتب الأخرى لا أستطيع قراءتها، لا أدري ماذا حل بي، فأطلب منك أن تجد لي حلاً؟
الجواب
هذا السؤال الشخص الوحيد الذي يجيب عليه هو أنت، أنت تقول: أني بدأت أحفظ، وبدأت أقرأ، ومن ثم انصرفت ولا أدري ماذا حل بي.
لكن هناك قضية نفسية مهمة أحياناً يجري عليها الإنسان، الإنسان إذا صعب عليه عمل، أو شق عليه عمل، لأن الحفظ والقراءة تحتاج جهداً، وتحتاج أن الإنسان يتخلى عن جلسات السواليف، وعن الاسترخاء، ويجلس يحفظ ويقرأ، وأحياناً لا نستطيع أن نتحمل هذا الجهد، فالإنسان كسول يحب أن يرتاح وأن يطمئن.
فيذهب يوهم نفسه أنه لا يستطيع، وأن هناك مشكلة، وأحياناً يكون الإنسان كسولاً قليلاً وغير حافظ فيقول: أنا أتوقع أن عيناً أصابتني، أو أنا أتوقع أن فيَّ شيئاً، وهذه أساليب مخادعة للنفس يلجأ إليها الإنسان أحياناً حتى يخلص نفسه من تحمل تبعات الخطأ.
وأنا أتصور أن كثيراً من هذه القضايا هي حيل لا شعورية نخادع بها أنفسنا، وإذا كان الإنسان جاداً وحازماً مع نفسه سيستطيع، ويجب أن نشعر أن المطالبة العالية يجب أن ندفع لها ثمناً، يعني أنا أريد أن أحفظ القرآن، ما هي قضية كلام فقط، أو أنا سأجلس وأوسع صدري في الكلام مع الزملاء، وأسترخي وأقرأ المجلات وأنام وأرتاح، وأريد أن أحفظ القرآن، هذا مثلما يقول الأول: من لي بمثل سيرها المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول يقول: أريد راحلة تمشي ببطء وتصل أول واحدة، هذا مطلب لا يمكن أن يتحقق، إذا كنت تطلب مطالب عالية اجعل نفسك عند مستوى طموحاتك، أو دع الطموحات لأهلها.
стр. 867
اتخاذ العبادة وسيلة للتقرب من أناس من أبواب النفاق
السؤال
اتخاذ العبادة وسيلة للتقرب من أناس محددين، ما حكم ذلك جزاك الله خيراً؟
الجواب
هذا باب من أبواب النفاق وهذه لا تحتاج إلى من يفتي فيها، أي إنسان يجتهد في العبادة، يجتهد في الفرائض والنوافل ويتصنع، يريد التقرب من إنسان لأي هدف، هذه صورة من صور النفاق، وصورة من صور الرياء، وأنت لا تضر إلا نفسك.
وهذا أعظم دليل أنا إذا أردنا فعلاً أن نستقيم استطعنا، فهذا الإنسان الذي يشعر أنه إذا اجتهد في العبادة والطاعة أن هذا سيعطيه سمعة حسنة، ويمكن يساعد في تخفيف الحكم عليه، ويجتهد في نفسه، فتجده يتظاهر بمظهر الصلاح والاستقامة، هذا يدل على أنك تستطيع لو أردت فعلاً أن تفعل هذا، وأن القضية ليست صعبة، والقضية ليست مستحيلة.
فإذا استطعت من أجل أن تختصر ستة أشهر من الحكم، أو تختصر سنة، استطعت أن تغير حياتك كلها، وتظهر بمظهر معين، وتصوم وتجتهد في النوافل، وغيرت برنامجك وظهرت بمظهر الخير، إذا استطعت أنك تصنع هذا من أجل تكسب ستة أشهر من الحرية، فأظن أنك قادر على ما هو أكبر من هذا.
واعلم يا أخي! أن الناس لن ينفعوك، ستلقى الله ، وستكون القضية أضعافاً مضاعفة، فهذا الإنسان -عافانا الله وإياكم- الذي يتظاهر بالعبادة، ويتظاهر بالبعد عن الفساد والسوء لأجل الناس أسوأ الناس، ولهذا يكون في الدرك الأسفل من النار، لأنه إنسان قادر على نفسه، وفعل العبادة، لكن لا لله بل للناس.
ماذا ينفعك الناس؟ انفع نفسك أنت أولى وأهم، وإذا فعلت العبادة فافعلها وأخلص لله وسينفعك الله ، لو أنت أخلصت لله، وقلت: أنا أجعلها فرصة، وسأتوب إلى الله فعلاً بحق وألتزم طاعة الله بحق، سوف تحقق لك المقصد الذي تريد، وسيحبك الناس حقاً، وسيحبك الله ، وستشعر أنك حققت السعادة في الدنيا والآخرة.
لكن حينما لا تريد إلا الدنيا ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠].
стр. 868
مشكلات الحب
السؤال
أنا شاب واقع في حب فتاة منذ فترة طويلة، وعانيت من حبها الويلات والحسرات، وحاولت أن أنساها فلم أستطع، علماً أني أحبها حب شرف؟
الجواب
ما معنى حب الشرف هذا؟ أهو حب لأجل طاعة الله ؟! أول شيء أنت تحس أن عندك مشكلة وإلا ما سألت هذا السؤال، لماذا سألت هذا السؤال ما دام حبك حب شرف؟! أنت تعلم أن عملك هذا فيه مشكلة، لكن نتيجة أنه سيطر عليك هذا العمل وصعب عليك التخلص منه حاولت أن تجد مبرراً له، فكونك تسأل هذا السؤال هذا بحد ذاته دليل أنك تشعر أن هناك مشكلة أصلاً في هذا العمل، والبر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر وتردد في النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس، ولو أفتاك الناس وأفتوك.
فسؤالك وأنت تعاني من هذه الويلات دليل أن القضية ما هي حب شرف، وأن القضية مشكلة أخرى، وعلى الأقل الإنسان إذا ابتلاه الله بمعصية أو مشكلة يكون واقعياً مع نفسه، ولن ينفعك أنك تخادع نفسك، كأن تقول: لا، أنا ما عندي مشكلة، كن واقعياً مع نفسك وصريحاً أفضل لك، وقل: أنا إنسان مقصر، وإنا إنسان ضعيف، وأنا إنسان غير قادر على السيطرة على نفسي، هذه حقيقتي، وما في داعي أن تقول هذا الكلام للناس، لكن كن صريحاً مع نفسك، ولا تخادع نفسك، فإن المخادعة لن تنفعك، ولن تعينك.
على كل حال الله خلق العواطف عند الناس ولم يخلقها عبثاً، الله جعل الناس يحبون، وجعل الناس يبغضون، وجعل الناس يكرهون، وخلق الله عند الإنسان شهوات، وأول قضية عندما تقول لي: لا أقدر، أقول لك: هذا الكلام غير صحيح، لماذا لا تقدر؟ لأن الله نهاك عن هذه الأشياء وحرمها عليك، ثم إن الله هو الذي خلق فيك هذه الغريزة، ولا يمكن أبداً أن الله يأمرك بشيء لا تستطيعه.
فإذا كنت تتصور أنك ما تستطيع فهذه مخادعة للنفس، وحينما تستسلم لما تدعوه نفسك، فتستسلم للنظر الحرام والتفكير والهواجس، ستبقى عندك مشكلات، تبقى تشتد وتزيد ضراوتها، لكن يجب أن تحزم على نفسك، وتقطع الطريق من البداية.
وهذا الحب الذي جعله الله في نفوس الناس سجية وطبيعة لم يخلقه الله عبثاً، لكن هذه العاطفة إذا لم توجهها الوجهة السليمة سوف تنحرف، ولو شغلت قلبك بحب الله ﵎، وحب ما يحبه الله ، والله ستعيش في عالم آخر، وتشعر أن هذه القضايا تافهة، وهذه قضايا لا تستحق أن تشغل تفكيرك بها وذهنك.
حينما تعمر قلبك بالإيمان ومحبة الله ، وتصبح كما قال ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار).
فحينما تعمر قلبك بمحبة الله ، والإيمان بالله ﵎، وتعيش هذه القضية من قلبك فعلاً، وهي تحتاج إلى مجاهدة وجهد حتى تستقر في النفس، وإذا اجتهدت وغرست هذه القضية في نفسك ستجد أن كل هذه المشكلات تنحت جانباً، وصارت هذه القضايا ما تشغلك ولا تعاني منها.
لكن حينما تعيش بعيداً عن الإيمان، وبعيداً عن هذه القضايا ستعاني منها، وأنا أقول لك: لا يوجد حل إلا هذا الحل، وهو الحل الأساس والأول، وبقية الحلول تبقى حلولاً جزئية، أما هذا فهو الحل الأساس، وهو تعمير قلوبنا بالإيمان ومحبة الله ، الصلة بالله ﵎، بالصلاة والدعاء، وتلاوة القرآن والتدبر.
وتحتاج القضية إلى تعويد وترويض ومجاهدة، فهذا الأمر لا يأتي مباشرة، مثلما أن الإنسان لكي يتعلم أي صنعة في الدنيا يحتاج له إلى فترة.
وأما إذا ابتعدت وصار قلبك خاوياً من هذه المعاني فسوف تتعلق بمثل هذه التفاهات.
وهذه القضية جاء فيها أسئلة كثيرة حول قضية السعادة ومن هو أسعد الناس، حينما تصل إلى هذه الدرجة ستكون كما قال ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان)، ما معنى حلاوة الإيمان؟ يعني سيجد لذة وحلاوة للإيمان لا يجدها في أي عمل آخر، ويشعر بالعبادات التي يقوم بها، ويشعر بالطاعات والأعمال الصالحة التي يقوم بها وسيجد فيها أنساً لنفسه، وسيجد أن نفسه تدفعه إلى العمل، وتؤزه إلى العمل.
ولا تتصور أن هؤلاء الأتقياء الواحد منهم يجاهد نفسه ويدفع نفسه دفعاً، لا، فقد تحولت هذه القضايا إلى أنه كما أنك أنت تعيش الويلات مع هذا الحب الذي تسميه حب شرف تماماً هو أشد حباً لله ﵎، وحباً لطاعة الله، وقلبه أشد تعلقاً بالله من تعلق هذا الإنسان بمثل هذه الفتاة أو بمثل هذه الصور التي نشاهدها ونراها.
стр. 869
كيفية إدخال السرور على الوالدين
السؤال
تعلمون أن دخولنا هذه الدار سبب لنا ولأهلنا المتاعب والأحزان، أريد أن أدخل السرور على والدي وأن أضحكهما كما أبكيتهما، كيف أستطيع ذلك؟
الجواب
لا شك أن أكبر مشكلة تواجه الوالد هي أن يشعر أن ابنه سلك طريقاً من طرق الانحراف والغواية، ويتمنى أنه يبذل المستحيل ويبذل كل ما يملك حتى يعيد ابنه إلى الطريق الذي يتمنى أن يكون عليه.
فالقضية باختصار إذا منَّ الله عليك بالخروج، والقضية هي عمر قصير، فمهما طالت السنوات، فأنت ستخرج إن شاء الله قريباً أو بعيداً، فقرر أن تغير واقعك، وهذا ليس شيئاً صعباً ولا مستحيلاً، وبهذا بإذن الله أولاً ترضي ربك ﵎، وتشعر أنك أنقذت نفسك، ثم هذا أغلى ما تقدمه لوالديك، بل ربما يشعر الوالد أحياناً أنه قد كان به خير في دخولك في هذه الدار؛ لأنها كانت سبباً في توبتك، أسأل الله أن يمن علينا وعليك بالتوبة.
стр. 870
الإخبار عن المعاصي التي سترها الله
السؤال
اقترفت كثيراً من المعاصي خارج الدار ولا أستطيع إخبار والدي عنها، فهل أخبر والدي عنها؟ وكيف يكون ذلك؟
الجواب
أنا لا أنصحك بإخباره، يعني إذا وقعت في معاصي بينك وبين نفسك لا أنصحك أن تخبر الناس عنها، لا والدك ولا غيره، لكن تب إلى الله ، وارجع إلى الله ، فالنبي ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملاً بالليل، فيستره الله ﵎، فيصبح فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، بات يستره الله ويكشف ستر الله عليه).
فليس هناك داع لكي تحدث الناس بما عملت، إلا في حالة واحدة، وهي حينما تشعر أنك في مشكلة وتحتاج أن تحلها، وحينما تشعر أن هناك قضية مرتبطة بهذا العمل، أو تساؤلاً تحتاج إلى إجابة عليه، أو مشكلة تحتاج إلى أن تعان عليها، أما ما سوى ذلك فلا توجد حاجة ولا داع، والأولى أن تستتر بستر الله ، بل هذا يسهل عليك طريق التوبة، والله إذا ستر عليك في الدنيا، لعله يستر عليك في الآخرة.
стр. 871
التوبة من المعاصي
السؤال
أنا شاب وقعت في المعاصي وتبت إلى الله، فهل لي من توبة، أفيدوني أفادكم الله؟
الجواب
أنت تقرأ القرآن يا أخي! الله ﵎ بعد أن ذكر حال المنافقين قال: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤]، وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء:١٤٦].
لما ذكر حال من هم أشد منهم اليهود الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، سبوا الله ﵎، قال ﵎ عنهم: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤].
ويقول ﵎: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧١].
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
هذه قضايا ما يحتاج أن أحدثك عنها، أنت تقرأ القرآن، وتقرأ السنة، وتقرأ كيف أن النبي ﷺ أخبرنا عن ربه ﵎ أنه ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: (هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه سؤاله)، (وأنه ﵎ يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل).
بل النبي ﷺ يخبرنا بما هو أكبر من ذلك كله يخبرنا بأن الله يفرح إذا تاب عبده، أشد من رجل كانت معه دابته وراحلته في الصحراء، فأضاعها وعليها طعامه وشرابه، ثم أيس منها -أيس أنه سيجدها- فنام تحت الشجرة ينتظر الموت، فلما استيقظ إذا بها عند رأسه، ففرح بها أشد الفرح، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا الرجل الذي فرح بدابته.
стр. 872
كيفية الخشوع في الصلاة
السؤال
أنا أشاب أريد أن أخشع في صلاتي، ولكن الشيطان يوسوس لي؟
الجواب
لا شك أن الشيطان يحرص على إفساد صلاة الإنسان، فإذا سمع الأذان أدبر ثم يأتي، حتى يثبط الإنسان، فإذا سمع الإقامة أدبر، ثم إذا جاء الإنسان يصلي جاء وأصبح يحول بينه وبين صلاته، ويذكره أشياء كثيرة، حتى أننا نجد في حياتنا أن الإنسان ينسى أشياء لا يتصور أن يتذكرها، فإذا جاءت الصلاة تذكرها، والسبب أن الشيطان يستعيد شريط الذكريات عند الإنسان، فيشغله عن مثل هذه الأمور.
فلابد أن تجاهد نفسك، وتجتهد في أن تجتنب ما يشغلك عن الصلاة، وهناك وسائل كثيرة من أهمها: أنك تتفكر بالآيات التي تقرأها، يقول النبي ﷺ عن ربه ﵎: (إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله : حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، قال: مجدني عبدي).
إذا عرفت أن الله يخاطبك ويقول لك هذا الكلام لا يمكن أبداً أن تنصرف عن صلاتك، إذا ركعت وإذا سجدت، تأتي إلى الصلاة مبكراً، تبتعد عن الشواغل، ثم تجاهد نفسك، والمسألة في المجاهدة والتعود، تعود نفسك وستجد أنك أول مرة تخشع في جزء من الصلاة، ثم جزء، ثم تشعر بعد ذلك أنك أصبحت لا تسهو بإذن الله في الصلاة.
стр. 873
الصبر على البلوى والمصيبة
السؤال
أنا دائم الشعور بالضيق بسبب وجودي هنا في الدار، ودائماً أتمنى الخروج، فكيف أصبر على بلواي ومصيبتي؟
الجواب
يجب أن تكون واقعياً مع نفسك، فهذا الموقف ثمن تدفعه لخطأ ارتكبته، فأول قضية أن لا تشغل بالك متى تخرج، فهذا التفكير لن ينفعك في الخروج، يعني: مثلاً واحد باقي عليه سنتان ويخرج وإذا به جالس متكئ على رأسه يفكر متى يخرج، هذا التفكير لن يفيدك، فكر في شيء عملي، يعني: فكر كيف تتدارك نفسك، وكيف تتجاوز الكبوة والخطأ الذي وقعت فيه، فكان سبباً في مجيئك إلى هذه الدار، فكر كيف تستثمر وقت الفراغ الذي أنت فيه، مثلاً: تجعله فرصة لتحفظ شيئاً من القرآن، أو تقرأ وتستفيد، المهم أن تستثمر وقتك بشكل أنفع، ثم فكر كيف تغير من طريقك.
أنا أتصور أن هذا هو الحل، وإذا تاب الإنسان واحتسب يكون هذا بإذن الله تكفيراً للخطيئة التي وقع فيها وكانت سبباً لذلك.
أسأل الله ﵎ أن ييسر أمورنا وأموركم إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 874
أرحم الخلق بالخلق
أرسل الله تعالى محمداً ﷺ رحمة للعالمين، فهو أرحم الخلق بالخلق، وتبدو مظاهر رحمته في جوانب معاملاته المختلفة، وذلك في التخفيف على أمته وتعامله مع النساء والصبيان والبهائم.
стр. 875
منهج أهل السنة والرحمة بالخلق
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فعن أرحم الخلق بالخلق حديثنا هذه الليلة ليلة ١٣ من شهر ذي القعدة عام ١٤١٥ للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أيها الإخوة الكرام! في وسط هذا العالم الذي يموج بالبعد عن الله وعن شرعه، ويموج بالبدعة والإعراض عن الله ، تتعالى صيحات الإنقاذ ودعوات النهوض بهذه الأمة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولن يقوم بهذا الدين إلا تلك الطائفة التي أخبر النبي ﷺ أنه كتب لها النجاة حين هلكت سائر الفرق والطوائف وكتب لها النصرة: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم).
وكان لابد من الحديث والمناداة بإحياء منهج خير القرون، منهج أهل السنة والجماعة وسلف الأمة، ولا شك أن منهج أهل السنة ومنهج خير القرون أوسع دلالة وأعمق دائرة من أن يكون مجرد مقررات معرفية دون أن يكون لها رصيد من العمل والسلوك، إنه منهج أشمل من ذلك بكثير، فهو ليس ذاك المنهج الذي يعرف جانباً واحداً من جوانب التوحيد لله ، أو لا يتحدث إلا في إطار المعرفة والجدل والإثبات النظري والنفي وحده فقط، بل هو أشمل من ذلك كله.
ومن الجوانب المهمة عند أهل السنة الجانب الخلقي والسلوكي، وما فتئ من صنف في معتقدهم مختصراً أو مفصلاً أن يشير إلى هذا البعد الأخلاقي والسلوكي ويصفهم بما هم أهل له من جوانب في الرقائق والسلوك أو الأخلاق أو المعتقد، ومن ذلك أن أهل السنة كما وصفوا أرحم الخلق بالخلق، وهذه محاولة متواضعة للحديث حول هذا الجانب.
إن العلم الأول والقائد الأوحد لأهل السنة هو محمد ﷺ ، ومن ثم فإن أولئك الذين يرغبون سلوك هذا المنهج ويدعون إليه لابد أن يكون لهم نسب وثيق من المحبة والتوقير له ﷺ وإنزاله المنزلة التي أنزله الله إياها، ومن الاتباع له ﷺ والبحث عن هديه وعن سنته وسلوكه لتقتفى آثارها، ولا يجوز بحال أن يطغى علم من أعلام أهل السنة على جلالته وقدره، ولا أن يطغى صوته على صوت النبي ﷺ ، ولا أن نحتكم إلى قوله أكثر مما نحتكم إلى قول النبي ﷺ وهديه.
ونحن جدير بنا في كل حال وآن أن نعود إلى هديه ﷺ بقراءة متأنية دقيقة فاحصة لنلتمس من هديه ﷺ وسنته معالم طريق النجاة التي أخبر ﷺ أنه لن ينجو إلا من كان على ما كان عليه ﷺ وأصحابه.
стр. 876
رحمة النبي ﷺ بأمته
ومن الصفات التي اتصف بها نبينا ﷺ صفة الرحمة، وهي التي وصف بها أهل السنة والجماعة، أنهم أرحم الخلق بالخلق، فلقد وصفه الله بذلك.
стр. 877
ترك بعض الأعمال حتى لا تفرض على أمته
وصفه بالرحمة على الخلق والعطف عليهم، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
ويمتن الله على المسلمين أن بعث لهم هذا الرسول صاحب القلب الكبير الرحيم ﷺ ، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
وتلمس رحمته ﷺ بالخلق في كل أحواله وأموره، كان ﷺ كثيراً ما يترك بعض الأعمال شفقة على أمته حتى لا تفرض عليهم فيعجزوا عن القيام بها، ألم تقرءوا كثيراً في سنته ﷺ قوله: (لولا أن أشق على أمتي)، إن هذا مصداق الوصف الذي وصفه به ربه ، وهو أعلم به: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
فهو ﷺ يقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، (لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله .
ويصلي ﷺ فيصلي الناس بصلاته ثم يعتذر لهم خشية أن تفرض عليهم هذه الصلاة فلا يطيقوها، ويفرض الله عليه خمسين صلاة فما يزال يراجع ربه حتى تخفف هذه الصلاة رغبة في التخفيف على أمته.
ويأمره جبريل أن يقرئ أمته القرآن على حرف فيقول: إن أمتي لا تطيق ذلك، فيقول: أقرئهم على حرفين حتى أوصله إلى سبعة أحرف، ما يزال رحيماً ﷺ بهذه الأمة يخشى أن تكلف ما لا طاقة لها به.
стр. 878
رحمته ﷺ في تعامله مع أزواجه
وكان رسول الله ﷺ كما وصفه الله : ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨]، نعم لقد يسر ﷺ لليسرى في كل أموره وحياته ﷺ ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فنعيش مع جانب آخر من سيرته ﷺ ، وهي سيرته مع أزواجه، ففي حجة الوداع أصاب عائشة ﵂ الحيض مما منعها من أن تعتمر كما اعتمر الناس، فتقول للنبي ﷺ : يذهب الناس بحج وبعمرة وأذهب بحجة، فيقول الراوي: وكان ﷺ هيناً ليناً إذا هوت أمراً تابعها عليه.
ومن تأمل سيرته وهديه ﷺ في تعامله مع زوجاته يلمس ذلك واضحاً.
إذاً: فقد وصفه الله بأنه رءوف رحيم بأمته، وكان ﷺ في أمور التشريع والعبادة يخشى أن يشق على أمته، ويسعى إلى أن يخفف عنهم وأن يبعد عنهم العنت والمشقة، وكان ثالثاً صاحب القلب الرحيم اللين مع أزواجه ﷺ ، وهو رابعاً مع الأولاد والأطفال ﷺ .
جاء أعرابي كما تروي عائشة ﵂ إلى النبي ﷺ فرأى أمراً لم يعهده، رآه ﷺ يقبل الصبيان فقال: تقبلون الصبيان؟ قال ﷺ : نعم، قال: إنا لا نقبلهم، فقال ﷺ : (أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك).
стр. 879
رحمته ﷺ في تعامله مع الصبيان
إذاً: فهذا الأعرابي الذي ما اعتاد أن يقبل الصبيان وأن يداعبهم جاء إلى ذاك الرجل العظيم الذي يسمع عنه الحديث، ذاك الرجل الذي يهابه الناس ويتحدثون عنه، ويحث الناس سيرهم إليه لتكتحل أعينهم برؤيته ﷺ ، وحق لهم ذلك، فمن رآه ﷺ وآمن به ثبت له فضل لا يثبت لأحد من البشر، فيستغرب هذا الأعرابي أن يرى هذا الرجل العظيم يتعامل مع الصبيان هذه المعاملة.
وأيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة (أنه ﷺ قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس ﵁، فاستنكر هذا السلوك ولم يألفه قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم.
فنظر إليه النبي ﷺ وقال: من لا يرحم لا يرحم).
ويصلي النبي ﷺ بأصحابه كما روى ذلك عبد الله بن شداد ﵁ وهو عند الإمام النسائي (فيسجد ﷺ فيأتي الحسن أو الحسين فيرقى على ظهره ﷺ ، فيطيل السجود حتى ظنوا أنه قد نسي ﷺ ، فلما فرغ من صلاته قال: إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أقوم قبل أن يقضي حاجته).
الله أكبر، إن هذا القلب الرحيم العظيم ليأبى أن يزعج هذا الطفل الصغير ويقلقه، فيطيل ﷺ سجوده والناس وراءه ينتظر أن يقضي هذا الصبي حاجته فيقوم من نفسه.
ويسمع ﷺ بكاء الصبي وهو يصلي وقد نوى أن يطيل الصلاة فيوجز فيها ﷺ حتى لا يزعجهم.
стр. 880
رحمته ﷺ في تعامله مع البهائم
وتتجاوز رحمته ﷺ ذلك كله إلى الحيوان البهيم، فيروي عبد الله بن جعفر ﵁: (أن النبي ﷺ دخل حائطاً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله ﷺ فمسح ذفراه فسكت، فقال ﷺ : من رب هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله.
فقال له: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؛ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه)، رواه أبو داود.
الله أكبر ما أعظم هذا القلب الرحيم، وهذا مع ما يحمل ﷺ من عبء الرسالة لا لأصحابه بل للبشرية أجمع، بل للثقلين الإنس والجن، ومع ما يحمله ﷺ من هم وجهد وما يقوم به، ومع ذلك كله يجد هذا الحيوان البهيم مكاناً رحباً واسعاً في قلب هذا الرجل العظيم ﷺ ، فيأتي إلى النبي ﷺ وقد عرف عنه الرحمة فيشتكي إليه، فيجيب الشكوى، ويسأل عن صاحبه ليخبره بشكوى هذه البهيمة، أفلا يتقي الله أولئك الذين حملهم الله أمانة المسلمين وأمانة الجيل، فلئن كان من يتولى هذه البهيمية عرضة للمسألة والإنكار من محمد ﷺ ، فكيف بأولئك الذين دعا عليهم ﷺ ؟ فتتجاوز رحمة النبي ﷺ ورافقه بأمته ذاك العصر الذي عاشه، وذاك الجيل الذي عاشره؛ ليضع ﷺ هذه الضمانة لمن بعده فيدعو ربه ﵎: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)، فيضع ﷺ هذا نبراساً وهدياً لكل من يتحمل أمانة ومسئولية في هذه الأمة إلى أن تقوم الساعة، ويدعو ربه ﵎ وتقدس أن يرفق بمن يرفق بأمته، وأن يرحم من يرحم أمته، وأن يشق على من يشق عليها.
وأيضاً: يروي الإمام أبو داود في سننه من حديث سهل بن الحنظلية ﵁ (أنه ﷺ مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة).
وفي صحيح الإمام مسلم: (أن عائشة ﵂ ركبت بعيراً وكانت فيه صعوبة فجعلت تردده فقال لها رسول الله ﷺ : عليك بالرفق).
وكان ﷺ في سفر كما روى ذلك أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش فلما جاء رسول الله ﷺ قال: (من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها).
والحديث معشر الإخوة الكرام! ليس حديثاً عن رحمته ﷺ بالبهائم المعجمة والدواب والحيوان، إنما هي إشارة إلى أن ذلك القلب العظيم الرحيم الذي وسع برحمته هذه الدواب لابد أن يكون أرحم وأرفق بأولئك الذين خلقهم الله لعبادته، وخلق كل ما في هذه الأرض لهم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩].
وقد أخبر أن رسالته ﷺ رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
فرسالته ﷺ وبعثته ﷺ رحمة للجن والإنس.
هذه معشر الإخوة الكرام بعض المعالم من هدي أرحم البشر عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهو مع ذلك ﷺ لم يحلنا على هذا الهدي وحده وهو كاف، بل أمرنا ﷺ وحثنا على الرحمة وأعلى لنا شأنها، فأخبر ﷺ أن الراحمين هم أولى الناس برحمة الله.
следующие страницы →