← Джавами‘

Джавами‘ · id 37419

دروس الشيخ عمر الأشقر

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (531 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أثر الإيمان باليوم الآخر على المسلم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن الإيمان باليوم الآخر هو مفترق الطريق بين المسلم والكافر، فسمة المسلم وعلامته أنه ينظر في كل أعماله وأحواله وتصرفاته إلى ذلك اليوم، فهو يريد بعمله أن يتقرب إلى الله ، وأن ينال رحمة الله ، وأن يدخل جنة الله ، ويبتعد عن كل محرم نُهي عنه خوفاً من الله ، وخوفاً من ناره وعذابه؛ ولذلك وصف الله المؤمنين بأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه. ولشدة تأثير الإيمان باليوم الآخر في نفس المسلم وصف الله هذا اليوم وصفاً دقيقاً، وفصله رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه تفصيلاً بيناً، كأنك تراه أمام عينك؛ ولذلك فإن هذا اليوم حي في نفس المسلم دائماً، فهو يطرأ له عند منامه، وعند قيامه، فيعيش بين الناس منفرداً وحده. وقد عد الرسول ﷺ الذي يبكي منفرداً خائفاً من الله ومن غضبه أحد الأصناف الذين لا تمسهم النار، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقال: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، وقال: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله).

стр. 107

سبب إنكار الكافر للبعث إن الكفار والفجار والمجرمين لا يريدون أن يستقيموا على هذا المنهج؛ لأنهم يرون أن في هذا المنهج تقييداً لفكرهم وأعمالهم، ويرون في ذلك ضياعاً للمتع والشهوات التي يظنون أن فيها خيراً لهم وسعادة؛ ولذلك هم يكفرون بهذا اليوم. أما الذين بعث فيهم الرسول ﷺ فقد كانوا يستبعدون هذا اليوم لقضية أشكلت عليهم، وهذه القضية لا تزال تراود كثيراً من الناس، كيف يعود الإنسان حياً سميعاً بصيراً متحركاً بعد أن وضع في التراب، وبعد أن تقطعت أجزاؤه، وأصبح لحمه رماداً، وبعد أن تبلى عظامه؟ فكيف يبعث مرة أخرى؟ هذه قضية أشكلت على عقول الناس، وقد ناقشها القرآن كثيراً، فإن كثيراً من الناس لا يؤمن بالبعث والنشور، كثير من الناس يؤمنون بوجود الله أي: يصدقون بوجوده، وأنه خالق الكون وخالق الإنسان، ولكنهم لا يصدقون بالبعث بعد الموت، فما السر في ذلك؟ يقولون: كيف يبعث الإنسان بعد أن بلي، قال الله: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠]، وتقول العرب: ضل الملح في الطعام إذا غاب فيه، أي: فني فيه، والمعنى: إذا غبنا في الأرض، وأصبحنا جزءاً منها، وبليت عظامنا ولحومنا، وتحولنا إلى تراب؛ أبعد ذلك يكون هناك خلق جديد؟ قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]. جاء أحد كفار مكة بعظم بالٍ متفتت وسحقه في يده ثم نفخه في وجه الرسول ﷺ وقال: يا محمد! أتزعم أن الله يحيي العظام بعد أن أصبحت رميماً؟ فقال: (نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك النار)، وأنزل الله قوله جل وعلا: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٨ - ٨٠]. وهذه الشبهة تحتاج إلى بيان وإيضاح، ونحن بحاجة إلى أن نتبينها كي نستطيع أن نرد على الذين ارتابت قلوبهم وتشككوا في البعث نتيجة لهذه الشبهة.

стр. 108

أنواع الأدلة التي ذكرت في القرآن للرد على منكري البعث

стр. 109

خلق الإنسان فالملحدون بالكلية وهم الذين لا يصدقون بوجود الله قضيتنا معهم قضية إثبات وجود الله ، وكلامنا هنا مع غالب البشرية الذين يصدقون بوجود الله، ولكنهم يشركون بالله، أو يستبعدون قدرة الله على إعادة الأجساد مرة أخرى، وهؤلاء ناقشهم الله بعدة أنواع من الأدلة، فمن ذلك هذه الآية التي يذكرهم الله بدليل هو أنفسهم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨]، فالذي يقول بهذه المقالة ويريد الدليل، نقول: أنت -أيها السائل- دليل على البعث، فالله أنشأك من عدم، كلنا عندما يحسب عمره ثم يقدم على أول عمره سنة أو سنتين يعلم أنه كان عدماً، قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] أي: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، سواء كان هذا الإنسان آدم قبل أن يخلق أو كل واحد منا، فكلنا قبل أن يخلق في بطن أمه كان عدماً، فأنت -أيها السائل- دليل على قدرة الله على البعث والنشور، فالذي أنشأ هذا الإنسان من عدم بعد أن لم يكن موجوداً قادر على إعادته، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]. وقد استقر في فطرة الناس أن الإعادة أسهل من البداءة، فالذي صنع شيئاً يسهل عليه أن يعيده أو يعيد مثله، فهنا يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. فالله أنشأ الناس من العدم، وخلق هذا الخلق السوي بهذه الحواس المتكاملة، وبهذا القلب النابض، وبهذا الفكر الواعي، وبهذه الأحاسيس والمشاعر، وقد أوجدها الخبير العليم البصير القدير القوي القاهر القادر، فإذا قال: أنا سأحييهم مرة أخرى بعد موتهم؛ فليس في ذلك غرابة؛ لأن من صنع أول مرة قادر على أن يعيد الإنسان مرة أخرى، كما قال جل وعلا في سورة أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥]، وهذا هو الخلق الأول آدم ﵇، خلقه من تراب، والتراب جماد لا حياة فيه، والتراب أصبح طيناً، والطين صلصالاً كما في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦]، وقال: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١]، بل وشكله الله بيديه كما قال لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ثم نفخ فيه من روحه، فدبت فيه الحياة، فأصبح حياً سميعاً بصيراً متكلماً، أما قبل ذلك فقد كان عدماً لا شيء، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥]، فالذي حول التراب إلى حياة قادر على أن يعيد ذرات الإنسان بعد أن تضل وتغيب في الأرض، وقادر على أن يجمعها مرة أخرى، فالأمر أمره، والقول قوله، والحكم حكمه، ونحن لا نقيس قدرات الله على قدراتنا، فمن هنا جاء الخطأ، فالإنسان لا يستطيع أن يفعل ذلك؛ أنها قدرتي وقدرتك وقدرة البشر، أما قدرة الله فغير ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥] هذا هو الخلق الأول، ثم بعد ذلك تسلسل البشر. ومما أخبرنا الله به أيضاً: أن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذه معجزة أخرى؛ لأن جزءاً من حي خلق منه امرأة، ثم تسلسل بقية الناس من ذكر وأنثى إلا ما كان من عيسى فإنه خلق من أنثى بلا ذكر.

стр. 110

إحياء الأرض بعد موتها قال تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج:٥]، وهذا دليل آخر، فالأرض اليابسة الجامدة التي لا حياة ولا نبات فيها، بل ونمر بها وهي قاحلة جرداء، وتمر عليها الرياح فتثير غبارها، وتعصف برمالها، ((وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ))، ثم عندما تمطر عليها السماء إذا بها تتشقق وتخرج نباتها صغيراً يكبر وينمو، ويزهر ويعطي، حتى يكون بهجة للناظرين، فأين كانت هذه الحياة؟! كانت الأرض ميتة، وما فيها ميت، فعندما جاء المطر أحياها الله، ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]، ثم عقب الله على هاتين الآيتين فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الحج:٦]، فالذي ابتدأ خلق الإنسان وكوَّنه من عدم بعد أن لم يكن موجوداً، وأحيا الأرض بعد موتها؛ قادر على أن يحيي الموتى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦]. فقدرة الله لا يعجزها شيء، سواء في الابتداء أو في الإعادة، ثم قال: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧]، (وأن الساعة آتية) أي: قادمة لا شك فيها. فالذي أحيا الأرض بعد موتها، وخلق الإنسان من عدم؛ قادر على إحيائه مرة أخرى، وذلك قوله ووعده ، فقدرة الله نشاهدها في الحياة، ونشاهدها أمامنا في كل ثانية في هذا الوجود، ففي كل لحظة يأتي إلى الدنيا عشرات وألوف وملايين الأحياء، هذا إذا عددنا الطيور والحيوانات عدا الإنسان. فكل حياة تحيا من جديد فإنما هي معجزته، فلا يستطيع أحد أن يدعي أنه الذي أوجدها وصنعها، الله هو الصانع وحده، وهو الموجد، وهذا الصانع الموجد سيعيد الناس ويحييهم مرة أخرى.

стр. 111

الاستدلال بخلق السماوات والأرض ولقد لفت القرآن نظرنا إلى أن في هذا الكون مخلوقات هي أعظم من خلق الإنسان كما قال الله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]. واليوم يحدثنا الإنسان عن شيء مما علمه عن هذا الكون، من أرضه وسمائه وأبعاد نجومه وتعدادها، فعندما يطلع الإنسان على شيء من ذلك يأخذه العجب؛ لعظم خلق السماوات والأرض، وما فيها من إعجاز وقدرات، قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]، إلا أن أكثر الناس لا يعلمون، فهم غافلون ساهون لاهون، فالذي خلق العظيم قادر على أن يخلق ما هو أهون منه، وما هو أصغر منه.

стр. 112

قصص أقوام أحياهم الله بعد موتهم في الدنيا وقد أرى الله أناساً في بعض العصور، من إحيائه للموتى في الدنيا قبل الآخرة، وذلك مثل الرجل الذي: ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]، فقد استبعد هذا الرجل أن يحيي الله تلك القرية بعد موتها، فأماته ثم أحياه، يقول المفسرون -والله أعلم بصحة ذلك-: كان أول ما أحيا الله من جسده رأسه وعينيه؛ لينظر إلى جسده وهو يتكون، ثم بعد أن أحياه أحيا حماره أمام ناظريه، فأراه كيف ينشز العظام ويكونها، وكيف تتجمع ذراتها البالية، ثم كساها باللحم والجلد والشعر، ثم بعث في ذلك الحمار الحياة فقام يجري ويمشي، ((قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)). مات مائة سنة فبليت عظامه وعظام حماره، ولتمام الإعجاز بقي طعامه وشرابه لم يفسد، ((فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ))، فهذا الطعام والشرب الذي يفسد في يومين فأكثر بقي مائة سنةلم يفسد، والإنسان والحمار الذي يتأخر فسادهما قليلاً بليا وفنيا. كذلك إبراهيم ﵇ عندما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: خذ أربعة طيور فقطعهن، وانثر أشلاء هذه الطيور على جبال مختلفة، واجعل رءوس الطيور في يدك، ثم ادعهن ونادهن: إن الله يأمركن أن تجتمعن، فإذا بهذه الأشلاء المتناثرة التي لا حياة فيها تسعى من تلك الأماكن المختلفة، وكل جزء من أجزائها يأتي في مكانه الذي جعله الله فيه، فلا تأتي الرِّجْل في مكان الجناح، ولا الجناح في مكان الرجل، بل يأتي كل شيء في مكانه، ثم تلتئم بقدرة الله ، ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]. فالله أمر هذه الأجزاء أن تطيع إبراهيم فأطاعته، وجاءت إليه والتأمت، وتركها فانطلقت محلقة في الفضاء. وأرى الله كذلك بني إسرائيل آية عندما قتلوا نفساً واختلفوا فيها كما قال الله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٧٢]، وفصل الله في سورة البقرة كيف جاءوا إلى موسى، وطلبوا منه أن يبين لهم القاتل، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، واستفصلوا وتعنتوا في الأسئلة إلى أن ذبحوها، ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]، ثم قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة:٧٣] أي: خذوا جزءاً من هذه البقرة فاضربوا به الميت، ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٣]، وشاهد بنو إسرائيل هذه الآية، وكيف أن ميتاً لا حياة فيه، ولا نفس فيه تتردد، وقد مات منذ أيام؛ يضرب بجزء من البقرة فيحييه الله ، وكما أحياه الله فإنه يحيي الموتى، قال سبحانه: ((كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى)) أي: مثل هذا الإحياء يحيي الله الموتى، ((وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ)) أي: فهذه آية دالة على البعث والنشور، وبالرغم من هذا فقد قست قلوبهم بعد ذلك! قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]. ومن ذلك أيضاً: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣]. وكذلك عيسى ﵇؛ فقد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فكان يمر على صاحب القبر فيقول له: قم بإذن الله، فيحدثونه ويسألونه. وكذلك أصحاب الكهف: فقد مكثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، ثم قاموا بإذن الله ، قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]، وهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة بالسنين الشمسية، وازدادوا تسع سنين بالسنين القمرية. وكذلك هذه الدلائل المنظورة المشاهدة في كل عصر، أو التي تشاهدها بعض الأجيال دون بعض؛ تكشف الشبهة وتميتها عند من يستبعد أن يعيد الله الناس بعد موتهم، وبعد أن اختلطت عظامهم ولحومهم بالتراب. فالقدرة هي قدرة الله التي أوجدتهم في البداية، وهي قادرة على أن توجدهم مرة أخرى، كما أخبر الله أنه ما من أحد أنشأه وخلقه إلا وسيأتيه يوم القيامة عبداً، وحيداً كما أنشأه الله وبدأه؛ لأن الله قد أحصاهم وعدهم عداً، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٥]. عندما ندرس القرآن الكريم والأحاديث النبوية نجد فيها تفصيلاً لرحلة ما بعد هذه الحياة منذ أن تنزع الروح؛ لأن هذه أمور غيبية لا نعلمها إلا من طريق الوحي، فإن رحلة الإنسان تبدأ منذ أن يأتيه ملائكة الموت، وللموت ملك موكل بقبض أرواح الناس، وله ملائكة يعينونه على ذلك، فإذا جاء الأجل الذي حدده الله أُرسلت الرسل لقبض روحه، ويكون قبض الروح ونوع الملائكة بحسب حال الإنسان صلاحاً وتقى أو فساداً وفجوراً، فالكافر والمنافق والفاجر تُرسل له الملائكة بصورة سوداء مرعبة؛ فينزعون روحه بشدة، وترسل للمؤمن ملائكة بيض الوجوه، فينزعون روحه برفق. نسأل الله أن يحيينا مسلمين، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 113

حياة البرزخ لقد أخبر الله أنه لابد للإنسان من رحلة يرحلها من الدنيا إلى الآخرة، إنها رحلة تبتدئ من سكرات الموت والاحتضار وتنتهي بالبعث والنشور الذي أنكره كثير من الملاحدة، وينقسم الناس خلال هذه الرحلة إلى قسمين لا ثالث لهما: أهل الجنة وأهل النار، وقد ذكرنا ربنا ﷻ ونبينا ﵊ ما يلاقي أهل الجنة أثناء الرحلة من البشرى والنعيم، وما يلاقي أهل النار من البشاعة والزجر والعذاب الأليم.

стр. 114

أهمية الإيمان باليوم الآخر إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. إن الإيمان باليوم الآخر مفرق طريق يبن المسلم والكافر، بين المؤمنين والكفار، وعلامة المسلم: أنه ينظر في كل أعماله وأقواله وتصرفاته إلى ذلك اليوم، فهو يريد بعمله أن يتقرب إلى الله ، أن ينال رحمة الله ، أن ينال جنة الله ، فهو يمتنع عن كل محرم وكل منهي عنه؛ خوفاً من الله وخوفاً من ناره وعذابه، لذلك وصف الله المؤمنين بأنهم يريدون رحمته ويخافون عذابه. لشدة تأثير الإيمان باليوم الآخر في نفس المسلم وصف الله هذا اليوم وصفاً دقيقاً، وفصله رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه تفصيلاً بيناً، حتى كأنما المؤمن ينظر من خلال كتاب الله ومن خلال كلام الرسول ﷺ إلى ذلك اليوم، بل كأنه يعيش فيه، ولذلك فإن هذا اليوم حي في نفس المؤمن، دائماً يتراءى له عند منامه وقيامه، وهو يعيش بين الناس منفرداً وحده، بل جعل الرسول ﷺ الذي يبكي منفرداً خائفاً من الله ومن غضب الله أحد الأصناف الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، حيث قال: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) وقال: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين حرست في سبيل الله). والكفار والفجار والمجرمون لا يريدون أن يستقيموا على منهج؛ لأنهم يرون في هذا المنهج تقييداً لفكرهم وأعمالهم، ويرون في ذلك ضياعاً للمتع والشهوات التي يظنون أن فيها خيراً وسعادة، ولذلك فهم يكفرون بهذا اليوم، ومن قبل كان الذين بعث إليهم الرسول ﷺ يستبعدون هذا اليوم لقضية أشكلت عليهم، وهذه القضية لا تزال تراود كثيراً من الناس، وهي: كيف يعود الإنسان حياً سميعاً بصيراً متحركاً بعد أن وضع في التراب وتقطعت أجزاؤه وأصبح لحمه رماداً؟ كيف يبعث مرة أخرى بعد أن تبلى عظامه؟! هذه قضية أشكلت على عقول الناس، وقد ناقشها القرآن كثيراً، وكثير من الناس يؤمن بوجود الله ويصدق بوجوده، وأنه خالق الكون والإنسان، ولكنه لا يصدق بأن هناك بعثاً بعد الموت، فما السر في ذلك؟! يقولون: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠]، تقول العرب: ضل الملح في الطعام إذا غاب فيه، يعني: فني فيه، فإذا غبنا في الأرض، وأصبحنا جزءاً من هذه الأرض، فبليت عظامنا ولحومنا، وأصبحنا من هذه الأرض، وتحولنا إلى تراب، أبعد ذلك يكون هناك خلق جديد؟!

стр. 115

الأدلى على البعث والنشور قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] (جاء كافر من أهل مكة بعظم بال متفتت، وسحقه في يده، ثم نفثه في وجه الرسول ﷺ وقال: يا محمد! أتزعم أن الله يحيي العظام بعد أن أصبحت رميماً؟ قال: نعم، يميتك الله، ثم يحييك، ثم يدخلك النار)، وأنزل الله قوله جل وعلا: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٨ - ٨٠]. هذه الشبهة احتاجت إلى بيان وإيضاح ونحن بحاجة إلى أن نتبينها كي نرد على الذين ارتابت قلوبهم وتشككوا في هذا اليوم نتيجة لهذا الشبهة. الملحدون ليس لنا كلام معهم، الملحدون الذين لا يصدقون بوجود الله قضيتنا معهم قضية إثبات وجود الله ، إنما الكلام مع غالب البشرية الذين يصدقون بوجود الله ولكنهم يشركون بالله أو يستبعدون قدرة الله على أن يعيد الأجساد مرة أخرى، فهؤلاء ناقشهم الله بعدة أنواع من الأدلة. فمن ذلك هذه الآية التي يذكرهم الله بدليلهم أنفسهم قال تعالى: ((وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ)) الذي يقول بهذه المقالة ويريد الدليل على أن من قدرة الله أن يجمع الناس ويحييهم مرة أخرى، فذات هذا السائل دليل على البعث، فالذي أنشأه من عدم قادر على أن يعيده، وكلنا عندما يحسب عمره ثم يقدم على أول عمره سنة أو سنتان، يعلم أنه كان عدماً، كما قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] أي: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، سواء آدم قبل أن يخلق كان عدماً، أو كل واحد منا قبل أن يخلق في بطن أمه كان عدماً. فأنت -أيها السائل- دليل على قدرة الله على البعث والنشور، والذي أنشأ هذا الإنسان من عدم بعد أن لم يكن موجوداً هو الذي سيعيده، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] قد استقر في فطرة الناس أن الإعادة أسهل من البداءة، فالذي صنع شيئاً يسهل عليه أن يعيده أو يعيد مثله، فهنا يقول: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، فإذا كان الله أنشأ الناس من العدم، فهذا الخلق السوي بهذه الحواس المتكاملة، وبهذا القلب النابض، وبهذا الفكر الواعي، وبهذه الأحاسيس والمشاعر؛ كيف وجدت؟ أوجدها السميع العليم البصير الخبير القوي القاهر القادر. فالله عندما يقول: أنا سأحييكم مرة أخرى بعد بعثكم، ليس في ذلك غرابة، فمن صنع أول مرة فهو قادر على أن يعيد الإنسان مرة أخرى.

стр. 116

من الأدلة على البعث قوله: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب) قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥]، فهذا هو الخلق الأول خلق آدم ﵇، خلقه من تراب، والتراب جماد لا حياة فيه، ثم صار التراب طيناً، ثم صار الطين صلصالاً كما في آية أخرى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦]، وقال: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١]. شكله الله بيديه إذ قال لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ثم نفخ فيه من روحه، فدبت فيه الحياة، فأصبح حياً سميعاً بصيراً متكلماً، وقبل ذلك كان عدماً، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥] فالذي حول التراب إلى حياة قادر على أن يعيد ذرات الإنسان بعد أن تضل في الأرض، فالأمر أمره، والقول قوله، والحكم حكمه، ونحن لا نقيس قدرات الله على قدراتنا، لأن الخطأ من هنا جاء، الإنسان لا يستطيع أن يفعل ذلك، لكن هذه قدرتي وقدرتك وقدرة البشر، أما قدرة الله فغير ذلك، أمر الله إذا شاء شيئاً فإنما يقول له: كن، فيكون. قال الله: ((فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ)) هذا هو الخلق الأول، ثم بعد ذلك تسلسل البشر. أيضاً حواء خلقت من آدم من ضلعه، وهذه معجزة أخرى، جزء من حي خلق منه امرأة، وبقية الناس تسلسلوا من ذكر وأنثى إلا عيسى فإنه خلق من أنثى بلا ذكر. قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج:٥]. وهذا دليل آخر: فالأرض اليابسة الجامدة لا حياة فيها، ولا نبات فيها، نمر بها وهي قاحلة جرداء، تمر عليها الرياح فتثير غبارها، وتعصف برمالها ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥] عندما تمطر عليها السماء إذا بها تتشقق وتخرج نباتاً صغيراً يكبر وينمو، ويزهر ويعطي، ويكون بهجة للناظرين، أين كانت هذه الحياة؟ كانت الأرض ميتة وما فيها ميت، فعندما جاء المطر أحياها ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]. تعقيب الله على هاتين الآيتين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الحج:٦] أي: الذي ابتدأ خلق الإنسان وكونه من عدم بعد أن لم يكن موجوداً، وأحيا الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي الموتى ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦]، فقدرة الله لا يعجزها شيء، قدرته في البداية ثم في الإعادة ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧]. (وأن الساعة آتية) قادمة لا شك، (وأن الله يبعث من في القبور) الذي أحيا الأرض بعد موتها، والذي خلق الإنسان من عدم سيحييه مرة أخرى، ذلك قوله، وذلك وعده . وقدرة الله نشاهدها في الحياة، ونشاهدها أمامنا في كل ثانية في هذا الوجود، يأتي إلى الدنيا بحياة جديدة، بل أحياء، بل عشرات وألوف وملايين الأحياء إذا عددنا الطيور والحيوانات عدا الإنسان، كل حياة تخفق من جديد إنما هي معجزة لا يستطيع أحد أن يدعي أنه الذي أوجدها وصنعها، فالله الصانع وهو الموجد، وهذا الصانع الموجد سيعيد الناس ويحييهم مرة أخرى.

стр. 117

من الأدلة على البعث خلق السماوات والأرض ولقد لفت القرآن نظرنا إلى أن في هذا الكون مخلوقات هي أعظم من خلق الإنسان، قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]. اليوم يحدثنا العلم عن شيء مما علمه عن هذا الكون، أرضه وسمائه، وأبعاد نجومه، وتعداد نجومه، عندما يقف الإنسان على شيء من ذلك يأخذه العجب كل مأخذ لعظم خلق السماوات والأرض، وما فيها من إعجاز وقدرات، قال الله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] إلا أن الناس لا يعلمون، غالبية الناس لا يعلمون، غافلون ساهون لاهون، فالذي خلق العظيم قادر على أن يخلق ما هو أهون منه، وما هو أصغر منه.

стр. 118

من الأدلة على البعث إحياء الموتى في الدنيا لقد أرى الله في بعض العصور بعض الناس معجزة إحياء الموتى في الدنيا قبل الآخرة، أرى ذلك الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]. استبعد هذا الرجل أن يحيي الله تلك القرية بعد موتها فأماته وأحياه، ويقول المفسرون -الله أعلم بصدق ذلك-: إن الله أول ما أحيا رأسه وعينيه؛ لينظر إلى جسده وهو يتكون، وبعد أن أحياه أحيا حماره أمام ناظريه، أراه كيف ينشز العظام ويكونها، وتتجمع ذراتها البالية، ثم كساها باللحم والجلد والشعر، ثم بعث في ذلك الحمار الحياة، فقام يجري ويمشي ((قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)). مات مائة سنة فبليت عظامه وعظام حماره، ولتمام الإعجاز بقي طعامه وشرابه لم يفسد (وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) الطعام والشراب الذي يفسد في ساعتين في يومين في ثلاثة أيام بقي مائة سنة لم يفسد، والإنسان والحمار الذي يتأخر فساده نوعاً ما بلي وتلاشى. وهذا إبراهيم ﵇ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠] خذ أربعة من الطيور وقطعهن، وانثر أشلاء هذه الطيور على جبال مختلفة، واجعل رءوس الطيور في يدك. ((ثُمَّ ادْعُهُنَّ)) ناد بهن، إن الله يأمركن أن تجتمعن، فهذه الأشلاء المتناثرة التي لا حياة فيها إذا بها تأتي من تلك الأماكن المختلفة، وكل جزء من أجزائها يأتي في مكانه الذي جعله الله فيه، فلا تأتي الرجل مكان الجناح، ولا الجناح مكان الرجل، كل شيء يأتي في مكانه وتلتئم بقدرة الله . قال تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠] فالله أوحى لهذه الأجزاء أن تطيع إبراهيم فأطاعته، وجاءت والتأمت، وتركها فانطلقت محلقة في أجواء الفضاء. وأرى بني إسرائيل قدرته عندما قتلوا نفساً واختلفوا فيها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٧٢] فصل الله في سورة البقرة كيف جاءوا لموسى وطلبوا منه أن يبين لهم القاتل، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] واستفصلوا وتعنتوا في الأسئلة إلى أن ذبحوها، قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة:٧٣] أي: خذوا جزءاً من هذه البقرة فاضربوا به الميت ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٣]. وشاهد بنو إسرائيل هذه الآية، ميت لا حياة فيه قد مات منذ أيام، يضرب بجزء من البقرة فيحييه الله ، وكما أحياه الله يحيي الموتى، لذلك قال: ((كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى)) أي: مثل هذا الإحياء يحيي الله الموتى. ((وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ)): فهذه آية دالة على البعث والنشور، ولكن مع ذلك قست قلوبهم بعد ذلك ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣]. وعيسى كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، يمر على صاحب القبر فيقول له: قم بإذن الله، فيحدثونه ويسألونه ويشافهونه. وأصحاب الكهف مكثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً، ثم قاموا بإذن الله ، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩] وهم قد لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين بالشمسية، وازدادوا تسع سنين بالقمرية. فهذه الدلائل المنظورة التي تشاهدها بعض الأجيال دون بعض تكشف الشبهة وتميطها عمن يستبعد أن يعيد الله الناس بعد أن ماتوا بعد أن فنوا بعد أن اختلطت عظامهم ولحومهم بالتراب. فالقدرة هي قدرة الله التي أوجدته في البداية، وهي قادرة على أن توجدهم مرة أخرى، كما أخبر الله أن ما من أحد أنشأه وخلقه إلا وسيأتيه يوم القيامة عبداً، سيأتيه وحيداً كما أنشأه وكما بدأه قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٤ - ٩٥].

стр. 119

مراحل الرحلة إلى الدار الآخرة

стр. 120

رحلة العبد المؤمن عندما ندرس القرآن الكريم والأحاديث النبوية نجد فيها تفصيلاً لرحلة ما بعد هذه الحياة منذ أن تنزع الروح؛ لأن هذه أمور غيبية لا نعلمها إلا من طريق الوحي. تبدأ رحلة الإنسان منذ أن يأتيه ملائكة الموت، وللموت ملك موكل بقبض أرواح الناس، وله ملائكة يعينونه في ذلك، فإذا جاء الأجل الذي حدده الله أرسلت رسل يقبضون روحه، ويكون قبض الروح وأشكال الملائكة بحسب حال الإنسان صلاحاً وتقى، أو فساداً وفجوراً، فالكافر والمنافق والفاجر ترسل له الملائكة بصورة مفزعة، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]. هذا في لحظات الموت عندما يأتي الموت المؤمنون تتنزل عليهم ملائكة الرحمة، تقول لهم: لا تخافوا ولا تحزنوا، أي: لا تخافوا مما هو آتٍ في القبور والمحشر والمنشر، ولا تحزنوا على ما خلفتم من ذرية وأهل ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣١] ومن كان الله وليه فكيف يخاف ويفزع؟ وهذا بعكس المنافق والكافر، فإنه يتنزل عليه الغضب والتبشير بالعذاب كما أخبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الطويل: (إن المؤمن إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال من الآخرة أتته ملائكة كأن وجوههم الشموس، فجلسوا منه مد بصره). فالإنسان في حال الموت يكشف عنه الغطاء فيشاهد ملائكة يراهم كأن وجوههم الشموس، فيجلسون منه مد بصره، ثم يأتي ملك الموت، ومعه حنوط من الجنة، وكفن من الجنة، فيقال: أيتها النفس الطيبة! التي كانت تسكن في الجسد الطيب اخرجي إلى رحمة من الله ورضوان، فينتزعها، فتسيل قطرة قطرة كما يسيل الماء من فم السقاء طيبة نظيفة طاهرة. ثم تأخذها الملائكة فتضعها في ذلك الكفن وذلك الحنوط الذي هو من الجنة، وتخرج منها كأحسن نفحة مسك وجدت، فهي طيبة طيبتها أعمالها الصالحة، طيبة الإيمان، طيبتها المسيرة الخيرة في الدنيا، ويصعدون بها إلى السماء، فتفتح لها أبواب السماء، ويسيرها من كل سماء مقربوها إلى السماء السابعة، وهناك يقول الله : (أعيدوا عبدي إلى قبره، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى). تعود إلى القبر فيأتيها الملكان اللذان يختبران العبد في قبره فيسألانه عن منهجه وطريقه في الحياة، ومعتقده في القضايا الخطيرة، فالمؤمن يجيب أنه كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيقولان: إنا كنا نعلم أنك تقول ذلك، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] فهذا هو التثبيت، وهذا معنى قول النبي ﷺ : (اسألوا لأخيكم الثبات فإنه الآن يسأل). فإذا نجا الإنسان من هذا الموقف فما بعده أسهل، وإن لم ينج فما بعده أصعب، فهذه بداية الطريق إما شقاء أبدي وإما نعيم أبدي، في بعض الروايات: يسألانه عن دينه، يسألانه عن ربه، يسألانه عن الرجل الذي بعث فيهم، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، وهذا الرجل الذي بعث فينا محمد ﷺ ، وفي بعض الروايات يقول: (أنا كنت أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوا له قبره من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل طيب الرائحة حسن المنظر، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح) يتمثل العمل الصالح للإنسان رجلاً يؤنسه في قبره، (ثم يكشف له الغطاء فيقال له: ذاك مكانك في النار لو كنت كافراً). كل إنسان له مكانان: مسلم أو كافر، مكان في الجنة ومكان في النار، المؤمن ينجو من النار ويأخذ مكانه في الجنة، فأمكنة الكفار التي في الجنة يرثها المؤمنون، والكفار يخسرون أماكنهم في الجنة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥] يخسرون أماكنهم في الجنة، ويرثون أماكن المؤمنين التي في النار، ولذلك سمى ربنا يوم القيامة فقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩] أين يوم التغابن؟ لأن المؤمن يرث أماكن الكفار التي في الجنة، والكافر يرث أماكن المؤمنين التي في النار، فهذا غبن عظيم ولكن يستحقه الكفار بسبب كفرهم، ويستحقه المؤمنون بسبب إيمانهم. يقال للمؤمن في القبر: (انظر إلى مكانك في النار، فهذا هو المكان الذي كنت ستحل فيه لو كنت كافراً، قد أبدلك الله به ذلك المكان في الجنة، فيرى قصوره وبساتينه وما أعد الله له من نعيم، فيقول: رب أقم الساعة! رب أقم الساعة! رب أقم الساعة! حتى أرجع إلى مالي وأهلي). ثم يصف لنا الرسول ﷺ رحلة الكافر فيقول: (والعبد الكافر إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة أتته ملائكة - ويصف الرسول ﷺ أنهم على أشكال بشعة مفزعة - فيجلسون منه مد بصره، وتأتي الملائكة معها بكفن من النار وحنوط من النار، ويأتي ملك الموت فيجلس عند رأسه، ويقول: أيتها النفس الخبيثة! كانت تسكن في الجسد الخبيث، اخرجي إلى غضب من الله وسخط) فملك الموت يشاهده الإنسان عند الموت ويراه. جاء في الحديث أنه عندما يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار: (ينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، ثم ينادي: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، فيقول: أتعرفون هذا؟ فينظرون إليه، فهم يعرفونه؛ لأنهم رأوه، فيقولون: نعم، هذا الموت) كيف رأوه؟ عندما يموت الإنسان يراه، كل إنسان سيرى الموت، ويشاهده، (يقولون: نعم يا ربنا! هذا الموت نعرفه، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت).

стр. 121

رحلة العبد الكافر فيأتي ملك الموت يعاينه الإنسان قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] أنت تشاهد وتبصر ما لم تكن تبصر، الإنسان في العادة لا يبصر الملك، لكن في هذه اللحظات يكشف عنه الغطاء، ويصبح عنده قوة بصر؛ لأنه وضع رجله في أول درجات الآخرة، فيشاهد ويرى وينظر. أما الكافر فيقول ملك الموت: (أيتها النفس الخبيثة! كانت تسكن في الجسد الخبيث، اخرجي إلى غضب من الله وسخطه، فتتفرق في جسده، تتفرق وتخاف وتفزع، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبتل) السفود: هو السيخ الذي يشوى عليه اللحم، فتكون عليه نتوءات من بقايا اللحم، فإذا ما أدخل في الصوف المبلول علق الصوف المبلول به، ولا نستطيع تخليص الصوف إلا بصعوبة ومشقة، وكذلك ينتزع هذه الروح لا كما حدث مع المؤمن بسهولة ويسر، وإنما ينتزعها بصعوبة ومشقة، وفي ذلك زيادة عذاب وألم لذلك الكافر. (فإذا انتزع هذه الروح أخذها منه الملائكة وخرجت منها كأخبث رائحة وجدت، فيقولون: روح من هذه هذه الروح الخبيثة؟! فيقولون: روح فلان بن فلان بأخبث أسمائه، فيجعلونها في ذلك الحنوط وذلك الكفن الذي هو من النار، فيصعدون بها إلى السماء فلا تفتح لها أبواب السماء، فتلقى، ويقرأ الرسول ﷺ آية الحج: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، ويعاد إلى قبره فيسأل كما سئل المؤمن). ولكن شتان بين السؤالين! شتان بين الإجابتين! ذلك كان في حياته ثابتاً على الحق لا يتلجلج، عرف الحق فتمسك به، وثبت عليه، أما هذا فكان ضالاً زائغاً، أو كان متردداً شاكاً. يسألونه عن ربه ودينه، وعن الرجل الذي بعث، فيقول: ها ها لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت، أي فأنت لم تعرف ولم تتبع، ولم تبحث عن الناس الذين يعرفون وتتبعهم، فلا أنت من الأئمة الذين يقتدى بهم، وأصحاب العلم الذين يعرفون، ولا أنت من الذين يتبعون أهل الحق، ويتبعون العلماء. (وينادي مناد أن كذب عبدي، فأفرشوا له قبره من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، فيقال له: انظر ذاك مكانك في الجنة لو كنت مؤمناً - فيرى ما كان سيحصل عليه من نعيم وقصور وجنان - أبدلك الله به ذلك المكان في النار) فيرى ما يعد إذا ما قارن نفسه بما هو فيه في ذلك الوقت من عذاب يجده أخف بكثير من ذلك العذاب الذي سيكون في يوم القيامة؛ فيقول: رب لا تقم الساعة! يخشى أن تقوم الساعة، فيصير إلى عذاب أشد، وهول أعظم وأكبر. فيقول: رب لا تقم الساعة! رب لا تقم الساعة! رب لا تقم الساعة!. (ويأتيه رجل خبيث الرائحة، قبيح المنظر، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث) أي: أنا الظلم الذي كنت تفعله، والعقائد الفاسدة التي كنت تعتقدها، والضلال الذي وقعت فيه وأوقعت الناس فيه! قطيعة الأرحام، وترك الصلاة والصيام، وترك الحج وفعل المنكرات تتمثل في إنسان خبيث في ذاته، قبيح في شكله، رائحته منتنة قبيحة تؤذي هذا الإنسان في قبره، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالشر، فيقول: أنا عملك السيئ، أنا عملك الخبيث. هذا الحديث وأحاديث كثيرة جداً تتحدث عن نعيم القبر وعذابه، وتدل على أن رحلة الإنسان التالية لهذه الحياة تكون في القبر وهو ما أسماه القرآن حيث قال الله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]، والبرزخ هو الفاصل بين الشيئين، ويعنى به هنا الفترة الفاصلة ما بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، ولذلك قال الله جل وعلا حيث سمى دخولنا المقابر زيارة: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢]، فدخول القبر ليس نهائياً، إنما هي زيارة، والزائر سيرحل يوماً ما، فهذه الفترة هي المرحلة التالية لحياة الإنسان. قد يقول بعض الناس من الذين لا يوقنون ولا يؤمنون، والذين يعلمون الأمور الظاهرة في الدنيا ولا يعلمون أمور الآخرة: نحن نشاهد الناس بعد موتهم لا يعذبون ولا ينعمون، وقد نفتح قبورهم فلا نشاهد شيئاً! فهؤلاء مساكين، لأنهم لا يعلمون أن الإنسان جسد وروح، والروح سر الحياة، والعذاب والنعيم يقع على الروح، والروح تبع للجسد في الدنيا: فالعذاب والنعيم للجسد، والأرواح تابعة للأجساد، أما في القبر فتنعكس القضية، فالنعيم والعذاب للأرواح والأجساد تابعة لها، وفي الآخرة يشترك الجسد والروح على قدر سواء في العذاب والنعيم، وأقرب ما يمثل العلماء لهذا بالنائم، فأنت تراه نائماً بينما هو في نومه منزعجاً، وقد يصرخ وأنت لا تشعر بما يجري له، وقد يرى شيئاً طيباً جميلاً يفرح به ويسر به، وأنت لا تشعر به. نكتفي بهذا المقدار، أسأل الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا جميعاً من أهل الجنة، وينجينا من النار، وأن يكتب لنا في هذه الدنيا وفي الآخرة حسنة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 122

لن نصلح إلا بما صلح به السلف سورة الحشر فيها كثير من الفوائد والدروس والعبر أهمها: بيان حقيقة اليهود، وبيان أسباب النصر التي ينبغي للمسلمين أن يأخذوا بها. والتاريخ يتكرر ويعيد نفسه، وكما قيل: ما أشبه اليوم بالبارحة! فلن يعزنا الله إلا بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، ولن يصلح الله آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

стр. 123

ضرورة الاهتداء بهدي السلف إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أنزل الله ﵎ هذا الدين ليكون منهجاً للبشرية، وقام محمد ﷺ -نبي هذه الأمة- بهذا الدين خير قيام، حكم به الحياة، وبلغه إلى العالمين، ومضت الفترة التي كان فيها الرسول ﷺ لتكون هي النموذج الذي يحتذي المسلمون حذوه، ويسعون دائماً لأن يصلوا بأنفسهم وبجماعتهم إلى المستوى الذي وصل إليه المسلمون في تلك الأيام. كانت الفترة الممتلئة بالأحداث والمشكلات والوقائع التي عاشها الرسول ﷺ وصحابته في أنفسهم ومع أعدائهم هي الفترة المثالية، وكانت دروساً كلها وينزل القرآن ليعالج مشكلاتها ووقائعها وأحداثها. ولم يزل المسلمون يعيشون عبر تاريخهم على تلك الفترة، يستلهمون منها العبرة، ويأخذون منها الأحكام، ويجددون في ضوئها إيمانهم، وينظرون إلى حياتهم من خلالها، ويواجهون أعداءهم كما كان الأوائل يواجهون أعداءهم في تلك الفترة. لقد علمنا الله ﵎ أن نتعظ من الأحداث التي تمر بمن قبلنا من المؤمنين، وذلك أن الواقعة كانت تقع في زمانه ﵊ فينزل القرآن يبين ويفصل في أحداثها ووقائعها، فيعلم المسلمين ويبين لهم، ويفتح أبصارهم حتى يدركوا الحقائق كما يريدها الله ﵎. وحري اليوم برجال هذه الأمة ومفكريها -والأحداث تكاد أن تعصف بهم- أن يرجعوا مرة أخرى إلى كتاب الله ﵎، وإلى الأحداث التي وقعت في عهد الرسول ﷺ ، فسيجدون من خلال تلك الوقائع، وكذا من خلال بيان القرآن الكريم ما يثبتهم ويفتح أبصارهم وبصائرهم.

стр. 124

غزوة بني النضير كنت أتلو قبيل الصلاة سورة الحشر، وفيها معان ودروس ينبغي للمسلمين أن يتبينوها في مثل هذه الأيام. لقد عاهد الرسول ﷺ اليهود عندما قدم إلى المدينة، ومن جملة من عاهد بنو النضير، وهي طائفة من اليهود كانوا يسكنون شرق المدينة، وذلك العهد كان بعد الهجرة بأربع سنوات، فذهب الرسول ﷺ إلى يهود بني النضير -وكان بينه وبينهم حلف- يستعينهم في دية رجلين قتلهما أحد المسلمين خطأ، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، سنعطيك ما أحببت، ونفعل الذي تريد، ثم ائتمروا فيما بينهم وقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل خالياً على مثل حاله هذه أبداً، وهذه أحسن فرصة تستطيعون فيها أن تتخلصوا من هذا الرجل، وقد كان الرسول ﷺ متكئاً إلى جدار، ومعه طائفة قليلة من أصحابه، فأراد أحد اليهود أن يصعد إلى السطح فيلقي حجراً فوق الرسول ﷺ ، ثم يقولون: إن ما حدث كان قضاءً وقدراً، وهو خطأ غير مقصود، ولكن رب العزة الذي قال للرسول ﷺ : (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] أوحى إليه بما يدبرون ويخططون، فقام الرسول ﷺ من مجلسه كأنما يريد حاجة ولم يضمر لهم أنه علم بما يبيتون ويدبرون، ولم يبلغ أصحابه بما بلغه الله ﵎ به، فلما خرج من ديارهم، اشتد عائداً إلى المدينة، فلما استبطأه أصحابه خرجوا يبحثون عنه، فأخبرهم مخبر أنه رآه يشتد عائداً إلى المدينة، فعادوا فأخبرهم بما بيت بنو النضير، وانطلق المسلمون يحاصرون بني النضير، فأرسل إليهم المنافقون الضالون مع المشركين واليهود الذين يعيشون في وسط المسلمين أن اثبتوا، وطلبوا منهم أن يصبروا، وأنهم سينصرونهم ويحمونهم، ولكن الله ﵎ الذي يؤيد رسوله ﷺ والذي أخبر أن رسوله منصور بالرعب مسيرة شهر، ألقى الرعب في قلوبهم، فاستسلموا وخرجوا من ديارهم، ونزلت الآيات تفصل وتوضح هذه الحادثة وهذه الواقعة التي وقعت في عهد الرسول ﷺ ، وتبدأ السور بالتسبيح: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحشر:١]. وفي كثير من الوقائع العظيمة يسبح الله ﵎ فيها نفسه، دلالة على أهمية الواقعة، كما سبح نفسه بإسرائه برسوله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم بين كيف فعل بهذه الطائفة التي كانت مغرورة بنفسها، كانوا يقولون للرسول ﷺ قبل هذه الواقعة: يا محمد! لا يغرك أن لقيت قوماً -أي: في بدر أو في أحد- ليس عندهم علم بالحروب، لو لقيتنا لعلمت أننا القوم، يقول رب العزة: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].

стр. 125

عبرة ودرس من غزوة بني النضير عبرة ودرس ينبغي أن يعيه المسلمون في هذه الأيام. وهو: أن العالم كله يصور اليهود أنه لا يمكن أن يقهروا، ولا يمكن أن يغلبوا، فلقد ملكوا السلاح والطائرات والقنابل الذرية والمال والإعلام، ويضخم هذا، ويتكلم فيه رؤساء الدول، والصحف العالمية، بل تنقله إذاعاتنا وتلفزيوناتنا وصحافتنا وهي لا تدري ما تفعل، قائلين: اليهود لا يغلبون ولا يقهرون. هكذا يصور اليهود اليوم، انظر! ماذا يقول الله: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا) هو الله، وليس المؤمنون، هو الله ﵎، (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) هم أهل كتاب وهم كفار، (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) أي: أخرجهم من المدينة إلى بلاد المحشر إلى الشام، (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) أي: ما كان يظن المؤمنون أن هؤلاء سيخرجون من ديارهم، (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ) وذلك أن القوة كانت تتمثل في تلك الأيام في الرمح، والسيف، والنبال، وحصون تحيط بهم، فلا يستطيع الأعداء أن يخترقوها، فظنوا أن هذه الحصون التي تحيط بهم ستمنعهم من قوة المسلمين، فلا يستطيعون أن ينفذوا من خلالها، وأن يحتلوا أرضهم، ويصلوا إلى مقاتليهم. (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) من أين؟ من قلوبهم، وذلك أن النصر جاء بإلقاء الرعب في القلوب، وإذا ألقي الرعب في قلوب المقاتلين فلن ينتفعوا بأنفسهم. قوله: (وَقَذَفَ) الفاعل هو رب العزة ﵎، (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) فكانت النتيجة ما شاهدتم وما رأيتم، وهي: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) وذلك أنه كان من شروط الاتفاقية أن يحملوا من أثاثهم ومتاعهم ما تطيقه الجمال، إلا السلاح من السيوف والرماح والدروع، فكان الرجل منهم ينقض بيته؛ ليأخذ خشبة في الجدار، أو ليأخذ باب الدار، والمؤمنون خربوا بعض بيوتهم عندما كانت المعركة جارية بينهم وبين اليهود، فهذا معنى: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)، قوله: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) أي: انظروا نتيجة الذين يحادون الله ورسوله ماذا فعل الله بهم. فهذا درس عظيم، فمهما فعل البشر، ومهما أعدوا لحرب الله ﵎، وحرب الرسول ﷺ ، وصحابته الذين يسلكون الطريق الذي سار فيه الرسول ﷺ ، فهم الخاسرون؛ لأنهم يحاربون الله ، فإذا وضع المسلمون أنفسهم في صف الله، واعتمدوا على الله واستنصروا به ﵎، وأعدوا ما يستطيعون من عدة؛ فإن الله يكون نصيرهم. وما ذكره الله عن هؤلاء اليهود بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ [الحشر:٢] فهي حادثة واحدة، ومعارك الرسول ﷺ كلها هكذا، يبذل المسلمون فيها ما يستطيعون من إمكانات، من سلاح وجهود، ورجال وتخطيط، ثم يستعينون بالله ﵎ فينزل عليهم النصر سبحانه. وفي معركة بدر فعل المسلمون ذلك فأمدهم الله بملائكة السماء، وفي معركة حنين عندما غشيهم المشركون وأحاطوا بهم، أخذ النبي ﷺ حفنة من تراب، ورمى بها وجوه الأعداء، فانهزموا، فقال رب العزة مسجلاً ذلك في كتابه: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. وعلى المسلمين أن يدركوا أن إمكانات البشر لا تساوي بالنسبة لقدرة الله وقوته شيئاً، لكن لابد من شرطين: الأول: أن يكون المسلمون مع الله، بأن يقفوا في الصف الذي يريده الله، وينصروا دينه، ويُعلوا كلمته، ولا يوالون أعداءه الله ﵎، وأن لا يحكموا إلا دينه. والثاني: أن يأخذوا بأسباب القوة والمنعة، وأن يعملوا بمقدار ما يطيقون، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فلا يكلف الله ﵎ فوق الاستطاعة.

стр. 126

من ينصره الله فلا غالب له وهناك درس عظيم ينبغي أن يعيه المسلمون، وهو ١أن الله ﵎ إذا شاء نصراً لأحد وعزاً له فإنه يقهر أعداءه، وقوة الأعداء مهما بلغت فلن تساوي شيئاً بالنسبة لقوة الله، ألا نقرأ في تاريخ المسلمين معارك بعد الرسول ﷺ بمائة سنة أو بمائتين أو بخمسمائة، فنرى قدرة الله تتدخل لنصر المؤمنين. مثلاً في سنة ١٤٥٠م فتحت القسطنطينية، واقرءوا كيفية فتح القسطنطينية تروا قدرة الله ﵎، فنصر الله يتنزل على المسلمين الذين أعدوا كل ما يمكنهم لفتح المدينة، وكان هدفهم إعلاء كلمة الله ﵎، ذكر المؤرخون أن الصواعق كانت لا تكاد تنقطع في سماء القسطنطينية حتى وقع الرعب في قلوب الأعداء، أحداث يشاهدها الناس عندما يخلصوا دينهم لله ﵎، درس لا يجوز للمسلمين أن ينسوه، والإعلام العالمي والدنيا كلها تضخم من حفنة من اليهود؛ لتلقي الرعب في قلوب المؤمنين، ولتثبت في قلوب الناس أن اليهود لا يقهرون، لا يغلبون، أنهم الآن يملكون من الطائرات كذا وكذا، ومن الدبابات كذا وكذا، وانظروا إلى حروب المسلمين مع اليهود، أحياناً تكون ست ساعات، وأحياناً ثلاثة أيام، وأحياناً يوم، ثم يفرون كالجرذان! هم يريدون أن يلقوا في نفوس المسلمين الرعب، وهذا جزء من التطبيع المرفوع شعاره في ديار المسلمين اليوم، حتى يذل المسلمون وتذل نفوسهم، ثم يستسلمون ويقولون: رضينا بيهود سادة وحكاماً وزعماء وخبراء ومستشارين ورجال فكر. الخلل أننا لم ننتسب إلى دين الله حقاً، ولم نعد العدة، وما جرى من حروب فلا نعترف بأنها حروب، بالله عليكم هذه الحروب التي تجري بين العراق وإيران لماذا تستمر سنوات وهي بين المسلمين،؟ وإذا كانت بيننا وبين اليهود لا تستمر إلا أياماً أو ساعاتٍ معدودة؟ هل لا يوجد معنا سلاح ولا رجال ولا قادة؟ لا، الأمر ليس كذلك فهذه الحرب في أفغانستان مستمرة منذ عام ١٩٧٩م إلى الآن، والشعب الأفغاني شعب أعزل، ويحارب دولة كبرى، لماذا لا نستطيع أن نقف أمام اليهود؟! فهذا درس مهم ينبغي أن نعيه من هذه الآيات: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ [الحشر:٢ - ٣]-أي: في الأزل كتب عليهم أن يخرجوا من ديارهم- ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر:٣] وذلك أن الله ﵎ كان قد أذن لرسوله أن يقتل رجالهم، وأن يسبي نساءهم وأطفالهم، ثم قال سبحانه: ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٣ - ٤]، أي: إنما فعل الله ذلك بهم لأنهم شاقوا الله ورسوله، فالله ورسوله في شق، واليهود في شق، الله ورسوله في جانب، وهؤلاء يحاربون الله ورسوله من جانب آخر، ومن حارب الله فإن الله يغلبه. والمسلمون اليوم -وللأسف- كثير منهم شاقوا الله ورسوله، فسلط الله عليهم عباد الصليب، وسلط عليهم اليهود الشيوعيين؛ لأن المسلمين شاقوا الله ورسوله، وليسوا كلهم، لكن فئة منهم، وخاصة الفئة التي تتولى مقاليد الحكم في ديارنا، فقد شاقت الله ورسوله، ولم تحكم شرعه ودينه، ولم ترفع راية الجهاد، رضيت بقوانين الشرق والغرب، وبالولاء لهم، أتريدون أن ينزل الله علينا نصراً في مثل هذه الأحوال؟! أي: إذا جعل العباد أنفسهم في شق مقابل لله ﵎، فلا يوالونه، ولا ينصرون دينه، ولا يعلون كلمته، ولا يحكمون كتابه؛ فهذه مشاقة له ولرسوله، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٤].

стр. 127

فيء بني النضير كان القرآن يبين أحكام الوقائع والأحداث عند وقوعها، ويفصل ما يحتاج إليه المسلمون، فبين الله مصرف الفيء، وهذه المسألة ينبغي أن يدركها المسلم ليعلم قيمته عند ربه، هذه الدنيا وما فيها من نعيم، وما فيها من خير، وما فيها من طعام وشراب وما فيها من طيبات؛ إنما خلقها الله للمؤمنين، لم يخلقها لكافر يقول: عيسى ابن الله، أو يعبد الصليب، أو يعبد الشمس والقمر، أو ينكر وجود الخالق، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]. والكفار يشاركوننا في هذه الطيبات وفي زينة الحياة ظلماً وعدواناً؛ ولذلك سيحاسبون على ذلك يوم القيامة، سيسأل رب العزة العباد يوم القيامة عن هذا النعيم الذي تمتعوا به، فإن كانوا آمنوا وشكروا وحمدوا ربهم تقبل الله منهم، وإلا فإنه يعذبهم بذلك، قال الله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]. ومن أعظم النعيم الذي يسأل عنه العباد يوم القيامة ما في قول رب العزة للرجل: ألم نصح لك بدنك؟! ألم أروك من الماء البارد؟! ماذا عملت لي؟! هذا أكبر النعيم الذي يسأل عنه، فالمؤمن يكون شاكراً، قال النبي ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها)، فالطيبات والخيرات في الدنيا للمؤمنين وليست للكفار، والكفار يشاركوننا ظلماً وعدواناً، وسيحاسبهم على هذا رب العزة يوم القيامة. أما الطيبات في الآخرة فتكون خالصة للمؤمنين، ولا يشارك الكفار المؤمنين في الطيبات يوم القيامة، بل يقول الكفار الذين في النار للمؤمنين الذين في الجنة: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠] فهذه محرمة على الكافرين، وفي الحديث (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء)، أما الآخرة فهي خالصة للمؤمنين. إذا غنم المسلمون من الكفار أموالاً فإنها تكون فيئاً، ومعنى فاء -أي: رجع- لأصحابه الحقيقيين، فالغنائم التي يكسبها المسلمون من الكفار هي فيء تعود لأصحابها، وقد سماها القرآن فيئاً في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر:٦]، ثم بين الله حكمها بقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]، فمصرف هذا المال جزء منه للرسول ﷺ ، وجزء منه لذي القربى وجزء لليتامى، وجزء للمساكين، وجزء لابن السبيل، ولا يعطى للأغنياء منه شيء، لماذا؟ أجاب تعالى بقوله: ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ))، هذه قاعدة من قواعد التشريع العظيمة، نص الله ﵎ عليها في هذا الموضع، وهي: أن الله ﵎ لا يريد أن يبقى المال دولة بين فئة قليلة من البشر، وإنما يريد أن يتوزع حتى يسري في المجتمع كله، وحتى ينتفع به الناس كلهم؛ ولذلك منع الأغنياء من بعض مصادر المال، فالفيء لا يستحقه الأغنياء، ومن ذلك الجزية والخراج وكل ما يأتي من مال لم يقاتل عليه المسلمون، وإنما غنموه بغير قتال، فهذا لا يستحق الأغنياء منه شيئاً، إنما يستحقه الذين ذكرهم الله في هذه الآية. ولتحقيق هذه القاعدة فرض الله الزكاة، فتؤخذ من أغنيائهم -أي: المسلمين- وترد على فقرائهم، ومن أجل ذلك حرم الإسلام الربا؛ حتى لا تكثر أموال الأغنياء بسبب استغلال الفقراء، وحرم الاحتكار، وفرض الميراث، وهذه الثروات يجب أن تتوزع بين الناس ولا تبقى متكدسة: ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)). ثم يقول رب العزة: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) أي: في تشريعك وفي نظم حياتكم، وفي القوانين التي ينبغي أن تحكم مجتمعكم. لا كما يفعل المسلمون اليوم، فيأخذون نظريات الغرب والشرق في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والأخلاق والتشريع، وأهملوا ما أمرهم الله به بقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ)! أي: خافوه؛ لأن ((اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) أي: إن أنتم لم تأخذوا ما آتاكم الله ولم تتركوا ما نهاكم عنه فإن الله ﵎ سيعاقبكم، وهذا واقع في الأمة هذه الأيام؛ لأنها أهملت ما أمر الله ﵎ به، وارتكبت ما نهى عنه، وهذا ليس من التقوى، فالتقي: هو الذي يخاف النار، والذي يعمل بأمر الله، ويجتنب نهيه الله ﵎، فيعمل ما أمر الله به ويترك ما نهى عنه، كل هذا ابتغاء ثواب الله وخوفاً من عقابه، هذا هو التقي، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٢]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 128

فضل المهاجرين والأنصار الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله ورسوله. عندما ذكر الله ﵎ الفيء الذي أفاءه على رسوله، وأن الذي يستحقه هم الفقراء والمحتاجون، بين الذين يستحقونه في عهد الرسول ﷺ ومن بعد عهده فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، فهذا صنف من الناس يستحقون الفيء، وهم المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، تركوها لينصروا الله ودينه ورسوله، فهؤلاء الصادقون يستحقون من الفيء. وكذلك الفقراء من الأنصار الذين ذكرهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر:٩]، فأحبوا المهاجرين، وفتحوا لهم ديارهم، وآثروهم بأموالهم وما عندهم. وكذلك الذين جاءوا من بعدهم أي: من بعد الأنصار والمهاجرين، وهم التابعون وتابعوهم، وكل من سار على دربهم إلى يوم الدين، وهم الذين عرفوا للمهاجرين والأنصار فضلهم، وأحبوهم ودعوا لهم بظهر الغيب، كما ذكرهم الله بقوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد المهاجرين والأنصار ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. فالمؤمنون يد واحدة، وهم كالجسد الواحد، مهاجروهم وأنصارهم ومن جاء من بعدهم، فيمثلوه أمة واحدة، وقد علمنا الله ﵎ ذلك حتى نعرف لأهل الفضل فضلهم، ونذكر مآثر من سبقنا، فالسلف الذين كانوا قبلنا نذكرهم بفضلهم، وندعو لهم ونستغفر لهم، فنعرف الفضل لأهله. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات. أقول قولي هذا، وأقم الصلاة.

стр. 129

محاولات التدجين إن ما نراه ونشاهده في واقعنا من إهانة للمسلمين، وتقتيل وتشريد ينزل بساحتهم، ما هو إلا لأنهم تركوا سبب عزتهم، وسرّ كرامتهم، وهو الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، وكم ترعب هذه الكلمة الكفار في كل زمان؛ لأنهم يعلمون ماذا تعني للمسلمين.

стр. 130

كثرة الابتلاء والمحن على هذه الأمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. إن الله ﵎ يري عباده في كثير من الأحيان آياته؛ لتكون دليلاً على قدرته، وليتعرف الناس على ربهم ﵎، فالعباد في كثير من الأحيان يغفلون عن الله، فيذكرهم الله ﵎ به. ومن الآيات المحزنة في هذا العصر أن المسلمين قد ذلوا وهانوا، حتى ظن الظانون أنها لن تقوم للمسلمين قائمة، فلقد لعب بهم أعداؤهم، واستطاعوا أن يدجنوهم ويركعوهم، ثم يأتي يوم يظن الأعداء -الذين يتمثلون اليوم في دول كبرى تحكم العالم، وتملك من القوى ما لم يملكه غيرها- أن المسلمين أصبحوا صيداً سهلاً، وأن ديارهم أصبحت حلالاً، فإذا بهم يغزون جزءاً من بلاد المسلمين يظنونها متعة، فتتم العملية في يوم، أو في أسبوع، أو في شهر، ثم يعودون غانمين إلى ديارهم من غير أن يخسروا شيئاً من جيوشهم أو من عتادهم، إذ يكفي في ظنهم أن اسمهم دولة كبرى ودولة عظمى، وأن هذا وحده كفيل بأن يجعل الرعب يملأ القلوب، فيستسلم الذين غزيت ديارهم، ويسجدوا مطأطئين هاماتهم لأعدائهم. وكانت آية من آيات الله في هذا القرن، وهي أن قوماً ضعافاً لا يملكون من المال الكثير، ولا يملكون من القوة الكثير، ولكنهم أعلنوها مدوية أن حربهم إنما هي لله، وإنما هو جهاد في سبيل الله، غزت روسيا أفغانستان منذ سنوات، ومر على القضية زمن طويل فقام فئة من المسلمين ما كنا نسمع بهم، ولا نعيرهم التفاتاً قبل أن يقوموا، وما كنا نعرف مدنهم وقراهم وطبيعة بلادهم وحالهم، فقد كانوا نسياً منسياً من المسلمين، ثم تغزو روسيا هذا البلد، ويظنون أنهم سيضمونها إلى بلادهم، أو سيضمونها إلى ما ضموا من ديار المسلمين في الماضي، ففي روسيا عشرات الملايين من المسلمين يعيشون أذلاء لا يملكون من أمرهم شيئاً، بل إن تاريخ روسيا مع المسلمين تاريخ أسود.

стр. 131

عداوة روسيا للإسلام والمسلمين

стр. 132

الكفر ملة واحدة أنا هنا لست مع أمريكا، أمريكا كروسيا، فلا يغضب غاضب، ولا يقل قائل، فأمريكا كروسيا، كلتاهما تريدان بالمسلمين شراً، ولا تريدان بدار المسلمين خيراً نقول: هذا لا مرية فيه فالكفر ملة واحدة، وهناك عشرات الملايين من المسلمين تحت ظل الحكم الشيوعي، اقرءوا تاريخ المسلمين في روسيا، لقد كانت تزهق في ثلاثة أيام أو في خمسة أرواح مليون من المسلمين، إن هناك أحداثاً في روسيا معروفة للعالم كله، مصائب أنزلت فوق رءوس المسلمين، إن تاريخ هذه الدولة تاريخ مؤلم موجع. في بعض الأحيان يكون الضحايا مائة ألف، أو نصف مليون، أو مليوناً، أو بضعة ملايين في شهور، في الوقت الذي حافظت فيه روسيا على أرواح اليهود، فقد كان كل يهودي في روسيا تحت الحماية الكاملة، إلى أن أقيمت دولة اليهود في ديارنا، فأخذت تورد لنا من اليهود الذين حافظت على دمائهم، وأموالهم ومعتقداتهم، من الأطباء والعلماء، ورجال الحرب؛ حتى يسفكوا دماءنا كما سفك الروس دماء المسلمين. ولا يزال يتشدق الجهلاء من هذه الأمة بأن روسيا نصير لنا، وعون لنا، ومؤيدة لحقوق المسلمين، وتحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني، وهي الدولة الثانية في العالم كله التي أعلنت اعترافها بإسرائيل يوم أن وجدت إسرائيل. ثم بعد ذلك -وللأسف- يوجد بين أبناء المسلمين من لا تزال على عينيه غشاوة، فنجده إلى اليوم يسبح بحمد هذه الدولة الكافرة الشيوعية التي تنكر وجود الخالق. إن أول مبدأ عندنا نحن المسلمين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأول مبدأ عندهم: لا إله والحياة مادة، ليس للكون خالق! والرسل دجالون كذابون! والكتب هذه مفتراة! والدين أفيون الشعوب! هذا دينها وتلك عقيدتها، ومن كان كذلك فلن تجد كعداوته عداوة، إلا أن يجتمع عداء اليهود مع عداء المشركين الملحدين، وقد يتساويان ولا ندري أيهما أشد، قد يكون مكر اليهود وعداء اليهود أشد، وقد يكون هؤلاء، ولكنهما كفرسي رهان في حربهم على الإسلام والتنكيل بأهله.

стр. 133

جرائم الروس في بلاد الأفغان وبسالة المجاهدين قامت روسيا -هذه الدولة العظمى- تريد أن تأخذ جزءاً من ديار المسلمين، وبعشرات الألوف من رجالها؛ من جيوشها المدربة، ودباباتها، وطائرتها، عدد ضخم هائل، حتى كنا نسمع صدى المعارك ونشاهده، وكثير من أبناء المسلمين العرب وغيرهم ذهبوا إلى تلك الديار ودخلوا في معارك خاضها المجاهدون، وبعضهم ذهب لينقل للمسلمين صورة مما يجري، يشاهد ويصور ثم يكتب، يرسل للمسلمين أخبار ما يجري هناك، وكانت -كما قلت في البداية- آية من آيات الله ﵎، وهي أن هذا الشعب الأعزل الذي ليس عنده من السلاح الكثير، وليس عنده من الطعام الكثير، تحول بفضل الله إلى أمة مجاهدة، تعرف لماذا تقاتل، وتعرف من تقاتل، وتعرف مع من هي، وتعرف أنها يجب أن تكون مع الله ﵎، وأن تستنصر بالله ، وأن تجاهد أعداء الإسلام الذين يريدون اغتيال الإسلام واغتيال ديار المسلمين، وهم يعرفون أن الثمن ضخم هائل من الشهداء ﵏ والأسرى والجرحى والمشردين. لقد بلغت أعداد المشردين الذين لجئوا إلى الدول المجاورة لبلادهم أربعة ملايين! والنساء اللواتي ليس لهن عائل فقدن الأب والأخ والزوج لسن بالألوف بل العشرات الألوف! والأطفال الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم عشرات الألوف إن الثمن ضخم هائل، لقد هدمت المدن! وهدمت القرى! الزرع الذي يأكله البشر والحيوان أحرق في تلك الديار! ولكن هكذا تكون ضريبة الجهاد، كما قال المولى سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١].

стр. 134

فضل الجهاد في سبيل الله

стр. 135

كرامة الشهيد عند رب العالمين إن ضريبة الجهاد أن تبذل نفسك التي بين جنبيك؛ لكنك تعيش إن كنت مخلصاً صادقاً عند مليكٍ مقتدر، إن مت صادقاً مقاتلاً في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ليس ثوابك الجنة فقط، بل بمجرد أن تموت في سبيل الله تحيا عند الله كما قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. فإذا مات المسلم مقاتلاً في سبيل الله فهو لا يموت في الحقيقة، نحن نشاهده قد مات، ولكنّ هناك بعد الموت حياة أخرى: حياة كريمة، حياة عظيمة، كما قال الرسول ﷺ : (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في رياض الجنة، تأكل من ثمارها، وتشرب من أنهارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في سقف عرش الرحمن)، وعندما استشهد فوج من المجاهدين في عهد الرسول ﷺ من الأخيار الأطهار اطلع عليهم ربهم اطلاعة فقال: عبادي! تريدون شيئاً أزيدكم؟ قالوا: وما نريد يا رب؟ حاورهم ربهم مرة بعد مرة، وفي المرة الأخيرة طلبوا أن يعيدهم الله إلى الحياة الدنيا مرة أخرى؛ ليقاتلوا أعداءه ويقتلوا في سبيله؛ لما شاهدوا بأعينهم في الجنة من عظيم الثواب للشهداء. وطلبوا أن يبلغ ربنا قومهم من خلفهم -أي: المسلمين- بحالهم، فأنزل الله ﵎: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠] فكانت بحق رسالة خالدة جاءت من الأموات حملها الوحي من عند الله ﵎، يبلغنا الله ﵎ فيها بما أعده للشهداء.

стр. 136

لا عزة للأمة إلا بالجهاد في سبيل الله إن هذه الأمة لن تفنى إذا ما جاهدت وقذفت بلفذات أكبادها إلى أرض الوغى، فيذهب أقوام ويبقى أقوام، أقوام يذهبون إلى الجنة، وأقوام يعيشون أعزة، لا يعيشون تدوسهم النعال، ويركلون ويدفعون في ظهورهم، وتسحب نساؤهم وأطفالهم كما نشاهد في فلسطين وغيرها، تسحب وتهان وتذل في كل يوم أعراض المسلمين إنها مناظر تبكي. أليس خيراً لنا أن نقاتل، وأن نجاهد، وأن نكون أمة مقاتلة، وأن نكون رجالاً أعزاء بالجهاد في سبيل الله، لا نريد الرجال الأذلاء فقد سئمنا ذلاً وهواناً، تذهب أموالنا، وماذا نريد بالمال: نشبع به بطوننا ونكثر به شحومنا، وتكثر بيوتنا وسياراتنا، ونحن نعيش أذلة مهانين؟! لقد عرف الأفغان أن السبيل إلى العزة هو ما أمر الله ﵎ به أن يكونوا مقاتلين، وأن يكونوا مجاهدين، قال الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، وإنما التهلكة في ترك الجهاد، إنما التهلكة في ألا تبذل في سبيل الله، تريد أن تحافظ على جسدك، وتريد أن تحافظ على مالك، فإذا بك تذل نفسك، وإذا بالعدو يقوى فيسيطر عليك، وإذا به يمتص خيراتك وأموالك غصباً عنك! منذ أن تحولت هذه الأمة إلى أمة مسالمة فقدت الكثير، لقد فقدت عزتها، وكرامتها، وطمأنينتها، وأصبحت لا تدري من أين تأتيها السهام، ومن أين يأتيها الموت، ومن أين يأتيها الهوان. لقد فقدت الأمة في زماننا أعز ما تملك، وهي العزة التي قال الله ﵎ فيها: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] أين عزة المؤمنين بالله عليكم في زماننا؟ هل المؤمنون في هذه الديار أعزة؟ هل هم في بلاد العرب أعزة؟ هل هم في بلاد المسلمين اليوم أعزة؟ كلا والله، المسلمون اليوم يركلون ويهانون ويداسون، الحرمات تنتهك في ديار المسلمين ولا نكير، أين العزة؟ إِن العزة عندما تصبح هذه الأمة أمة مقاتلة، عندما تعرف لماذا تقاتل ومن تقاتل؟ لا يقاتل فيها المسلم المسلم ظلماً وعدواناً، وإنما يقاتل المسلم الكافر، وعندما يرتفع بأسها من بينها ليتحول إلى أعدائها -عند ذلك تغنم الأمة غنماً كبيراً، وتعرف طريقها عند ذلك يصبح المسلمون إخوة عند ذلك يزول هذا الخبث الذي يعشش في قلوب المسلمين، وفي بيوت المسلمين، وفي ديار المسلمين، يتلاشى بإذن الله بالجهاد الذي يطهر القلوب والنفوس.

стр. 137

نماذج جهادية خالدة عندما فتح صلاح الدين فلسطين إنما فتح قلوب المسلمين، وفتح ديار المسلمين التي لم يحتل أعداء الإسلام قلوب أهلها، لكن الشر كان قد احتلها. أما العداوة والبغضاء التي بين المسلمين فإنها تزول عند أن تكون الأمة أمة مقاتلة، أمة محاربة، قد وحدت صفوفها، ووحدت وجهتها، وعرِّفت بغايتها، فعرّفها صلاح الدين ﵀ بنفسها، وأصبحت الأمة تحسن صناعة الموت؛ فهابها أعداؤها، ولم يستطع أن يقف في وجهها من جيوش أوروبا مجتمعة أحد. إن ملوك المسلمين لم يجتمعوا، ولو اجتمعوا بملوكهم ما انتصروا، إنما اجتمعت الأمة تحت راية قائد يحارب لله ﵎، ويريد ما عند الله ، فهزم ملوك أوروبا مجتمعين. فقد اصطفت جيوش أوروبا كلها وأمامها ملوكها وقادتها وهزموا في حطين، وكان يوماً من أيام الله، وكان بداية النصر المؤزر الذي تلاحق بعد ذلك حتى طرد المسلمون آخر صليبي، فعرف صلاح الدين كيف يعيد للمسلمين عزتهم، وكيف يرفع رءوسهم بالإسلام، فتوجهوا إلى الله ﵎ خالق الوجود رب الكائنات الذي له ملك الأرض والسماوات، وله جنود السماوات والأرض، وعندما يتوجه المسلمون إليه مرة أخرى ويطلبون ما عنده فسنرى من هذه الأمة عجباً، ونصر الله لا محالة ملازم لأوليائه، وسنرى العزة والكرامة بعون الله تعالى. والذين نفقدهم لن يكونوا جيفاً، ولن يكونوا نسياً، بل سيكونون شهداء يختارهم الله ويصطفيهم، أترانا أيها المسلم لن نموت؟! أيها المسلم إن لم نمت في ميدان القتال فسنموت في غيره، فكل حي مصيره إلى الزوال، وكل حي مصيره إلى الفناء، لكن الذين يموتون في ميدان القتال شهداء هم الذين يعيشون أعزة كرماء، فلن تذلنا يهود، ولن يذلنا عباد البقر ولا عباد الصليب، ولن يذلنا أعداء الإسلام الشيوعيون الذين ركبوا ظهور عشرات الملايين من المسلمين في ديار الشيوعيين الذين يكفرون بالله ﵎ ويذلون المسلمين صباح مساء، حتى غيرت أسماؤهم الإسلامية، وغيرت شعائرهم، وأجبروهم على أن يكونوا كفاراً، أننتظر مصيراً كمصيرهم؟ لن يكون هذا كله إن غرس في قلوبنا حب الشهادة في سبيل الله؟!

стр. 138

آيات وعبر من جهاد الأفغان إن ما فعله المجاهدون الأفغان آية تقول للمسلمين: إن رب الإسلام، وإن رب هذا الدين، وإن رب محمد ﷺ حي قوي قادر، وهو الذي قال للمسلمين: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر:٥١] وهذا في بدء الرسالة. عندما كان رسول الله ﷺ حياً قالها للمسلمين إلى أن تقوم القيامة: إنه ربهم وسيدهم، فإن استنصروا به نصرهم، فليس كذباً، وليست أخباراً ملفقة: إن المجاهدين الأفغان يرون من الآيات ما يثبت الله به قلوبهم، ويعيد للنفوس الثقة بهذا الدين. فترى أحياناً طلقات لا تؤثر في سيارة وفي أحيان أخرى تفجر دبابة، وترى مدفعية لا تكاد تسقط طائراً تسقط طائرات، ويأتي الرصاص على المجاهدين بل والأسلحة الفتاكة التي لم نسمع بها فيذهب الله أثرها عنهم. أترى الله ﵎ خاذلهم؟! هؤلاء قوم فعلوا ما يستطيعونه، ألا يستطيع رب العزة أن يرد عنهم كيد أعدائهم؟! بلى والله! إن الأسرى من الروس في بعض الأحيان يقولون لهم: أين الخيل التي كنتم تركبونها؟ فقد كانت تقاتلنا! إن الله ينزل ملائكة يقاتلون، ولم يقل الله: إن الملائكة نصر لرسول الله ﷺ وللمجاهدين معه فقط، بل ينزل الله جنده على المسلمين أينما كانوا بشرط أن يصدقوا الله ﵎، ولا أقول: إنهم قد انتصروا، فالنصر بيد الله، لكن ثباتهم هذه المدة الطويلة لا شك أنه نوع من أنواع النصر، وآية من آيات الله ﵎، فعلى المسلمين أن يفكروا فيها، وعلى الذين يريدون تحرير فلسطين أن يفكروا فيها، وعلى الذين يريدون أن يحرروا ديار الإسلام أن يفكروا بأن هناك طريقاً آخر لاسترجاع العزة والكرامة، وهو غير طريق التوجه إلى الشرق والغرب، وغير طريق المناداة بمبادئ غير مبدأ الإسلام، فهناك طريق الإسلام، طريق الله، وطريق الجنة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم من كل ذنب.

стр. 139

من جاهد فإنما يجاهد لنفسه الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد عبد الله ورسوله، وبعد: فأذكر منذ سنوات أنه مر أحد قادة المجاهدين إلى الكويت وكنت أخطب في بعض المساجد، فظننت أنه يريد أن يجمع شيئاً من المال يعين به المجاهدين، فتكلمت في هذا المعنى، فقال -وهو يحسن العربية-: أنا لم آتِكم لأتسول منكم، ولا أريد أن أجمع مالاً، ومن كان منكم يريد أن يدفع شيئاً من المال للمجاهدين فهناك لجان كثيرة تجمع للمجاهدين، ولكن الذي أريد أن أقوله لكم: إن ما تدفعونه فإنما تدفعونه لأنفسكم، وأنتم محتاجون إلى المال الذي تدفعونه، ولسنا نحن الذين نحتاجه. ومعنى كلامه صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت:٦] فالله غني عنا، وغني عن جهادنا، وغني عن أموالنا، فينبغي للإخوة الذين يعينون إخوانهم أن يستشعروا هذا المعنى، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة:٢٦١]. فأنت إنما تزرع لتحصد، فأنت بحاجة إلى ما تزرعه، وعندما تعطي لتستثمر أموالك عند الله ﵎ فأنت بحاجة إلى ذلك، وأنت بحاجة إلى أن تنفقها في سبيل الله؛ ليكون لك ذلك ذخراً عند الله ﵎. وبعض اللجان يقوم عليها رجال أخيار، وهي تجمع للمجاهدين لتؤوي نساءهم وأطفالهم ومرضاهم، والذين أصيبوا في المعارك مع أعداء الإسلام يحتاجون إلى عناية وأدوية، ويحتاجون إلى أطباء، فهم يحتاجون إلى شيء تقدمه في هذا المجال، سواء كان ما تقدمه لنفسك قليلاً أم كثيراً، ودرهم سبق ألف درهم، ودينار سبق ألف دينار، وقد يعطي الإنسان ديناراً فينال من الأجر ما لا يناله من ينفق ألفاً، فقد يكون هناك غني عنده ملايين، وأنت ليس عندك مئات، أو ليس عندك ألوف، فهذه القلة إذا قارنها الإخلاص عظم الثواب والأجر عند الله ﵎؛ لأن الله ﵎ يجزي على الذرة. إن هذا الإنفاق في سبيل الله جهاد، فالجهاد عندنا جهادان: جهاد بالنفس، وجهاد بالمال، فإذا لم يقدر الله لك أن تكون مجاهداً بنفسك فلا أقل من أن تجاهد بشيء من مالك، وستجده عند الله ﵎ عندما يبعث العباد ويقفون لرب العالمين، فتجد ما قدمت بين يديك يقيك لفح النار، وغضب الجبار، وقد يستنزل رحمة الله ﵎ عليك، وقد يقيك من أهوال يوم القيامة. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريبٌ مجيبٌ سميع الدعوات.

стр. 140

ذكرى نزول القرآن شهر رمضان المبارك يذكرنا بأعظم نعمة، وهي نزول هذا القرآن الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وصنع من هذه الأمة أجيالاً تعيش في الأرض وأرواحهم في السماء. وإن هذا الشهر محطة للمراجعة والمحاسبة وتجديد العلاقة بين الإنسان وربه.

стр. 141

القرآن سبب العزة والرفعة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. إن في عمر البشر، وفي عمر الأفراد، وفي حياة الأمم عبر تاريخها مناسبات غالية على النفوس، يحاول البشر أن يحيوا هذه المناسبات بأشكال مختلفة تعبيراً عن فرحتهم بهذه المناسبة. ومن هذه المناسبات: ذكرى انتصار في معركة، أو ذكرى قائد فذ في تاريخ الأمة، أو ذكرى حادثة معينة، وكل أمة تحتفل في أعيادها بما يناسب توجهاتها. وإن في تاريخ هذه الأمة ذكريات لها أثر كبير، ومناسبات عظيمة من أعظمها إن لم يكن أعظمها تنزل هذا الكتاب الذي صنع هذه الأمة، فصحح عقيدتها، وزكى فكرها، وأصلح سلوكها، وأقام علاقاتها. إن تنزل هذا الكتاب من أعظم الأحداث، لا أقول في تاريخ الأمة فحسب، بل في تاريخ البشرية أجمع، فرب الكائنات ينزل كتاباً هو كلامه، على رجل من البشر يختاره، لكي يصنع هذه الأمة، بل ليكون رسالة للبشرية جميعاً؛ ولذلك حمد الله ﵎ نفسه، وأثنى على نفسه؛ لأنه أنزل هذا الكتاب فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، إنها نعمة تستحق أن يحمد الله ﵎ عليها. وأخبر أن هذا الكتاب هو عز هذه الأمة فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠] أي: فيه عزتكم. أترون أن هذه الأمة التي كانت تعيش في مجاهل الصحراء الشاسعة في الجزيرة العربية، كان سيكون لها ذكر لو لم ينزل عليها هذا الكتاب؟ هل رعاة الإبل الذين كانوا يتصارعون على لقمة العيش يخرج منهم القواد الذين دوخوا العالم، ورفعوا هذا الكتاب عالياً لتهتدي به البشرية؟ ((لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ)) أي: فيه عزتكم ورفعتكم في الدنيا وفي الآخرة. من تلك الأمة المشتتة أخرجت خير أمة أخرجت للناس، تحكم الأرض بميزان السماء، وتقيم من البشر أنموذجاً ينافس ملائكة السماء، وإن الله ﵎ في كثير من المواقف كما أخبر رسولنا ﷺ يباهي ملائكة السماء بأفراد من البشر.

стр. 142

شهر التغيير لقد جعل الله ﵎ الشهر الذي أنزل فيه هذا الكتاب خير الشهور، والليلة التي أنزل فيها خير الليالي. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فكان شهر رمضان خير الشهور؛ لأن الله أنزل فيه كتابه، بل كما في الحديث أن جميع الكتب السماوية أنزلت في هذا الشهر: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن. وكانت الليلة التي أنزل فيها القرآن خير الليالي: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١ - ٣]. إن هذا الشهر الكريم يذكر المسلمين بعزهم الذي فقدوه، ومكانتهم التي هبطوا عنها، وبدورهم الذي تنكبوا عنه، فمناسبة هذا الشهر الكريم تأتيهم لتقول لهم: اغسلوا ذنوبكم، اغسلوا آثامكم، ارتبطوا بكتابكم، ارتفعوا إلى المستوى الذي يريده ربكم. هذا الشهر لا نفرح فيه كما يفرح البشر بأعيادهم: يطلقون الصواريخ، ويلعبون، ويرقصون، ويهزجون، إنه نمط آخر من الأفراح، إنها أفراح الروح يلجأ فيها المسلمون إلى ربهم، ويهذبون هذه النفوس التي رانت عليها أقذار الذنوب، وغشتها المعاصي، يتبتلون إلى الله بالصيام، ويتبتلون إلى الله بالقيام، ويتبتلون إلى الله بقراءة القرآن، ويصلون ما انقطع بينهم وبين الله من حبال، ويرتفعون مرة أخرى. يأتيهم هذا الشهر ليذكرهم بكل شيء، يذكرهم أنهم هم الأمة التي أنقذها هذا الكتاب، ليذكرهم أن منهج هذا الكتاب غير منهج روسيا وأمريكا وهيئة الأمم ومجلس الأمن، بل فيه أحكام إلهية، وتشريعات ربانية، غير ما جاء به علماء الشرق وعلماء الغرب والفلاسفة من قوانين ونظريات فاسدة كالنظريات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، التي هي كموج البحر تغشى عقول المسلمين وتغطي قلوبهم. هذا كتاب من نمط فريد، ضيعه المسلمون وجعلوه وراء ظهورهم، يأتي هذا الشهر ليقول: ابتعدتم كثيراً، نسيتم الله فأنساكم أنفسكم، نسيتم الله فضاعت دياركم، وانتهب الأعداء بلادكم وأرضكم وأموالكم، يا مسلمون! هذا كتاب ربكم أنزل في هذا الشهر فاستمدوا منه الهداية، وعودوا مرة أخرى، اغسلوا هذه الذنوب التي وقفت حوائل وحجباً وحواجز بينكم وبين الله ﵎. وفي هذا الشهر الكريم يضاعف الله أجر العبادة وثوابها وخيرها وعطاءها، وتغل فيه أيدي الذين يبعثون الشر من الشياطين المردة، فيتدفق النور والضياء إلى قلوب البشر لعلهم يهتدون، وهذه فرصة قد لا ندركها مرة أخرى، كم من رجال كانوا معنا في رمضان الفائت، ثم اليوم قد طواهم الردى وهم تحت التراب، ولعل بعضنا قد لا يدرك هذا الشهر في سنة أخرى، فعلى المسلم أن ينتهز هذه الفرصة. ومن هنا دعا الرسول ﷺ بالخسران على من أدرك رمضان ثم خرج رمضان ولم يغفر له فقال: (رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه)، وأحد الثلاثة الذين رغمت أنوفهم (من أدرك رمضان ولم يغفر له) وقال ﷺ : (رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إذا ما اجتنبت الكبائر)، فهو كفارة لما بينهما، أجر عظيم تحدثت عنه النصوص، وثواب جزيل قد لا ندركه مرة أخرى. فليعزم المسلم على أن ينتهز هذه الفرصة فيستغل أيام هذا الشهر ولياليه وساعاته وأوقاته في التقرب إلى الله ﵎، في أن يحط عن ظهره الذنوب والآثام والخطايا التي أثقلت ظهره، ويتخفف منها كي يجوز عقبات الطريق وهو يغادر الدنيا إلى الآخرة، وهو يبعث من قبره، وهو يقف بين يدي ربه، وهو يجوز الصراط، ليتفكك من ذنوبه وآثامه، ويكثر من حسناته ويقلل من سيئاته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 143

شهر الرحمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. إن هذا الشهر ينبغي أن يكون انطلاقة لإصلاح النفس الإنسانية وتهذيبها، وتدريبها على فعل الخير، وإحياء شعور المسلمين بأنهم كالجسد الواحد، فينظر إلى مآسي المسلمين وأحوالهم، وينظر إلى هذا الغثاء الذي يعشش هنا وهناك في نفوس المسلمين؛ فيوطن النفس على أن يكون دائماً صوت إصلاح وصوت هداية وشعلة خير. لا تدري ما الذي يرجح في ميزان حسناتك يوم القيامة؟ قد يرجح بها تمرة، أو شق تمرة، وقد يرجح بها درهم، أو فعل خير، أو كلمة تقولها، أو دعوة تدعو بها، أو هداية لضال، أو سد جوعة لجائع، وحث الناس على أن يتحاضوا على الخير، يحض بعضهم بعضاً، ويتواصوا به، فيحض بعضهم بعضاً على إطعام المسكين والفقير، ويكونوا إخوة فيما بينهم يمثلون جسداً واحداً وبناءً واحداً متلاحماً، وهذه صفة المسلمين إذا كانت فيهم حياة، وإذا كان فيهم بقية خير، وبقية إيمان، واعتزاز بهذا الدين، وتلبية لنداء القرآن، فلتكونوا كذلك أمة واحدة، قد فرقتنا الرئاسات، والزعامات، والسياسة، فلتبق شعوب المسلمين تشعر فيما بينها بالصلة والأخوة، والمودة، والمحبة. والله ﵎ يثيب بالنيات، ويثيب على ما في القلوب، فإذا طبق العباد دينهم، وعرفوا طريقهم، وقصدوا الخير دائماً؛ فالله معهم، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 144

المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التقدم إن المرأة اليوم تحتل موقع الصدارة في اهتمامات الباحثين والسياسيين والإعلاميين وغيرهم، وما هذا إلا بسبب القناعة المتأصلة في النفوس بأهمية المرأة في المجتمع، ويشترك في هذا التصور دعاة الخير والفضيلة الذين يحرصون على صيانة المرأة والحفاظ على المجتمعات، ودعاة الشر والرذيلة الذين يريدون للمرأة أن تكون معول الهدم الذي يقوضون به بنيان المجتمع

стр. 145

مبشرات العودة إلى الله في المجتمعات الإسلامية إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أسأل الله أن يبارك في هذا الجمع، وأن يجعل هذه الخطوات في سبيله ، وأن يتقبل منا صالح أعمالنا ويغفر لنا سيئاتنا وذنوبنا، وأحب أن أنبه إلى قول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). أيتها الأخوات المؤمنات! حديثنا في هذا اليوم عن المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التقدمية. نحمد الله فإن ديار الإسلام في هذه الأيام تشهد عودةً إلى الإسلام الذي أنزله الله على خاتم رسله وأنبيائه محمد صلوات الله وسلامه عليه، هذه العودة لم تقتصر بفضل الله وبرحمته على الطبقة الفقيرة العاملة، أو الطبقة الدنيا من الأمة، بل شملت الشباب المثقفين، والأساتذة والمعلمين في المدارس وفي الجامعات، والأطباء والمهندسين، ورجالات الفكر والصحافة، فكثير منهم بدءوا يتجهون إلى الإسلام، وأصبحنا نرى في قاعات العلم في المعاهد والجامعات شباباً يدرسون الهندسة والطب والذرة وقد اتجهوا إلى الإسلام، وفتيات مسلمات اتجهن إلى الإسلام بصدق وإخلاص، لا كما يتجه غيرهن للرقص والفسق والفجور، إنما لطلب العلم وأداء واجب الله في الأرض الذي كلف به المرأة كما كلف به الرجل. وفي مصر عندما سُمِحَ للشباب المسلم في الجامعات أن يخوضوا الانتخابات، فقد حصلت الجمعيات الإسلامية على نصيب الأسد، ولم يستطع أحد أن ينافسها في ذلك المجال. وفي السودان عندما كانت انتخابات نزيهة استطاع الشباب المسلم أن يفوز بجميع المقاعد بدون استثناء. وفي الباكستان فاز الشباب المسلم بأربعة أخماس مقاعد اتحادات الطلبة هناك، تلك الدولة التي تعدادها ثمانين مليون مسلم، ففي كل مكان أصبحنا نرى الشباب المسلم والفتيات المسلمات في مجالات الخير والعطاء والنماء، لا نرى فيها فساداً ولا إفساداً وكان ذلك خيراً كبيراً، فأن يعتز الشباب بإسلامهم وتعتز المرأة بإسلامها ذلك خير كبير، فأصبحت الفتاة المسلمة مثل مريم بنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وعائشة بنت أبي بكر، ليست مثل السفيهات من بنات هذه الأمة اللائي يقتدين بالممثلات في باريس وغيرها. فهذه عودة إلى الإسلام، وعودة إلى الشمس المشرقة، وإلى نور الله الذي أنزله على خاتم رسله وأنبيائه، فهذه عودة طيبة مباركة. أما الذين يغيظهم أن يروا نور الشمس أن يشرق، ونور الحق أن يتلألأ، فإنهم لا يرضون بمثل هذه الصحوة.
следующие страницы →