← Джавами‘

Джавами‘ · id 37419

دروس الشيخ عمر الأشقر

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (531 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

انشغال القلب بالدنيا فمن أهم الأسباب: أن يشغل الإنسان قلبه بالدنيا. وأنا لا أعني أن يشتغل الإنسان بالدنيا، فتلك طبيعة الإنسان، وذلك منهج الله، فنحن نعمل في الدنيا للآخرة، ونأخذ حظنا من الدنيا، ونأخذ حظنا من الآخرة، ولكن لا نريد أن تنشغل هذه القلوب بحيث تتعلق بالدنيا تعلقاً يعبِّدها لهذه الدنيا. والرسول ﷺ سمى هذا الانشغال عبودية فقال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة)، ونحن كلنا نلبس ونحرص على أموالنا، والقرآن أمرنا بذلك، فليست القضية أن يشتغل الإنسان بالدنيا، وإنما أن يتعلق قلبه بها فتصبح هي مدار حياته يدور بها كما يدور الحمار بالرحى. وقد يقوم هذا الإنسان ببعض الأعمال للإسلام لكن قلبه متعلق بالدنيا، هي التي تسيِّره وهي التي توقفه، إن أعطي منها رضي، وإن لم يعط منها سخط، فدنياه ذات تأثير كبير عليه أكثر من تأثير دينه عليه. فهذا الإنسان في خطر كبير، وينبغي أن يتدارك نفسه فيعالجها، وذلك بأن يعلم قيمة الدنيا كما وصفها الله في كتابه، ويعلم قيمة الآخرة، وينظر في قصر الدنيا وفي طول الآخرة كما بينه القرآن الكريم، ومن ذلك على سبيل المثال قوله جل وعلا: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٤ - ١٦]. حتى إن الانشغال الدنيوي الذي ليس فيه شغل قلبي قد يقسي القلوب، ففي بعض الأحيان يحتاج القلب إلى علاجه السريع، وهو ألا يغفل المسلم عن ربه وعن ذكره وعبادته. (لقي حنظلة أبا بكر فقال: يا أبا بكر! نافق حنظلة. قال: وما ذاك؟ قال: نكون مع رسول الله ﷺ فيذكرنا بالجنة والنار وكأنهما رأي عين، فإذا رجعنا إلى أهلينا عافسنا الأزواج والأولاد ونسينا كثيراً. قال: إني لأجد مثل الذي تجد، فانطلقا إلى الرسول ﷺ فقال له حنظلة: نافق حنظلة يا رسول الله! قال: وما ذاك فأخبره، قال: يا حنظلة! لو تدومون على ما أنتم عليه معي في الذكر لصافحتكم الملائكة) أو كما قال ﷺ . والشاهد: أن الإنسان حين ينشغل بهذه الأمور يجف أحياناً ما يستشعره من إيمان، فيقسو قلبه شيئاً ما، فهذا شيء طبعي، لكن ينبغي له أن يعالج. ولذلك شرع الله لنا أن نعمل في دنيانا ثم نعود إلى الصلاة، وهذا من حكمته سبحانه، فما يكاد الإنسان ينشغل في الدنيا حتى يعود إلى صلاة الظهر، ثم يعود إلى صلاة العصر، ثم يعود إلى صلاة المغرب، ثم إلى صلاة العشاء، وهو مع ذلك يذكر الله في أثناء عمله فلا يدع قلبه يقسو ويتأثر تأثراً كبيراً بالدنيا. وينبغي أن يدمن المسلم العبادة وطاعة الله ، فهذه العبادة التي نتوجه بها إلى الله -والله غني عنها- ذات تأثير كبير في إصلاح النفوس والقلوب، وفي صلاح القلب صلاح للإنسان، وفي الحديث: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). ومن أعظم ما يصلح القلوب: منهج التزكية في الإسلام ومن أعظمه: هذه العبادات التي جاء بها الإسلام من صلاة، وصيام، وذكر، ودعاء، واستغفار، وحج، وعمرة، وغير ذلك من العبادات التي شرعها الإسلام، فهي من أهم ما يصلح النفوس ويربيها، وحسبنا في ذلك قول الله : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، والطمأنينة شيء عظيم عندما يفقده الإنسان يصبح في حياته كثير من الشقاء، ولذلك قال الرسول ﷺ : (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة)، فالذكر والاستغفار يذهب هذا الذي يصيب القلب من قسوة. والمقصود: أن يستشعر المسلم من الحديث أن الرسول ﷺ كان يقصد أن يذكر الله، وأن يحرص على الذكر بالسبل التي شرعها الله، ومن جملة ذلك الاستغفار. فما يفعله الإنسان وما يتكلم به أحياناً إذا كان فيه شيء من البعد عن منهج الله أو شيء من الخطأ قد يصيب الإنسان فيغشي قلبه نوعاً ما، فالاستغفار يذهب ذلك، والدعاء كذلك. ومن جملة هذا أن الصلاة والعبادة والدعاء والاستغفار حصن يقي الإنسان من وساوس الشيطان التي تؤثر تأثيراً سيئاً على قلب الإنسان. فالحرص على العبادة كما شرعها الله غذاء ودواء للقلب، ولعله مر على كثير منا مقولة المجاهد الكبير ابن تيمية ﵀ عندما كان يجلس من الفجر إلى الضحى وهو يذكر الله، والتي ينقلها عنه ابن القيم أنه كان يقول: هذا زادي أي: هذه الجلسة زادي فلو فقدتها فلن أستطيع أن أستمر بقية يومي!

стр. 72

البعد عن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية وبعض الناس لا يتدبرون الآيات الكونية ولا الآيات القرآنية، ومن وسائل تقويم النفس أن يكثر المسلم من التفكر في آيات الله، وهو منهج حثنا عليه القرآن الكريم فلا يجوز أن نغفل عنه وأن نهمله، فعلى الإنسان أن يتفكر في السماء ونجومها، وفي الشمس والقمر، وفي الليل والنهار، وفي السهل والجبل، وفي البر والبحر، وفي كل ما خلق الله من آيات مثل: قطرة الماء، وورق الشجر والثمر، ونسمة الهواء الباردة، ففي كل ذلك إعجاز وإبداع، وعندما يتفكر المسلم في ذلك فإن قلبه يستضيء بقدرة الله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩٢]. فوصف الله أولي الألباب بأنهم الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض، ويصلون إلى النتيجة من هذا التفكر وهي قولهم: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١]، والآيات التي تأمر بالتفكر والتذكر كثيرة، وعلى الإنسان أن يتفكر في أصل خلقته قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥]، وأن يتفكر في طعامه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس:٢٤ - ٢٦]، وأن يتفكر في مخلوقات الله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ١٨] وهذا منهج واضح في كتاب الله ينبغي أن يحرص المسلم عليه حرصاً شديداً. ثم إن التدبر في الآيات القرآنية المتلوة، لا يكون بإقامة حروف القرآن وتحسين تلاوته فقط، مع أن ذلك شيء طيب وجميل ومطلوب، لكن ينبغي أن ننظر فيما وراء الألفاظ، وأن ننظر في المعاني، وفيما ترشد إليه هذه الآيات فنعتبر ونستغفر. ولقد قال الرسول ﷺ : (سيأتي أقوام يقيمون هذا القرآن إقامة القدح ثم لا يجاوز حناجرهم)، وهؤلاء هم الخوارج، فالقرآن لا يجاوز حناجرهم، فهم يحسنونه ويتلونه ويقومون به آناء الليل والنهار، ولكنهم لا يفقهون هذا الكتاب فقهاً حسناً. فنحن مطالبون بأن نتدبر القرآن، وأن نتبصر فيه وفق المقاييس التي وضعها السلف الصالح في فهم القرآن الكريم، يقول جل وعلا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. فالله ذم هذا الفريق وهذا الصنف من الناس الذي لا يتدبر هداية الكتاب، فالقرآن الكريم نور وهداية، يكشف الظلمات، وهو روح في نفس الوقت كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. فهو نور وروح يحيي موات القلوب، وهو نور يكشف ظلمات النفس والكفر والشرك والباطل، ويكشف حقيقة أهل الضلال والزيغ والطغاة والظالمين، ويكشف أعمالهم، وهو نور لا يستغني عنه الإنسان، فإنه يبصره بربه، ويعرفه بمنهجه وبحقيقته، فنحن في سبيل إزالة هذا المرض لابد أن نحرص على الإكثار من هذا المنهج الذي ذكره الله ، وأن نتفكر في آيات الله الكونية المشاهدة المنظورة، وأن نتفكر في آيات الله المتلوة المنزلة التي جاء بها محمد ﷺ ، ويدخل في ذلك فهم الأحاديث والتدبر في معانيها.

стр. 73

عدم محاسبة النفس ومما يسبب قسوة القلوب: أن الإنسان يقصر نظره على العمل فقط، ولا ينظر إلى ما وراء العمل من الغاية والهدف، فنحن بحاجة إلى أن نتذكر الغاية والهدف في كل خطوة، وينبغي أن يواجه الإنسان نفسه بأسئلة حتى يكون عمله خالصاً لله تعالى. ففي زحمة الأعمال والأشغال تتداخل الأهداف وتتصارع، وإذا غفل الإنسان عن نفسه فسيجد أن كثيراً من أعماله -إن كان صادقاً مع نفسه- لم يقصد بها الله ، ولم يرد أجره وجنته، ولم يخف من ناره، وإنما عمل ذلك من أجل نيل شهرة أو رياءً أو شيئاً من ذلك، وهذا الأمر خطير، ونحن نعلم مدى خطورة هذا الشيء، فأصحاب هذه الأعمال لا قيمة لعملهم عند الله ، فالثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار هم: مجاهد ومتصدق وعالم، كانت أعمالهم لغير الله، ما فتشوا في نفوسهم وسألوها: لم فعلتِ هذا العمل؟ وما صبروا على أن يكون العمل خالصاً، فهذا يحتاج إلى جهاد، وإلى أن يبذل الإنسان في سبيل ذلك جهداً، وكلنا نحتاج إلى هذا، فالصحابة ﵃ احتاجوا إلى هذا التوجيه، ونحن بحاجة إليه، يقول أحد الصحابة: ما علمت أن فينا أحداً يريد الدنيا حتى أنزل الله قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢]. فنحن بحاجة إلى أن نفتش دائماً في نفوسنا ونسألها: لم نعمل هذا العمل؟ فهذا هو أول الدين كما يقول العلماء: أول الدين وآخره الإخلاص في العمل، وهو مضمون قول لا إله إلا الله، بل إن أصل الدين الذي هو محور القرآن الكريم ومحور دعوة الرسل جميعاً ومحور الرسالات السماوية: أن يكون الدين لله، وأن تكون العبودية لله، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له، وفي اللحظة التي تتداخل الأهداف وتصبح عند الإنسان غايات مختلفة غير هذه الغاية يفتر كثيراً، وقد يخطئ في كل شيء. فالدين لابد أن يكون خالصاً لله تعالى، عند ذلك يكون العمل مثمراً وخيراً، ويكون قليل العمل مباركاً، فالعمل القليل يصبح بالإخلاص عملاً كبيراً مباركاً؛ ولذلك يقول المصطفى ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، فشق التمرة بالإخلاص ينفع، والعمل الكثير بدون الإخلاص لا خير فيه ولا بركة.

стр. 74

أثر الترغيب والترهيب في الإقبال على العمل وتركه ولقد عَلِمَ الله من الإنسان أنه لا يتحرك ولا يندفع اندفاعاً ذاتياً قوياً إلا إذا وضع له الله دواعي تجذبه نحو العمل، لذلك فإن الأمور التي يحبها الإنسان ويعشقها لم يوجبها الله عليه بل أباحها له؛ لأن هناك دواعي تدعوه إلى فعل هذا مثل تناول الطعام والشراب والنكاح، مع أن هذه الأمور مطلوبة شرعاً، فلو جاء إنسان يحرم على نفسه الطعام والشراب أو أنواعاً من الطعام وأنواعاً من الشراب أو يحرم شيئاً من النكاح فإنه يكون آثماً في الشريعة الإسلامية، لكن الشارع لم يوجبها اكتفاء بالدافع النفسي الموجود في أعماق الإنسان من داخله، أما الأمور التي فيها مشقات، ونفس الإنسان لا تقبل عليها بسهولة، فإن الإسلام جعل لها أموراً تزكيها عنده، فأقام لها الشارع دواعي من خارج نفس الإنسان بأن جعل لها الأجر العظيم والثواب الجزيل. وفي المقابل جعل على الأمور التي يندفع إليها الإنسان وهي مكروهة في الشرع العقاب الشديد؛ ولذلك فنحن بحاجة إلى أن نذكر أنفسنا باستمرار بما جعله الشارع من ثواب على الأفعال التي يحبها والتي طلبها منا. فقد خلق الله تعالى نفس الإنسان بهذا الشكل، فنحن نحب الخير لأنفسنا، ولذلك نجد الحافظ المنذري يكتب ثلاثة مجلدات في الترغيب والترهيب، وقد بين القرآن وبينت السنة تفاصيل الأعمال التي يعملها الإنسان، والتي يحب الله من الإنسان أن يعملها، والأجر العظيم المترتب عليها، فالإنسان عندما يتفكر في الأجر المترتب عليها يندفع لعملها، فعندما يقرأ آكل الربا قول الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وعندما يقرأ آكل مال اليتيم قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠]، وعندما يقرأ الذين يكنزون المال قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]، وعندما نقرأ جزاء الكافرين في قوله سبحانه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢]، ثم نقرأ ثواب المؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٣ - ٢٤]؛ نجد أن النفوس والقلوب تميل وتقبل على العمل، وعندما تقرأ في الثواب والأجر تحاول أن تتخذ الوسيلة التي شرعها الله للحصول على هذا الثواب. فعندما يسمع المسلم قول الرسول ﷺ : (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، ويسمع قول النبي ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقوله: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)؛ يقبل على هذا، ويتخذ الوسيلة التي تؤدي إلى هذه الغاية الكبيرة. وعندما يسمع ما أعد الله للكافرين يهرب ويفر من هذا العمل الذي سيوصله إلى غضب الله وسيوقعه في هذا البلاء العظيم، فنحن بحاجة إلى أن نعلم أن آيات القرآن امتلأت بذكر الوعيد، وبذكر ما يناله المؤمنون في الدنيا وفي الآخرة وما يناله الأتقياء والصالحون، فهذا ليس عبثاً، وتكوين الإنسان بهذا الشكل ليس عبثاً، والذين حاولوا أن يغفلوا هذا الأمر أضروا بالمسلمين ضرراً بالغاً، مثل الصوفية الذي يقول قائلهم: ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك! فالذين ما عبدوه لأجل هذا، أضروا بالناس ضرراً كبيراً، وأصبح بسطاء المسلمين يحاولون أن يصلوا إلى هذه المثالية المزعومة فيجدون نفوسهم تأبى ولا تستطيع أن ترتفع حتى لا تطلب جنة ولا تهرب من نار، ثم إذا أهملوا الجنة وأهملوا النار فترت عزائمهم وضعفت نفوسهم وأصبحوا لا يتقبلون المواعظ وتركوا العمل. فهذا أحدث شرخاً في تاريخ المسلمين وفي نفوسهم، وهذا مناقض لمنهج الله ، فلو عقلوا لما اختاروا شيئاً ما اختاره الله لهم، أما المنهج الذي يصف الله به رسله وأنبياءه والصالحين وأمر عباده أن يسلكوه وبصرهم به: هو أن يعبد الله بالخوف والرجاء، وما ذلك إلا لأن الإنسان بغير هذا لا يندفع إلى العمل الصالح.

стр. 75

التحذير من كثرة الجدل ومن الأمور التي أحب أن أشير إليها علاوة على ما تقدم أن كثرة الجدل تقسي القلب، (وما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا بالجدل) كما أخبر الرسول ﷺ . فالجدل إذا أصبح سمة للإنسان وسمة للأمة وأصبح مظهراً لازماً، لا يجلس الناس مجلساً إلا وكان لهم فيه جدل؛ فهذه علامة مرض، والجدل يفرق ويقسي القلوب. وأنا لا أعني ألا يكون هناك أي جدل، فقد أمر الله رسوله فقال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، إنما الذي أعنيه ألا يصبح مظهراً يشغلنا عن كتاب الله وعن سنة الرسول ﷺ وعن ذكر الله وطاعته. وأنا لا أعني أن نترك الحوار الذي يؤدي إلى الحق، ولكن لا أريد أن يتعمق هذا بحيث يفرق ويقسي قلوبنا، إنما يكون الجدل للوصول إلى الحق، فإذا استعصت المسألة فهناك متسع من الوقت للبحث والتنقيب والدراسة، وأخيراً نصل إلى الحق إن شاء الله. والجدل إذا ما تعمقت جذوره فهو علامة مرض خطير، وما ابتعد الناس عن الهدى إلا ألقي عليهم الجدل، وهذا ليس على إطلاقه، بل يجب أن نحاور أهل الباطل ونجادلهم ونبين لهم، ونحن فيما بيننا نتفاهم ونتشاور في المسائل التي تهمنا، وفي معالجة أمور ديننا، وهذا مما أمرنا به الإسلام، لكن لا نريد أن يصل الأمر إلى أن يشغل الناس بالجدل وبالقضايا الخلافية فقط، بل ينبغي أن يكون الهم دائماً تفهم الإسلام والقرآن، وزيادة الإيمان وتجديده، وتزكية النفوس، وفي أثناء ذلك تأتي قضايا قد لا يعلمها البعض أو يغفل عنها، لكن لا يكون الجدل همنا فنضيع الأصول بسبب الجدل، فهناك فرق بين هذا وبين ذاك، ونحن نسير في الطريق علماً وفهماً وعملاً، فهذا هو المنهج، وهذا هو الأصل، ونحن نريد أجر الله وثوابه، ونريد أن نحقق الإسلام في نفوسنا، وفي إخواننا، وفي الناس من حولنا، فأثناء سيرنا في الطريق قد نأتي على أشياء لا نفهمها، وقد يتساءل الناس عنها، فلابد أن نبينها. فإن كان هناك أناس يعادوننا ويخاصموننا فنحن نرد خصومتهم، ونبين وندحض باطلهم، وهذه إنما هي وقفات في الطريق، ولكنها ليست هي المنهج والأساس. ففي بعض الأحيان وعندما يتأزم الأمر خاصة بين الإخوة يكون ترك الجدل مطلوباً، وإن كان الإنسان يعتقد أنه على حق، بل ولو كان مستيقناً من الحق، فيكون ترك الجدل مطلوباً كما قال الرسول ﷺ : (أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً)؛ لأن الطرف الآخر في بعض الأحيان قد يصل إلى أن يجعل الجدال نوعاً من الهوى، ففي هذه الحالة يجب على أحد الطرفين وإن كان معه الحق أن يتوقف، وألا نجعل الجدل سبيلاً لإضاعة الوقت وقتله والعياذ بالله، فهذه هي المصيبة. وقد خرج الرسول ﷺ يوماً على أصحابه فوجدهم يتجادلون في القدر فقال: (ما لهذا أمرتم، فاقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم)، فإذا أحسسنا بعد ذلك أن الأمر لم يسر على هذا النحو فعلينا أن نتفرق من المجلس؛ لأن الجدل يقسي القلوب. أسأل الله أن أكون قد وفقت في بيان هذا الشيء المهم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 76

الأسئلة

стр. 77

حكم مجادلة الكفار السؤال هل يجوز مجادلة أعداء الإسلام الذين لا يفقهون ديننا حتى نبين لهم؟ الجواب نعم يجوز، وهذا واجب علينا أن نجادل بالتي هي أحسن؛ وذلك لإقامة الحجة والبيان ولا يختلف في هذا، إنما الذي أشرت إليه ألا يكون الجدل منهجاً، فتكون كل حياة الإنسان جدلاً أو غالب حياته، فيكون الجدل هو الأساس، وغيره أمر فرعي، فهذا الذي أنكره. أما ونحن سائرون في الطريق نجادل أعداء الإسلام الذين لا يفقهون الإسلام، فهذا شيء لابد للداعية المسلم أن يفعله، فقد فعله الرسول ﷺ ، وفعله أصحابه، لكن لا يكون هذا هو المنهج.

стр. 78

أسماء الله الحسنى التي عدها الحافظ ابن حجر السؤال ورد عن ابن حجر أنه عدّ أسماء الله. فهل ما عدّه ابن حجر صحيح؟ الجواب ليس في سرد أسماء الله حديث صحيح، وإنما هو اجتهاد في إحصائها من الكتاب والسنة، أما الشيء المختلف فيه فهو عدة أسماء، وكثير من الأسماء متفق عليها، ولا نستطيع أن نجزم أن هذه الأسماء هي أسماء الله ، لكن نرجو أن يكون ما عده ابن حجر هو الأقرب إلى الصواب، والله أعلم.

стр. 79

توجيهات للدعاة إن العلماء والدعاة منارات تعصم الأمة من الضلال والزلال، وقد عرفوا بمنهج صحيح على مر التاريخ الإسلامي، ألا وهو: ما أنا عليه وأصحابي، لذا كان لابد من توجيهات لهذا الصنف حتى لا يقع فيما وقع فيه من قبلهم، فتشقى وتضل هذه الأمة، ومن هذه التوجيهات، عدم الاغترار بالعلم والعبادة، وخطر الانحراف في الفهم.

стр. 80

أهمية الاعتصام بمنهج الله ورسوله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن الرسول ﷺ قد بين سبيل الله ، وطريق الله ، وترك هذه الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وعرّف الناس بربهم، وبين لهم المنهج والطريق الذي يوصلهم إلى الله وإلى رضوانه وجنته ورحمته، وحذرهم من طرق الباطل، وبين لهم تفاصيل أمور دينهم، في صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم، وبيعهم وشرائهم وغير ذلك من الأمور. ومضى المسلمون على هذا الطريق يتبينونه ثم يسلكونه، وتكون المشكلة اليوم الذي عندما فيه منهج الله ومنهج رسوله على الأفراد، أو يخفى على طائفة من الأمة، أو على جمع كبير من الأمة. إذا خفي على الناس منهج الله ومنهج رسوله ﷺ وقعوا في الضلال مع ظنهم أنهم على هداية، ومن هنا كان ائتمام الصحابة بالمصطفى ﷺ عاصماً يعصمهم من الضلال، ثم كان أعلام الصحابة من بعد الرسول ﷺ منارات تعصم الأمة من الضلال، ثم كان علماء التابعين وأتباع التابعين والعلماء الذين صاروا على الطريق الذي كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، والعلماء من بعدهم كانوا هداة يعصمون الأمة من الزلل.

стр. 81

الاغترار بالعلم وبالعبادة طريق الانحراف عن المنهج الرباني في عهد الرسول ﷺ اغتر بعض الناس بعلمهم، وتصوروا أن محمداً ﷺ ممكن أن يضل السبيل، فيحتاج إلى تقويم وهو رسول الله ﷺ ، فالرسول ﷺ أخبر بأن تلك الطائفة منبع الضلال، وحذر الأمة من أن تسلك سبيلها. (جاءت الرسول ﷺ قطعة من ذهب أرسلها علي بن أبي طالب من اليمن حين كان والياً عليها، فقسمها الرسول ﷺ بين أربعة من زعماء قبائل العرب، فتكلم الأنصار وبعض من قريش، قالوا: يعطي أجلاف العرب وسيوفنا تقطر من دمائهم، فأخذوا في أنفسهم، فاعتذر الرسول ﷺ وقال: إنما أقسمها أتألفهم بها) أي: والله لا لمكانة في قلبي لهؤلاء، وإنما المكانة والمحبة للسابقين من المهاجرين والأنصار. فالرسول ﷺ كان يتألف هؤلاء بالمال ليقربهم إلى الإسلام ويحببهم بالإسلام. (جاء رجل ناتئ الجبين غائر العينين كث اللحية، فوقف على الرسول ﷺ وقال: يا محمد، اعدل. قال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل، ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟) أي: ائتمنني الله على وحيه ودينه ولا تأمنوني على قطعة من ذهب لا أحتاجها لنفسي، وإنما أنفقها في طاعة الله لمصلحة الإسلام والمسلمين (فيقول عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فيقول: لا، حتى لا تتحدث العرب بأن محمداً يقتل أصحابه، ويقوم خالد بن الوليد ويقول: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه، قال: لعله يصلي، قال: وكم من مصل يقول ما ليس في قلبه، قال: لم أؤمر بأن أشق عن قلوب الناس، ثم قال الرسول ﷺ : يخرج من ضئضئ هذا - وفي بعض الروايات- من أصحاب هذا أقوام تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وقراءتكم مع قراءتهم، وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية). وفي حادثة أخرى أخبر الرسول ﷺ عن الخوارج بقوله: (سيكون أقوام حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يخرجون أو ينسلون من الدين كما يخرج السهم من الرمية) فهؤلاء قوم تطاولوا على محمد ﷺ ، واعتبروا عمله ظلماً يحتاج إلى تقويم، غرور وطيش وسفه في العقل، فالرسول ﷺ يحذر من أمثال هؤلاء. وأول فرقة نشأت من أمثال هؤلاء شكلت تياراً ضالاً منحرفاً في حياة الأمة الإسلامية - عندما خرجوا في عهد علي بن أبي طالب وسموا بالخوارج- فكفروا المسلمين بالمعاصي والذنوب، واستباحوا دماء المسلمين، وأمّنوا الكافرين، فكان الكافر يأتيهم فيؤمنونه، أما المسلم إذا لم يعترف بهم، ولم يقر على نفسه بالكفر، وعلى علي بن أبي طالب والصحابة بالكفر عند ذلك يسفكون دمه ويأخذون ماله، فلم يكونوا مشركين كفاراً، فقد كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون صلاة لا يصليها كثير من المسلمين، ويصومون صوماً طويلاً، في الحروب شجعان لا يخافون ولا يفرون، يبذلون المال، ولكن كان عندهم ضلال فكري.

стр. 82

الانحراف في الفهم نتيجة البعد عن المنهج لقد سئل علي بن أبي طالب عن الخوارج: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، قالوا: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله صباح مساء، قالوا: فمن هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فأعمتهم وأصمتهم، فلم يفقهوا الحق. كان عندهم علماء الصحابة الذين تربوا على يد محمد ﷺ ، وعندهم بصيرة في الدين وفي العلم، فكان ينبغي عليهم أن يتواضعوا وأن يرجعوا إلى هؤلاء، وليدرسوا على أيديهم، ويفهموا عنهم دينهم، ويفهموا عنهم الحق. قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] لقد كنت في مجلس مع بعض الذين عندهم شيء من العلم، فرأيت آراء غريبة وتصورات عجيبة في أمور العقيدة وفي أمور الدين، تدل على أن من يحدثني قد قرأ كثيراً وعلم كثيراً، ولكنه لا يفهم الحق مما قرأ ومما علم، وهذه مشكلة، فالقضية ليست قضية أن يقرأ الإنسان، وأن ينتهي من قراءة شرح البخاري، وقراءة شيء من كتب التفسير وغيرها، وإنما المهم الهداية التي توصلنا إلى الله . إذاً: المسألة هي مسألة وصول إلى الحق، ألا ترون أن الله يرشدنا إلى أن نقول في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] فنحن دائماً ندعو بها، وهذه الآية تضمنتها أعظم سورة أنزلت من عند الله، فهي سورة لا يوجد مثلها لا في التوراة ولا في الإنجيل، ألا وهي سورة الفاتحة. إذاً فالهداية شيء عظيم، فلا تظنوا أيها الإخوة أن ميزان الاستقامة على الحق أن يكون الإنسان دائماً مكثراً من الصلاة ومن الصوم وكونه يحفظ القرآن ويكثر من تلاوته، لا، بل لا بد أن يكون على هداية ومعرفة بالحق؛ لأنه قد يضل عن الحق من يحفظ كتاب الله ومن يقوم الليل ويصوم النهار، كما حدث لهؤلاء الذين وصفهم الرسول ﷺ بكثرة العبادات، ونرى هذا النموذج من البشر يتكرر في كل عصر وحين، فالذي يقرأ تاريخ الإسلام يرى مظاهر هؤلاء الذين حدث عنهم الرسول ﷺ موجودين في كل عصر وحين، ولا زلنا نراهم في أيامنا هذه، فمن الناس من يقرءون الكتاب ولا يفهمونه، أو قد يفهمون الكتاب فهماً خاطئاً، ومن هنا يحتاج علماء المسلمين أن يجعلوا ضوابط للعقيدة، وضوابط للاجتهاد، وضوابط للفهم حتى لا يضل الناس. كان المسلمون ولا يزال فيهم علماء يعصمون الأمة من الانحراف، ويعصمون الأمة من الضلال، عُرِفوا بمنهج صحيح على مر التاريخ الإسلامي، ذلك المنهج الذي قال فيه الرسول ﷺ : (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي). فالطائفة المعصومة، والطائفة المرحومة، والطائفة الناجية هي التي تسلك مسلكاً سلكه رسول الله ﷺ وأصحابه، وفهمه الرسول ﷺ وأصحابه، لكن هناك طوائف من المسلمين كما وصفهم الرسول ﷺ يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فيحقر أحدكم قراءته مع قراءتهم، وصلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن وهم يظنون أنه حجة لهم وهو حجة عليهم، مثل بعض الناس الذين لمعوا في أيامنا هذه، فتراه يجهل الأمة بأكملها، فهو لا يعترف بعلماء الأمة السابقين، بل حتى إنه لا يعترف بعلم كثير من الصحابة ولا فضلهم، وقد نصب نفسه حاكماً في كل شيء، وجعل رأيه وقوله وفهمه هو الصراط المستقيم، فهذه فتنة وضلال، كما قال علي بن أبي طالب: (تعمي وتصم) أي: تجعل الإنسان لا يفقه الحق ولا يتبينه. إن الفهم الذي يشاؤه الله لهذا الدين واضح بين، وهو الذي كان عليه المسلمون طويلاً، ولا تزال فئة من المسلمين كثيرة على هذا الحق تتبينه وتهدي به وترشد إليه. فالذي ينبغي على أبناء المسلمين أن يتبينوا الإسلام، وأن يدرسوا الإسلام قبل أن ينصبوا أنفسهم قادة يوجهون ويرشدون، فيُضِلون ويضلون ويكون عليهم الوزر والإثم. وقول الرسول ﷺ : (حدثاء الأسنان) أي: أنهم نصبوا أنفسهم قبل أن يعلموا، وإلا فقد كان في صغار الصحابة من هو من كبار العلماء، والإمام الشافعي ﵀ حفظ كتاب الله وتلقى العلم ودرسه وتبينه ودرس وأفتى وهو لم يبلغ العشرين، فكان صغيراً لكنه عالم، فليس في الصغر عيب، ولكن لا بد أن يتلقى الإنسان العلم ويفهمه على أصوله وعلى قواعده التي بينها الله وشرعها، وسار عليها الرسول ﷺ وصحابته الكرام. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 83

أهمية الهداية إلى الحق الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله صلى عليه وسلم. إن الهداية إلى الحق والعصمة من الضلال خير ما يؤتاه العبد، فلم يؤت العباد خيراً من هداية إلى الحق، تعصمهم من الزلل، وتوصلهم إلى الله ، ذلك خير ما يعطي الناس، وخير ما يتفضل الله به على عباده الذين أنعم عليهم أن يهديهم، ولذلك نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] الذين أنعم الله عليهم هم: المرسلون والأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.

стр. 84

انحراف اليهود والنصارى عن الهداية لقد حاد عن طريق الهداية فريقان: فريق تمثل في اليهود ومن صار على شاكلتهم. وفريق تمثل في النصارى ومن صار على دربهم. الفريق الأول: اليهود الذين يعرفون الحق، ولكنهم يستكبرون، يقول ربنا لليهود: ﴿َفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ * وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٧ - ٨٩] أي: قبل أن ينزل القرآن كان يقولون للعرب: سيأتي رسول غداً معه كتاب فنتبعه، ونقتلكم قتل عاد وإرم، فلما جاء الرسول ونزل الكتاب الذي كانوا يستنصرون به ويستفتحون به على العرب، إذا بهم يكفرون به، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]. ويقول سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠١]. ويقول جل وعلا فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]. فكانوا يعلمون أن محمداً مرسل من عند ربه، فيستكبرون ويكفرون، ولذلك سماهم الله مغضوباً عليهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، فالمغضوب عليهم هم الذين عرفوا الحق المنزل من عند الله، ولكنهم استكبروا وكفروا؛ لأنهم يريدون أن تكون الرسالة خاصة بهم، ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠] فهم لا يريدون هذا الخير لهذه الأمة، ولو اتبعوا محمداً ﷺ لنالهم الخير، ولحقق الله لهم وعده، وأنزل لهم المثوبة والأجر، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧]. ويقول سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة:٤١] أي: إياكم أن تكفروا به. فإذا اتبعوا الرسول ﷺ سينالهم الخير، وتنالهم رحمة الله، فكل من آمن بهذا الرسول فإنه على خير. الفريق الثاني: هم الذين ضلوا بجهلهم، وهم النصارى الذين يعبدون الله على جهل، ولذلك ابتدعوا في دينهم بدعاً ما أنزل الله بها من سلطان، فترهبنوا وتركوا الزواج والأولاد والدنيا، ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]، أي: ابتدعوا بدعاً عبدوا الله بها، ولكن نحن سبيلنا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: لا أعبد الله على جهل، بل عن معرفة بالحق، وهو الجانب الذي يعرفه اليهود، ولكن دون طاعة واستسلام لهذا الحق، والنصارى يستسلمون، ولكن على جهل، فهذه الأمة أمة الوسط: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة:١٤٣] والوسط خير بين أمرين، فهي تأخذ الخير من هنا ومن هنا، وتتجنب الشر في هذا وفي هذا. فأعظم خير يساق إليك، أن تكون على هدى من ربك، أن تكون على طريق الأنبياء والمرسلين، أن تكون على الطريق الواضح الذي سلكه محمد ﷺ ، تهتدي به وتتعلمه، وهذا الطريق له كتبه وله هداته وله دعاته الذين يبينونه ويوضحونه، وهو استسلام لأمر الله، وخضوع لجناب الله ، ورضاً بهذا الحق، واستجابة لهذا الحق، وطاعة لكل ما أمر الله ، وترك لكل ما نهى الله ، حدوده معروفة، ومعالمه واضحة، ومن طلب الهداية فإن الله يوفقه لها، قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 85

قسوة القلوب قسوة القلوب مرضٌ خطير يصيب العباد، وسبب هذا المرض الذنوب والآثام التي يقترفها العبد فتورث قسوة في القلب، وجموداً في الدموع، وضنكاً في العيش، ولن تلين القلوب ويصلح حالها حتى ترجع وتتصل بخالقها جل في علاه؛ وذلك بتلاوة القرآن فهو أفضل الذكر، وبه يتذكر الإنسان النعم التي أنعم الله بها عليه.

стр. 86

القلب هو الركيزة التي يرتبط بها صلاح الجسد أو فساده إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يشكو كثير من العباد الصالحين إلى إخوانهم قسوة قلوبهم، وهذه مشكلة يعاني منها الصالحون على مر الزمان، وعانى منها صحابة الرسول ﷺ . وقلب الإنسان هو الركيزة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فإذا صلح القلب صلحت الأعمال، وصلحت الأقوال، وصلحت الحياة، وفساده خطر عظيم، فالجسد يأتمر بأمر القلب، والقلب في الجسد كالحاكم في الرعية، فهو الآمر الناهي، وهو المسيطر، والجسد إنما هو خادم لهذا القلب، ومن هنا كانت عناية الإسلام بالقلب عظيمة. وصلاح القلب مرتبط بما يحل فيه من علم نافع، وعقيدة قيمة، وإرادة سليمة سامية، تدفع إلى الخير، وتوجه إلى العمل الطيب الصالح، وعلاج القلب هو علاج رباني، علاج القلوب لا يعرفه البشر، فالبشر يعرفون من علاج القلوب ما كان مادياً جسدياً، أما ما كان روحياً فذلك أمره إلى رب العزة ﵎.

стр. 87

قراءة القرآن تطهر وتلين القلوب من شاء أن يطهر نفسه، ومن شاء أن يلين قلبه؛ فليقرأ كتاب الله ﵎، فإن أفضل الذكر هو هذا الكتاب، فمن قرأ كتاب الله ﵎ سيجد قلبه قد لان وخشع لذكر الله ﵎، وإذا به يشعر بحلاوة الإيمان، وحلاوة اليقين، وإذا بنفسه تنقاد إليه، وإذا بالجسد يخضع لما أمر الله ﵎. وقد حذرنا الله ﵎ من قسوة القلب كما كان مصير اليهود والنصارى من قبل: ﴿طَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، ثم يقول الحق ﵎: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧] فالأرض تكون جرداء قاحلة لا نبات فيها، فينزل عليها الماء من السماء فإذا بها تتشقق، وإذا بالنبات يزهر، وتمر عليها بعد أيام فإذا بالأرض الجرداء القاحلة معشبة مخضرة مزهرة مثمرة معطاءة، فتسرك رؤيتها، وكذلك القلوب إذا نزل عليها الوحي وأقصد بنزول الوحي أن تتصل بالقرآن وإذا اتصلت بنور الله ﵎ الذي ضمنه كتابه وسنة نبيه ﷺ ؛ استضاءت بنور الله، وتحلت بوحي الله وبروح الله، وتغير أمرها وتغير شأنها. فإذا تكلم الإنسان الذي لا يقرأ القرآن فإنك تشعر بظلمة في قلبه، وظلمة في نفسه وقسوة، وتحس انحرافاً، ثم إذا اتصل بهذا الكتاب وارتوى منه، إذا بالإنسان غير الإنسان، وإذا بالرجل غير الرجل، وإذا في نفسه نقاوة ورقة، وإذا فيه صلاح وخير، وإذا بأعمالٍ طيبة ظهرت، كالأرض التي أنبتت بعد أن كانت مقحلة، بعد أن كانت مجدبة، فظهر نباتها وظهر خيرها، وتحول أمرها بالماء النازل من السماء هناك، وتحول أمر القلوب هنا بالوحي النازل من عند الله ﵎.

стр. 88

كتاب الله يمنح قارئه معرفة عظيمة بالله كتاب الله يعرفنا على ربنا، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، وعندما يقرأ المسلم صفات الحق ويعرف من أفعال الحق ما يبهر العقول، ويحير القلوب؛ تخشع هذه القلوب لربها: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]. آيات تحدثك عن الله ﵎ فتصحو النفس عندما تذكر خالقها وبارئها وموجدها، وتعلم أن علمه محيط بها، وأن قدرته تحيط بها، فلا يخرج المرء عن علم الله، ولا يخرج عن قدرة الله ﵎. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]. عندما تقرأ كتاب الله فيحدث عن ربك وموجدك وبارئك؛ ترى لذلك أثراً عجيباً في نفسك، لا تكاد تقوم من القراءة، حتى ترى الخير يكثر في القلب المريض، وترى المرض الذي في القلب يزول، ويتماثل القلب إلى الشفاء، فالقلوب تمرض ومرضها الذنوب والمعاصي والشكوك والشبهات، وفي كتاب الله علاج وأي علاج! يذكرك الله بنعمته عليك في كتابه، وبنعمته عليك في جسدك الذي سواه وخلقه، وبنعمته عليك في لقمة الطعام التي تمضغها بين أسنانك في فمك، هذه كلها صُنعت بأمر الله ﵎، لتكون طعاماً يقدم لك على المائدة، حتى نسمة الهواء التي تهب وتستنشقها، وقطرات الماء التي ترتوي بها، كل هذه نعم.

стр. 89

يدعونا القرآن إلى التفكر في النعم حتى نشعر برحمة الله إذا تفكرت في نعم الله عليك تشعر برحمة الله ﵎، فتثني على الله ﵎ بما هو أهله، وينور هذا القلب عندما يذكر النعم، وكم حدثنا الله ﵎ عن هذه النعم في كتابه: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧]، كيف خلقها الله ﵎ لك وأنعم بها عليك؟ ترى خلقاً رائعاً سليماً، انظر إليه وتفكر فيه. وانظر إلى السماء، إلى الجبال، إلى النجوم، إلى النبات، ينزل الله ﵎ الماء من السماء، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس:٢٥ - ٣٠]. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ:٦ - ٩]. كثير من الآيات في كتاب الله تحدثك عن النعم، وعندما تتأملها تعود إلى القلب الطمأنينة.

стр. 90

الإكثار من ذكر الموت وما بعده يلين القلب القاسي تفكر في الحياة وقصرها، وأنك زائل منها، فإن ذلك يخشع قلبك، وقد حدثنا القرآن أن الدنيا متاع سريع زوالها، كمثل غيث سقى النبات ثم نما بسرعة، وما بين اخضراره واصفراره أيام قليلة، (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] والمتاع يتمتع به ويزول. يحدثنا رسولنا صلوات الله وسلامه عليه عن الموت وما بعد الموت، ويحدثنا كيف تقبض روح المؤمن، وروح الفاجر الكافر، كيف يسهل على هذا، ويصعب على هذا، ويحدثنا عن رحلة ما بعد الموت عندما يعرج بالمؤمن إلى السماوات، وتستقبله ملائكة الرحمن، ثم يعاد إلى قبره فتسأله الملائكة عن ربه وعن دينه، وعن نبيه، فيجيب الإجابة الصحيحة: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. ويحدثنا عن رحلة الكافر وأنه بعد أن تخرج روحه تنبعث منها رائحة منتنة خبيثة، فلا تفتح لها أبواب السماء، ولا تستقبلها ملائكة الرحمن، وتطرح طرحاً، وتلقى إلقاءً ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، ويعاد إلى قبره فلا هو في الدنيا كان ثابتاً على الحق، ولا يستطيع في قبره أن يجيب ملائكة الرحمن إجابة صحيحة تنبعث من قلب صادق. ويتحول القبر كما يخبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه إلى روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، وذلكم هو البرزخ إلى أن يبعث الله الناس عندما يقومون لرب العالمين. وفي كتاب الله يحدثنا الله عن القيامة وأهوالها، وكيف تدك الأرض، وكيف تنشق السماء، وتكور الشمس، ويخسف القمر، وتتساقط النجوم، وتسجر البحار فتشتعل ناراً، وعندما ينفخ في الصور تبدل الأرض غير الأرض السماوات، وينفخ فيه أخرى فيقوم الناس لرب العالمين. وفي كتاب الله وفي سنة الرسول ﷺ أحاديث عن مشاهد العباد في يوم البعث والنشور، عندما تدنو الشمس من رءوس الناس، فلا يكون بينها وبينهم إلا ميل، ويذهب عرق الناس في الأرض سبعين ذراعاً، ليس هناك ظل شجرة، ولا ظل جبل، ولا ظل صخرة، أرض سوية ليس فيها ارتفاع ولا انخفاض، وليس هناك إلا ظل عرش الرحمن، ولا يستظل بظله إلا الذين أجهدوا أنفسهم في دنياهم بطاعة مولاهم. ومقدار ذلك اليوم خمسون ألف سنة، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج:٤ - ١٨]. ثم تنصب الموازين ويحاسب الناس على أعمالهم وما قدموا، ثم يساق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، فمن أي الفريقين سنكون؟! هل من السعداء الذين يقال لهم: (لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩] أم من الأشقياء الذين يساقون إلى المصير المظلم؟ مصير ليس بعده مصير، ونهاية ليس بعدها نهاية، وخسران لا يماثل خسارة أي صفقة من صفقات الدنيا كصفقة زواج أو صفقة تجارة أو صفقة مال، لا يعادل ذلك شيء، إنه الخسران النهائي الذي لا ربح بعده، خسران يفقد الإنسان فيه نفسه، ويفقد أهله، وليس هو الخسران الذي يؤدي إلى الموت، آلام ساعة ثم تنتهي الآلام ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤]. وسعادة الآخرة هي الجنة التي ليس فيها من الدنيا إلا الأسماء، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. من تأمل هذه النهاية من خلال أقوال ربنا ﵎ وأقوال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه رأى عجباً، عند ذلك يلين القلب، وتخشع النفس، ويزن المسلم الأمور بالعدل، ويضع الأشياء في نصابها؛ فتحيا هذه النفوس، وتحيا هذه القلوب، نسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

стр. 91

دوام الطاعة يبعث الطمأنينة في القلب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله عبده ورسوله. اعلموا -أيها الإخوة- أن مما يشرح الصدر ويطمئن القلب أن يديم العبد الطاعة لله ﵎، صلاة وصياماً وزكاة وحجاً وبراً، يديم الطاعة لله ، ويتخلص من أوساخ الذنوب والمعاصي والآثام، فيغسلها بالتوبة والاستغفار والإنابة إلى الله ﵎، فـ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، والذي تتكاثر عليه الذنوب، تثقل كاهله، وتقصم ظهره، ويغشى ران الذنوب والمعاصي على قلبه، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]. فالمعاصي تغشى القلب، وتحول بين الإنسان وبين ربه ﵎، والإكثار من التوبة والاستغفار والالتجاء إلى الله ﵎ يطهر القلوب، فإذا تطهرت اتصلت بربها ﵎، وإلا فإن المعصية تبعد الإنسان شيئاً فشيئاً عن الله ﵎، حتى تحول بينه وبين الله ﵎، فلا يستطيع التوبة، ولذلك كان من أهم صفات أتباع الرسل أنهم يسارعون إلى التوبة ولا يسوفون، فإذا وقع منهم ذنب يسير فإنهم يبادرون إلى التوبة ويستعجلون ولا يؤجلون، فلا تدري أيدركك الأجل قبل أن تتوب أم تتوب قبل أن يدركك الأجل، فإذا بادرت إلى التوبة فإن الأمر سهل، ورحمة الله قريب من المحسنين ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] لا يتعاظمه رب العزة ذنب، فإن الذنوب ولو كانت مثل زبد البحر، أو مثل قطر المطر، إذا تاب العبد إلى ربه ﵎ توبة نصوحاً صادقة؛ فإن الله ﵎ يغفر الذنوب جميعاً، ولا يتعاظمه ذنب ﵎ إذا طرق المسلم باب التوبة. وباب التوبة عريض، أعرض مما بين المشرق والمغرب، وأخبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها (لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:١٥٨]، فباب التوبة مفتوح ما لم تبلغ الروح الحلقوم، وما لم يغرغر العبد، وما لم تطلع الشمس من مغربها، فالتوبة مفتوح بابها، والعباد إذا جاءوا إلى ربهم يستغفرونه بقلوب خاشعة، وقلوب فاضلة مؤمنة، فإن الله يتوب على من تاب، ويغفر ذنب التائبين، ويثيبهم، ويجزل لهم العطاء. اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عوراتنا. اللهم كفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب الدعوات.

стр. 92

أخطاء الطريق إن المسلم وهو في طريقه إلى الله تعالى قد يقع في أخطاء ومزالق تضر به وبالمسلمين، وأصحاب البصيرة الحقيقية هم الذين يقوَّمون هذه الأخطاء والمزالق تقويماً سليماً، ويقيسونها بمقياس الإسلام، ولا يذهبون مع الهوى كل مذهب؛ حتى تكون دروساً لهم في أعمالهم وحركاتهم ومستقبل أيامهم.

стр. 93

أخطاء تضر بالمسلمين الحمد لله، والصلاة والسلام على سيد خلق الله، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: ففي معركة أحد هزم المسلمون لا من قلة في العدد، فقد انتصروا في معركة سابقة بعدد أقل، ولكن خالف بعض المسلمين أمر الرسول ﷺ فكانت النتيجة أن هزم المسلمون في تلك المعركة. وفي معركة حنين بعض المسلمين أعجبتهم كثرتهم، فكادوا أن ينهزموا في المعركة، لولا أن ثبت الرسول ﷺ ، ونادى العباس بأمر من الرسول ﷺ أصحاب الشجرة الذين بايعوه في السنة السادسة من الهجرة على الموت، فناداهم مذكراً لهم بتلك البيعة التي بايعوها: أن يقاتلوا الأعداء حتى يقتلوا، فأجابوا ملبين، وأنزل الله نصره على تلك الفئة. وفي معركة الجسر في عهد عمر بن الخطاب ﵁، أصر أبو عبيد بن مسعود الثقفي قائد المعركة على أن ينتقل المسلمون إلى الضفة الأخرى تجاه العدو، مع أن جمعاً كبيراً من المسلمين كان رأيهم أن يبقى المسلمون حيث هم، حتى يعبر أعداؤهم إليهم، وكانت تلك هي الخطة، ولكن أبا عبيد أصر على أن ينتقل بالجيش إلى الجهة الأخرى، فكانت موقعة استشهد فيها من المسلمين جمع كبير. فتلك أخطاء قد يرتكبها بعض المسلمين تؤدي إلى الهزيمة، وقد يلطف الله بعباده لسبب من أسباب النصر، كأن توجد طائفة تثبت في الميدان، وتكون النتيجة أن يصطفي الله فئة من عباده ويختارهم ليكونوا شهداء. وينبغي للمسلمين كما علمنا القرآن أن يبحثوا عن أسباب الهزيمة وأن يتعرفوها، ثم تكون دروساً لهم في عملهم وحركتهم، ويستفيدون منها في مستقبل أيامهم، ولكن يبقى الذين لم يخطئوا والذين أخطئوا في دائرة الإسلام، لذا فقد كان شهداء أحد الذين خالفوا أمر الرسول ﷺ من خيرة الشهداء على مر التاريخ، ولقد كان أبو عبيد قائداً فذاً، فقد أصر أن يبقى في المؤخرة والمسلمون ينسحبون إلى الضفة الأخرى حتى استشهد.

стр. 94

تقويم الأمور تقويماً سليماً يجنب الأمة المزالق في مثل هذه الظروف تنشأ الأفكار في أذهان الناس، فتبدأ الظنون تذهب بالناس كل مذهب، والمسلم ينبغي عليه أن يكون صاحب بصيرة، فقوة المسلمين تكمن في وحدتهم، وقوة المسلمين تتمثل في هذه الوحدة، وأخطر قضية يواجهها المسلمون تجاه أعدائهم: أن يتسلل الشيطان إلى عقولهم أو أن يأتي دعاة الشر الذين هم شياطين الإنس فيفرقون صفوفهم في مثل هذه الظروف التي تكون فيها مصائب ونكبات يصاب بها المسلمون. وأصحاب البصيرة هم الذين يقومون الأمور حق تقويمها، ويعرفون المقاييس التي يقاس بها الرجال الأعمال، وهم الذين يجنبون الأمة المزالق. أما المسلمون الذين تذهب بهم الظنون، ولا يقيسون الأمور بمقياس الإسلام، بل يذهبون مع الهوى في كل مذهب؛ فإنهم يضرون أنفسهم ويضرون غيرهم. لذا نجد أنه قد شارك فئة من هؤلاء في مقتل عثمان، فالذين أثاروا الفتنة في عهد عثمان قوم أشرار وماكرون، وقد شاركهم بعض أهل الخير، فرأوا العيب الصغير كبيراً والنقطة بحراً، وهؤلاء الذين لا يقيسون الأمور بمقياس الإسلام هلكوا. وكذلك الذين شاركوا في هدم الخلافة العثمانية علموا بعد ذلك أنهم كانوا مضللين، فلقد كان الخير لهم ألا يشاركوا في هدم الخلافة وإن كانت ضعيفة، وإن كان فيها مرض، وإن كان فيها بلاء، بل كان عليهم أن يثبتوا أركانها لعل الله أن يبعث من ينقذها؛ لأنها كانت تجمع شمل المسلمين، وتلم كلمة المسلمين، وتقف في وجه أعداء الإسلام، لقد ظن هؤلاء أن الأخطاء الموجودة في الخلافة العثمانية تستوجب هدمها، فنقضوا البقية الباقية من السور الذي كان يحمي المسلمين، فاجتاحت الجيوش الصليبية بلاد الإسلام، فأصبحنا كما يقال: أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام. وكثير من هؤلاء اعترفوا بأخطائهم ولكن بعد فوات الأوان، والمجتمع الإسلامي ليس على درجة واحدة، فبعض النفوس قوية متينة، وبعض النفوس ضعيفة، وبعض النفوس بين ذلك.

стр. 95

المعصية لا تخرج صاحبها من دائرة الإسلام لقد كان في الصحابة من شرب الخمر، ولقد كان في الصحابة من ارتكب الزنا، ولم يخرجهم هذا عن دائرة الإسلام، وإلا فلماذا فرضت الحدود لو كانوا كفاراً عندما يفعلون الزنا وعندما يشربون الخمر؟! إذ لو كانوا كفاراً فلا يوجد أي فائدة من أن تقام الحدود على المسلمين، ولقد جيء برجل شرب الخمر أكثر من مرة، فلعنه أحد الصحابة بعد أن أمر الرسول ﷺ بضربه، فقال: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم، إنه يحب الله ورسوله). ودعا الرسول ﷺ بـ حاطب، وهو من الأوائل الذين شهدوا معركة بدر، بعد أن قرأ الكتاب الذي أرسله إلى المشركين، فقال له الرسول ﷺ : (ما هذا يا حاطب؟!) أي: كيف تفشي أسرار المسلمين إلى أعداء الإسلام؟! وهذا ليس بالأمر السهل، إنه أمر خطير، فيقول: والله يا رسول الله ما كفرت بالله، وإني لأحب الله ورسوله، ولكن لي أولاد في قريش وليس لي أهل وعشيرة يدفعون عنهم، فقال الرسول ﷺ : (صدقت، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه، فقال النبي ﷺ : وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم؟! فدمعت عينا عمر بن الخطاب ﵁، وقال: الله ورسوله أعلم). فهذا موقف ضعف، ونحن لا نستطيع أن نحكم على مثل من يفعل فعل حاطب بنفس الطريقة، ولكن الذي نستدل به من الحديث: أن الكبار الذين استقر الإيمان في قلوبهم ولهم سابقة في الإسلام قد يقعون في أخطاء، فالمجتمع الإسلامي في صفوفه أشكال وألوان، والمسلم في مجتمع المسلمين يحب المسلمين، وسمة المسلم حبه للمسلمين، والمسلمون كالجسد الواحد، والمسلمون كالبنيان يشد بعضه بعضاً، يقول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

стр. 96

حسن الظن بالمسلمين ووجوب التثبت في الأخبار من جملة ما أحبه لنفسي ألا أنظر إلى الناس دائماً بمنظار أسود قاس، وكذلك لا ينبغي لي أن أنظر إلى الناس دائماً بمنظار قاتم، فالتهمة تحتاج إلى دليل وتحتاج إلى بينة، وبعض المسلمين يتهمون الآخرين بدون دليل وبدون بينة، وإنما بظنون وأوهام. كان يقال للرجل: أرأيت الشمس؟ فيقول: نعم، فيقال: على مثلها فاشهد، أي: إياك أن تشهد شهادة تقوم على ظن أو تحكم حكماً يقوم على ظن. وعرض المسلم مصون، ولا ينبغي للمسلم أن يقع في عرض أخيه بأقل أمر، وإنما ينبغي أن يصون عرضه، فلا يهمزه ولا يلمزه ولا يغتابه، ولا يطعن فيه بأمر قد يكون اجتهد فيه. وكثير من المسلمين لا يكاد يرى في فلان من المسلمين عيباً حتى يتهمه بأشنع الصفات، وهو رجل صالح، وقارئ للقرآن، وعارف بالله ، وليس معنى ذلك ألا نبصره بخطئه، وألا ننصحه فيما بيننا وبينه، فذلك من حقوق المسلم على المسلم، ولكن الكلام في عرضه في المجالس والمحافل، والتحدث عنه في كل مكان خطر ينبغي للمسلم أن يتأنى فيه. وينبغي للمسلم أن يتقي ربه، والرسول ﷺ يقول: (الربا بضع وسبعون شعبة، أهونها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) فأشد حرمة من الربا عرض الرجل المسلم، فإذا طعن المسلم في عرض أخيه، فذلك عند الله ذنب عظيم. قال الرسول ﷺ يوماً لأصحابه: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من ليس له دينار ولا درهم، قال: ولكن المفلس من يأتي بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وقد شتم هذا، وقد وقع في عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، ويأخذ هذا من حسناته ويأخذ هذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه، ثم ألقي في النار)، فهذا رجل أفلس، ثم زيادة على الإفلاس تأتي السيئات فتوضع فوق ظهره. ويصف الرسول ﷺ المسلمين بأنهم: (كالجسد الواحد)، وتصفهم الآية الأخيرة في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، فبين المسلمين مودة وتراحم وتناصح، ومع الكفار عداء، فلا يتحول هذا الحال إلى تقاطع وتدابر فيما بين المسلمين، فالمسلمون يحبون بمقدار ما فيهم من خير، والأعداء يكرهون لذواتهم، ومع ذلك نحب لهم الخير، ولكن هم في ذواتهم يكرهون؛ لأن الله يكره ويبغض الكفار، ونحن نحب ما يحب الله ونبغض ما يبغض الله، فلا نحب يهودياً ولا نصرانياً ولا مشركاً ولا ملحداً، ولو كان صديقاً أو أخاً أو أماً أو أباً: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]. ولا يمكن أن يجتمع في قلب امرئ حب الله وحب أعداء الله، فالله يبغض كل مشرك، ويبغض كل كافر لم يقم على التوحيد والإيمان والاستقامة والطاعة لله ، وإن كنا نحب لهم أن يسلموا ونحب لهم أن يؤمنوا وأن يهتدوا، فنحن نحب لهم الخير؛ ولذلك ندعوهم إليه. أما المؤمنون فنحبهم وحبنا لهم يتفاوت، فمنهم إنسان ضعيف في إيمانه، وإنسان قوي في إيمانه، فينبغي أن يكون الحب بمقدار هذا الخير الذي فيهم، وإن كان فيهم جانب شر فنكره هذا الجانب. وتجد بعض المسلمين اليوم لا يكاد يرى عاصياً من المسلمين إلا وقع فيه، وقد يصنفه مع الكفار، أو لا يرى أحداً من العاملين للإسلام وقع في خطأ في عمله إلا ويجعله عدواً للمسلمين، عميلاً لأمريكا أو عميلاً لروسيا! فلا يجوز أن تكون الأمور بهذا الشكل، ولا أن تقوم الأمور بهذا الشكل، فقد كان هناك أخطاء وقع فيها الصحابة والرسول ﷺ بين أظهرهم، فكانوا يقعون في أخطاء ليست كبيرة، ولا يخرجهم هذا من الصف الإسلامي، ولا يخرجهم من مجتمع المسلمين.

стр. 97

قياس الأمور بمقياس الإسلام يحفظ وحدة المسلمين إن قياس الأمور بمقياس الإسلام أمر مهم يحفظ وحدة المسلمين، وإلا سيحل بالمسلمين -بدل التحاب والتواد الذي ينبغي أن يسود صفوفهم- التقاطع والتدابر والفتن التي تقطع ما بين المسلمين، فيتدابر المسلمون ويتنافرون ويتعادون، وقد يقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، ويسفك بعضهم دم بعض، كما حدث في التاريخ الإسلامي لأسباب تافهة ليست حقيقية. وليس معنى هذا أن نسكت على الخطأ، فنحن نحب المسلم ونذكره بخطئه، نحبه ونكره ما فيه من خطأ، ونكره ما فيه من معصية، والمسلم لا يكون صافياً في كل أحواله إلا ما شاء الله، وما أقل الرجال الذين يبلغون الكمال، فنحن نود للمسلمين الخير، ونحب لهم الخير، ونبين لهم ما فيهم من خطأ وقصور ونقصان، وننصحهم، وعند ذلك نتآلف ونتحاب ونتواد، ويصبح بعضنا رحيماً ببعض، ويصبح بعضنا ولياً لبعض، وعند ذلك تكون للمسلمين مسيرة مباركة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

стр. 98

كم من مريد للخير لا يدركه الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله. مر أبو موسى الأشعري ﵁ بقوم في مسجد الكوفة يسبحون ويذكرون الله وبين أيديهم أكواماً من الحصى، وعلى رأس الحلقة رجل يقول: سبحوا مائة! فيسبحون مائة، هللوا مائة! فيهللون مائة، احمدوا مائة! فيحمدون مائة، فذهب إلى عبد الله بن مسعود وكان من فقهاء الصحابة، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد شيئاً أنكرته، ولم أر -والحمد لله- إلا خيراً، قال: ماذا رأيت؟ قال: رأيت في المسجد أقواماً حلقاً، وعلى كل حلقة رجل يقول: سبحوا مائة! هللوا مائة! كبروا مائة! فيكبرون ويعدون بالحصى، فقال: هلا قلت لهم: عدوا خطاياكم، وأنا ضامن ألا يضيع الله من حسناتكم شيئاً، انطلق بنا إليهم، فلما وقف على رءوسهم قال: ماذا تفعلون؟! قال: نسبح الله ونذكر الله، قال: عدوا خطاياكم وأنا ضامن ألا يضيع الله من حسناتكم شيئاً، يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم في الحق! هذه ثياب رسول الله لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده لأنتم على ملة هي أهدى من ملة رسول الله؟ أو أنكم مفتتحو باب ضلالة. أي قال لهم: إن العهد بالنبي ﷺ لا يزال قريباً، ونحن صحابته، وثيابه موجودة، وآنيته موجودة، ولم يطل العهد بيننا وبينه، وهذا الذي تفعلونه لم يكن الرسول ﷺ يفعله، فما كان يجلس أبو بكر وعمر والصحابة مع الرسول ﷺ ، ثم يقول لهم: عدوا فيعدون، بل كانوا يسبحون، كل واحد يعد لنفسه، سبح الله ثلاثاً وثلاثين، واحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وقل تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وللإنسان أن يسبح وحده بدون أن يعد، فقال لهم ابن مسعود: أنتم بين أمرين: إما أنكم على ملة هي أهدى من ملة رسول الله، وهذا احتمال، وهم ليسوا على ملة أهدى من ملة رسول الله، إذاً الواقع هو الاحتمال الثاني: أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: يا أبا عبد الرحمن! والله ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لا يدركه. ولأجل هذه الكلمة الأخيرة سقت هذه القصة، فبعض الناس يريدون الخير ولكن لا يبلغون الخير ولا يسلكون سبله، فقد يقصد الخير وينويه ولكن لتحقيق الخير لا يفعل الخير، لأنه لا يأخذ الأمر من بابه الذي شرعه الله ، وهذا سيؤدي إلى فساد عمله بدل أن يقبل؛ لأنه لم يترسم المنهج الإسلامي ترسماً جيداً. وأبواب الخير واسعة، يقول العلامة ابن القيم ﵀: هذه الشريعة كأنها شرائع لسعتها؛ ولذلك فتحت أبواب الخير، وهي أبواب واسعة في العبادات وفي الصلاة وفي الصدقة وفي الصيام وفي الإكثار من الحج وفي الإكثار من العمرة وفي الإكثار من الذكر وفي الإكثار من الجهاد في سبيل الله، وكل إنسان يأخذ الخير الذي يتناسب معه، فمنهم من يحب الجهاد، ومنهم صاحب المال الذي ينفق ولا تنقطع نفقته، ومنهم الذي تحبب له الصلاة، ومنهم الذي يحبب له قراءة القرآن، ومنهم الذي يحبب له الذكر، أبواب الخير كثيرة ولكن في بعض الأحيان تضيق السبل على الناس فيبتدعون في الدين، أو يركبون المركب الصعب. العلم بابه واسع وطرقه معروفة، وبعض الناس يتمحلون في العلم، فلا يذهب ليفهم العلم من أبوابه التي بينها الرسول ﷺ ، ولكن يأخذ بصعاب المسائل. حُدَّث عمر بن الخطاب ﵁ عن رجل يسمى صبيغ وهو بدوي، وكان لا يسأل إلا عن المسائل الكبيرة والمشكلات، فقال: اللهم مكني من هذا الرجل، فبينما هو جالس بباب داره إذا بالرجل يسأل عمر، فقال عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ قال: انتظر في الباب، فدخل وجاء بعراجين النخل وضربه على رأسه حتى أوجعه وأدماه، فقال يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد أن تذهب ما في رأسي فقد ذهب والله وإن كنت تريد أن تقتلني فأنت وذاك، فنفاه إلى الكوفة أو البصرة، وأمر الناس ألا يجالسوه وألا يتحدثوا معه، حتى اشتد الأمر عليه وأرسل والي عمر أن قد صلح حاله، فأذن للناس في أن يخاطبوه ويجالسوه، بعد أن أدبه لسلوكه مسلكاً صعباً يضر بالمسلمين ويشتت جهودهم. كذلك الذي يتخذ سبيل الفتنة بين الناس، فهذا مسلك صعب يفرق المسلمين، وسبل الخير كثيرة، وتنقضي أعمار الناس وتنقضي الحياة وأبواب الخير لم تنفد، وتنتهي حياة الناس والشر واضح وبين، وقد أخبرنا الله عن الطواغيت والظلمة والفجرة، وأنواع الشرك، وأنواع الذنوب والمعاصي، وتنتهي حياة الإنسان وهو لم يستطع أن يغير فيها إلا القليل، ثم يأتي المسلمون يسلكون سبلاً تبتعد بهم عن المنهج السليم! لذا فينبغي للمسلمين أن يرفقوا بأنفسهم، وأن يتذكروا وقوفهم بين يدي ربهم ، فكلنا ملاق الله ، والسعيد هو من جاء وهو طاهر ونظيف لم يخض في دماء المسلمين، ولم يخض في أعراض المسلمين، ولم ينتهك حرمات المسلمين، ولم يطعن ولم يغتب ولم ينم، وجاء وقد جاهد وأصلح بقدر وسعه وأنفق بقدر وسعه، وطرق أبواب الخير وأغلق أبواب الشر، فذلك الذي يرجى أن يكون من المحسنين. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب سميع.

стр. 99

مزرعة الآخرة لقد حث الله على ذكره وأمر بطاعته، وأخبر النبي ﷺ أن الدنيا مزرعة الآخرة، فعلى العبد أن يستغل أوقاته وعمره في طاعة الله قبل أن يفوت الأوان، وتنتهي الأيام، فيندم العبد على ضياع عمره، وفناء شبابه، وضياع وقته في غير طاعة الله .

стр. 100

سؤال العبد عن حياته وعمره إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فهاهو الشهر الفضيل شهر رمضان يميل ميزانه، فبالأمس كنا نستقبله، ونحن اليوم نقضي آخر أيامه الوسطى، ويدخل الثلث الأخير من هذا الشهر الكريم. ثم ستأتي لحظات من عمر الزمن ونقول: هذا هو اليوم الأخير من رمضان، وهكذا هي الدنيا بأيامها ولياليها وشهورها وسنواتها تنقضي وتمضي سريعاً، فبينما كان الإنسان في الطفولة إذا هو في الشباب، إذا هو في المشيب، ثم تغرب به شمس العمر، ويوارى في التراب، والعاقل هو الذي يستغل لحظات العمر، يستغل هذه الليالي والأيام، وهذه الشهور والسنوات، فلا يجعلها تمضي هكذا هباءً، بل يستفيد منها، ويجعلها مزرعة للآخرة، فإن الإنسان يخسر خسراناً مبيناً إذا ما ضيع عمره عندما يخرج من الحياة، ويحسب ما استفاده من عمره فلا يجده يساوي أياماً أو شهوراً، فيكون عاش طويلاً، واستفاد قليلاً، وكما يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (خيركم من طال عمره وحسن عمله) وإحسان العمل: بأن تكون في هذه الدنيا كما يريدك الله ﵎، فتقضي هذه الأيام والليالي كما يريدك الله . واعلم أننا سنقف يوماً بين يدي الله أنا وأنت والبشر جميعاً، فيسألنا عن أعمارنا، ويسألنا عن شبابنا وأيامنا وليالينا، وعن كل لحظة مرت من عمرك كيف مرت؟! وفيم قضيتها؟! ولن تتحرك قدماك من المحشر إلا بعد أن تسأل عن عمرك: كيف أمضيت هذا العمر؟! وعن شبابك: كيف أبليت هذا الشباب؟! وعن مالك: من أين اكتسبته؟ وفيم أنفقته؟ وعن علمك ماذا عملت به؟! تسأل في الجملة عن العمر وخاصة مرحلة الشباب والقوة والفتوة والنشاط، فأنت مسئول عن أيامك التي تعيشها في الدنيا كيف قضيتها؟! فمن الناس من يقضيها فيما هو خير، ومن الناس من يقضيها فيما هو شر، ومن الناس من يضيعها بلا قيمة، فبعض الناس لا يكسب فيها أجراً ولا يكسب فيها وزراً، لكنها ضاعت هباءً منثوراً، ولم تحسب في صحيفة أعماله. وبعض الناس يطوق عنقه بالذنوب والمعاصي فيوبق نفسه، قال ﷺ : (كل الناس يغدو -والغدو: هو الخروج في الصباح- فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) فكل الناس يصبح ويغدو، ثم بعد ذلك تعمل أنت إما في هذا الاتجاه وإما في هذا الاتجاه.

стр. 101

أهمية اغتنام الأوقات في الطاعة ولقد جاءنا الإسلام ليبين لنا كيفية استغلال مثل هذه الأوقات حتى لا تذهب سدى، وقال لنا: إن دنياكم زائلة، وتمتعكم فيها محدود، وستنتهي، والشيء الذي يبقى من أعمالكم هو ما أريد به وجه الله ﵎. ومن ذلك: هذه الصلاة التي تصلونها، فإن أجرها عظيم، وثوابها كبير، وأفضلها الفرائض وخاصة إذا أديت في بيوت الله ﵎، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، طرفي النهار: في الصباح والظهيرة ثم في العصر. (وزلفاً من الليل): المغرب والعشاء. ثم قال: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، فهذه الصلوات تغسلك وتطهرك، ثم بعد ذلك نوافل العبادات، فالسنن الراتبة فيها أجر كبير، وثواب عظيم، وكذلك قيام الليل حيث يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٦].

стр. 102

عبادة سيد المرسلين ﷺ ثم يقول الله ﵎ في ختام سورة المزمل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل:٢٠] فعباد الرحمن يبيتون لربهم سجداً وقياماً. وكان الرسول ﷺ ينام ثلث الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، يقوم من الليل يصلي يقرأ القرآن، ويناجي ربه ﵎ استغلالاً للوقت. كذلك: قراءة القرآن في الليل والنهار، قال الله تعالى: ﴿الَّذِيْنَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١]، فاشغل هذا اللسان الذي ستسأل عنه يوم القيامة بذكر الله، فقد تتكلم بالكلمة من رضوان الله فيرفعك الله بها في الجنة درجات لا تتخيلها، وقد يتكلم العبد كلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً، فاستغله فيما يعود عليك بالخير والنفع وخاصة ذكر الله، وذكر الله يكون وأنت قائم، وأنت ماش، وأنت متحرك، وأنت جالس، وأنت في سيارتك، وأنت في بيتك، وأنت مضطجع على فراشك: (كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه واضطجع على جنبه الأيمن قال: باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه، اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين). وكان يقرأ المعوذتين، وآية الكرسي، وإذا قام يصلي من الليل ذكر الله ﵎، ودعا الله ، وقرأ آيات من القرآن، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي، وكان صحابة الرسول ﷺ يعدون للرسول ﷺ في الجلسة الواحدة أكثر من سبعين استغفاراً في الجلسة الواحدة، وكان يقول الرسول ﷺ : (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة) أي: يكثر من ذكر الله ﵎. وقد علم المسلمين ألواناً من الذكر والدعاء والاستغفار، وهي موجودة في كتب الأذكار التي جمعها العلماء، وبين ما فيها من الأجر العظيم، أجر لا يتخيله العباد، فيستغل المسلم وقته. وبعضنا يضيع أوقاتاً هائلة كان يمكن أن يحول هذه الأوقات إلى ثروات، وأنت خارج إلى عملك تستغرق كل يوم وأنت ذاهب وآيب نصف ساعة أو ثلث ساعة، وبعض الإخوة ساعة من الزمن، وهذه الساعة لا تستطيع أن تعمل فيها شيئاً، فهي ضائعة من عمرك إلا إذا كان الإنسان نبيهاً فيستغلها في قراءة القرآن أو في ذكر الله ﵎. فكم من إنسان يذهب إلى عمله في مدة ربع ساعة أو ثلث ساعة أو نصف ساعة ويعود إلى البيت في نصف ساعة، ولو شغل لسانه بذكر الله ﵎ فكم ينال من الأجر؟ سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، يملأ أجرها ما بين السماء والأرض، فكم مرة تقولها وأنت ذاهب إلى عملك أو راجع منه؟! فلو أحسنا استغلال هذه الأوقات لأتينا يوم القيامة وعندنا حسنات أمثال الجبال.

стр. 103

أعظم الذكر وأعظم الذكر قراءة القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤]، فهذا القرآن ذكر يذكرك بالله، ويذكرك بيوم القيامة، يذكرك بما ينفعك في الدنيا والآخرة، ويحذرك مما يضرك في الدنيا والآخرة. وقراءة القرآن نعيم للقلب، وراحة للنفس، واستقامة في العمل، وهو حبل بينك وبين الله ﵎، حبل ممدود من السماء، طرفه في يدك وطرفه الآخر عند الله ﵎، وخير ذكر الذاكرين أن يقرءوا هذا القرآن، فهو كلام الله ﵎، به عزهم، وبه خيرهم وصلاحهم، وأجره عظيم، وثوابه جزيل. واشغل أذنيك بالخير، واستمع إلى الذكر والعلم، وائت بيوت الله إذا كان فيها مجالس للعلم والذكر -لا أقصد الذكر هذا الذي يفعله بعض الناس حيث يجتمعون على قراءات ما أنزل الله بها من سلطان- لكن أقصد دروس العلم، وتفسير كتاب الله، وقراءة أحاديث الرسول ﷺ ، وبيان سيرة الرسول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وما يعظ به العلماء المسلمين، فهذه هي حلق العلم ورياض الجنة التي تقرب إلى الله ﵎، قال ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) أي أجر هذا؟ وأي ثواب هذا يغفل عنه الغافلون، وتضيع أعمار الناس ولم يستفيدوا منه، ولم يتقربوا به إلى الله ﵎؟ وأي أجر أعظم من أن تدعو إلى الله فيهدي الله بك قريبك وجارك وصاحباً لك، ويهدي بك زميلاً في العمل قال ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). فهي ميادين لا ميداناً واحداً تستطيع أن تتقرب فيها إلى الله ﵎، وتشغل بها هذا العمر حتى لا تتندم عندما يأتينا الموت، وعندما نقف بين يدي الله، وعندما نرى النعيم أو العذاب، عندما يأتي الموت كل إنسان فيقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، فهذه الفرصة لا تعوض، بل إنها تنتهي عندما يأتي الموت، فتنقطع التوبة، ولا يقبل الإيمان إذا غرغر العبد، فإنه يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. ولذلك فليبادر المذنب بالتوبة فلا يدري متى الموت، وليبادر المسلم بالعمل فقد يفجؤه الموت، فالموت لا تدري متى لحظته، بل إن هناك رجالاً يموتون في شرخ الشباب، في الفتوة والقوة؛ فالموت لا يعرف غنياً ولا فقيراً، ولا قوياً ولا ضعيفاً، يأتي فجأة ولا تدري متى يفجؤك الموت. فحتى لا يتندم الإنسان فعليه أن يستغل أوقاته في طاعة الله، وحتى لا يفجؤه الموت فيتمنى على الله بعد تلك الساعة أن يمتد به العمر ساعة، ولا يستأخر الإنسان ساعة ولا يستقدم إذا ما جاء الأجل الذي أجله الله. كذلك: عندما يكون الإنسان في المحشر فيرى الأجر العظيم، والثواب الجزيل للأعمال الصالحة، ويرى الذنوب والمعاصي كالجبال، ففي ذلك اليوم يتمنى لو أنه عمل من الخير كثيراً ولم يضيع أيامه وسنواته فيما لا يفيد. حتى إن أهل الجنة -لولا رحمة الله ﵎ يموتون كمداً؛ لأنهم لم يستكثروا من عمل الخير، ولكن الله يرحمهم فما بالك بأهل النار الذين ألقوا فيها بجرائمهم كيف يكون ندمهم؟! يبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون دماً حتى تنقطع الدماء، وتحفر دموعهم ودماؤهم أخاديد في وجوههم لكثرة جريانها، فانظر! كيف يكون ندمهم؟! وكيف تكون حسرتهم؟! بل إن الموتى الذين في قبورهم أحياناً يتألمون عندما يسمعون رجلاً يذكر الله أو رجلاً يصلي؛ لأنهم لا يستطيعون أن يذكروا الله، ولا يستطيعون الصلاة فيستزيدون. فنحن لا نزال في الفرصة، ولا نزال في المهلة، لنستغل هذه الأيام الباقية من هذا الشهر، وهذه الأيام الباقية من أعمارنا قبل أن تضيع الفرصة، وفي كل يوم يغادر منا أشخاص يذهبون إلى مصيرهم، وسيأتي اليوم الذي نكون فيه نحن المغادرون، فلنستغل الفرصة قبل أن يأتي دورنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

стр. 104

شعار المؤمن الدائم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله. وبعد: فإنه ينبغي أن يكون شعار المسلم دائماً وأبداً: استقامة وعبودية لله ﵎ حتى الموت، هذا شعار ينبغي أن يرفعه المسلم، وأن يأخذ به على نفسه، وقد أدب الله به صحابة رسوله ﷺ ، فقد جاهد الأولون من المهاجرين والأنصار جهاداً مشكوراً، وقدموا لأنفسهم ولدينهم خيراً كثيراً، وقال من الأنصار من قال عندما أعز الله دينه: الآن نستطيع أن نستثمر أموالنا، وأن نعود إلى مزارعنا بعد أن نصر الله دينه وأعز كلمته؛ فنحن أهملنا بساتيننا وتجاراتنا، فالآن نستطيع أن نرجع إليها، فننمي أموالنا، ونحفظ أشجارنا وزروعنا وثمارنا، فقال رب العزة منكراً على من فكر هذا التفكير: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] قال أبو أيوب الأنصاري: فكانت التهلكة في ترك الجهاد. يقول أبو أيوب الأنصاري هذا الكلام للمسلمين على أسوار القسطنطينية، وهو شيخ كبير جاوز السبعين من العمر، لحيته بيضاء، وشعره أشيب، ومع ذلك يمسك بالسيف هناك في أسوار القسطنطينية ويعلم المسلمين هذا الدرس: وهو أن هذه الآية نزلت فيهم معشر الأنصار عندما أرادوا أن يتجهوا إلى تثمير أموالهم، وحفظ بساتينهم، فنبههم الله ﵎ وقال لهم: هذه هي التهلكة؛ لأنكم بذلك تتركون لعدوكم مجالاً أن ينتصر عليكم ويغلبكم، وأن يقهركم ويذلكم، هذا بالإضافة إلى الخير العميم الذي سيفوتكم، والجزاء الكبير من وراء ترك الجهاد. فقه أبو أيوب وصحابة الرسول ﷺ هذا الدرس فحملوا هذا الشعار: عبودية استقامة جهاد حتى الموت. ومات هناك وتوفي على أسوار القسطنطينية، وتفرقت جثث أصحاب رسول الله ﷺ في شتى بقاع الأرض: في بلاد الشام، في مصر، في جنبات أفريقيا، في الأندلس، فإلى كل مكان وصل المسلمون بغزواتهم، وترك الصحابة بصماتهم، ولا تزال قبورهم في شتى بقاع الأرض. فهو درس فقهه الصحابة بعد أن بينه الله ﵎ لهم، وينبغي أن يحمل المسلمون هذا الشعار إلى أن يلقوا الله ﵎. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات. أقول قولي هذا، وأقم الصلاة.

стр. 105

اليوم الآخر إن الإيمان باليوم الآخر فارق بين عباد الله الموحدين وبين الكفار، وهو من سمات أهل الإيمان، والإيمان به سبيل المفلحين، ولقد أنكر بعض الطوائف البعث والجزاء والحساب قديماً وحديثاً، فجاء القرآن ليجلي لعباده الحقيقة ويقيم الحجة في بيان قدرته تعالى على البعث بعد الموت، ونوع الأدلة في إثبات ذلك، فاستدل القرآن على ذلك بخلق الإنسان، وإحياء الأرض بعد موتها، وخلق السماوات والأرض.

стр. 106

أثر الإيمان باليوم الآخر على المسلم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن الإيمان باليوم الآخر هو مفترق الطريق بين المسلم والكافر، فسمة المسلم وعلامته أنه ينظر في كل أعماله وأحواله وتصرفاته إلى ذلك اليوم، فهو يريد بعمله أن يتقرب إلى الله ، وأن ينال رحمة الله ، وأن يدخل جنة الله ، ويبتعد عن كل محرم نُهي عنه خوفاً من الله ، وخوفاً من ناره وعذابه؛ ولذلك وصف الله المؤمنين بأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه. ولشدة تأثير الإيمان باليوم الآخر في نفس المسلم وصف الله هذا اليوم وصفاً دقيقاً، وفصله رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه تفصيلاً بيناً، كأنك تراه أمام عينك؛ ولذلك فإن هذا اليوم حي في نفس المسلم دائماً، فهو يطرأ له عند منامه، وعند قيامه، فيعيش بين الناس منفرداً وحده. وقد عد الرسول ﷺ الذي يبكي منفرداً خائفاً من الله ومن غضبه أحد الأصناف الذين لا تمسهم النار، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقال: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، وقال: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله).

стр. 107

سبب إنكار الكافر للبعث إن الكفار والفجار والمجرمين لا يريدون أن يستقيموا على هذا المنهج؛ لأنهم يرون أن في هذا المنهج تقييداً لفكرهم وأعمالهم، ويرون في ذلك ضياعاً للمتع والشهوات التي يظنون أن فيها خيراً لهم وسعادة؛ ولذلك هم يكفرون بهذا اليوم. أما الذين بعث فيهم الرسول ﷺ فقد كانوا يستبعدون هذا اليوم لقضية أشكلت عليهم، وهذه القضية لا تزال تراود كثيراً من الناس، كيف يعود الإنسان حياً سميعاً بصيراً متحركاً بعد أن وضع في التراب، وبعد أن تقطعت أجزاؤه، وأصبح لحمه رماداً، وبعد أن تبلى عظامه؟ فكيف يبعث مرة أخرى؟ هذه قضية أشكلت على عقول الناس، وقد ناقشها القرآن كثيراً، فإن كثيراً من الناس لا يؤمن بالبعث والنشور، كثير من الناس يؤمنون بوجود الله أي: يصدقون بوجوده، وأنه خالق الكون وخالق الإنسان، ولكنهم لا يصدقون بالبعث بعد الموت، فما السر في ذلك؟ يقولون: كيف يبعث الإنسان بعد أن بلي، قال الله: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠]، وتقول العرب: ضل الملح في الطعام إذا غاب فيه، أي: فني فيه، والمعنى: إذا غبنا في الأرض، وأصبحنا جزءاً منها، وبليت عظامنا ولحومنا، وتحولنا إلى تراب؛ أبعد ذلك يكون هناك خلق جديد؟ قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]. جاء أحد كفار مكة بعظم بالٍ متفتت وسحقه في يده ثم نفخه في وجه الرسول ﷺ وقال: يا محمد! أتزعم أن الله يحيي العظام بعد أن أصبحت رميماً؟ فقال: (نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك النار)، وأنزل الله قوله جل وعلا: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٨ - ٨٠]. وهذه الشبهة تحتاج إلى بيان وإيضاح، ونحن بحاجة إلى أن نتبينها كي نستطيع أن نرد على الذين ارتابت قلوبهم وتشككوا في البعث نتيجة لهذه الشبهة.

стр. 108

أنواع الأدلة التي ذكرت في القرآن للرد على منكري البعث

стр. 109

خلق الإنسان فالملحدون بالكلية وهم الذين لا يصدقون بوجود الله قضيتنا معهم قضية إثبات وجود الله ، وكلامنا هنا مع غالب البشرية الذين يصدقون بوجود الله، ولكنهم يشركون بالله، أو يستبعدون قدرة الله على إعادة الأجساد مرة أخرى، وهؤلاء ناقشهم الله بعدة أنواع من الأدلة، فمن ذلك هذه الآية التي يذكرهم الله بدليل هو أنفسهم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨]، فالذي يقول بهذه المقالة ويريد الدليل، نقول: أنت -أيها السائل- دليل على البعث، فالله أنشأك من عدم، كلنا عندما يحسب عمره ثم يقدم على أول عمره سنة أو سنتين يعلم أنه كان عدماً، قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] أي: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، سواء كان هذا الإنسان آدم قبل أن يخلق أو كل واحد منا، فكلنا قبل أن يخلق في بطن أمه كان عدماً، فأنت -أيها السائل- دليل على قدرة الله على البعث والنشور، فالذي أنشأ هذا الإنسان من عدم بعد أن لم يكن موجوداً قادر على إعادته، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]. وقد استقر في فطرة الناس أن الإعادة أسهل من البداءة، فالذي صنع شيئاً يسهل عليه أن يعيده أو يعيد مثله، فهنا يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. فالله أنشأ الناس من العدم، وخلق هذا الخلق السوي بهذه الحواس المتكاملة، وبهذا القلب النابض، وبهذا الفكر الواعي، وبهذه الأحاسيس والمشاعر، وقد أوجدها الخبير العليم البصير القدير القوي القاهر القادر، فإذا قال: أنا سأحييهم مرة أخرى بعد موتهم؛ فليس في ذلك غرابة؛ لأن من صنع أول مرة قادر على أن يعيد الإنسان مرة أخرى، كما قال جل وعلا في سورة أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥]، وهذا هو الخلق الأول آدم ﵇، خلقه من تراب، والتراب جماد لا حياة فيه، والتراب أصبح طيناً، والطين صلصالاً كما في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦]، وقال: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١]، بل وشكله الله بيديه كما قال لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ثم نفخ فيه من روحه، فدبت فيه الحياة، فأصبح حياً سميعاً بصيراً متكلماً، أما قبل ذلك فقد كان عدماً لا شيء، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥]، فالذي حول التراب إلى حياة قادر على أن يعيد ذرات الإنسان بعد أن تضل وتغيب في الأرض، وقادر على أن يجمعها مرة أخرى، فالأمر أمره، والقول قوله، والحكم حكمه، ونحن لا نقيس قدرات الله على قدراتنا، فمن هنا جاء الخطأ، فالإنسان لا يستطيع أن يفعل ذلك؛ أنها قدرتي وقدرتك وقدرة البشر، أما قدرة الله فغير ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥] هذا هو الخلق الأول، ثم بعد ذلك تسلسل البشر. ومما أخبرنا الله به أيضاً: أن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذه معجزة أخرى؛ لأن جزءاً من حي خلق منه امرأة، ثم تسلسل بقية الناس من ذكر وأنثى إلا ما كان من عيسى فإنه خلق من أنثى بلا ذكر.

стр. 110

إحياء الأرض بعد موتها قال تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج:٥]، وهذا دليل آخر، فالأرض اليابسة الجامدة التي لا حياة ولا نبات فيها، بل ونمر بها وهي قاحلة جرداء، وتمر عليها الرياح فتثير غبارها، وتعصف برمالها، ((وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ))، ثم عندما تمطر عليها السماء إذا بها تتشقق وتخرج نباتها صغيراً يكبر وينمو، ويزهر ويعطي، حتى يكون بهجة للناظرين، فأين كانت هذه الحياة؟! كانت الأرض ميتة، وما فيها ميت، فعندما جاء المطر أحياها الله، ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]، ثم عقب الله على هاتين الآيتين فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الحج:٦]، فالذي ابتدأ خلق الإنسان وكوَّنه من عدم بعد أن لم يكن موجوداً، وأحيا الأرض بعد موتها؛ قادر على أن يحيي الموتى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦]. فقدرة الله لا يعجزها شيء، سواء في الابتداء أو في الإعادة، ثم قال: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧]، (وأن الساعة آتية) أي: قادمة لا شك فيها. فالذي أحيا الأرض بعد موتها، وخلق الإنسان من عدم؛ قادر على إحيائه مرة أخرى، وذلك قوله ووعده ، فقدرة الله نشاهدها في الحياة، ونشاهدها أمامنا في كل ثانية في هذا الوجود، ففي كل لحظة يأتي إلى الدنيا عشرات وألوف وملايين الأحياء، هذا إذا عددنا الطيور والحيوانات عدا الإنسان. فكل حياة تحيا من جديد فإنما هي معجزته، فلا يستطيع أحد أن يدعي أنه الذي أوجدها وصنعها، الله هو الصانع وحده، وهو الموجد، وهذا الصانع الموجد سيعيد الناس ويحييهم مرة أخرى.
следующие страницы →