Полный текст (531 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
القرآن سبب العزة والرفعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
إن في عمر البشر، وفي عمر الأفراد، وفي حياة الأمم عبر تاريخها مناسبات غالية على النفوس، يحاول البشر أن يحيوا هذه المناسبات بأشكال مختلفة تعبيراً عن فرحتهم بهذه المناسبة.
ومن هذه المناسبات: ذكرى انتصار في معركة، أو ذكرى قائد فذ في تاريخ الأمة، أو ذكرى حادثة معينة، وكل أمة تحتفل في أعيادها بما يناسب توجهاتها.
وإن في تاريخ هذه الأمة ذكريات لها أثر كبير، ومناسبات عظيمة من أعظمها إن لم يكن أعظمها تنزل هذا الكتاب الذي صنع هذه الأمة، فصحح عقيدتها، وزكى فكرها، وأصلح سلوكها، وأقام علاقاتها.
إن تنزل هذا الكتاب من أعظم الأحداث، لا أقول في تاريخ الأمة فحسب، بل في تاريخ البشرية أجمع، فرب الكائنات ينزل كتاباً هو كلامه، على رجل من البشر يختاره، لكي يصنع هذه الأمة، بل ليكون رسالة للبشرية جميعاً؛ ولذلك حمد الله ﵎ نفسه، وأثنى على نفسه؛ لأنه أنزل هذا الكتاب فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، إنها نعمة تستحق أن يحمد الله ﵎ عليها.
وأخبر أن هذا الكتاب هو عز هذه الأمة فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠] أي: فيه عزتكم.
أترون أن هذه الأمة التي كانت تعيش في مجاهل الصحراء الشاسعة في الجزيرة العربية، كان سيكون لها ذكر لو لم ينزل عليها هذا الكتاب؟ هل رعاة الإبل الذين كانوا يتصارعون على لقمة العيش يخرج منهم القواد الذين دوخوا العالم، ورفعوا هذا الكتاب عالياً لتهتدي به البشرية؟ ((لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ)) أي: فيه عزتكم ورفعتكم في الدنيا وفي الآخرة.
من تلك الأمة المشتتة أخرجت خير أمة أخرجت للناس، تحكم الأرض بميزان السماء، وتقيم من البشر أنموذجاً ينافس ملائكة السماء، وإن الله ﵎ في كثير من المواقف كما أخبر رسولنا ﷺ يباهي ملائكة السماء بأفراد من البشر.
стр. 142
شهر التغيير
لقد جعل الله ﵎ الشهر الذي أنزل فيه هذا الكتاب خير الشهور، والليلة التي أنزل فيها خير الليالي.
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فكان شهر رمضان خير الشهور؛ لأن الله أنزل فيه كتابه، بل كما في الحديث أن جميع الكتب السماوية أنزلت في هذا الشهر: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن.
وكانت الليلة التي أنزل فيها القرآن خير الليالي: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١ - ٣].
إن هذا الشهر الكريم يذكر المسلمين بعزهم الذي فقدوه، ومكانتهم التي هبطوا عنها، وبدورهم الذي تنكبوا عنه، فمناسبة هذا الشهر الكريم تأتيهم لتقول لهم: اغسلوا ذنوبكم، اغسلوا آثامكم، ارتبطوا بكتابكم، ارتفعوا إلى المستوى الذي يريده ربكم.
هذا الشهر لا نفرح فيه كما يفرح البشر بأعيادهم: يطلقون الصواريخ، ويلعبون، ويرقصون، ويهزجون، إنه نمط آخر من الأفراح، إنها أفراح الروح يلجأ فيها المسلمون إلى ربهم، ويهذبون هذه النفوس التي رانت عليها أقذار الذنوب، وغشتها المعاصي، يتبتلون إلى الله بالصيام، ويتبتلون إلى الله بالقيام، ويتبتلون إلى الله بقراءة القرآن، ويصلون ما انقطع بينهم وبين الله من حبال، ويرتفعون مرة أخرى.
يأتيهم هذا الشهر ليذكرهم بكل شيء، يذكرهم أنهم هم الأمة التي أنقذها هذا الكتاب، ليذكرهم أن منهج هذا الكتاب غير منهج روسيا وأمريكا وهيئة الأمم ومجلس الأمن، بل فيه أحكام إلهية، وتشريعات ربانية، غير ما جاء به علماء الشرق وعلماء الغرب والفلاسفة من قوانين ونظريات فاسدة كالنظريات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، التي هي كموج البحر تغشى عقول المسلمين وتغطي قلوبهم.
هذا كتاب من نمط فريد، ضيعه المسلمون وجعلوه وراء ظهورهم، يأتي هذا الشهر ليقول: ابتعدتم كثيراً، نسيتم الله فأنساكم أنفسكم، نسيتم الله فضاعت دياركم، وانتهب الأعداء بلادكم وأرضكم وأموالكم، يا مسلمون! هذا كتاب ربكم أنزل في هذا الشهر فاستمدوا منه الهداية، وعودوا مرة أخرى، اغسلوا هذه الذنوب التي وقفت حوائل وحجباً وحواجز بينكم وبين الله ﵎.
وفي هذا الشهر الكريم يضاعف الله أجر العبادة وثوابها وخيرها وعطاءها، وتغل فيه أيدي الذين يبعثون الشر من الشياطين المردة، فيتدفق النور والضياء إلى قلوب البشر لعلهم يهتدون، وهذه فرصة قد لا ندركها مرة أخرى، كم من رجال كانوا معنا في رمضان الفائت، ثم اليوم قد طواهم الردى وهم تحت التراب، ولعل بعضنا قد لا يدرك هذا الشهر في سنة أخرى، فعلى المسلم أن ينتهز هذه الفرصة.
ومن هنا دعا الرسول ﷺ بالخسران على من أدرك رمضان ثم خرج رمضان ولم يغفر له فقال: (رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه)، وأحد الثلاثة الذين رغمت أنوفهم (من أدرك رمضان ولم يغفر له) وقال ﷺ : (رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إذا ما اجتنبت الكبائر)، فهو كفارة لما بينهما، أجر عظيم تحدثت عنه النصوص، وثواب جزيل قد لا ندركه مرة أخرى.
فليعزم المسلم على أن ينتهز هذه الفرصة فيستغل أيام هذا الشهر ولياليه وساعاته وأوقاته في التقرب إلى الله ﵎، في أن يحط عن ظهره الذنوب والآثام والخطايا التي أثقلت ظهره، ويتخفف منها كي يجوز عقبات الطريق وهو يغادر الدنيا إلى الآخرة، وهو يبعث من قبره، وهو يقف بين يدي ربه، وهو يجوز الصراط، ليتفكك من ذنوبه وآثامه، ويكثر من حسناته ويقلل من سيئاته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 143
شهر الرحمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
إن هذا الشهر ينبغي أن يكون انطلاقة لإصلاح النفس الإنسانية وتهذيبها، وتدريبها على فعل الخير، وإحياء شعور المسلمين بأنهم كالجسد الواحد، فينظر إلى مآسي المسلمين وأحوالهم، وينظر إلى هذا الغثاء الذي يعشش هنا وهناك في نفوس المسلمين؛ فيوطن النفس على أن يكون دائماً صوت إصلاح وصوت هداية وشعلة خير.
لا تدري ما الذي يرجح في ميزان حسناتك يوم القيامة؟ قد يرجح بها تمرة، أو شق تمرة، وقد يرجح بها درهم، أو فعل خير، أو كلمة تقولها، أو دعوة تدعو بها، أو هداية لضال، أو سد جوعة لجائع، وحث الناس على أن يتحاضوا على الخير، يحض بعضهم بعضاً، ويتواصوا به، فيحض بعضهم بعضاً على إطعام المسكين والفقير، ويكونوا إخوة فيما بينهم يمثلون جسداً واحداً وبناءً واحداً متلاحماً، وهذه صفة المسلمين إذا كانت فيهم حياة، وإذا كان فيهم بقية خير، وبقية إيمان، واعتزاز بهذا الدين، وتلبية لنداء القرآن، فلتكونوا كذلك أمة واحدة، قد فرقتنا الرئاسات، والزعامات، والسياسة، فلتبق شعوب المسلمين تشعر فيما بينها بالصلة والأخوة، والمودة، والمحبة.
والله ﵎ يثيب بالنيات، ويثيب على ما في القلوب، فإذا طبق العباد دينهم، وعرفوا طريقهم، وقصدوا الخير دائماً؛ فالله معهم، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.
стр. 144
المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التقدم
إن المرأة اليوم تحتل موقع الصدارة في اهتمامات الباحثين والسياسيين والإعلاميين وغيرهم، وما هذا إلا بسبب القناعة المتأصلة في النفوس بأهمية المرأة في المجتمع، ويشترك في هذا التصور دعاة الخير والفضيلة الذين يحرصون على صيانة المرأة والحفاظ على المجتمعات، ودعاة الشر والرذيلة الذين يريدون للمرأة أن تكون معول الهدم الذي يقوضون به بنيان المجتمع
стр. 145
مبشرات العودة إلى الله في المجتمعات الإسلامية
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أسأل الله أن يبارك في هذا الجمع، وأن يجعل هذه الخطوات في سبيله ، وأن يتقبل منا صالح أعمالنا ويغفر لنا سيئاتنا وذنوبنا، وأحب أن أنبه إلى قول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).
أيتها الأخوات المؤمنات! حديثنا في هذا اليوم عن المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التقدمية.
نحمد الله فإن ديار الإسلام في هذه الأيام تشهد عودةً إلى الإسلام الذي أنزله الله على خاتم رسله وأنبيائه محمد صلوات الله وسلامه عليه، هذه العودة لم تقتصر بفضل الله وبرحمته على الطبقة الفقيرة العاملة، أو الطبقة الدنيا من الأمة، بل شملت الشباب المثقفين، والأساتذة والمعلمين في المدارس وفي الجامعات، والأطباء والمهندسين، ورجالات الفكر والصحافة، فكثير منهم بدءوا يتجهون إلى الإسلام، وأصبحنا نرى في قاعات العلم في المعاهد والجامعات شباباً يدرسون الهندسة والطب والذرة وقد اتجهوا إلى الإسلام، وفتيات مسلمات اتجهن إلى الإسلام بصدق وإخلاص، لا كما يتجه غيرهن للرقص والفسق والفجور، إنما لطلب العلم وأداء واجب الله في الأرض الذي كلف به المرأة كما كلف به الرجل.
وفي مصر عندما سُمِحَ للشباب المسلم في الجامعات أن يخوضوا الانتخابات، فقد حصلت الجمعيات الإسلامية على نصيب الأسد، ولم يستطع أحد أن ينافسها في ذلك المجال.
وفي السودان عندما كانت انتخابات نزيهة استطاع الشباب المسلم أن يفوز بجميع المقاعد بدون استثناء.
وفي الباكستان فاز الشباب المسلم بأربعة أخماس مقاعد اتحادات الطلبة هناك، تلك الدولة التي تعدادها ثمانين مليون مسلم، ففي كل مكان أصبحنا نرى الشباب المسلم والفتيات المسلمات في مجالات الخير والعطاء والنماء، لا نرى فيها فساداً ولا إفساداً وكان ذلك خيراً كبيراً، فأن يعتز الشباب بإسلامهم وتعتز المرأة بإسلامها ذلك خير كبير، فأصبحت الفتاة المسلمة مثل مريم بنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وعائشة بنت أبي بكر، ليست مثل السفيهات من بنات هذه الأمة اللائي يقتدين بالممثلات في باريس وغيرها.
فهذه عودة إلى الإسلام، وعودة إلى الشمس المشرقة، وإلى نور الله الذي أنزله على خاتم رسله وأنبيائه، فهذه عودة طيبة مباركة.
أما الذين يغيظهم أن يروا نور الشمس أن يشرق، ونور الحق أن يتلألأ، فإنهم لا يرضون بمثل هذه الصحوة.
стр. 146
مفهوم الحرية والتقدم عند دعاة الاختلاط والسفور
نحن نعلم أن اليهود هم الذين يسيطرون على وسائل الإعلام في الدول الأوروبية، فأخذوا يقولون لشعوبهم التائهة: أدركوا العالم الإسلامي قبل أن يفلت من أيديكم، فالشباب الذين تربوا على أيديكم، والفتيات اللواتي اتجهن إلى واشنطن وباريس، بدءوا يرجعون إلى مكة، ويحنون إلى المدينة ويذكرون الصحابة والصحابيات.
وهناك انحراف في المسيرة في العالم الإسلامي، فتركيا تسير على الحضارة الغربية، ومصر تتململ من هذا السيل الذي أغرقت به شعبها وأمتها، أحاديث كثيرة نشرت في صحافتنا العربية نقلاً عن التلفزيون البريطاني والأمريكي والفرنسي أنهم يتآمرون فيما بينهم على الدول العربية، فبدأ علماؤهم يخططون مرة أخرى كي يفسدوا هذه العودة إلى الإسلام.
أما زعماء اليهود والنصارى والشيوعيين الذين رضعوا من لبان الكفر، وتسممت قلوبهم وعقولهم، فقد صاحوا وضجوا من عودة المسلمين إلى الإسلام.
قرأنا ذلك وسمعنا في صحافة وتلفزيون الكويت، وقرأنا في صحافة مصر وغيرها من صحافة الدول العربية، أن التقدميين والمتحضرين المتمدنين يعيبون علينا ويقولون: هل يعقل أن شباباً في الجامعات وفي المعاهد العليا وأساتذة الذرة والاقتصاد ورجال دولة ورجال قانون لهم لحى؟ وهل يعقل أن فتيات يملأن الشوارع يلتزمن بدينهن فيتحجبن؟ فهذا عودة إلى الجاهلية الأولى والقرون الوسطى.
فارحموا أنفسكم أيها الشباب! وارحمن أنفسكن أيتها النساء، فحرام عليكن أن تضعين شبابكن في الالتزام، والبعد عن مباهج الحياة وفتنها، فهذا كلام الذين يسمون أنفسهم بالتقدميين، ويصفوننا بالرجعيين المتأخرين المتحجرين، وأخذوا يعللون ظاهرة من مظاهر التدين، وهي ليست ظاهرة بل هي حكم شرعي، وهي الالتزام بالحجاب الإسلامي، فيقولون: إن المرأة تتحجب لتخفي عيوبها عن زوجها الذي يريدها، فهؤلاء أقوام رأوا في أوروبا الحضارة والمدنية والرقي، فظنوا أن المرأة كانت مستعبدة لا تملك من أمرها شيئاً، فجاءت الحضارة والمدنية الحديثة وأعطت للمرأة شيئاً من حقها، ولكنهم لم يقفوا عند مرحلة الاعتدال، فظنوا أن من الحرية أن تختلط المرأة بالرجل والرجل بالمرأة، ومن العدالة أن تتمرد المرأة على تعاليم السماء، ومن المساواة أن تعمل المرأة عمل الرجل والرجل عمل المرأة، فكانوا بين إفراط وتفريط.
وانتصر أصحاب الحضارة الأوروبية علينا في مجال القتال والحرب واحتلوا ديارنا ودرّسوا أبناءنا، وعلمونا علمهم، وأفهمونا ثقافتهم، وتربى على أيديهم رجال ونساء، وقالوا: الحضارة ما عليها أوروبا بحسناتها وبسيئاتها، فإذا شئنا أن نكون متحضرين ومتمدنين فلنعش حياتهم، ولنكن كرجالهم ونسائهم.
стр. 147
أقسام المقتدين بحضارة الغرب من أبناء المسلمين
وهؤلاء المتحضرون المتمدنون في ديارنا فريقان: فريق يظن أن هذا هو الحق ولا حق غيره، وأن ما أنزله خالق السماء والأرض إنما هو جمود وتأخر ورجعية وهمجية، ويظنون أن التقدم والرقي عند كارتر وأشباهه، أما محمد ﷺ فلا يفقه في الحضارة شيئاً، وأبو بكر وعمر جاهلان، وهكذا ظنوا المدنية، وما هم إلا جهلاء.
وفريق آخر ليس جاهلاً بالإسلام وحضارة الإسلام وما قدمه الإسلام من مدنية ومجد ولكنه ماكر وعدو وحاقد، يريد أن يفهم المسلمين غير الحقيقة، وأن يغرس الشبهات والشكوك في نفوس المسلمين.
فنحن نريد أن نكشف الشبهات، والدجل الذي يحيط بهذه الحقائق، وأن نوضح للناس الحق.
وبعد أن أنعم الله علينا بنعمة البصر أيكره أحد منا الشمس؟ لا والله، فلو كنا نعيش في الظلام لكنا نخشى نور الشمس، أما وقد أعطانا الله بصراً، ورأينا الشمس واستمتعنا بنورها فإننا لا نخشى الشمس أبداً.
وكذلك الذين نعموا بنور الإسلام وبنعمة الإسلام، فإن حب الإسلام سيدخل في سويداء قلوبهم، وسيتغلغل في أعماق نفوسهم، فلو وضع السيف على رقبة المسلم فلن يرجع عن دينه؛ لأنه يحبه حباً يملك عليه نفسه، يقول الرسول ﷺ : (كان الرجل ممن قبلكم يؤتى بالمنشار فيوضع في مفرق رأسه، ويقال له: ارجع عن دينك فلا يرجع عن دينه حتى يسقط شقاه، وكان يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه فلا يرجع عن دينه)، وحفرت الأحافير وخدت الأخاديد لأصحاب الأخدود وجيء بهم جماعات وفرادى، وقيل لهم: ارجعوا عن دينكم وإلا نلقيكم في النار فلا يرجعون، وتأتي امرأة بوليد لها فترتجف من النار فينطق الله الوليد ويقول: يا أماه إنك على الحق فلا تخافي.
стр. 148
أثر الإيمان في حياة المؤمن والمؤمنة
إن للإيمان حلاوة يجدها المؤمنون في صدورهم وفي نفوسهم، فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان فإنه يقدم روحه وماله ونفسه ولا يتراجع عن دينه وإسلامه وعقيدته، وما أخبار المجاهدين والمجاهدات في صدر الإسلام، وفي التاريخ الإسلامي، وفي أيامنا هذه منا ببعيد، فالأبرار الأطهار استشهدوا في ميدان القتال، وتحت سياط التعذيب في مكة.
إن سمية هي أول شهيدة في الإسلام، وفي العصر الحاضر ذاقت الحاجة زينب الغزالي العذاب ألواناً وأشكالاً في سجون الطغاة، وصبرت كما لم يصبر الرجال، ومن أراد أن يشهد نموذجاً من جهاد المرأة في العصر الحديث فليقرأ كتاب: أيام من حياتي، للحاجة زينب الغزالي؛ ليرى ماذا يفعل الإيمان إذا ما دخل في النفوس.
نحن نريد أن نقدم الإسلام للذين لا يعرفون الإسلام، والذين يظنون أن الحضارة والتقدم والرقي في هوليود وفي واشنطن وفي باريس.
فإذا عرف الناس الإسلام لم يتركوه ولم يحيدوا عنه، وعند ذلك ستسقط الأقنعة عن الذين يتباكون على الإسلام، والذين يزيفون الحقائق.
فهؤلاء الذين يزعمون التقدم والحضارة والرقي نقول لهم: رويدكم، رويدكم فقد جاوزتم حدكم وخرجتم عن طوركم، من أنتم حتى تطاولوا بأعناقكم السماء؟ ومن أنتم حتى تنازعوا الله في حكمه؟ أنتم عبيد مقهورون مربوبون، أنتم بشر مخلوقون من ماء مهين، وأصلكم قبضة من طين، إن جهلكم أكثر من علمكم، وخطأكم أكثر من صوابكم، أنتم تقولون قولاً والله يقول قولاً، فقولكم مخالف لقول الله، وقول الله هو الحق، ونحن مع الحق حيث دار، نحن مع العليم الخبير الحكيم، الذي لا يكذب في قوله ولا يجور في حكمه.
стр. 149
منهج دعاة الشر وإشاعة الرذيلة في الترويج لباطلهم
إن الله بين للرجل والمرأة حضارة المجتمع الإنساني، ونحن مع هذا الرقي الرباني والحضارة الإلهية لا مع الحضارة البشرية النتنة، فهؤلاء يشوهون لنا الحقيقة، ويزيفون التاريخ والواقع، وأنا أقول: إن أستاذهم في ذلك هو إبليس اللعين، الذي شوه الحقيقة لأبينا آدم وأمنا حواء، فقد خلق الله آدم وخلق منه زوجه وأسكنهما الجنة، وقال لهما: كلا من الجنة، ولكما فيها ألا تجوعا ولا تعريا ولا تظمأا ولا تضحيا، فكلا من كل شيء وتمتعا بكل شيء إلا شجرة واحدة إن أكلتما منها أخرجتكما من الجنة، وهذا عدوكما إبليس يريد أن يخرجكما من الجنة، وليس له سبيل عليكما إلا إذا أطعتماه فأكلتما من الشجرة.
فإبليس أغواهما وحسن لهما أكل الشجرة المحرومة، ولم يقل لهما: كلا من الشجرة ليغضب الله عليكما ويطردكما من رحمته، وإنما قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠]، أي: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا خشية أن تكونا ملكين، ومن مصلحتكما أن تأكلا منها فإذا أكلتما منها صرتما ملكين أو كنتما من الخالدين، وأقسم لهما بالله أنه ناصح أمين، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢١ - ٢٢]، فأكلا من الشجرة فكانت النتيجة أنهما عصيا ربهما، فتساقط عنهما لباسهما ﴿َفبَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١].
فأخرجهما الله من الجنة جزاء عصيانهما، فإبليس شوه الحقيقة، وجعل الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ وأدعياء التقدمية والحضارة والمدنية اليوم يفعلون فعل إبليس، فيقولون للمتدينين والمتدينات: لماذا تتحجرون وترجعون إلى العهود البائدة المنصرمة، وتضغطون على حريتكم، وتمتنعون من الانطلاق والتمتع بالحياة والبهجة وو؟ وكل هذا من وساوس الشيطان، فالإسلام لا يحجر علينا ولا يحرم علينا مباهج الحياة وطيباتها، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]، والإسلام يريد للمرأة أن تكون عبدة لله لا للرجل، والرجل عبداً لله لا للمرأة، ويريد أن يكون الرجل والمرأة جناحين في هذه الحياة، يعمر بهما الكون وفق منهج الله، ويريد أن يتسامى بعواطفهما وبمشاعرهما وعقائدهما، لا ليدورا حول نفسيهما كالحمار يدور برحاه.
فالإسلام إنما يرينا عبيداً لخالق الكون، لا عبيداً للقمة طعام وقطعة لباس وشهوة يسعى الإنسان لأجلها ليله ونهاره، فنحن نتمتع بالطعام والشراب، والله أباح لنا ما جبلنا عليه من شهوات، ولكن ضمن منهج وحدود.
стр. 150
دعوات في الغرب إلى العودة للفطرة السوية
إن دعاة الحضارة والمدنية اليوم متأخرون جداً، فأوروبا التي يزعمون أنها أم الحضارة والرقي تصرخ اليوم، فالمرأة هناك التي يسمونها متحضرة تبكي صارخة مولولة لأنها فقدت سعادتها وأمومتها وبيتها، وهذا الكلام نقل في الصحف والمجلات من مصادر علمية موثقة.
وهنالك مشروع لقانون وزع على الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، في عام ١٩٧٥م فيه حق وباطل، لكن ما جاء فيه من الحق يعتبر انعطافاً خطيراً في الفكر العالمي الحديث، فهو ينظم قضايا المرأة، وكما نعلم أنه في عام ١٩٧٥م عقد مؤتمر المرأة العالمية، والذي انعقد في الأمم المتحدة، فقالوا فيه: إن أي مشروع لوضع القوانين في بلاد العالم ينظم قضايا المرأة ويحدد علاقتها بالرجل يجب أن يراعي الواجب الأساسي للمرأة في الحياة الاجتماعية، وهو الأمومة وتربية الأطفال وتهيئة الجو لإنشاء البيت السعيد.
وهذه قاضية سويدية تسمى برجيت أور كلفتها الأمم المتحدة بزيارة البلاد العربية لدراسة مشاكل المرأة في العالم العربي وأوضاعها الاجتماعية والقانونية، فتحدثت هذه القاضية الباحثة عن المأساة التي خلفتها أوضاع الحرية المزعومة في السويد أرقى بلاد الحضارة الغربية، والدول الاسكندنافية هي أرقى دول العالم ومنها السويد، ورغم ذلك فإن الإحصائيات أثبتت ازدياد نسبة الانتحار سنة بعد سنة في السويد، وقد قدمت هذه الباحثة تقريراً لهيئة الأمم المتحدة بينت فيه زيادة نسبة الانتحار بين النساء.
ثم تقول الباحثة بعد ذلك: إن المرأة السويدية اكتشفت فجأة أنها اشترت وهماً هائلاً - وهو الحرية التي زعم الرجال أنهم سيعطونها للمرأة- بثمن مفزع وهو سعادتها الحقيقة، فهذه أخصائية في حقوق المرأة في سن الخامسة والسبعين تحن إلى حياة الاستقرار المتمثلة في الحياة العائلية المتوازنة جنسياً وعاطفياً ونفسياً، فهي تريد أن تتنازل عن معظم حريتها في سبيل كل سعادتها.
تقول الباحثة أيضاً: والنتيجة على مستوى الأمة مذهلة حقاً، ففي تقرير رسمي خطير لوزارة الشئون الاجتماعية السويدية أعلنت الدولة أن ٢٥% من السكان يصابون بأمراض عصبية ونفسية، وأن ٣٠% من مجموع المصروفات الطبية في السويد تنفق في علاج الأمراض العصبية والنفسية، وأن ٤٠% من مجموع الأشخاص الذين يحالون إلى التقاعد قبل سن المعاش بسبب العجز التام عن العمل هم من المرضى المصابين عقلياً، مع العلم أن الأمراض الجنسية لا تدخل في هذه الإحصائيات.
стр. 151
المرأة في المجتمعات الغربية سلعة تجارية
إن المرأة اليوم في الغرب تعمل وتكدح وتتعب في سبيل التحرر الاقتصادي، وهذا إنما يكون على حساب طبيعتها وأنوثتها وفطرتها، ثم بعد هذا التعب والكد تنفق ما جمعته من مال على الزينة؛ لترضي شهوة الرجال هناك.
نشرت إحصائية في الصحف البريطانية عام ١٩٦٢م أو عام ١٩٦٣م مفادها أن النساء في بريطانيا ينفقن تسعين مليون جنيه استرليني على شراء مستحضرات التجميل، ومائتي مليون جنيه على تسريح الشعر والباروكات، فيا ترى كم صرفن على الملابس والعطور وشرب الخمور ومخالطة الرجال؟ ولم يكتف الرجال هنالك بالزج بالمرأة في هذا العالم الموبوء وتسخيرها - باسم الحرية والمدنية والحضارة - بل حاولوا أن يستغلوا المرأة للحصول على الكسب المادي، ونحن نرى ونشاهد حتى في الكويت كيف يستغل التجار والشركات وأصحاب الأموال المرأة في الدعايات؛ لأن ذلك يجر عليهم أرباحاً كبيرة، أما في البلاد الأوروبية فإن الأمر أكثر من ذلك، فعلى سبيل المثال عندما أراد منتجو السيارات العالمية عرض أحدث ما توصلوا إليه في صناعة السيارات، جاءوا بعشرات الفتيات وهن شبه عاريات ليقمن بعرض السيارات؛ لأنهم يعلمون أن في ذلك جني الكثير من الأرباح.
فأصبح أسلوب المتاجرة بالمرأة أسلوباً عاماً في مظاهر الحياة التجارية كلها وبشكل خطير سواء كان ذلك في المجلة، أو الكتاب أو وسائل الإعلام الأخرى، والرجال المتحضرون في أوروبا اليوم يأخذون من المرأة كل شيء ثم يتركونها جثة هامدة، ودعاة التقدمية والحضارة الذين يريدوننا أن نتأسى ونقتدي بهم إنما يريدون لنا أن ننحدر إلى الحضيض الذي وصلوا إليه، ونترسم خطى حضارة تمردت على التقاليد والنظم، فتمادت في غيها، وانتقلت من خطأ إلى خطأ، ومن ضلال إلى ضلال.
стр. 152
ماذا يريد دعاة الإسلام من المرأة ؟
إن الإسلام ليس كغيره من المذاهب والأديان، فنحن لسنا كالنصرانية ولا اليهودية، إن النصرانية واليهودية في أصلها دينان سماويان لكنهما حرفتا وبدلتا، فنظرة الديانة اليهودية الموجود الآن إلى المرأة نظرة سيئة، فهم يصورون أن الآلام والأحزان والأوجاع كلها من حواء، هكذا تقول الأسطورة اليهودية، أما المرأة في عقيدة النصارى فهي ينبوع المعاصي، وأصل السيئة والفجور، وهي للرجل باب من أبواب جهنم؛ لأنها المصدر الذي تحركه وتحمله على الآثام، ومنها انبثقت عيون المصائب الإنسانية جمعاء، أما العلاقة بين الرجل والمرأة فهي عندهم رجس وقذارة، ولذلك الرجل الفاضل عندهم هو ذلك الراهب الذي يهرب إلى المغارة والصومعة ولا يتزوج ولا يولد له؛ لأن الزواج عبارة عن علاقة آثمة.
أما الهندوسية فإنها ترى أن المرأة ملك لأبيها عندما تكون بكراً، وملك لزوجها عندما تتزوج، وملك لأولادها إذا أنجبت، بل إنهم كانوا إذا مات الزوج يحرقون جثته ثم يأتون بالزوجة فيحرقونها فوقه.
والإسلام ليس كما يزعم بعض علماء المسلمين الذين لم يفقهوا الإسلام فقالوا: المرأة لا تخرج إلا من بيت أبيها إلى بيت زوجها ثم إلى قبرها، فلا تخرج إلى دور العلم، ولا تقرأ ولا تكتب، ولا تشارك في أي نشاط اجتماعي، فقول هؤلاء ليس هو قول الإسلام، وفهمهم ليس هو فهم الإسلام، بل هم مخطئون، أما قول الإسلام الذي أنزله الله فهو المتمثل في قولة الرسول ﷺ في النساء في الحديث الصحيح: (إنما النساء شقائق الرجال)، كلمات صغيرات قليلات، ولكنها تبين الحقيقة وتكشفها.
والإسلام يقول لنا: إن المرأة خلقت من أجل المهمة التي خلق لها الرجل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١]، خلق الله آدم من قبضة من طين، ومن ضلع آدم خلق زوجه حواء، ((وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا))، أي: خلق حواء من آدم، ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل:٧٢].
والله يذكر المسلمين والمؤمنين والقانتين، ويذكر في مقابلهم المسلمات والمؤمنات والقانتات والصادقات والصابرات والصائمات والذاكرات، فكما يذكر الرجال الذين اتصفوا بهذه الصفات يذكر النساء المتصفات بها.
والإسلام كلف المرأة بنفس التكاليف التي كلف بها الرجل، فالرجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكذلك المرأة، والرجل كلف بالصلاة والصوم والزكاة والحج والذكر والاستغفار وغير ذلك، والمرأة كذلك كلفت بكل ذلك، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧].
وقد استثني من كل ذلك الجهاد رحمة بالمرأة وتكريماً لها؛ ولأن لها مهمة عظيمة وهي بناء البيت المسلم فإذا ما كلفت بالجهاد فإنها ستشغل عن تلك المهمة.
وقد بايع الرسول ﷺ النساء كما بايع الرجال في بيعة العقبة، وقد جاء في كتاب الله ذكر بيعة النساء خاصة وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ [الممتحنة:١٢]، فالمرأة في الإسلام ليست كما تقول النصرانية واليهودية: رجس ولا نقص، إنما هي مخلوق كريم كالرجل تماماً.
стр. 153
ذكر المرأة في الكتاب والسنة
إن الله أثنى على نساء كريمات في كتابه، وأثنى الرسول ﷺ على نساء كريمات في أحاديثه، فقد أثنى الله على امرأة فاضلة وهي آسية امرأة فرعون، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] آمنت بموسى وهي ملكة مصر، فخلد الله ذكرها في كتابه، وذكر الله مريم في كتابه فقال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢]، وبرأ الله الصديقة بنت الصديق من فوق سبع سماوات عندما اتهمت بالفحشاء، حيث أنزل براءتها في القرآن في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١]، وجاءت امرأة تجادل رسول الله ﷺ في زوجها فاستمع الله إلى كلامها من فوق سبع سماوات، وأنزل في شأنها قرآناً يتلى، حيث جاءت خولة بنت ثعلبة تجادل رسول الله صلى الله عليه: (يا رسول الله! إن زوجي أوس بن الصامت في حال الغضب قال: أنت علي كظهر أمي، يا رسول الله! إن لي منه صبية صغاراً، إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا، فيقول لها رسول الله ﷺ : ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: أشتكي إلى الله ما نزل بي وبصبيتي، فأنزل الله من سورة المجادلة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة:٣]) إلى آخر الآيات، فالله ما قال: هذه المرأة لا قيمة لها، وإنما أنزل قرآناً في شأن النساء كما أنزله في شأن الرجال، واعتبر الذين تلفظوا بكلمة على امرأة عفيفة -وهي عائشة - بهتاناً عظيماً.
فالإسلام لا ينظر إلى المرأة نظرة مختلفة عن الرجال كما يزعم المرجفون، والإسلام لم يأت ليرفع طبقة على طبقة، ولم يأت لتكون العزة للعرب، أو لبني هاشم أو لقريش على غيرهم، أو لأمة على أمة، أو لجنس على جنس، أو للرجل على المرأة، أو للمرأة على الرجل، وإنما جاء الإسلام بشعار، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
стр. 154
التحذير من الاغترار بالدعوات التي تجر على المرء الندامة يوم القيامة
إن المرأة في الإسلام بانية أمة ومؤسسة حضارة، يتخرج من بيتها رجال ونساء أتقياء بررة، فكم من قائد غير مسار التاريخ، وجد أنه كان وراءه أم غرست فيه البطولة والشجاعة والمبادئ.
فشتان بين نظرة أدعياء التقدم، ونظرة دعاة الإسلام، فهما نظرتان متخالفتان فأولئك يريدون أن يدوسوا كرامة الإنسان وأن يمتهنوا الإنسان؛ ليرضوا شهواتهم وأطماعهم ونزواتهم، ونحن نريد أن يحق الله الحق بكلماته، ونريد سعادة وحياة طيبة في الدنيا لكل من الرجل والمرأة، ونريد سعادة في الأخرى.
إن حياتنا ستنتهي وأيامنا وأعمارنا ستتلاشى، وسيأتي يوم نفارق فيه الحياة، بل سيأتي يوم تندثر فيه الحياة، وسيأتي يوم يفنى فيه كل شيء ولا يبقى إلى الله : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وسيأتي يوم ينفخ فيه في الصور، ويقوم الناس لرب العالمين، ويجمع الله الأولين والآخرين، ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣]، يجمع الله فيه الأولين والآخرين فيحاسبهم على ما قدموا، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]، يوم طويل مهول، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:٤ - ١٠]، وينادي مناد يوم القيامة: (يا أهل الجنة! خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت).
إن سعادتنا في الآخرة متوقفة على مسيرتنا في الدنيا، أما أدعياء التقدمية فإنهم يريدون الشقاء لهذه الأمة، ماذا يغني عنا هؤلاء إذا ألقينا في النار، عندما ينادي الإنسان: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٣٢]؟ ماذا يغني عنا هؤلاء إن تمردنا على حكم الله وشريعته؟ ماذا يغني عنا هؤلاء إذا نحن لم نلتزم بأمر الله؟ هؤلاء المخلوقون الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ماذا يغنون عنا في ذلك اليوم؟ ﴿َيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر:٤٧]، تقول الجماهير التي تسير وراء المفكرين، ووراء الزعماء ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ﴾ [غافر:٤٧]، في الدنيا ﴿تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧] قالوا: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨].
يوم القيامة يسير القادة والزعماء والذين اتبعوهم في الدنيا يسيرون وراءهم، فأولئك يرمى بهم في النار، ثم يلقى هؤلاء في أثرهم، يقول الله عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨].
في الختام أسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأملي أن تمضي مسيرة المسلمين قدماً إلى الأمام تشق الطريق رغم الصعاب والمشكلات التي تواجه المسلمين، فقدر المسلم أن يحيا للإسلام، وأن يعيش للإسلام، وأن يكون مسلماً رجلاً أو امرأة، في حال الشباب وفي تقدم العمر وفي الشيخوخة، ذلك أملنا، والله يتولى الصالحين.
﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦].
стр. 155
نظرات حول العقيدة
لقد وصف الله والرسول ﷺ الجنة وصفاً دقيقاً محكماً للصحابة رضوان الله عليهم حتى كأنهم يرونها، فاشتاقت نفوسهم إليها، فأكثروا من السؤال عن كيفية الوصول إليها، فأرشدهم الله ورسوله إليها بالعبادة لله وحده وعدم الإشراك به، وأن يفعلوا الفرائض ويجتنبوا المحرمات، وأن يبتعدوا عن الفتن ما ظهر منها وما بطن.
стр. 156
وصف الله ورسوله للجنة والنار
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فقد (سأل الصحابي الجليل معاذ بن جبل ﵁ الرسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، وفي بعض الروايات أنه قال للرسول ﷺ : (يا رسول الله! إني أريد أن أسألك عن كلمة أمرضتني وأحرقتني، قال: سل عما بدا لك، قال: دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، تلك كانت اهتمامات كبار الصحابة وصغارهم رضوان الله عليهم.
لقد وصف الله ووصف الرسول ﷺ للمسلمين الجنة حتى كأنهم يرونها، ووصفت النار حتى كأنهم يشاهدونها، فوصفت الجنة بنعيمها، وما فيها من خير عظيم لم تسمعه أذن قبل ذلك، ولم يشاهده الناس في واقع حياتهم الدنيا، ولا يمكن أن يشاهدوا شيئاً قريباً منه، ووصفت النار بعذابها، وما يتجرع أهلها من آلام وأوجاع وشقاء دهوراً لا تنتهي وأزمنة لا تنقضي ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٤ - ٢٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
ويقول في الجنة: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:١٢ - ٢٢].
стр. 157
الطريق إلى الجنة يبدأ من الدنيا
كانت اهتمامات الصحابة ترمي إلى هذا الأمر العظيم، إلى أن يدخلوا الجنة وينجوا من النار ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، ثم ذكر الله بعد الفلاح ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١].
يقول معاذ بن جبل: (يا رسول الله! دلني على عمل -أي: أخبرني- عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، إذا ما حصل الإنسان على الجنة ونجا من النار في ذلك اليوم العظيم، فوالله إنه الفلاح الكبير، والفوز العظيم، والنجاة العظمى، والربح الجزيل، وإذا ما وقع العبد في النار كان ذلك هو الخسران الأكبر، أولئك ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥]، أفلا يستحق ذلك أن ينحل له البدن، وأن تمرض له النفس، وأن يحترق صاحبه ليعرف الطريق، وليعرف السبيل؟! فسبيل الجنة يبدأ من هنا، والفوز والنجاة من النار يبدأان من الدنيا، لأن الدنيا مزرعة الآخرة، فازرع في الدنيا خيراً، تلق في الآخرة خيراً، وازرع في الدنيا شراً، تلق في الآخرة شراً، فما تعمله هنا يحدد المسار هناك.
قال: دلني على عمل أقوم به في حياتي الدنيا، ويكون سبباً في دخولي الجنة، فهو سبب وليس عوضاً، فقال الرسول ﷺ : (لن يُدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، فالعمل القليل المتواضع ليس ثمناً للجنة؛ لأن الجنة سلعة عظيمة غالية، وحتى عمل محمد ﷺ لا يكون ثمناً لدخول الجنة، ولكن يدخل النبي والناس الجنة برحمة الله الذي جعل هذه الأعمال القليلة المتواضعة سبباً لدخول جنة الله العظيمة.
(دلني على عمل يدخلني الجنة)، وهذا هو محور حياة المسلم الذي يطوف ويدور حوله، فينبغي له أن يكون تفكيره منصباً في: كيف يدخل الجنة؟ وكيف يصل إلى الدار الآخرة؟ وكيف يتجنب وعورة الطريق؟ وكيف يقتحم العقبات حتى يصل إلى جنة الله؟ إذاً: فلا ينبغي أن نيئس من هذا، ولا أن نخجل من هذا، ونلح دائماً في السؤال عليه، ولقد أخطأ قوم الطريق عندما قالوا: نحن لا نعبد الله طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، فأضلوا عباد الله، وأصبح عوام الناس لا يدرون كيف يقودون أنفسهم إلى الله؟ لأنهم تركوا السبيل الذي دل الله عليه.
لذا قال رجل للرسول ﷺ : (يا رسول الله! إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ) أي: هذه الأدعية الكثيرة التي ترددها ويرددها معاذ لا أعرفها، (وإنما أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، فقال الرسول ﷺ : حولها ندندن)، فهذا هو المحور الذي نطوف حوله، فنحن نريد الجنة، والنجاة من النار، وكذلك المؤمن في قوله وعمله، وفي حركته وسكونه، ينبغي له أن يطلب الجنة، فكل خير هو موجود في الجنة، وكل شر فهو في النار، والجنة رحمة الله، مَنْ دخلها نال كل خير، ومن جملة ذلك أنه يرى رب العزة ، فينظر المؤمنون إلى ربهم، وذاك من النعيم الذي أعطاه الله لعباده الذين يدخلون الجنة، ومن الشقاء أن يحرم أهل النار من ذلك.
стр. 158
السبيل إلى الجنة
بين الرسول ﷺ السبيل لأكثر من صحابي، والقرآن بينه في مواضع كثيرة، والرسول ﷺ سئل عنه أكثر من مرة، ولم يكن الرسول ﷺ يلوم السائلين على كثرة تردادهم لهذا السؤال؛ لأنه أمر عظيم.
стр. 159
عبادة الله وحده وعدم الإشراك به
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]، وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه البناء في الحياة الدنيا، وهو: أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً؛ ولأجل ذلك خلقك الله، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]، فهو سبحانه لا يريد منك شراباً، ولا يريد منك طعاماً، فالله بيده ملكوت السماوات والأرض، وإنما خلقك لتتخذه إلهاً، ولكي يخضع وجهك وقلبك له، وتسلم أمرك له، وتعترف له بالألوهية، وتعترف له بالربوبية، وهذا معنى قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله، أي: نشهد يا رب! أنك إلهنا ومعبودنا، فنعبدك وحدك ولا نعبد غيرك، ونكفر بالآلهة والمعبودات والطواغيت التي تنتشر في أرجاء الأرض، ولا نؤمن إلا بإله واحد هو إلهنا وربنا ومعبودنا؛ ولأجل هذا أرسل الله رسله، وأنزل كتبه، وكل رسول يدعو قومه إلى هذه الحقيقة ويبينها ويفصلها، ويصبر على ذلك سنوات طويلة، قد تستمر عشرات السنين، وبعض الرسل بقي مئات السنين وهو يدعو قومه إلى هذه الحقيقة: أن يعبد الناس ربهم وحده لا شريك له، وأن يخلصوا دينهم لله ، وأن تكون صلاتهم ودعاؤهم وحجهم لله، وأن تكون استغاثتهم واستعانتهم بالله وحده، وأن يكون التوكل على الله ، وألا تخضع هذه الوجوه إلا لربها، وأن تتوجه القلوب إلى خالقها ومعبودها ، وأن يكون التحاكم إلى شريعة الله، وأن تكون الدينونة لله ، وأن يقوم البشر أنفسهم بكتاب الله وبمنهج الله وبدين الله، وأن يُعبد الله ولا يشرك به.
وهذا هو الأساس الذي لا يقبل الله عملاً إلا به، وإن جئنا إلى الله بأعمال خيرة بنيت على غير أساس التوحيد والإخلاص لله فإنها أعمال مرفوضة.
وقد ضرب الله مثلاً في سورة النور لأقوام يظنون أن لهم مكانة عند الله، ولكنهم أقاموا أعمالهم الخيرة على كفر وشرك، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]، فالعطشان في الصحراء يرى السراب يلوح من بعيد، فيظنه ماء، فإذا ما اقترب منه لم يجده شيئاً، وكذلك هو حال أقوام يظنون أن لهم عند الله مكانة، وأنهم قدموا أعمالاً خيرة، ولكنها على غير أساس التوحيد، وعلى غير أساس الإخلاص، ثم عندما يأتون إلى الله يوم القيامة لا يجدون شيئاً، وتكون أعمالهم ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩].
إذاً: فالأساس الأول هو: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، ولا تشرك بإلهك وربك ومعبودك وخالقك شيئاً، فتتخذه إلهاً تتوجه إليه، وتريد رضوانه وحده، ولا تتخذ معه نداً، ولا تتخذ معه شريكاً، وإنما عبادتك كلها لله .
فالله معبودنا؛ لأنه ربنا وخالقنا ، وهو المستحق للعبادة، وهو المستحق للتأليه جل وعلا.
ومن لم يأت بهذا الأصل فليس له عند الله يوم القيامة نصيب، فالذين كفروا لا يدخلون الجنة أبداً، والمشركون لا يلجون الجنة أبداً، فهم مخلدون في نار جهنم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءْ﴾ [النساء:٤٨]، فالشرك لا يغفره الله ، وغير الشرك قد يغفر، فقد يفعل الإنسان معاصي وذنوب، فقد يعذبه الله عليها وقد يغفرها له، ولكن الشرك لا يمكن أن يغفر أبداً، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فهذا هو الأساس الأول، وهو التوحيد، والإخلاص، والعبودية لله ، وهو أساس العمل الذي يدخل الجنة، ومن لم يأت بهذا الأساس فليس له مطمع في أن يلج الجنة ويدخلها، وفي أن يصل إلى الدار الطيبة الصالحة.
وقد حرم الله الجنة وطعامها وشرابها ونعيمها على الكافرين.
ينادي أهل النار: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، ليس هناك نصيب في جنة الله للذين أشركوا وكفروا، وليس لهم مطمع في النعيم الذي أعده الله لعباده الموحدين، ولعباده المخلصين.
стр. 160
أداء الفرائض واجتناب المحرمات
السبيل الثاني: أن تقوم بالفرائض التي فرضها الله عليك، وأن تنتهي عن المحارم التي حرمها الله، وقد ذكر الرسول ﷺ في هذا الحديث أصول الفرائض فقال: (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، وفي بعض الأحاديث قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها) أو كما قال الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
فهناك فرائض لا بد من أدائها، وهي الحد الأدنى الذي ينجو صاحبه من النار بدون عذاب، وكذلك اجتناب المحارم حد أدنى، وصاحبه يسمى مقتصداً في دين الله، قال الله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:٣٢] أي: يفعل الذنوب والمعاصي، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر:٣٢] أي: موحد مخلص يأتي بالفرائض، ويجتنب النواهي، ولا يكثر من النوافل، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] أي: يؤدي الفرائض ثم يكثر من النوافل.
وفي حديث الأعرابي عندما سأل الرسول ﷺ عن التوحيد، وسأله عن الصلاة والصوم والزكاة والحج، ثم قال: (لا أزيد على هذا، فقال: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق)، فالمحافظة على الفرائض واجتناب النواهي هو الحد الأدنى الذي يدخل به المسلم الجنة من غير عذاب، وهذا هو المقتصد، وأما إذا أراد أن يتوسع في الخير فذلك له مجال آخر، وهو مجال النوافل ومجال الطاعات، ولذلك قال الرسول ﷺ لـ معاذ في هذا الحديث: (ألا أدلك على أبواب الخير؟)، إذا أردت أن تزداد خيراً، وأن تزداد منزلة عند الله، وأن تزداد قرباً من الله ، (ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة)، أي: أكثر من الصوم، فإنه جُنة في الدنيا يقي صاحبه من المعاصي والذنوب والآثام، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، فمن الحكمة من تشريعه ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))، فهو جنة يقيك من الذنوب والمعاصي، ويوم القيامة جُنة من النار ووقاية منها.
ثم قال: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)، أي: الذي يؤدي الزكاة ويكثر من الصدقة، ويكون كريماً ومنفقاً ومتصدقاً فإن هذه الصدقات تطفئ الخطايا، فالخطايا نار تشتعل تأكل صاحبها وتفسد قلبه وروحه، وتجلب غضب الله عليه، والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يُصب الماء على النار فتنطفئ النار وينطفئ الجمر، وكذلك فعل الصدقات بالخطايا والذنوب.
قال: (وصلاة الرجل في جوف الليل)، ثم قرأ المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]، فإذا أدى المسلم الفرائض، ثم صلى في جوف الليل -أي: في وسطه أو في آخره كما جاء في بعض الأحاديث عن الرسول ﷺ ركعات يؤديها تقرباً إلى الله والناس نيام، ويرجو بها ثواب الله، ويطمع في رحمته، ويخاف غضبه وعقابه؛ فإن هذا الفعل من أعظم القربات التي تقرب العبد من ربه .
فهذه بعض التوجيهات من الرسول ﷺ للمسلم إذا أراد أن يتوسع في أبواب الخير، أن يعلو عن درجة المقتصدين؛ ليكون في منزلة السابقين الذين يرفع الله مكانتهم ويعلي مقامهم.
أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.
стр. 161
أخذ الإسلام بشموليته
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله ﵌.
ورد في بعض الأحاديث أن بشيراً -وهو رجل من الصحابة- سأل عن طريق الجنة، فأخبره الرسول ﷺ بالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، فقال: (يا رسول الله! أما الصدقة والجهاد فلا طاقة لي بها -أي: لا أستطيع الصدقة فالمال حبيب إلى نفسي، ونفسي لا أفرط فيها- فحرك الرسول ﷺ يده، وقال: لا صدقة ولا جهاد؟! فبم تدخل الجنة؟ قال: فبايعته على هذه الأمور وعلى الصدقة والجهاد).
فبعض الناس يجود بالصلاة والصيام والدعاء وفعل الخيرات، ولكنه شحيح بالمال، وفي مجال الجهاد شحيح بنفسه، فكيف يدخل الجنة من أعظم الأبواب؟! ولذلك في بقية الحديث يقول الرسول ﷺ لـ معاذ: (ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، فالرسول ﷺ يشبه هذا الدين بالجمل، فرأسه الإسلام وإذا ملكت رأس البعير ملكته، ولو شددته من رجله أو من ذيله لا ينجر إليك، لكن إذا ما أمسكه الطفل برأسه سار وراءه، وكذلك الإنسان إذا استسلم لربه وخضع له، وعمل بشريعة الله كلها، وعموده الفقري الصلاة، فإذا انكسر العمود الفقري لا يتحرك البعير، وأعلى شيء في البعير سنامه، وذروة سنام هذا الدين الجهاد، فالذين يبلغون القمة هم المجاهدون في سبيل الله.
والجهاد هو الذي يحمي للمسلمين دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وهو الذي يمهد السبيل لانتشار دعوة الإسلام في أقطار الأرض، وهو الذي يصد الباطل والطغيان، وهو الذي يرعب أعداء الله، وللجهاد قيمة كبيرة في حياة المسلمين.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا وألهمنا رشدنا.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات إنك قريب سميع مجيب.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١٠ - ١١١].
﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦].
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩٣ - ١٩٤].
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠].
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
стр. 162
الأمة الوسط
من المتفق عليه أن الخصيصة الأولى والمقوم الأساسي للأمة الوسط هو كونها أمة ربانية، وهذه الخصيصة خاصة بهذه الأمة لا تشاركها فيها الأمم الأخرى، فالأمة الإسلامية أمة ربانية في عقيدتها وتصورها وتشريعها وأخلاقها وقيمها؛ لأن هذا كله منزل من عند الله ﵎.
стр. 163
موقع أمة الإسلام بين الأمم ومعنى وسطيتها
إن الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فأسأل الله ﵎ أن يبارك في جهودكم، وأن يجعلكم طليعة هذه الأمة الوسط، التي تقود البشرية في حاضرها كما قادها أسلافها في ماضيها، وفي ظني أن القائمين على المؤتمر قد وفقوا أيما توفيق في اختيار الموضوع الذي تدور حوله هذه الندوات والمحاضرات: الأمة الوسط.
وسر التوفيق في ظني: أنها دعوة للباحثين والمفكرين ولأبناء هذه الأمة ليعيدوا النظر في موقع أمتهم بين الأمم، ونحن اليوم -أيها الإخوة- في ذيل الركب الإنساني، نحن الآن نصنف في العالم المتخلف الثالث، فهذا هو موقع أمتنا، وهذا الموقع الذي تعيشه الآن، هو الموقع الذي شاء الله ﵎ لهذه الأمة أن تكونه، لكن انظروا معي نظرتين، انظروا معي في ماضي هذه الأمة، كيف كانت؟ ثم قارنوه بحاضرها، أي: كيف هي الآن؟ ستجدون فرقاً هائلاً وبوناً شاسعاً، وانظروا معي نظرة أخرى إلى واقع هذه الأمة اليوم، ثم انظروا إلى الدور الذي رسمه القرآن لهذه الأمة من خلال نصوص آيات الكتاب، ومن خلال أحاديث الرسول ﷺ ، وتدبروا الآية التي هي شعار هذا المؤتمر: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:١٤٣]، فهذه الآية تحدد دور هذه الأمة وتبين موقعها بين الأمم، قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا))، والوسط في لغة العرب: الخيار والأفضل والأكمل، قال تعالى: ((قَالَ أَوْسَطُهُمْ)) أي: خيرهم ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم:٢٨]، وفي الحديث: (الفردوس وسط الجنة وأعلى الجنة)، والوسط في أصله: الجزء بين الشيئين، والنقطة المتوسطة بين طرفين، وكانت النقطة المتوسطة هي أفضل شيء؛ لأنها مركز الاعتدال، ولأنها بعيدة عن التطرف، ولأن العوار والفناء كما يقول الزمخشري إنما يصيب الأطراف أولاً، فلا يصل إلى المركز إلا بعد أن تفنى الأطراف.
فهذه الأمة خير وأعدل وأفضل الأمم، وذلك ما قرره الحق ﵎، بل إن القرآن يصرح به في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فهذه أمتنا من خلال كتاب ربنا، وأريد أن تستعيدوا معنى قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ))، وقوله في الآية الأخرى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فقوله: (جعلناكم) ما مفهومه؟ أو ما معناه؟ أمعناه خلقناكم أمة وسطاً؟ لا، فالأمة مخلوقة قبل أن تكون أمة وسطاً، وإنما المراد: صيرناكم أمة وسطاً، وبم صرنا أمة وسطاً؟ بهذا الإسلام، وما الذي أخرجها فأصبحت خير أمة أخرجت للناس؟ إنه هذا الدين، الذي رسم عقيدتها ووضع شريعتها، وبيّن أخلاقها وجاء بقيمها وتصوراتها، فعندما استقامت على منهج الله ﵎، وحققت الإسلام في أنفسها، واصطبغت بصبغة الإسلام؛ أصبحت هي الأمة الفاضلة والأمة الخيرة، وعندما يتناقص هذا ثم يفنى في الأمة فإنها تنحدر من خيريتها، ويصبح حالها كحالها اليوم، وعندما تسامت هذه الأمة في مطلع الدعوة في عقيدتها وسلوكها ومنهجها أصبحت خير أمة.
والوسطية والخيرية ليست لقباً يعطى من غير مضمون؛ إنما هو عنوان لحقيقة تجسدت في الأمة، حقيقة تراها في الرجل الأول في هذه الأمة، في محمد ﷺ ، وتراها في أبي بكر الصديق، وتراها في عمر بن الخطاب، وتراها في جيل الصحابة، وتراها في جيل التابعين، وتراها في العلماء والمفكرين، وفي الدعاة والمصلحين، فأصبحت خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
стр. 164
كل أمة تدعي الخيرية
الموقع المراد لهذه الأمة هو أن تكون أفضل الأمم، وأن تكون خيرها، وأن تكون قائدة لركب البشرية، ومعلمة لها، وأن تحكم البشرية في عقائدها، وفي تصوراتها، وفي أخلاقها، وفي قيمها.
والأمة ينازعها في ذلك غيرها، فكل أمة تدعي ذلك، وتزعم أنها أفضل الأمم، وكل أمة تبذل في سبيل تثبيت خيريتها وأفضليتها، تبذل من وقتها ومالها وفكرها، بل إنها تدفع أبناءها في ميدان الحرب والقتال لتقرر ذلك، وقد واجه الصحابة هذه الحالة في عصرهم، ثم واجهها المسلمون بعد أن قامت دولة الإسلام، متمثلة في الدول الكبرى، وفي الديانات القديمة، وفي الملل والنحل، فالفرس يقولون: نحن خير الناس، والروم يقولون: نحن خير الناس، اليهود يقولون: نحن أفضل الناس، والنصارى يقولون: نحن أفضل الناس، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة:١٣٥]، وقال تعالى: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) -وهم المشركون- ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٣]، وهذه هي سنة الله في البشر، أي: أنه زين لكل أمة عملهم، ومن هذا التزيين ينشأ الاختلاف والصراع، وكل حزب بما لديهم فرحون، وهذا قد يزلزل يقين المسلم في دوره في الحياة، وقد يجعله يهتز ويضطرب، ولا يصلح لقيادة ركب البشرية، وهكذا من لم يوقن بدوره ومركزه في واقع الحياة.
هذه الآية ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) هي أول الآية الثانية من الجزء الثاني من القرآن، والجزء الأول أكثره بيان لموقف أمة تزعم أنها خير الأمم، وتدعي أن الذي فضلها هو الله ﵎، ألا وهم اليهود، فكانت جولة طويلة مع اليهود الذين يزعمون هذه الدعوى، أي: وأنهم أفضل الناس من أخيرهم، وبين الله لهم أن هذا صحيح إذا استقاموا على خصائص الوحي الإلهي، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧]، ثم بيَّن لهم كيف أنهم انحدروا في عقيدتهم وتصوراتهم وأخلاقهم وقيمهم، وانحرفوا عن هذا المركز، وتحولوا عنه؛ لأنهم لم يثبتوا عليه، وكشف نقضهم للعهود والمواثيق، وتحريفهم للكتاب، وسفك بعضهم لدم بعض، وإخراج بعضهم بعضاً من ديارهم، واتباعهم للسحر وللشياطين، فعندما فقدوا الخصائص التي تجعلهم خير أمة أخرجت للناس، كأنه قال لهم: لقد تحول الميزان، وتحولت القيادة منكم، وجاءت أمة جديدة تملك هذه الخصائص، أمة لها دينها الغض الحي، ولها قيمها وموازينها وهذه هي الأمة الفاضلة، أما أنتم فقد فقدتم دوركم؛ لأنكم فقدتم خصائص الأمة الصالحة الطيبة.
وتأتي هذه الآية في جولة مع اليهود عندما شككوا في هذا الدين، فقد حول الله ﵎ القبلة من بيت المقدس إلى البيت العتيق؛ لأن الأمة الفاضلة لا يجوز أن تكون تابعة لغيرها من الأمم في قبلتها، فأراد الله ﵎ أن يخص هذه الأمة بقبلة تميزها: فقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة:١٥٠]، وكان اليهود يقولون: محمد والمسلمون تبع لنا يتوجهون إلى قبلتنا، فخص الله هذه الأمة بقبلة تميزها، هي خير جهة؛ لأنها تتجه إلى البيت العتيق الذي بناه إبراهيم ﵇، فشكك اليهود في هذا، فوصفهم الله بالسفهاء، وقال: هذه هي الأمة الفاضلة التي اخترت لها هذه القبلة الطيبة، قبلة إبراهيم ﵇.
فهذه أمتنا من خلال ما رسمه القرآن الكريم، وهذا واقعنا الذي نعيش فيه، وبين الدور الذي رسمه القرآن والواقع الذي نعيش فيه فرق كبير كالفرق بين الثرى والثريا، وكالفرق بين الأرض والسماء! وإذا ما عادت هذه الأمة إلى خصائصها، وما استقامت على عقيدتها وشريعتها ومثلها وقيمها، فستعود تلك هي الأمة الوسط، وتعود خير أمة أخرجت للناس.
стр. 165
القناعة تورث سلوكاً صواباً أو خطأ
كلمة الشيخ عبد الله المصلح: أيها الإخوة في الله! أبدأ حديثي إليكم بتحيتكم بتحية الإسلام، تحية أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤]، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشكره وحده، فله المنن العظمى المتتالية، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، ويوم أن نتذكر آلاء الله علينا ونعمه السحاء، فلن ننسى نعمة هذا اللقاء المبارك بكم، وأسأل الله أن يجعله لقاءً نافعاً في السير إليه على بصيرة من أمرنا، إنه على كل شيء قدير، وبعد: ليست التصورات الاعتقادية والمناهج الإيمانية مما يفرض على الناس بالأمر، وما كانت هناك عقيدة تعتقدها أمة، ولا منهج إيماني استقر في كيانها تصديقاً وإيماناً واعتقاداً عن طريق الأمر الجبري، بل إنما تعتقد ذلك إذا اقتنعت، وهي لن تقتنع إلا إذا سارت في الدرب الموصل لها إلى القناعة، وكيف لا يصل هذا الدين إلى الطريق الواصل للقناعة الإنسانية في الإنسان؟! والذي أنزل هذا الدين وارتضاه لنا هو من خلق هذا الإنسان وعلم حقيقة تكوينه، قال الله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فالعلم هو الطريق الموصل إلى إثبات القناعات، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، ولقد بوب الإمام البخاري باباً قال فيه: بابٌ: العلم قبل القول والعمل، ثم استشهد على ذلك بقول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
فالقناعة أو العقيدة إنما تورثها الأدلة والمعلومات، فيوم أن يأتي علم راشد فيستطيع أن يولد عقيدة راسخة، وهذه العقيدة الراسخة هي بدورها ينبثق منها سلوك الإنسان في حياته، فأنتم ما جاء بكم إلى هذا المقام إلا علم كان قد وصل إليكم، فاستقر قناعة في أعماقكم، وتولد منه هذا السلوك الذي أشهده الآن في هذا الاجتماع المبارك.
هذه الحقيقة الأولى، والحقيقة الثانية: أن العالم اليوم لا يخرج عن واحد من اثنين: فريق يرى أن لهذا الوجود خالقاً خلقه، فله رب وإله، وفريق آخر يرى أن ما يشهده ويحسه من الموجودات هي مخلوقات بلا خالق، ولقد نتج عن هذا تساؤلات بدأت تطرق بقوتها على عقول القوم مظهرة أسئلة لم يستطيعوا بعد الإجابة عليها، وهي: من أنا؟ ولماذا جئت؟ وأين المصير؟ وكيف جئت إلى هذه الحياة؟ وما مصيري بعدها؟ قضايا لن تستطيع العقول البشرية أن تجيب عليها؛ لأن الله لم يمكنها من ذلك.
стр. 166
القواعد التي قام بها الدين الإسلامي
وقضية الإيمان لا يمكن أن تقوم إلا على قاعدة العلم الراسخ، وقد قام هذا العلم على القواعد التالية: القاعدة الأولى: أن الإنسان في أصل تكوينه الفطري واستعداده الجبلي مفطور على الإيمان بالله ، وعلى أن يعتقد أن الله خالقه، وقد أقام هذا الدين هذه القاعدة على شقين: قضية الفطرة وقضية العقل، فكل مخلوق من الناس مفطور أصلاً على أن يعرف الله ، ورد في صحيح الإمام مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (قال الله: لقد خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين)، ويقول ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه).
فالإسلام يبني قاعدته الإيمانية على تصور أن هذا الإنسان طبعه الأساسي قابل لها، قال تعالى: ((فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا))، وهذا القبول هو الأصل في هذا الإنسان، بل إن هذا الدين ليجزم أن الإنسان لا يمكن أن يكون إنساناً يعيش معاني الإنسانية الحقيقية إلا إذا سار في طريق هذا الدين، وفي طريق هذه العقيدة، وإذا حاد عنها فقد خرج عن كيانه الإنساني ليصبح شيئاً آخر ينتج عنه أشياء أخرى.
أما القاعدة الثانية: فهي قضية العلم الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وشهد له الإعجاز، وجاء به الأنبياء بدءاً من آدم وانتهاءً بسيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤].
فالتصور الإسلامي عن الأمم السابقة هو: أنه ما من أمة إلا وقد بعث الله لها رسولاً أو نبياً يبلغها عن الله مراده من خلقه وهدايته إلى الناس، ثم هؤلاء الرسل أنزل الله عليهم كتباً، وفي هذه الكتب عقيدتهم التي يجب عليهم أن يعتقدوها، وشريعتهم التي يجب عليهم أن ينفذوها، أمراً يستجيبون له أو نهياً ينتهون عنه، ثم إن الله أكرم كل رسول بإعجاز ليكون ذلك الإعجاز دليلاً قوياً وقاطعاً على أن ما جاء به ذلك الرسول ليس من عنده، وإنما هو من عند الله ، وما جاء به يستحيل أن يأتي به إنسان من الذين يشهدونهم من حولهم.
стр. 167
معجزات الرسول ﷺ والأنبياء قبله
قضية الإعجاز منحة من الله للأمم السابقة عن طريق رسلها، ولنا عن طريق نبينا وحبيبنا وقائدنا محمد ﷺ ، وإن كان الإعجاز للرسل السابقين إعجازاً مادياً، تمثل فيما شهدوه من خوارق العادات، وإبطال السنن الكونية للأشياء المألوفة؛ فإن ما جاء به محمد ﷺ كان أكبر من ذلك، لقد وقع على يد رسول الله ﷺ من الإعجاز ما كان إعجازاً مادياً عطلت فيه سنن الكون، وشهد بذلك صحابته من حوله.
стр. 168
الإعجاز التشريعي
من إعجاز الرسول ﷺ : الإعجاز التشريعي، والإعجاز البياني، والإعجاز العلمي.
سلامة البشرية كلها هو في منهج الإسلام التشريعي، ويستحيل أن تسعد البشرية إلا تحت ظلال هذا الدين، وانبثاقاً من شريعته السمحة الشاملة الكاملة الخالدة، وفي كل قضية من قضاياها.
ومن أجل أن يبقى هذا التشريع مكتوباً له الديمومة والخلود والقدرة على حل المشكلات الطارئة في حياة الأمة؛ فقد جعل الله في هذا التشريع قواعد كلية وقضايا عامة، ثم كانت قضية الاجتهاد التي جاءت لنوعية خاصة من الناس، وهم الذين توافروا على هذا العلم فأدركوه لغة وفهماً للقرآن والسنة، ولمقاصد تشريعاته، فيأتي هؤلاء المجتهدون وقد أخذوا وعلموا علم اليقين تلك القواعد فيقيسون عليها الحوادث الجزئية الطارئة المتجددة، فيقولون الحكم في كل قضية تطرأ في حياتهم.
وإذا كانت هذه الشريعة قد اتسعت لأمة ضاربة من جاكرتا شرقاً إلى طنجة غرباً في يوم عزها، فإنها تستطيع أن تنقذ البشر اليوم بعد أن جرب ويلات البعد عن هذا المنهج، بل وويلات تطبيق المناهج الأخرى، وسيكون للشريعة قبول أكثر بعد أن جربت الأمم الجاهلية وويلاتها.
وما أكثر شهادة العلماء والعقلاء وذوي الحصافة حتى من غير المسلمين لنا في هذا الجانب، حتى أن ذكرها يعتبر من باب الأمور المألوفة التي سمعها الناس كثيراً، واستفاضت في أوساطهم، ولا مانع أن أذكر لكم كلمة بعد حوار أجريناه في مدينة من مدن ألمانيا في قضية الاقتصاد الإسلامي، وخرج معنا نخبة من كبار أساتذة الاقتصاد الإسلامي في العالم الإسلامي كله، خرجنا لنتحاور مع فريق من علماء الاقتصاد الغربيين، وكان على رأسهم عالم اسمه البروفيسور ألبخ، وهو من جامعة كولون في ألمانيا الغربية، وبعد حوار دام عشرة أيام في قضية اقتصادية، وقف هذا الرجل يقول: لست رجلاً شرقياً تحركني العواطف، ولكني رجل يلزمني إقراري بالحقائق العلمية، فأقول لكم: إن إنقاذ العالم من مأساته الاقتصادية هو من عندكم معشر المسلمين، لكني علمت من خلال استماعي لكم أن المنهج الاقتصادي مرتبط ارتباطاً عضوياً بالعقيدة الإسلامية، فكأنكم تقولون لنا: اسلموا لنحل مشكلتكم الاقتصادية.
هذا الرجل يفطن لما لم تفطن له كليات التجارة في عالمنا الإسلامي، التي تقرر قضايا الربا وقضايا أخرى فيها انحراف معين.
стр. 169
الإعجاز العلمي
الإعجاز العلمي لهذا الدين -ولله الحمد- يظهر في كل يوم بجديد، وقد توافر لهذا الأمر نخبة كانوا في جامعة الملك عبد العزيز في المملكة العربية السعودية، وسعدت بأن صحبتهم فترة بتمثيل جامعتي في هذه اللجنة، وكنت أستمع إلى الإعجاز العلمي الموجود في القرآن، والتقيت ببعض العلماء في المؤتمرات العلمية البحتة كالشيخ محمد الصالح العثيمين، وذلك في المؤتمر الطبي السعودي الثامن، واستمعنا إلى الحقائق التي اكتشفها العلم، ثم تعرض على العلماء في آيات قرآنية وأحاديث نبوية، فيذهلون منها، وفي آخر المؤتمر الطبي السعودي الثامن أسلم عالم من كبار علماء الأجنة، أعلن إسلامه وقال: يستحيل أن تكون هذه الحقائق التي استمعنا إليها في علم الأجنة قد جاءت بحكم الصدفة أو أنها من عند بشر؛ لأني أعلم أنا ومن معي من العلماء أن علم الأجنة ما أصبح علماً يدرس كعلم يعترف به إلا قبل نحو خمسين أو ستين عاماً، وهذه الحقائق توجد عند المسلمين من قبل ألف وأربعمائة سنة! وقد أثبت المتخصصون في هذا الجانب أكثر من سبعين حقيقة علمية في علوم مختلفة تحدث القرآن أو السنة الصحيحة عنها قبل ألف وأربعمائة سنة! من ذلك قول الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٥ - ١٦]، كنت من قبل أتساءل: كيف تكون الناصية -وهي مقدمة الرأس- كاذبة خاطئة؟! وكنت أقول في نفسي: لو قال: لسان كاذب خاطئ، أو يد كاذبة خاطئة؛ لكان ذلك معقولاً، لكن قوله: ناصية أمر غريب! وكنت أقول: آمنا بالله، فإني لم أدرك معنى ذلك لقصوري، حتى التقى أحد إخواننا بعالم من كبار علماء العقل، وإذا به يحدثه عنه فيقول له: إن العقل مقسم إلى عدة فصوص، والفص الجبهوي منه -الذي في مقدمة الجبهة- هو الفص الذي يصدر الأوامر السلوكية لكل الحواس، فهو الذي يأمر اللسان بالكذب، ويأمر اليد بالبطش أو السرقة، فصدق الله إذ يقول عن هذه الناصية التي فيها القيادة العليا، واللجنة المركزية: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦].
стр. 170
المخلوقات آثار دالة على صفات الخالق
هناك الحجج العقلية القاطعة التي تدل على أن كل ما نشهده مخلوق لخالق قادر ، فهذه الحجج تتمثل في أن لكل فعل فاعلاً، وأن الفعل مرآة لقدرة فاعله ولبعض صفاته، فأنا أستطيع أن أتصور أن هذا الكأس صنع في مصنع، وهذا المصنع فيه الأدوات الأولية لتصنيع البلاستك، وفيه مجموعة من الكئوس المصنعة الموجودة، ثم جيء به إلينا في هذا المكان، فهذه التصورات استطعت أن أتعرف عليها من خلال معرفتي لهذا الكأس، فأنا أعرف الصانع من خلال مصنوعه.
ويوم أن أشهد هذا الإنسان في خلقته السوية، أعلم أن من رحمة الله به أن خلقه في أحسن تقويم، فإنه فجر فيه أنهاراً أربعة في الوجه: دمع في العين، ولعاب في الفم، ومخاط في الأنف، وشمع في الأذن؛ فأعلم أن وراء هذه الحكمة حكيم، وأن هذه الحكمة لا تكون إلا من الله الخالق الرازق المدبر .
كل هذه الأدلة بأجمعها أدلة تشهد بأن الله هو ربنا، وأن المبلغ عن الله هو محمد ﷺ ، وبأن ما طلب منا أن نستجيب له هو هذا الدين الذي نستسلم له.
وهي أصول ثلاثة أقام هذا الدين عقيدة المسلم الإيمانية وتصوره الاعتقادي عليها.
فهو يشهد أن الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي منبثقاً من شهادته اليقينية أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
стр. 171
الأمة الربانية
الأستاذ عمر: أيها الإخوة! لا يشاركنا أحد من غيرنا من الأمم في الوقت الحاضر في أننا أمة ربانية في عقيدتها وتصورها وتشريعها وأخلاقها وقيمها؛ لأن ذلك كله منزل من عند الله ﵎، حتى ثقافة هذه الأمة إنما هي نتاج تفاعل هذه الأمة مع هذا الدين وهذا التشريع، والأمم الأخرى تصوغ تشريعها ثم يحكمها تشريعها تماماً، كما كان ينحت المشركون الصنم ثم يسجدون للصنم، وكذلك هم الآن ينحتون تشريعاً وقانوناً ثم بعد ذلك يحكمون القانون في رقابهم، ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧]، فمما يخلقه البشر هو هذه التشريعات والقوانين.
وفي الماضي كانت توجد أمم لها تشريع إلهي رباني، أما في الوقت الحاضر فلا يوجد ذلك إلا في أمة الإسلام، فاليهودية دينها حرف، والنصرانية دينها حرف، وبقية الأمم لا تزعم أن لها ديناً ربانياً سماوياً، وبقي التشريع الوحيد الصافي الخالص الذي لم يخالطه دخن، والذي لم يتأثر بتشريعات البشر؛ هو ما احتواه كتاب الله ﵎ وسنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: فالإسلام هو الذي صاغ عقيدتنا، وهو الذي صاغ شريعتنا، وقيمنا، وهو الذي رسم سلوكنا، فنحن أمة ربانية تنتسب إلى الله ﵎ في ذلك كله، فمن يشاركنا في ذلك؟ ومن يطاولنا أو يفاخرنا فيه؟ الأمم وضع أخلاقها، وقيمها، وتشريعاتها، ومفكروها، وعباقرتها، وأساتذة القانون فيها، والعادات والتقاليد التي ورثوها عن الآباء والأجداد، أما نحن فصنعنا الله ﵎ بهذا الدين، كما قال لعبده ورسوله موسى ﵇: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، وهذه الأمة عندما تستقيم على منهج الله يكون الإسلام قد صنعها، وتكون أمة ربانية سماوية.
стр. 172
التفكير في المصير
стр. 173
شروط الزواج من المرأة الكتابية
السؤال
ما هي شروط نكاح الكتابيات؟
الجواب
من المعلوم شرعاً أن الله تعالى أباح للمسلمين أن يتزوجوا من الكتابيات، والمراد بالكتابيات: اليهوديات أو النصرانيات، وذلك بشروط: الشرط الأول: أن تكون المرأة الكتابية مؤمنة بدينها، فإن كانت كافرة بدينها -الدين الذي هو موجود الآن- فهي ليست من أهل الكتاب، بل هي ملحدة مشركة، ولا يجوز الزواج منها.
الشيء الثاني: أن تكون محصنة، والإحصان في الشرع، يطلق على أمرين، الأول: المرأة المسلمة المتزوجة.
الثاني: المرأة العفيفة التي لا تمارس الفاحشة، ولا ترضى بها.
والمراد به هنا الثاني، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] أي: حل لكم.
الشرط الثالث: أن يكون الزواج وفقاً لمنهج الإسلام، بأن لا تكون كلمتها في البيت هي العليا، وألا تشترط القوامة، لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، وألا تشترط مخالفة أحكام الإسلام في أبنائها وفي زوجها، كأن تشترط أن يكون الأبناء على دينها أو شيئاً من هذا.
إذا كان الأمر كذلك فيجوز الزواج منها.
стр. 174
بقاء الزوجية بعد إسلام الكتابية
السؤال
إن تزوجت الكتابية ثم أسلمت، فهل يبقى الزواج، رغم أن الإسلام حدث بعد اقتناع؟
الجواب
إذا تزوجت فأسلمت، فهذا خير على خير.
стр. 175
حكم الزواج من الكتابية التي تابت من الفاحشة
السؤال
ما حكم الزواج من الأمريكية غير المحصنة، والتي تابت عن الفاحشة؟
الجواب
إذا كانت توبة صادقة، لا لأجل الزواج، فلا بأس بذلك.
стр. 176
الأمور التي تجب على الزوجة الكتابية
السؤال
ما هي الأمور الإسلامية التي يجب على الرجل المسلم أن يلزم بها زوجته الكتابية، وخصوصاً إذا كانت تعيش في مجتمع مسلم؟
الجواب
أولاً: الإحصان.
أي: لا تمارس الفاحشة، وهذه قضية لا يمكن التساهل فيها.
ثانياً: ألا تظهر دينها أمام أبنائها وألا تعلمهم دينها، وألا تظهر شعارها، وألا تضع الصليب في صدر البيت، وهذا كله مرفوض في الإسلام.
стр. 177
حكم الزواج من أجل الإقامة
السؤال
هل يجوز الزواج من أجل الإقامة، وهو لا يعتبر زواجاً؛ لأنه يتم دفع فلوس للبنت فقط بدون دخول، ولكن عند المحكمة يجب على الشخص أن يُقبِّلها أمام رجل المحكمة؟
الجواب
أقول: اتركوا القضايا التي فيها شبهات، فهذه من القضايا ومن الأشياء التي توقع المسلمين في مشاكل.
стр. 178
جواز زواج الرجل بالكتابية
السؤال
رجل يريد الزواج، ولكن رفض أهله لسبب من الأسباب، فهل هذا يبيح له الزواج من فتاة أمريكية؟
الجواب
ليس للوالدين سلطان على ابنهما في أن يتزوج بنت فلان، فالزواج يتم بمجرد إرادته، والمرأة لا بد لها من الولي، وسواء تزوج من بلده أو من أمريكية، فالزواج صحيح، ولكن بالشروط التي ذكرتها.
وليس معنى هذا أن نحبب أو نرغب في هذا، فـ عمر بن الخطاب كان يمنع المسلمين من الزواج من غير المسلمة، ولما سئل عن ذلك قال: أنا لا أحرم هذا، ولكن أخشى على المسلمين.
стр. 179
جواز التحية بألفاظ ليست من الدين
السؤال
إذا كان لا يجوز بدء اليهود والنصارى بالتحية، فهل ذلك يشمل ألفاظهم التي ليست من الدين، مثل: (صباح الخير، مساء الخير، مرحباً) وما هو ردنا على من سلم علينا فهم بيده؟
الجواب
إن الرسول ﷺ أرسل رسائل إلى أهل الكتاب، وكان المسلمون يمرون على أهل الكتاب ويسلمون عليهم بلفظ: (السلام على من اتبع الهدى)، وهذا إذا أردنا لفظ السلام، وأما التحية بـ (مرحباً، وصباح الخير، ومساء الخير) فإن شاء الله لا بأس في هذا.
ولذا لا يمكن للإنسان أن يعيش في مجتمع فيكون أصم أبكم.
لا ينطق بكلمة واحدة.
والأمر يختلف عندما نعيش في دولة الإسلام، وأما في هذه المجتمعات التي لا نستطيع أن ننغلق على أنفسنا، فإنه وإن كان لا بد من السلام فليكن بصيغة: (السلام على من اتبع الهدى)، لا بتحية الإسلام: (السلام عليكم ورحمة الله).
стр. 180
حرمة حضور المناسبات في الكنيسة
السؤال
ما حكم تلبية دعوة أحد النصارى إلى حفل زواج في الكنيسة، مع العلم أنه لا يكون هناك أي محرمات من شرب الخمور وما شابهها؟
الجواب
لا يجوز حضور ذلك، لأنك ستدخل الكنيسة وأمامك الصليب، ولهم طريقة خاصة في احتفالاتهم، لكن تهنئته أو الذهاب إلى بيته لزيارته أو تقديم هدية له بمناسبة زواجه فلا بأس في ذلك، وكذلك الاحتفال الديني المعروف عندهم لا يجوز حضوره.
следующие страницы →