← Джавами‘

Джавами‘ · id 37419

دروس الشيخ عمر الأشقر

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (531 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الأمور التي تجب على الزوجة الكتابية السؤال ما هي الأمور الإسلامية التي يجب على الرجل المسلم أن يلزم بها زوجته الكتابية، وخصوصاً إذا كانت تعيش في مجتمع مسلم؟ الجواب أولاً: الإحصان. أي: لا تمارس الفاحشة، وهذه قضية لا يمكن التساهل فيها. ثانياً: ألا تظهر دينها أمام أبنائها وألا تعلمهم دينها، وألا تظهر شعارها، وألا تضع الصليب في صدر البيت، وهذا كله مرفوض في الإسلام.

стр. 177

حكم الزواج من أجل الإقامة السؤال هل يجوز الزواج من أجل الإقامة، وهو لا يعتبر زواجاً؛ لأنه يتم دفع فلوس للبنت فقط بدون دخول، ولكن عند المحكمة يجب على الشخص أن يُقبِّلها أمام رجل المحكمة؟ الجواب أقول: اتركوا القضايا التي فيها شبهات، فهذه من القضايا ومن الأشياء التي توقع المسلمين في مشاكل.

стр. 178

جواز زواج الرجل بالكتابية السؤال رجل يريد الزواج، ولكن رفض أهله لسبب من الأسباب، فهل هذا يبيح له الزواج من فتاة أمريكية؟ الجواب ليس للوالدين سلطان على ابنهما في أن يتزوج بنت فلان، فالزواج يتم بمجرد إرادته، والمرأة لا بد لها من الولي، وسواء تزوج من بلده أو من أمريكية، فالزواج صحيح، ولكن بالشروط التي ذكرتها. وليس معنى هذا أن نحبب أو نرغب في هذا، فـ عمر بن الخطاب كان يمنع المسلمين من الزواج من غير المسلمة، ولما سئل عن ذلك قال: أنا لا أحرم هذا، ولكن أخشى على المسلمين.

стр. 179

جواز التحية بألفاظ ليست من الدين السؤال إذا كان لا يجوز بدء اليهود والنصارى بالتحية، فهل ذلك يشمل ألفاظهم التي ليست من الدين، مثل: (صباح الخير، مساء الخير، مرحباً) وما هو ردنا على من سلم علينا فهم بيده؟ الجواب إن الرسول ﷺ أرسل رسائل إلى أهل الكتاب، وكان المسلمون يمرون على أهل الكتاب ويسلمون عليهم بلفظ: (السلام على من اتبع الهدى)، وهذا إذا أردنا لفظ السلام، وأما التحية بـ (مرحباً، وصباح الخير، ومساء الخير) فإن شاء الله لا بأس في هذا. ولذا لا يمكن للإنسان أن يعيش في مجتمع فيكون أصم أبكم. لا ينطق بكلمة واحدة. والأمر يختلف عندما نعيش في دولة الإسلام، وأما في هذه المجتمعات التي لا نستطيع أن ننغلق على أنفسنا، فإنه وإن كان لا بد من السلام فليكن بصيغة: (السلام على من اتبع الهدى)، لا بتحية الإسلام: (السلام عليكم ورحمة الله).

стр. 180

حرمة حضور المناسبات في الكنيسة السؤال ما حكم تلبية دعوة أحد النصارى إلى حفل زواج في الكنيسة، مع العلم أنه لا يكون هناك أي محرمات من شرب الخمور وما شابهها؟ الجواب لا يجوز حضور ذلك، لأنك ستدخل الكنيسة وأمامك الصليب، ولهم طريقة خاصة في احتفالاتهم، لكن تهنئته أو الذهاب إلى بيته لزيارته أو تقديم هدية له بمناسبة زواجه فلا بأس في ذلك، وكذلك الاحتفال الديني المعروف عندهم لا يجوز حضوره.

стр. 181

حكم حضور الأماكن التي يُشرب فيها الخمر السؤال ما حكم حضور اجتماعات عمل أو مؤتمرات يكون فيها شرب للخمر، مع العلم أننا لا نشاركهم في شرب الخمور؟ سؤال آخر: هل يجوز أن نتناول الطعام على مائدة والخمر تشرب على المائدة المجاورة؟ الجواب أما بالنسبة للسؤال الأول: فإنه لا يجوز أن نحضر مؤتمرات فيها شرب للخمور. وأما بالنسبة للسؤال الآخر: فإن كان يحدث شيء من ذلك فإن هذا له حكم الاستثناء، وذلك أن الذي يريد أن يأكل ولا يجد مكاناً غير هذه الأمكنة التي يدار عليها الخمر فلا حرج، لكن إن استطاع أن يتجنب هذه الأماكن التي يدار عليها الخمر فذلك أفضل من أن يحضر هذه الأماكن، ولو أنه اشترى طعاماً وأكله في السيارة -وهو منطلق- كان ذلك أولى وأفضل. ويُعمل في هذه البلاد التي لا يطبق فيها الإسلام، ولا تعرف رائحة الإسلام بقاعدة: اتق الله ما استطعت. وهذه القاعدة العظيمة من القواعد التي نحتاجها في الطعام وفي الشراب وفي اللباس وفي مخالطة الناس وغيرها، ولا يمكن أن نفتي الناس كلهم بفتوى واحدة، فالإنسان الذي لا يجد مكاناً غير هذه الأماكن، فإننا لا نستطيع أن نقول له: لا تأكل في هذه الأماكن، بينما إنسان آخر يستطيع أن يأكل في غير هذه الأماكن، فإننا نقول له: لا تأكل في هذه الأماكن. فالفتوى تختلف من إنسان لآخر. فالإنسان الذي يحضر هذه المؤتمرات التي فيها شرب للخمور، إذا كان هناك ضرورة ولا يمكن أن يسير عمله إلا بحضور هذا المؤتمر، فهذا نقول له: إن حضرت فتجنب الوقت الذي يشربون فيه الخمر قدر الإمكان إذا كان حضورك غير ضروري.

стр. 182

حكم التهرب من الضرائب السؤال ما حكم التهرب من الضرائب؟ الجواب إن الأمور التي يعتبرها الإسلام حقاً لا يجوز التهرب منها، وذلك مثل الخدمات التي يؤديها إليك المجتمع، كالتلفون، والكهرباء، والمواصلات وغيرها، وأما إذا كان الأمر يعتبره الإسلام باطلاً، وذلك مثل الضريبة، فإن استطاع الإنسان أن يتهرب منها دون أن يمسه ضرر فلا حرج في ذلك، بل حتى في الديار الإسلامية، إذا كان مفروضاً على الإنسان شيء من الظلم فله التهرب منه، وليس عليه إثم. والدليل على عدم جواز التهرب من الأمور التي يعتبرها الإسلام حقاً: أمره ﷺ -في الهجرة إلى المدينة- لابن عمه علي بن أبي طالب برد الودائع التي كانت عنده لقريش، وهذا خلق إسلامي راق، وقد عُرف به المسلمون على مدار التاريخ في أي بقعة وجدوا، وأما بأن يعرف المسلمون بأنهم لصوص، وليس عندهم أخلاق، فإن هذا لم يتصف به المسلمون في الماضي أبداً.

стр. 183

حكم الغش في التعليم السؤال أنا طالب أدرس الطيران في بلدي، وقد أرسلت للدراسة في الخارج، وهذه الدراسة قائمة على الغش، فما من واحد منا يدخل صالة الاختبار إلا ومعه مفتاح الإجابات، والمسئولون على شبه علم بذلك، وعندما نحدثهم في هذا الأمر يقولون: نحن لا يهمنا كيف حصلت على الشهادة سواء بالغش أم اشتريتها، وإنما المهم أن ترجع إلى بلدك بالشهادة، وهناك سنبدأ معكم دراسة جديدة. والسؤال هو: ما حكم المال الذي يُنفق علينا هنا، وما حكم المرتب الذي سنستلمه هناك، علماً أننا لن نبدأ العمل في بلادنا إلا بعد تأهيل كامل؟ الجواب هذه علامة من علامات سقوطنا نحن المسلمين، فندفع المال ونضيع الأوقات، ثم النتيجة ورقة تؤخذ من هذه البلاد الغربية. وأنا في الحقيقة لا أوافق على هذه الصورة، ولا أظن إنساناً يستريح قلبه لمثل هذه الصورة، وارجع إلى نفسك، ستجد نفسك غير راض عن هذا، وتستطيع أن تكون شيئاً آخر غير هؤلاء، إذا أردت أن تدرس، وأن تنبغ، وأن تكون على المستوى الذي تتطلبه منك الدراسة، وتستطيع أن تأخذ الشهادة بجدك وتعبك.

стр. 184

حكم تعاطي القات السؤال ما حكم تعاطي الأعشاب الخضراء التي تسمى بـ (القات)؟ وسؤال آخر: وما حكم نوع آخر من أنواع المخدرات اسمه حبوب الجمرى، يستخدم للتنويم؟ الجواب إن كل ما هو مخدر أو مفتر قد جاءت النصوص بتحريمه، كالخمر وما يشبهه مما يحدث نوعاً من التخدير أو التفتير، لما جاء في السنة: (نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر)، فإذا كانت المادة حبوباً أو شراباً أو طعاماً أو حقناً وتعطي هذا الأثر فهي محرمة في ديننا، والقات واحدة من هذه المواد التي ابتلي بها المسلمون في بعض أنحاء العالم الإسلامي وخاصة في اليمن. وأما المخدر الذي يعطى في العمليات الجراحية، أو لأجل العلاج أو الدواء ولا يقوم مقام هذا الدواء شيء آخر، فإن ذلك للضرورة، ولا تدخل في هذا الباب؛ لأن الإنسان السليم لا يأخذها للهدف الذي يأخذها متعاطي الخمر أو المخدرات.

стр. 185

حكم اللحوم في بلاد أهل الكتاب بالنسبة للمسلمين السؤال ما حكم الشرع في اللحوم والدواجن المذبوحة بالنسبة للمسلمين المقيمين في أمريكا، وإذا كانت حراماً فما هو البديل؟ الجواب إن الله تعالى أباح لنا ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وذلك بشروط: الشرط الأول: أن يكون الذابح كتابياً، فإن كان لا يؤمن بدينه فهي ليست من طعام الذين أوتوا الكتاب، قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]. الشرط الثاني: أن تكون مذبوحة، فإن لم تكن مذبوحة فلا يحل أكلها، والذبح قد بينه النبي ﷺ بقوله: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل).

стр. 186

بيان من هم أهل الكتاب السؤال هل هؤلاء من أهل الكتاب حتى نأكل ذبائحهم؟ الجواب نعم، هم من أهل الكتاب، وليس معنى: عيسى ابن الله، والله ثالث ثلاثة، أنهم ليسوا بأهل كتاب، بل هم أهل كتاب ومشركون لقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة:١]، وقد سماهم الله أهل كتاب في زمن النبي ﷺ ، وكانوا يقولون بهذه المقالة، ولكنهم يتميزون عن الكفار الذين ليس لهم كتاب ولا نبي بمميزات منها: أنهم يعرفون شيئاً اسمه (الله)، ولهم شريعة، ولهم كتاب، ويعرفون شيئاً من الحلال والحرام، ولهم شيء من التعبد وإن كان مخلوطاً بباطل كثير، وهذا بعكس الشيوعيين والوثنيين الذين لا يؤمنون بشيء من هذا مطلقاً.

стр. 187

حكم الشرع في حالة وجود بديل لمحل يبيع اللحم الحلال السؤال ما الحكم في حالة وجود بديل لمحل يبيع اللحم الحلال، لكن بسعر مرتفع؟ الجواب إذا وجد الحلال ولو كان سعره مرتفعاً قليلاً فلا ينبغي للمسلم أن يتوجه إلى غيره.

стр. 188

حكم سؤال الرجل عن طعامه السؤال إذا كنت مستضافاً عند صديق لا يصلي، فهل تسأله عن الأكل الذي على المائدة، هل هو حلال أم لا؟ الجواب إذا كان الرجل ممن يتحرى في طعامه فإننا لا نسأله، وكذلك الحال لمن هم في ديارنا، أو أن هذا الرجل تقي وورع ولا يأتي بالأمور إلا من أبوابها فإننا لا نسأله، وأما إذا كان كما ذكر السائل: لا يصلي ولا يصوم ولا يعرف شيئاً فإنه لابد من التحري نوعاً ما.

стр. 189

حكم المسح على الخفين والجوربين والحذاء السؤال ما حكم المسح على الخفين أو الحذاء أو الجوارب العادية؟ الجواب إن المسح على الخفين من السنن الثابتة عند أهل السنة والجماعة، فإذا توضأ المسلم ثم لبس الخفين -و (الخف): حذاء أسفله من الجلد، وأعلاه من الصوف، وهو شبيه بالجزمة المعروفة اليوم ولكن أعلاه من الصوف- أو لبس الجوربين فيجوز له أن يمسح يوم وليلة إذا كان مقيماً، وابتداء المسح يكون من أول مسحة يمسحها لا من حين يلبس الخف أو الجورب، فلو أنه بدأ اللبس في الصباح وبقي على الطهارة إلى المغرب، ثم ابتدأ المسح من صلاة المغرب، فإنه يمسح يوماً وليلة إذا كان مقيماً، واليوم والليلة فيها خمس صلوات، فيمسح خمس صلوات: المغرب، والعشاء، والفجر، والظهر، والعصر، فإذا توضأ بعد ذلك فينبغي عليه أن يخلع خفيه أو جوربيه. والمسافر يجوز له المسح لمدة ثلاثة أيام بلياليهن. والحذاء إذا كان إلى الكعبين، أي: ساتراً للكعبين فيجوز له أن يمسح عليه. وأما الجوارب العادية -التي نلبسها- فيجوز المسح عليها، إلا إذا كان رقيقاً جداً، كالشبيه بجوارب النساء فإنه لا يعتبر، وأما التي لا يُرى لون الجلد من تحتها، وفيها شيء من السماكة، فهذه لا بأس أن يمسح عليها.

стр. 190

شروط المسح على الخفين السؤال ما شروط المسح على الخفين؟ الجواب الشرط الأول: أن يكونا ساترين للقدمين. الشرط الثاني: ألا يكونا رقيقين جداً، وهذا أهم شرط في المسح على الخفين. الشرط الثالث: أن يلبسهما على طهارة كاملة.

стр. 191

حكم الصلاة بالنعلين السؤال ما حكم الصلاة بالنعلين؟ الجواب لقد ورد في ذلك أحاديث صحيحة ومنها: أن الرسول ﷺ كان يصلي في نعليه، وكان يقول للمسلمين: صلوا في نعالكم، خالفوا اليهود، فاليهود لا يصلون في نعالهم أبداً. وفي حديث أن النبي ﷺ صلى بأصحابه منتعلاً، ثم خلعهما بعد دخوله في الصلاة، فخلع الصحابة نعالهم، فقال النبي ﷺ : (ما لكم خلعتكم نعالكم؟ قالوا: يا رسول الله! رأيناك خلعت فخلعنا، قال: لقد جاءني جبريل فأخبرني أن في نعليّ أذى، فإذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر في خفيه -يعني: في أسفل نعليه- فإن وجد فيهما أذى فليحكهما بالتراب) أي: يمسحهما ويدلكهما بالأرض حتى يزول الأذى منهما، ثم ليصل بهما. ولا يشترط تطهيرهما بالماء، وإنما يكفي التراب لذلك كما في الحديث السابق؛ لكن الآن والمساجد مفروشة بالسجاد، فلو أذن للناس أن يدخلوا بنعالهم المساجد، ويصلوا على السجاد، فإنه بعد يوم أو يومين لا نستطيع أن نصلي في هذا المكان، بينما كانت المساجد في الماضي مفروشة بالحصير أو الرمال فكان يمكن الصلاة فيها، لذلك كان لكل قاعدة استثناءات، والصلاة بالنعلين ليس أمراً واجباً، وإنما هي من السنن الواردة عن النبي ﷺ ، ولو كان واجباً لبطلت صلاة الرسول ﷺ وأصحابه عندما خلعوا نعالهم في الصلاة.

стр. 192

أحكام المسافر السؤال ما هي أقصى مدة للقصر والجمع في السفر، وإذا كان الشخص يعلم أنه سوف يمكث خمسة أيام فقط فهل يقصر؟ وقد سمعت أن أحد المشايخ أفتى بأن للطالب إذا ابتعث أن يقصر ويجمع طيلة مدة البعثة ولم يفصل، رغم معرفة الطالب المبتعث بالمدة التي سيقضيها، والمشكلة أن هناك من يمتنع عن الحضور إلى صلاة الجمعة، وقد سمعت أن المسافر إذا صلى الجمعة في مسجد وهو في طريق سفره فإنه لا يجوز له أن يجمع مع العصر، فما هو السبب في ذلك؟ وهل من دليل على ذلك؟ الجواب إن من الأمور التي يسرها الإسلام لنا: أننا إذا كنا في سفر فيجوز لنا أن نجمع بين صلاة الظهر وصلاة العصر، كما يجوز لنا أن نجمع بين صلاة المغرب وصلاة العشاء، وأيضاً من هدي الإسلام أن نقصر الصلاة الرباعية في السفر، فتصلى ركعتين. إذاً: ما هي المسافة التي يقصر فيها؟ وما عدد الأيام التي يقصر فيها؟ و الجواب أن العلماء قد اختلفوا في هذا اختلافاً كبيراً، فبعضهم يجعل المسافة حوالي عشرة كيلو، وبعضهم يحددها بثمانين كيلو، وبعضهم بخمسة وثمانين كيلو. والأيام التي يقصر فيها قد يحددونها بثلاثة وبخمسة وبسبعة، والمسألة فيها خلاف. ومن المعلوم أن المسافر له وضع معروف، والمقيم له وضع معروف، والنص القرآني لم يحدد أياماً ولا مسافة، فالذي يقصر هو المسافر لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤]. وهنا قد يأتي سؤال، وهو: هل يستطيع أحدٌ أن يعرف المسافر من غير المسافر؟ وهل يستطيع أحد أن يقول: إن جلست ثلاثة أيام فأنت مسافر، وإن مكثت خمسة أيام فأنت لست بمسافر؟ أو يقول: أنت جئت من المدينة على بعد خمسين كيلو فأنت مسافر، وإن كانت المسافة أربعين فلست بمسافر، فهل هذا طريق لتعرف المسافر ممن ليس بالمسافر؟ إن المسافر له وضعية مخصوصة، فأحياناً قد يجلس الإنسان خمسة أيام أو ستة أيام أو سبعة أيام وله حكم المسافر، وأحياناً قد يجلس يوماً وليس له حكم المسافر، وأحياناً قد يجلس عشرة أيام وليس له حكم المسافر، وكذلك المقيم له وضعية مخصوصة يعرف بها. وعلى كل فالمسافر له مواصفات، فإن كان مسافراً، يعني: أنه غير مستقر في بلد، ولا مقيم فيها، ولا استأجر بيتاً، وإنما جاء يقضي عملاً له قد يستغرق خمسة أيام أو سبعة أيام، وقد يجلس عشرين يوماً أو خمسة وعشرين يوماً وهو في أعمال متواصلة وما استقر ولا اطمأن به الحال. وأما بالنسبة لهذه الفتوى التي أفتي بها أخ جاء إلى أمريكا، بأن له القصر والجمع طيلة مدة البعثة، رغم معرفة الطالب المبتعث بالمدة التي سيقضيها، فأقول: هل يعقل أن إنساناً اشترى بيتاً أو استأجر بيتاً ومكث سنوات عديدة يدرس، ثم يصلي الصلاة قصراً وجمعاً بحجة أنه مسافر! إن هذا الكلام لو عرضناه على كل العقلاء في الدنيا صغاراً كانوا أو كباراً، رجالاً أو نساء لردوه، ثم نأتي إلى علماء اللغة وعلماء العربية وعلماء الشريعة فلا نجد أحداً يقول بأنه مسافر، بل لو سألنا إنساناً غير مسلم لأجاب بأنه غير مسافر. فالإنسان الذي جاء وأقام في بلد ما، وأصبح له وضع فيها، وليس عنده نية أن يغادرها لا في شهرين ولا ثلاثة ولا خمسة ولا عشرة ولا سنة ولا سنتين ولا أربع سنين ولا خمس سنين لا نقول عنه إن هذا مسافر!! فالسفر معروف والإقامة معروفة، فالمسافر له طبيعة، وله حالة يمر بها، ولا يحدد طبيعته باليوم والاثنين والثلاثة والأربعة والخمسة والستة والسبعة، وإنما يحدد بحالته هو، فلو أن واحداً سافر وجلس أسبوعين، ولم يكن عنده نية إقامة، وحالته وظروفه التي تحيط به تدل على أنه ليس بمقيم، وهناك إنسان نوى الإقامة، وطالت إقامته، فإنه لا شك سيتخذ العدة للإقامة ويهيئ نفسه للإقامة. والخلاصة: أن القضية لا تحدد بأيام، وإنما تحدد بحالة: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤]. وأما بالنسبة للمسافة، فإن هناك مسافة معروفة عند كل العقلاء أنها ليست سفراً، وهناك مسافة معروفة عند كل الناس أنها سفر، فلو أن إنساناً خرج من حي إلى حي مسافة خمسة كيلو أو سبعة كيلو أو ثمانية كيلو فإن هذا لا يعد سفراً عند العقلاء، وخاصة في عصر السيارات والمواصلات السريعة. وإنسان آخر يقطع مسافة ثمانين كيلو أو تسعين كيلو أو مائة كيلو، فإن هذا يعد سفراً عند الناس. ثم تبقى هناك مسافات تختلف فيها أنظار الناس، كمسافة ثلاثين كيلو أو أربعين كيلو، فهل تعد سفراً أو ليست بسفر؟ أنا أرى الآن في عصر السيارات والمواصلات السريعة أن العشرين كيلو والخمسة وعشرين كيلو والثلاثين كيلو والخمسة والثلاثين كيلو والأربعين كيلو لا تعد سفراً، لأن الإنسان يقطعها في دقائق وإذا هو في مكان على بعد أربعين كيلو، ثم في دقائق يرجع إلى بيته. لكن عندما تطول المسافة فتصل إلى حدود الستين والخمسة والستين والسبعين فممكن عند ذلك أن نعتبرها سفراً، لأن هناك نقاطاً وسطى لا بد أن تختلف فيها الأنظار، ونقاطاً تتفق فيها الأنظار. وأما بالنسبة لأقصى مدة للقصر، فهل هي فقط ثلاثة أيام أم لا؟ أظن المسألة واضحة في أنه لا يحدد بالأيام، فلا نستطيع أن نقول: إن أقصى مدة للقصر والجمع كذا وكذا. نعم عبد الله بن عمر جلس ستة أشهر يقصر الصلاة، لأنه كان في كل يوم يتوقع الرحيل، لكن بسبب الثلوج التي أدت إلى قطع الطريق تأخر عن السفر، فهو كان غير مستقر وهو على سفر، فلا نستطيع أن نحدد ذلك بأيام. وأما بالنسبة للمسافر إذا صلى الجمعة في مسجد وهو في طريق سفره، فله أن يجمع معها العصر، ومن قال إنه لا يجوز له أن يجمع معها العصر فقد قال قولاً غير صحيح.

стр. 193

نظرة حول الجماعات السؤال هناك الآن حركات إسلامية متعددة في الساحة، وكلها تدعي الحق، فإذا أردت الانتماء إلى جماعة إسلامية فكيف أختار هذه الجماعة، وما هي أحسن الجماعات في رأيكم؟ الجواب إن هناك قاعدة وضعها الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وآمل أن يستشعر كل مسلم معنى هذه الآية. وقبل كل شيء هذا المسلم الذي يقول الشهادتين، ويصلي ويصوم، له حقوق على المسلمين منها: محبته ومحبة الخير له، وكراهة أن يُنال بسوء وأذى، وهذه قاعدة كبيرة من القواعد الإسلامية التي غفل عنها المسلمون اليوم. إذاً فنحن أمة واحدة، وجماعة واحدة، والإطار الذي يجمعنا هو الإسلام، والواجب أن نسلم وجهنا لله تعالى، وأن نلتزم بالمنهج الذي هو الإسلام، فالإسلام -كما نقول- منهج حياة. والمشكلة أن الخلافة الإسلامية قد ضاعت، وأيقن المسلمون أنه لا يمكن إعادة الخلافة إلا من خلال جماعة، وتعددت وجهات النظر، كيف نحيي المسلمين؟ وكيف نقيم لهم دولة؟ ولو أن كل فرد اشتغل بمفرده لإعادة المسلمين إلى جادة الحق، ولإقامة دولة الإسلام لكان ذلك أمراً صعباً. وعلى هذا لابد أن تضع يدك في أيدي المسلمين، ولو أننا اتفقنا على شروط ينبغي أن تتوافر في الجماعة المسلمة، فأنا لا يضيرني بعد ذلك في أي الجماعة تكون، لكن ينبغي أن تتوفر الشروط، وجمع الأمة المسلمة على جماعة واحدة هو الواجب، لكن لا نستطيع ذلك، فالناس لهم مشارب ولهم اتجاهات، ولا أستطيع أن أقول: إن الجماعة الفلانية على الحق وغيرها على الباطل، لكن أنا لا أرضى أن يكون الإنسان في جماعة همها تحطيم الآخرين، وإيصال الأذى لأي مسلم في جماعة أخرى، فمثل هذه الجماعة أعتبرها جماعة فيها انحراف. وأنا عندما أكون في جماعة فإنه من واجبي أن أحب كل مسلم سواء كان في جماعة أو ليس في جماعة، وأن أحب له الخير، وأن أحرص عليه.

стр. 194

نحو قائد رباني إننا على يقين بأن النصر قادم، وأن العزة للإسلام وأهله، وأن الطاغي مهما استمر في طغيانه وبطشه فلا بد له من يوم يندم فيه أشد الندم على ظلمه وطغيانه، ولكن لا تعود العزة للإسلام إلا بالجهاد لأعداء هذا الدين.

стр. 195

جراحات المسلمين، وبغي الكافرين إن الحمد لله، نحمده ونستعنيه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله. أما بعد: فكثير ما يتفكر المسلم في هذه الأيام في أحواله وفي أحوال المسلمين من حوله، فيا ترى لو قدر للمسلمين أن يقوم فيهم ابن الخطاب ﵁ من جديد، أو يأتي صلاح الدين من جديد، أيستطيع أن يبعث الأمة من رقدتها؟ أيستطيع أن يقوّم اعوجاجها؟ أيستطيع أن يدفعها إلى الأمام لتحمل الراية من جديد؟ إنها أسئلة تتوارد على فكر الإنسان المسلم، وهو يرى ما يرى. إننا نرى في هذا العصر أعداء الإسلام قد امتلكوا أسباب القوة، هؤلاء الذين أذلهم المسلمون في الماضي عندما كانوا مقيمين في ديار المسلمين وأرادوها عوجاً، فعلمهم المسلمون كيف يكون الرجال، لقد كانوا يسكنون المدينة وأطراف الجزيرة العربية فكانت ضربات المسلمين ضربات موجعة، فمرة يخرجون على دوابهم لا يأخذون معهم إلا ما تحمل ظهور الدواب، ومرة يحكم فيهم ابن الإسلام بأن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم ونساؤهم، وأن تستلب ديارهم وأموالهم، ومرة يغير عليهم جيش الإسلام وهم خارجون إلى الحقول، كما وقع في خيبر، فيتنادون: محمد والخميس، أي: والجيش العظيم؛ لما رأوا من عظم جيش المسلمين، وما زال يحيط بهم الجيش الإسلامي حتى استسلموا، ثم أخرجهم الفاروق في خلافته، وطهر الجزيرة من رجسهم وقذرهم. إن أعداء الإسلام اليوم يمتلكون قوة بغوا بها، فبالأمس تغير طائراتهم على ديار المسلمين، لقد أغارت على النساء والأطفال والرجال وعلى البيوت والمساجد والمدارس، وكأنما تغير على ثكنات عسكرية، وقد كانت تلقي حملوتها من القنابل والقذائف فتدمر وتقتل نساءً وأطفالاً ورجالاً لا يملكون سلاحاً. ويمر الحدث وكأن المسلمين لا يسمعون، وكنت أود أن أجعل هذه الخطبة حديثاً عن مشكلة اجتماعية، كما طلب مني بعض الإخوة في هذا المسجد، فإنهم قالوا: أنت نسيت مشكلاتنا، مشاكل نسائنا وأبنائنا، فكنت أتمنى أن أتحدث عن ذلك، ولكن تحت المشاهد التي يراها المسلم تنزل بأهل الإسلام لا يستطيع المسلم أن يترك الحديث عنها، فماذا يقول للناس؟ هل يحدثهم عن مشكلة زوجة ومشكلة طفل وأطفال المسلمين يقتلون، والمسلمون يذبحون، والمساجد تدمر فوق رءوس المصلين، والنساء يقتلن بقنابل العدو، والعدو يدخل المساجد بالسلاح، وكلابهم تنهش المسلمين، ولا يملك المسلمون أن يردوا عدوانهم، وأسير نصراني كافر تهتز له أمريكا، وتطلقه دولة تسمى بالإسلام بعد أن تسمح له بأن يقيم حفلة في أعياد الميلاد وهو أسير؟! وبالأمس طائرات هذا الأسير كانت تقذف حمماً فوق رءوسنا، واليوم يذهب معززاً مكرماً! في الوقت الذي تدك طائرات أبناء القردة والخنازير ديار المسلمين، ماذا يفعل قائد لو بعث من جديد؟ ماذا يفعل بالمسلمين؟ ليست المشكلة مشكلة فرد، وإنما هي مشكلة نفوس ينبغي أن تتربى على الإسلام، إن القائد يفعل ما يفعل إذا كان وراءه رجال يعرفون أنفسهم، ويعرفون دينهم، ويعرفون طريقهم، فالطريق أن يبعث الإسلام من جديد في نفوس أهله، فيصلح هذه النفوس، ويغسل منها أدرانها، ويعيد إليها صفاءها، ويصلها بربها ﵎.

стр. 196

تفاؤل في زمن اليأس إن ما نسمعه اليوم من الذين يتصدون للعمل الإسلامي، بل والعمل عامة من طرح جديد لم نكن نسمعه من قبل، إنما هو بوادر خير، ففي الأحداث الأخيرة في الأسبوع الماضي كان يتردد في لبنان كلمات لم نكن نسمعها من قبل: خيبر خيبر يا يهود، دين محمد سوف يعود، أو كلمات قريبة من هذا. تذكروا معي فتن (١٩٦٧م) عندما دخل اليهود القدس، فقد سمعنا من إذاعات دول عربية وغير عربية، وقرأنا في الصحف أن اليهود كانوا ينشدون وهم يدخلون القدس الشريف مسرى رسول الله ﷺ : يا لثارات خيبر! فهم يقولون: محمد مات وخلف بنات. كانوا يعرفون القضية ويعرفون الماضي، ويعرفون أنها ليست بينهم وبين القومية العربية، وليست بينهم وبين الاشتراكيين، وليست بينهم وبين الذين يسمون أنفسهم بالوطنيين، إنما هي بينهم وبين الإسلام، فلها جذور عميقة في خيبر، وفي قريظة، وفي النضير، وفي غير ذلك من الوقائع التي خاضها المسلمون، فهم يعلمون أبعاد المعركة ويعلمون أبعاد القضية، ولكننا لم نكن نعلم أو كثير منا لم يكن يعلم أبعاد القضية وجذورها وخطورتها، كثير منا لم يكن يعلم هذا، وهناك من يقول: سنعلنها قومية، ونعلنها اشتراكية، ونعلنها وطنية، وغير ذلك من المبادئ.

стр. 197

من المؤمنين رجال إن الذين أسقطوا طاغية مصر الذي زار إسرائيل كتبوا بدمائهم عندما كانوا يحاكمون: أيها اليهود! المسلمون قادمون، أيها اليهود المسلمون قادمون. وهؤلاء أيضاً كانوا يعلمون جذور القضية، ويعلمون أن معركتهم إنما هي مع اليهود، وأن الذين علوا على ظهور الطيبين ويكتمون أنفاس الصالحين ويضعونهم في السجون إنما هم عملاء اليهود، وهي تلك الأيدي التي تصافح اليهود من ناحية وتضرب بالخنجر المسلمين من ناحية أخرى، والحمد لله لقد انبعثت في زماننا صيحات ما كنا نسمعها، هذه الصيحات تعبر عن أمل يراود المسلمين في عودتهم إلى أصالتهم، وعودتهم إلى إسلامهم، وأن يطرحوا عنهم شعارات الزيغ والدجل والكفر التي رفعها أناس من السياسيين والمفكرين، فحرفوا المسيرة زمناً طويلاً، وأبعدوا المسلمين عن الحق المكتوم، فضاعت سنوات طويلة في عبث لا طائل تحته. فلا بد أن يعود المسلمون إلى أصالتهم وأن يكون شعارهم الإسلام، وأن يعرفوا عدوهم، وأن يوجهوا حرابهم نحو هذا العدو، لقد كان الذين يوجهون الضربات للعدو في الجنوب اللبناني فئة من الشباب المسلم، وما كانت يهود تدري أن الذي يقوم بهذه العمليات الجريئة هم فئة من الشباب المسلم حتى أمسكت بطرف الخيط منذ أيام قليلة، فجن جنونها، وإذا بها تقوم بحملة اعتقالات واسعة لكل التيار الإسلامي بما فيهم أئمة المساجد والخطباء، والشباب المسلم المتدين، وجن جنونها؛ كيف هذا؟ فقد مضت سنة كاملة وهي لا تدري من الذي يفعل بها الأفاعيل، عندما يتقدم الشباب المسلم الصفوف يكون أميناً على قضيته، فلا يبيعها، ولا يتركها، ولا يهادن، ولا يجامل، ولا يفعل كما فعل الكثير من الذين تصدوا للقضية فباعوها بثمن بخس! يريدون أن يقيموا دولة على شبر من الأرض! وترى بعض من يدعي الإسلام يصافح أبناء القردة والخنازير ويريد أن يبيع الأرض المباركة بثمن بخس تافه لا يساوي ذرة من الأرض المقدسة التي أسري بالرسول ﷺ إليها، فما كان ولا يكون للمسلم أن يساوم على أرض هي للمسلمين، أو في أمر مقدس عندهم، وانظروا كيف قبل آخر خليفة للمسلمين أن ينزل عن عرشه وأن يترك ملكه دون أن يبيع فلسطين؛ لأن فلسطين لا يساوم عليها، وليست فلسطين فحسب، بل كل شبر من بلاد المسلمين لا يستطيع المسلم أن يساوم عليها، وإن قطعت عنقه، أو زهقت روحه، فإنه سيذهب إلى الله ﵎ فيجازيه على عمله أتم الجزاء، وذلك خير له من أن يبيع أو يساوم أو يهادن حين يجب عليه الدفاع عن دينه أو أرضه أو عرضه، فذلك ليس بمنطق مسلمٍ أبداً.

стр. 198

الحذر من الدُخلاء ! لقد قلت كثيراً: إن الذين يتصدون للقضية في مجلس الأمن، وفي هيئة الأمم، وفي ساحات القتال، كثير منهم -إن لم يكونوا كلهم- ليسوا بأمناء على القضية، إن الأمناء على القضية هم الذين يخشون الله ويخافون عقابه يتقونه ﵎، ويعلمون أن ما عند الله خير وأبقى، وهم الذين يقدمون أرواحهم لربهم ﵎. لقد منع هؤلاء من الجهاد ومنعوا من تصدر الصفوف من ناحية أخرى، وامتلأت بهم السجون في بلاد المسلمين، فتمنعهم دولهم من أن يحاربوا اليهود، وأن يزلزلوا الدولة التي أقامتها اليهود، ولكن ذلك لن يطول، فعندما يحصر السيل تجتمع السيول فتكثر، ولا بد أن تتحطم السدود مهما كانت قوية. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من كل ذنب، استغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 199

الخير قادم بعون الله وإرادته التي لا يقف أمامها شيء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله، وبعد: فإن هذا الذي نشاهده من عودة الإسلام إلى النفوس سينشىء أجيالاً، وينشئ رجالاً، وينشئ قادة، فإذا كثر الغرس الطيب كان من بين الغرس الطيب غراس مثمرة معطاءة، وكان من هذا الثمر الطيب ثمار تسر الناظرين. فمن هذه الأجيال يتخرج العلماء، ويتخرج القادة، ويتخرج رجال الفكر، ويكون في ديار المسلمين خير كثير، وإنما الخطر كل الخطر أن تكون الأرض جرداء ليس فيها نبتة ولا شجرة، وأما إذا ما كانت الأرض خصبة ونزل عليها المطر، وتشققت بالنبات، ثم ظهر غرسها فعند ذلك نؤمل خيراً كثيراً، وعند ذلك يحقق الله ﵎ لعباده خيراً كثيراً، وهذه سنة الله في هذا الدين، فتجتمع على أهله الأمم، وتوجه إليه المؤامرات، ولكن ما بالكم بمعركة يدير دفتها رب العالمين، مالك الملك القادر على كل شيء، القهار الغالب الذي له ملك السماوات والأرض، والذي له جنود السماوات والأرض، فيا ليت شعري ماذا يملك العباد؟!! إن العباد لا يستطيعون شيئاً، وانظروا كيف عانت الدولة العظمى منذ أيام من لفحة برد أصابها بها رب العزة، ولو زادت وطالت قليلاً لكلفت هذه الدولة تكاليف رهيبة، إن لله جنوداً لا نعرفهم، والبرد واحد من هذه الجنود، والحر واحد من هذه الجنود، فهو سبحانه قادر أن يزلزل العباد، وأن يقصف بهم من فوقهم، وأن يميد بهم الأرض من تحتهم، إنه قادر على أن يرسل عليهم ما يشاء من العذاب فإذا بهم لا يستطيعون شيئاً. إن الله ﵎ يريد من أوليائه وأحبابه والذين ينتسبون إليه أن يجاهدوا في سبيله، فينصر الله ﵎ بهم الدين، ويعز بهم ملة الإسلام، ويعز بهم أنفسهم، ثم يكونوا قادة وسادة، وإلا فالله قوي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وما هذا الخير الذي بدأت الدول الكبرى تخافه، وبدأت يهود توجه أنظارها إليه ما هو إلا شيء من هذه العودة الطيبة إلى الإسلام، والتي تنادي بالإسلام، وما هذا إلا هداية وتوفيق من الله ، وطوبى للذين يكونون في هذه المرحلة جنوداً ينشرون الإسلام، ويعملون للإسلام، ويؤصلون الإسلام، ويبينون التوحيد، وينشئون أجيالاً، ينشئون رجالاً، ينشئون أمة، فهؤلاء هم الأسس التي يقوم عليها البناء، وأجرهم عند الله ﵎ كبير. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب الدعوات.

стр. 200

احفظ الله يحفظك من أراد التمكين والكرامة والتوفيق، فلا يكون له ذلك إلا بحفظ الله ، الذي بيده مقاليد السماوات والأرضين، ونواصي الخلق كلهم بيده سبحانه، فمن حفظ شرعه ودينه فلا شك ولا ريب أنه سينال كل ما يصبو إليه من مقامات الرفعة والعزة والكمال دنيا وأخرى. أما من لم يحفظ أمانة الملك عنده فلا تسل عن حاله المخزية، لإيثاره العاجل على الآجل، والخزف على التبر.

стр. 201

وصية النبي ﷺ لابن عباس إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فقد بعث الله ﵎ عبده ورسوله محمداً صلوات الله وسلامه عليه؛ ليكون معلماً للبشرية؛ وليكون هادياً وسراجاً منيراً، فكل معلم لا يستمد علمه من رسول الله ﷺ فليس بمعلم، وكل ما ثبت من طريق هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وما تعلم منه فهو خير وحق وعدل؛ لأنه المعلم الصادق. ولقد كانت كلمات قليلة تصدر من المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فتغير عقائد فاسدة، وأخلاقاً سيئة، وسلوكاً يجري العمل به بين الناس قد استقر في أذهانهم، وكأنما هو دين وشريعة تؤثر في نفوسهم وفي أولادهم تأثيراً سيئاً، وكان ﷺ يغني بالكلمات القليلة النفوس، وكان يوجه الأمة بكلمات تصدر منه صلوات الله وسلامه عليه وهو جالس في بيته أو في مسجده أو سائر على فرسه أو على دابته، تعجز إمكانيات البشرية اليوم أن تفعل كما فعلت كلماته ﵊. من هذه التعاليم التي نحفظها تلك الكلمات التي وجهها الرسول ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس وكان غلاماً صغيراً، وذلك أنه كان يسير مع الرسول ﷺ فقال له: (يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، أو كما قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه. فبالله عليكم من منا لا يحتاج لهذه الوصايا؟! ومن منا لا تنفعه ولا تكون دستوراً لحياته؟! ومنهجاً يسلكه ويسير على ضوئه في عمله وفكره؟ أليس في هذه الوصايا توجيه للأمة كلها؟ فلو اتخذت الأمة من هذه الكلمات منهجاً وسبيلاً فإنها ستفلح. فإذا حفظت الأمة الله ﵎ في عقيدتها، وفي فكرها، وفي قولها، وفي عملها، وفي سلوكها وآدابها، وفي قوانينها، ألا يحفظها الله ﵎؟! ألا يعزها سبحانه؟! ألا يدفع عنها أعداءها؟ ويدفع عنها البلاء؟! بلى والله.

стр. 202

معنى الأمانة الربانية ووجوب حفظها نحن نؤمن بالله ﵎ رباً وإلهاً وخالقاً وموجداً قديراً يملك كل شيء، فإذا كنا كما يريد سبحانه، فلنحفظه ﵎ في أمانته عندنا؛ لأن ربنا ائتمننا، أي: أوصل إلينا أمانة، وأمرنا بالمحافظة عليها فقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب:٧٢]، وأمانة الله ﵎ هي تلك التكاليف التي كلفك الله بها، ومن أجلها أنزل إليك كتاباً وأرسل إليك رسولاً، وأوصل إليك أمانة، والأمانة التي أوصلها إلينا قد تضمنها كتابه وسنة رسوله ﷺ . فالعقيدة أمانة، والصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والحج أمانة، وكلمة الحق تبطل بها باطلاً وتحق بها حقاً أمانة، والبعد عن الذنوب والمعاصي واجتناب حدود الله ﵎ وحفظها أمانة، والعمل بهذا الكتاب أمانة، وتحكيم شريعة الله أمانة وأي أمانة. فإذا حفظت أمانة الله فإن الله ﵎ يحفظك، والأمة إذا حفظت أمانة الله فإن الله ﵎ يحفظها، فالصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه يقول: (احفظ الله يحفظك).

стр. 203

حفظ الله للمؤمنين استعرضوا ما شئتم من سيرة المهتدين والصالحين الذين ذكرهم الله ﵎ في كتابه، فستجدون أن الله يحفظ الفرد والأسرة والجماعة بحفظها أمانة الله ﵎. وقد حدثنا الرسول ﷺ عن الثلاثة الذين دخلوا الغار، وجاء السيل فانحدرت بسببه صخرة فأغلقت باب الغار، فكيف نجاهم الله ﵎؟ نجاهم؛ لأن كل واحد منهم سأل الله بعمل حفظ الله ﵎ فيه: فأحدهم: حفظ المال الكثير ورده إلى صاحبه، والآخر: أتته فرصة للزنا سهلة ميسرة، ولكنه خاف الله ﵎، والثالث: كان يبر والديه، فكل واحد منهم كان يذكر حالة حفظ فيها أمانة الله فيتوسل إلى الله بها، فتنفرج عنهم الصخرة قليلاً، حتى إذا ما أتم الثالث دعوته انزاحت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون، لقد قبروا وهم أحياء، ولا يعلم بهم أحد، أو يعرف مكانهم أحد، إلا رب العزة . وبمَ أنجى الله نوحاً؟ وكيف أنجاه؟ لقد أهلك الله الظالمين الذين رفضوا أمانة الله ورسالته، ورفضوا أن يحفظوا الله ﵎ في أمانته، وأصروا أن يعيشوا كما يشتهون وكما يحبون، فدمرهم الله، ونجى نوحاً والذين آمنوا معه، كما قال سبحانه: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٣]. ولو تأملنا كيف نجى الله ﵎ موسى ﵇ والمؤمنين؟ وكيف أهلك الكافرين؟ وعندما رمي ذو النون في البحر فالتقمه الحوت قال الله عنه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: في بطن الحوت، فاجتمعت عليه ظلمة الحوت ثم ظلمة قعر البحر، ومع هذا ينادي رب العزة ﵎ من أعماق البحار قائلاً: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فقال الله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨]، وليست هذه خصوصية لذي النون ﵇ وإنما هذا يتحقق لكل مؤمن، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]. هذه هي سنة الله ﵎ في المؤمنين الذين يستقيمون على طاعته سبحانه، والذين يحفظون حدوده، ويحكمون بأمانته ﵎ في خلقه. فقول النبي ﷺ : (احفظ الله يحفظك)، كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣]. إن سنة الله ﵎ في عباده أن الإيمان يحدث خيراً في نفس الإنسان، وفي واقعة، ويحدث خيراً له بعد أن يبعثه الله ﵎ عند أن يجمع الأولين والآخرين.

стр. 204

حفظ الله للمؤمنين في أحلك الظروف سيرة الرسول ﷺ وسير الصحابة وسير الصالحين من هذه الأمة مليئة بالصور التي حفظهم الله فيها، تأملوا معي هذه في الحقيقة، وانظروا إليها بعيون مفتوحة، وبصائر مدققة، فستجدونها قصة تتكرر في كل حين، وفي كل عصر، بل قد تتكرر في كل يوم يقع فيه ظلم أو فساد في الأرض. إن الله ﵎ ينجي الصالحين، ويأخذ الظالمين المفسدين، فإذا ما أجلت العقوبة في الدنيا فإن هناك عقوبة أكبر للذين يتمردون على هذا الدين وعلى هذه الشريعة، وانظر كيف أنجى الله الرسول ﷺ من كيد الكافرين في مكة، وكيف حفظه، وعندما خرج من مكة خرج وليس معه قوة تحميه، وإنما معه رجل واحد أعزل من السلاح، فانظر كيف نصره الله، قال : ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، أي: لا تحزن يا أبا بكر لما تراه من إحاطة الكافرين بالغار. وانظر كيف نجى الله المؤمنين حي تألبت عليهم القوى الكافرة، واجتمعت كل تلك الأحزاب على العصبة المؤمنة في المدينة المنورة، وأحاطت بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم، كما قال : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠]، فماذا فعل الله ﵎؟ قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]. فنصرهم الله ﵎، وأيدهم بجنود من عنده، ومن جنوده الملائكة والريح، فإن الله قد يرسل الملائكة يمد بهم المؤمنين، كما أمدهم بهم في معركة بدر، وفي حنين، وفي غيرهما من المعارك، وهذا ليس مقصوراً على عهد الرسول ﷺ ، بل هذه حالة دائمة، كما قال الله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]. ووصية الرسول ﷺ الآنفة الذكر هي لكل فرد في الأمة، وللأمة جميعاً، فقوله: (احفظ الله يحفظك)، أي: عندما تحفظه في نفسك، ومالك، وأهلك، وفي قولك وفعلك، وعندما تحفظه في الأمانة التي أنزلها إليك، وعندما تفعل ما يأمرك به ابتغاء مثوبته، وتترك ما ينهى عنه خوف عقوبته، وعندما تحفظ الله ﵎ في كل أمورك فإن الله سيحفظك، فوصية الرسول ﷺ للغلام الصغير من المسلمين هي وصيته للمسلمين جميعاً.

стр. 205

إن تنصروا الله ينصركم يستطيع المسلم أن يستقيم على طاعة الله، والأمة تستطيع أن تستقيم على طاعة الله، فعند أن يراد بالمسلم شراً يقول: يا رب! أنا عبدك، وأنا استقمت على طاعتك، فمكني، وعندما يراد بالأمة شراً فتعمل ما تطيق من الأسباب وتلجأ إلى رب العزة ليدفعه عنها، كما فعل الرسول ﷺ عندما توجه إلى ربه في عريش بدر؛ فإنه توجه يدعو الله ﵎، فإن المؤمنين كانوا قلة في مواجهة كثرة الكافرين، فكان يستنصر ربه ﵎، فخرج الرسول ﷺ بعد دعائه وهو يردد قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥]، وجاء نصر الله ﵎، وجاءت ملائكة الرحمن، نصره، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، ومن التثبيت: ما في: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢]. فعندما يدير المعركة رب العزة، وعندما يكون هو النصير والمعين والمؤيد يرتاح قلب المسلم وخاطره، ويعلم أنه يلجأ إلى ركن ركين، ويلجأ إلى من قوته أعظم من قوة البشر، وبمثل هذا يستطيع المسلم أن يواجه واقعاً مريراً، وظلماً شديداً، ويواجه أعداء أشداء يريدون به كل شر، فإذا حفظ الله ﵎ فلن يبالي بهم جميعاً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 206

المخرج من الفتن والمحن الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه. وبعد: في هذه الأيام التي تشتد فيها الخصومة، ويشتد فيها العداء، وتحتار الأمة في رسم طريقها، ويحتار القواد كيف يفعلون، ويحتار رجال السياسة ماذا يصنعون، تأتي كلمات الرسول صلوات الله وسلامه عليه لتبين المنهج والطريق: (احفظ الله يحفظك). يا أمة الإسلام! لا تشرقي ولا تغربي، وإنما سيري إلى الله ﵎، واتبعي منهج الإسلام كما أمرك ربك ﵎، فليست شرقية ولا غربية، إنما هي ربانية، إنما هي إسلامية، إنما هو طريق القرآن، إنما هو طريق محمد صلوات الله وسلامه عليه، فاحفظ الله أيها الفرد المسلم وأيتها الأمة المسلمة، فالله ﵎ يدافع عمن حفظوا أمره وشرعه. لقد التجأنا إلى كل الدول وإلى كل القوى فما أغنت فتيلاً! وما أغنت عنا شيئاً، فإن البلاء يصب علينا منهم صباً، والناس لا يجدون حيلة، وليس هناك إلا الطريق الذي رسمه الرسول ﷺ ، وهو: أن تعود هذه الأمة إلى أصالتها، وأن تعود إلى دينها وكتابها، وأن تعرف كيف تأخذ وكيف تسعى في هذه الحياة، ومن تصادق ومن تعادي، ومن توالي ومن ترفض، عند ذلك يكون لهذه الأمة شأن. أما والحالة هذه فالخطر كبير، والمصاب جلل، فالأمة تتردى، ونحن لا نعرف الطريق، ونتلهى بالقشور في كل يوم، تلهينا الإذاعات والتلفزيونات، وتلهينا الصحف والمجلات، ويلهينا الباحثون والكاتبون والسياسيون، الخطر محدق بنا ونحن نعيش فوق بحر خضم من التفاهات والتناقضات في حياتنا! ومن آخر ما يحزن قلب كل مسلم ما تنشره الصحافة في هذه الأيام: أن كتاب الله ﵎ أصبحت آياته توطأ وطئاً، وتغلف به النعال في أوروبا، كتاب الله يداس بالأقدام عند النصارى الذين نمد لهم في كل يوم يداً، ونستقبلهم في ديارنا! أصبحت آيات الكتاب أضحوكة، وهذا ليس بالشيء الجديد، فقد تحدثت بهذا منذ سنوات عندما جاء إلي أخ بلباس داخلي تلبسه المرأة على فرجها، وقد كتب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتحدثت بهذا من فوق هذا المنبر، وقلت لكم: انظروا يا مسلمون! ورأى هذا أناس كثيرون من الإخوة المصلين، رأوه بأم أعينهم، ثم رجالنا ومفكرونا لا يزالون يصلون تجاه واشنطن، وموسكو، ولندن، وباريس، وهم الذين يكرهوننا، ويحقدون علينا، ويسخرون بديننا، ويسخرون برسولنا صلوات الله وسلامه عليه، ويسخرون بكتابنا كما تشاهدون وتسمعون. ومن خبثهم أنهم يسمون الأماكن التي يشربون فيها الخمر والتي يفسقون فيها مكة، باسم أشرف وأطهر بلد فوق ظهر الأرض، أي أمة هذه الأمة التي فقدت الإحساس بالآلام؟! ولكن كما قال الشاعر: من يهن يسهل الهوان عليه مالجرح بميت إيلام يلوموننا لأننا نتجه إلى معاونة المسلمين في أفغانستان، ولأننا نعاونهم في كل مكان، ولأننا نحب الذين يعتقدون عقيدتنا ويشعرون بشعورنا، يلوموننا على ذلك، ولا يلومون أنفسهم عندما يولون وجوههم إلى مجلس الأمن، وإلى هيئة الأمم، وإلى بريطانيا، وإلى أمريكا، ثم تأتي الصفعات، مرة من مجلس الأمن، ومرة من هيئة الأمم، ومرة من أمريكا، ومرة من بريطانيا، ويدوسوننا بالنعال!! يقول الخبيث كيسنجر الذي نعرف خبثه وفساده: العرب كالكلاب كلما ضربتهم على رءوسهم جاءوا إليك، هذا تصوره، وهذا هو واقع، فكم صفعنا؟ وكم ضربنا؟ وكم أوذينا؟ وكم داسوا فوق ظهورنا؟ وأخذوا بلادنا؟ وامتصوا خيراتنا؟ فعشرات الملايين من المسلمين ذبحوا بيد أم الحرية فرنسا، وأم الحضارة أمريكا، والدولة التي كانت العظمى في ذلك الوقت بريطانيا، ولا ننسى إيطاليا، ولا ننسى اليهود الذين تمدهم كل هذه الدول، ثم بعد ذلك يكون لنا عين تتجه إلى هؤلاء ونقبل جبينهم! أما آن لهذه الأمة أن تفهم حقيقة الأمر، وأن تفهم موازين النصر، وأن تفهم طريق العزة؟ لقد لخصها لنا الرسول ﷺ في كلمتين: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك). فإذا حفظت الله ﵎ فإنه يحفظك، وإذا حفظته ﵎ فتجده أينما كنت، بعونه وتوفيقه وتسديده، حتى لو ألقيت في قعر بئر، أو صعد بك إلى السماوات العلى، فإن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو عليم بكل شيء، خبير بكل شيء، فإنه سبحانه مالك الملك القهار الجبار، . فهذا سبيل النصر، وهذا ميزانه، وبهذا تحفظ الأمة نفسها، ويحفظ المسلم نفسه، وبغير ذلك يضيع كل شيء. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب الدعوات.

стр. 207

نظرات في سورة القصص أخبر الله محمداً ﷺ بقصص الأمم السابقة؛ لتكون دليلاً على صدق رسالته؛ ولتكون عظةً وعبرةً لأمته، وهو تهديدٌ من الله لمن يكذب رسوله ويجحد رسالته، بأنه سيحصل لهم ما حصل للأمم السابقة. وما أشبه قصة محمد ﷺ مع قومه، بقصة موسى ﵇ مع قومه، وسورة القصص من السور التي تبين ذلك وتوضحه.

стр. 208

اصطفاء الله للعرب بالرسالة المحمدية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فقد شاء الله أن ينبثق النور بعد عصور متطاولة من الظلم والظلام في بقعة نائية من عالمنا الأرضي، فما كان الناس يفكرون يوماً أن قيادة العالم ستنبعث من قلب الجزيرة العربية؛ فالدول المتحضرة والمتمدنة كالفرس والروم والأمم التي عندها بقايا من الحق كاليهودية والنصرانية كانت تتنازع القيادة السياسية والقيادة الفكرية في العالم، ولكن الله له حكمة، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] تكونت الأمة الإسلامية والجماعة الإسلامية والعصبة المؤمنة في قبائل وأمم متخلفة حضارياً، ليس لها رابط سياسي، وليس لها ملك يوحدها، ثم عند بدء اجتماع الكلمة لتحقيق الخير الكبير في حياة البشر لم يكن الطريق سهلاً، بل كانت هناك عقبات وصعاب في الطريق، فاحتاج المؤمنون بهذه الرسالة أن يبذلوا جهوداً مضنية في هذا السبيل، وكانوا بحاجة دائماً إلى الزاد وإلى تجارب الأمم من قبلهم، وبحاجة إلى أن يتعرفوا إلى سنن الله في خلقه وفي عباده، وكان القرآن الكريم يتنزل؛ ليكوِّن الجماعة المؤمنة، وليمدها بالعطاء والخير، وليعرض عليها كيف يجري قدر الله في عباده.

стр. 209

اصطفاء الله لبني إسرائيل قبل بعثة النبي محمد وسأحاول أن أستعرض شيئاً ما من سورة القصص في هذا الجانب. فقد شاء الله في القديم أيضاً قبل بعثة محمد ﷺ أن يكوِّن جماعة على يد موسى ﵇، تحمل الحق الذي توالت الرسل في حمله، وكانت الجماعة المؤهلة لحمل المهمة جماعة مستضعفة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:١ - ٦]. فقوله: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يستفيد منها المؤمنون في عصر الرسول ﷺ وفي كل عصر وخاصة في هذا العصر، حيث دُمِّرَ الكيان السياسي للإسلام، وشُتِتَ المسلمون، وقبضوا في كل مكان، وورثوا أثقالاً من التقاليد بعيدة عن الإسلام، اختلط فيها الحق بالباطل، وهناك رجال من هذه الأمة يحاولون أن ينهضوا بها مرة أخرى، يحاولون أن يرفعوا عنها أغلالها وقيودها، وأن يعالجوا مشكلاتها.

стр. 210

العظات والعبر المستفادة من قصة موسى وبني إسرائيل ونحن بحاجة إلى أن نتدبر ما يقصه الله علينا فهو يقصه لنا، وهذه القصص نحن بحاجة إليها اليوم حاجة شديدة جداً، فينبغي أن نفتح أبصارنا وبصائرنا لها، ((لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ))، ما القضية؟ ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ))، أي: أن فرعون الطاغية علا في الأرض وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ((مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي))، واليوم ملوك الأرض يستعلون ويستكبرون، ولا يعترفون بتشريع الله ولا بدينه، بل ويقصون شريعة الله من الأرض، ويعذبون المؤمنين في كل مكان، فقد رفع الشيطان في وسطهم رايته. قوله: ((وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ)) أي: البقية الباقية من ورثة إبراهيم وإسحاق ويوسف ويعقوب، فهي الطائفة التي كانت بقية الخير في الأرض، فيها شر ولكنها بقية الخير، استعبدها فرعون، وكان قد علم من أفواه بني إسرائيل بما تركه الأنبياء من قبل أنه سيولد في بني إسرائيل ولد ثم يبعث، ويكون هلاك فرعون على يديه، فأراد أن يستبق الأحداث، وأن يقضي على سلطانهم من قبل أن يوجدوا، فهو يضعفهم في أنفسهم؛ ثم يريد ألا يولد هذا الذي سيهلك ملكه، فـ ((َجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ))، فإن كان المولود أنثى أبقوها حية، وإن كان ذكراً ذبحوه بالشفرة كما تذبح الغنمة. قوله: ((إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ))، لكن إرادة الله فوق كل إرادة، ﴿ونريد أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص:٥]، والإمامة: تعني: القيادة، أي: قيادة البشرية إلى الخير. قوله: ((وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)) أي: يرثون الأرض التي بارك الله فيها. قوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ -أي: بقيام دولة-. قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٦]، فالله يريد أن يذل هؤلاء الطغاة، ويبين لهم ضعفهم. ثم تبدأ القصة: المنقذ لا يزال في بطن أمه جنيناً، ويولد في وقت المحنة، ولكن الله يريد أن يجعله منقذاً، فلننظر كيف يجري قدر الله، وكيف يجري تدبيره ؟! لقد أوحى الله إلى أمه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] ولكن الجواسيس (الطابور الخامس) سيكتشفون أن هناك وليداً. قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ [القصص:٧]، فإنَّّ تدبير الله غير تدبير البشر، فلو كان أحدهم يخاف على ابنه فسيضعه في صندوق ويحفظه في حجرة ويقفل عليه، أو في زاوية من الزوايا، لكن الله قضى أنْ يرمى في البحر، وهو النيل، فإن هذا الماء يأتمر بأمر الله والأرض كذلك، فتدبير الله غير تدبير العباد. قوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص:٧] أي: سنرجعه إليكِ وهو طفل صغير، وسنجعله رسولاً: ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧].

стр. 211

حفظ الله لموسى ﵇ من القتل ثم بأمر الله يجري النيل بموسى إلى قصر فرعون الطاغية الذي يبحث عن الوليد؛ ليقتله ويسفك دمه. قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]، أي: لتكون العاقبة أن يصير لهم عدواً وحزناً، وليكون هلاكهم على يديه. فيأمر فرعون بذبحه، فكيف ينقذه الله ؟! انظر إلى قدر الله كيف يجري، إذا أراد شيئاً؟! قالت امرأة فرعون الملكة التي لها حظوة عند زوجها الملك: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]، فلقد ألقى الله المحبة على موسى، بحيث لا يراه أحد إلا أحبه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] فهذا الطفل الصغير يأسر قلب الملكة، فتقول: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]، فيجري قدر الله بإبقائه حياً بعد أن أمر الطاغية بقتله؛ لأن الملكة ما قالت لا تقتلوه إلا وفرعون يريد قتله، ثم قالت: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:٩] فأبقي حياً، تريد أن تتبناه، ثم يصبح ابن الملك والملكة، ويتربى في بيت العز، لا يتربى في بيوت الذل ولا في بيوت المستضعفين؛ لأن القائد لا بد أن يكون شجاعاً، والله يقول: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، كيف يصنع على عين الله؟ يقدر الله له ظروفاً معينة وبيئة معينة؛ لينشأ فيها صالحاً للقيادة والريادة.

стр. 212

كيفية رجوع موسى إلى أمه ثم كيف أعاد الله موسى إلى أمه؟ قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص:١٠]، ولو صرخت وقالت: ولدي رميته في النيل، لانكشف أمرها، ولكن الله يربط على قلبها ليتحقق قدره: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]، ثم ماذا؟ ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص:١١]، أي: تتبعي أخبار الطفل وأحواله. قال تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:١١] أي: كأنها غير مهتمة، وهذا من الذكاء والفطنة، حتى لا يشتبهوا بها. ﴿َقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢] يعني: توجد هنا امرأة ترضعه لكم، فأتوا بها فرضع منها ففرحوا، فبعد أن كانوا يبحثون عنه ليذبحوه صاروا يبحثون عمَّن يهبه الحياة ويبقيه حياً، ويأخذون المرأة إلى الملكة وتطلب الملكة منها أن تسكن عندها فأبت، فكانت تأتي إليه وترضعه ثم تعود إلى بيتها، وكانت تأخذ على ذلك أجرة، وأصبح موسى معززاً مكرماً؛ ولذلك أخبرنا الرسول ﷺ أنَّ من يفعل الفعل ويأخذ عليه أجراً مثل أم موسى، فله ثوابه وأجره عند الله . ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣].

стр. 213

مراحل نشأة موسى ﵇ لقد نشأ الوليد في بيت الطاغية الجبار الذي يقتل الأطفال بحثاً عن هذا الطفل الصغير؛ حتى يريه الله ضآلته وحقارته، وقلة علمه وبصيرته وفهمه، ويتربى موسى على الشجاعة والعزة والكرامة، والوقوف أمام كبار المجرمين الذين كانوا أعواناً لفرعون، وهذا إذا لم يتوافر في القائد، فإنه لا يستطيع أنْ يربي أمة، وإذا كان قائد الدولة أو الجيش ذليلاً مهاناً، فإنه لا يستطيع أن يربي أمة ولا يستطيع أن يخرجها إلى العزة والكرامة. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:١٤]، وهذه هي فترة التكوين والتربية للقائد؛ لأن الإنسان إذا تربى على النعيم والترف المستمر، فإنه لا يستطيع مواجهة الصعوبات، فلا بد أن يتعود على الخشونة والشدة فيقدر الله قدره، فلابد لموسى أيضاً من مرحلة ثانية ليصنع على عين الله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].

стр. 214

قصة قتل موسى للقبطي قال سبحانه: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ [القصص:١٥] أي: أن موسى كان يتشيع لبني إسرائيل؛ لأنه واحد منهم في الحقيقة، وكذلك أمه التي أرضعته منهم، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]، وكان رجلاً جلداً قوياً فيه شدة؛ لأن مجرد وكزة خفيفة منه صرعت الرجل، فسقط ميتاً، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥]، وهنا نلمح صفة من صفات القائد المسلم الذي يؤهل لمهمة عظيمة جداً، فالرسل أسوة لنا وقدوة: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهو قال لما قتله: ((هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ)) ثم إنه توجه إلى الله يطلب منه المغفرة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:١٦ - ١٨]، وفرعون لن يسكت؛ لأنه قتل واحداً من قومه، وهي ليست مسألة سهلة. قوله: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ [القصص:١٨] أي: أن الذي كان يقاتل بالأمس، أحدث مشاحرة مع قبطي آخر، وقال: يا موسى! أدركني، قال: إنك لغوي مبين. ﴿فلما أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص:١٩].

стр. 215

قصة خروج موسى من مصر إلى مدين فراراً من بطش فرعون قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ [القصص:٢٠]، والملأ في القرآن تعني: علية القوم، من الوزراء، والأمراء، والحاشية، الذين لهم الأمر والنهي، ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ [القصص:٢٠] أي: سيصدرون قرار القتل قريباً، وقد يكون الناس في طريقهم إليك، فماذا يفعل؟ هل يرجع إلى البيت يودع أمه وأقرباءه ويأخذ حاجته، ويرتب ملابسه ويأخذ له نقوداً؟ لا، بل يخرج من المدينة مباشرة، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١] ﴿قاَل رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢١]، وهنا صفة واضحة ظهرت في موسى، خاصة في هذه الآيات، ألا وهي: الاتصال الوثيق بالله ، ويخرج موسى متوجهاً تلقاء مدين ويقول: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢]، يخرج موسى طريداً ليس معه شيء، ولا يعرف أحداً في المدينة وليس معه نقود، وليس له مركب ولا طعام، فلما ورد ماء مدين وجد أمة من الناس يسقون، فهذا الذي فرَّ من فرعون يصبح له بين لحظة وأخرى بيت وزوجة وعمل، فقد وجد امرأتين تذودان تنتظران الرعاة الغلاظ الشداد الذين يسقون أغنامهم، ثم تقومان هما بالسقي، فيسألهما موسى بكل شهامة ومروءة: ((مَا خَطْبُكُمَا)) ولم يقل: أنا رجل غريب، والغريب ليس له دخل في هذه القضايا، لا بل لا بد أن يتفاعل المسلم مع الحياة دائماً باستمرار، ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣]، أي: ليس لنا أحد، وأبونا شيخ كبير، فأخذتْ موسى الرأفة وسقى لهما، وكان رجلاً شديداًً واستطاع أن يسقي أغنامهما وحده، ثم ذهب إلى ظل شجرة وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، وما كادت الفتاتان تغيبان حتى رأى واحدة منهما راجعة وقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥]، فلما جاء وقص عليه خبره وقصته مع فرعون وقومه، ﴿قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥] أي: أن القوم الظالمين ليس لهم سلطان على هذه الديار. قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ استأجره﴾ [القصص:٢٦]؛ فهاتان فتاتان ترعيان الغنم وتسقيانها باستمرار، وقد تعبتا، وكان موسى قوياً أميناً ينبغي أن يُستأجر، وصفة العامل أن يكون قوياً أميناً، وكل بحسبه، فالمحاسب قوي في معرفة المحاسبة وأصولها، والمهندس أمينٌ وقوي في صنعته؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لهدَّم العمارة، والمدرس إذا لم يكن أميناً وقوياً فكيف يدرس الطلاب ويفهمون منه؟! فهي قالت: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، فإذا بالشيخ يعرض عليه العرض ويقول: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص:٢٧]، فكون الشيخ يعرض على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه ويسكنه معه في البيت ويشغله فهو أمر جيد، لكن مقارنة مع ما كان فيه من النعيم فهو أمر صعب، لكن الحكمة تقتضي أن يتفهم القائد الحياة بمختلف أشكالها وألوانها.
следующие страницы →