Полный текст (531 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حفظ الله لموسى ﵇ من القتل
ثم بأمر الله يجري النيل بموسى إلى قصر فرعون الطاغية الذي يبحث عن الوليد؛ ليقتله ويسفك دمه.
قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]، أي: لتكون العاقبة أن يصير لهم عدواً وحزناً، وليكون هلاكهم على يديه.
فيأمر فرعون بذبحه، فكيف ينقذه الله ؟! انظر إلى قدر الله كيف يجري، إذا أراد شيئاً؟! قالت امرأة فرعون الملكة التي لها حظوة عند زوجها الملك: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]، فلقد ألقى الله المحبة على موسى، بحيث لا يراه أحد إلا أحبه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] فهذا الطفل الصغير يأسر قلب الملكة، فتقول: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]، فيجري قدر الله بإبقائه حياً بعد أن أمر الطاغية بقتله؛ لأن الملكة ما قالت لا تقتلوه إلا وفرعون يريد قتله، ثم قالت: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:٩] فأبقي حياً، تريد أن تتبناه، ثم يصبح ابن الملك والملكة، ويتربى في بيت العز، لا يتربى في بيوت الذل ولا في بيوت المستضعفين؛ لأن القائد لا بد أن يكون شجاعاً، والله يقول: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، كيف يصنع على عين الله؟ يقدر الله له ظروفاً معينة وبيئة معينة؛ لينشأ فيها صالحاً للقيادة والريادة.
стр. 212
كيفية رجوع موسى إلى أمه
ثم كيف أعاد الله موسى إلى أمه؟ قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص:١٠]، ولو صرخت وقالت: ولدي رميته في النيل، لانكشف أمرها، ولكن الله يربط على قلبها ليتحقق قدره: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]، ثم ماذا؟ ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص:١١]، أي: تتبعي أخبار الطفل وأحواله.
قال تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:١١] أي: كأنها غير مهتمة، وهذا من الذكاء والفطنة، حتى لا يشتبهوا بها.
﴿َقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢] يعني: توجد هنا امرأة ترضعه لكم، فأتوا بها فرضع منها ففرحوا، فبعد أن كانوا يبحثون عنه ليذبحوه صاروا يبحثون عمَّن يهبه الحياة ويبقيه حياً، ويأخذون المرأة إلى الملكة وتطلب الملكة منها أن تسكن عندها فأبت، فكانت تأتي إليه وترضعه ثم تعود إلى بيتها، وكانت تأخذ على ذلك أجرة، وأصبح موسى معززاً مكرماً؛ ولذلك أخبرنا الرسول ﷺ أنَّ من يفعل الفعل ويأخذ عليه أجراً مثل أم موسى، فله ثوابه وأجره عند الله .
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣].
стр. 213
مراحل نشأة موسى ﵇
لقد نشأ الوليد في بيت الطاغية الجبار الذي يقتل الأطفال بحثاً عن هذا الطفل الصغير؛ حتى يريه الله ضآلته وحقارته، وقلة علمه وبصيرته وفهمه، ويتربى موسى على الشجاعة والعزة والكرامة، والوقوف أمام كبار المجرمين الذين كانوا أعواناً لفرعون، وهذا إذا لم يتوافر في القائد، فإنه لا يستطيع أنْ يربي أمة، وإذا كان قائد الدولة أو الجيش ذليلاً مهاناً، فإنه لا يستطيع أن يربي أمة ولا يستطيع أن يخرجها إلى العزة والكرامة.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:١٤]، وهذه هي فترة التكوين والتربية للقائد؛ لأن الإنسان إذا تربى على النعيم والترف المستمر، فإنه لا يستطيع مواجهة الصعوبات، فلا بد أن يتعود على الخشونة والشدة فيقدر الله قدره، فلابد لموسى أيضاً من مرحلة ثانية ليصنع على عين الله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].
стр. 214
قصة قتل موسى للقبطي
قال سبحانه: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ [القصص:١٥] أي: أن موسى كان يتشيع لبني إسرائيل؛ لأنه واحد منهم في الحقيقة، وكذلك أمه التي أرضعته منهم، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]، وكان رجلاً جلداً قوياً فيه شدة؛ لأن مجرد وكزة خفيفة منه صرعت الرجل، فسقط ميتاً، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥]، وهنا نلمح صفة من صفات القائد المسلم الذي يؤهل لمهمة عظيمة جداً، فالرسل أسوة لنا وقدوة: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهو قال لما قتله: ((هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ)) ثم إنه توجه إلى الله يطلب منه المغفرة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:١٦ - ١٨]، وفرعون لن يسكت؛ لأنه قتل واحداً من قومه، وهي ليست مسألة سهلة.
قوله: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ [القصص:١٨] أي: أن الذي كان يقاتل بالأمس، أحدث مشاحرة مع قبطي آخر، وقال: يا موسى! أدركني، قال: إنك لغوي مبين.
﴿فلما أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص:١٩].
стр. 215
قصة خروج موسى من مصر إلى مدين فراراً من بطش فرعون
قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ [القصص:٢٠]، والملأ في القرآن تعني: علية القوم، من الوزراء، والأمراء، والحاشية، الذين لهم الأمر والنهي، ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ [القصص:٢٠] أي: سيصدرون قرار القتل قريباً، وقد يكون الناس في طريقهم إليك، فماذا يفعل؟ هل يرجع إلى البيت يودع أمه وأقرباءه ويأخذ حاجته، ويرتب ملابسه ويأخذ له نقوداً؟ لا، بل يخرج من المدينة مباشرة، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١] ﴿قاَل رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢١]، وهنا صفة واضحة ظهرت في موسى، خاصة في هذه الآيات، ألا وهي: الاتصال الوثيق بالله ، ويخرج موسى متوجهاً تلقاء مدين ويقول: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢]، يخرج موسى طريداً ليس معه شيء، ولا يعرف أحداً في المدينة وليس معه نقود، وليس له مركب ولا طعام، فلما ورد ماء مدين وجد أمة من الناس يسقون، فهذا الذي فرَّ من فرعون يصبح له بين لحظة وأخرى بيت وزوجة وعمل، فقد وجد امرأتين تذودان تنتظران الرعاة الغلاظ الشداد الذين يسقون أغنامهم، ثم تقومان هما بالسقي، فيسألهما موسى بكل شهامة ومروءة: ((مَا خَطْبُكُمَا)) ولم يقل: أنا رجل غريب، والغريب ليس له دخل في هذه القضايا، لا بل لا بد أن يتفاعل المسلم مع الحياة دائماً باستمرار، ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣]، أي: ليس لنا أحد، وأبونا شيخ كبير، فأخذتْ موسى الرأفة وسقى لهما، وكان رجلاً شديداًً واستطاع أن يسقي أغنامهما وحده، ثم ذهب إلى ظل شجرة وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، وما كادت الفتاتان تغيبان حتى رأى واحدة منهما راجعة وقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥]، فلما جاء وقص عليه خبره وقصته مع فرعون وقومه، ﴿قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥] أي: أن القوم الظالمين ليس لهم سلطان على هذه الديار.
قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ استأجره﴾ [القصص:٢٦]؛ فهاتان فتاتان ترعيان الغنم وتسقيانها باستمرار، وقد تعبتا، وكان موسى قوياً أميناً ينبغي أن يُستأجر، وصفة العامل أن يكون قوياً أميناً، وكل بحسبه، فالمحاسب قوي في معرفة المحاسبة وأصولها، والمهندس أمينٌ وقوي في صنعته؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لهدَّم العمارة، والمدرس إذا لم يكن أميناً وقوياً فكيف يدرس الطلاب ويفهمون منه؟! فهي قالت: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، فإذا بالشيخ يعرض عليه العرض ويقول: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص:٢٧]، فكون الشيخ يعرض على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه ويسكنه معه في البيت ويشغله فهو أمر جيد، لكن مقارنة مع ما كان فيه من النعيم فهو أمر صعب، لكن الحكمة تقتضي أن يتفهم القائد الحياة بمختلف أشكالها وألوانها.
стр. 216
خروج موسى بأهله إلى مصر واصطفاء الله له بالنبوة
في هاتين المرحلتين: مرحلة النعمة والرخاء، ومرحلة الشدة والبلاء صنع الله موسى ﵇، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ [القصص:٢٩] وأراد الرجوع إلى موطنه ضل في صحراء سيناء ((قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا)) أي: -انتظروا- ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص:٢٩]، وكانت الرسالة، وذلك أنه عندما جاء إلى النار ناداه الله : ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص:٣٠ - ٣١] وهذه أدلة وبراهين أن الذي يكلمه هو الله ، ولكي تصحبه هذه الأدلة إلى المرسل إليهم.
﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [القصص:٣١ - ٣٢]، تلمع ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص:٣٢] أي: من غير أذى، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص:٣٢].
فالداعية الذي يريد أن يدعو الناس ينبغي له أن يعرف المهمة التي يتحملها، ويحملها إلى البشرية، وينبغي أن يوقن بهذه المهمة، فموسى عرف مباشرة ما هي مهمته، ولذلك ينبغي لنا أن نعرف عندما ندعو الناس كيف نصلهم بالله ، وكيف نجعل قلوبهم متصلة بالله جل وعلا، وينبغي أن نعطيهم من الأدلة والبراهين على صدق المهمة وصدق الرسالة ما تطمئن به قلوبهم، ثم بعد ذلك نرسلهم ليتحملوا الأمانة.
стр. 217
أمر الله لموسى بالذهاب إلى فرعون وقومه
لقد أمر الله موسى بعد ذلك أن يذهب إلى فرعون وقومه، والدعوة تحتاج إلى نوعية خاصة من الرجال، وهناك مشكلات قد يدركها الإنسان قبل أن يدخل في المعمعة والميدان، ولذلك قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ [القصص:٣٣]، أي: إن ذهبت إليهم فسيقتلونني، ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي﴾ [القصص:٣٤]، فقد يحتاج الإنسان إلى أعوان على الحق، خاصة عندما يكون طريداً وحيداً، ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٢]، أي: وأيدك بالمؤمنين، فلا بد من أعوان يتحملون مع المرء دعوته، حتى الرسل يطلبون هذا، ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ [القصص:٣٥]، أي: إذا رأوا الآيات فسيفزعون وسيخافون، ولن يستطيعوا قتلكما، ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص:٣٥].
стр. 218
بدء الصراع بين الحق والباطل
ولما جاء موسى بآيات الله البينات إلى فرعون وقومه قالوا: هذا سحر مفترى وردوا الحق، وحصل صراعٌ بين موسى ومعه المؤمنون وبين فرعون وقومه، فقال الله مبيناً إعراض فرعون وطغيانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص:٣٧]، فماذا كان رد فرعون؟ ﴿َقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وانظروا إلى تجرؤ فرعون وطغيانه، فهو لم يكتف بهذا، بل قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر:٣٦]، أي: بناءً عالياً مرتفعاً، لماذا؟ قال: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص:٣٨]، أي: يريد أن يطلع إلى السماء؛ استخفافاً بقومه وتضليلاً لهم، ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨] والتضليل من صفات الحكام الظلمة؛ فالحكام الظلمة تجدهم يتلاعبون بالألفاظ؛ ليغطوا على عقول الناس حتى لا يفقهوا الحقيقة، ولا يفهموها.
قال تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٣٩ - ٤٠]، أهلكهم الله سبحانه، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص:٤١ - ٤٢].
وهكذا جرى قدر الله في تكوين القائد، وفي تحمله الدعوة، وفي مواجهته للطغاة الظلمة، وفي إهلاكه للظالمين، وهذا دائماً يتكرر في كل عصر وجيل.
стр. 219
العاقبة للمؤمنين في الدنيا والآخرة
وقد كانت الفئة التي تتلى عليها هذه الآيات مطلع الدعوة في مكة فئة مستضعفة، تعذب وتجلد، وتقتل بعض النساء، ويهرب بعض الرجال مهاجراً إلى الحبشة، ويحاصرون في شعب أبي طالب ثلاث سنين، حتى أكلوا أوراق الأشجار، والجلود والميتة، فالله تعالى يتلو عليهم هذه الآيات؛ ليحقق مشيئته بالتمكين لهم؛ وذلك بأن هيأ لهم بلدة تقبلهم وتؤويهم وتنصرهم، وتتكون الدولة وتتكون الأمة، فيحكمون الجزيرة العربية، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً، وينطلقون إلى الدول الكبرى في عصرهم كفارس والروم، والتي تمثل في عصرنا روسيا وأمريكا، فيزعزعوا بنيانها، ويجتاح المسلمون المعمورة في ذلك الوقت، والمسلمون اليوم -وهم تواقون لرفع الراية من جديد- يجب عليهم أن يقرءوا القرآن ويعلموا أن لله قدراً، وأن الباطل لا يمكن أن يستمر دائماً؛ لأنه يخالف سنة الله ؛ ويخالف الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة ولكن يريد منا أن نعمل بالأسباب؛ ليحقق الله بنا الخير، ويحمل هذا الخير الرجال، ويأتي من بعدهم ليواصلوا هذه المسيرة.
فإنما أنزل الله هذا النور ليستمر وليبقى إلى أن تقوم الساعة، وقد يضعف المسلمون حيناً وقد يقعون حيناً، ولكن الحق باق دائم إلى ما شاء الله .
стр. 220
بيان صدق النبي ﷺ والهدف من إرساله
وهناك تعقيب من الله على الآيات التي ذكرت قصة موسى، فيه بيان أن هذا القرآن من عند الله، وأن الرسول محمداً ﷺ مرسل من عند ربه، فالرسول ﷺ لا يعلمُ بهذه المعلومات الدقيقة عن موسى؛ لأنه كان في صحراء الجزيرة العربية، وكان لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله هو الذي أخبره بأشياء دقيقة لم تكن موجودة في التوراة، والموجود منها خليط من الحق والباطل، وهذا بلا شك دليل على صدق محمد ﷺ ، ودليل على صدق القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٤ - ٤٦]، فالهدف من إرسال محمد ﷺ ، ومن إنزال القرآن، ((لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ)) فمهمتنا -أيها الإخوة- إقامة حجة الله على عباده، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧]، فإن مهمتنا الأولى: اتباع الرسل، وتبليغ رسالاتهم للعباد؛ لإقامة حجة الله عليهم، لا أن ندخل الإيمان في القلوب، فذلك لله، ولذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، والهداية نوعان: هداية نملكها، وهداية لا نملكها، فالهداية التي بمعنى: الإرشاد والتوجيه والبيان والوعظ وإقامة الحجة هي التي نملكها؛ لأنها سبب للهداية، والهداية التي لا نملكها: هي إدخال الإيمان في القلوب؛ لأن ذلك لله وحده .
ولذلك يقول سبحانه لنبيه: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣] وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢]، أي: لا تستطيع أن تدخل الإيمان في قلوبهم، ثم يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، يعني: فأنت تهدي بالدلالة والبيان والإرشاد والتوجيه وإقامة الحجة، وقال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، فيوم القيامة لا يقول الله لرسله: لماذا لم تدخلوا الإيمان في قلب فلان؟ ولكن سيقول لهم: لماذا لم تبلغوا فلاناً ولم تقيموا عليه الحجة؟ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] فقامت الحجة.
стр. 221
حقيقة الدنيا
وفي هذه السورة -أيها الإخوة- يبين الله لنا حقيقة الدنيا؛ حتى نعطيها مقدارها، ﴿َمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص:٦٠]، ومتاع الحياة الدنيا: أموالها، أولادها، نساؤها، حرثها، وكل ما فيها من زينة، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٤].
وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص:٦١]، فهل الذي وعده الله وعداً حسناً بأن يدخله الجنة مثل الذي يمتعه في الدنيا وهو من أهل النار؟!
стр. 222
تبرؤ الرؤساء من أتباعهم يوم القيامة وتحسر المتبوعين
ثم يعرض الله علينا مشهداً يحرك القلوب، ويجعل الناس يتفكرون في مصيرهم يوم القيامة، فينادي منادي الله : ((وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ))، أي: هؤلاء الذين أشركوا وعبدوا أمثال فرعون واتخذوا من دون الله أنداداً، وحكموا بغير شريعة الله ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]، أين هم؟ اليوم الرسول ﷺ لا يزال ينادي في سنته: هلموا أيها الناس! إلى الله، وروسيا تقول: تعالوا إلينا، فعندي الحرية والحضارة والمدنية والكفاية، وأمريكا تقول: تعالوا إلينا، والقومية والاشتراكية تنادي، وكل هؤلاء يديرون ظهورهم للإسلام، لكن هؤلاء كلهم سيناديهم ربهم يوم القيامة: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [القصص:٦٢ - ٦٣] من شياطين الجن والإنس والطواغيت الذين كانوا دعاة شر مثل فرعون في الحياة الدنيا: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص:٦٣] أي: هؤلاء كانوا تابعين لنا وطائعين لنا، ونحن الذين أضللناهم، وكم ستكون حسرة الضالين حين يسمعون الذين أضلوهم يقولون هذا الكلام: نحن أضللناكم وضيعناكم؟! ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص:٦٣].
﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ [القصص:٦٤] أي: نادوهم ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٤ - ٦٥] أي: أرسلت لكم رسلاً من عندي يهدونكم إلى الصراط المستقيم ويدعونكم إلى توحيدي، فماذا أجبتم المرسلين؟ قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ * فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ * وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٦ - ٦٨].
стр. 223
دعوة إلى التفكر في ملكوت السماوات والأرض
ثم يحرك الله القلوب لتتأمل في ملكوت السماوات والأرض، كنعمة الليل والنهار وغيرهما، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص:٧١ - ٧٢]، ولو وقفت دورة الأرض، لكان نصف الأرض ليلاً، والنصف الآخر نهاراً بشكل مستمر، ثم إن الجانب الذي عليه الشمس سيحترق، والجانب الذي عليه الليل سيتجمد فيه كل شيء، ولن تصلح الحياة بعد ذلك، قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣].
стр. 224
أنموذج بشري جديد من أهل الكفر والعناد
وقبل نهاية هذه السورة يعرض علينا ربنا أنموذجاً بشرياً جديداً غير أنموذج فرعون، ولكنه كان من أتباع فرعون ومثل هذا النموذج نراه أيضاً في مجتمعاتنا وحياتنا، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦]، ترك أمته ورسوله واختار الطاغية ومنهجه، بعد أن أنعم الله عليه، والله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فقد أعطى سليمان الملك وهو نبي، وأعطى فرعون الملك وهو طاغية، وحرم أناساً صالحين؛ لأن الله يعطي الدنيا من أحب ومن لا يحب.
قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] أي: أن مفاتيح الكنوز تحتاج إلى مجموعة من الناس ليحملوها، ﴿إذ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦] أي: يا قارون لا تفرح؛ فإن هذا الشيء عرض زائل لا يدوم، ولا يعني هذا أن نترك الدنيا للكفار، ولكن كما قال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]، أي: قدم لآخرتك، واستعمل هذا المال في طاعة الله، واستمتع به، ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٧ - ٧٨]، أي: ملكت ذلك بجهدي، وهذا النموذج متكرر في زماننا فمثل فرعون، وقارون، وصاحب الجنتين المذكور في سورة الكهف، نماذج كثيرة نراها ونشاهدها باستمرار في واقع الحياة، والإنسان الذي يتدبر القرآن بتمعن يرى هذا النموذج دائماً في واقعنا، كذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف:١٧]، وهذه نماذج لأصناف من البشر نجدهم دائماً وباستمرار، ويحدثنا الله عنهم لنتبين صفاتهم.
قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] وهذه فتنة، فقد نسي ضعفاء الإيمان أن هذا المتاع سيزول ويفنى فتمنوا مثله، ولكن المؤمنين الثابتين الصادقين الذين عرفوا حقيقة الدنيا قالوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠]، ويقول الله في سورة الزخرف: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥]، أي: لو كان الناس كلهم كفاراً، لأعطينا كل كافر في الدنيا بيوتاً مزخرفة ومزينة بالذهب والفضة؛ لنبين لهم هوان الدنيا عندنا، قال النبي ﷺ : (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) ولذلك فلن ينال الكفار في الآخرة فيها شربة ماء، قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، فإبراهيم ﵇ يتبرأ من أبيه يوم القيامة، وذلك حين يلقى أباه وعلى وجهه القترة والغبرة، فيقول: يا إبراهيم! إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك، فيقول: أي رب! ألم تعدني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: انظر إلى ما وراءك، فإذا هو بذيخ متلطخ -أي: قد مسخ ضبعاً ثم يسحب بقوائمه ويلقى في النار.
قال تعالى: ﴿خَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأن اللهَ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢]، فيتعجبوا.
وقد كانت هذه القصص وهذه المعاني زاداً للمسلمين في بداية الدعوة، وزاداً للمسلمين على مر التاريخ، تثبتهم، وتقيم الموازين في نفوسهم، وتهديهم للتي هي أقوم، فهي غذاؤهم ونورهم، وما يزال المؤمنون يثبتون بهذه المعاني ويتدارسونها ويتبينونها.
стр. 225
الأسئلة
стр. 226
حقيقة قتل موسى للقبطي وحكم قتل الكافر
السؤال
قد عرفنا قتل موسى للرجل، فهل نفهم من هذا أنه لو قتلنا كافراً من غير قصد في ديارنا الإسلامية يغفر الله لنا، حتى ولو لم ندفع الدية لأهله؟
الجواب
أولاً: لم يتعمد موسى قتل الرجل، وإنما وكزه ليدافع عن الذي من شيعته؛ فقضى عليه من غير قصد، فيعتبر هذا من القتل الخطأ وليس من القتل العمد.
ثانياً: يجب علينا أن نفرق في الحكم الشرعي بين الكافر المقاتل المحارب، وبين الكافر المهادن وأهل الذمة، فالمحارب لو دخل ديارنا خلسة، فإننا نقتله؛ لأنه ليس له ذمة، أما المهادن وأهل ذمتنا فلا بد من دفع الدية له؛ لأنه لا يقتل مسلم بكافر على الصحيح؛ لقول الرسول ﷺ : (لا يقتل مسلم بكافر)، ولكن عليه عقوبة شديدة، والرسول ﷺ تهدد من قتل ذمياً وعليه نصف دية.
стр. 227
معنى الإله لغة واصطلاحاً
السؤال
ما معنى الإله في مصطلح اللغة والمصطلح الديني؟
الجواب
الإله في اللغة وفي الدين هو الإله المعبود؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، قال تعالى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] أي: معبودٍ غيري، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، يعني: معبود أهل السماء ومعبود أهل الأرض، فهو الإله المعبود، وكلمة (لا إله إلا الله) تعني: ليس من إله يستحق العبادة إلا الله ، ومن الممكن أن تكون الشجرة معبوداً، والجدار معبوداً، والإنسان معبوداً فأي شيء يُعبد من دون الله فهو إله معبود.
لكن هناك إله حق وإله باطل، وليس من إله حق إلا الله ، ومن الآلهة التي تعبد من دون الله: الأصنام، فاللات صنم، وأصل اللات: رجل صالح كان يلت السويق للحاج ويطعمهم، وكان بالطائف، وفي مرة من المرات جاء الحجيج، وانقطع السمن، فلت لهم السويق بالماء، فصار أطيب مما كان؛ كرامة من الله ، فلما مات عكفوا على قبره واتخذوا له صنماً.
وأما العزى: فهي شجرة، وأما ود وسواع ويغوث فهم رجال صالحون، كان قوم نوح يعبدونهم، فهذه كلها آلهة.
وقد ذُكر في زمن الشيخ محمد عبد الوهاب ﵀ أنه كان هناك نخلة، وكانت المرأة تأتي هذه النخلة وتقول لها: يا فحل الفحول! أنا أريد منك زوجاً قبل الحول، ومن لم يأتها زوج تأتي إلى النخلة وتحتضنها وتعتقد أنها ستيسر لها أمر الزواج.
ولم يزل إلى اليوم أناس يعبدون الأموات والقبور ويستغيثون بهم ويستعينون بهم إلى يومنا هذا، فنقول: إن كل ما يدعى ويستعان ويستغاث به ويسأل فهو آلهة.
стр. 228
صدق التوكل دليل العقيدة
إن المحور الذي تدور حوله الرسالات السماوية هو التوحيد، ومن أجله أنزل الله الكتب وأرسل الرسل، فليس في هذا الكون إله يعبد إلا الله ، لأنه رب الكائنات وسيدها، وخالقها ومبدعها، وهو الغني عنها، وهي فقيرة محتاجة إليه.
وقد جعل الله هذه الدنيا مزرعة للآخرة، فلابد من إحسان الزرع ليحسن الحصاد، فإن الساعة آتية لا ريب فيها.
стр. 229
بعْث الله موسى بالتوحيد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
حدثنا الله ﵎ في غير موضع من كتابه عن ذلكم الرجل الذي كان يسير في صحراء سيناء في ظلمة الليل، ومعه أهله، ومعه ماله، ثم أضل الطريق.
ذلكم هو نبي الله موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وحدثنا الله ﵎ أنه رأى من البعد ناراً ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه:١٠] أي: بشيء من النار تستدفئون به، أو أجد على النار هادياً يهدينا الطريق، فوجد عند النار أعظم هداية، فأصبح هادياً للبشرية ومعلماً لها.
وأخبرنا الله ﵎ أنه لما أتى النار سمع صوتاً يناديه، صوتاً لا يشبه الأصوات، إنه صوت خالق الأصوات والكائنات، إنه صوت الله ﵎ ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢]، وأمره أن يخلع نعليه احتراماً للموقف الإلهي الرباني ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]، ثم قال له: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه:١٣] أي: اصطفيتك، لكن ليس للمال أو السلطان، ولا للمراكب أو البيوت، ولا للأراضي والحرث، اختاره الله ﵎ لهذا الدين؛ ليكون رسولاً لرب العالمين، وليعلم البشرية أنه مرسل من عند الله ﵎، ثم لخص له القضية، وهي زبدة الرسالات السماوية فقال: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٣ - ١٦].
فهذه هي القضية الكبرى التي أوجزها الله ﵎ لنبيه موسى، وهي قضية الرسل جميعاً، وهي المحور التي تدور عليه الرسالات السماوية كلها، ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٣ - ١٤]، يقول رب العزة لنبيه وصفيه وكليمه موسى: إن الذي يخاطبك ويحدثك هو الله ﵎.
﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، ليس في هذا الكون إله يستحق أن يعبد إلا إله واحد هو الذي يخاطبك؛ لأنه رب الكائنات وسيدها؛ وخالقها ومبدعها؛ هو الذي جعلها فقيرة محتاجة إليه، وهو غني عنها.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ أي: أنا الذي أستحق أن أعبد، وتتوجه إلي الوجوه والقلوب، وتخضع لجلالي وعظمتي وكبريائي، وتستجيب لندائي، وتتوجه حيث أريد، أنا الله خالقكم وموجدكم وربكم، أملككم في الدنيا، وأملككم فيما وراء الدنيا، فأنا الذي أستحق أن أعبد وحدي، وما سواي مخلوق، وإن سماه الناس آلهة.
((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا))، فلا ينبغي أن تستشرف القلوب لتبلغ منزلتي فتكون آلهة من دوني، فالزعماء والرؤساء والعظماء كلهم عبادي، لا ينبغي أن يستشرفوا ليكونوا آلهة من دوني، فاعبدني وحدي.
((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)) أي: أفردني بالعبادة، ووحدني ولا تعبد معي أحداً، ولا تشرك بي أحداً، أنا وحدي المعبود الذي لا إله إلا أنا، ولا إله سواي، هكذا أمره رب العزة ﵎.
стр. 230
وجوب الإيمان باليوم الآخر والاستعداد له
ثم قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٤ - ١٦]، فأمره الله بإقام الصلاة، وأمره بأن يتذكر دائماً وقوفه بين يدي الله ﵎، فالساعة آتية قادمة.
إن لكل امرئ نهاية، وإن للبشرية جميعاً نهاية، ولهذا الكون كله نهاية، أفراد البشر سيتساقطون ويأتي غيرهم، أقوام يذهبون، وأقوام يأتون، والمقابر في كل يوم تستقبل وفوداً رجالاً ونساء، وفي كل يوم يأتي إلى الكون أحياء جدد، ومواليد جدد، أقوام يذهبون وأقوام يأتون، ولكن سيأتي يوم يفني الله فيه الجميع، فلا تسمع في هذا الكون حساً، ولا تسمع في هذا الكون صوتاً، البشر يومئذٍ كلهم خامدون.
وكذلك غير البشر من الجن والحيوانات والحشرات، الكل سيفنى فلا تسمع صوتاً، حتى الأرض والسماوات ستفنيان، الكل فان، وموعد الساعة خفي، ولكنه آت لا شك فيه ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥].
كل نفس يعطيها الله ﵎ فترة من الزمان، اختباراً وابتلاء يمتحنها في هذه الحياة الدنيا، ثم يكون عنده الجزاء، يجعل أقواماً ملوكاً لينظر كيف يحكمون، وأقواماً يجعلهم أغنياء لينظر كيف يتصرفون، ويبتلي بالصحة والمرض، ويبتلي بالعلم، ويبتلي الناس بأبنائهم وبأزواجهم، ويبلو بعضنا ببعض لينظر كيف نعمل، ثم يكون نتيجة ذلك كله حصاداً يوم القيامة، فتجني ما زرعته، كل كلمة تتكلمها، وكل خطوة تمشيها، وكل عمل تعمله، وكل تصرف تتصرفه؛ كل ذلك محسوب ومسجل عليك: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥].
стр. 231
من لا يعمل ليوم القيامة فهو يتبع هواه
قال الله تعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦] إياك أن يصدك ويمنعك عن التطلع للآخرة والنظر لوقوفك بين يدي الله ﵎ من لا يؤمن بهذا اليوم، وكان نظره محصوراً بهذه الحياة الدنيا، لا يستطيع أن ينظر إلى أبعد من موطئ أقدامه، ضل عن الآخرة فهو يعمل لهذه الدنيا حبيساً فيها لا يفكر إلا في متاع دنيوي عارض، وشهوة عارضة، حياته هنا، وهنا جنته، وهنا ناره، فإياك إياك أن يصدك عن الإيمان باليوم الآخر وعن العمل لذلك اليوم! وإياك أن يكون سعيك ضائعاً في ذلك اليوم! ((فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)) فكل من لا يؤمن بيوم القيامة ولا يعمل ليوم القيامة فهو محكوم بالهوى، والذي يعمل لذلك اليوم يعلم أنه لا يوصله إلى ذلك اليوم ولا ينجيه في ذلك اليوم إلا أن يتبع وحي الله، وإن لم يتبع ما جاء الله به، فلا سبيل للارتقاء لملكوت ذلك اليوم إلا أن تعمل في هذه الدنيا من خلال الإطار الذي يريده الله لك، ومن خلال المنهج الذي يريده الله لك، فكل من لا يعمل لذلك اليوم فإنه يعمل بالهوى.
﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣]، هذا الذي أوحاه الله إليك هو زبدة الرسالات السماوية، وهو مفاتيح النفوس البشرية، وهو مفاتيح المشكلات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية وغيرها، من لا يعلمه فقد كل شيء، وعاش في الدنيا ضائعاً تائهاً حائراً، لا يعرف سبيله، قد يكون فرداً وقد تكون أمة، وقد يكون شعباً، وقد تكون البشرية كلها حيرى ضائعة وتائهة، لا تعرف الطريق ولا تعرف السبيل، فمرة تظن القضية أنها صراع طبقات، كما يظنها مئات الملايين من البشر في هذه الأيام، وقد تظنها رفاهية الإنسان كما تعمل لذلك أمريكا وأوروبا وأكثرية الشعوب في هذا العصر الذي نعيش فيه، وقد يظنها بعضهم إنما هي ارتفاع أمة على أمة، وأن تكون أمة فوق أمة أخرى لتكون لها السيادة والعزة، كما حدث في كثير من فترات التاريخ، وتتيه البشرية في صحراء لا تعرف فيها دليلاً، ولا ترى فيها نجماً، فيلفها الشقاء فتضيع.
стр. 232
وصية الله لموسى هي وصية للبشر كلهم
وصية الله لموسى وصية للبشر كلهم: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، وهي قضية لا تحتاج إلى علماء يطيلون الشرح، ولا إلى فقهاء يطيلون الكتابة والتدقيق والتفصيل، قضية أدركها موسى عندما كلمه الله ﵎، وأدركها محمد ﷺ في الجلسة الأولى عندما جاءه جبريل في الغار، عرفها وعرف مدلولها وأدركها الأنبياء جميعاً، وأدركها الذين أرسل إليهم موسى في لحظات، فتغيرت نفوسهم وتغيرت وجوههم، بعد أن كانوا عبيداً للطواغيت إذا بهم يكفرون بالطاغوت، ويرفعون رءوسهم فيقولون: لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه.
стр. 233
قصة موسى مع سحرة فرعون
عندما نزل موسى إلى ميدان العراك ليثبت صدق رسالته أمام الجماهير المحتشدة التي حشدها الطاغية فرعون وجنده من مختلف البقاع في الميدان الكبير، ووقف موسى وأمامه السحرة: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٦٥ - ٧٠].
كم احتاج هذا ليتحول السحرة من أعوان الطاغية الذين يعتمد عليهم لإثبات أن موسى كاذب وليس برسول؟ وأنه لا يوجد إله لهذا الكون غير فرعون، ليصبحوا نموذجاً يحتذى في تاريخ البشرية؟ هذا هو التغيير والتحول المطلوب من الإنسان، أن يصبح مؤمناً بهذا المعنى، أن يتولى الله ﵎، ويعترف به إلهاً وسيداً وملكاً، وحاكماً ورباً مطاعاً، يطأطئ رأسه له، ويرفع رأسه أمام غيره، ولا يخضع لغيره إلا بمقدار ما يأمره ربه أن يخضع له، كأن يكون رسولاً يتبعه، أو أن يكون حاكماً يحكمه بكتاب الله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [طه:٧٠ - ٧١]، قال فرعون الذي كان قبل قليل قد جاء بهم ليبطلوا ما جاء به موسى وقالوا له: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤١]، فيقول: ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٤]، يقولون: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٠ - ٧٢]، أيُّ إيمان حل في قلوبهم؟! وأي سكينة نزلت عليهم؟! ما الذي غيرهم؟! ما الذي بدلهم؟! ما الذي هز كيانهم؟! إنه إيمان تغلغل في أحشائهم، كانوا يعرفون السحر وألاعيبه، فوجدوا أن ما جاء به موسى ليس سحراً، وليس في إمكانية البشر، وليس في قدرة البشر، إنها قدرة من خلق البشر، إنه ليس من النوع الذي يملكه البشر، لقد تغير كيانهم، وهز نفوسهم، فأصبحوا أنموذجاً في تاريخ البشرية ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٢ - ٧٣].
стр. 234
الصحابة خير أمة أخرجت للناس
هذا النمط من البشر ماذا يفعل في تاريخ البشر؟ عندما يقوم بناء الإنسان على هذا الإيمان، أتبقى مشكلات أخلاقية؟ أيبقى ظلم العباد للعباد، وتجبر العباد على العباد؟ أتبقى مشكلات اقتصادية؟ ألا يرحم هذا الصنف من الناس إخوانه، ويجود بماله وقد جاد قبل ذلك بنفسه؟ هذا هو الصنف الذي بناه محمد ﷺ تمثل في الرعيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم، فكانوا بشراً لا كالبشر، ورجالاً لا كالرجال، ومجتمعاً ليس كالمجتمعات، كانوا مجتمعاً آخر يخالف ما عهده الناس الذين قاموا على قطعة من الأرض فجعلوها مبدأ، أو قاموا على قوم، أو قاموا على مبدأ ضال، أو قاموا على ألوهية لأصنام، يظلم الناس بعضهم بعضاً، ويسفك بعضهم دم بعض، فقطعت الأواصر بينهم، وارتفعت الرحمة من نفوسهم، هذا هو المجتمع الذي تتربى فيه الفضائل، وتسود فيه القيم والأخلاق، إنه مجتمع الإيمان.
لم يدع الرسول ﷺ عندما جاء لتحرير الأرض من الفرس والروم، ولم يدع الرسول ﷺ لمعالجة المشكلات التي أصبحت كالسرطان في أحشاء الدنيا كلها من العرب وغيرهم، ولكنه دعا أولاً إلى المفتاح الكبير الذي يفتح القلوب، الذي يحول كيان الإنسان، الذي يغير ولاءه، الذي يرفعه إلى القمة، ويعرفه بأصله، ويعرفه بهدفه، ويعرفه بغايته، ويعرفه لماذا جاء إلى هذا الكون، ويعرفه صلته بخالق هذا الكون، ثم يعرفه بدوره الحقيقي في الحياة؛ عند ذلك تنحل المشكلات، وتتساقط القيود، ويصبح الإنسان سائراً على الصراط المستقيم، فما أسهل أن تحل بعد ذلك المشكلات! وما أسهل أن يترك الإنسان ما ألفه من عادات: شرب للخمر، ولعب بالميسر، وارتكاب للزنا والفجور، وأكل للحرام، وظلم للناس، وغير ذلك من المشكلات التي تفني الأجيال، ولا يستطيع المصلحون أن ينهوا هذه المشكلات، لكن بهذه الدعوة يمكن حل كثير من هذه المشكلات، وإن بقي لها بقايا فإنها لا تؤثر في المسيرة التي تسعد بها البشرية.
هذا هو المفتاح الكبير، وهذا هو السر الكبير، وهو بدهي عند المسلمين، ولكن المسلمين يغفلون عنه! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 235
بداية طريق الإيمان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
إن بداية طريق الإيمان معرفة مستيقنة بالله ﵎، تملأ النفس، وتملأ القلب، وتتوارد إلى النفوس في هذه الأيام من خلال معايشتها لكتاب الله ﵎ ولسنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، والنظر في هذا الكون الرائع العجيب البديع الذي خلقه الله ﵎، كل ذلك يرقق القلوب، ويصفيها، ويطهرها، وينظفها، ويجعلها مثالاً للإيمان، خاصة إذا اقترن بهذا عمل صالح يهذب النفس ويربيها.
فالمنهج إيمان قائم على العلم، وعمل مطهر يخلص النفوس من الشوائب، ويجعلها تقترب من الأنموذج الذي ذكره الله ﵎ في محكم كتابه من الأنبياء، والرسل، والأخيار والصالحين في تاريخ البشرية، الذين حدثنا الله ﵎ عنهم، فارتفعوا إلى هذا المستوى الراقي الرائع الذي يمثل دين الله ﵎ ووحي الله .
الطريق في أيامنا هذه ليبلغ الإنسان هذا المستوى هو أن يعيش تحت ظلال هذا الكتاب، وتحت ظلال هذه السنة النبوية، ويقتدي بالصالحين في أخلاقهم، وفي قيمهم، وأن ينظر إلى الله ﵎ من خلال كتابه، ويتعرف على الله من خلال مخلوقاته، فيحيا الإيمان في نفسه، ويستقر اليقين في قلبه، ويصبح إنساناً يصلح لأن يسمى بعبد الله، يرضى الله ﵎ عنه، ويرضيه عندما يقدم عليه، ويحقق به في هذه الأرض في هذه الفترة القصيرة التي يقضيها في هذا الوجود خيراً كبيراً.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.
стр. 236
مع حديث لرسول الله
جوامع الكلم من المعجزات التي أوتيها النبي ﷺ ، فكان يتكلم بالكلمات القليلة وهي محتملة معاني كثيرة.
وفي كلمات موجزة بين لنا رسول الله ﷺ ما يرضاه الله لنا وما يكرهه لنا ومن أهم ما يرضاه لنا التوحيد والوحدة والنصيحة.
стр. 237
ما أحبه الله لنا
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهدا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فيقول النبي ﷺ : (إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، يرضى الله لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تنصحوا لولاة أموركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).
معلوم: أن الله ﵎ لا يرضى لعباده إلا ما يصلحهم، ولا يكره لهم إلا ما يفسدهم، فكل ما رضيه الله ﵎ لنا ففيه الخير والصلاح والبركة؛ لأن الله ﵎ رحيم بعباده، لا يرضى لهم إلا ما فيه الخير والصلاح، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧]، فالله ﵎ رضي لنا الإيمان والشكر وكره لنا الكفر، وفي ذلك خيرنا وسعادتنا.
يذكر الرسول ﷺ في هذا الحديث أن ربنا رضي لنا ثلاثة أمور عظيمة: الأول: (أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) وهو التوحيد والإخلاص.
الثاني: (أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) وحدة الأمة بالاستمساك بكتابها، وسنة نبيها ﷺ ، وفي مقابل الاعتصام بالكتاب والسنة: الفرقة والخلاف.
فالله ﵎ يحب من أمة الإسلام أن تكون أمة واحدة مجتمعة على كتاب ربها، وسنة رسولها ﷺ .
الثالث: (وأن تنصحوا لولاة أموركم) وكذا لخليفة المسلمين وإمامهم، وكذا حكام الدولة الإسلامية يناصحوا بأن يستقيموا على منهج الله، وأن يحكموا شريعته، فإذا ما شذ شاذ نبهه منبه، ونصحه ناصح، ووعظه واعظ.
(وكره لنا ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).
هذه التي يكرهها الله ﵎ هي أمراض تضيع وقت الناس في أمور لا تغني، قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، فأما أن يكثر الإنسان من الأسئلة في الأمور التي لا تنفع فهو كما حدث من بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:١٠٨]، وكذلك إنفاق المال فيما لا يحل، أو تبذيراً وإسرافاً، فتضيع ثروة الأمة، وتكون الأمة ذليلة بعد أن كانت عزيزة.
وأما قيل وقال، فإضاعتها للأوقات أمر ظاهر، بل قد تكون طريقاً للحرام.
стр. 238
لب الدين وأساسه
فالقضايا الثلاث التي رضيها الله ﵎ تمثل في منهج الإسلام أصولاً يقوم عليها المجتمع الإسلامي، ووحدة المسلمين، وذلك عند وحدة المقصد والعقيدة، بأن يعبدوا رباً واحداً، وأن يخلصوا دينهم له ﵎، وهذه كما ألمحت في أكثر من خطبة هي القضية الأساسية، لا في هذا الدين الذي أنزل إلينا، بل عند جميع الرسل الذين بعثهم الله ﵎.
فالله ﵎ يريد من عباده أن يحققوا الهدف الذي خلقوا من أجله، والله ﵎ خلقنا لعبادته وحده لا شريك له، ثم بين لنا كيف نعبده، فأرسل لنا رسلاً، وأنزل علينا كتباً، فضل الناس عن هذه الحقيقة والقضية الكبرى، فعبدوا عبر التاريخ الأصنام والأوثان، وعبدوا الشمس، والقمر، والنجوم والجبال، والأشجار، والأحجار، والرجال والنساء، وما تركوا شيئاً إلا عبدوه، ولا تزال المسيرة إلى الآن، فملايين من البشر يعبدون غير الله ﵎، بل أكثر الناس -كما أخبر الله ﵎ ليسوا بمؤمنين، وإن زعموا أنهم مؤمنون، فتُعبد من دون الله آلهة شتى، ولا يزال بوذا يعبده مئات الملايين، والشيوعيون وإن زعموا أنهم لا يؤمنون بإله، ولكن واقع الأمر أنهم يعبدون مؤسس المذهب، فيطيعونه، ويحنون رءوسهم عندما يمرون أمام جثته في الميدان الأحمر في موسكو وهذه من صور العبادة.
والنصارى -وهم مئات الملايين- يعبدون عيسى من دون الله، وهو الذي جاء ليقول للناس: أنا عبد الله، أنا نبي الله، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، ومن المسلمين من سار نفس المسيرة، وهو يزعم أنه يشهد أن لا إله إلا الله، ولكنه يعبد القبور والأولياء والصالحين، ويدعو من دون الله رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ويدعو من دون الله علياً والحسن والحسين، فأقوام ممن يدعون الإسلام يفعلون ذلك، وما أولئك بالمؤمنين.
إن القضية الكبرى أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، كما قال الرسول ﷺ : (إن الله يرضى لنا أن نعبده ولا نشرك به شيئاً)، وقال الله ﵎: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦]، وهذا ميثاق أخذه الله ﵎ على بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، وكل رسول يبعث كان يقول للناس: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
فالقضية مهمة، وهي: أن يكون دينك لله ﵎، وأن تقصده بإرادتك وحبك ورجائك وخوفك، ورغبتك، ورهبتك، وأن تصلي له ﵎ لا لغيره، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فتستعين بالله، وإذا دعوت فيكون دعاؤك وطلبك من الله ﵎، ولا تدع معه أحداً، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].
فالتوحيد لب الدين وأساسه، والذي لا يحققه فليس له من الإسلام نصيب، وليس من أهل الجنة، فلا يجوز النار ويدخل الجنة إلا موحد، قد أخلص دينه لله، ووحده ﵎.
стр. 239
الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق
القضية الثانية: أن نعتصم بحبل الله، كما أمر الله ﵎ قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣].
فقوله: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ)) حبل الله: هو كتابه، وطرفه في أيدينا والطرف الآخر عند الله ﵎، فمن استمسك به نجا، ونال رضوان الله ﵎.
وكتاب الله ﵎ عقيدة المسلمين، وشريعتهم المسلمين، فيه أخلاقهم وصفاتهم وعلاماتهم! كتاب الله ﵎ يمثل المنهج الذي رضيه الله ﵎ للمسلمين ولهذه الأمة، فيصبحوا بكتاب الله ربانيين، وعلماء، وموحدين، وإذا استمسكوا به اجتمعت كلمتهم، وتوحدت صفوفهم، واتحدت عقيدتهم، وتوحدت تصوراتهم وأعمالهم وقبلتهم، فهو يوجههم إلى رب واحد، ورسول واحد ودين واحد، ومنهج واحد.
وقد ذم الله ﵎ اليهود لتفرقهم، بعد أن أنزل إليهم كتابهم التوراة، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤]، جاءتهم البينة من عند الله في كتابه، ثم اختلفوا، والنصارى جاءهم الإنجيل يقرر التوحيد والحق، ويشرع لهم ما يصلحهم في دنياهم وآخرتهم فاختلفوا فيه، وجعلوا عيسى إلهاً من دون الله فتفرقوا.
وهذه الأمة بيوت الله مليئة بكتابه، والإذاعات تتلوه ليل نهار، وعلماء المسلمين يعظون به، والأمة ممزقة مختلفة: فئة تنادي بالبعثية، وفئة تنادي بالوطنية، وفئة تنادي بالديمقراطية، وفئة تنادي بالشيوعية، ويقولون: نحن مسلمون، وأين كتاب الله؟ دينه وشرعه؟ وأين تحكيم هذا الدين في رقاب العباد ونفوسهم، ومجتمعات المسلمين؟ أين الاعتصام بكتاب الله، امتثالاً لقوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]؟! فيرضى لنا ربنا أن نعتصم بحبله ولا نتفرق، ولا يرضى ﵎ لنا أن نتفرق ونختلف، ونضع كتاب الله ﵎ وراء ظهورنا، إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه يشكو في يوم القيامة أمته إلى ربه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فكأنه يقول: إن قومي هجروا كتابك الذي أنزلته ليكون لهم نوراً وضياءً وحياةً، هجروه واستبدلوا به تعاليم فلان وفلان، ونظرية فلان في الاقتصاد، ونظرية فلان في التربية، ومبدأ فلان في المناهج والعقائد، وتفرقوا شذر مذر، كما هو واقع في أمتنا في هذه الأيام.
стр. 240
مناصحة ولاة الأمور
القضية الثالثة التي يخبر الرسول ﷺ أن الله رضيها لنا: أن نناصح ولاة أمور المسلمين، كخليفة المسلمين وإمامهم، وحكامهم، فنقول لهم إذا ضلوا: لقد ضللتم، وإذا أخطئوا: لقد أخطأتم، وإذا انحرفوا: لقد انحرفتم، استقيموا على كتاب الله، وحدوا صفوفكم وكلمتكم، وتحاكموا إلى شريعة الله، وإلى دينه فبذلك يثبت ملككم، وحكمكم، وبذلك ترضون عنكم ربكم، وإلا فإنكم إلى زوال، فقد زال من قبلكم من ملوك وحكام، كانوا يملئون الدنيا ضجيجاً وإزعاجاً، فزالوا وزالت آثارهم، وبقيت عليهم آثامهم.
ولقد كان علماء المسلمين وفقهاؤهم ووعاظهم ينصحون للأمة عبر التاريخ، وينصحون لحكام المسلمين؛ فاستقامت الأمة دهراً طويلاً وثبتت، على الرغم من الصعاب والمصائب، والأعاصير التي هبت عليها.
فهذه ثلاث قضايا تصب في: وحدة العقيدة، ووحدة الهدف -بالاعتصام بكتاب الله- ووحدة التشريع، ووحدة الأمة، ثم وحدة قيادة المسلمين، ووحدة القيادة تكون بمنهج الله، وبدينه، فالتوحيد والاعتصام والمناصحة ثلاث قضايا رضيها لنا ربنا، وتصلح بها أمتنا لو كان في الأمة رجال يعرفون كيف الصلاح، وكيف السبيل إلى العزة والقوة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.
стр. 241
الأمور التي كرهها الله لنا
стр. 242
كراهة إضاعة الوقت بقيل وقال
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله ورسوله، لقد أوتي الرسول ﷺ جوامع الكلم، فيجمع المعاني العظيمة في الكلمات القليلة، وهذا الحديث من جوامع كلمه ﵊؛ لأنه كما رأينا يتحدث عن قضايا خطيرة في حياة الأمة الإسلامية.
في الشطر الثاني من الحديث يخبر فيه الرسول ﷺ أن الله يكره لنا أن تشغل أوقاتنا بقيل وقال، قال فلان كذا، وقالت فلانة كذا، وفلان روى، وفلانة روت، ونتناقل الأحاديث نشغل بها الساعات الطويلة فنبتعد عن القضايا المهمة بالحديث في سفاسف الأمور، كما هو حادث في هذه الأيام، أخبار تنقل من المشرق والمغرب، لا ندري منها الصحيح من الباطل، والقوي من السقيم، نشغل بها أنفسنا ونعيش في دوامة لا ندري ما الصحيح منها وما غير الصحيح، فنتناقل الأحاديث والأقوال نشغل بها أنفسنا.
стр. 243
كراهة إضاعة المال
كذلك إضاعة المال بلاء أصيبت به الأمة الإسلامية، نضيع أموالنا في طعامنا وشرابنا، ولباسنا، وإنفاقنا، بل منا من ينفق ماله في الحرام، ويبخل إذا ما طلب منه أن ينفق في الحلال، وهذا إضاعة المال في غير محله، ونحن محاسبون مسئولون عنه يوم القيامة، فستسأل عن مالك يوم القيامة، من أين اكتسبته وفيم أنفقته؟ فهل اكتسبته من حلال وأنفقته فيه أم تبذرت به وأنفقته في حرام؟ كل ذلك ستسأل عنه الأمة، ويسأل عنه كل فرد منها.
стр. 244
كراهة كثرة السؤال
أما كثرة السؤال فبلاء يصيب في كثير من الأحيان طلبة العلم، بل يصيب في بعض الأحيان عوام الناس، فيسألون عن المتشابهات والأمور الغامضة، ولا يتجهون إلى تعلم الأحكام الشرعية الواضحة، فيشغلون أنفسهم في أمور قد لا تقع، بل قد يشغلون أنفسهم بأمور متخيلة بعيدة.
بنو إسرائيل شكوا إلى موسى أنهم وجدوا رجلاً قتيلاً لا يعرفون قاتله، فقال لهم: اذبحوا بقرة، فقالوا كما أخبر الله عنهم: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧]، كان الواجب عليهم أن يذبحوا أي بقرة كانت، فإذا بهم يسألون ويستفصلون، ويتعنتون: ما لونها؟ ما هي؟ كبيرة أم صغيرة؟ تشتغل أم لا وفي كل سؤال يشدد الله ﵎ عليهم.
وكان الرسول ﷺ يطوف، أو يسعى بين الصفا والمروة، ثم يخطب في المسلمين فيقول: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فيقوم رجل من المسلمين ويقول: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت الرسول ﷺ مغضباً، وقال: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم).
فعندما يقول الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، ويأتي البيان فنلتزم به، وعندما لا يأتي بيان نحو: (كتب عليكم الحج)، ولا يبين لنا عدداً، فإذا حج الإنسان مرة واحدة فإن هذا يكفي، فهذا الصحابي يقول: أفي كل عام؟ لو قال الرسول ﷺ : نعم في كل عام، لأصبح واجباً على المسلمين جميعاً أن يحجوا في كل عام والناس لا يستطيعون ذلك، ثم قال: (ذروني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة أسئلتهم واختلافهم على أنبيائهم).
وقد يكون المقصد من الحديث: سؤال الناس ما عندهم من أموال من غير حاجة، وفي الحديث: (الذي يسأل الناس من غير حاجة، يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)، أي: وجهه كله عظم، كما يخبر الرسول ﷺ ، ولذلك كان الناس يتعففون عن السؤال، ولا يسألون إلا عندما لا يجدون سبيلاً.
مات رجل كان يسأل الناس من أهل الصفة، وهو فقير لا يجد بيتاً ولا مأوى، وكان يأخذ من الناس، فوجدوا بعد موته ديناراً؛ فقال الرسول ﷺ : (كية) أي: كية في النار؛ لأنه كان يسأل وله دينار واحد، ومات آخر من أهل الصفة وهو فقير يسأل الناس، ويقبل طعامهم، فوجدوا عنده دينارين، فقال الرسول ﷺ : (كيتان) أي: كيتان في النار يوم القيامة؛ لأنه يسأل وله شيء من المال يغنيه عن ذل السؤال.
(وجاء رجل إلى الرسول ﷺ يسأل، فرآه الرسول ﷺ جلداً قوياً، فأخذ متاعاً للرجل كان على رأسه أو شيئاً من ذلك، وقال: من يشتري هذا؟ فاشتراها صحابي بدرهمين، فقال: أنفق درهماً على عيالك، واشتري بالدرهم الثاني فأساً، ولا أرى وجهك إلى أيام، فذهب الرجل واحتطب في أيام وباع، واحتطب وباع، وجاء بعد أيام عشرة أيام وفي يده بضعة دراهم، فقال: هذا خير من أن يسأل أحدكم الناس أعطوه أو منعوه).
هكذا ربى الإسلام أبناءه أن يكونوا رجالاً، وأن يحاولوا قدر طاقتهم أن يتعففوا، ومدح الله ﵎ المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافاً.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب سميع الدعوات، أقول قولي هذا وأقم الصلاة.
стр. 245
قيمة الاهتمام في زيادة الإيمان
إن المتتبع لسيرة السلف الصالح وحياتهم الإيمانية ليجد الفرق الشاسع بين سلفنا وخلف اليوم في الالتزام بدين الله، ووجود الهمة العالية في طلب مرضاة الله والسباق إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
بينما أبناء عصرنا وشباب ديننا اليوم صاروا يلهثون وراء هذه الدنيا، وتدنت هممهم حتى اشترى أحدهم حمامة للهو بثمانية آلاف دينار.
стр. 246
همة السلف الصالح إلى الجنة
إن الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
مما ترويه كتب السنة أن الصحابي الجليل أبا الدرداء كان جالساً في مسجد دمشق، فجاءه رجل من أهل المدينة، فقال له: يا أبا الدرداء! جئتك من مدينة رسول الله ﷺ ، ليس بي من حاجة إلا أن أسمع منك حديث رسول الله ﷺ ، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً يسر الله له به طريقاً إلى الجنة).
رجل يخرج مسافراً يقطع الفيافي والقفار، مسافات شاسعة لا يخرجه من بيته ويجعله يتحمل أعباء السفر إلا أن يسمع أحاديث قالها الرسول ﷺ ممن سمعها من رسول الله ﷺ ، فيبشره صاحب رسول الله ﷺ أن الطريق الذي سلكه في خروجه من بيته لطلب العلم إنما هو طريق يوصله إلى جنة الله ﵎.
وفي حادثة أخرى في إحدى المعارك يخطب الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري في المسلمين قبيل المعركة، فيقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)، فيقول رجل من المقاتلين يسمعه: أأنت سمعت هذا يا أبا موسى من رسول الله ﷺ ؟ فيقول: نعم، فيذهب إلى قومه فيقول: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر غمد سيفه، ومشى إلى الأعداء فقاتل حتى استشهد في سبيل الله، وقد فعلها من قبله في عهد الرسول ﷺ عمير بن الحمام، الشاب الذي قاتل في معركة بدر عندما سمع الرسول ﷺ يقول: (إن الجنة تحت ظلال السيوف فقال: بخٍ بخٍ يا رسول الله! قال: وما يحملك على أن تقول بخٍ بخٍ؟ قال: يا رسول الله! لا والله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها)، وكان يأكل تمرات في يده، فقال: لئن عشت حتى آكل هذه التمرات، إنها لحياة طويلة.
ولو ذهبت أحدثكم عن مثل هذه الأحاديث التي تبين نوعية هذه الاهتمامات التي كان يهتم بها المسلمون لطال الحديث، لقد كانت اهتمامات عالية في القمة، ما كان المسلمون يضيعون أوقاتهم في أمور تافهة، ولا يضيعون أموالهم في أمور حقيرة، وإنما كانت همتهم جنة الله ﵎، هذا هو الهم الأكبر الذي يسخرون من أجله أموالهم ويسخرون من أجله أنفسهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] هذا هو الثمن، يبيعون النفس والمال ويقبضون الجنة.
هذا هو الاهتمام الكبير، والجائزة كانت معروفة عند المسلمين، عندما يقال: فلان عالي الهمة، فيقولون: إذاً: لا يرضى بما دون الجنة، نفوس عالية، وهمة سامية، يبذل الإنسان أعز ما يملك! يبذل ماله ونفسه! إنها همة عالية في القمة لا يهتمون بسفاسف الأمور وتوافهها.
стр. 247
تضييع المال في السفاسف
قرأت اليوم في بعض الصحف أن مزاداً عقد في الكويت بيعت فيه حمامة واحدة بثمانية آلاف دينار، من هؤلاء الذين يعشقون الحمام، يشتري الواحد حمامة ويبذل آلافاً من الدنانير تعيش مئات من الأسر، لا أقول: عشرات، بل في بعض البلاد يحتاجون إلى دراهم يقيمون بها أصلابهم.
نفقة الشخص الواحد في باكستان في اليوم أقل من مائة فلس، تكفيه لطعامه وشرابه، فلا يجد مائة فلس، وهذا ينفق على حمامة واحدة ثمانية آلاف دينار.
أي اهتمام هذا؟! وأي نفسية هذه في هذا العصر الذي ركبنا فيه أعداء الإسلام، والذي أصبحت ديار المسلمين فيه مباحة، يتصرفون فيها كما يتصرفون في أموالهم؟! تأتي اهتمامات المسلمين في أسفل سافلين، كان المسلم عندما يقال له: أنفق في سبيل الله، إذا بالأثرياء يتسابقون، عثمان بن عفان في غزوة العسرة يعطي من ماله مائة راحلة، يجهزها تجهيزاً كاملاً بكل ما عليها، فيقول الرسول ﷺ : (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) أي: لا يضره شيء فعله بعد اليوم.
عندما يبايع الرسول ﷺ الأنصار في بيعة العقبة الثانية يشترط عليهم لربه ولدينه ولنفسه، فيقولون: فما لنا إن وفينا يا رسول الله؟! فيقول: الجنة، هذا هو الذي لكم.
اهتمامات المسلمين كانت بالعلم والجهاد في سبيل الله، وبأن يحققوا أوامر الله ﵎ في أنفسهم وأموالهم، ثم يبذلون من الوسائل في سبيل هذا ما يملكون وما يستطيعون.
وهنا صور من اهتمامات غريبة تظهر في ديار المسلمين، هذا المد الكفري الذي يأتينا وافداً من هنا وهنا وبسبب ضعف اتصال المسلمين بدينهم، في عالم الغرب تحفة أثرية تصل قيمتها لا أقول: إلى مئات الآلاف، بل إلى الملايين، لوحة تعلق في الحائط، عندما يوجد طابع قديم مضى عليه خمسون، أو ستون سنة يباع بمئات الآلاف من الدولارات، بل قد يصل إلى الملايين.
الممثلة أو الممثل دقيقته في بعض الأحيان عندما يظهر في مسلسل أو في التلفاز في السينما تبلغ إلى مئات الآلاف من الدولارات، وقد تصل إلى الملايين، إنها اهتمامات غريبة، هؤلاء أهل الدنيا هذه جنتهم ونارهم، لكن ما بال المسلمين يفعلون فعلهم؟! ما بال المسلمين تنخفض اهتماماتهم حتى تصبح في الحضيض؟! ألا يذكر المسلم أنه سيقف بين يدي الله؟! بالله عليكم هذا الذي دفع ثمانية آلاف، عندما يأتي في يوم القيامة سيسأله ربه: أين ذهبت هذه الثمانية الآلاف؟ سيقول: يا رب! اشتريت بها حمامة، أيقبل ربه منه؟! الله ﵎ يقبل أن يبذل ثمناً عظيماً في أمر تافه؟! ما هو أجره لو بذله في حرب وقتال؟ جاء رجل إلى النبي ﷺ بناقة مخطومة فقال: (يا رسول الله! خذها في سبيل الله، قال: لك بها سبعمائة ناقة مخطومة في الجنة).
يقول النبي ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع).
ومنها: (وماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟) من أين جئت بهذا المال؟ أجئت به من حلال أم حرام؟ فيم أنفقت هذا المال؟ أنفقته في حلال أم في حرام؟ هل تصرفت به وفق الضوابط الشرعية أم وفق الأهواء النفسية؟!
стр. 248
بين الحرية والعبودية
بعض الناس يقول لك: أنا حر! أنت عبد لله، ستسأل عن كل كلمة، وستسأل عن كل فعلة، هذا شأن العبيد الذين يسألون عن كل شيء، ونحن عبيد لله ﵎.
صحيح نحن لسنا بعبيد للبشر والمخلوقات، نحن أحرار، لكن بالنسبة لله ﵎ نحن عبيد مقيدون بمنهج الله، إن تمردنا على الله ﵎ ولم نستمسك بهذا الدين فإن مصيرنا رهيب، وإن العاقبة غير سارة، وهناك حساب شديد، في يوم الحساب يسأل الرسول أن يشفع فيقول: نفسي نفسي! إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، نفسي نفسي! أنا لا أسأل الله في هذا اليوم إلا نفسي، يقول هذا خليل الرحمن إبراهيم، ويقوله نوح، ويقوله موسى، ويقوله عيسى، ويقوله كل الأنبياء في ذلك اليوم، يقول الواحد منهم: نفسي نفسي! إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فيعتذر أن يشفع للناس في بعض المواقف خوفاً من العاقبة، فنحن أحرى أن نخشى الله ﵎ ونستقي من المرسلين.
стр. 249
تكفير الذنوب بالبذل في طريق الخير
ذنوبنا كثيرة، وآثامنا كبيرة، وليست لنا مكانة الرسل، ولن ينجي في ذلك اليوم إلا التقوى: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، أن يقدم المسلم لآخرته، وأن يقدم لربه ﵎ ويتقي غضب الله وناره، ثم يكون فعله منضبطاً بهذا الإسلام ولهذا الدين، لا يتصرف في أفعاله تصرفات خاطئة، ولا يتصرف في أمواله تصرفات خاطئة، إن كان عنده فضل مال فليجد به في الطرق التي شرعها الله ﵎، للفقراء، وللمساكين، وفي سبيل الله، وفي إقامة المشروعات النافعة التي تعود على الأمة بالخير، ويتجدد نفعها فيصل إليه في قبره كما أخبر الرسول ﷺ أن الإنسان إذا مات فإنه ينقطع عمله إلا من ثلاث: (صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
الصدقة الجارية التي يتركها الإنسان واقفاً إياها في سبيل الله ﵎ يبقى نفعها للناس متجدداً؛ لأنها قائمة، فكلما استفاد منها العباد فإن الأجر والثواب يصل إليه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 250
النفس التواقة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله.
من سيرة خلفاء المسلمين وحكامهم الخليفة الراشد الأموي عمر بن عبد العزيز، مما يروى عنه من مأثور القول أنه قال: إن لي نفس تواقة، تاقت إلى الإمارة فنلتها، ثم تاقت إلى الخلافة فنلتها، وإن نفسي تتوق إلى الجنة.
نفس الإنسان العظيم الكبير دائماً تطلب معالي الأمور، والإنسان الذي يطلب معالي الأمور لا يمكن أن يجد أمراً أعلى من أن يحقق ما يريده الله ﵎، يقول: تاقت نفسي إلى الإمارة فنلت الإمارة، فوجدتها ليست بالشيء الذي يملأ نفسي، ثم تاقت إلى الخلافة فنلتها، ولكن لم أجد الخلافة تملأ نفسي، فتاقت النفس إلى جنة الله ﵎.
المال لا يغني النفس، والمتاع لا يغني النفس، قال ﷺ : (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ثالثاً).
عندما يكون الإنسان فقيراً فيحصل على بيت، إذا به يريد بيتاً أحسن منه، وعندما يكون غنياً ويشتري قصراً، إذا به يريد قصراً أحسن منه، عندما يملك الإنسان الشيء من أمور الدنيا بعد ذلك لا يحترمه، لأن نفس الإنسان دائماً تريد الأعلى، ولذلك أدبنا القرآن بأدبين: الأدب الأول فيما يتعلق في أمور الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [طه:١٣١]، انظر في أمور الدنيا إلى من هو أقل منك صحة وعافية ومالاً، فعند ذلك تحمد الله على نعمته.
أما فيما يتعلق بأمر الآخرة فانظر إلى الغني الذي ينفق ماله في سبيل الله، وإلى المجاهد الذي يبذل نفسه في سبيل الله، وإلى العالم الذي يبذل وقته في سبيل الله، وتطلع دائماً لأن تكون واحداً من هؤلاء؛ ولذلك يقول الرسول ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو يسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله علماً فهو يقضي به بين الناس).
هذان الاثنان يتطلع إليهما الذي يحسن النية، فيتمنى أن يكون له مثل ذلك الغني المنفق في سبيل الله، ومثل ذلك العالم الذي يعلم الخلق وهو صادق في نيته، ولكنه لا يستطيع أن يحقق ذلك، له مثل أجرهم، كما أخبر الرسول ﷺ أن خير الناس من آتاه الله علماً، فهو يسلطه على هلكته في الحق، ومن آتاه مالاً، ثم الذي يتمنى مثل ما لهذين فإنه ينال مثل أجرهما، (فهما في الأجر سواء) كما يقول الرسول ﷺ .
والذي لا يؤتى مالاً ولا يؤتى في هذه الدنيا ما يتصرف فيه، ثم يتمنى أن يكون له مثل مال فلان المجرم السيئ من المال، يفسد كفساده، فهما في الوزر سواء، هذا لم ينل من الدنيا شيئاً يحقق به ما يطلبه من أهواء وشهوات، ثم ينال في الآخرة مثل إثم هذا الإنسان الآثم الفاجر.
ففي مجال الدنيا ينبغي للمسلم ألا يشغل نفسه كثيراً، وألا ينظر إلى من هو أعلى منه، وفي مجال الآخرة ينبغي أن تتطلع همته إلى المنازل العالية، (وإن في الجنة تسعاً وتسعين درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله).
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا وألهمنا رشدنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.
следующие страницы →