← Джавами‘

Джавами‘ · id 37419

دروس الشيخ عمر الأشقر

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (531 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

همة السلف الصالح إلى الجنة إن الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. مما ترويه كتب السنة أن الصحابي الجليل أبا الدرداء كان جالساً في مسجد دمشق، فجاءه رجل من أهل المدينة، فقال له: يا أبا الدرداء! جئتك من مدينة رسول الله ﷺ ، ليس بي من حاجة إلا أن أسمع منك حديث رسول الله ﷺ ، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً يسر الله له به طريقاً إلى الجنة). رجل يخرج مسافراً يقطع الفيافي والقفار، مسافات شاسعة لا يخرجه من بيته ويجعله يتحمل أعباء السفر إلا أن يسمع أحاديث قالها الرسول ﷺ ممن سمعها من رسول الله ﷺ ، فيبشره صاحب رسول الله ﷺ أن الطريق الذي سلكه في خروجه من بيته لطلب العلم إنما هو طريق يوصله إلى جنة الله ﵎. وفي حادثة أخرى في إحدى المعارك يخطب الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري في المسلمين قبيل المعركة، فيقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)، فيقول رجل من المقاتلين يسمعه: أأنت سمعت هذا يا أبا موسى من رسول الله ﷺ ؟ فيقول: نعم، فيذهب إلى قومه فيقول: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر غمد سيفه، ومشى إلى الأعداء فقاتل حتى استشهد في سبيل الله، وقد فعلها من قبله في عهد الرسول ﷺ عمير بن الحمام، الشاب الذي قاتل في معركة بدر عندما سمع الرسول ﷺ يقول: (إن الجنة تحت ظلال السيوف فقال: بخٍ بخٍ يا رسول الله! قال: وما يحملك على أن تقول بخٍ بخٍ؟ قال: يا رسول الله! لا والله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها)، وكان يأكل تمرات في يده، فقال: لئن عشت حتى آكل هذه التمرات، إنها لحياة طويلة. ولو ذهبت أحدثكم عن مثل هذه الأحاديث التي تبين نوعية هذه الاهتمامات التي كان يهتم بها المسلمون لطال الحديث، لقد كانت اهتمامات عالية في القمة، ما كان المسلمون يضيعون أوقاتهم في أمور تافهة، ولا يضيعون أموالهم في أمور حقيرة، وإنما كانت همتهم جنة الله ﵎، هذا هو الهم الأكبر الذي يسخرون من أجله أموالهم ويسخرون من أجله أنفسهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] هذا هو الثمن، يبيعون النفس والمال ويقبضون الجنة. هذا هو الاهتمام الكبير، والجائزة كانت معروفة عند المسلمين، عندما يقال: فلان عالي الهمة، فيقولون: إذاً: لا يرضى بما دون الجنة، نفوس عالية، وهمة سامية، يبذل الإنسان أعز ما يملك! يبذل ماله ونفسه! إنها همة عالية في القمة لا يهتمون بسفاسف الأمور وتوافهها.

стр. 247

تضييع المال في السفاسف قرأت اليوم في بعض الصحف أن مزاداً عقد في الكويت بيعت فيه حمامة واحدة بثمانية آلاف دينار، من هؤلاء الذين يعشقون الحمام، يشتري الواحد حمامة ويبذل آلافاً من الدنانير تعيش مئات من الأسر، لا أقول: عشرات، بل في بعض البلاد يحتاجون إلى دراهم يقيمون بها أصلابهم. نفقة الشخص الواحد في باكستان في اليوم أقل من مائة فلس، تكفيه لطعامه وشرابه، فلا يجد مائة فلس، وهذا ينفق على حمامة واحدة ثمانية آلاف دينار. أي اهتمام هذا؟! وأي نفسية هذه في هذا العصر الذي ركبنا فيه أعداء الإسلام، والذي أصبحت ديار المسلمين فيه مباحة، يتصرفون فيها كما يتصرفون في أموالهم؟! تأتي اهتمامات المسلمين في أسفل سافلين، كان المسلم عندما يقال له: أنفق في سبيل الله، إذا بالأثرياء يتسابقون، عثمان بن عفان في غزوة العسرة يعطي من ماله مائة راحلة، يجهزها تجهيزاً كاملاً بكل ما عليها، فيقول الرسول ﷺ : (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) أي: لا يضره شيء فعله بعد اليوم. عندما يبايع الرسول ﷺ الأنصار في بيعة العقبة الثانية يشترط عليهم لربه ولدينه ولنفسه، فيقولون: فما لنا إن وفينا يا رسول الله؟! فيقول: الجنة، هذا هو الذي لكم. اهتمامات المسلمين كانت بالعلم والجهاد في سبيل الله، وبأن يحققوا أوامر الله ﵎ في أنفسهم وأموالهم، ثم يبذلون من الوسائل في سبيل هذا ما يملكون وما يستطيعون. وهنا صور من اهتمامات غريبة تظهر في ديار المسلمين، هذا المد الكفري الذي يأتينا وافداً من هنا وهنا وبسبب ضعف اتصال المسلمين بدينهم، في عالم الغرب تحفة أثرية تصل قيمتها لا أقول: إلى مئات الآلاف، بل إلى الملايين، لوحة تعلق في الحائط، عندما يوجد طابع قديم مضى عليه خمسون، أو ستون سنة يباع بمئات الآلاف من الدولارات، بل قد يصل إلى الملايين. الممثلة أو الممثل دقيقته في بعض الأحيان عندما يظهر في مسلسل أو في التلفاز في السينما تبلغ إلى مئات الآلاف من الدولارات، وقد تصل إلى الملايين، إنها اهتمامات غريبة، هؤلاء أهل الدنيا هذه جنتهم ونارهم، لكن ما بال المسلمين يفعلون فعلهم؟! ما بال المسلمين تنخفض اهتماماتهم حتى تصبح في الحضيض؟! ألا يذكر المسلم أنه سيقف بين يدي الله؟! بالله عليكم هذا الذي دفع ثمانية آلاف، عندما يأتي في يوم القيامة سيسأله ربه: أين ذهبت هذه الثمانية الآلاف؟ سيقول: يا رب! اشتريت بها حمامة، أيقبل ربه منه؟! الله ﵎ يقبل أن يبذل ثمناً عظيماً في أمر تافه؟! ما هو أجره لو بذله في حرب وقتال؟ جاء رجل إلى النبي ﷺ بناقة مخطومة فقال: (يا رسول الله! خذها في سبيل الله، قال: لك بها سبعمائة ناقة مخطومة في الجنة). يقول النبي ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع). ومنها: (وماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟) من أين جئت بهذا المال؟ أجئت به من حلال أم حرام؟ فيم أنفقت هذا المال؟ أنفقته في حلال أم في حرام؟ هل تصرفت به وفق الضوابط الشرعية أم وفق الأهواء النفسية؟!

стр. 248

بين الحرية والعبودية بعض الناس يقول لك: أنا حر! أنت عبد لله، ستسأل عن كل كلمة، وستسأل عن كل فعلة، هذا شأن العبيد الذين يسألون عن كل شيء، ونحن عبيد لله ﵎. صحيح نحن لسنا بعبيد للبشر والمخلوقات، نحن أحرار، لكن بالنسبة لله ﵎ نحن عبيد مقيدون بمنهج الله، إن تمردنا على الله ﵎ ولم نستمسك بهذا الدين فإن مصيرنا رهيب، وإن العاقبة غير سارة، وهناك حساب شديد، في يوم الحساب يسأل الرسول أن يشفع فيقول: نفسي نفسي! إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، نفسي نفسي! أنا لا أسأل الله في هذا اليوم إلا نفسي، يقول هذا خليل الرحمن إبراهيم، ويقوله نوح، ويقوله موسى، ويقوله عيسى، ويقوله كل الأنبياء في ذلك اليوم، يقول الواحد منهم: نفسي نفسي! إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فيعتذر أن يشفع للناس في بعض المواقف خوفاً من العاقبة، فنحن أحرى أن نخشى الله ﵎ ونستقي من المرسلين.

стр. 249

تكفير الذنوب بالبذل في طريق الخير ذنوبنا كثيرة، وآثامنا كبيرة، وليست لنا مكانة الرسل، ولن ينجي في ذلك اليوم إلا التقوى: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، أن يقدم المسلم لآخرته، وأن يقدم لربه ﵎ ويتقي غضب الله وناره، ثم يكون فعله منضبطاً بهذا الإسلام ولهذا الدين، لا يتصرف في أفعاله تصرفات خاطئة، ولا يتصرف في أمواله تصرفات خاطئة، إن كان عنده فضل مال فليجد به في الطرق التي شرعها الله ﵎، للفقراء، وللمساكين، وفي سبيل الله، وفي إقامة المشروعات النافعة التي تعود على الأمة بالخير، ويتجدد نفعها فيصل إليه في قبره كما أخبر الرسول ﷺ أن الإنسان إذا مات فإنه ينقطع عمله إلا من ثلاث: (صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). الصدقة الجارية التي يتركها الإنسان واقفاً إياها في سبيل الله ﵎ يبقى نفعها للناس متجدداً؛ لأنها قائمة، فكلما استفاد منها العباد فإن الأجر والثواب يصل إليه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 250

النفس التواقة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله. من سيرة خلفاء المسلمين وحكامهم الخليفة الراشد الأموي عمر بن عبد العزيز، مما يروى عنه من مأثور القول أنه قال: إن لي نفس تواقة، تاقت إلى الإمارة فنلتها، ثم تاقت إلى الخلافة فنلتها، وإن نفسي تتوق إلى الجنة. نفس الإنسان العظيم الكبير دائماً تطلب معالي الأمور، والإنسان الذي يطلب معالي الأمور لا يمكن أن يجد أمراً أعلى من أن يحقق ما يريده الله ﵎، يقول: تاقت نفسي إلى الإمارة فنلت الإمارة، فوجدتها ليست بالشيء الذي يملأ نفسي، ثم تاقت إلى الخلافة فنلتها، ولكن لم أجد الخلافة تملأ نفسي، فتاقت النفس إلى جنة الله ﵎. المال لا يغني النفس، والمتاع لا يغني النفس، قال ﷺ : (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ثالثاً). عندما يكون الإنسان فقيراً فيحصل على بيت، إذا به يريد بيتاً أحسن منه، وعندما يكون غنياً ويشتري قصراً، إذا به يريد قصراً أحسن منه، عندما يملك الإنسان الشيء من أمور الدنيا بعد ذلك لا يحترمه، لأن نفس الإنسان دائماً تريد الأعلى، ولذلك أدبنا القرآن بأدبين: الأدب الأول فيما يتعلق في أمور الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [طه:١٣١]، انظر في أمور الدنيا إلى من هو أقل منك صحة وعافية ومالاً، فعند ذلك تحمد الله على نعمته. أما فيما يتعلق بأمر الآخرة فانظر إلى الغني الذي ينفق ماله في سبيل الله، وإلى المجاهد الذي يبذل نفسه في سبيل الله، وإلى العالم الذي يبذل وقته في سبيل الله، وتطلع دائماً لأن تكون واحداً من هؤلاء؛ ولذلك يقول الرسول ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو يسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله علماً فهو يقضي به بين الناس). هذان الاثنان يتطلع إليهما الذي يحسن النية، فيتمنى أن يكون له مثل ذلك الغني المنفق في سبيل الله، ومثل ذلك العالم الذي يعلم الخلق وهو صادق في نيته، ولكنه لا يستطيع أن يحقق ذلك، له مثل أجرهم، كما أخبر الرسول ﷺ أن خير الناس من آتاه الله علماً، فهو يسلطه على هلكته في الحق، ومن آتاه مالاً، ثم الذي يتمنى مثل ما لهذين فإنه ينال مثل أجرهما، (فهما في الأجر سواء) كما يقول الرسول ﷺ . والذي لا يؤتى مالاً ولا يؤتى في هذه الدنيا ما يتصرف فيه، ثم يتمنى أن يكون له مثل مال فلان المجرم السيئ من المال، يفسد كفساده، فهما في الوزر سواء، هذا لم ينل من الدنيا شيئاً يحقق به ما يطلبه من أهواء وشهوات، ثم ينال في الآخرة مثل إثم هذا الإنسان الآثم الفاجر. ففي مجال الدنيا ينبغي للمسلم ألا يشغل نفسه كثيراً، وألا ينظر إلى من هو أعلى منه، وفي مجال الآخرة ينبغي أن تتطلع همته إلى المنازل العالية، (وإن في الجنة تسعاً وتسعين درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله). اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا وألهمنا رشدنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 251

دراسة حول الملائكة خلق الله الملائكة من نور، وجعلهم غلاظاً شداداً لا يعصون الله ما أمرهم، ولهم أعمال كثيرة، ومنهم من في السماء، ومنهم من في الأرض، ومنهم من وكلهم الله بحفظ أعمال الإنسان وتسجيلها، ومنهم من يصلون على المؤمنين ويستغفرون لهم، ومنهم من يحفظون الإنسان ويحرسونه، ومنهم من يشهدون مجالس الذكر والعلم، ويتنزلون لسماع القرآن، فيجب الإيمان بهم، وبكل ما أخبر الله ورسوله عنهم.

стр. 252

توكيل الله للملائكة بحفظ الإنسان وأعماله إن الملائكة يحفظون الإنسان، ويأتونه بالوحي، ويحفظون أعماله، فقد وكلهم الله بحفظ أعمال الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار:١٠]، فالحافظون هم الملائكة، وقال تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١١]، فهم يتصفون بصفتين: كرماء أي: أخيار، وكاتبين، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٢]. وقد وكل الله على كل إنسان ملكين حاضرين لا يفارقانه، يأتيانه ويحصيان عليه أعماله وأقواله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٨]، قوله: (رقيب عتيد) يعني: مراقب معد حاضر، لا يفارق الإنسان، يعلم حاله لكثرة ملازمته وحضوره، ويعلم كل ما يؤثر ويصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال، ويبدو من النصوص التي بين أيدينا أن الملائكة تكتب كل شيء يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال، لقول الله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق:١٨]، وهذه تفيد العموم في اللغة العربية، من قول أي قول؛ لذلك فإن يوم القيامة عندما يرى الكفار كتابهم يقول قائلهم: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. وقد نقل ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧] أن الحسن البصري -وكان من خيرة الزهاد والوعاظ، وكان رجلاً صالحاً- تلا هذه الآية وقال: يا ابن آدم! بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ الحسنات، وأما الذي عن يسارك فيحفظ السيئات، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]، ثم يقول -أي الحسن البصري -: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك. نعم، فهذا قمة في العدل. ويذكر ابن كثير عن ابن عباس أنه كان يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله: أتيت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]. وذكر ابن كثير عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه فبلغه عن طاوس أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين، فلم يئن أحمد حتى مات ﵀. وما ورد على لسان الحسن البصري من أن صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات ورد في حديث صحيح يرويه الطبراني في معجمه أن صاحب الشمال يرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت عليه.

стр. 253

كتابة الملائكة أفعال ونيات القلوب استدل صاحب الطحاوية على أن الملائكة تكتب أفعال القلوب بقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٢]، يقول: هذه آية شاملة للأفعال الظاهرة والباطنة، واستدل أيضاً بالحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم، يقول الرسول ﷺ : (قال الله : إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشراً)، فهو يقول للملائكة: (إذا هم)، وما أراد في الهم إلا أقل درجة من الإرادة والنية. كذلك الحديث الآخر أيضاً في البخاري ومسلم قال رسول الله ﷺ : (قالت الملائكة: ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها بمثلها سيئة، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي) يعني: لأجلي خوفاً مني، فهذه النصوص تدل على أن الملائكة تعلم إرادة الإنسان لعلم أعطاهم الله يعلمون به ذلك.

стр. 254

علاقة الملائكة بالمؤمنين علاقة الملائكة بالمؤمنين علاقة قوية تجمعهم رابطة الإيمان، وهم يحبون المؤمنين الصادقين في إيمانهم كما في حديث البخاري ومسلم (إن الله ﵎ إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه -أي: يحبه جبريل- ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض). وهم يصلون على المؤمنين، ويدعون لهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]. فالله يذكر العبد في الملأ الأعلى، وإن الملائكة تدعو للعبد الصالح، وقد ذكر لنا الرسول ﷺ نماذج من الأعمال التي تصلي فيها الملائكة على صاحبها، فمن ذلك: معلم الناس الخير الذي يعلمه، فمن الجوائز التي ينالها أن تصلي ملائكة السماء عليه، كما في الحديث الذي رواه الطبراني والترمذي بسند صحيح قال ﷺ : (إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير). وكذلك الذين يقصدون المساجد للصلاة في جماعات، ففي صحيح مسلم قال النبي ﷺ : (إن الملائكة تصلي على الذي يأتي المسجد للصلاة، وتقول: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه ما لم يحدث فيه). وكذلك الذين يصلون في الصفوف الأولى، كما في سنن أبي داود وابن ماجة وفي مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول)، وفي رواية: (إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم). وكذلك الذين يمكثون في مصلاهم بعد الصلاة، ففي سنن أبي داود والنسائي عن أبي هريرة عن الرسول ﷺ قال: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث أو يقم تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه). وكذلك الذين يسدون الفرج خلال الصفوف، ففي سنن ابن ماجة ومسند أحمد والحاكم عن عائشة مرفوعاً: (إن الله تعالى وملائكته يصلون على الذين يقيمون الصفوف) أي يسوونها، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة. وكذلك تصلي الملائكة على الذين يتسحرون في رمضان، كما في صحيح ابن حبان ومعجم الطبراني أن الرسول ﷺ قال: (إن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين). ومن ذلك صلاة الملائكة على الذين يصلون على النبي ﷺ ، قال رسول الله ﷺ في الحديث: (ما من عبد يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة ما دام يصلي علي فليقل العبد من ذلك أو ليكثر). كذلك صلاة الملائكة على الذي يعود المريض، ففي صحيح ابن حبان عن الرسول ﷺ أنه قال: (ما من امرئ مسلم يعود مسلماً إلا ابتعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه في أي ساعات النهار كان حتى يمسي، وأي ساعات الليل كان حتى يصبح)، وهذا أجر عظيم وثواب كثير يضيعه المسلمون. وفي رواية لـ أبي داود والحاكم: (ما من رجل يعود مريضاً ممسياً إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، ومن أتاه مصبحاً خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي)، ولكن من المسلمين من لا يعرف قيمة نفسه، ولا قيمة الأعمال التي يوجهه الله إليها، وكم من أناس ينشغلون بالتفاهات من الأمور وبقضايا جزئية، ويستثقل الإنسان أن يفعل أمور الخير التي هي ثقيلة في ميزان الله .

стр. 255

أثر صلاة الملائكة على المؤمنين صلاة الملائكة على المؤمنين لها أثر عظيم كما يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٣]، فاللام هنا لام التعليل، يعني: الصلاة لها أثر، لها قيمة، قال تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب:٤٣]، فذكر الله لنا في الملأ الأعلى أن دعاء الملائكة له أثر في هدايتنا، وفي إخراجنا من الظلمات، والآية تعني: ظلمات الشرك والكفر والذنوب والمعاصي، وقوله تعالى: ((النُّورِ)) أي: الهداية، وطريق الحق، وطريق الخير، فصلاة الملائكة لها أثر كبير في انتقالنا من الضلال والشرك والظلمات إلى النور والهداية إلى الطريق المستقيم.

стр. 256

الملائكة تستغفر للمؤمنين وقد أخبرنا الله أن الملائكة تستغفر لنا، والاستغفار تقريباً هو نفس الصلاة التي ذكرت من قبل، يقول تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى:٥]، وفي سورة غافر أخبر الله أن الاستغفار إنما يكون للمؤمنين، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩].

стр. 257

شهود الملائكة مجالس العلم وحلق الذكر الملائكة تشهد مجالس العلم وحلق الذكر كما في البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لله ﵎ ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر)، وهؤلاء الملائكة ليسوا بالحفظة الذين يحفظون الإنسان من بين يديه ومن خلفه، وليسوا بالملائكة التي تسجل الحسنات والسيئات، بل هم ملائكة آخرون يلتمسون فقط أهل الذكر ويحضرون مجالس العلم، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى نادوا: هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الأولى. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، وفي مسند أحمد والسنن عن أبي الدرداء مرفوعاً: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب). فالأعمال الصالحة تقربنا من الملائكة مثل زيارة مريض، والصلاة على الرسول، وحضور مجالس العلم تجعل عند الإنسان حالة من السمو الروحي بحيث تقترب منه الملائكة، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (لو أنكم إذ خرجتم من عندي تكونون على الحال الذي تكونون عليه لصافحتكم الملائكة بطرق المدينة) أي: لو كان الإنسان في حالة من السمو الروحي عالية فالملائكة تصافحه؛ وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لو أنكم تكونون على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم).

стр. 258

كتابة الملائكة للسابقين إلى أماكن العبادة الملائكة في بعض الأحيان يكتبون الذين يقدمون إلى أماكن العبادة، وتثبته الملائكة الحفظة كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول)، هؤلاء ملائكة آخرون جاءوا وقد وكلوا بحفظ أعمال العباد، قال: (فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجلسوا يستمعون الذكر) فالملائكة الحفظة تسجل كل شيء، لكن هناك ملائكة يتتبعون الكلام الطيب، ويسجلونه أيضاً كما في صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: (كنا يوماً نصلي وراء النبي ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها) أي: أكثر من ثلاثين ملك من غير الحفظة، هؤلاء الملائكة هم الذين يردون علينا، ويسمعون كلام الناس، ويتعاقبون فينا بالليل والنهار، كما قال الرسول ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر). فهناك ملائكة تنزل وقت العصر وتستمر إلى الفجر، وهناك ملائكة آخرون تنزل وقت الفجر وتستمر إلى العصر؛ فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، قال: (ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)، هؤلاء هم الذين يرفعون أعمال العباد الذين يسأل الله عنهم، ولذلك فإن الله جعل صلاتي الفجر والعصر أهم من أي صلاة أخرى، ومن الأدلة التي تدل على أنهما أهم من غيرها من الصلوات قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، قيل: هي صلاة العصر.

стр. 259

تنزل الملائكة لسماع القرآن الكريم ومن جملة ذلك أنهم يتنزلون لقراءة القرآن، كما في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أسيد بن حضير قال: (بينما هو ليلة يقرأ في مربده)، المربد الذي فيه الحبوب، قال: (إذ جالت فرسه) جالت: يعني أحدثت حركة، قال: (فقرأ ثم جالت أخرى -تحركت حركة قوية فيها عنف وقوة- وقرأ ثم جالت أيضاً، قال أسيد: وخشيت أن تطأ يحيى -أي: كان ابنه نائماً وخشي أن الفرس تطؤه- فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي -مثل الغمامة- فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، قال: فغدوت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي، فقال رسول الله ﷺ : اقرأ يا ابن حضير! قال: فقرأت، ثم جالت أيضاً فقال رسول الله ﷺ : اقرأ يا ابن حضير! قال: فقرأت، ثم جالت أيضاً فقال رسول الله ﷺ : اقرأ يا ابن حضير! قال: فانصرفت وكان يحيى قريباً منها فخشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، فقال رسول الله ﷺ : تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم).

стр. 260

رؤية رسول الله ﷺ للملائكة هل يرى الرسول ﷺ كل الملائكة الموجودين في الأرض كما يرى البشر؟ يبدو أن الرسول ﷺ أوتي قدرة في الإبصار تختلف عن أبصارنا، كما في حديث قال: (أرى الشياطين من خلال صفوفكم كالحذف)، أي: مثل صغار الغنم يمشون بين الصفوف، فيبدو أن له قدرة على رؤيتهم، والله أعلم. وإذا رأى الإنسان الملائكة فهو من الكرامة، كما أنه يبدو أن الرسول لا يستطيع أن يراهم حقيقة، فالرسول ﷺ ما رأى جبريل إلا مرتين، إلا إذا قلنا: إن جبريل له شأن عظيم عند الملائكة، وعلى كل هذه القضايا قضايا غيبية ما نستطيع أن نحكم إلا إذا ورد في ذلك نصوص ثابتة. فالرسول ﷺ ما شاهد جبريل إلا مرتين، أما الصورة التي تشكل فيها جبريل عندما جاءه في الغار، وهناك مناسبة بين الصورة التي يتشكل بها والصورة الأساسية، وهناك نوع من التشابه، ولم يرى جبريل المرة الأولى على هيئتة الحقيقية، ولكنه رآه مرتين بنص القرآن ونص الرسول ﷺ .

стр. 261

تشكل الملائكة بصور حسنة الملائكة تتشكل بأشكال حسنة، أما قصة ذلك الملك الذي جاء على صورة رجل أعمى، ثم على صورة رجل أبرص، ثم أقرع في قصة الذين ابتلاهم الله وهم الأبرص والأقرع والأعمى، ثم شفاهم الله من أمراضهم، فإنما هو للاختبار فقط، والأصل على وجه العموم في الأحوال العادية أن الملائكة لا تتشكل إلا بأشكال جميلة وطيبة.

стр. 262

إعلام الله الملائكة بخلق آدم الله بمجرد أن أراد خلق آدم أعلن ذلك للملائكة، يعني: قبل أن يوجد الإنسان كان عند الملائكة علم بأن هناك مخلوقاً سيوجد في الأرض صفته كذا وكذا، كما قال الله في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠]. وبعد أن خلق آدم وشكله ونفخ فيه الروح أمر الملائكة بالسجود لآدم، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧١ - ٧٢]، فالملائكة سجدوا جميعاً إلا إبليس رفض أن يكون مع الساجدين، قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص:٧٣ - ٧٤]. وسجود الملائكة كلهم لا بعضهم هو قول عامة أهل العلم، وسجود ملائكة الأرض واضح من قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص:٧٣] فهذا أسلوب في اللغة العربية يعم الملائكة جميعاً، وقد أكد الله ذلك بكلمتين تفيد هذا العموم إفادة كلية شاملة فقال: (كلهم أجمعون)، فلا يجوز الخلاف في ذلك كما يقول ابن تيمية، فلا يجوز لأي إنسان أن يقول: إن الذي سجد نفر من الملائكة؛ لأن اللفظ هنا واضح لا لبس فيه في أن الساجد هم الملائكة جميعاً. ومن الأشياء التي روتها لنا السنة: أن الله لما خلق آدم وأسجد له ملائكته أمر الله آدم أن يذهب إلى نفر من الملائكة قريبين منه فيسلم عليهم فيقول كما ردوا به عليه، فهي تحيته وتحية ذريته، وهذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم، يقول الرسول ﷺ : (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ورحمة الله).

стр. 263

دور الملائكة في تكوين الإنسان بإذن الله للملائكة دور في تكوين الإنسان، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر أن الرسول ﷺ قال: (إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله تعالى إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: أي رب! ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك). وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون مثل ذلك علقة، ثم يكون مثل ذلك مضغة، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح)، ففي الحديث الأول تشكيل للإنسان، وهنا بعد هذه الفترة ينفخ الملك فيه الروح ليصبح إنساناً قال: (فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد). وفي الصحيحين أيضاً عن أنس عن النبي ﷺ قال: (وكل الله تعالى بالرحم ملكاً فيقول: أي رب! نطفة؟ أي رب! علقة؟ أي رب! مضغة؟ فإذا أراد أن يقضي خلقها قال: أي رب ذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه).

стр. 264

تفاوت رؤية المخلوقات للملائكة والشياطين نحن ليس عندنا القدرة على إبصار الملائكة، لكن بعض الحيوانات لها القدرة على إبصار الملائكة كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطاناً، وإذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت ملكاً)، فالديك عنده قدرة على أن يبصر الملك، ونحن نعلم أن هناك مخلوقات تستطيع أن ترى ما لا نرى، فهناك حيوان يرى الأشعة فوق البنفسجية، ويستطيع في اليوم الغائم شديد الغيم أن يرى الشمس، والبوم عنده القدرة على أن يرى الأشياء الحية في ظلمة الليل، ويرى الفأر في ظلام الليل الدامس، فهو يستطيع أن يرى بالحرارة، فالحرارة المنبعثة من جسد الحيوان تجعل عنده القدرة على الرؤية، هذه الأشعة يسمونها الأشعة تحت الحمراء. فالمخلوقات متفاوتة، وعجائب الله في خلقه لا تحصى ولا تعد، فالديك عنده القدرة على أن يبصر الملائكة، كما أن الحمار يبصر الشيطان، والبشر يستطيعون أن يروا الملائكة في حالة واحدة إذا تشكلوا، ونادراً ما يستطيع البشر أن يرى الملك على حقيقته، وهذا حدث مع الرسول ﷺ مرتين فقط؛ لذلك يعتبر تعنتاً من الكفار أن يطلبوا رؤية الملائكة في الدنيا في وضح النهار، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢١ - ٢٢]، والملائكة تظهر للإنسان في حالة العذاب عندما يعذب الله الناس في الآخرة، ولكن في الدنيا ليس عندنا قدرة على أن نتحمل رؤية الملائكة على صورهم وعلى حقيقتهم، فإن النبي ﷺ عندما رأى جبريل ذهب مرعوباً إلى زوجته، وذلك حين رآه على صورته الحقيقية. وعندما كان الرسول ﷺ يأتيه جبريل يتصل به فيوحي إليه بطبيعته الملائكية كان هذا شاقاً على الرسول ﷺ وصعباً عليه، فلذلك من رحمة الله بنا ألا نستطيع أن نرى الملائكة، فهم يحيطون بنا، ولو كان عندنا القدرة على إبصارهم لما استطعنا أن نعيش، ومن رحمة الله كذلك أننا نسمع كل هذه الأصوات التي في الدنيا، ولو كان أذن الإنسان كالراديو يستقبل كل الموجات، ويستقبل كل الحركات التي في الدنيا لما استطاع أن يعيش، فهذا من رحمة الله ألا يرى الإنسان كل هذه العوالم، وليس هذا عيباً في الإنسان بل كمال في الإنسان أنه لا يستطيع أن يسمع ولا يرى كل هذه العوالم التي تحيط به، ويقول الله مجيباً على الكفار: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:٩٥] أي: نرسل لهم رسولاً من جنسهم ومن طبيعتهم، حتى ولو أراد الله أن ينزل ملائكة لا ينزلهم بصورتهم الحقيقية، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٨ - ٩]، فول أنزل الله ملكاً لجعله بصفات الرجال حتى يستطيع أن يؤدي ما يريد ويتفاهم مع الناس. والحقيقة كما أخبر الله أن هؤلاء الذين كانوا يطلبون هذا الإعجاز بأن تأتي إليهم الملائكة تكلمهم وتخاطبهم هو تعنت منهم، ولا يريدون من ورائه الحقيقة؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١].

стр. 265

حراسة الملائكة للإنسان وحفظه من العلاقة التي بين الملائكة وبين الإنسان أن هناك ملائكة يحرسون الإنسان ويحفظونه، كما يقول الرب في سورة الرعد: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:١٠]، كل ذلك سواء في علم الله، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، قال ابن عباس: المعقبات هم الملائكة، جعلهم الله ليحفظوا الإنسان من أمامه ومن ورائه، فإذا جاء قدر الله الذي قدر عليه ترك، فالمعقبات من الملائكة، غير الملائكة الذين يكتبون الحسنات والسيئات، والإنسان لا يدرك قيمة نفسه في ميزان الله ، فقد جعل الله له ملكين يسجلان الحسنات والسيئات، وجعل له ملائكة من أمامه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، وأي شيء لا يقدر الله أن يصل إليه لا يجعلهم يقدرون أن يصلوا إليه، فهؤلاء الملائكة تحفظه، له معقبات من بين يديه ومن خلفه، من أمامه ومن ورائه، يقول مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس، يحفظه من الجن كما يحفظه من الإنس، وما من شيء يأتي على الإنسان إلا أبعده الملك عن هذا الإنسان حتى لا يؤذيه، حتى الحجر يسقط ويكون الملك أمامه أو خلفه فيحرسه فلا يصاب إلا بشيء أذن الله أن يصيبه، وقال رجل لـ علي بن أبي طالب: إن نفراً من مراد يريدون قتلك، فقال علي: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة أي: وقاية، فليس الأمر فوضى، بل هناك تقدير، فالمعقبات المذكورة في سورة الرعد هي أيضاً مذكورة في سورة الأنعام، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [الأنعام:٦١] أي: يحفظونه إلى لحظة معينة إلى أن يكتبه الله من الموتى قال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]. فالحفظة الذين يرسلهم الله هم المعقبات المذكورون في سورة الرعد. وليس الأمر كذلك فقط، بل حفظ الإنسان من الناحية العقدية بحفظ الوحي من السماء، وهذه من جملة أعمال الملائكة أيضاً، كما يقول الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة:٩٧]، وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤] والروح الأمين هو جبريل، فلا يأتي بالوحي ملك غير جبريل؛ أو لأن جبريل هو المتخصص بالوحي، كما في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ إذ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه -أي: جبريل- فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته)، فهذا وحي من الله لم يأت به جبريل، إنما جاء به ذلك الملك الذي لم ينزل من قبل إلى الأرض، وهذه عناية من الله . وجاء عن ابن عباس بإسناد صحيح عن حذيفة أن الرسول ﷺ قال: (أتاني ملك فسلم علي، نزل من السماء لم ينزل قبل فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة). وفي مسند أحمد والترمذي والنسائي عن حذيفة بإسناد صحيح يقول الرسول ﷺ : (يا عائشة! أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ هو ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة). أيضاً مما يدل على أن بعض الملائكة قد تأتي محمداً ﷺ غير جبريل بالوحي قول الرسول ﷺ في حديث يرويه الترمذي: (أتاني جبريل وميكائيل فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: يا محمد! اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده فقلت: زدني قال: اقرأه على ثلاثة أحرف، فقال ميكائيل: استزده، فقلت: زدني، كذلك حتى بلغ سبعة أحرف وقال: اقرأه على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ)، والعلماء مختلفون في معنى سبعة أحرف، لكن حديث سبعة أحرف حديث صحيح متواتر، وأسانيده تزيد على أربعين، وليس هذا مجال القول في تفصيل ما المراد بسبعة أحرف.

стр. 266

الملك قد يأتي لغير نبي من الممكن أن يأتي الملك لإنسان ولا يكون رسولاً كما جاء لمريم، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٧ - ١٨]، والصحابة رأوا جبريل، فعن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: (طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر)، ثم أخبرهم الرسول ﷺ أنه جبريل، كذلك أخبر النبي ﷺ عن الرجل الذي أرسل الله إليه ملكاً لأنه كان ذاهباً يزور أخاً له في قرية، فقال الملك: إن الله أرسلني إليك لأخبرك أن الله يحبك. فليس ضرورياً أن كل من جاءه الملك أن يكون نبياً، فقد يرى الإنسان الملك، لكن ليس على صورته الحقيقية، بل متشكل بصورة أخرى.

стр. 267

كيفية إتيان جبريل محمداً ﷺ سأل أحد الصحابة وهو الحارث بن هشام الرسول ﷺ فقال: (يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال الرسول ﷺ : أحياناً يأتي مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه)، وهذا يكون عليه شديداً؛ لأن الملك يتصل بالبشر بصفته الملائكية، قال: (فينفصم عني -يذهب الوحي- وقد وعيت عنه) ولذلك الرسول ﷺ كان في الليلة الشاتية شديدة البرد يعرق ويحمر وجهه، وهذا دليل على أن الذي كان يأتي الرسول ﷺ ليس جناً ولا شيطاناً، فإن الجن عندما يتلبس بالإنسان يخف وزنه، ويصفر لونه، بينما اتصال الملك نماء وقوة، وحيوية، واحمرار في الوجه، بخلاف الذين تتلبس بهم الشياطين. قال: (وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول)، ولا يتصل به، بل يتحول إلى الطبيعة البشرية، أو إلى شيء يشابه الطبيعة البشرية، وكما قلنا: الرسول ﷺ كان يتصل به جبريل بطبيعته الملائكية، لكن لا يراه على صورته الملائكية، إنما الاتصال بطريقة لا نعرف ولا ندري كيف ذلك، أما الرؤية التي رأى الرسول ﷺ فيها جبريل على صورته فكانت مرتين، يقول الرسول ﷺ فيما يرويه البخاري: (بينما أنا أمشي قرب مكة إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني)، والمرة الثانية عندما عرج به إلى السماء، وهاتان المرتان هما المذكورتان في سورة النجم، قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] أي: جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا﴾ [النجم:٦ - ٨]، أي اقترب من الرسول ﷺ ﴿فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩]، ما بينه وبين الرسول ﷺ إلا قوسان، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]، فأوحى جبريل إلى عبد الله الذي هو محمد ﷺ ما أوحى، قال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١١ - ١٣]، أين؟ قال تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٤ - ١٧]. وهذا هو الصحيح لا كما يقول بعض الناس: إن هذه الرؤية رؤية الرسول ﷺ لربه، وهذا خطأ كبير، فالرسول ﷺ لم ير ربه رؤية عين ببصره.

стр. 268

إتيان جبريل محمداً ﷺ بمهمات غير الوحي جبريل كان يأتي بالوحي إلى الرسول ﷺ ، وأحياناً كان يأتيه في مهمات غير الوحي، كان يأتي الرسول ﷺ فيدارسه القرآن خلال رمضان، يعني: الآيات التي أوحيت إلى الرسول ﷺ من القرآن، كان خلال رمضان يدارسه إياها، يعني: في كل سنة يدارسه القرآن مرة في رمضان، وفي العام الذي توفي فيه دارسه القرآن مرتين، ومعنى يدارسه أن الرسول ﷺ يقرأ عليه، ثم يتدارس هو وإياه فيما أوحي إليه، فكان يعلم الرسول ﷺ تعليماً عملياً؛ لأنه لا يكفي التعليم النظري، فلا بد أن يتنبه الناس إلى ذلك، خاصة الذين يدعون إلى الله، قد يعلم الإنسان الصلاة والوضوء وفرائضها وشرائطها ولكنه لا يفقه كيف يصلي، كيف يتوضأ، ولذلك حتى نعلم ما يريده الله تماماً أرسل جبريل إلى الرسول ﷺ ، فصلى به وتوضأ أمامه وهو في صورة بشر ثم صلى به الصلوات في يومين، يوم في أول الوقت ويوم في نهاية الوقت كما في الحديث الذي رواه البخاري أن النبي ﷺ قال: (نزل جبريل فأمني) يعني: جبريل هو الإمام والمعلم، قال: (فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ويحسب بأصابعه خمس صلوات) يعني: خمس صلوات في اليوم الأول. وفي مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي وأبي داود عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك)، والشراك: النعل، يعني: الظل بعد الزوال كان قليلاً، يعني: في أول وقت الظهر، قال: (وصلى بي العصر حين كان ظل الشيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظل الشيء مثله -يعني في آخر وقت الظهر-، وصلى بي العصر حين كان ظل الشيء مثليه -يعني: والشمس لم تصفر- وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم)، فصلى به المغرب في وقت واحد دلالة على أن المغرب له وقت واحد، قال: (وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل)، وليس آخر الليل عند الفجر، فالصحيح أن وقت العشاء إلى نصف الليل، وليس إلى الفجر، وهذا الحديث يدل على أن وقت صلاة العشاء إلى ثلث الليل، لكن هناك أحاديث صحيحة تدل على أنه إلى نصف الليل، ثم قال ﷺ : (وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي وقال: يا محمد! هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين) أي: بين هذا وهذا صلوا. وفي مستدرك الحاكم ومسند أحمد أن الرسول ﷺ قال: (أتاني جبريل في أول ما أوحي إلي فعلمني الوضوء والصلاة فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من الماء فنضح بها فرجه) أي: أخذ غرفة من الماء فنضح الفرج حتى لا يبقى للشيطان شيء يتعلق به، فيشرع بعد الوضوء أن تنضح فرجك حتى لا يبقى للشيطان شيء يدخل فيه. فكان يقوم بالأمور العملية ليس فقط للتعليم، وإنما للعمل كذلك، عندما كان يمرض الرسول ﷺ كان يأتيه جبريل فيرقيه كما في حديث مسلم قال النبي ﷺ : (أتاني جبريل وقال: يا محمد! اشتكيت؟ قلت: نعم. قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من كل نفس وعين حاسد باسم الله أرقيك، والله يشفيك)، ومن ذلك أيضاً أنه حارب مع المسلمين في معركة بدر والخندق وفي غيرها.

стр. 269

القساوة لا شك ولا ريب أن للرقائق دورها في تزكية النفوس، وتهذيب المشاعر، وتليين القلوب، ولو تصفحت كتاب الله ، فستجد أن القرآن مليء بهذه المعاني، فهو يصور لك الآخرة تصوير المعاين لها، وما عليك إلا أن تعيره سمعك وقلبك، وتستحضر عظمة الله ﵎ لكي تستفيد من ذلك.

стр. 270

أهمية الرقائق في تزكية النفوس إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: اعلموا أيها الإخوة! أن القلوب قد تقسو، وأن الأرواح قد تجف، وإذا قست القلوب وجفت الأرواح فقد المرء خيراً كثيراً؛ ولذلك سمى علماؤنا من السلف الصالح الأبواب والكتب التي تجمع الآيات والأحاديث التي تزيل قساوة القلوب وترقق الأرواح: (بالرقائق). فقلما تجد كتاباً من كتب الحديث إلا وتجد فيه باباً للرقائق، فيذكرون فيه قيمة هذه الدنيا وسرعة زوالها، ويذكرون فيه الموت وأهواله، والقبر وفتنته وعذابه، ويذكرون البعث والنشور والجنة والنار، وما جاء في ذلك من الأخبار الصادقة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ . ولقد كان الرسول ﷺ يديم تذكير أصحابه بهذه الحقائق، فترق قلوبهم، وتدمع أعينهم، وتخشع أنفسهم، ويخبتون إلى ربهم ﵎. وقد وقف الرسول ﷺ يوماً يحدث أصحابه فقال: (أيها الناس! إنكم تحشرون حفاةً عراةً غرلاً)، ثم قرأ الرسول ﷺ : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]. أيها الناس! اذكروا يوماً ترجعون فيه إلى الله ﵎، فتبعثون فيه من قبوركم كما ولدتكم أمهاتكم، فقد جئتم إلى الدنيا لا تملكون ثوباً أو نعلاً، بل جئتم فرادى، وكذلك تبعثون، فتبعثون حفاةً ليس في أرجلكم نعال، عراةً ليس على أجسادكم ما يواري سوءاتكم، غرلاً كما خلقكم الله غير مختونين. ثم قرأ الرسول ﷺ : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، فمصير هذه الدنيا إلى زوال، ومصير البشر إلى فناء، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].

стр. 271

أهوال يوم القيامة ثم بعد الفناء بعث ونشور، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، بل إن هذه الأرض الثابتة الراسية، وتلك الجبال الشم الشامخة، وهذه النجوم التي تنتثر في صفحة السماء، وهذه الشمس التي تشرق في كل يوم، وهذا القمر الذي يضيء سماءكم، كل ذلك يصير إلى زوال. أما الأرض والجبال فتحملان وتدكان دكة واحدة، كما قال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة:١٤] فتصبح الجبال كثيباً مهيلاً كالرمل الناعم بعد أن كانت صلبةً قاسيةً لا تؤثر فيها المعاول ولا الفئوس. ثم تنسف وتزول فتصبح هباء منثوراً، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٨]. ((يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)) ثم تصبح الأرض مستوية، فلا ترى فيها جبالاً عاليةً ولا وديان ووهاداً، بل تصبح أرضاً مستوية بارزة ظاهرة، وعندها لا يستطيع الإنسان أن يختفي تحت صخرة أو تحت شجرة أو في غار، قال تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم:٢١] فالجميع ظاهرون وبارزون. أما الشمس فإنها تكور وتلف ويذهب ضوءها، وتنكدر نجوم السماء فتنتثر نجومها وينفرط عقدها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار:٢] فتنتثر كواكب السماء وتتساقط، فينفرط هذا العقد الذي يربطها، وتطمس النجوم ويذهب ضوءها. حدث عظيم، وأهوال مرعبة، وليس الخبر كالمعاينة، فنحن عندما نسمع الحديث قد يؤثر فينا تأثيراً قوياً أو تأثيراً ضعيفاً، ولكن الذين يشاهدون الحدث يذهلون كأنما هم سكارى، كما أخبر الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]. مع أن الأم أحن ما تكون على طفلها إذا كان رضيعاً، ومع ذلك فهي تذهل عنه، وتسقط الحامل حملها لشدة الرعب والفزع، ويشيب الطفل الصغير الذي لم يبلغ السنة من عمره، كما قال تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل:١٧ - ١٨]. وفي ذلك اليوم يجمع الله الأولين والآخرين، فينادي إسرافيل في الصور كما قال سبحانه: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق:٤١] فيقول: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة إن الله يأمركن أن تجتمعن، فتجتمع العظام ثم تكسى لحماً، ثم تخرج كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق:٤٤]. فعندما ينادي المنادي ترى العجب الأعظم حينما ينبت إنسان من هنا كالنبات بل أسرع منه، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه:١٠٨] فيجيبونه لا يتخلف أو يعتذر منهم أحد كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]، كتاب عند الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأعدها. حتى إن الإنسان الذي مات في الصحراء فأكلت لحمه الطيور، وأخذت منه السباع، وغيبت بقيته الأرض، يعيده الله ﵎ إذا شاء حياً كما كان، فيعيده جسداً سوياً، ثم ينفخ في الصور فتعود إليه الروح كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]. فصعقة تميت، وصعقة تحيي، ثم ((يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) ويجمع الله الأولين والآخرين: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠] فيجمع الأولون من آدم إلى آخر رجل وجد على ظهر هذه الأرض، ثم يوقفون بين يدي الله ﵎ فيحاسبهم على ما قدموا، أذلاء، ناكسي رءوسهم، خاشعين، خائفين، جاحظة عيونهم، ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٣]، فلا يدرون ماذا يراد بهم، ولا يستطيعون نطقاً أو كلاماً، فالحقيقة فوق كل شيء. وكلنا ذلك الرجل الذي سيكون هناك، وكلنا سيقف ذلك الموقف، وكلنا سيمر بيوم عسير، قال الله تعالى: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]، ويقول الكافرون في ذلك اليوم وهم يخرجون من الأجداث: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] أي: هذا يوم شديد، فمهما كانت الدنيا حلوةًً، وزهرتها جميلةًًًًًًًًًً، وأيامها طويلةًًً، فلن تساوي في ذلك اليوم شيئاً. فيظن الناس أنهم ما لبثوا فيها إلا أياماً أو يوماً، ويظنون أنها لمحة بالنسبة لذلك اليوم الطويل الرهيب، فلمثل ذلك اليوم فليعد الناس، يوم يحتاج فيه إلى الزاد، فإما أن يكسوك إيمانك وعملك الصالح وينجيك وإما أن يوبقك.

стр. 272

يبعث المرء على ما مات عليه جاء في الحديث: (إن كل إنسان يبعث على ما مات عليه)، فإن مت على الإيمان والتقى والصلاح والجهاد والصبر والطاعة بعثت كذلك، فمن مات في الحج مثلاً فإنه يبعث من قبره ملبياً، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، والذي يموت على المعاصي يبعث عليها، كذلك قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]. ومن منع زكاة ماله فإنه يعذب به، فتجعل له صفائح من نار فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره ويقال له: هذا ما كنزت، وهذا الذي بخلت به وهو حق الله ﵎، فيعذب به في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. وكذلك الجبابرة الطغاة الظلمة الفجرة الذين يسفكون دماء العباد ويتكبرون عليهم، ويستكبرون عن اتباع الحق الذي أنزل من السماء، يحشرون أمثال الذر يطأهم الناس بأقدامهم، كما أخبر بذلك الرسول ﷺ . أما الذين يديمون المشي إلى الصلوات في الظلمات فإنهم يحشرون ولهم نور عظيم، كما يخبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك الذين يتحابون في الله يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والذين ينفقون على العباد ويفرجون كرباتهم يفرج الله كرباتهم في ذلك اليوم: (ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، كما قال النبي ﷺ .

стр. 273

الجزاء من جنس العمل قد جاء في الحديث: (أن رجلاً كان يداين الناس، فسئل يوم القيامة: هل لك من حسنة؟ قال: يا رب! كنت أداين الناس فأقول لعمالي: تجاوزوا عن هذا لعل الله أن يتجاوز عنا يوم القيامة، فيقول الحق: أنا أحق من يسر؛ تجاوزوا عنه) أو كما قال ﷺ . وكذلك الذين يعدلون وينصفون من أنفسهم في أولادهم وأزواجهم وجيرانهم وأهليهم ومن تحت يدهم، على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين. وأما الذين يغدرون ولا يوفون فإنه لكل واحد منهم لواء ويقال: هذه غدرة فلان في يوم كذا، كما أخبر النبي ﷺ ، ففي ذلك اليوم يظهر المخفي ويفضح المستور. ويؤتى بآكلي أموال المسلمين حاملين ما غلوه وأكلوه، كما يخبر الرسول ﷺ أن الرجل يأتي بالبعير على رقبته وله رغاء فيقول: يا محمد! أغثني أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. وكذلك الذي يحمل فرساً على رقبته وله حمحمة، والذي يحمل بقرة ولها خوار، والذي يحمل شاةً، وكذلك الذي يغل الذهب والفضة فإنه يحمله على ظهره، كما قال تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام:٣١]. فهؤلاء الذين يتصرفون في أموال المسلمين من غير قيد أو ضابط، ومن دون خشية لله ﵎، يعذبون يوم القيامة بهذه الأموال التي اكتسبوها وأخذوها بغير حق. ولو ذهبت تتصفح كتاب الله فلن تجد صفحةً خاليةً من ذكر الآخرة، ولو تصفحت الكتب التي جمعت أحاديث الرسول ﷺ فلن تجد باباً إلا وفيه حديث أو أحاديث تحدثك عما سيكون لك في قبرك وفي بعثك ونشورك، ثم المصير النهائي. وحسبك بهذا ذكرى لمن كان له قلب، ولمن كانت نفسه حية، ولمن كان يخشى أن يقف بين يدي الله ﵎. أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 274

الرقائق خلق الله الخلق ليبتليهم وليختبرهم، فأمرهم بأوامر ونهاهم عن منهيات، فمن التزم أمره فأدى الواجب وانتهى عن الحرام عليه فسيجازيه بالحسنى، ومن لم يلتزم أوامره وينتهي عن نواهيه فهو معرض لعذاب الله وعقابه.

стр. 275

عدل موازين الله الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله، وبعد: جاء رجل إلى الرسول ﷺ يشكو عبيده فقال: (يا رسول الله! إن لي غلماناً يعصونني ويخونوني ويكذبون علي، فأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم يعني: ما حالي وحالهم؟ قال: يُحسب ما خانوك وعصوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل، فجلس الرجل يبكي ويقول: يا ويلي! ما لي ولهم؟! ثم قال: يا رسول الله! أشهدك أنهم أحرار). فكل شيء بميزان، وموازين الله عادلة، فهناك موازين للذهب والمعادن الثمينة يسمونها في هذه الأيام موازين حساسة، لكن الموازين عند الله أعدل وأدق. فيوزن الرجل وتوزن أعماله، ويؤتى بالرجل السمين الضخم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، ولا يزن شيئاً، ويأتي الرجل بحسنات أمثال الجبال فيأخذها الناس؛ لأنه ظلم الناس وافترى عليهم، ففي ذلك اليوم يقتصون منه فيأخذون من حسناته. فهناك أناس يأتون بحسنات أمثال الجبال من صلاة وصيام، لكن يذهب الله بحسناتهم هذه؛ لأنهم كانوا كما يقول الرسول ﷺ : (إذا خلو بمحارم الله انتهكوها) أي: يعتدون على حرمات الله في السر، ولا يحفظون حقوق الله، فهؤلاء سيئاتهم تذهب حسناتهم. فهناك يوم يوزن فيه العباد وأعمال العباد وفق مقاييس عادلة، كما قال : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. وفي الحديث القدسي: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). أتراك تزرع حنظلاً وشوكاً ثم تريد تمراً وعنباً وزبداً؟ كلا والله! فازرع قمحاً تحصد قمحاً، واغرس زيتوناً تجن زيتوناً، واغرس تمراً تجد تمراً. وكذلك إذا كنت تريد عند الله مكانة، وتريد عند الله رفعة، وتريد نجاة، فاعمل بقول النبي ﷺ : (اتق النار ولو بشق تمرة).

стр. 276

الجزاء من جنس العمل

стр. 277

وجوب الاستعداد ليوم القيامة اعمل لغدك فإنك لا تدري متى يأتي الأجل، وقدم لنفسك؛ فإن هذا الذي يذهب طعاماً وشراباً يزول، وأما ما قدمته لله فيبقى ويدوم، فالصلات التي تقيمها بينك وبين الآخرين على أساس من تقوى الله تدوم وتتصل، كما قال : ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. فالمتقون تبقى صلتهم، والصلات الأخرى تتقطع بين البشر، فتتقطع بين العابدين والمعبودين، وبين السادة والأتباع، وبين رجال الفكر الذين يضادون شريعة الله ومن يتبعهم، وبين الفلاسفة وأصحاب المبادئ الضالة ومن يتبعهم، بل يتحول الود والمحبة بينهم إلى خصام وعداء يوم القيامة، فهل تريد أن تعرف أين مكانك في ذلك اليوم؟ اعرض نفسك على كتاب الله؛ فإذا وجدت نفسك منضبطاً مع القرآن، ومع أحاديث الرسول ﷺ ، تقوم بأوامر الله وتنتهي عن نواهيه، وتعظم ما عظم الله، وتسعى إلى تحقيق ما ندبك الله إليه؛ فأنت على خير، وإلا فصحح المسار، فإنك لا تدري متى يأتي الأجل، وقبل أن تندم حيث لا ينفع الندم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 278

صراع الحق والباطل خلق الله ﵎ عباده ليبتليهم ويختبرهم، ومن ألوان الاختبار والإبتلاء أن يكون لعباد الله عدو من غيرهم أو من أنفسهم، ثم يقوم الصراع بين الذين انتسبوا إلى الله ﵎ والذين انتسبوا إلى أعداء الله وتمردوا على إلههم وسيدهم. واليهود في طليعة الذين عادوا المسلمين حسداً وكرهاً لأمة الإسلام، فينبغي لأمة الإسلام أن تعاديهم وتعادي كل حلفائهم.

стр. 279

ابتلاء الله لعباده بالصراع مع أهل الباطل إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. خلق الله ﵎ عباده ليبتليهم ويختبرهم، ومن ألوان الاختبار والابتلاء التي يختبر الله به عباده أن يكون لهم عدو من غيرهم أو من أنفسهم، ثم يقوم الصراع بين الذين انتسبوا إلى الله ﵎، وبين الذين انتسبوا إلى أعداء الله الذين تمردوا على إلههم وربهم وسيدهم. خلق الله آدم بيده وأسجد له ملائكته، ومن اللحظة الأولى التي فتح فيها آدم عينيه وجد عدواً يتربص به، وذلك عندما أمر الله ملائكته أن يسجدوا لآدم عندما ينفخ فيه الروح، ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر:٣٠ - ٣١] واستكبر عن أمر الله، وحسد آدم على ما فضله الله به، وكان قبل ذلك يعبد الله مع ملائكة السماء مكرماً معززاً، فطرده الله ﵎ من رحمته وجنته، ومنذ أول لحظة قال الله لآدم: ((يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا)) الذي يقف أمامك وتراه ﴿عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]. وانتقل الصراع من الجنة إلى ظهر هذه الأرض بعد أن نجح الشيطان في إغواء آدم، حيث زين له أن يعصي ربه، فأهبطه الله ﵎ من الجنة، وانتقل الصراع بين الشيطان وذرية آدم إلى أن تقوم الساعة. واتخذ الشيطان من بني آدم جزءاً، وهم فريق كبير ممن اتبعه من بني آدم، (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]، ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] وفريق قليل هم الذين لم يتبعوا الشيطان، وهم الرسل وأتباعهم. أما بقية بني آدم من هذه الجموع الهائلة في الشرق والغرب، فالشيطان هو قائدهم، وموجههم، فبعضهم زين لهم أن يعبدوا الأصنام من دون الله فعبدوها، وبعضهم زين لهم أن يعبدوا الشمس والقمر والنجوم فعبدوها، وبعضهم عبدوا الأحجار والأشجار، وبعضهم عبدوا الجبال والبحار، وبعضهم عبدوا أهواءهم وملذاتهم، وبعضهم عبدوا حكامهم من دون الله، وكل ذلك يرضي الشيطان. فكل من عبد شيئاً من دون الله فقد عبد الشيطان؛ لأنه هو الذي يأمر بذلك ويحبه ويرضاه، وكان عداء الشيطان على مسيرة البشرية عبر تاريخها ينصب على الرسل وأتباعهم، فكان الصراع بين نوح وبين عبدة الأصنام، وبين إبراهيم وعبدة النجوم والكواكب والأصنام والشمس والقمر، وبين موسى وفرعون الذي كان يأتمر بأمر الشيطان، وهكذا على مدار التاريخ يوجد صراع بين الحق والشر، وبين الخير والباطل، ينحاز فيه فئة من البشر إلى الرسل. وأتباع الرسل يسيرون في الحياة بمنهج الله ﵎، ويتحاكمون إلى شرع الله، ويرفعون راية التوحيد وراية الإيمان، ثم يحدث في أتباع الرسل الانحرافات التي تقربهم من الباطل، وتبعدهم عن الحق، كما حدث في تاريخ بني إسرائيل، فقد اختارهم الله ﵎ واصطفاهم، إذ استقاموا على طاعة الله ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]، ((وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ)) أي: بني إسرائيل اختارهم الله واصطفاهم عندما كانوا موحدين مسلمين مخلصين دينهم لله، ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة:٤٧]. ثم بدأ مسلسل الانحرافات في تاريخ بني إسرائيل من عبادة للعجل، وعبادة للأصنام والأوثان، وتمرد على شرع الله، وقتل للأنبياء وللصالحين الذين يأمرونهم بالحق، وينهونهم عن الشر، ولم يزل هذا المسلسل (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]. وانتهى الأمر ببعثة الرسول ﷺ وقد حصل الانحراف الرهيب، من تحريف لدين الله، وكتمان للحق، وابتعاد عن الله، وجاءت بعثة الرسول ﷺ فجراً جديداً للبشرية، تضيء الظلمات التي في النفوس والقلوب، التي غطت العقول، وتخرج البشر من الجاهلية إلى الإسلام، وإلى الهدى وإلى النور، وإلى معرفة الله الحق، وإلى الابتعاد عن ظلمات الشيطان وخطواته.

стр. 280

أهمية معرفة من نعادي سنة الله في الدعوات أن يكون هناك عداء، ولكن ينبغي للمسلم أن يعرف من يعادي، فتلك قضية مهمة، فإن لم تعرف عدوك عاديت أخاك، وعاديت أباك، وعاديت الذين يحبونك ويريدون لك الخير. ومن مهمات دعوة السماء أن تعرفنا بأعدائنا، ومن مهمات الدين الذي أنزل من عند الله أن يعرفنا من نحن، ومن نكون، ومن أعداؤنا، حتى يكون حبنا لإخواننا الذين هم على مبدئنا وطريقتنا، والذين يريدون لنا الخير، وحتى يكون بغضنا وسيوفنا ورماحنا وبنادقنا للذين يستحقون ذلك من أعدائنا. فإذا غابت المعرفة بذلك تلججت بنا الدروب، وأصبحنا حيارى، يعادي الإنسان من ينبغي أن يحبه، ويوالي ويحب من ينبغي عليه أن يكرهه ويعاديه، كما هو واقع في أيامنا.

стр. 281

اليهود أشد وأخبث أعداء المسلمين وفي طليعة الذين عادوا هذه الدعوة، وأرادوا بها شراً: الذين كانوا أتباع الرسل، والذين كانوا يوماً هم المصطفون الأخيار، الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]، الذين قال الله لهم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧] لقد انقلبوا أعداء للرسول الجديد، وللمسلمين الجدد الذين يهتدون بهدي السماء مصدر رسالتهم من عند الله ﵎ الذي أنزل الوحي على نبيه موسى، وعلى نبيه عيسى، انقلب هؤلاء إلى أعداء، وكانت عداوتهم في المقدمة؛ وذلك لأنها ليست نابعة عن جهل، وإنما هي عن علم واستكبار، ومن كانت عداوته عن علم واستكبار لا يرجى من وراء عداوته خير. يعرفون أن رسول الله ﷺ مبعوث من السماء، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:١٠١] ولكنهم كفروا به، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩] بعد أن جاءهم الحق الذي كانوا يتمنون أن يصل إليهم ليعزوا به، كفروا به، حسداً وبغياً وظلماً. وقد عرفنا الله الحقيقة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة:١٤٥]. وكانت العداوة الكبرى في تاريخ هذه الأمة نابعة من اليهود، فقد حاولوا قتل الرسول ﷺ أكثر من مرة، فسمموا طعامه، وأرادوا أن يلقوا عليه حجراً يجعله طحيناً، وألبوا المشركين على المسلمين، ونقضوا عهودهم مع المسلمين، ومن يقرأ مسلسل العداء لهذه الأمة الباغضة للأمة الإسلامية يجمع في ذلك مجلدات ضخمة، إنه عداء لا يمكن أن يغسله الإحسان، ولا يمكن أن تنهيه المودة، والله لو كان يمكن أن ينهيه ذلك لانتهى في عهد الرسول ﷺ ؛ لكثرة ما أحسن إليهم، وأراد بهم خيراً، وفي كل مرة ينقضون العهود والمواثيق، ثم جاء هذا الزمن الذي نعيش فيه، فتلججت بالقوم الدروب، وأصبحنا لا نعرف ولا نحسن أن نعرف من عدونا، إننا نراهم يذبحون رجالنا، ويحتلون ديارنا، وينتهكون حرماتنا، ويثيرون القلاقل والفتن في بيوتنا، وفي دولنا وفي شعوبنا، ويفعلون ما يفعلون، ثم تجد من حكام المسلمين من يصافحهم ويأخذهم بالأحضان، وتجد الدعوة إلى السلام تنطلق من أبواق إذاعات الدول العربية والإسلامية كأنهم لا يعرفون من عدوهم، وما هي طبيعة هذا العدو، وماذا يريد بهم! إن عدونا لا يريد فلسطين وحدها، ولا يريد بلاد الشام وحدها، ولا يريد العراق ومصر وأجزاء من الجزيرة العربية ومنابع البترول، بل يريد أكثر من ذلك، إنه يريد أن يحطم هذه الأمة، وأن يجعلها غثاء، وأن يستعلي عليها، وأن يكون الصوت صوته، والقول قوله، والأمر أمره، ونحن نكون خدماً في ركابه، لا يرضى بأقل من ذلك، لكن هناك شيء واحد يرضون به عنك وهو أن تتبع اليهودية، وقد لا يرضون بيهوديتك، فهم يعتبرون اليهودية شرفاً لا يستحقه غيرهم، فهم يريدون أن نكون عبيداً وديداناً في الأرض يطئونها بأقدامهم، وحشرات يدوسونها بأرجلهم. إن اليهود يعرفون إمكاناتهم، وأنهم أضعف من أن يقفوا في وجه المسلمين، ولذلك ألبوا علينا القوى العالمية: مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا، ألبوا العالم كله وأقنعوه بمصالحهم، فأصبح العالم يحميهم ويحمي وجودهم، لو كان اليهود بضعة ملايين فليواجهوننا. كما قال غاندي عندما كان يستثير قومه من الهنود على البريطانيين، وكان الهنود سبعمائة مليون، فكان يقول لهم: لو كل واحد منكم بصق بصقة على الإنجليز لأغرقهم، الإنجليز الذين حكموا العالم عددهم اثنان وخمسون مليوناً، ولكن اليهود أذكياء، فاستطاعوا أن يفعلوا ما عرفناه في عصرنا الحاضر، فحمتهم الدنيا، وجاء دور كثير من الحكام العرب الذين انضموا إلى القافلة التي تحمي اليهود في عصر البؤس والشقاء، وأصيب المسلمون في ديارهم إصابات متفاوتة في العمق، فقد أصيب المسلمون في فلسطين، وفي بلاد الشام نالهم شر كبير، وفي مصر، وحلقت طائرات العدو سابحة في العالم العربي، بل وتهدد العالم الإسلامي، ويهدد اليهود بأن يضربوا المفاعل النووي الباكستاني كما ضربوا المفاعل النووي العراقي، وسفنهم تبحر قريباً من شواطئنا، وطائراتهم تضرب البؤساء الفقراء في مخيماتنا كما تضرب في عمق العالم الإسلامي، وأصبحت لهم صولة وجولة، ونحن ما زلنا لا نعرف حقيقة هذا العدو! إن هذا العدو ليس كالعدو البريطاني، فقد كان الجندي البريطاني يأتي إلى ديارنا وقلبه معلق ببلده وبيته، ينتظر متى يعود، وكذلك المستعمر الفرنسي عندما كان يأتي إلى الجزائر أو يأتي إلى بلادنا في سوريا وغيرها، كان يعيش وقلبه معلق هناك في فرنسا، أما اليهودي فيعتبر الأرض أرضه، والبيت بيته، والبلد بلده، ويعتبرنا غاصبين لأرضه وتاريخه وتراثه! إن الصراع الحقيقي اليوم يتمثل بين المسلمين وبين اليهود الذين ألبوا العالم علينا لإذلالنا حتى نركع أمامهم، ثم يمتصون خيراتنا ويعبدونا لأهوائهم. والمخطط الرهيب عندما يدرسه الإنسان بدقة وبتفصيل فإنه يقشعر بدنه لهول ما يراه، وما أكثر المذابح والمآسي والمؤامرات التي وقعت والتي يخطط لتكون في عالمنا العربي والإسلامي! وكثير منا يعلم عن هذا لأنه أمر واقع ومشهود. هذا هو العدو الأول الذي يضعه الله ﵎ في مستوى المشركين مثل: أبي جهل وأبي لهب، ولينين واستالين وروسيا والصين، هذه قمة العداء للأمة الإسلامية، إذا لم نؤمن بذلك ضيعنا أنفسنا وضعنا، إذا اتخذنا من روسيا صديقاً ينصرنا على إسرائيل، ومن أمريكا ولياً ينصرنا على إسرائيل، وإذا حاربنا بالقوى التي تكفر بالخالق أو تشرك به؛ فإننا نظلم أنفسنا، إن هناك قوة عليا ينبغي أن يمد لها المسلمون أيديهم، ويرفعوا أيديهم لرب العزة ﵎ الذي له ملكوت السماوات والأرض، العليم الحكيم الخبير، الذي يأمر الأمر فكلٌ بأمره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو ولي المؤمنين إذا هم والوه بالإيمان والعبادة والطاعة، وينبغي أن يعرفوا أن هؤلاء الذين نستنصر بهم في الشرق والغرب وهيئة الأمم ومجلس الأمن لا يريدون بنا خيرا ً. وحكام المسلمين لم يدركوا أو لا يريدون أن يدركوا هذه الحقيقة، ولذلك في كل عام تتعمق المأساة، وتزيد المأساة، وفي كل عام نزداد يأساً وبؤساً، وفي كل عام نزداد فرقة، وننشغل بأنفسنا؛ لأننا لم نعرف بعد عدونا بصورة يقينية، مع أن الله أخبرنا، ولكن لا نزال نتلمس الطريق بعقولنا الضعيفة الكليلة! مشكلة هذه الأمة أنها لا تعرف من هي، وما هو انتماؤها، وما هي عقيدتها، ينبغي للأمة أن تعرف عدوها، وأن تعرف أن الناصر والمعين هو الله ﵎، فلنتحد مع المؤمنين الذين يتابعوننا على عقيدتنا وإسلامنا، ينبغي أن نعرف من نحن، وأن نعرف أعداءنا، فإن شبابنا حائر ضائع لا يعرفون من هم، ولا يعرفون هويتهم، ولا يعرفون شخصيتهم، كم من انتماءات كثيرة ترفق، ورايات كثيرة ترفع، رايات وطنية وقومية، ومبادئ تقوم في عالمنا العربي، ثم سرعان ما تنطفئ كالشمعات الصغيرة، ثم يقعد الناس في الظلام حيارى لا يعرفون طريقهم، ولا يعرفون سبيلهم. ينبغي لنا أن نعرف أننا -نحن المسلمين- أتباع محمد ﷺ خاتم الأنبياء، وحملة هذه الرسالة العظمى، وحملة دين الله في الأرض. كما يجب أن نعادي أعداء الله من اليهود والمشركين والنصارى، فمن كان على مثل عقيدتنا فإنه منا، ومن لم يكن على ذلك فإنه ليس منا، حبنا لربنا، وحبنا لرسولنا ﷺ ، وحبنا للمؤمنين الذين آمنوا بالله وآمنوا بالرسول، ووالوا الإسلام وناصروا الحق، المؤمنون الذين يسعون في الأرض بقلوب معلقة بالسماء، نحن -المسلمين- كذلك، وعدونا نعرفه، فمن كان كذلك فقد عرف طريقه وعرف سبيله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 282

كثرة مآسي المسلمين الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله. إن الضعف الذي تعيشه الأمة، والقوة التي يعيشها أعداؤها؛ سبب مآسي كثيرة في ديار المسلمين وأوجاعاً وآلاماً، ففي أفغانستان أكثر من ثلاثمائة مليون لاجئ يعيشون في باكستان، وعشرات الألوف من المعوقين، وبيوت خربت، ومدن هدمت، وتحولت الأمة إلى أمة مقاتلة تقدم في كل يوم ضحايا. وفي الهند في كل يوم تثور مآس للمسلمين من قبل عباد الأبقار، وفي الحبشة وفي غيرها. ومن أعظم المآسي المعاصرة ما فعله اليهود بالمسلمين في بلدنا القريب منا، في فلسطين، إنه مسرى رسول الله ﷺ ، وكان الأمل إذا لم يستطع المسلمون أن يحموا ديارهم، وأن يحموا بلادهم وإخوانهم، أن يمدوا لهم يد العون، كي لا ينشأ هؤلاء الناس حاقدين حتى على المسلمين، ماذا تنتظرون من إنسان لا يجد لقمة الطعام ولا يجد اللباس والمسكن؟! كيف يكون تصوره وهو يرى البذخ في كثير من العالم الإسلامي؟ أقوام يموتون شبعاً، وأقوام يموتون جوعاً، فماذا تنتظرون من شباب يرون هذه المناظر بأعينهم في أنفسهم وفي غيرهم؟ في كل يوم نسمع الأخبار أن العدو يقصف المخيمات المستضعفة، ورجال يتسمون بالإسلام يضربون هؤلاء المساكين، والصوت العربي والإسلامي ساكن وخامد، وما يسمونه بالصوت العالمي لا يتحرك ولا يتكلم، وأصبح الحمى مباحاً لليهود، لا أحد يتكلم ولا يتظاهر ولا يحتج، حتى الدموع جفت في المآقي، فلا أحد يبكي على المساكين الذين يعذبون في كل يوم. إذا قصرت الحكومات فأين شعوبها؟ وعبر التاريخ عندما كان الحكام يختلفون تبقى الشعوب فيها نبض من حياة، فتحس بآلام إخوانها، وتعينهم وتقدم لهم الخير، وأنا لا أنكر أن في الأمة رجالاً قدموا الكثير ولا يزالون يقدمون، ولكن هذه القضية ليست قضية آنية، بل هي قضية دائمة مستمرة، فالمسلمون كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. كثير من الذين يحضرون الصلاة يعرفون أحوال الذين شردوا وابتلوا بفعل عدونا الأكبر وهم اليهود، يعرفون بيوتهم ومساكنهم وآلامهم، يعرفون جراحهم ومواردهم المالية يعرفون المآسي، ويمكن لأي إنسان منكم أن يتجول في ربوع الوطن العربي، ليذهب إلى الأردن أو إلى سوريا، أو إلى لبنان حتى يرى بأم عينيه المآسي والأوجاع والآلام. قامت في الكويت لجان لمعاونة المسلمين في أفغانستان، وهذا عمل طيب، وقامت لجنة لإغاثة المسلمين في أفريقيا وهذا عمل طيب، وأخيراً أفاق بعض المسلمين فأقاموا لجنة لمناصرة الشعب الفلسطيني واللبناني. هذه القضية نسيها المسلمون، وكان الواجب أن تكون هذه القضية في المقدمة؛ لأن قضيتها قديمة، ولأن المعاناة قائمة منذ عشرات السنين، وأقل ما يمكن أن تشبع البطون الجائعة، ويساعد المرضى المحتاجون، فهذا أقل واجب على المسلمين، وأن يمدوا يد العون لمن هم إخوانهم في الدين، ويضمهم اسم الإسلام، واسم العروبة، واسم الأخوة. وبعض هؤلاء الناس استوعبتهم الدول العربية ووجدوا لهم مجالاً للعمل، وأصبحوا أغنياء، وكثير منهم نسوا حياتهم وبلادهم وإخوانهم ومآسيهم، وكثير منهم نرى صورهم في الحفلات، وفي الفنادق، وفي البذخ، وأنا لا أنكر وجود بعض الناس من هذا الصنف، ولكن هذا صنف يعيش على هامش الحياة، لا تهمه إلا نفسه، وإن تشدق بالوطنية والثورية والسلام، ولكن واقعه يكذب ما يقول، لكن بقي كثير من هؤلاء بحاجة إلى العون، وكثير من هؤلاء يحملون القضية في قلوبهم لا على أنها قضية وطن، وإنما على أنها قضية دين، وقضية إسلام وقضية صراع بين الخير والشر. إذا انتهى الشعب الفلسطيني ولم يبق شعب فلسطيني أتضيع القضية؟ أيرضى المسلمون بأن تضيع فلسطين وأن يضيع مسرى رسول الله ﷺ ؟ أيرضون أن تضيع الأرض المباركة من أيدي المسلمين؟ لا يرضون بذلك، فهذه القضية متصلة بالعقيدة. لقد حدثني بعض الناس أنه عندما سقطت فلسطين في سنة ١٩٤٨م ثم في سنة ١٩٦٧م، وفي حادثة إحراق المسجد الأقصى؛ كان أول من يثور هم الشعب الباكستاني والإندونيسي، مع أنه ليس لهم صلة بالعربية، لكن عقيدتهم هي التي تربطهم بالمسجد الأقصى، إنهم يقرءون في كتاب الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، ويذكرون فتوحات المسلمين، ومسير عمر بن الخطاب إلى فلسطين، والشهداء الذين سقطوا من الصحابة وغيرهم على أرض فلسطين وحول أسوار القدس. هذه قضيتكم، وإذا نسيها أهلها -على فرض ذلك- فأنتم مسئولون عنها، فلسطيني أو عربي أو مسلم، وليست بقضية الصين وروسيا وأمريكا، هذه قضيتنا، وعندما تحولت قضيتنا إلى قضية شرق أوسط، وقضية العرب، وقضية دولية؛ ضاعت قضية المسلمين، والذين يعيشون في المآسي من الفلسطينيين هم إخوانكم سواء كنتم فلسطينيين أو عرباً أو مسلمين، تلك قضيتكم، وغداً أنتم مسئولون عنها عندما تقفون بين يدي الله ﵎. هذا العمل الذي قامت به الكويت وهو لجنة المناصرة جزء يسير مما كان ينبغي أن يعمله المسلمون من قبل، فكيف يتركون إخوانهم للكفار يغيثونهم، إن وكالة غوث اللاجئين تتصدق عليهم مما يلبس الفرنسي والبريطاني، وأموال المسلمين أنهار تجري في بلاد العالم لا ندري كيف نصرفها والناس محتاجون للباس وللطعام! هذه قضيتكم أنتم، والذين قاموا على هذا العمل الخير كان ينبغي أن يكونوا أسبق من ذلك، وعملهم وإن تأخر عن وقته فينبغي أن يكون المسلمون عوناً لهم، وإذا لم يستطيعوا أن يحاربوا وأن يقاتلوا فلا أقل من أن يعينوا اليتامى والمعوقين والمحتاجين والجائعين والأرامل، وأعدادهم لا تحصى في مختلف بقاع العالم العربي. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع عليم.

стр. 283

توجيهات تربوية الإيمان الحقيقي هو الراسخ في القلب رسوخ الجبال العالية، إنه الخوف والخشية من الله التي تستقر في أعماق القلب فتلقي بظلالها على بقية الأقوال والأعمال. إن صاحب الإيمان المستقر في حنايا فؤاده يسبق في كثير من الأحيان أصحاب الأعمال التي لا يرشدها الإيمان وإن كانت كثيرة.

стр. 284

أهل الإيمان الصادق يفوقون أهل العبادات الكثيرة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثبت عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (وزنت بالأمة فرجحتها، ووزن أبو بكر بالأمة لست فيها فرجحها، ووزن عمر بالأمة لست فيها وليس فيها أبو بكر فرجحها). يخبر الرسول ﷺ أن مكانته وفضله وأجره وثوابه عند الله عظيم، فالأمة الإسلامية من أول رجل فيها وهو أبو بكر أفضل رجل بعد النبيين إلى آخر رجل فيها وضعت في كفة والرسول ﷺ في كفة فرجح الرسول ﷺ بالأمة كلها، رجل واحد يرجح بملايين الملايين من المؤمنين الصالحين بأعمالهم وفضائلهم وأجورهم، والرسول ﷺ يرجح عليهم. كذلك أبو بكر الصديق ﵁ يوزن بالأمة وفيها عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وخالد بن الوليد والصالحون والأخيار من هذه الأمة يوزن بهم، وليس فيهم الرسول ﷺ فيكون ميزان أبي بكر أرجح من ميزان الأمة كلها. ثم يأتي عمر ﵁ فيكون الحال كذلك. لقد كانت هذه المكانة العظيمة لـ أبي بكر كما في الأثر: ما سبقكم أبو بكر بكثير عمل إنما هو شيء وقر في قلبه، أبو بكر الصديق لم يسبق الناس بكثير عمل، إنما هو إيمان استقر في قلبه، إيمان راسخ قوي، وصلة عظيمة بالله أوجبت له الأجر العظيم والثواب الجزيل مع سابقة في الإسلام وحرص على التقوى. الناس يتفاضلون عند ربهم بما وقر في قلوبهم، وبالإيمان الذي يستقر في هذه القلوب، وحب الله ، وخشيته ، وتعظيمه ، فعندما تستقر هذه الأمور في القلوب تصبح القلوب نظيفة طاهرة طيبة، بل يصبح بينها وبين الله صلة، هذه المعاني التي استقرت في القلب تلقي آثارها على عمل الإنسان أو على أفعاله أو على أقواله، فلا تسمع منه إلا طيباً، ولا تلقى منه إلا خيراً، تلقي ظلالها على أعمال العبد فإذا بها تستمد من مشكاة النبوة أو من نور الإسلام، فإذا بالعبد يستقيم على منهج الله وطاعته ويأخذ من دين الله ، ويصبح عند المسلم حساسية تجاه هذه الشريعة والأقوال والأعمال. بعض الناس يتهاون في أمور يظنها حقيرة، وبعضهم في عينيه أمور يظنها عظيمة والأمر ليس كذلك؛ لأنه لا يستقي من شريعة الله ، فيأخذ الأمر بهواه، والله عنده الميزان يقيس به الأعمال ويوزن به البشر يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].

стр. 285

خطر اللسان رب كلمة يقولها العبد يرفعه الله بها في الجنة درجات عالية، ورب كلمة يقولها العبد يهبط بها في دركات جهنم. وفي الحديث: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً -لا يظن أنه سيكون لها أثر عظيم- يرفعه الله بها في الجنة درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً)، أي كلمة يقولها العبد لا يهتم لها ولا يلقي لها بالاً ولا تأخذ من نفسه وفكره شيئاً، ولكنها تغضب الله غضباً شديداً. يحدثنا الرسول ﷺ عن أحد السابقين وهو رجل صالح يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يرى أخاً له في الله يفعل الموبقات من المعاصي والذنوب، فينهاه ويبين له ويرشده مرات ومرات، وفي يوم وجده على معصية فيشتد عليه فيقول له: دعني وربي، أنت لست برقيب علي، فيقول: (والله! لا يغفر الله لك)، انظر إلى هذه الكلمة التي صدرت بنية طيبة فقال الله جل وعلا: (من ذا الذي يتألى علي؟ -من الذي يحلف أنني لا أغفر؟ - قد غفرت له وأحبطت عملك)، كلمة لم يلق لها ذلك الرجال بالاً، ولا يظن أنها ستبلغ هذا المبلغ، فيغفر الله بها لذلك المذنب العاصي ويحبط أجر هذا الرجل العابد؛ لأنه تكلم بكلمة في ميزان الله تعتبر كبيرة. كان يخطب الرسول ﷺ فيأتي إليه رجل فيقول له: (يا رسول الله! هلكت العيال وضاع كذا، ادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فيغضب الرسول ﷺ غضباً شديداً ويسبح قائلاً: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! ويقول: ويحك، أتدري ما الله؟ إنه لا يستشفع لأحد على الله)، لا يستشفع بالله على أحد، فلا تجعل الله شفيعاً للرسول. بعض العامة في بلاد الشام يقولون عبارة أشنع من هذه، فعندما يريد إنسان أن يؤكد أمراً على إنسان آخر يقول: أدعوك وعليك الله! فهي كلمة عظيمة يقولها الناس ولا يلقون لها بالاً، والله لا يقدم ليشفع عند أحد، الناس يشفعون عند ربهم فيقبل شفاعتهم أو يردها كما يشفع الرسول ﷺ يوم القيامة والشهداء والصالحون. وأما أن يستشفع بالله على فلان فهذا خطأ عظيم غضب الرسول ﷺ من ذكره. بعض الأعمال يفعلها العباد وهي خطيرة؛ لأن ميزان التقوى وتعظيم الله قد اختل في النفوس، فالرسول ﷺ يقول في الحديث الذي نعرفه: (دخلت امرأة النار في هرة) وفي المقابل امرأة زانية غفر لها بصبة ماء أسقتها لكلب، فبعض الناس يبخسون الحيوان وهو ذو روح، تحبسه امرأة لا تطعمه ولا تسقيه ولا تسمح له بالانطلاق في فجاج الأرض ليأكل من أرض الله الواسعة فتدخل النار بهذا الفعل. وامرأة تمر على كلب يأكل الثرى من العطش بجانب بئر فتأخذ بنعلها ماء فتسقيه فيغفر الله لها ويدخلها الجنة. فالناس لا يلقون بالاً لهذه الأعمال، وميزان الله غير ميزان البشر. وبعض الناس وهم يضحكون في مجالسهم يريدون النكات لكي يضحكون وقد تمس رسول الله أو الصلاة، وقد تمس الإمام الذي يقرأ القرآن وتضحك الناس من أمر من أمور الدين، هذا خطر كبير يقع فيه كثير من المسلمين الذين يرجون خيراً ويرجون الله ، ولا يلقون للكلمة بالاً، فعندما استهزأ بعض الناس بالرسول ﷺ وبالصحابة رضوان الله عليهم سمى الله ذلك كفراً بقوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] ويحبط العمل، فينبغي للمسلم أن يتنبه إلى مثل هذه الأمور.
следующие страницы →