← Джавами‘

Джавами‘ · id 37419

دروس الشيخ عمر الأشقر

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (531 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

اليهود أشد وأخبث أعداء المسلمين وفي طليعة الذين عادوا هذه الدعوة، وأرادوا بها شراً: الذين كانوا أتباع الرسل، والذين كانوا يوماً هم المصطفون الأخيار، الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]، الذين قال الله لهم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧] لقد انقلبوا أعداء للرسول الجديد، وللمسلمين الجدد الذين يهتدون بهدي السماء مصدر رسالتهم من عند الله ﵎ الذي أنزل الوحي على نبيه موسى، وعلى نبيه عيسى، انقلب هؤلاء إلى أعداء، وكانت عداوتهم في المقدمة؛ وذلك لأنها ليست نابعة عن جهل، وإنما هي عن علم واستكبار، ومن كانت عداوته عن علم واستكبار لا يرجى من وراء عداوته خير. يعرفون أن رسول الله ﷺ مبعوث من السماء، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:١٠١] ولكنهم كفروا به، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩] بعد أن جاءهم الحق الذي كانوا يتمنون أن يصل إليهم ليعزوا به، كفروا به، حسداً وبغياً وظلماً. وقد عرفنا الله الحقيقة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة:١٤٥]. وكانت العداوة الكبرى في تاريخ هذه الأمة نابعة من اليهود، فقد حاولوا قتل الرسول ﷺ أكثر من مرة، فسمموا طعامه، وأرادوا أن يلقوا عليه حجراً يجعله طحيناً، وألبوا المشركين على المسلمين، ونقضوا عهودهم مع المسلمين، ومن يقرأ مسلسل العداء لهذه الأمة الباغضة للأمة الإسلامية يجمع في ذلك مجلدات ضخمة، إنه عداء لا يمكن أن يغسله الإحسان، ولا يمكن أن تنهيه المودة، والله لو كان يمكن أن ينهيه ذلك لانتهى في عهد الرسول ﷺ ؛ لكثرة ما أحسن إليهم، وأراد بهم خيراً، وفي كل مرة ينقضون العهود والمواثيق، ثم جاء هذا الزمن الذي نعيش فيه، فتلججت بالقوم الدروب، وأصبحنا لا نعرف ولا نحسن أن نعرف من عدونا، إننا نراهم يذبحون رجالنا، ويحتلون ديارنا، وينتهكون حرماتنا، ويثيرون القلاقل والفتن في بيوتنا، وفي دولنا وفي شعوبنا، ويفعلون ما يفعلون، ثم تجد من حكام المسلمين من يصافحهم ويأخذهم بالأحضان، وتجد الدعوة إلى السلام تنطلق من أبواق إذاعات الدول العربية والإسلامية كأنهم لا يعرفون من عدوهم، وما هي طبيعة هذا العدو، وماذا يريد بهم! إن عدونا لا يريد فلسطين وحدها، ولا يريد بلاد الشام وحدها، ولا يريد العراق ومصر وأجزاء من الجزيرة العربية ومنابع البترول، بل يريد أكثر من ذلك، إنه يريد أن يحطم هذه الأمة، وأن يجعلها غثاء، وأن يستعلي عليها، وأن يكون الصوت صوته، والقول قوله، والأمر أمره، ونحن نكون خدماً في ركابه، لا يرضى بأقل من ذلك، لكن هناك شيء واحد يرضون به عنك وهو أن تتبع اليهودية، وقد لا يرضون بيهوديتك، فهم يعتبرون اليهودية شرفاً لا يستحقه غيرهم، فهم يريدون أن نكون عبيداً وديداناً في الأرض يطئونها بأقدامهم، وحشرات يدوسونها بأرجلهم. إن اليهود يعرفون إمكاناتهم، وأنهم أضعف من أن يقفوا في وجه المسلمين، ولذلك ألبوا علينا القوى العالمية: مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا، ألبوا العالم كله وأقنعوه بمصالحهم، فأصبح العالم يحميهم ويحمي وجودهم، لو كان اليهود بضعة ملايين فليواجهوننا. كما قال غاندي عندما كان يستثير قومه من الهنود على البريطانيين، وكان الهنود سبعمائة مليون، فكان يقول لهم: لو كل واحد منكم بصق بصقة على الإنجليز لأغرقهم، الإنجليز الذين حكموا العالم عددهم اثنان وخمسون مليوناً، ولكن اليهود أذكياء، فاستطاعوا أن يفعلوا ما عرفناه في عصرنا الحاضر، فحمتهم الدنيا، وجاء دور كثير من الحكام العرب الذين انضموا إلى القافلة التي تحمي اليهود في عصر البؤس والشقاء، وأصيب المسلمون في ديارهم إصابات متفاوتة في العمق، فقد أصيب المسلمون في فلسطين، وفي بلاد الشام نالهم شر كبير، وفي مصر، وحلقت طائرات العدو سابحة في العالم العربي، بل وتهدد العالم الإسلامي، ويهدد اليهود بأن يضربوا المفاعل النووي الباكستاني كما ضربوا المفاعل النووي العراقي، وسفنهم تبحر قريباً من شواطئنا، وطائراتهم تضرب البؤساء الفقراء في مخيماتنا كما تضرب في عمق العالم الإسلامي، وأصبحت لهم صولة وجولة، ونحن ما زلنا لا نعرف حقيقة هذا العدو! إن هذا العدو ليس كالعدو البريطاني، فقد كان الجندي البريطاني يأتي إلى ديارنا وقلبه معلق ببلده وبيته، ينتظر متى يعود، وكذلك المستعمر الفرنسي عندما كان يأتي إلى الجزائر أو يأتي إلى بلادنا في سوريا وغيرها، كان يعيش وقلبه معلق هناك في فرنسا، أما اليهودي فيعتبر الأرض أرضه، والبيت بيته، والبلد بلده، ويعتبرنا غاصبين لأرضه وتاريخه وتراثه! إن الصراع الحقيقي اليوم يتمثل بين المسلمين وبين اليهود الذين ألبوا العالم علينا لإذلالنا حتى نركع أمامهم، ثم يمتصون خيراتنا ويعبدونا لأهوائهم. والمخطط الرهيب عندما يدرسه الإنسان بدقة وبتفصيل فإنه يقشعر بدنه لهول ما يراه، وما أكثر المذابح والمآسي والمؤامرات التي وقعت والتي يخطط لتكون في عالمنا العربي والإسلامي! وكثير منا يعلم عن هذا لأنه أمر واقع ومشهود. هذا هو العدو الأول الذي يضعه الله ﵎ في مستوى المشركين مثل: أبي جهل وأبي لهب، ولينين واستالين وروسيا والصين، هذه قمة العداء للأمة الإسلامية، إذا لم نؤمن بذلك ضيعنا أنفسنا وضعنا، إذا اتخذنا من روسيا صديقاً ينصرنا على إسرائيل، ومن أمريكا ولياً ينصرنا على إسرائيل، وإذا حاربنا بالقوى التي تكفر بالخالق أو تشرك به؛ فإننا نظلم أنفسنا، إن هناك قوة عليا ينبغي أن يمد لها المسلمون أيديهم، ويرفعوا أيديهم لرب العزة ﵎ الذي له ملكوت السماوات والأرض، العليم الحكيم الخبير، الذي يأمر الأمر فكلٌ بأمره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو ولي المؤمنين إذا هم والوه بالإيمان والعبادة والطاعة، وينبغي أن يعرفوا أن هؤلاء الذين نستنصر بهم في الشرق والغرب وهيئة الأمم ومجلس الأمن لا يريدون بنا خيرا ً. وحكام المسلمين لم يدركوا أو لا يريدون أن يدركوا هذه الحقيقة، ولذلك في كل عام تتعمق المأساة، وتزيد المأساة، وفي كل عام نزداد يأساً وبؤساً، وفي كل عام نزداد فرقة، وننشغل بأنفسنا؛ لأننا لم نعرف بعد عدونا بصورة يقينية، مع أن الله أخبرنا، ولكن لا نزال نتلمس الطريق بعقولنا الضعيفة الكليلة! مشكلة هذه الأمة أنها لا تعرف من هي، وما هو انتماؤها، وما هي عقيدتها، ينبغي للأمة أن تعرف عدوها، وأن تعرف أن الناصر والمعين هو الله ﵎، فلنتحد مع المؤمنين الذين يتابعوننا على عقيدتنا وإسلامنا، ينبغي أن نعرف من نحن، وأن نعرف أعداءنا، فإن شبابنا حائر ضائع لا يعرفون من هم، ولا يعرفون هويتهم، ولا يعرفون شخصيتهم، كم من انتماءات كثيرة ترفق، ورايات كثيرة ترفع، رايات وطنية وقومية، ومبادئ تقوم في عالمنا العربي، ثم سرعان ما تنطفئ كالشمعات الصغيرة، ثم يقعد الناس في الظلام حيارى لا يعرفون طريقهم، ولا يعرفون سبيلهم. ينبغي لنا أن نعرف أننا -نحن المسلمين- أتباع محمد ﷺ خاتم الأنبياء، وحملة هذه الرسالة العظمى، وحملة دين الله في الأرض. كما يجب أن نعادي أعداء الله من اليهود والمشركين والنصارى، فمن كان على مثل عقيدتنا فإنه منا، ومن لم يكن على ذلك فإنه ليس منا، حبنا لربنا، وحبنا لرسولنا ﷺ ، وحبنا للمؤمنين الذين آمنوا بالله وآمنوا بالرسول، ووالوا الإسلام وناصروا الحق، المؤمنون الذين يسعون في الأرض بقلوب معلقة بالسماء، نحن -المسلمين- كذلك، وعدونا نعرفه، فمن كان كذلك فقد عرف طريقه وعرف سبيله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 282

كثرة مآسي المسلمين الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله. إن الضعف الذي تعيشه الأمة، والقوة التي يعيشها أعداؤها؛ سبب مآسي كثيرة في ديار المسلمين وأوجاعاً وآلاماً، ففي أفغانستان أكثر من ثلاثمائة مليون لاجئ يعيشون في باكستان، وعشرات الألوف من المعوقين، وبيوت خربت، ومدن هدمت، وتحولت الأمة إلى أمة مقاتلة تقدم في كل يوم ضحايا. وفي الهند في كل يوم تثور مآس للمسلمين من قبل عباد الأبقار، وفي الحبشة وفي غيرها. ومن أعظم المآسي المعاصرة ما فعله اليهود بالمسلمين في بلدنا القريب منا، في فلسطين، إنه مسرى رسول الله ﷺ ، وكان الأمل إذا لم يستطع المسلمون أن يحموا ديارهم، وأن يحموا بلادهم وإخوانهم، أن يمدوا لهم يد العون، كي لا ينشأ هؤلاء الناس حاقدين حتى على المسلمين، ماذا تنتظرون من إنسان لا يجد لقمة الطعام ولا يجد اللباس والمسكن؟! كيف يكون تصوره وهو يرى البذخ في كثير من العالم الإسلامي؟ أقوام يموتون شبعاً، وأقوام يموتون جوعاً، فماذا تنتظرون من شباب يرون هذه المناظر بأعينهم في أنفسهم وفي غيرهم؟ في كل يوم نسمع الأخبار أن العدو يقصف المخيمات المستضعفة، ورجال يتسمون بالإسلام يضربون هؤلاء المساكين، والصوت العربي والإسلامي ساكن وخامد، وما يسمونه بالصوت العالمي لا يتحرك ولا يتكلم، وأصبح الحمى مباحاً لليهود، لا أحد يتكلم ولا يتظاهر ولا يحتج، حتى الدموع جفت في المآقي، فلا أحد يبكي على المساكين الذين يعذبون في كل يوم. إذا قصرت الحكومات فأين شعوبها؟ وعبر التاريخ عندما كان الحكام يختلفون تبقى الشعوب فيها نبض من حياة، فتحس بآلام إخوانها، وتعينهم وتقدم لهم الخير، وأنا لا أنكر أن في الأمة رجالاً قدموا الكثير ولا يزالون يقدمون، ولكن هذه القضية ليست قضية آنية، بل هي قضية دائمة مستمرة، فالمسلمون كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. كثير من الذين يحضرون الصلاة يعرفون أحوال الذين شردوا وابتلوا بفعل عدونا الأكبر وهم اليهود، يعرفون بيوتهم ومساكنهم وآلامهم، يعرفون جراحهم ومواردهم المالية يعرفون المآسي، ويمكن لأي إنسان منكم أن يتجول في ربوع الوطن العربي، ليذهب إلى الأردن أو إلى سوريا، أو إلى لبنان حتى يرى بأم عينيه المآسي والأوجاع والآلام. قامت في الكويت لجان لمعاونة المسلمين في أفغانستان، وهذا عمل طيب، وقامت لجنة لإغاثة المسلمين في أفريقيا وهذا عمل طيب، وأخيراً أفاق بعض المسلمين فأقاموا لجنة لمناصرة الشعب الفلسطيني واللبناني. هذه القضية نسيها المسلمون، وكان الواجب أن تكون هذه القضية في المقدمة؛ لأن قضيتها قديمة، ولأن المعاناة قائمة منذ عشرات السنين، وأقل ما يمكن أن تشبع البطون الجائعة، ويساعد المرضى المحتاجون، فهذا أقل واجب على المسلمين، وأن يمدوا يد العون لمن هم إخوانهم في الدين، ويضمهم اسم الإسلام، واسم العروبة، واسم الأخوة. وبعض هؤلاء الناس استوعبتهم الدول العربية ووجدوا لهم مجالاً للعمل، وأصبحوا أغنياء، وكثير منهم نسوا حياتهم وبلادهم وإخوانهم ومآسيهم، وكثير منهم نرى صورهم في الحفلات، وفي الفنادق، وفي البذخ، وأنا لا أنكر وجود بعض الناس من هذا الصنف، ولكن هذا صنف يعيش على هامش الحياة، لا تهمه إلا نفسه، وإن تشدق بالوطنية والثورية والسلام، ولكن واقعه يكذب ما يقول، لكن بقي كثير من هؤلاء بحاجة إلى العون، وكثير من هؤلاء يحملون القضية في قلوبهم لا على أنها قضية وطن، وإنما على أنها قضية دين، وقضية إسلام وقضية صراع بين الخير والشر. إذا انتهى الشعب الفلسطيني ولم يبق شعب فلسطيني أتضيع القضية؟ أيرضى المسلمون بأن تضيع فلسطين وأن يضيع مسرى رسول الله ﷺ ؟ أيرضون أن تضيع الأرض المباركة من أيدي المسلمين؟ لا يرضون بذلك، فهذه القضية متصلة بالعقيدة. لقد حدثني بعض الناس أنه عندما سقطت فلسطين في سنة ١٩٤٨م ثم في سنة ١٩٦٧م، وفي حادثة إحراق المسجد الأقصى؛ كان أول من يثور هم الشعب الباكستاني والإندونيسي، مع أنه ليس لهم صلة بالعربية، لكن عقيدتهم هي التي تربطهم بالمسجد الأقصى، إنهم يقرءون في كتاب الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، ويذكرون فتوحات المسلمين، ومسير عمر بن الخطاب إلى فلسطين، والشهداء الذين سقطوا من الصحابة وغيرهم على أرض فلسطين وحول أسوار القدس. هذه قضيتكم، وإذا نسيها أهلها -على فرض ذلك- فأنتم مسئولون عنها، فلسطيني أو عربي أو مسلم، وليست بقضية الصين وروسيا وأمريكا، هذه قضيتنا، وعندما تحولت قضيتنا إلى قضية شرق أوسط، وقضية العرب، وقضية دولية؛ ضاعت قضية المسلمين، والذين يعيشون في المآسي من الفلسطينيين هم إخوانكم سواء كنتم فلسطينيين أو عرباً أو مسلمين، تلك قضيتكم، وغداً أنتم مسئولون عنها عندما تقفون بين يدي الله ﵎. هذا العمل الذي قامت به الكويت وهو لجنة المناصرة جزء يسير مما كان ينبغي أن يعمله المسلمون من قبل، فكيف يتركون إخوانهم للكفار يغيثونهم، إن وكالة غوث اللاجئين تتصدق عليهم مما يلبس الفرنسي والبريطاني، وأموال المسلمين أنهار تجري في بلاد العالم لا ندري كيف نصرفها والناس محتاجون للباس وللطعام! هذه قضيتكم أنتم، والذين قاموا على هذا العمل الخير كان ينبغي أن يكونوا أسبق من ذلك، وعملهم وإن تأخر عن وقته فينبغي أن يكون المسلمون عوناً لهم، وإذا لم يستطيعوا أن يحاربوا وأن يقاتلوا فلا أقل من أن يعينوا اليتامى والمعوقين والمحتاجين والجائعين والأرامل، وأعدادهم لا تحصى في مختلف بقاع العالم العربي. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع عليم.

стр. 283

توجيهات تربوية الإيمان الحقيقي هو الراسخ في القلب رسوخ الجبال العالية، إنه الخوف والخشية من الله التي تستقر في أعماق القلب فتلقي بظلالها على بقية الأقوال والأعمال. إن صاحب الإيمان المستقر في حنايا فؤاده يسبق في كثير من الأحيان أصحاب الأعمال التي لا يرشدها الإيمان وإن كانت كثيرة.

стр. 284

أهل الإيمان الصادق يفوقون أهل العبادات الكثيرة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثبت عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (وزنت بالأمة فرجحتها، ووزن أبو بكر بالأمة لست فيها فرجحها، ووزن عمر بالأمة لست فيها وليس فيها أبو بكر فرجحها). يخبر الرسول ﷺ أن مكانته وفضله وأجره وثوابه عند الله عظيم، فالأمة الإسلامية من أول رجل فيها وهو أبو بكر أفضل رجل بعد النبيين إلى آخر رجل فيها وضعت في كفة والرسول ﷺ في كفة فرجح الرسول ﷺ بالأمة كلها، رجل واحد يرجح بملايين الملايين من المؤمنين الصالحين بأعمالهم وفضائلهم وأجورهم، والرسول ﷺ يرجح عليهم. كذلك أبو بكر الصديق ﵁ يوزن بالأمة وفيها عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وخالد بن الوليد والصالحون والأخيار من هذه الأمة يوزن بهم، وليس فيهم الرسول ﷺ فيكون ميزان أبي بكر أرجح من ميزان الأمة كلها. ثم يأتي عمر ﵁ فيكون الحال كذلك. لقد كانت هذه المكانة العظيمة لـ أبي بكر كما في الأثر: ما سبقكم أبو بكر بكثير عمل إنما هو شيء وقر في قلبه، أبو بكر الصديق لم يسبق الناس بكثير عمل، إنما هو إيمان استقر في قلبه، إيمان راسخ قوي، وصلة عظيمة بالله أوجبت له الأجر العظيم والثواب الجزيل مع سابقة في الإسلام وحرص على التقوى. الناس يتفاضلون عند ربهم بما وقر في قلوبهم، وبالإيمان الذي يستقر في هذه القلوب، وحب الله ، وخشيته ، وتعظيمه ، فعندما تستقر هذه الأمور في القلوب تصبح القلوب نظيفة طاهرة طيبة، بل يصبح بينها وبين الله صلة، هذه المعاني التي استقرت في القلب تلقي آثارها على عمل الإنسان أو على أفعاله أو على أقواله، فلا تسمع منه إلا طيباً، ولا تلقى منه إلا خيراً، تلقي ظلالها على أعمال العبد فإذا بها تستمد من مشكاة النبوة أو من نور الإسلام، فإذا بالعبد يستقيم على منهج الله وطاعته ويأخذ من دين الله ، ويصبح عند المسلم حساسية تجاه هذه الشريعة والأقوال والأعمال. بعض الناس يتهاون في أمور يظنها حقيرة، وبعضهم في عينيه أمور يظنها عظيمة والأمر ليس كذلك؛ لأنه لا يستقي من شريعة الله ، فيأخذ الأمر بهواه، والله عنده الميزان يقيس به الأعمال ويوزن به البشر يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].

стр. 285

خطر اللسان رب كلمة يقولها العبد يرفعه الله بها في الجنة درجات عالية، ورب كلمة يقولها العبد يهبط بها في دركات جهنم. وفي الحديث: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً -لا يظن أنه سيكون لها أثر عظيم- يرفعه الله بها في الجنة درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً)، أي كلمة يقولها العبد لا يهتم لها ولا يلقي لها بالاً ولا تأخذ من نفسه وفكره شيئاً، ولكنها تغضب الله غضباً شديداً. يحدثنا الرسول ﷺ عن أحد السابقين وهو رجل صالح يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يرى أخاً له في الله يفعل الموبقات من المعاصي والذنوب، فينهاه ويبين له ويرشده مرات ومرات، وفي يوم وجده على معصية فيشتد عليه فيقول له: دعني وربي، أنت لست برقيب علي، فيقول: (والله! لا يغفر الله لك)، انظر إلى هذه الكلمة التي صدرت بنية طيبة فقال الله جل وعلا: (من ذا الذي يتألى علي؟ -من الذي يحلف أنني لا أغفر؟ - قد غفرت له وأحبطت عملك)، كلمة لم يلق لها ذلك الرجال بالاً، ولا يظن أنها ستبلغ هذا المبلغ، فيغفر الله بها لذلك المذنب العاصي ويحبط أجر هذا الرجل العابد؛ لأنه تكلم بكلمة في ميزان الله تعتبر كبيرة. كان يخطب الرسول ﷺ فيأتي إليه رجل فيقول له: (يا رسول الله! هلكت العيال وضاع كذا، ادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فيغضب الرسول ﷺ غضباً شديداً ويسبح قائلاً: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! ويقول: ويحك، أتدري ما الله؟ إنه لا يستشفع لأحد على الله)، لا يستشفع بالله على أحد، فلا تجعل الله شفيعاً للرسول. بعض العامة في بلاد الشام يقولون عبارة أشنع من هذه، فعندما يريد إنسان أن يؤكد أمراً على إنسان آخر يقول: أدعوك وعليك الله! فهي كلمة عظيمة يقولها الناس ولا يلقون لها بالاً، والله لا يقدم ليشفع عند أحد، الناس يشفعون عند ربهم فيقبل شفاعتهم أو يردها كما يشفع الرسول ﷺ يوم القيامة والشهداء والصالحون. وأما أن يستشفع بالله على فلان فهذا خطأ عظيم غضب الرسول ﷺ من ذكره. بعض الأعمال يفعلها العباد وهي خطيرة؛ لأن ميزان التقوى وتعظيم الله قد اختل في النفوس، فالرسول ﷺ يقول في الحديث الذي نعرفه: (دخلت امرأة النار في هرة) وفي المقابل امرأة زانية غفر لها بصبة ماء أسقتها لكلب، فبعض الناس يبخسون الحيوان وهو ذو روح، تحبسه امرأة لا تطعمه ولا تسقيه ولا تسمح له بالانطلاق في فجاج الأرض ليأكل من أرض الله الواسعة فتدخل النار بهذا الفعل. وامرأة تمر على كلب يأكل الثرى من العطش بجانب بئر فتأخذ بنعلها ماء فتسقيه فيغفر الله لها ويدخلها الجنة. فالناس لا يلقون بالاً لهذه الأعمال، وميزان الله غير ميزان البشر. وبعض الناس وهم يضحكون في مجالسهم يريدون النكات لكي يضحكون وقد تمس رسول الله أو الصلاة، وقد تمس الإمام الذي يقرأ القرآن وتضحك الناس من أمر من أمور الدين، هذا خطر كبير يقع فيه كثير من المسلمين الذين يرجون خيراً ويرجون الله ، ولا يلقون للكلمة بالاً، فعندما استهزأ بعض الناس بالرسول ﷺ وبالصحابة رضوان الله عليهم سمى الله ذلك كفراً بقوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] ويحبط العمل، فينبغي للمسلم أن يتنبه إلى مثل هذه الأمور.

стр. 286

خطر الربا بعض المسلمين يأتون إلى بيوت الله يصلون ويصومون ويزكون ويحجون، ولكن يأكلون الربا، والرسول ﷺ يقول: (لدرهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية) أشد من أن يزني الرجل ستاً وثلاثين مرة. كثير من المسلمين يتعاملون بالربا في البنوك ولا يهتمون، ثم يعطون الفوائد بعض المساكين، وهذا خطأ فادح، فالله لا يقبل هذا، فهذا عندما يضع ماله في الحرام أغضب ربه، وعندما أخذ المال الحرام أغضب ربه، فهو آثم إذا أعطى المال، فالرسول ﷺ يحذرنا من مثل هذا؛ لأنه يعلم أن الناس سيفتتنون بها، فالزنا عند الناس كبيرة وهو في دين الله جريمة كبرى من الموبقات، ولكن الربا الذي تقوم عليه البنوك والتجارة والمعاملة اليوم في ديار المسلمين وفي غيرها، أصبح الناس يتهاونون به من خلال الدعايات له في التلفزيون والصحافة ليدخلوا بذلك إلى النفوس بطرق مختلفة سهلة ويعطونهم عليها فائدة، وهذا إثمه كبير، قال الله في الذين لا يتركون الربا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]، فالربا يخرب الديار ويهلك العباد ويحل سخط الله ، فكثير من الناس يظن نفسه على خير وعشرات ومئات الآلاف والملايين من ماله تعمل في الربا، ويظن نفسه من الصالحين، وهو على خطر عظيم، فينبغي أن يتنبه لأمره. إن الإيمان إنما هو حب لله، والخوف من الله، والخشية من الله التي تستقر في نفوس العباد، ثم تلقي ظلالها على كلام العبد، وعلى فعله، فإذا بكلامه مستمد من مشكاة النبوة، وإذا بفعله تظلله آيات الكتاب وأحاديث الرسول ﷺ ، ليعلم ما يفعل ويعلم ما يترك، وإذا به دائماً ذاكراً لله ، عاملاً بطاعة الله ؛ لأنه يعلم ما يريده الله وما لا يريده الله . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

стр. 287

تحريم الإكراه على الزواج الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد عبد الله ورسوله. هذه رسالة وصلتني وأنا أصعد المنبر يشكو فيها كاتبها من أنه يريد الزواج وأن والده لا يسمح بزواجه إلا من قريبة له ابنة عمه أو ابنة خاله أو ابنة خالته أو شيء قريب من هذا، وهو يتساءل: هل من حق الوالد أن يمنع الابن أو أن يجبر الابن على الزواج من امرأة معينة؟ الجواب الابن والبنت كذلك لا يستطيع أبوها في الشريعة الإسلامية أن يجبرها على أن تتزوج من قريب ما، فلها الحق أن ترفع أمرها للقضاء، ويجب على القاضي أن يفسخ العقد. (جاءت امرأة إلى الرسول ﷺ تقول: يا رسول الله! إن أبي زوجني لابن أخيه -يعني: ابن عمها- ليرفع بي خسيسته- أي: هو شاب طائش ليس برجل، فأراد أن يحفظ هذا الشاب فزوج ابنته من ابن أخيه- فقال الرسول ﷺ : أنت أحق بنفسك، فقالت: يا رسول الله! أمضيت ما فعل أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من أمرهن شيئاً). صحيح أن البنت في الشريعة الإسلامية لا تزوج نفسها بل يجب أن يوافق الولي على تزويجها، فإذا رغبت في شاب وأبوها لم يرغب بزواجه ينبغي أن تتفق إرادتها وإرادة وليها، وعند ذلك يمكن أن يعقد الزواج، أما إذا رفضت هي فلا زواج، وإن وافقت هي ورفض الأب فلا زواج إلا إذا كان الأب يريد الإضرار بابنته، فعند ذلك ترفع أمرها للقاضي، فإذا ثبت للقاضي أن والدها يضر فيكون القاضي هو وليها ويعقد العقد. ولو تزوج رجل بدون رضا والده فالعقد صحيح ولا يشترط رضا الأب مثل الفتاة، لكن من باب البر بالوالد الذي أمر الله به ينبغي أن يستشار ولا ينبغي أن يخرج عن إرادته، لكن في مقابله لا ينبغي للأب أن يصر على أن يتزوج ابنه من فلانة من الناس؛ لأن الابن هو الذي سيتزوج، وليس على الأب إلا أن ينصحه ويرشده ويوجهه، فإن لم يصلح الزواج فهو الذي يتحمل ذلك؛ لأنه هو الذي اختار الزوجة، أما إذا اخترتها أنت، ثم لم يصلح الزواج بعد فالأب هو الذي يتحمل القضية، فهو الذي اختار وهو الذي زوج وهو الذي أكره، ولا بأس أن يستشار الأب، وأن يستشار الأقارب، وعليهم أن يشيروا، لكن الرأي الأول والأخير في ذلك ينبغي أن يكون للرجل الذي يريد أن يتزوج، ولا ينبغي للشاب أن يصر على رأيه إذا كانت الفتاة التي يريد أن يخطبها غير مسلمة وغير تقية، فيجب أن تكون معروفة سيرتها، ومعروفة أخلاقها، فالرسول ﷺ أمر بأن يتزوج من ذات الدين المرأة الصالحة التي تتقي الله وتخاف الله وتقوم على بيتها وتحفظ زوجها في حضوره وفي غيبته. خلاصة الأمر أن الرأي الأول والأخير في ذلك للشاب إلا أنه من باب البر بالوالدين ومن باب أن يستشارا توضع مشورتهما في الاعتبار، لكنها غير ملزمة، ولا ينبغي للآباء أن تأخذهم عصبية الجاهلية، فيقول لابنه: كيف تتزوج من فلانة وهي ليست قريبة؟ أو قريبتك أولى؟ ففي قضية الزواج يستوي هذا وذاك، الزواج من امرأة ليست بقريبة قد يكون أصلح في بعض الأحيان، وقد يكون الزواج بالمرأة القريبة في بعض الأحيان أصلح، ولكن هذا نتركه لتقدير الرجل الذي سيتزوج. اللهم! اغفر لنا ذنوبنا، اللهم! كفر عنا سيئاتنا. اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم! اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 288

الميزان المقلوب لقد وضع الله موازين ربانية لتفاضل الناس بعضهم على بعض، ورسخ هذه الموازين في نفوس المؤمنين، فالمؤمن بالله ورسوله خير من ملء الأرض من الأمريكان الكفار، والمؤمن التقي خير من المسلم الفاسق دون نظر إلى البلد الذي ينتمي إليه هذا أو ذاك.

стр. 289

الميزان الشرعي للتفاضل بين الناس

стр. 290

أكرم الناس عند الله أتقاهم لله تعالى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فقد ورد في بعض الأحاديث: (أن رجلاً مر بالرسول ﷺ فسأل صحابياً عنده: ما تقول في هذا؟ -وكان رجلاً وجيهاً في قومه، وصاحب مال، وله مكانة في نفوس أهل الدنيا- فقال: هذا حري إن خطب أن يزوج، وإن شفع أن يشفع، ثم مر رجل آخر فقير فسأله عنه فقال: هذا حري إن خطب ألا يزوج، وإن شفع ألا يشفع، فقال الرسول ﷺ : هذا خير من ملء الأرض من مثل ذاك) أو كما قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه. فالرسول ﷺ يضع في هذا الحديث ميزاناً لأهل الدنيا يختلف عن الموازين التي يقيسون بها، ويزنون بها، فمن موازين أهل الدنيا مثلاً: أن هذا أفضل من ذاك؛ لأنه من أسرة معروفة مشهورة؛ ولأنه صاحب مال وسلطان؛ أو لأنه يملك الدنيا؛ ولأنه في أهله وفي عشيرته وفي أهل بلده آمر مطاع، فهذا ميزان ومكيال يقيس به بعض الناس، لكن هناك موازين شرعية يتفاضل بها العباد والناس، فهذا صاحب دين، وهذا صاحب الصلاة، وهذا قارئ للقرآن، وهذا من الذين يقومون بالليل، وهذا من الذين يقولون الحق ولو كان مراً، وهذا من الدعاة إلى الله ﵎، فهذه موازين أخرى يتفاضل بها الناس إذا كانوا مسلمين. والرسول ﷺ يقرر للناس أن يكونوا مستقيمين مع موازين الإسلام. فهذه قضية من أخطر القضايا في شريعتنا وفي ديننا، وهي أن يقيس المسلم الأمور بالمقاييس والموازين الشرعية، فالأحكام التي يصدرها الإنسان تؤثر على سلوكه وأفعاله وتوجهاته تأثيراً كبيراً، وليس تأثيراً سهلاً. ولذلك ينبغي للمسلم وهو في سلم الأولويات وفي سلم القيم والموازين أن يتنبه كثيراً وهو يلقي الأحكام، حتى في الأعمال: فهذا فاضل وهذا أفضل، وحتى في الأشخاص: فهذا حسن وهذا قبيح.

стр. 291

التسوية بين الخالق والمخلوق من الجور وقد وجه الله ﵎ أنظار عباده إلى أمور كثيرة في هذه القضية، فأصل الشرك: هو التسوية بين الخالق والمخلوق، وهذا لا يليق ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧] فالخالق والمخلوق لا يستويان، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩]. وينبغي للإنسان ألا يسوي بين من سوى وخلق وأبدع، فهو القادر القاهر العليم الخبير الحكيم، وبين آلهة لا تملك لنفسها شيئاً، ولا تملك نفعاً ولا ضراً، فلا تعطي ولا تمنع، ولا تخفض ولا ترفع، فالله ﵎ هو الإله الحق، فلا يجوز أن يسوى بخلقه، ولذلك أنكر الله ﵎ على المشركين الذين اتخذوا أنداداً من دون الله يحبونهم كحب الله فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] أي أنهم سووا بينهم وبين الله في المحبة، أي: محبة العبودية، فسووا بينهما في هذه المحبة، فالله ﵎ أنكر عليهم ذلك، وبين أن المسلمين المؤمنين الصالحين تميزوا بأن محبتهم لله ﵎ أعظم؛ لأنهم يحبون الله وحده، ولا يحبون معه شريكاً، ولا يحبون معه نداً، بل يخلصون له الدين، ويخلصون له العبادة، ومن جملة ذلك المحبة لله ﵎، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].

стр. 292

تفضيل بعض الأعمال على بعض عند الله تعالى وفي تفاضل الأعمال أنكر الله ﵎ على الذين فضلوا عملاً على عمل هو في ميزان الله أفضل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٩]، فالله ينكر على طائفة جعلت سقاية الحاج وعمارة المسجد أفضل من الإيمان به واليوم الآخر، والمفسرون مختلفون في الذين قالوا ذلك، فقيل: إنهم فئة من المؤمنين، وقيل: بل هم المشركون، والمهم أن هناك مقولة تقول: إن عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج أفضل من الإيمان بالله، وأفضل من الجهاد في سبيل الله، فالله ﵎ أنكر ذلك؛ لأنه حكم يخالف حكم الله ﵎، وهذا من جانب. وجانب آخر: أن الإنسان كما يقال: أسير أفكاره ومعتقداته، فإذا اعتقد هذا فسيتجه إلى بناء المساجد وعمارتها، وسيترك الجهاد والعمل، مع أن عمارة المسجد الحرام فضيلة وعمل خير، وسقاية الحاج عمل طيب كذلك، ولكن هناك ما هو أفضل في ميزان الله وأكمل، قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٩]، فهما عملان فاضلان لكنهما في ميزان الله لا يستويان. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة:٢٠]، وهذا صنف من الناس متميز في ميزان الله ﵎، فالذي يترك معتقداته وموروثاته، ويخالف ما عليه الناس، ويؤمن بالله ﵎، ويترك أهله ووطنه مهاجراً إلى الله ورسوله، ويجاهد في سبيل الله بماله ونفسه راغباً فيما عند الله ﵎، هذا الصنف في ميزان الله أعظم درجة عند الله، وهذا هو الصنف الفائز في ميزان الله ﵎. وقال ﵎: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧]. وهذه فئة من الناس تهتم بالأمور الشكلية في موازينها وفي أحكامها وتصرفاتها، كما ناقش اليهود والمشركون المسلمين عندما حولت القبلة، بقولهم: كنتم تتجهون إلى جهة الشمال إلى بيت المقدس ثم توجهتم إلى جهة الجنوب إلى مكة، فالله ﵎ قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]. فهذه هي حقيقة البر، وهذه هي الأعمال الفاضلة في ميزان الله ﵎، وهنا تناقشوا في اتجاه الإنسان أثناء صلاته إلى الشمال وإلى الجنوب، فعندما يأمر الله ﵎ بأن تتجه إلى بيت المقدس فسيكون البر الحقيقي أن تطيع الله ﵎ وتتجه إلى بيت المقدس، وعندما يأمر الله ﵎ أن نتجه إلى المسجد الحرام فسيكون البر أن تطيع أمر الله ﵎، فالقيمة ارتبطت بالأمر الإلهي الرباني، وارتبطت القيمة بأمر الله ﵎ بهذا الفعل فأصبحت الاستجابة لهذا الفعل بر وخير؛ لأنك تعبد الله ﵎، ومن هذا المنطلق ما يقول عمر بن الخطاب ﵁ عندما خاطب الحجر الأسود: والله! إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. فالقيمة الحقيقية أن هذا أمر إلهي رباني، وتشريع إلهي، فنحن لا نعبد الأحجار عندما نطوف بالكعبة، ولا نعبد الحجر الأسود عندما نقبله، وإنما نعبد الله ﵎ بالاستجابة له إذ أمرنا أن نطوف بالكعبة ونتبع الرسول ﷺ فيما جاءنا به عندما نقبل الحجر الأسود. فالقيمة الحقيقية إنما هي في طاعة الله وطاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه. فالبر هو: عمل الخير الحقيقي والذي يتمثل في هذا، فليس هو في جوانب شكلية كالاتجاه إلى المشرق أو المغرب، فالمشرق لله والمغرب لله، فإذا وجهنا إلى المشرق نتجه، وإذا وجهنا إلى المغرب نتجه. إذاً: هناك أحكام ينبغي أن يتنبه الإنسان لها عندما يصدرها، وألا يسوي بين الأمور المتناقضة أو يفرق بين الأمور المجتمعة، وأن يصدر في موازينه وفي أحكامه عن قواعد الشريعة الإسلامية، وعن القيم التي تقرها الشريعة الإسلامية، وقد أنكر الله كما رأينا في كثير من آياته على الذين يسوون بين الأمور المختلفة، ويسوون بين الخالق والمخلوق، أو يفضلون أعمالاً على أعمال. وكذلك في الحكم على البشر قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٨]. فيقرر الله ﵎ أن الإنسان المؤمن الصالح والمجرم الكافر الذي يعادي الله لا يستويان في ميزان الله ﵎، لكي يتبين المسلم هذه القضية في الأحكام وفي سلم الأولويات حتى لا يضل، فالضلال قد يكون كبيراً إذا سوى الإنسان بين الخالق والمخلوق مثلاً، وأحياناً يكون أقل إذا ما فضّل عملاً على عمل فإن له نتائج سلبية في واقع الأمور والحياة. فالبعد عن هذه المفاهيم ألقى الضلال على نفوس المسلمين في كثير من القضايا، وليس في قضية واحدة. والإنسان الفاضل عند المسلمين: هو من يفقه دينه، لكن صاحب العقيدة المشوشة، والمفاهيم المغلوطة، يعتقد أن الكافر أعظم من المسلم، فالبريطاني والأمريكي والفرنسي في نفسه عظام، مع أن ميزان الله ﵎ يقول عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]. فالإنسان المسلم الخير الفاضل يساوي ملء الأرض من الكافرين، بل هؤلاء كما يخبر الله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨].

стр. 293

وجوب تفضيل ما فضله الله وعدم مخالفته إذاً: هناك أحكام ينبغي أن يتنبه الإنسان لها عندما يصدرها، وألا يسوي بين الأمور المتناقضة أو يفرق بين الأمور المجتمعة، وأن يصدر في موازينه وفي أحكامه عن قواعد الشريعة الإسلامية، وعن القيم التي تقرها الشريعة الإسلامية، وقد أنكر الله كما رأينا في كثير من آياته على الذين يسوون بين الأمور المختلفة، ويسوون بين الخالق والمخلوق، أو يفضلون أعمالاً على أعمال. وكذلك في الحكم على البشر قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٨]. فيقرر الله ﵎ أن الإنسان المؤمن الصالح والمجرم الكافر الذي يعادي الله لا يستويان في ميزان الله ﵎، لكي يتبين المسلم هذه القضية في الأحكام وفي سلم الأولويات حتى لا يضل، فالضلال قد يكون كبيراً إذا سوى الإنسان بين الخالق والمخلوق مثلاً، وأحياناً يكون أقل إذا ما فضّل عملاً على عمل فإن له نتائج سلبية في واقع الأمور والحياة. فالبعد عن هذه المفاهيم ألقى الضلال على نفوس المسلمين في كثير من القضايا، وليس في قضية واحدة. والإنسان الفاضل عند المسلمين: هو من يفقه دينه، لكن صحاب العقيدة المشوشة، والمفاهيم المغلوطة، يعتقد أن الكافر أعظم من المسلم، فالبريطاني والأمريكي والفرنسي في نفسه عظام، مع أن ميزان الله ﵎ يقول عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]. فالإنسان المسلم الخير الفاضل يساوي ملء الأرض من الكافرين، بل هؤلاء كما يخبر الله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨].

стр. 294

مقياس التفاضل في ميزان الإسلام هو التقوى ومن الأخطاء التي وقع فيها المسلمون: المفاضلة بين المسلمين على غير الموازين الشرعية، فيفضله عندما يكون الإنسان مواطناً في بلد كالكويت، أو كالأردن أو كمصر، لأن المواطنة تجعله أفضل من غيره ولو كان لا يفقه ولا يعلم شيئاً، بل ينبغي أن يكون التفاضل في ميزان الإسلام بالتقوى والصلاح والخير، وأن تزال القيم الدنيوية: هذا غني وهذا ثري، وهذا وجيه، وهذا ابن فلان، فتجعله في أعين الناس أفضل من غيره، ثم أضيف إلى ذلك المواطنين، فهذا أفضل؛ لأنه كويتي، أو لأنه عند الفلسطينيين فلسطيني، ولأنه عند المصريين مصري. فهذه كلها من العصبية الجاهلية التي ما أنزل الله ﵎ بها من سلطان قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. والأخوّة يتفاضل الناس فيها بالإيمان والعمل الصالح، ومن أجل ذلك حثنا الإسلام عندما يكون الخاطب صالحاً أن نزوجه مهما كان جنسه أو لونه، فقال ﵊: (إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه)، فقال: (دينه وأمانته) وما قال: إذا كان فلسطينياً وإذا كان كويتياً وإذا كان مصرياً، فهذه تقسيمات جغرافية، أما البشر فهم البشر، عقولهم وأفكارهم ومكوناتهم وأصولهم كلها واحدة، وإنما التفاضل عند الله: (إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). وقال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وما قال: أن يكون جنسها كذا، أو لونها كذا، أو من البلد الفلاني. فـ أبو جهل من مكة، وأبو لهب من مكة، وهل هناك مكان أفضل من مكة؟ ومع ذلك فهما حطب جهنم كما قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢]. وعبد الله بن أبي من المدينة رأس المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وهو من المدينة. وسلمان من فارس وهو من خيرة صحابة الرسول ﷺ . وبلال من الحبشة ولونه أسود وهو من خيرة أصحاب الرسول ﷺ . فينبغي أن نتنبه لذلك، وخاصة المسلمون الذين يأتون إلى المساجد ويقيمون الصلاة ويذكرون الله ويعظمونه، فينبغي أن يتنبهوا لهذه القضايا، وهذه عصبيات جاهلية تذبح الإسلام في نفوس المسلمين، وتضعف الإسلام في نفوسهم، فينبغي أن تكون موازيننا وقيمنا وأحكامنا نابعة من إسلامنا وعقيدتنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 295

الالتزام بأوامر القرآن وتطبيقها عمليّاً الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله. لقد كان الرسول ﷺ مثالاً لهذا القرآن الكريم، فقد كان قرآناً يتحرك ويمشي؛ لأنه جسَّم هذا القرآن في نفسه، ولذلك فإن أحكامه صلوات الله وسلامه عليه وتصرفاته كانت مجسمة لهذه المعاني التي ذكرتها، وعندما كان يغفل في بعض الأحيان كان يأتي القرآن لينبهه وليذكره. ومن جملة ذلك: عندما لم يلتفت إلى الأعمى وهو عبد الله بن أم مكتوم عندما جاءه يسعى ويقول: يا رسول الله! علمني، وكان الرسول ﷺ مشغولاً بسادة قريش يرجو إسلامهم لعل الله يعز بهم الإسلام، فلم يلتفت إلى الأعمى وهو يقول له: يا رسول الله! علمني، فنزل القرآن معاتباً رسوله ﷺ : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس:١ - ١١]. ولذلك فقد جاءت جماعة في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وهم خليط من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن سادة قريش الذين آمنوا من الطلقاء وغيرهم، فأذن لهؤلاء الفقراء المساكين بلال وعمار وصهيب وغيرهم ولم يأذن للسادة إلا متأخراً فغضبوا، فقال أحدهم: والله! ما فاتكم من الأجر أعظم. وهذا تفضيل في الدنيا، أما التفضيل عند الله فشيء آخر، فعليكم بالجهاد. فقد انطلق عمر أيضاً من فهمه لهذا الميزان، فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار لهم مكانة ومنزلة خاصة عند المسلمين، وينبغي للمسلم كذلك أن يتبين أمره في مثل هذه الأمور وألا تأخذه عصبية جاهلية، أو قيمة دنيوية فيضل أو يضل. اللهم! اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقناً اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم! اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 296

وحدة العمل الإسلامي بعث الله محمداً ﷺ وأنزل عليه القرآن ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن التناحر إلى التآلف، ومن التفرقة إلى الاجتماع، وقد سار الصحابة والقرون الأولى على هذه الأخوة والوحدة والتآلف الإيماني، حتى ظهرت الفتن والشقاق، وبعد الناس عن الدين الصحيح، فكثر الجهل، واختلفت القلوب، وحلت الفرقة والتنازع بين المسلمين، ولذا كان على المسلمين أن يراجعوا حساباتهم، ويتقوا الله ربهم، ويوحدوا قلوبهم وعملهم للدين.

стр. 297

أهمية الوحدة في العمل الإسلامي الحمد لله وحده، فهو صاحب الحمد ﵎، فله الحمد، وله الأمر، وله الحكم، لا معقب لأمره، ولا راد لحكمه ﵎، سبحانه ما أعظمه وما أحلمه وما أكرمه! خيره إلى العباد نازل، وشرهم إليه صاعد، يتحبب إلى عباده بالنعم، ويتبغضون إليه بالمعاصي، أنزل إليهم ديناً ليس كمثله دين، وأرسل إليهم رسولاً ليس كمثله رسول، فأضاع العباد دينه وهجروه، وعصوا رسوله واتبعوا من دونه أولياء. وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد المصطفى المختار الذي جاءنا بهذا النور، وبهذا الخير؛ فأصبحنا خير أمة أخرجت للناس عندما تمسكنا بما جاءنا به، فلما تركناه أذلنا الله. وأصلي وأسلم على صحبه الأخيار، وآله الأطهار، وعلى من اتبع هديهم، وسار على سبيلهم إلى يوم الدين. أما بعد: فأشكر كل من حضر لهذا الأسبوع، وأقبل على بيوت الله يطلب زاداً باقياً دائماً لا ينفد ولا يزول: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦]، فهذه الساعات التي تقضى في بيوت الله، والتي تقضى مع كتاب الله، والتي تقضى في جلسات العلم، هي الساعات الباقية الدائمة التي يفرح صاحبها عندما يلقى الله ﵎، وهي التي يذكر الله أصحابها إذ يجتمعون في الله ولله، فيبتغون ما عند الله ويطلبون رحمة الله ﵎، لا يجتمعون لعرض من الدنيا زائل يتقاتلون عليه فتختلف منهم القلوب، ثم تتناثر منهم الأجسام، وإنما يجتمعون على هذا الخير الذي يؤلف القلوب ويجمعها، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣].

стр. 298

وحدة العمل الإسلامي في الخلافات الإسلامية السابقة أيها الإخوة! إن وحدة العمل الإسلامي أنشودة يتغنى بها المسلمون، وحلم يراود خيالهم، فعندما يذكر في المجالس والمحافل تهفو إليه القلوب، ونتذكر أيام أن كنا دولة واحدة وأمة واحدة، نتذكر عهد الراشدين، وأيام ما كان المسلمون أمة واحدة متحابة متآخية، نتذكر أيام الدولة الأموية أيام الدولة العباسية عندما كان يخاطب الرشيد السحابة التي يراها في السماء قائلاً لها: إمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك، وعندما كان الخليفة المسلم يتكلم بالكلمة فترتج الدنيا من تحت قدميه، وتطير في المشارق والمغارب ويكون لها صدى. وحدة العمل الإسلامي أمل عندما يذكر تتشقق له القلوب، وتشتاق إليه النفوس؛ ذلك أنه يذكرهم بأمجاد ماضية خالدة كانوا فيها أعزة، وعندما تفرقوا أصبحوا أذلة، وصاروا إلى الحال التي نراها ونشاهدها اليوم من آلام وأحزان وأوجاع ومآسي، وأصبح الأعداء يعبثون بنا كما يعبث اللاعبون بالكرة، ويسوموننا سوء العذاب، فيقتلون رجالنا ويسفكون دماءنا، ويهتكون أعراضنا لا بالآحاد ولا بالعشرات بل بالمئات تحت سمعنا وبصرنا ونحن لا نفعل شيئاً، ولا نحرك ساكناً، أطفال صغار ونساء ورجال ونحن لا نفعل شيئاً، ولا تتحرك بيوت الإسلام ولا ترتفع راية الجهاد، ولا ينادي المنادي: كي ننصر المسلمين ونزيل العار!

стр. 299

فرضية وحدة العمل الإسلامي إن فرقة المسلمين بلاءٌ كبير، بلاء دونه كل بلاء، ووحدة المسلمين والعمل الإسلامي ليس أمراً مستحباً نأخذه متى ما شئنا، وندعه متى ما أردنا، إنه واجب إسلامي فرضه رب العزة ﵎، فنجد في كتاب الله أن الله يتحدث عن هذه القضية مرة، وكأنها حقيقة مسلمة ليس فيها جدال لا في هذه الأمة فحسب، بل كل مؤمن وجد على ظهر هذه البسيطة منذ عهد آدم إلى آخر إنسان كلهم أمة واحدة، عندما تحدث الله عن الأنبياء من قبلنا، وذكر من شأنهم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، وفي آية: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]، ومرة يأمر الله بها ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، ومرة ينهى عن الفرقة والاختلاف كما في الآية السابقة، وكما في قوله ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٣١]، ﴿من الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٣٢]، ويأتي الرسول ﷺ ليصور حال المسلمين والمؤمنين في اجتماعهم ووحدتهم فيقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، تلك صورة المسلمين، المؤمن في الأمة كالخلية في الجسد، وتلك الخلايا مترابطة فيما بينها، فإذا ما شيك الإنسان بشوكة في أي جزءٍ من جسده أحس الجسد كله بالألم، وفي حديث آخر يصور المؤمنين كالبنيان المرصوص. إن وحدة المسلمين ووحدة العمل الإسلامي أمر قرره خالق الوجود ﵎، الله رب العزة هو الذي قرر أن المسلمين شيء واحد، وأنهم جسد واحد، وقال فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ولا يمكن للمسلمين أن يعزوا إلا إذا اجتمعوا، ولا يمكن لهم أن يعزوا إلا بالإسلام، فقدر الله أن حملهم أمانة الرسالة، فإذا ما حيوا بهذه الرسالة وبلغوها للعالمين فإن الله سينصرهم ويؤيدهم، وإذا ما اختلفوا فإنهم كما أخبر الحق سيفشلوا، وتذهب ريحهم وقوتهم، ويتغلب عليهم أعداؤهم، وآثار الفرقة في عالمنا اليوم واضحة ماثلة للعيان، فهذه الوحدة التي نادى بها الدين ليست كالوحدة العربية أو الأوربية، والأحلاف في (الكمنولث) البريطاني وغيرها من الوحدات التي يتحدث عنها الناس في الحديث والقديم، فهذه وحدة قائمة على أصول راسخة قوية، أولها: أننا على ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

стр. 300

أهمية الوحدة العقائدية قالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالت النصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالت العرب: نحن خير منكم، وكل أمة تدعي أنها هي الأفضل، وكل أمة تدعي أنها على طريقة إبراهيم، العرب يقولون: أبونا إبراهيم باني الكعبة، وابنه إسماعيل نحن من سلالته فنحن أفضل الناس، واليهود يقولون: نحن على طريقة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على طريقة إبراهيم، والله ﵎ كذَّبهم في ذلك، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧]، قالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم أي: العرب، ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:١٣٥]، خلاف بين الأمم على قضية من هم المهتدون والأمة الفاضلة؟ فالله قرر الحق بأن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٣]. فهذا هو ميراث محمد ﷺ من أبيه إبراهيم: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:٦٨]، فنحن على ملة إبراهيم، وكانت ملته التوحيد وعبادة الله ﵎ وحده، فهذه الأمة التي استقامت على أمر الله أمة واحدة؛ لأنها تعبد إلهاً واحداً تعرفه وتتوجه إليه، ولا تشرك به شيئاً، لا تقول كما قالت اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، ولا كما قالت النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، ولا كما قالت العرب: الملائكة بنات الله، فاختلفوا في دينهم وافترقوا، وقد أخبر الرسول ﷺ بفرقتهم، اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة فيما بينهم وكفر بعضهم بعضاً، وظلم بعضهم بعضاً، وابتعدوا عن الحق، وورثنا نحن من ربنا ﵎ بهدي منه الحق وعرفناه، عرفنا ملة إبراهيم أنه دين الحنيفية والتوحيد، فكانت تلك وحدة، فوحدة العقائد والقلوب أهم من وحدة الأجساد، نحن نعرف ربنا، ونعرف صفاته، وكيف نعبده، وكيف نستقيم على أمره، ونعرف رسولنا ﷺ ، ونعرف كتابنا، ونعرف أن الذي جاء بهذا الكتاب من عند الله هم الملائكة، ونعرف اليوم الآخر، وعندنا تصور عن هذا الكون، هذه هي الوحدة الأولى.

стр. 301

الاستقامة على شريعة القرآن أهم أسس وحدة العمل الإسلامي الوحدة الثانية: أننا مستقيمون على شريعة الله ﵎، فالله جعل لكل أمة شرعة ومنهاجاً، وخصنا بشريعة هي شريعة القرآن، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية:١٨]، فميزتنا من بين الأمم، وجعلت لنا منهجاً وسبيلاً، فمن ذلك أنه خصنا بقبلة دون بقية الأمم، قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٤ - ١٤٥]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] وخصنا من بين الأمم بشريعة ميزتنا، وأصبحت لنا منهجاً وطريقاً وسبيلاً، وخالفنا بها اليهود في طريقتهم ومنهجهم، وأصبحنا بها أمة متميزة عن بقية الأمم، وكان من أمر هذه الوحدة أن أخبرنا ربنا بأن أصلنا واحد، (كلكم لآدم وآدم من تراب) لا فضل لعجمي على عربي، ولا لعربي على عجمي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، أنت بلونك لا تفضل أخاك، وبعروبتك لا تفضل غيرك، فهذه المقاييس جعلها الله ليتعارف الناس فيما بينهم، هذا من تميم! وهذا من قريش! وهذا من بني مخزوم! هذه للتعارف فقط، أما حقيقة البشر فهي حقيقة واحدة ليس فيها تصادم، وليس هناك أناس أصلهم ذهب، وأناس أصلهم فضة، وآخرون أصلهم حديد، لا، البشر أصلهم واحد، فلا ينبغي لأحد أن يفخر على أحد إلا بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، ورسالة الله هي إلى البشرية كلها، والبشرية كلها يمكن أن تجتمع كمجتمع واحد تظللنا هذه الشريعة، وهذا معنى قولنا: إن الشريعة عالمية، وإن الدين عالمي، أما قوانين البشر ومناهجهم فكل يضع له منهجاً وسبيلاً، وشريعة الله هي للبشرية كلها، وحدة قائمة على أصول وحدت بين الناس فاصطنعت مجتمعاً، فأي مجتمع هذا الذي صنعته؟! صنعت المجتمع الإسلامي الأول في المدينة، فـ أبو بكر عربي وعمر وعثمان وعلي كلهم من قريش، ورجال من المدينة من الأوس والخزرج، وأقوام من قبائل مختلفة، وبلال حبشي، وسلمان فارسي، ودخل أناس في دين الله وأصبحوا يتآخون فيما بينهم، ويتآلفون ويتحابون ويتناصرون ويتراحمون ويجاهدون في سبيل الله.

стр. 302

بداية افتراق الأمة ومراحلها إلى اليوم ثم لما توفي الرسول ﷺ ، أراد الذين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم أن يصدعوا هذه الوحدة؛ ليفرقوا جماعة المسلمين، فكانت الردة، ولم يقل المسلمون: نسكت عن هؤلاء ونهادنهم، لا، وإنما قاتلوهم حتى عادوا إلى الحق، والوحدة لا تكون على باطل، وإنما على الحق وعلى دين الله، فهؤلاء الذين امتنعوا من دفع الزكاة والذين تنبئوا هم أصحاب فرقة وشقاق، والجماعة القليلة في المدينة -الصحابة ومن استمر معهم الذين هم أصحاب الوحدة- حاربوهم حتى أعادوهم إلى الإسلام، والتأم شمل المسلمين، لا على قومية ولا على نقصان من الإسلام، وإنما على كلمة الإسلام وعلى دين الله. واستمرت المسيرة إلى أن سار من وسط المسلمين أناس شقوا صفوف المسلمين، وكانت الفتنة في عهد عثمان التي فرقتهم وجعلتهم معسكرين يتقاتلون فيما بينهم، ولكن الله رحم المسلمين فالتأم شملهم مرة أخرى في عام (٤١) للهجرة، واجتمعوا مرة أخرى فسمي ذلك العام بعام الجماعة. ثم بدأ ما أخبرنا به الرسول ﷺ في آخر عهد الصحابة، حيث بدأت الفرق الضالة تطل برءوسها، وقد أخبرنا أن اليهود افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فبدأت الفرق تطل برأسها هنا وهناك، من خوارج، ومعتزلة، وروافض وفرق كثيرة يعرفها من درس تاريخ الإسلام -ولكن الغلبة لأهل الحق- حيث شوشوا على المسلمين وأتعبوهم، ودارت حروب بين المسلمين، ولكن بقيت وحدة المسلمين، وأول انشقاق حدث عندما تحطمت الخلافة الأموية، وجاءت الخلافة العباسية، وأقام عبد الرحمن الداخل خلافة في الأندلس، ولكن كان الشرق ليس بكبير، واستمرت الدولة قوية، وفي منتصف القرن الرابع الهجري تفرقت الدولة العباسية وأصبحت دولاً وأمماً، وبقي الخليفة في بغداد يدعى له على المنابر وتؤخذ له البيعة وليس له من الأمر شيء، وبقية الأمة تتجزأ، ولكنها تحكم بالإسلام، وتنادي بالقرآن، وتعمل بشريعة الله. ثم جاءت الخلافة العثمانية فقويت شوكة الإسلام، وبقيت إلى أن قضى عليها الصليبيون في أوائل هذا القرن العشرين، حيث أزالوا الخلافة من الوجود، وألغوا شريعة الإسلام، وقسموا بلاد المسلمين إلى دويلات هزيلة، وجعلوا لكل دولة حاكماً، ولكل دولة بيتاً، وقطعوا ما بين المسلمين، وأغروا بينهم العداوة والبغضاء، ونفخوا في كل طائفة منهم، أنتم كويتيون! أنتم عراقيون! أنتم فلسطينيون! أنتم مصريون! وقبل ذلك كنا أمة واحدة، فكلمة هذا مصري وهذا فلسطيني وهذا كويتي وهذا مغربي ما كانت تساوي شيئاً في الماضي، ووقع الخصام والفرقة والعداء بين المسلمين، وزال الحكم بالإسلام من ديار المسلمين، وذهبت الجيوش التي كانت تتوضأ في الصباح الباكر، وتقوم تصلي قبل أن تأخذ تدريباتها، والتي كانت تقرأ القرآن، وتجلس لدروس الوعظ، وتدخل القتال باسم الله، وتهجم وهي تعرف آداب الإسلام وتطلب جنة الله، زال كل ذلك إلا قليلاً من ديار المسلمين، فرقة! دعوات! مرة إلى القومية، فتظهر القومية العربية فيقولون: نحن عرب، والعربي أخو العربي كما في مصر والعراق، والبربر في شمال أفريقيا يقولون: نحن بربر، وقسموا بلاد المسلمين، وأطلت الأفاعي برءوسها هنا وهناك في بلاد المسلمين، وجاءنا البلاء أكثر وأكثر، حتى جاءنا أقوام اقتنعوا بمبادئ ماركس ولينين، وقالوا: نحن شيوعيون ولا يصلحكم إلا الشيوعية أيها المسلمون! وجاءنا أقوام آخرون بدعوات ما عرفناها وقالوا: نحن بعثيون، والنصارى يرسلون المبشرين إلى ديارنا؛ لينصروا أبناءنا، وتقام في الجزيرة العربية كنائس عليها صلبان، ويتنصر في أندونيسيا في العام الواحد ربع مليون مسلم، وجيوش من الطائرات والسيارات والمبشرين والرهبان في السودان، وفي الجزيرة، وفي بلاد الشام، وفي مصر، وفي أندونيسيا ألوف من أبناء الذين قتلوا في لبنان أخذهم المبشرون النصارى؛ ليجعلوهم نصارى، ونحن غافلون أو ساهون لاهون!

стр. 303

نداء أبناء المسلمين الغيورين وقام بعض المسلمين الذين احترقت قلوبهم ينادون بالإسلام ويقولون: يا مسلمون! عودوا إلى دينكم! عودوا إلى كتابكم! عودوا إلى ربكم! اعرفوا من أنتم، لقد ضيعتكم المبادئ، وفرقتكم العصبيات والقوميات! وفرقتكم الوطنيات والشيوعية، كل ذلك ضيعهم كثيراً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٢]، أوصوا أبناءكم كما وصى إبراهيم ويعقوب بنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾. اصطفى لكم الإسلام، شعاركم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذا شعار الدين، هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يعرفها أبناء المسلمين، وأن يربى عليها أبناء المسلمين، قال تعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣]، وهو يموت وروحه تنزع يوصي أبناءه! الرسول صلوات الله وسلامه عليه وهو يفارق الحياة يقول للمسلمين: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، حافظوا على الصلاة، آخر ما يترك المسلم من دينه الصلاة، قام في المسلمين من ينادي: يا مسلمون عودوا إلى الله! تخلقوا بأخلاق الإسلام، واعرفوا عقيدة الإسلام، واعرفوا شريعة الإسلام، واهتدوا بهدي الإسلام، ولا يزلنكم الشيطان، وقامت جماعات هنا وهناك تنادي بالعودة إلى الله. وقدر الله ﵎ أن تؤتي هذه الدعوات ثمارها، وقد جئت إلى الكويت في سنة ألف وتسعمائة وخمسة وستين هجرية وكنت آسى وأنا أمر على مساجد الكويت فلا أرى إلا كهولاً ليس فيهم شاب، وليس فيهم طفل، والمساجد مهجورة! وكنت أتعجب حتى وقفت مرة في أحد المساجد، وقلت لهم: يا ناس! أليس لكم أولاد؟! قالوا: لنا أولاد، قلت: أين أولادكم؟! لماذا لا يعرفون المسجد؟! لماذا لا يأتون إلى المساجد؟! ومرت السنوات وإذا -بحمد الله- بيوت الله تمتلئ بالناس، فهذا خير كثير، ورحمة من عند الله ﵎ وبشرى، وهذا ليس في الكويت وحدها، وإنما حيثما سرت في ديار الإسلام وجدت المساجد، ورأيت الناس يقبلون على الله، لقد تكشف للمسلمين الخداع والكذب والزور، هؤلاء الذين جاءونا قالوا لنا: اتركوا الإسلام تعزوا وتصلحوا، كذبوا علينا فاكتشفنا الكذب والخديعة، وعرفنا أننا حطمنا بيوتنا بأيدينا، وذلك عندما حاربنا الإسلام في الماضي، فعلمنا أنهم كذبوا علينا، وجربنا كل الطرق فما وجدنا فيها طريقاً واحداً سليماً، في كل مرة هزيمة، وفي كل مرة خديعة، وفي كل مرة كذب، فأيقن الناس أنه ليس لهم سبيل إلا إذا رجعوا إلى الله، ووجهوا وجههم شطر البيت العتيق، وتركوا وجهتهم نحو موسكو وواشنطن ولندن، وعادوا إلى كتاب الله لا إلى كتب الكفر والضلال، لكن الذي نطمع فيه أن يشد المسلمون الذين فهموا الإسلام بأيدي العاملين للإسلام.

стр. 304

لزوم فهم الإسلام وحقوق المسلمين فكما قلت في بداية كلمتي: المسلمون أمة واحدة، وجماعة واحدة، وجسد واحد، وبنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً، لا ينبغي للمسلم أن يخذل أخاه المسلم: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)، ولا يزال في المسلمين والعاملين في الإسلام من لا يفهم هذه الحقيقة: أن للمسلم على المسلم حقوق، وأنه لا يجوز للمسلم أن يغتاب أخاه، أو أن ينم أخاه، أو أن يؤذي أخاه في عرضه، قال صلوات الله وسلامه عليه: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قالوا: من يا رسول الله؟! قال: من لا يأمن جاره بوائقه)، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ويحب المرء لا يحبه إلا لله). أن تحب أخاك في الله، وأن تحب لأخيك الخير، ومن محبة الخير له ألا تغتابه، وألا تطعن في عرضه ولكن تنصحه، فإذا ما رأيته على أمر سيئ فبالتي هي أحسن، وهذا أدب الإسلام وخلقه، فنحن لا نقر بالباطل في أنفسنا، ولا نقره في إخواننا ولا مجتمعاتنا، ولكننا ننصح: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم)، نسي المسلمون هذه الأخلاق، وأصبح كثير من المسلمين لا يتأدبون بأدب الإسلام. التعاون على البر والتقوى بين المسلمين خلق من أخلاق الإسلام: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، فمن خلق المسلمين: أن يعين أخاه على الخير إذا ما احتاج إلى معونة جسدية إلى معونة فكرية إلى معونة مادية وهو يستطيع أن يعين، فعلى المسلم ألا يقصر في هذا السبيل، عليه أن يمد أخاه ويحسن إليه، فذلك من خلق الإسلام. نرى بعض المسلمين والعاملين في الإسلام لا يحسنوا هذه الأخلاق، ويظن أنه لا ينتصر الإسلام إلا إذا أعمل لسانه في الآخرين، ومنع رفده وإحسانه عن الآخرين، وهذا خطر كبير، ومما يفسد العمل الإسلامي ويشوهه أن بعض المسلمين يتعالمون وهم لا يعلمون. فينبغي للمسلمين أن يطلبوا العلم الشرعي، فبدون علم لا تكون مسيرة، والجهل لا يربي النفوس، ولا يصلح الأفراد ولا الجماعات، والعلم الشرعي له سبيله وطريقه، وينبغي على المسلمين أن يحسنوا طلب العلم، وأن يحرصوا على ذلك لا أن يعيشوا جهلاء، بعض الذين لم يتقنوا العلم الشرعي والذين يستعجلون يفسدون بجهلهم في فتاويهم ودعاواهم وفي مسيرتهم، هؤلاء الناس -كثير في ديار الإسلام- يستعجلون الأمور قبل أوانها، كان طلبة العلم لا يتصدرون للفتوى والتعليم والتدريس إلا بعد أن يبلغوا مبلغاً حسناً، وبعد أن يشهد لهم من عند الذين يعلمون من العلماء حتى لا يفسد هؤلاء بجهلهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. أدعو إلى الإخلاص لله وحده لا إلى غيره ﵎، وهذا أساس في العمل، ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: على نور وعلم، وأعظم النور وأكبر العلم هو هذا الكتاب، كتاب الله ﵎، ثم سنة الرسول ﷺ ، ثم ما سار عليه العلماء، فهذه هي البصيرة الحقيقية، قال تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. والجهل بدين الله يسبب مشكلات، ما البدع والخرافات التي انتشرت بين المسلمين إلا بسبب الجهل، عندما تصدر أقوام للدعوة إلى دين الله ﵎ وهم لا يعلمون، ولا يحسنون أن يقودوا الأمة الإسلامية، فنشأت الخرافات، ونشأت البدع، والتصوفات والعقائد الفاسدة بسبب الجهل، وشفاء هذا المرض بالعلم، والجهل يسبب فرقة بين الناس، لكن العلم يجمع الناس على الحق، وعندما يلتقي المسلمون مرة أخرى على هذا الكتاب وعلى هذا الدين فسيكون للمسلمين بإذن الله شأن، ولكن ينبغي أن يعلم المسلمون أنهم قبل أن يتسلموا الراية من جديد -ويأذن الله ﵎ بعودة الحق إلى نصابه- أنهم سيبتلون ويختبرون. فالله لم يسلم الريادة للصحابة إلا بعد أن اختبرهم وابتلاهم، فإذا ما صبر المسلمون على ما ابتلوا به -وقد بدأ ابتلاء المسلمين من وقت ليس بالقصير، فقد سجنوا وعذبوا وأوذوا في كثيرٍ من ديار الإسلام -واستمر ثباتهم، فإن الله ﵎ ينصرهم ويؤيدهم قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٣٨]، فهو سبحانه لا يعطي هذا الحق، ويعطي مرتبة الصدارة إلا لمن ثبت في المحنة والبلاء، وعلم أنه أهل لأن يتسلم المهمة التي يريد الله ﵎ أن يسلمه إياها. في الختام أسأل الله ﵎ لي ولكم الاجتماع على هذا الحق، وأن يبعث لهذا الدين رجالاً يعيدون له شبابه، وينجزون عنه ما ناله من أوليائه وما ناله من أعدائه، وأن يهيئ للمسلمين رجلاً حكماً رشيداً يعز به الإسلام، ويذل به الشرك. أسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء، وأن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه.

стр. 305

النجاة من الفتن خلق الله الإنسان في هذه الدنيا ليبتليه بأنواع من البلاء، مما هو خير ومما هو شر، لينظر الله من هو أحسن عملاً. ومن أنواع البلاء الفتن، وهي ترجع إلى شيئين: فتنة الشهوات، وفتنة الشبهات. فعلى المسلم أن يعرف الفتن ليحذرها، وليعتصم بالله وبكتابه حتى ينجو منها، وليستعيذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وليعمل بما أوصى به النبي ﷺ أمته عند الفتن التي أخبر بوقوعها.

стр. 306

أنواع الفتن الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن الإنسان الصالح هو ذلك المسلم المستقيم على طاعة الله ﵎، والأمة الصالحة في ميزان الله ﵎ هي الأمة المسلمة المستقيمة على طاعة الله ﵎، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠]، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. إن الانحراف عن مسار الإسلام سبب في الهلاك والدمار، والحياة التي نحياها ونعيشها دار ابتلاء وامتحان واختبار يُبتلى الإنسان فيها ويختبر، فقد تكون الفتنة صغيرة، وقد تكون ضخمة كبيرة، وقد تكون الفتنة في المال أو الأهل أو الولد، وقد تكون الفتنة فرقة وخصومة، وقد يصل الخصام إلى أن تسل الأمة سيوف بعضها على بعض. والمسلم في كل ذلك يبتلى ويمتحن ويختبر، يبتلى عندما تكون الفتنة نابعة من الأهل والمال والولد، ويبتلى عندما تكون الفتنة نابعة من الأمة، ويبتلى عندما تعصف الفتن بالأمة الإسلامية من خارجها، فالفتن أحياناً قد تكون من الأعداء الذين لا يريدون بالأمة الإسلامية ولا بالإسلام خيراً. فقد تسفك الدماء، وتزهق الأرواح، وتستباح الحرمات، وتكثر الذنوب والمعاصي، والمسلم الصادق هو الذي يستقيم على طاعة الله مهما اشتد البلاء، ومهما اشتدت الفتن والمحن، والمسلم الصالح هو الذي لا يكون لديه نزعة شرور ولا فتنة، ولا تكون الفتنة نابعة منه؛ ولذلك جاء في وصف الصالحين أنهم مغاليق شر، مفاتيح خير، فالمسلم الصالح هو الذي يكون مفتاحاً للخير، ولا يكون مفتاحاً للشر، فبعض الناس لديه نزعة للشرور، ونزعة للفتن، فهو يثيرها ويؤجج نارها، فيصطلي بنارها كثير من الناس. ومن صفة العبد الصالح أنه يخمد الفتنة في نفسه، ويخمد الفتنة فيمن حوله، ولا تكون عنده نزعة شر ولا نزعة فتنة.

стр. 307

تحذير النبي ﵊ أمته من الفتن لقد كان الرسول ﷺ حريصاً على آخر هذه الأمة كحرصه على الذين وجدوا في عصره، ولذلك حدث الأمة عن الشرور والفتن التي ستقع في آخر الزمان، يروي مسلم في صحيحه عن أحد الصحابة يقول: (صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى صلاة الظهر، ثم نزل فصلى بنا الظهر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى صلاة العصر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى المغرب، فما ترك شيئاً مما يكون إلا أخبر به أصحابه، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، يقول: فأعلمنا أحفظنا). وهذا الحديث يشير إليه العالم بالفتن من الصحابة وهو حذيفة بن اليمان ﵁ قائلاً: (قام رسول الله ﷺ مقاماً فما ترك شيئاً إلى قيام الساعة إلا أخبرنا عنه) أي من الفتن، فالرسول ﷺ ناصح للأمة، ورحيم ورفيق بها، فهو يخبرها بالشرور والآثام حتى تتجنبها، وحتى لا يقع المسلم فيها، فإخبار الرسول ﷺ فيه عصمة للأمة. ومما قاله الرسول ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم) أي: سارعوا قبل أن تأتي فتن كقطع الليل المظلم، قال: (يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل)، فلا يصبح هناك ثبات على الحق ولا على الإسلام، فتعصف الفتن بالناس فلا يدرون كيف يسيرون، فيصبحون محتارين في أمورهم، بسبب مبادئ ودعوات، وذل وسفور، وسفك للدماء، وانتهاك للحرمات، والناس ضعفاء في دينهم، قال الرسول ﷺ : (قبل يوم القيامة يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟! قال: القتل القتل)، وفي حديث آخر قال: (ليس قتلكم الكفار، ولكن يقتل بعضكم بعضاً)، فيقتل المسلم جاره وعمه وابن عمه! وفي حديث آخر صحيح: (لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قُتِل)، أي: أنه قتل بدون هدف، ولا أسباب، أو قتل لأتفه الأسباب، وأقل الأمور. ويقول الرسول ﷺ : (يكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر) أي: تكثر الذنوب والمعاصي، والآثام، وتمر الفتنة على الإنسان عاصفة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تمر، ثم تأتي فتنة أخرى فيقول: هذه مهلكتي، كما في بعض الأحاديث، وفي الصحيحين أن الفتنة تبلغ إلى أن يتمنى الرجل الصالح الموت، قال ﵊: (يأتي على الناس زمان يمر الرجل بالقبر فيقول: يا ليتني مكانه! وليس به الدين) أي: ليس مديناً ولا قليل المال، فليس به إلا البلاء، فالفتنة قد تعصف بالإنسان وتهلك دينه، وتلقي به في النار، فيتمنى المسلم في تلك اللحظات الموت؛ حتى لا تعصف به الفتنة.

стр. 308

المخرج من الفتن أحس الصحابة بخطورة الفتن وفداحتها، فكانوا يسألون الرسول ﷺ عن المخرج من الفتن عندما تأتي، كما في حديث العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، أو كما قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه. وفي حديث حذيفة عند البخاري قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني -أي: كان يسأله عن الشر حتى يتجنب الشر ولا يقع فيه- فقلت: يا رسول الله! كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم -أي: ستأتي شرور بعد هذا الخير-، قلت: يا رسول الله! فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن -أي: ليس خيراً صافياً-، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهتدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي)، فالناس على الإسلام ولكن هناك أناس لم تتضح لهم معالم الطريق، فيدعون إلى شيء يظنونه إسلاماً وليس بإسلام، ويخلطون السنة بالبدعة، والخير بالشر، والحق بالباطل، (قلت: يا رسول الله! فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها)، وهذا شر كبير، ومن هؤلاء دعاة الشيوعية، والاشتراكية، والقومية التي سماها الرسول ﷺ دعوى الجاهلية وقال (دعوها فإنها منتنة)، فهم يدعون إلى دعوات سافرة وباطلة، وقد يصل الأمر إلى الشرك الصراح الذي كان عليه أهل الجاهلية، جاء في الحديث الذي في الصحيحين: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة)، وذو الخلصة: صنم كان يعبد في الجاهلية، فالرسول ﷺ أخبر أن الساعة لا تقوم حتى يرتد جزء من قبيلة دوس ويعبدون ذي الخلصة مرة أخرى، ففي هذا الحديث أن كثيراً من العرب في آخر الزمان يرتدون ويعبدون الأوثان، فيصل بهم الأمر إلى الردة الواضحة البينة. قال: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً)، وقد حصل الاختلاف، وحصلت الفرقة، وحصلت الأهواء، فما المخرج من ذلك كله؟ قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، فهذا هو المخلص عندما يكون دعاة على أبواب جهنم، ونحن لا نقبل بالإسلام بديلاً، قال الله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وقال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران:٨٦]، ويقول الرسول ﵊: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك). قال حذيفة: (يا رسول الله! فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك). هذه وصية رسول الله ﷺ للأمة كي تخرج من الفتن، وقد تثور الفتنة فيكره عليها الإنسان، فماذا يفعل المسلم الصادق اليوم عندما يدعى إلى هذه الفتنة القائمة؟ فإن قتل آخر فقد يقتل مسلماً، وإن لم يقتل فقد يُقتل! وفي الفتنة الكبرى التي وقعت في عهد الصحابة رضوان الله عليهم عبرة وعظة، وقد كان عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فسأل من عنده فقال: من يحفظ حديث رسول الله في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا يا أمير المؤمنين! (فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والزكاة، قال: لست عن هذا أسألك، وإنما أسأل عن الفتنة التي تموج كموج البحر، قال: يا أمير المؤمنين! إن بينك وبينها باباً مغلقاً، قال: أيفتح أم يكسر؟ قال: بل يكسر، قال: إذاً لا يغلق أبداً، فسألوه: أكان عمر يعرف الباب؟ قال: نعم، قال: فهبنا أن نسأله: من الباب؟ فأمرنا مسروقاً -وهو أحد علماء التابعين- فسأله، فقال: الباب عمر)، فالباب المغلق على الفتنة هو عمر، فقد كان قابضاً على الأمور، لا يدع رجلاً في رأسه فتنة يظهرها إلا وضربه على رأسه، فكان يخمد الفتنة، فلما جاء عثمان كان هيناً ليناً، فظهرت رءوس الفتنة في العالم الإسلامي، وأطاحت بالخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، يقول الرسول ﷺ : (تدور رحى الإسلام بعد خمس وثلاثين)، فبعد مقتل عثمان بدأت الحروب بين المسلمين كما في الحديث الآخر: (تقتتل فئتان عظيمتان من المسلمين دعواهما واحدة)، والصحابة -وهم خيار أهل الأرض- شقت صفوفهم فتنة عمياء، فانقسموا إلى قسمين. وقد أرشد الرسول ﷺ الأمة ماذا تفعل في مثل هذه الأمور؟ الحق غير واضح تماماً لكثير من الناس، فيضطرب الإنسان ولا يدري ماذا يفعل وكيف يتصرف في مثل هذه الفتن التي تعصف بالأمة الإسلامية، قال الرسول ﷺ : (يوشك أن يكون خير مال المرء غنيمات يتتبع بها شعف الجبال)، أو يأخذ سيفه على عاتقه فيقاتل به الكفار كما في الحديث الآخر. فعلى المسلم أن يهرب من الفتن، ففي الحديث: (تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي)، وقد فعل هذا كثير من الصحابة في تلك الفتنة، ومنهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأبو بكرة ومحمد بن مسلمة، وكثير من الصحابة فلم يشاركوا في الفتنة، قال الرسول ﷺ : (يا أبا ذر! كيف تفعل إذا غرقت أحجار الزيت بالدماء؟)، وأحجار الزيت موضع معروف في المدينة، وهذا حدث في عصر التابعين، عندما استبيحت المدينة، وكثر القتل في أهل المدينة. وكذلك أرشد ﷺ إلى النجاة من الفتن كما في الحديث الآخر: (من كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له حرث فليلحق بحرثه)، حتى أن بعض المهاجرين من الصحابة مثل سلمة بن الأكوع خرج إلى البادية؛ ليخلص من الفتنة. وقد أمر الرسول ﷺ أبا ذر أن يبتعد عن الفتنة وقال له: (اجلس في بيتك، قال: أرأيت -يا رسول الله! - إن لم أُترك؟ قال: إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق رداءك على وجهك يبوء بإثمه وإثمك)، أي: ليكون كخير ابني آدم عندما اختار القتل على أن يرفع سيفه في وجه أخيه، فلذلك اعتزل كثير من الصحابة الفتنة فانقضت لا لهم ولا عليهم. إن هذه الفتن تتكرر بين المسلمين باستمرار، فقد يكون بين المسلمين مشاكل في المجتمع الصغير، أو في المسجد الواحد، أو في البلد الواحد، فتثور فتن وفرقة وخصام في الدولة الواحدة وفي مجتمع المسلمين الكبير على مر التاريخ، ويصل الأمر بالفرقة والخصام والنزاع إلى أن يسل بعضهم السيوف على بعض، وأن تسفك دماء المسلمين! فعلى المسلمين أن يعتصموا بكتاب الله، وأن يكونوا مفاتيح خير، مغاليق شر، وألا يسعوا في الفتنة ولا يذكروها. إن الفتنة ليست في محاربة البدع، أو الكفر، أو الباطل، فهذا هو الإسلام، وهذا هو الجهاد، ولكن الفتنة التي تثور بين المسلمين هي التي تقسي القلوب، وتعصف بالأخوة، فهذه هي الفتنة التي حذر منها الرسول ﷺ . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

стр. 309

الاستعاذة بالله من الفتن الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله ﷺ ، أما بعد: لقد كان الرسول ﷺ يقول لأصحابه: (تعوّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن)، فكان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون: نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وكان الرسول ﷺ يستعيذ بالله من الفتن ويقول: (أعوذ بالله من فتنة المحيا والممات)، فالمحيا فيه فتنة، والممات فيه فتنة، فالمرء يفتن عند خروج روحه، فإن الشيطان يأتيه فيفتنه، ويفتن المسلم في قبره عندما تأتي ملائكة الرحمن تسأله، وهذه آخر فتنة يتعرض لها المسلم. إن خير ما يعيذ الله به عبده من الفتن أن يوفقه ويهديه لمعرفة الخير، وأن يستقيم على الخير، وتلك هي الهداية العظمى. وقد كان الرسول ﷺ إذا قام من الليل يصلي يقول: (اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكائيل! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، ونحن نقرأ في كتاب الله في كل ركعة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. فنسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم إلى الصراط المستقيم، وأن يجعلنا مفاتيح خير مغاليق شر، وأن يوفقنا إلى كل خير، وأن يعصمنا من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم! اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب الدعوات.

стр. 310

عظمة القرآن كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، جعله الله هدى للمتقين ونوراً للمسترشدين، من أخذ به واستمسك كان على الهدى، ومن هجره ضل. ومن صفات عباد الله المتقين أنهم يتلونه حق تلاوته، ويتدبرونه ويعملون بما فيه، ويتذكرون به ما يصلح في أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم.

стр. 311

فضل القرآن وعظيم قدره إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يحدثنا أحد الصحابة رضوان الله عليهم وهو أسيد بن حضير أنه كان في ليلة من الليالي يقرأ القرآن، وكانت فرسه قريباً منه، قال: فقرأت فجالت الفرس، فلما سكت سكنت، ثم قرأت فجالت أي: تحركت حركة شديدة، ثم سكت فسكنت، قال: وكان ابني يحيى قريباً منها، فخشيت أن تطأه، فلما أبعدته نظرت إلى السماء فإذا ظلة فيها كأمثال المصابيح، ثم صعدت في السماء حتى اختفت، فجاء إلى الرسول ﷺ فأخبره بما كان منه وما رأى، فقال: (اقرأ يا ابن حضير قال: يا رسول الله! قرأت ولكن خشيت أن تطأ يحيى فقال: أتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة نزلت لقراءتك)، وأخبره الرسول ﷺ أنه لو استمر في القراءة لبقيت الملائكة إلى الصباح حتى يعاينها الناس لا تختفي منهم؛ وهذا حديث صحيح وهو مصداق الحديث الآخر الذي يقول فيه الرسول ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). هذا الكتاب كلام الله ﵎، أنزله إلى البشرية هدى ونوراً وفرقاناً وضياءً، فيه خيرهم، وفيه سعادتهم إذا هم أخذوه، وفيه شقاؤهم وهلاكهم إذا هم تركوه. خير كتاب على وجه الأرض هذا الكتاب، خير كتاب منذ خلق الله الأرض، وإلى أن يرث الله الأرض، لم يوجد كتاب كهذا الكتاب قط، ولو اجتمع علماء الغرب وعلماء الشرق، وعباقرة الجن والإنس على أن يخرجوا كتاباً كهذا الكتاب لا يستطيعون أبداً، فما تخرجه المطابع، وما تنتجه القرائح لا يمكن أن يساوي شيئاً من هذا الكتاب.

стр. 312

قسم الله لبيان عظمة القرآن أقسم رب العزة قسماً وهو الصادق ﵎ فقال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:٧٥ - ٨٠]. (فَلا أُقْسِمُ) يقسم رب العزة بمواقع النجوم أي: منازلها في السماء ثم يقول: إن هذا القسم ((لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)) أي: هذا الذي أقسم الله ﵎ به وهو مواقع النجوم قسم عظيم. اليوم نحن نعرف شيئاً من عظمة هذا القسم، بعد أن اخترعت هذه المكبرات والمناظير التي نرى بها نجوم السماء، ونعرف أبعادها، فقد تبين للعلماء أن في هذا الفضاء الشاسع مجرات لا تعد ولا تحصى، وكل مجرة فيها مئات الملايين من النجوم تسبح في هذا الفضاء الواسع الشاسع ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٦]. على ماذا يقسم رب العزة؟ ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ لا كما يقول أهل الإفك والضلال: إنه سحر وكهانة وافتراء وكذب واختراع. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أصله في كتاب عند الله ﵎ أنزله منه. ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لم تتنزل به الشياطين، ولم تأت به الجن، ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١٢].

стр. 313

شرف القرآن هذا الكتاب هو عزنا، وكان نزوله حدثاً عظيماً، ولذلك عندما شرع الله لنا الصيام قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] لما كان نزول القرآن في هذا الشهر الكريم كان هذا شهراً عظيماً، فله مكانة خاصة بين الشهور، ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، قال العلماء: فيه عزكم ومجدكم إن أنتم أخذتم بهذا الكتاب.

стр. 314

وصف القرآن الكريم وقد جاء في وصفه ما يروى حديثاً، ويروى أنه من كلام علي بن أبي طالب: (كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل) أي: كله حق، في أخباره وفي أحكامه كما قال ﵎: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، أي: في أخباره، فليس فيه خبر كاذب، وَعَدْلًا في أحكامه، فليس فيه حكم جائر. قال: (هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله)، يعني: الجبابرة الذين يتمردون على دين الله وشرعه يمد الله لهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. (ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله) أي: الذي يريد الهدى من عند روسيا، ويريد منهجاً شيوعياً هادياً للبشرية، والذي يريد الهدى من عند أمريكا من نظرياتها وفلسفاتها، أضله الله. قال: (وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم)، فمن استمسك به لا ينقطع به أبداً، فالقرآن كما جاء في بعض الأحاديث: (حبل طرفه بيدك، وآخره عند الله ﵎، إذا استمسكت به رضي الله عنك، وأدخلك جنته. وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، فمن سار عليه كان على الصراط المستقيم، ولم يذهب يميناً ولا شمالاً حتى يصل إلى جنة الله ﵎. قوله: (هو الفصل ليس بالهزل) أي: أنه كلام لا هزل فيه بل هو جد كله. (لا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:١ - ٢]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم). هذا وصف كتاب ربنا ممن فقه ما في هذا الكتاب، والغاية من إنزاله، وكيف يعمل به، ولذلك كان تقويم الرجال في ديننا ليس بأجسامهم، وطولهم وعرضهم، ولا بما يعرفون من أمور الدنيا، قال رسول الله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) هكذا يقول المصطفى ﷺ ، ولو كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولكنه يحفظ كتاب الله، ويرتله آناء الليل وأطراف النهار ويعلمه الناس، فهذا هو خير الناس. ولذلك يقال يوم القيامة للذي كان يرتل القرآن بعد أن يدخل الجنة: (اصعد في درجات الجنة، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت ترتلها)، كم ترتل القرآن في الدنيا: مائة مرة، ألف مرة، مائة ألف مرة، بمقدار ما رتلته في الدنيا تصعد وتصعد وتصعد ثم تكون منزلتك عند آخر آية كنت ترتلها. (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). الذي يفهم هذا الكتاب ويحفظه فقد جمع النبوة في صدره، هذا هو الوحي الذي أنزل على رسول الله ﷺ ، وهذه هي الحياة التي أحيا الله بها قلوب عباده، وهذا هو الريح الطيب الذي كان ينشره رسول الله ﷺ وصحابته من بعده، هذا قوام الأمة وحياة الأمة وعز الأمة وخيرها.

стр. 315

أجور عظيمة مترتبة على قراءة القرآن عندما تقرأ الحرف من القرآن، فلك عشر حسنات، الفاتحة فيها مائة وخمسون حرفاً، فعندما تقرؤها فلك ألف وخمسمائة حسنة، يقول الرسول ﷺ : (لا أقول: ((الم)) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، ويقول: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران). ولذلك عنيت الأمة بهذا الكتاب، فدرسوه، وفقهوه، وحكموه في أنفسهم، وتخلقوا بأخلاقه، وتأدبوا بآدابه، ونشأت أمة الإسلام على هذا الكتاب؛ فصنع أفرادها رجالها ونساءها وأطفالها وشبابها وشيوخها وحكامها، وكان إطاراً لحياتهم، فكانت هذه الأمة هي أمة القرآن. هذه الأمة كانت تنظر بكتاب الله، وتنظر من خلال آياته، وتحقق الأهداف التي رسمها كتاب الله ﵎، وتتعلم عقيدة الإسلام من هذا الكتاب، فقد كان حياتها ونورها، فكانت هذه الأمة أمة القرآن، هذا الكتاب حياتك وعزك وخيرك إن أنت أخذت به، وهذا الكتاب هو كتاب الأمة الأول ونورها الهادي، إن أخذت به عزت، وإن تركته ذلت. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 316

التحذير من هجر القرآن الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله ﷺ . مما حدثنا الله ﵎ به أن رسولنا ﷺ يشكو أمته إلى ربه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، وهذا حصل في كثير من فترات التاريخ، ومنها أيامنا هذه حيث هجرت الأمة كتاب الله ﵎، وأصبح القرآن لوحات تعلق على الجدران، وزينة تزين بها المكاتب، وملصقات توضع على السيارات، أما أن يكون القرآن دستوراً، وشريعة، وإطاراً لحياتنا فقد تركنا ذلك وهجرناه. هذه شكوى قائمة في أيامنا من كثير من المسلمين، أصبح القرآن يقرأ في المآتم وفي المقابر، أما أن يكون القرآن حياة للقلوب، وحكماً في الوزارة وفي الدائرة وفي السوق وفي كل مكان، ويكون منهجاً في التربية والتعليم، وضابطاً لمختلف العلوم؛ فهذا بعيد إلا من رحم الله. هذه شكوى من رسول الله ﷺ فيما يحدث رب العزة ﵎: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، وتلك جريمة. فإذا كان الذي يؤتى آية من كتاب الله ثم ينساها تعد هذه جريمة في ميزان الله ﵎ فكيف بالأمة إذا تركت هذا الكتاب؟! يقول رب العزة ﵎: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:٩٩] أي: القرآن، ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه:١٠٠] أي: يأتي مثقلاً بآثامه وأوزاره يحملها فوق ظهره، ثم تكون النتيجة أن هذا الوزر يلقيه في نار جهنم فيخلد فيها، ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠١ - ١٠٢]. ويقول رب العزة في الذي يعرض عن الهدى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، وذكر الله فينا هو كتابه وسنة رسوله ﷺ ، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧] أي: مثل هذا الجزاء نجازي به من أسرف على نفسه بالكفر والشرك والذنوب والمعاصي. هذه نتيجة الإعراض عن كتاب الله في الدنيا: معيشة ضنك، يشقى بنفسه وبأهله وبولده وبماله، كثير من الناس النعمة تتحول النعمة في حقه إلى نقمة؛ لأنه نسي الله فأنساه الله ﵎ نفسه، وحاله يوم القيامة كما قال الله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥] بصيرتك عميت في الدنيا عن كتاب الله ونور الله وهدى الله، فيحشره ربه ﵎ أعمى، فالجزاء من جنس العمل. أما الذين اهتدوا فزادهم الله هدى، أما الذين استناروا فلهم النور التام يوم القيامة، ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢]، الذين استناروا في الدنيا بهذا الكتاب، اطمأنت نفوسهم، وهدأت قلوبهم، وتوكلوا على ربهم ﵎، وعاشوا في الدنيا بقلوب متعلقة بالله، وبما عند الله ﵎، فيكون قدومهم على الله ﵎ هو يوم الفرح الأكبر، والحظ العظيم، والبشرى التي لا بشرى بعدها. جعلني الله وإياكم من الذين يفقهون هذا الكتاب، ويتدارسونه بينهم، ويعنون به علماً وعملاً وفقهاً وتعليماً. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 317

فتاوى عن الجماعات الإسلامية والجهاد يكثر السؤال عن الخلاف بين الجماعات الإسلامية والجهاد وما يتعلق به، والموقف الصحيح تجاه الحكام، والناس في هذه المسائل بين طرفي نقيض، وخير الأمور أوسطها، وهو التمسك بما دل عليه الدليل في هذه المسائل من غير إفراط ولا تفريط.

стр. 318

كيفية إزالة الحواجز النفسية بين العاملين في الدعوة السؤال كيف نزيل الحواجز النفسية بين العاملين للإسلام مع بعضهم بعضاً؟ الجواب ينبغي أن أحرص على أخي وإن رأيت فيه عيباً، لا أفضحه ولا أشهر به، ينبغي أن أطرق بابه وأقول له: يا أخي! ينبغي أن تكون المسألة بالشكل الفلاني وبالطريق الفلاني وبالأمر الفلاني. وبهذا تزول الحواجز بين العاملين للإسلام، ونحن نعتبر هذه الجماعات ليست فرقاً منحرفة، هؤلاء لهم عقيدة وهؤلاء لهم عقيدة، وهؤلاء لهم شريعة وهؤلاء لهم شريعة، لا، بل العقيدة متقاربة، والشريعة هي الشريعة، وكثير من الخطوات هي الخطوات، أو نختلف في بعض الوسائل، أو نختلف في الفهم، وهذه أمور تتنوع حتى في إطار الدولة الإسلامية، فهذا عالم، وهذا مجاهد، وهذا عابد، وهذا كذا وكذا. فهذا أمر لا يرفضه الإسلام، فإذا اتجهت جماعة للعلم، وجماعة اتجهت للدعوة، وجماعة اتجهت لكذا، فلا بأس، لكن الجماعة المثلى هي التي يكون فيها نوع من الشمول والتكامل، هذه هي الجماعة التي فيها نوع من المثالية، فتعطي العلم حقه، والدعوة حقها، والجهاد حقه، لا تنسى مجال التربية، ولا تنسى العلم، ولا تنسى الجهاد، فيكون فيها نوع من التكامل. بوجود شيء من هذه القواعد أظن أن التعدد الموجود في الساحة لن يكون بأمر خطير، لكن أن أقول: أنا وحدي على الحق وأنت على الباطل، ويصل الأمر إلى أني أنا المسلم وحدي وأنت كافر، أعوذ بالله! فلو أن جماعة قدرها خمسون مثلاً وتعتقد بأنها هي المسلمة، وبقية الأمة كلهم كفرة مجرمون! أو أنا جماعتي هي الجماعة، والجماعات الأخرى كلها ضالة! هذا خطأ في الفهم. نحن بحاجة أن نحطم هذه الحواجز التي أصبحت بين المسلمين، وأحياناً يصل الأمر إلى الكراهية والحقد، فينبغي أن نحاربها، أنا مسلم أشهد أن لا إله إلا الله، وأنت تشهد أن لا إله إلا الله، كلانا يعتقد أن الله واحد، وأن النبي ﷺ حق، وشريعتنا واحدة، ونجل سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة، ونرى أن جيلهم هو الجيل الفاضل، وتاريخنا واحد، فلماذا الاختلاف؟! الأصول التي نلتقي عليها مئات، لا توجد أمة تجتمع فيها أمور كثيرة تجمعها كالأمة الإسلامية، ثم مع هذا أكل همك أن تحطمني وتكسر رأسي؟! إذا وضعنا بعض الأصول والتقى عليها العاملون في الإسلام فستصبح الفروق سهلة. أنا يمكن أن يأتيني فرد من جماعتي فأقول له: اذهب إلى المجموعة الأخرى الفلانية الذين ليسوا من جماعتي؛ لأن عندهم علم، فادرس عندهم الحديث، وادرس عندهم التفسير، وادرس عندهم كذا؛ لأن هؤلاء عندهم شيء ليس عندي، وهم يقولون: اذهب إلى إخواننا هؤلاء حتى يعلموك التربية؛ لأننا لا نحسن التربية، وهكذا يكون تعاون بين الجماعات. فلماذا هذه الشدة الموجودة عند بعض إخواننا؟! لا يجوز أن نكون جماعة وكأننا أمة مستقلة عن الأمة الإسلامية! نحن مسلمون يعني: استسلمنا لله، وانقدنا له، فالإسلام: مشتق من أسلم يسلم إسلاماً إذا انقاد وخضع لله ﵎، فإذا كنت مسلماً لله وأنا مسلم له، والإسلام الصحيح موجود عندك وعندي، فلماذا نتعادى؟! قد يكون فينا بعض النقائص فيكمل بعضنا بعضاً، أنصحك وتنصحني من منطلق الحب والإخاء.

стр. 319

الخلاف السائغ بين الجماعات الإسلامية والمذموم السؤال الجماعات الإسلامية كثيرة، وكلها تدعو إلى الإسلام، فإلى أي حد يمكن أن نقبل الخلاف بينهم في مجال العمل الإسلامي؟ الجواب الاختلاف لا نستطيع أن نلغيه في عالم البشر، وهناك اختلاف لا نرضاه، وهو الاختلاف الذي سببه البغي والعدوان والكبر، فهذا خلاف مذموم، فالخلاف الذي سببه بغي بعض المسلمين أو إنكار الحق أو الاستكبار عنه؛ لا يقبل بين اثنين من المسلمين، ولا بين جماعتين منهم، وهذا الخلاف سببه البغي واتباع الهوى، فتأتي له بالدليل من الكتاب أو السنة فيرفضه؛ لأن الدليل يخالف رأيه وهواه! يوجد هناك قواعد سارت عليها الأمة الإسلامية على مر التاريخ في عقيدتها وشريعتها ومنهجها، قواعد وأصول معروفة، مثلاً: لا أرضى أن أحد المسلمين يقول: الخمر حلال، فهذه قضية لا يختلف فيها، أو يقول: المرأة يمكن أن تصير خليفة للمسلمين، أيضاً هذا نقبله؛ لأن هذه القضايا هي منهج عند الأمة الإسلامية من عهد الرسول ﷺ إلى اليوم، فما كان المسلمون على غير هذا. وهناك خلاف يأتي ممن تصدر للفتوى قبل أن تكون له حصيلة علمية، فيتعلم كلمتين ويصبح شيخ الإسلام، يفتي في الطلاق وفي الزواج والحلال والحرام، يقول: يقتل فلان، ويضرب فلان، وهو لم ينل حصيلة من العلم! وهناك الخلاف في الوسائل فمثلاً: أنا أرى أنه يمكن دعوة المسلمين في هذه البلاد بالطريقة الفلانية، كأن أقدم له شريطاً أو كتاباً، والأخ الآخر يرى أنه لابد أن يصحح له الإسلام بنفسه، فأقول: يا أخي! أنت على خير وأنا على خير، وهذا اختلاف تنوع. وهناك اختلاف بين العلماء في فهم النص، وذلك إذا كان النص غير واضح مثلاً، وهذا اختلاف في نوع من الاجتهاد، وهذا الخلاف لم يكن الصحابة يخافون منه، ولا الأئمة، ولا كان العلماء.

стр. 320

حكم الجماعات الإسلامية التي لا تهتم بالجهاد السؤال هناك بعض الجماعات الإسلامية لا تتعرض لقضية الجهاد في الوقت الحالي مع العلم بجهدها الصادق في الدعوة إلى الله ، وترى أن الحكمة تقتضي ذلك، وأنه سيكون هناك يوم يدعى فيه للجهاد، فهل تعتبر هذه الجماعة معطلة لشرع الله؟ وهل هناك إثم في اتباعها وبذل الجهد معها؟ الجواب هذا يمكن أن يكون في أفراد، ويمكن أن يكون في جماعة، والتاريخ الإسلامي يدل على ذلك حتى في ظل الدولة الإسلامية، فأحد العلماء كان مشهوراً في مكة بعابد الحرمين، يعلم الناس العلم، وزميله في العلم كان عالماً كبيراً وقائداً في الميدان العسكري، فأرسل له القصيدة المعروفة: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب فهذا حبب إليه الجهاد، وهذا حبب إليه العلم، ما ذم الإسلام هذا ومدح هذا، ولا ذم هذا ومدح هذا، أحياناً تضع العالم في ميدان الجهاد ويكون ضعيفاً، ولو تركته في ميدان العلم فإنه يخرج لك أجيالاً، لكنه ضعيف لا يستطيع أن يقاتل. مثلاً: شيخ الإسلام ابن تيمية عالم كبير، فإذا نزل إلى ميدان الحرب والقتال يكون أسداً هصوراً، يبث الروح الجهادية في كل الأمة، وهذا شيء طيب، ويوجد إنسان يصلح للجهاد فقط، وآخر للعلم، وآخر يستطيع أن يجمع بين العلم والجهاد، فإذا اتجه مجموعة من الأمة إلى العلم وما خذلوا عن الجهاد، فلا بأس، لكن هناك أناس يرون أنه ليس هناك جهاد! يقولون: اترك القتال، اترك الجهاد، فمنهجهم التخذيل عن الجهاد، فهذا غلط، لكن لو قال: نحن فئة من الناس نستطيع أن نصحح العقائد، ونعلم الأمة الشريعة، والعقيدة، ونذكر، ونريد أولاً أن نحيي الأمة حتى تفيق، فلا بأس بهذا، لكن لا يقول للذي يجاهد: أنت على خطأ! كذلك على المجاهدين، لا ينكروا على العلماء. ثم هناك ظروف ينبغي أن تتحول الأمة كلها إلى الجهاد، وأحياناً تكون المعركة فيها من المسلمين ما يكفي، فينبغي أن يتحول المسلمون الآخرون إلى أمور أخرى. فعلينا أن نوسع آفاقنا، ولا تكون بهذا الضيق، وفي وقتنا الحاضر لا شك أن الأمة ينبغي أن تتجه إلى الجهاد فأوضاعها مقلوبة في ديار المسلمين، لكن قد لا يستطيع الإنسان أن يجد المجال الذي يجاهد فيه، لأن المسلمين مقيدون، يمنعون من الجهاد من هنا وهناك، ولكن مع ذلك لو أن إنساناً قال: لا بد أن أجاهد، ولا بد أن أذهب إلى بلاد الأفغان، أو إلى فلسطين، فنقول: جزاك الله خيراً، وباب الجهاد ليس مغلقاً، حتى لو لم يكن منه إلا أنه أفزع الكفار.
следующие страницы →