← Джавами‘

Джавами‘ · id 37419

دروس الشيخ عمر الأشقر

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (531 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

التحذير من هجر القرآن الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله ﷺ . مما حدثنا الله ﵎ به أن رسولنا ﷺ يشكو أمته إلى ربه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، وهذا حصل في كثير من فترات التاريخ، ومنها أيامنا هذه حيث هجرت الأمة كتاب الله ﵎، وأصبح القرآن لوحات تعلق على الجدران، وزينة تزين بها المكاتب، وملصقات توضع على السيارات، أما أن يكون القرآن دستوراً، وشريعة، وإطاراً لحياتنا فقد تركنا ذلك وهجرناه. هذه شكوى قائمة في أيامنا من كثير من المسلمين، أصبح القرآن يقرأ في المآتم وفي المقابر، أما أن يكون القرآن حياة للقلوب، وحكماً في الوزارة وفي الدائرة وفي السوق وفي كل مكان، ويكون منهجاً في التربية والتعليم، وضابطاً لمختلف العلوم؛ فهذا بعيد إلا من رحم الله. هذه شكوى من رسول الله ﷺ فيما يحدث رب العزة ﵎: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، وتلك جريمة. فإذا كان الذي يؤتى آية من كتاب الله ثم ينساها تعد هذه جريمة في ميزان الله ﵎ فكيف بالأمة إذا تركت هذا الكتاب؟! يقول رب العزة ﵎: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:٩٩] أي: القرآن، ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه:١٠٠] أي: يأتي مثقلاً بآثامه وأوزاره يحملها فوق ظهره، ثم تكون النتيجة أن هذا الوزر يلقيه في نار جهنم فيخلد فيها، ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠١ - ١٠٢]. ويقول رب العزة في الذي يعرض عن الهدى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، وذكر الله فينا هو كتابه وسنة رسوله ﷺ ، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧] أي: مثل هذا الجزاء نجازي به من أسرف على نفسه بالكفر والشرك والذنوب والمعاصي. هذه نتيجة الإعراض عن كتاب الله في الدنيا: معيشة ضنك، يشقى بنفسه وبأهله وبولده وبماله، كثير من الناس النعمة تتحول النعمة في حقه إلى نقمة؛ لأنه نسي الله فأنساه الله ﵎ نفسه، وحاله يوم القيامة كما قال الله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥] بصيرتك عميت في الدنيا عن كتاب الله ونور الله وهدى الله، فيحشره ربه ﵎ أعمى، فالجزاء من جنس العمل. أما الذين اهتدوا فزادهم الله هدى، أما الذين استناروا فلهم النور التام يوم القيامة، ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢]، الذين استناروا في الدنيا بهذا الكتاب، اطمأنت نفوسهم، وهدأت قلوبهم، وتوكلوا على ربهم ﵎، وعاشوا في الدنيا بقلوب متعلقة بالله، وبما عند الله ﵎، فيكون قدومهم على الله ﵎ هو يوم الفرح الأكبر، والحظ العظيم، والبشرى التي لا بشرى بعدها. جعلني الله وإياكم من الذين يفقهون هذا الكتاب، ويتدارسونه بينهم، ويعنون به علماً وعملاً وفقهاً وتعليماً. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 317

فتاوى عن الجماعات الإسلامية والجهاد يكثر السؤال عن الخلاف بين الجماعات الإسلامية والجهاد وما يتعلق به، والموقف الصحيح تجاه الحكام، والناس في هذه المسائل بين طرفي نقيض، وخير الأمور أوسطها، وهو التمسك بما دل عليه الدليل في هذه المسائل من غير إفراط ولا تفريط.

стр. 318

كيفية إزالة الحواجز النفسية بين العاملين في الدعوة السؤال كيف نزيل الحواجز النفسية بين العاملين للإسلام مع بعضهم بعضاً؟ الجواب ينبغي أن أحرص على أخي وإن رأيت فيه عيباً، لا أفضحه ولا أشهر به، ينبغي أن أطرق بابه وأقول له: يا أخي! ينبغي أن تكون المسألة بالشكل الفلاني وبالطريق الفلاني وبالأمر الفلاني. وبهذا تزول الحواجز بين العاملين للإسلام، ونحن نعتبر هذه الجماعات ليست فرقاً منحرفة، هؤلاء لهم عقيدة وهؤلاء لهم عقيدة، وهؤلاء لهم شريعة وهؤلاء لهم شريعة، لا، بل العقيدة متقاربة، والشريعة هي الشريعة، وكثير من الخطوات هي الخطوات، أو نختلف في بعض الوسائل، أو نختلف في الفهم، وهذه أمور تتنوع حتى في إطار الدولة الإسلامية، فهذا عالم، وهذا مجاهد، وهذا عابد، وهذا كذا وكذا. فهذا أمر لا يرفضه الإسلام، فإذا اتجهت جماعة للعلم، وجماعة اتجهت للدعوة، وجماعة اتجهت لكذا، فلا بأس، لكن الجماعة المثلى هي التي يكون فيها نوع من الشمول والتكامل، هذه هي الجماعة التي فيها نوع من المثالية، فتعطي العلم حقه، والدعوة حقها، والجهاد حقه، لا تنسى مجال التربية، ولا تنسى العلم، ولا تنسى الجهاد، فيكون فيها نوع من التكامل. بوجود شيء من هذه القواعد أظن أن التعدد الموجود في الساحة لن يكون بأمر خطير، لكن أن أقول: أنا وحدي على الحق وأنت على الباطل، ويصل الأمر إلى أني أنا المسلم وحدي وأنت كافر، أعوذ بالله! فلو أن جماعة قدرها خمسون مثلاً وتعتقد بأنها هي المسلمة، وبقية الأمة كلهم كفرة مجرمون! أو أنا جماعتي هي الجماعة، والجماعات الأخرى كلها ضالة! هذا خطأ في الفهم. نحن بحاجة أن نحطم هذه الحواجز التي أصبحت بين المسلمين، وأحياناً يصل الأمر إلى الكراهية والحقد، فينبغي أن نحاربها، أنا مسلم أشهد أن لا إله إلا الله، وأنت تشهد أن لا إله إلا الله، كلانا يعتقد أن الله واحد، وأن النبي ﷺ حق، وشريعتنا واحدة، ونجل سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة، ونرى أن جيلهم هو الجيل الفاضل، وتاريخنا واحد، فلماذا الاختلاف؟! الأصول التي نلتقي عليها مئات، لا توجد أمة تجتمع فيها أمور كثيرة تجمعها كالأمة الإسلامية، ثم مع هذا أكل همك أن تحطمني وتكسر رأسي؟! إذا وضعنا بعض الأصول والتقى عليها العاملون في الإسلام فستصبح الفروق سهلة. أنا يمكن أن يأتيني فرد من جماعتي فأقول له: اذهب إلى المجموعة الأخرى الفلانية الذين ليسوا من جماعتي؛ لأن عندهم علم، فادرس عندهم الحديث، وادرس عندهم التفسير، وادرس عندهم كذا؛ لأن هؤلاء عندهم شيء ليس عندي، وهم يقولون: اذهب إلى إخواننا هؤلاء حتى يعلموك التربية؛ لأننا لا نحسن التربية، وهكذا يكون تعاون بين الجماعات. فلماذا هذه الشدة الموجودة عند بعض إخواننا؟! لا يجوز أن نكون جماعة وكأننا أمة مستقلة عن الأمة الإسلامية! نحن مسلمون يعني: استسلمنا لله، وانقدنا له، فالإسلام: مشتق من أسلم يسلم إسلاماً إذا انقاد وخضع لله ﵎، فإذا كنت مسلماً لله وأنا مسلم له، والإسلام الصحيح موجود عندك وعندي، فلماذا نتعادى؟! قد يكون فينا بعض النقائص فيكمل بعضنا بعضاً، أنصحك وتنصحني من منطلق الحب والإخاء.

стр. 319

الخلاف السائغ بين الجماعات الإسلامية والمذموم السؤال الجماعات الإسلامية كثيرة، وكلها تدعو إلى الإسلام، فإلى أي حد يمكن أن نقبل الخلاف بينهم في مجال العمل الإسلامي؟ الجواب الاختلاف لا نستطيع أن نلغيه في عالم البشر، وهناك اختلاف لا نرضاه، وهو الاختلاف الذي سببه البغي والعدوان والكبر، فهذا خلاف مذموم، فالخلاف الذي سببه بغي بعض المسلمين أو إنكار الحق أو الاستكبار عنه؛ لا يقبل بين اثنين من المسلمين، ولا بين جماعتين منهم، وهذا الخلاف سببه البغي واتباع الهوى، فتأتي له بالدليل من الكتاب أو السنة فيرفضه؛ لأن الدليل يخالف رأيه وهواه! يوجد هناك قواعد سارت عليها الأمة الإسلامية على مر التاريخ في عقيدتها وشريعتها ومنهجها، قواعد وأصول معروفة، مثلاً: لا أرضى أن أحد المسلمين يقول: الخمر حلال، فهذه قضية لا يختلف فيها، أو يقول: المرأة يمكن أن تصير خليفة للمسلمين، أيضاً هذا نقبله؛ لأن هذه القضايا هي منهج عند الأمة الإسلامية من عهد الرسول ﷺ إلى اليوم، فما كان المسلمون على غير هذا. وهناك خلاف يأتي ممن تصدر للفتوى قبل أن تكون له حصيلة علمية، فيتعلم كلمتين ويصبح شيخ الإسلام، يفتي في الطلاق وفي الزواج والحلال والحرام، يقول: يقتل فلان، ويضرب فلان، وهو لم ينل حصيلة من العلم! وهناك الخلاف في الوسائل فمثلاً: أنا أرى أنه يمكن دعوة المسلمين في هذه البلاد بالطريقة الفلانية، كأن أقدم له شريطاً أو كتاباً، والأخ الآخر يرى أنه لابد أن يصحح له الإسلام بنفسه، فأقول: يا أخي! أنت على خير وأنا على خير، وهذا اختلاف تنوع. وهناك اختلاف بين العلماء في فهم النص، وذلك إذا كان النص غير واضح مثلاً، وهذا اختلاف في نوع من الاجتهاد، وهذا الخلاف لم يكن الصحابة يخافون منه، ولا الأئمة، ولا كان العلماء.

стр. 320

حكم الجماعات الإسلامية التي لا تهتم بالجهاد السؤال هناك بعض الجماعات الإسلامية لا تتعرض لقضية الجهاد في الوقت الحالي مع العلم بجهدها الصادق في الدعوة إلى الله ، وترى أن الحكمة تقتضي ذلك، وأنه سيكون هناك يوم يدعى فيه للجهاد، فهل تعتبر هذه الجماعة معطلة لشرع الله؟ وهل هناك إثم في اتباعها وبذل الجهد معها؟ الجواب هذا يمكن أن يكون في أفراد، ويمكن أن يكون في جماعة، والتاريخ الإسلامي يدل على ذلك حتى في ظل الدولة الإسلامية، فأحد العلماء كان مشهوراً في مكة بعابد الحرمين، يعلم الناس العلم، وزميله في العلم كان عالماً كبيراً وقائداً في الميدان العسكري، فأرسل له القصيدة المعروفة: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب فهذا حبب إليه الجهاد، وهذا حبب إليه العلم، ما ذم الإسلام هذا ومدح هذا، ولا ذم هذا ومدح هذا، أحياناً تضع العالم في ميدان الجهاد ويكون ضعيفاً، ولو تركته في ميدان العلم فإنه يخرج لك أجيالاً، لكنه ضعيف لا يستطيع أن يقاتل. مثلاً: شيخ الإسلام ابن تيمية عالم كبير، فإذا نزل إلى ميدان الحرب والقتال يكون أسداً هصوراً، يبث الروح الجهادية في كل الأمة، وهذا شيء طيب، ويوجد إنسان يصلح للجهاد فقط، وآخر للعلم، وآخر يستطيع أن يجمع بين العلم والجهاد، فإذا اتجه مجموعة من الأمة إلى العلم وما خذلوا عن الجهاد، فلا بأس، لكن هناك أناس يرون أنه ليس هناك جهاد! يقولون: اترك القتال، اترك الجهاد، فمنهجهم التخذيل عن الجهاد، فهذا غلط، لكن لو قال: نحن فئة من الناس نستطيع أن نصحح العقائد، ونعلم الأمة الشريعة، والعقيدة، ونذكر، ونريد أولاً أن نحيي الأمة حتى تفيق، فلا بأس بهذا، لكن لا يقول للذي يجاهد: أنت على خطأ! كذلك على المجاهدين، لا ينكروا على العلماء. ثم هناك ظروف ينبغي أن تتحول الأمة كلها إلى الجهاد، وأحياناً تكون المعركة فيها من المسلمين ما يكفي، فينبغي أن يتحول المسلمون الآخرون إلى أمور أخرى. فعلينا أن نوسع آفاقنا، ولا تكون بهذا الضيق، وفي وقتنا الحاضر لا شك أن الأمة ينبغي أن تتجه إلى الجهاد فأوضاعها مقلوبة في ديار المسلمين، لكن قد لا يستطيع الإنسان أن يجد المجال الذي يجاهد فيه، لأن المسلمين مقيدون، يمنعون من الجهاد من هنا وهناك، ولكن مع ذلك لو أن إنساناً قال: لا بد أن أجاهد، ولا بد أن أذهب إلى بلاد الأفغان، أو إلى فلسطين، فنقول: جزاك الله خيراً، وباب الجهاد ليس مغلقاً، حتى لو لم يكن منه إلا أنه أفزع الكفار.

стр. 321

حكم الجهاد في أفغانستان السؤال ما حكم الجهاد في أفغانستان؟ الجواب الجهاد في بلاد الأفغان مشروع، وهو تحت راية إسلامية بلا شك، ولقد قدم المسلمون هناك نماذج وأمثلة رائعة، ولا يمكن أن يفسر ثبات إخواننا المجاهدين في أفغانستان إلا بتفسير واحد: وهو تأييد الله ﵎ لهم، وقفوا خمس سنوات أمام دولة عظمى! واستطاعوا أن يثبتوا وأن ينالوا من العدو نيلاً، ويحدثنا الثقات بما تمتلئ به قلوبنا إيماناً، وعملهم هذا كأنه يقول للمسلمين: يا مسلمون! هناك قوة وراء قوة البشر، الدبابات والطائرات والمدافع تؤثر، ولكن القوة القليلة إذا كان معها الإيمان فإن الله ﵎ ينزل عليها النصر، ويحقق بها في الأرض المعجزات. وإذا احتاج المجاهدون الأفغان إلى جهود المسلمين فينبغي للمسلمين أن يقدموا لهم ما يحتاجون إليه، وعلى الأغنياء أن يقدموا من أموالهم ما يكفي المجاهدين، والمسلم الغني الذي عنده فضل من المال ولا يقدم لإخوانه المجاهدين هناك آثم، وينبغي أن تسد حاجة المجاهدين من السلاح والعتاد والطعام والشراب، وكل ما يحتاجون إليه، وعلى المسلمين أن يقدموا الكفاءات التي يحتاجها المجاهدون، مثل: الكفاءات العسكرية المدربة، والكفاءات العلمية في الإعلام والتوجيه، وكل الكفاءات التي يحتاجها المجاهدون الأفغان يجب أن توفر لهم. أيضاً: ينبغي أن يوفر للمجاهدين المقاتلون، لكن لا نذهب ونكون عبئاً عليهم، مثلاً: وصل إلى بلاد الأفغان في شهر من الشهور خمسون ألفاً من المجاهدين، وليس معهم من الطعام ما يكفيهم، ولا من العتاد ما يكفيهم، ولا من الشراب ما يكفيهم، وإذا جاء ثلاثة أضعاف الجيش مدد، ولم يأتوا معهم بطعام، ولا بشراب، ولم يأتوا بعتاد، فماذا سيحدث للجيش؟! الطعام الذي كان سيكفيهم شهراً انتهى في ثمانية أيام، وأصبحوا عبئاً بعد ذلك! إذاً: فالقضية تحتاج إلى شيء من التنظيم، ولابد أن يسأل القائمون على العمل الجهادي: ماذا تريدون؟ فإذا كانوا ليسوا بحاجة إلى الرجال فلا أخرج فتوى أقول فيها للمسلمين: كل مسلم عليه أن يأتي إلى أرض الأفغان، إلى الآن اللاجئين من الأفغان الذين في باكستان لا نجد لهم الطعام والشراب، فلو ذهب إليهم خمسة ملايين من المسلمين فإنهم سيأكلون قوت الأفغان الموجودين هناك، ويموت الجميع من الجوع! المقاتلون الأفغان الذين يستطيعون أن يصنعوا ما لا نستطيع أن نصنعه كثيرون ومتوافرون، لكن تنقصهم كفاءات، فممكن أن يقولوا: أرسلوا لنا مائة طبيب أو مائتي طبيب، أرسلوا علماء وموجهين، أرسلوا خبراء ومدربين عسكريين، أرسلوا مالاً نشتري به السلاح وهكذا. إذاً: فالجهاد لا يكون بدون تخطيط وتنظيم، نعم الجهاد واجب، والجهاد قد يكون فرض عين، لكن فرض عين على الكفاءات التي يحتاجها المجاهدون، فإذا كان الميدان يحتاج إلى الجنود والضباط والقادة الحربيين المخططين؛ فيجب عليهم الجهاد، ويتم إرسالهم عبر قنوات، ما يذهب الأخ بلا ترتيب، وعندما تخرج فتوى: يجب أن تذهبوا! وبعد أن نذهب إلى هناك سنجد أنهم ما استفادوا من طاقاتنا، وأننا أصبحنا عبئاً عليهم! إذاً: فلا بد أن تصدر الفتوى الشرعية بعد أن يتبين للمفتي كيف تسري في واقع الحياة.

стр. 322

حكم عمل العلماء في دولة لا تحكم بالشريعة السؤال ما حكم الشرع في العلماء الذين يشاركون في نظام لا يحكم بشريعة الله؟ الجواب هذا سؤال عام لا يمكن الإجابة عليه هكذا، فهم أخيار فضلاء أو مجرمون أشقياء، فإذا كان عالم شريعة يدرس في جامعة أو يؤم الناس في مسجد أو يخطب الجمعة؛ فلا بأس، أما عالم شريعة يمكن للطاغوت في الأرض؛ فلا، فتختلف الصورة من حالة إلى حالة، ومن مكان إلى مكان، ومن عالم إلى عالم، فالذي همه أن يثبت أركان الباطل ويكون من علماء السلطان، ويعبد الناس للسلاطين، فهذا جريمته معروفة، أما الذي يصارع في هذه المجتمعات ليفهم المسلمين دينهم، ويبين لهم الحقيقة، ويرشدهم إلى الله، ويعلمهم، ويؤذى في سبيل ذلك؛ فهذا إن شاء الله من المجاهدين.

стр. 323

حكم مشاهدة التلفاز السؤال كثير من الناس يشاهدون البرامج التلفزيونية التي فيها مشاهد خليعة، ما الحكم في ذلك؟ وإلى أي حد نستطيع فيه متابعة التلفزيون هنا في أمريكا مع ما فيه من الإباحية المطلقة والمثيرة، ولا أستثني من البرامج شيئاً، حتى نشرة الأخبار؟ الجواب الحال في أمريكا وفي بريطانيا وفي جميع دول الغرب أشد مما هي عندنا في بلادنا، وإن كان في بلادنا أيضاً شيء من هذا، ولكن في هذه الديار المسألة أخطر بكثير مما هي عليه في بلاد الشرق. والنظر إلى المشاهد المخزية والعارية والفاضحة التي تدعو إلى الفاحشة أمر خطير، قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، فيجب على المسلم أن يضبط نفسه، وهذه قضية تحتاج إلى جهاد، فالنفس تدعو إلى الباطل، والباطل سهل، فينبغي أن تضبط هذه المسألة إلى أكبر قدر، ولا شك أنها تؤثر في النفوس تأثيراً سيئاً. وأنا أقول لكم بصراحة: لا يوجد ضبط للمسألة إلا بالبديل، نحن لا ينبغي أن نكون كالنعامة تضع رأسها في الرمال عندما ترى الصياد كما يقول المثل! لا بد من مشاهدة التلفاز شئنا أم أبينا، يعني: خيرة الناس وأتقى الناس إذا كان التلفاز في بيوتهم بعد سنة وسنتين وثلاث وأربع في ظني أنه يمكنهم أن يغيروا، وحبذا لو أن دولة إسلامية تنتج للمسلمين الأشرطة الطيبة، ويمكن أن نعمل مكتبة تلفزيونية في كل مدينة، وفي كل بلد، وفي كل مكان، ولا يتطلب ذلك منا الشيء الكثير، أنا ما أدعوا أن نخترع الآن شريطاً من البداية، لكن ممكن أن نختار من التلفزيون الأمريكي ومن التلفزيون البريطاني في خلال شهر مثلاً خمسة أشرطة سليمة، نحن ما نريد أن نبيعها ونتاجر من ورائها حتى يقال لنا: خالفتم قانون النشر. وأيضاً في الدول العربية لو تتبعنا البرامج الطيبة التي تبث للأطفال، أو البرامج العلمية، أو التي للنساء، أو على مستوى الشعب كله من كل دولة، نستطيع أن نأخذ عشرة أو خمسة عشر شريطاً. إذاً: عندنا بديل، بالإضافة إلى ما بدأ ينتجه بعض المسلمين في بعض البلاد، وأنا قليلاً ما أرى التلفاز، لكن في بعض الأحيان أشاهد برامج طيبة، لا أقول: إنها سليمة مائة بالمائة لكن الفكرة فكرة إسلامية، والأدوار أدوار جيدة فعلاً، تستحق أن تعبر عن قضية وعن مشكلة، وعن عصر من العصور في التاريخ الإسلامي. أنا أدعو الإخوة المفكرين القادرين على العمل في هذا المجال أن يصنعوا شيئاً للمسلمين، فالفيديو مثلاً بدأ ينتشر، وأنت تستطيع أن تتحكم فيه، وتستطيع أن تعرض في ساعتين لأهل بيتك من خلاله في قضية علمية أو قضية هامة. أصبح التلفزيون الآن يجري في دماء الناس، فهو مدرسة، فإما أن تحول الناس إلى مجرمين أو تحولهم إلى أخيار. وحفل السمر الذي سيقام هنا ينبغي أن يصور تصويراً تلفزيونياً، فنأتي بأناس يحسنون التصوير على مستوى راق ثم يوزع هذا الشريط، تذهب نسخة إلى بريطانيا، ونسخة إلى ألمانيا، ونسخة إلى أمريكا، ونسخة إلى الكويت، ونسخة إلى الأردن، ونحن في الكويت نعمل عملاً مثل هذا ونرسل لكم منه نسخة، ونتبادل هذه الأمور، ثم يكون عندنا بعد ذلك من كل مكان أشرطة كثيرة تغذي البيوت بمادة ثمينة. نحن نستطيع أن نقيم برنامج، وأن نقيم دولة، أو إذاعة، أو محطة تلفاز. فالحاصل: أن هذا الجهاز يمكن أن يشتريه أكثر الناس، وقد انتشر انتشاراً كبيراً جداً، فالقضية مختلفة، فليست قضية تحريم أو تحليل، وينبغي أن نكون إيجابيين.

стр. 324

حكم حلق اللحية وتقصيرها السؤال ما حكم حلق اللحية وتقصيرها؟ الجواب بعض العلماء يرى أن اللحية سنة مؤكدة، وبعض العلماء يرى أنها واجبة، والحقيقة أن الأحاديث التي تأمر باللحية تدل على الوجوب. أما تقصير اللحية فإذا كانت اللحية وافرة طويلة وعندما يخفف منها المسلم تبقى على وفرتها؛ فليس هناك مانع لو أخذ المسلم شيئاً منها، لكن أن تجعل اللحية خطاً دقيقاً، أو تجعل اللحية دائرة على الذقن فقط، أو تقصرها حتى لا ترى لحية؛ فهذه ليست لحية، أما إذا لم تزل كثة فلا بأس.

стр. 325

حكم أخذ الربا من البنوك وإرساله للمجاهدين السؤال هل يجوز أخذ الربا من البنوك وإرساله للمجاهدين وغيرهم؟ وسؤال آخر في نفس الموضوع وهو: أن بعض الناس يأخذون قروضاً من البنوك فيتزوجون بها، فما حكم من يتزوج بقرض ربوي مع العلم بأن البنك المقرض يتعامل بالربا، ويأخذ فائدة على هذا القرض؟ وهل هذا الزواج حرام؟ وإن كان حراماً فما حكم الأطفال الذين يولدون من هذا الزواج؟ الجواب قال الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] فالربا حرام، والذي يتعامل به ثم يتصدق بالفائدة مثل اللص الظريف في الروايات البوليسية، لا يسرق إلا من المجرمين ليعطي الفقراء والمساكين! هذه طريقة مرفوضة في ديننا، ومثل ذلك أن يعمل في القمار، أو امرأة تتاجر بعرضها ثم تأخذ هذا المال وتتصدق به، هذه طريقة مرفوضة غير مقبولة؛ لحديث (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً). ولو أن إنساناً وضع ماله في البنوك الربوية ثم تاب، فهل يأخذ الفوائد الربوية التي قد تبلغ عشرات الآلاف أو الملايين؟ في هذه الحال نقول له: خذ المال، لكن ابتداءً لا تعطي البنك المال ليأخذ منه ربا، ولو بقصد أن ترسله للمجاهدين. لكن لو أن إنساناً وضع ماله في البنك، وبعد ذلك تاب، وكانت الفائدة ملايين، فإن أبى هذا الرجل أن يأخذها قد تحول إلى الكنائس. ففي هذه الحال نقول: لا تتركها للبنك؛ لأن البنك ليس صاحبها، ولا تأخذها أنت فأنت لست صاحبها، والمال الذي ليس له صاحب يذهب إلى بيت مال المسلمين، فإن لم يكن للمسلمين بيت مال فيذهب إلى المستحقين من الفقراء والمجاهدين وغيرهم. ولا يجوز للإنسان أن يأخذ قرضاً ربوياً من البنك ليتزوج، والربا حرام، لكن الزواج ليس له دخل في هذه القضية، الزواج ما دام أنه عقد على التراضي وإن كان المهر في أصله حراماً، فهو صحيح، والمرأة لا تملكها بالمهر، فلو دفعت لها خمسمائة دينار هل تكون قد ملكتها؟ لا، أساس الزواج في الإسلام التراضي، هذا هو الأساس الأول؛ ولذلك لو أن امرأة قالت لك: أنا أريد مهراً نصف دينار فقط، فالزواج صحيح، جاء اثنان إلى الرسول ﷺ في زواج وكان المهر نعلين! فقال النبي ﷺ للمرأة: (أرضيت من نفسك بنعلين؟ قالت: نعم، رضيت يا رسول الله)! فأقر الزواج. وفي الحديث الآخر: (زوجتكها بما معك من القرآن) فالقضية الأساسية هي التراضي، لكن كونك تتزوج من الربا فهذا حرام، لكن الزواج صحيح، ولا يبطله الربا، والأولاد ليسوا بأبناء زنا.

стр. 326

أنواع الجهاد السؤال ما هو الجهاد الذي يجب أن يستخدم في إقامة الدولة الإسلامية؟ الجواب الجهاد أنواع: فمنه الجهاد بكلمة حق عند سلطان جائر، والمجاهدة لتغيير الحكم الباطل وإقامة دولة إسلامية، والجهاد في ميدان الحرب والقتال، فالجهاد ألوان كثيرة.

стр. 327

حكم الخروج على الحكام السؤال كيف أبريء ذمتي أمام الله حينما يسألني عن منكر الحكام في بلادي ولم أكن قد غيرت المنكر؛ لأن العلماء يقولون: لا يجوز مناهضة الحاكم حتى تروا كفراً بواحاً؟ وما هو الكفر البواح؟ الجواب تغيير المنكر مراتبه ثلاثة كما في الحديث: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وفي رواية أخرى: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). أخي الكريم! أنت في أمريكا، فلماذا لا تغير الباطل الموجود في أمريكا؟ لماذا لا تقيم دولة الإسلام في أمريكا؟ لماذا لا تغير الشارع في أمريكا؟ الجواب أنك لا تستطيع، وهل سيحاسبك الله ﵎ لأنك ما استطعت هذا؟! لن يحاسبك على هذا، لكن هل ترضى بهذا الباطل؟ إن رضيت به فلست بمسلم، لكن هل تستطيع أن تبين؟ نعم تستطيع، فبين وأقم الحجة، عندما أتينا من المطار كانت امرأة عجوز تقود بنا السيارة، فقلت للأخ الذي معي: كلمها حتى نعرض عليها شيئاً من الإسلام، فأنا مهمتي أن أبين لها الدين، وبعد ذلك هي يوم القيامة تأتي وقد بينت لها، وفعلاً استطعنا أن نفهمها ما هو ديننا وإسلامنا، وما هي عقيدتها، ومن هو عيسى، وهي امرأة عجوز في الستين من عمرها، وظهر منها نوع من الاستجابة، وإن كانت استجابة شكلية، أي: (مجاملة)، لكن المهم أنني أقمت عليها الحجة في تلك اللحظات التي كنت معها في السيارة. كذلك أي إنسان منكم يستطيع أن يبين الإسلام في الطائرة، وفي السيارة، وفي كل مكان فليفعل، أحد الإخوة الباكستانيين قال لي: ماذا تصنع؟ وماذا تعرض على هؤلاء؟ قلت له: القضية سهلة، أقول له: أنا مسلم، وأرسل له رسالة تبين الإسلام ببساطته، وأعرض عليه القضايا الأساسية وليس الفرعية، فأقول: هناك رسول اسمه محمد ﷺ ، أرسل من عند الله، وأنزل عليه القرآن، وأنت عبد لله ينبغي أن تطيع الله، وإن أطعت لك الجنة، وإن لم تطع فلك النار. ولو سألنا: الرسول ﷺ كيف أقام الحجة على كسرى وعلى قيصر؟ أرسل رسالة فيها: من محمد رسول الله، وفيها: أسلم تسلم، فإن أبيت فإن عليك إثم رعيتك، وبهذه الرسالة أقيمت الحجة عليه. فأنت إذا كنت لا تستطيع القول فعلى الأقل أنكر بقلبك. كذلك عندنا في ديارنا إذا كنت تستطيع أن تفعل ما تشاء، وتصول وتجول في ديارنا، وتستطيع أن تغير الفساد، وتجعلها دولة إسلامية؛ فهذا واجب عليك، وإذا كنت لا تستطيع فعليك أن تضع يدك في يد العاملين، وتعمل معهم بقدر استطاعتك، أما أن تقول: أنا إذا ما غيرت الباطل في أمريكا فالله يعاقبني يوم القيامة؟ لا، كان حول الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً، والرسول ﷺ بقي ثلاث عشرة سنة في مكة وما غيرها، وعندما جاء أوان التغيير وكان له القدرة على التغيير كسرها وقرأ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١]، فكل شيء له أوانه.

стр. 328

نصيحة للشباب الذين في أمريكا السؤال أنا مسلم وأحرص دائماً على الالتزام بالإسلام، ولكن بسبب كوني غير متزوج تكون عندي أحياناً ثورة جنسية، ولا أستطيع الزواج حالياً، فبماذا تنصحني؟ الجواب نحن عندما نرى هذا الجو الذي يعيش فيه إخواننا ندعو لهم دائماً بالثبات، فهو جو كنار مستعرة، من يثبت في مثل هذا الجو نرجو أن يكون من خيار الناس، وأن يتقبله الله ﵎، وأن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وما من شك أن الزواج من امرأة صالحة هو الحل الذي يعالج كثيراً من المشكلة. ومن كان لا يستطيع الزواج، فلا بد أن يعيش في بيئة إسلامية، والإخوة هنا يفعلون ذلك، لكن أدعو إلى مزيد من التجمع في أماكن يلتقي فيها الإخوة؛ ليشد بعضهم بعضاً وفي الحديث: (وإنما تأكل الذئب من الغنم القاصية)، فالإنسان عندما يعيش وحده يمكن أن تفترسه الذئاب، ويمكن أن ينحرف، ودائماً في الاجتماع قوة. وعلى الإنسان دائماً أن يكون معتصماً بالله ﵎، يراقب الله ، وكلما كان في الإنسان حياء فإنه يستشعر أن الله ﵎ معه، سواءً كان في أمريكا أو في مكة، فيستشعر أن الله ﵎ معه وأنه محاسبه، وأن الدنيا اختبار وابتلاء، فأنت تبتلى وأنا أبتلى، أنت تبتلى بنوع وأنا أبتلى بآخر، فالعلم الذي يحمله العالم بلاء، يعني: اختبار، وفي الحديث: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: -وذكر منهم- العالم الذي يتعلم العلم لا يريد به وجه الله)، أو كما قال النبي ﷺ ، فالقضية عظيمة جداً، وأنا مبتلى بهذا، وإذا كانت نيتي في علمي هذا الدنيا، فالعلم سيدخلني جهنم والعياذ بالله! فإذا كنت شاباً وقدر لك أن تتعلم في هذه الديار؛ لأن ديار المسلمين التي تسيل ذهباً وفضة ما استطاع ولاة أمرها أن يوفروا الجامعات حتى نتخلص من هذا البلاء، فأنت ابتليت بهذا وتريد أن تستقيم على دينك، وأنت تعاني مما ذكرت، وإذا سقطت فلن يكون هذا كالسقوط في جامعة، فالسقوط في هذا السبيل أحياناً قد لا يستطيع الإنسان معه العودة. فلا بد من مراقبة الله تبارك، وتعالى واستشعار أن الله حي لا يموت، كما قال أبو بكر ﵁: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، والله يعلم بكم إذا كنتم في أمريكا، أو كنتم في المدينة المنورة، أو في مكة، أو في أي بقعة من الأرض، وسيجازيكم كما قال الله على لسان لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] فهذا الاستشعار يجعل عندك ضابطاً وعاصماً من المحرمات، وهو الذي عصم نبي الله يوسف، وهذا هو البرهان الكبير الذي حماه الله به، فإذا كان عند المرء هذا العاصم وهذا الحافظ كان على صلة بكتاب الله، ويدعو الله لنفسه بالثبات دائماً. وأحياناً لا يطيق الإنسان الصبر، ولكن في لحظة من لحظات الصبر ينزل الله ﵎ عليه سكينة وطمأنينة فيجد في نفسه قوة، ويجد في نفسه عاصماً يعصمه، ويجد حماية ما كان يستشعرها من قبل، ولا كان يعرفها. وأيضاً: فلا بد من الإرشادات التي أرشد إليها الرسول ﷺ ، وهي أن يشغل الشاب نفسه بطاعة الله، لا سيما الصيام، وكذلك لا بد من غض البصر. أسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 329

منهج المسلم عبودية دائمة عبودية المسلم لله ﵎ ليست محدودة بزمان أو مكان، بل هي باقية ما بقيت الروح في الجسد، وما دام حياً على وجه الأرض. والعبودية لا تكون بحسب أفعال الناس وأقوالهم، بل يجب على المسلم أن يوطن نفسه على الاستقامة، ومما يعين المسلم على الاستقامة الاعتصام بكتاب الله، فهو نور وهدى وشفاء لما في الصدور.

стр. 330

العبودية لله دائمة ما دامت الروح في الجسد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فقد خلق الله ﵎ العباد لعبادته، وعبادة الله ﵎ باقية في عنق العبد ما بقيت فيه حياة تتردد، وما دامت الروح في هذا الجسد ولم تسل منه بعد، ولم يتحول إلى ميت هامد لا حركة فيه ولا فكر ولا حواس، فما دام أنه حي فهو يعبد الله ﵎، وهو مطالب بأن يعرف ربه، وأن يعرف منهجه، وأن يستقيم على أمر الله ﵎، فشعار المسلم: أن يعبد الله حتى يتوفاه الله ﵎ كما أمر بذلك رب العزة رسوله ﷺ فقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، واليقين هو: الموت، أي: واعبد ربك دائماً، وكن مواظباً على ذلك حريصاً عليه حتى يأتيك الموت، وهذا شعار ينبغي للمسلم أن يرفعه، وينبغي للأمة الإسلامية أن ترفعه، وأن يجعله الإنسان نصب عينيه دائماً وأبداً، أن يكون عبداً لله في كل أحواله، وفي كل شئونه، وأن يمضي رافعاً راية العبودية إلى أن يلقى الله ﵎ وهو مستمسك بهذا الدين، ومستمسك بالإيمان، مستعلٍ على الباطل. فينبغي للمسلم أن يكون عبداً لله مادام حياً، فليس هناك تقاعد في حياة المسلم تجاه إسلامه، وليس هناك وقت يأتي فيه ويقول: قد توقفت ويكفي ما عملت، فقد قدمت ما فيه الكفاية، فإن هذا منطق مرفوض بالنسبة للمسلم والمسلمين، بل هي عبودية، وحمل للراية، واستمساك بالحق إلى أن نلقى الله ﵎. ولقد فهم بعض المسلمين من أوائل هذه الدعوة أنه يمكن أن يتقاعدوا ويتوقفوا كما في الحديث الصحيح أن الأنصار عندما انتصر الإسلام وأعز الله دينه، وأعلى كلمته، وأذل الشرك والباطل، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، قالوا: آن الأوان لنرجع إلى أموالنا وأعمالنا، لأنهم كانوا قد تركوا بساتينهم وأعمالهم، ففسدت بسبب انشغالهم بالجهاد في سبيل الله، والعمل لرفع راية الإسلام. فقالوا: نحن قد قدمنا ما علينا، والآن جاء الدور لنلتفت إلى أعمالنا، فأنزل الحق ﵎: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فالجهاد والإنفاق في سبيل الله والبذل لهذا الدين لا يتوقف عندما يكبر الإنسان، أو عندما ترتفع راية الإسلام، وإنما هو شعار مستمر، وعبودية حتى الموت. ولذلك فقه الصحابة معنى هذا القول الإلهي الكريم، ونفذوه، فقد استمر الصحابة يجاهدون بعد وفاة الرسول ﷺ ، بل وتوفي أكثرهم في أقاصي الأرض بعيداً عن مدينة الرسول ﷺ ، فقبور الصحابة متناثرة في أرجاء هذا العالم، فعندما تزور القسطنطينية فستجد هناك قبر أبي أيوب الأنصاري، فقد مات وهو يجاهد في سبيل الله على أسوار عاصمة دولة الروم الشرقية بيزنطا، ودفن هناك. ولقد وعى المسلمون هذا الدرس، فاستمروا في عطائهم، واستمروا في جهادهم، ولم يمنوا على ربهم ولم يتوقفوا، ذلك أن المسلم ما دامت فيه روح وما دام حياً، فهو عبد لله ﵎، فلا تتوقف العبودية والاستمساك بهذا الحق وهذا الدين. إن الإسلام منهج لحياة الإنسان في تفكيره وعقيدته وتصوره وأعماله، فعليه أن يذوب في هذا المنهج، وأن يقضي حياته كلها ملتزماً بهذا الدين، وملتزماً بهذا المنهج، فإن نقض هذا اعتبر مرتداً عن هذا المنهج وهذا العطاء. فالله ﵎ أخذ على الإنسان المواثيق، فالرسل جميعاً وأتباع الرسل وأنت في كل صلاة تقطع لله عهداً، وتقول له: يا رب! ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، في كل ركعة تقطع لله عهداً، فكيف تتحلل من عهودك ومواثيقك التي تعقدها مع الله ﵎؟! وقد يحصل مني ومنك قصور، فينبغي أن تعالج هذا القصور بالتوبة والاستغفار، والإنابة إلى الله ﵎، ولكن أن تترك المنهج وأن تتقاعد وتتخلى، ثم تصبح في بقية حياتك تتفاخر بما قدمت، وبما عملت، وأنك عملت كذا وعندما كنت في كذا عملت كذا وكذا؛ فهذا أسلوب لا يرضاه الإسلام، فهذه مواثيق سيسألك الله ﵎ عنها. والإسلام يصور القضية بيعاً وشراء، فأنت تبيع نفسك لله، وتبذل مالك لله، وتشتري رضوان الله وجنته، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، ماذا يفعلون؟ (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]، أي: يبذلون أنفسهم وأموالهم. فأنت تقدم النفس والمال لتحصل على رضوان الله ﵎ وجنة الله ، وهذا ما وعد الله ﵎ به، ولا يتم بذلنا إلا إذا انقضت الأيام والسنون ونحن كذلك.

стр. 331

العوائق في طريق العبودية وهناك أمور كثيرة تحاول أن تبعدنا عن الهدف الذي ينبغي للمسلم أن ينذر نفسه له، وأن يكون عبداً لله حتى يتوفاه. فالمال يشد الإنسان في كثير من الأحيان ويعمي ناظريه، فتتلجلج الدروب. والزوجة والأولاد كذلك؛ ولذلك فقد أخبر الحق أن الزوجة والأولاد -في بعض الأحيان وليس دائماً- يكونون أعداء للإنسان؛ لأن الله يدعوك إلى جنته ورضوانه، وتلك بالنسبة لك قضية كبرى، فليست قضية صغرى أن تدخل جنة الله وأن يرضى الله عنك، بل هي قضية خطيرة، فإذا وجد من يصرفك عن هذه القضية الخطيرة إلى قضية جزئية هامشية فهذا ليس بمحب لك، بل هو عدو لك، فقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [التغابن:١٤]، فقال: (من) وليس كل الأزواج، بل بعضهم ﴿وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] فبعض الأزواج والأولاد عدو، ولذلك يقول الرسول ﷺ عن الولد: (مجبنة مبخلة) فالولد يجعل الإنسان جباناً، ويجعل الإنسان بخيلاً، فيخشى الأب على ابنه ألا يجد له طعاماً، وألا يجد له كساءً، وألا يجد له مسكناً، فيقبض يده عن البذل في سبيل الله، ويقبض يده عن العطاء، فلا يبذل في سبيل دينه، ولا يبذل في المجالات التي أمر الله بالبذل فيها، فيجبن ويبخل. ففي بعض الأحيان يكون الأولاد والزوجة أعداءً؛ ولذلك أمرنا الله ﵎ أن نحذر من هذا الصنف الذي يصرفنا عن طاعة الله ﵎، وليس معنى ذلك أن تقتلهم لأنهم أعداء، أو أن تطردهم فالعداوة هنا في قضية جزئية، فهم يحبونك ويحبون لك الخير، ولكنهم يجهلون سبيل الخير ودروبه، ولذلك قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾ [التغابن:١٤] فينبغي لك أن تستمسك بإسلامك، وأن تمضي على منهجك، وأن تقوم هؤلاء لا أن تنحرف معهم، وليس السبيل أن تعاقبهم، ولكن السبيل أن تفقههم، وأن تمضي بهم إلى الجنة، لا أن تجعلهم يمضون بك إلى النار. ثم يقول الحق ﵎: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] أي: ابتلاء واختبار، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٥].

стр. 332

المسلم ثابت على المنهج وإن ابتعد الناس عن الطريق إذاً: فهناك أمور تصرفنا عن مهمتنا الكبرى، وهي: تحقيق العبودية لله في أنفسنا، وأن نحقق هذا الدين في حياتنا، وأن يصبح واقعاً نعيشه، فهناك ما يصرفنا عن المهمة الكبرى، والذين يحاولون أن يصرفونا عن المهمة الكبرى لا يريدون لنا الخير، وإن كانوا جهلاء، ولكن نحن ينبغي لنا أن نستعصم، وأن نستمسك ونحمل الناس على الحق، لا أن ننحرف عن الحق لنوافق الناس في أهوائهم، وفي الأثر: وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم، فليكن هذا الأثر على بالك دائماً، فإن هناك مواقف كثيرة جداً ستعرض لك، فستجد الناس يخالفونك والحق في خلافهم، فلا تحتج بالناس، ولا تقل: إن الناس يريدون هذا، والناس يعملون هذا، والموضة في الناس هكذا، إياك أن تفعل ذلك! بل وطن نفسك إن أحسن الناس أن تحسن، وإن أساء الناس ألا تسيء معهم، فإساءة الناس ليست حجة لك عندما تلقى الله ﵎؛ ولذلك تكون حجة الخاطئين الذين يستحقون النار عندما يقف العباد بين يدي الله: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ [الزخرف:٢٢]، أي: هكذا وجدنا آباءنا وأجدادنا، هكذا وجدنا الناس من حولنا، فقد كانوا يسيرون هذا المسار، ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢] أي: على طريقة ومنهج ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، أي: سائرون، فنحن نقتدي ونتأسى بهم، فهم بذلك ألغوا عقولهم التي أعطاهم الله إياها، وأغلقوا منافذ العلم في نفوسهم، وعميت بصائرهم عن معرفة الحق الذي أنزله الله ﵎، فعاشوا كما عاش الآباء والأجداد، وكما تعيش قطعان الماشية يسيرها الراعي حيثما يشاء. فإذا كنت مؤمناً فلابد أن تستخدم عقلك، فأنت خيرة الله في الكون، ففي الإنسان خصائص تميزه عن الحمار والبقرة والجماد والنبات، فهو شيء متميز في الكون، يعرف ويعلم ويرضى ويكره ويرفض، فأنت كيان خاص في هذا الكون، ولذلك أسجد الله الملائكة لأبينا آدم ﵊. فلا تخطئ لأن الناس مخطئون، ولا تزل لأن الناس قد زلوا، ولا تبتعد عن المنهج لأن الناس قد ابتعدوا، ففعل الناس ليس هو الصواب دائماً، وإنما الحق في موافقة الحق، وفي موافقة الله ﵎. ولذلك عندما كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عائشة يطلب وصيتها، أوصته بوصية الرسول ﷺ : (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) فيجب أن تطلب رضوان الله ﵎ وإن سخط الناس عليك، فإن الله يوشك أن يرضيهم عنك ما دمت ترضي ربك ﵎. وخلاصة القول: أن منهج المسلم عبودية دائمة إلى أن يلقى الله ﵎، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. فاثبت على المبدأ، وإن ابتعد الناس عن المنهج والسبيل، وإن أخطأ الناس وزلوا، وإن حاول الأصدقاء والأعداء أن يبعدوك عن المنهج، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 333

الثبات في اللحظات الأخيرة من الحياة سبب لدخول الجنة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله ورسوله. أما بعد: فقد حدثنا الرسول ﷺ فيما صح عنه (عن رجل قتل مائة نفس، ثم تاب إلى الله، وقال له العالم: إن لك توبة، فهاجر إلى أرض كذا، فإن أرضك أرض سوء، فهاجر إلى تلك الأرض التي فيها قوم يعبدون الله؛ ليعبد الله معهم، وأدركه الموت في منتصف الطريق، ولشدة رغبته في التوبة والإنابة إلى الله، بعد أن فعل الجرائم الكبار، وفي لحظات الموت وملك الموت يسل روحه، وآلام الموت يشعر بها في جسده كله؛ كان ينوء بصدره إلى الجهة التي يقصدها، ففي أثناء سكرات الموت استطاع أن يتحرك شبراً إلى الأمام، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فملائكة العذاب تقول: إنه قتل مائة نفس، فهو إلى جهنم، وملائكة الرحمة تقول: إنه قد جاء تائباً، ومهاجراً إلى الله، والتوبة تجب ما قبلها، والهجرة كذلك تجب ما قبلها كما في الحديث، فأرسل الله ملكاً يتحاكمون إليه، فقال لهم: قيسوا ما بين الأرضين، فإذا وجدتموه إلى الأرض السيئة أقرب فهو لملائكة العذاب، وإذا وجدتموه إلى الأرض الطيبة أقرب فهو لملائكة الرحمة، فوجدوه قد اقترب من الأرض الطيبة شبراً، وهو الشبر الذي تحركه وهو ينازع في الاحتضار). ففي بعض الأحيان يكون حرصك على أن تبقى إلى اللحظات الأخيرة ثابتاً على الحق هو الذي يرجح دخولك الجنة، فإن حرص الإنسان على أن يبقى ثابتاً إلى أن يتوفاه الله ﵎ فلابد أن يكون دائماً في عمليتين: عملية الاغتسال من الذنوب والآثام وهي: (التوبة)، وعملية التقدم للأمام لتحصيل مزيد من الأجر والثواب، ولتحقيق مزيد من العبودية لله ﵎، فقد تكون الساعات والأيام الأخيرة هي التي ترجح ميزان أعمالك فتدخل بها الجنة. ولذلك يقول الرسول ﷺ : (اتقوا النار! ولو بشق تمرة) وربنا يحاسب على الذرة، فكم في نصف التمرة من ذرات؟ فالموازين عند الله ﵎ ليست كموازين البشر، فالتمرة عند البشر لا قيمة لها، لكنها في ميزان الله ﵎ لها قيمة كبيرة، فالاستمساك بالحق، والاستعلاء على الباطل، والمسير إلى الأمام إلى أن يلقى الإنسان ربه؛ هو السبيل إلى أن تحقق لنفسك عند الله مكانة ومكاناً في جنة الله ﵎. اللهم! اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم! اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 334

ندوة حول الوسطية في الإسلام وملاءمته للعصر الوسطية وصف أطلقه الله على هذه الأمة، وقد فُسرت بمعنى الخيرية التي اختص الله بها هذه الأمة دون غيرها من الأمم. ولكي نحافظ على وسطيتنا في عصر العولمة والتكنولوجيا، يجب علينا ألا نتخلى عن شيء من مبادئنا، بل علينا أن نستخدم وسائل العصر الحديثة في نشر إسلامنا وتبيين وسطيتنا للعالم بأسره.

стр. 335

شمولية هذا الدين السؤال كثير من المسلمين يقولون: إن الإسلام دين شامل وكامل، ولكن مسألة الشمولية أمر قد يحتاج إلى إلقاء مزيد من الضوء عليها، فما هو مفهومكم لهذه الشمولية؟ الجواب أولاً: أريد أن أنفي مفهوماً خاطئاً قد يظن بالإسلام، فعندما نقول: الواقعية، خاصة عندما نقرن هذا بالأدب الواقعي الذي يهبط بالناس إلى مستوى الحضيض ولا يرتفع بهم إلى الآفاق وإلى القمم، فليس هذا هو المراد بالواقعية، وإنما هي: أن الإسلام يعالج الإنسان من حيث هو إنسان فيه الصفاء والنقاء، وفيه الدخن والزيغ والانحراف، فيعالج نفسه ويسمو بروحه، فإذا ما تعثر فلا يتركه في الوحل، وإنما يأخذ بيده، ويقوده خطوة خطوة، ويفتح له باب الأمل، وهذا هو المراد بالواقعية، وليس المراد بها المصطلح العام الشائع على ألسنة الناس. أما بالنسبة للشمولية التي تقترن دائماً بالكمال في هذا الدين، فالإسلام دين الله ﵎، أنزله ليحكم الحياة في كل الأزمنة وكل الأمكنة، وجعله الله ﵎ كاملاً لا يحتاج إلى شريعة سابقة، فهو لا يحتاج إلى الإنجيل أو التوراة، بل ولا يحتاج إلى شريعة لاحقة. ويتبدى هذا الشمول من أمور كثيرة، منها: أن الإسلام يعنى بالإنسان في كل أطوار حياته، سواء كان طفلاً أو شاباً أو شيخاً. بل إنه يعنى بالإنسان قبل أن يوجد، فيطالب الرجل أن يختار الزوجة الصالحة التي سيكون بطنها وعاءً لابنه، وسيرضع حليبها، ويتربى على يديها. ويعنى بالإنسان بعد أن تخرج روحه، فهناك هدي للإسلام في الموتى: ماذا نفعل بهم، وكيف نتصرف معهم، وكيف نصلي عليهم، وكيف ندفنهم، وكيف نقسم مواريثهم، فكل هذا من شمول الإسلام. من جانب آخر: فالإسلام يعنى بالإنسان من حيث روحه، ومن حيث جسده، لا كما تفعل المادية فهي تعنى بالجسد فقط دون الروح، فيقع الناس في البلاء الذي نشاهده في هذه الأيام، ولا يقف عند العناية بالروح فقط كما تفعل البوذية والنصرانية المغرقة في الرهبانية، إنما الإنسان روح وجسد، والإسلام وضع من التشريعات ما يكفل الصلاح لجسد الإنسان ولروحه. أمر ثالث: وهو أن الأدلة على الشمولية والكمال كثيرة جداً، فهذا الدين الذي أنزله الله ﵎ يحوي جميع القوانين التي تحتاج إليها الأمة، فلو نظرت إلى حقيقة القوانين الوضعية، مثل القانون العام، والقانون الخاص، ثم أقسام القانون العام وأقسام القانون الخاص كما يعرفها رجال القانون؛ فستجد أن الأحكام التي جاء بها الإسلام أحكاماً تغطي كل جوانب التشريع، ولذلك استخلص علماؤنا هذه القوانين في مؤلفات، فلو رفعنا العناوين القديمة ووضعنا عليها الاصطلاحات الجديدة في القانون فسنجد أن الكتاب هو الكتاب، فعندما تنظر مثلاً إلى كتب السير التي تبين القانون الدولي عند المسلمين في السلم وفي الحرب، أو ما يسمى اليوم بالقانون الدولي؛ لأن في القديم كان يسمى بالسير، وقد ألفت فيه عدة مؤلفات، فارفع كلمة (السير) وضع كلمة (القانون الدولي) وستجد أنهما لا يختلفان عن بعضهما. كذلك في الأحوال الشخصية، وفي القانون المدني، وفي القانون الجنائي، فكل هذه القوانين موجودة عندنا وإن كانت هذه المصطلحات والأسماء الجديدة لم يستعملها علماؤنا؛ لأن القضاء في الماضي كان قضاءً كلياً، فالقاضي أو الحاكم هو الذي يفصل في كل المشكلات والمنازعات، وهذا من شمولية الإسلام وكماله.

стр. 336

التوازن والمواءمة بين الحقوق والواجبات السؤال منجزات الأمة الوسط في صدرها الأول كثيرة، وهذه المنجزات لا يمكن أن نقول: قد تمت، إذا كانت هذه الأمة خير أمة، فهل لكم أن تلقوا بعضاً من الضوء على الجدية كمقوم أساسي لقيام الأمة الوسط؟ الجواب قضية التوازن والمواءمة بين الحقوق والواجبات: هي قضية احتار العاملون في الإسلام في كيفية المواءمة بين هذه الحقوق والواجبات، فكثير من المتعبدين إذا ما توجه إلى الله ﵎ يغرق في التعبد حتى ينسى بقية الواجبات المكلف بها شرعاً، وهذه قضية عانت منها البشرية معاناة هائلة جداً، وخاصة النصرانية، ثم بعد ذلك المتصوفة في تاريخنا، فالمتصوفة في تاريخ هذه الأمة عانت من هذه المشكلة، فعندما يجد أحدهم لذة العبادة والمناجاة فإن ذلك يدفعه لأن يقضي ليله ونهاره في التعبد، بل قد يلجأ إلى غار في جبل ينقطع فيه عن الناس، فلا يتزوج، ولا يريد أولاداً، ولا يريد تجارة، ولا يريد أي شيء، وإنما يقتصر فقط على التعبد لله ﵎، وهذه قضية خطيرة. ثم كلما طال الزمن اتسعت الزاوية فيحصل انفراج كبير جداً، ويظن فيما بعد أن هذا هو الدين، فقد وصل الحال بالنصرانية أنه لا يمكن للإنسان أن يبلغ ملكوت الله ﵎ إلا إذا عذب هذا الجسد، وأهمله وتركه وسخاً قذراً، فكان الراهب منهم يفتخر بأنه جلس ثماني سنوات لم ير فيها ضوء الشمس ولم يغتسل! وهذه تعتبر فضيلة عندهم. لكن الإسلام جاء بعملية توازن بين الواجبات التي تؤدى لله ﵎، والواجبات التي تؤدى تجاه النفس، وتجاه الضيف، وتجاه الزوجة والأولاد، وتجاه المجتمع. والرسول ﷺ رفض هذا التوجه من هذه الأمة، فقد أراد بعض الصحابة أن يغرق في التعبد، وأن يقوم الليل ولا ينام، وأن يصوم النهار ولا يفطر، وألا يتزوج النساء، وألا يأكل اللحم، بل يريد أن ينقطع عند عيينة ماء في جبل من الجبال بعيداً عن الحياة، فنهاه الرسول ﷺ ، وكان يقول: (أنا أتقاكم لله، وأخشاكم له، أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء). الإسلام عندنا يقول لك: أمط الأذى عن الطريق، وأحسن إلى الناس، وفي غير الإسلام يقول لك: أنا لا دخل لي في أن أرفع الزجاجة من الطريق، فأنا لم أرمها، ولا أن أعين هذه الأسرة؛ لأن هذا عمل الحكومة، فهذا مفهومهم، ولكننا إذا كنا نظرنا إلى أنفسنا من خلال كتاب ربنا، فإن المسألة مختلفة تماماً.

стр. 337

قضية التكفير بالذنوب وأحب أن ألقي بعض الأضواء الخفيفة على بعض هذه الفرق التي لا تزال آثارها وتفسيراتها وكتبها موجودة ومؤثرة في حياة المسلم، مثل قضية التكفير بالذنوب. فلا توجد فرقة الآن تسمى فرقة الخوارج كما كان في السابق إلا بعض الفرق التي ليس لها اعتبار، فهي محصورة في مكان ما، ولكن هذه الأفكار تثور بين الفينة والفينة، فيوجد بين المسلمين من إذا رأى رجلاً يفعل معصية فإنه يكفره، ومنهج الأمة الوسط الذي قرره القرآن، وقررته السنة، وكان عليه الرسول ﷺ وأصحابه: هو أن الإنسان لا يكفر بالذنوب، فجاء الخوارج فكفروا الصحابة، وكفروا علياً بن أبي طالب، وكفروا كثيراً من الصحابة الذين كانوا مع علي بن أبي طالب، وكفروا الذين كانوا مع معاوية، بسبب أنهم رأوا أن المسلمين يقتتلون أو يفعلون بعض الذنوب، فكفروا القمم من سادة المسلمين. وهذا منهج خطير لا يزال يثور بين الفينة والفينة، وما زلنا نرى رجالاً وأقواماً يقولون بهذه المقالة، مع أن النصوص صريحة صحيحة في هذا، فهناك أمور في ديننا هي كفر، وهناك أمور هي ظلم وفسق، فكل إنسان كافر فهو فاسق وظالم، وليس كل إنسان ظالم وفاسق كافراً، فإنكار وجود الله كفر وظلم وفسق، والكذب أو الزنا أو السرقة هي ظلم وفسق وليست كفراً، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.

стр. 338

مفهوم الوسطية السؤال نرجو توضيح معنى الوسطية في الإسلام؟ الجواب الوسطية في لغة العرب تأتي بمعنيين: الوسط بمعنى الأفضل والأحسن والأكمل، وهذا معناها في اللغة العربية، كما تقول العرب: قريش أوسط العرب نسباً أي: خير العرب نسباً، والرسول ﷺ كان وسطاً في قومه، أي: في نسبه يعني: أن نسبه خير نسب في قومه، فتأتي الوسطية بمعنى: الأفضل، وبمعنى: الأكمل، وتأتي بمعنى: الأحسن، والله ﵎ قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: جعلناكم خير الناس وأفضلهم وأكملهم، والعلماء يقولون: خير ما يفسر القرآن هو القرآن، فيفسر هذا قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فالوسطية هي الخيرية المذكورة في الآية الأخرى في آل عمران. وإلى هذا المعنى جنح المفسر ابن كثير ﵀، وشيخ المفسرين الطبري فإنه يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]: الوسطية عندي هو الجزء الذي بين شيئين، وهذا هو الذي جنح إليه الزمخشري أيضاً؛ لأن الأمة معتدلة في كل أمورها، فهي وسط بين اليهودية والنصرانية في عيسى، فاليهودية تجعل عيسى ابن زنا، والنصرانية تقول: هو ابن الله، ونحن نقول: هو عبد الله ورسوله. وكذلك في كل أمورها، وقال بعض المفسرين: إنه لا تنافي بين الأمرين، وهذا هو الصحيح، فهذه الأمة وسط من الجزء الذي هو بين الشيئين، ووسط الشيء هو أفضل ما يكون، كما جاء في الحديث: (الفردوس وسط الجنة، وأعلى الجنة) فجمع بين قضيتين، والقلم له وسط، وهو مركز الاعتدال، فعندما تمسكه من وسطه لا يميل إلى أي جهة، فليس هناك تطرف في أحد جوانبه، ولا غلو ولا تقصير، وهذه هي الوسطية، فالوسطية بمعنى الأفضل والأكمل، ثم هي من الوسط الذي بين شيئين، فبينهما تلازم، وليس بينهما تعارض.

стр. 339

كيف نعرض إسلامنا وكيف ندعو الكفار إلى الإسلام السؤال هناك ثلاثة أسئلة يبدو أنها تدور حول محور واحد، هناك فئة من المسلمين تقول: إن علينا أن نعرض إسلامنا بشكل يتلاءم مع العصر؛ لأن الإسلام دين واقعي، وفئة أخرى تقول: علينا أن نلتزم بنصوص هذا الدين قرآناً وسنة؛ لأنه بهذا فقط يتحقق ما نريد، وليس علينا أن نتلاءم مع العصر. فما هو التصور الصحيح لهذه المسألة الخطيرة التي ما زال الدعاة يختلفون حولها مما يؤدي إلى تشتت الجهود، وانقضاء العمر دون تحقيق ما نصبو إليه؟ وسؤال مشابه له: كيف نقدم الإسلام للنصارى الأمريكان ونوضح لهم طبيعة الأمة الوسط؟ الجواب كلمة الواقعية ليست مصطلحاً إسلامياً، وهذه الكلمة لا يصح أن نصف بها هذا الدين؛ لأن كثيراً من هذه المصطلحات تحتمل أكثر من معنى، فلا بد أن نحدد المعنى المراد من هذه الكلمة، وإلا وقع أبناء المسلمين في لبس، وهذه مشكلة كثير من المصطلحات التي جاءتنا من الفلسفات والمناهج والمبادئ المختلفة، والتي أطلقها بعض الناس على الإسلام أو على مفاهيم إسلامية؛ فأوجدت شيئاً من الغبش في فهم الإسلام. فإذا أردنا بالواقعية: أن نعيش عصرنا كما هو، وأن نطبق الإسلام بنصوصه ومفاهيمه، مع استخدام وسائل العصر، فلا بأس، كالميكرفون والشاشة والمسرح، والذي يستخدمها الشياطين كذلك في بث عقائدهم. ففي الماضي كنا نركب إلى المؤتمرات وإلى مكان الدعوة الجمال والحمير، واليوم نركب طائرة تسير بنا في يوم واحد ما لا تسيره الإبل في عام كامل. كذلك المسجلات والتلفزيون، فهذه وسائل أنا أستخدمها في بث الحق ونشره. لكن أن أطوع الإسلام للواقع الذي أعيشه هذه قضية أخرى، وهي مرفوضة، فلا أطوع الإسلام لمفاهيم العصر وأخجل من إسلامي، وأخجل من ديني. ولا أطوع هذا الإسلام ليتفق مع الثقافة والحضارة والفكر الغربي، ولا أوائم بين الإسلام وبين هذه الثقافة فآخذ من الإسلام ما يتفق معهم كما هو الحال بالنسبة للمؤتمرات النصرانية الإسلامية التي تريد أن تقرب بين الإسلام وبين النصرانية، وكما هو الحال في الذين يريدون أن يقربوا بين الفلسفة وبين الإسلام، وكذلك رجال القانون الذين عقدوا أكثر من مؤتمر في ديارنا ليوائموا بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، فهذا أسلوب مرفوض، وهذا ليس واقعياً، بل هذا تحريف وتشويه للإسلام. فنحن نعيش عصرنا بأصالتنا، ونعيش عصرنا بإسلامنا، وميزة هذا الإسلام أنه لا يوقف الحياة الإنسانية، بل يسمح للحياة الإنسانية بأن تمضي وأن تشق طريقها، ولكنه يبقي إطاراً يحكم الحياة الإنسانية بكل تصرفاتها، ويحكم عليها بالصواب وبالخطأ، ولكن لا يضعها في قوالب جامدة؛ لأن الأحكام الجزئية الدقيقة تأتي بأمور لا تتغير عبر الزمان ولا المكان، فالطعام والشراب واللباس منه الحلال ومنه الحرام، وهذا لا يتغير باختلاف العصور. لكن الأحكام الشرعية في قضايا المعاملات جاءت بثوب فضفاض، ففيها قواعد ومبادئ وضوابط يستطيع المسلمون في ظل هذه المبادئ والضوابط أن يقلبوا أمورهم، وأن يسوغوا حياتهم بما يتناسب مع عصرهم، بحيث لا يخرجون عن الإسلام، فالقضية في ظني ليست هي هذه أو تلك، إما أن ننسلخ عن عصرنا بحلوه ومره، وإما أن نغرق فيه بحلوه ومره، فالقضية ليست كذلك، بل علينا أن نأخذ من عصرنا وسائله المباحة في نشر الإسلام، لكننا في مجال الحياة نطبق هذا الدين ولا نرضى به بديلاً. أما بالنسبة لمناقشة النصارى ونشر الإسلام بالحقائق العلمية، فقد كنا في الطائرة مع شاب باكستاني يعرض هذه القضية، وكان عرضه لهذه المشكلة أن يقنع الناس في بلاد الغرب بأن الخنزير ضار، فكان جوابي: أنك لو أقنعتهم بأنه ضار فقد لا يسلمون، ألا تراهم يقتنعون بأن الخمر ضار ثم لا يسلمون؟ فهل سيسلمون إذا اقتنعوا بأن الخنزير كله ضرر؟! فلو بعث محمد ﷺ في هذا العصر، ولو جاء أبو بكر وعمر، ولو جاء دعاة الإسلام الأوائل، وقابلوا أناساً من هؤلاء فماذا سيفعلون بهم، وماذا سيقولون لهم؟ لاشك أنهم سيدعونهم أولاً إلى التوحيد، وإلى الإيمان، فإذا صلح القلب صلحت الجوارح، وإذا صلح العباد أصلح الله البلاد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].

стр. 340

أضواء العمل الإسلامي لقد حمل الله تعالى الإنسان أمانته التي هي دينه وهديه وشريعته فكان في ذلك ظلوماً جهولاً، وإنما أراد الله تعالى من حملة أمانته أن يصلوا بها إلى الناس أجمعين، وأن يسود دينه في العالمين، وأن يعودوا بالبشرية إلى تاريخها الصحيح، ولن يتم هذا إلا بأخوة إسلامية ووحدة بين العاملين وعنايتهم بأنفسهم تزكية وتطهيراً وتربية، وتجديداً منهم لإيمانهم بين الفينة والفينة بأنواع الأعمال الصالحة.

стр. 341

حمل الإنسان أمانة الله وظلمه فيها وجهله بثقلها إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن هذا الكون الذي نعيش فيه بأرضه وسمائه معبد يتجاوب بالتسبيح والخضوع لله ، وليس هناك شيء في هذا الكون إلا وهو خاضع لعظمة الله وجبروته، ثم هو ينطق بالتسبيح والتحميد لخالقه . وقد خلق الله هذا الكون وسخره لأمر، فلا يتمرد على طاعة ربه بحال من الأحوال، بل يقوم بهذا الأمر بلا عناء ولا جهد، كالآلة التي تعمل بدون تفكير وبدون وعي وبدون عقل، بل بطبيعتها. وخلق في هذا الكون مخلوقاً فريداً هو هذا الإنسان، فقد خلقه الله بصفات فذة ليس لها شبيه أو مثيل، وليس لها نظير في المخلوقات التي خلقها الله ، خلقه ليتحمل شيئاً لا تحمله الأرض أو السماء، ولا تحمله الجبال، وليقوم بهمة فذة تتناسب مع خلقته وصفاته، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]. فالحمل الذي تحملناه -معشر البشر- عرضه الله على السماء الواسعة الشاسعة القوية المتينة، وعلى هذه الأرض التي ندب عليها، وعلى تلك الجبال الراسيات، فأشفقت كلها من حمل هذه الأمانة وقالت: ربنا! لا نستطيع أن نتحملها، وخفن من النتيجة، وتحملناها نحن بني آدم! ثم عقب الله على هذا التحمل الإنساني الآدمي بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]؛ لأنه لا يعلم عظم الأمانة التي تحملها، ولا يعلم ثقلها، ولذلك يفرط فيها ويهملها كثيراً.

стр. 342

تاريخ البشرية الصحيح فنحن في الحقيقة على ميراث من أبينا آدم تتابع عليه الرسل والأنبياء في هذا الوجود، وهذا الميراث في حقيقته يمثل تاريخ البشرية، والذين يؤرخون البشرية بعيداً عن هذا الميراث إنما يأخذون من البشرية الجانب التافه الذي لا قيمة له، فيجعلون تاريخ البشرية تاريخ العمران والصناعة والزراعة، ويبحثون عن تاريخ الإنسان في كهوف أثرية، وفي مصنع قام في التاريخ السحيق، وفي رسم على جدار أو تمثال وجد في الحفريات، فهؤلاء لم يفهموا تاريخ البشرية أبداً. إن القرآن الكريم يصور تاريخ البشرية تصويراً حقيقياً يتمثل في الاستجابة لما أنزل الله من كتب، ولما أرسل الله من رسل، ويتمثل في الانحراف والبعد عن هذا المنهج، ويتمثل في أولئك الأفذاذ من الرسل وأتباع الرسل الذين حملوا الأمانة وأوفوا بالعهود لربهم ، والذين تمردوا على الله وعلى كتبه ورسله. هذا هو تاريخ البشرية، يعرضه الله من خلال رسله، وما قالوا لأقوامهم، وما قال لهم أقوامهم، وما حدث من صراع بين الرسل وأتباع الرسل وبين المعارضين لهم، وكيف جرى قدر الله لتكون العاقبة للمتقين، والنصر لحزب الله في الدنيا، ثم في الآخرة يعرض الله مصير المؤمنين ومصير الكافرين، مصير الذين حملوا الأمانة، والذين تخلوا عن حمل الأمانة.

стр. 343

مهمة المسلم حامل أمانة الله تعالى ونحن اليوم قد عرفنا هذا القبس الإلهي والنور الرباني الذي وصل إلينا، فقد وصلت إلينا أمانة الله عبر الأجيال، وحفظها الله فلم يطرأ عليها تغيير ولم يطرأ عليها تبديل، وصلت إلينا كما أنزلها الله على رسوله محمد ﷺ . وتحملناها وليس هناك خيار في أن يتحملها المسلم أو يرفضها، فليس لنا خيار في ذلك، بل إن رفضناها خسرنا كل شيء، وإن قبلناها ربحنا كل شيء، ولكن هذه الأمانة لا يكفي أن نحققها في قرارة أنفسنا، وأن نحققها بسلوكنا وعملنا، بل ينبغي أن نقررها في واقع الحياة. فالله لا يرضى أن يسود في عالم عباده دين يهيمن على الحياة في مختلف نواحيها إلا دينه الذي رضيه هو ، أليست الأرض أرضه، والسماء سماؤه، والعباد عباده، وهو أعلم بما يصلحهم وما يفسدهم؟! فلماذا لا يحكم دينه؟ ولماذا لا يهيمن في واقع الحياة؟ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]. إذاً: مهمة الذين آمنوا بدعوة الحق وتحملوا أمانة الله أن يقرروا الحق في واقع البشرية، وأن يصلوا به إلى الناس جميعاً؛ حتى يهيمن على الحياة وعلى الأحياء، وهذا لا يتأتى بأفراد يرفع كل منهم الراية وحده، ويسير في الطريق وحده، بل يحتاج هذا إلى تكاتف وتعاون، ولا يمكن لبناء الإسلام أن يقوم بأفراد متناثرين متباعدين كل منهم يسعى في سبيل ويضرب في طريق، بل إن هذا لا يتم به عمل دنيوي، فلو أردنا أن نبني عمارة وليس هناك مهندس ولا مخطط ولا مشرف، وجاء مائة شخص ليبنوا العمارة، وكان كل واحد منهم يتصرف كما يشاء، ويتصرف كما يريد، فكيف سيكون شكل هذه العمارة؟ وكيف سيكون بناؤها؟ إنني أجزم بأنها لن تصلح لشيء؛ لأن كل إنسان سيتصرف كما يشاء وكما يحلو له، فلن يستقيم أمرها. وبناء الإسلام كذلك يحتاج أن يجتمع عليه المؤمنون، وأن يعيش الذين آمنوا بهذه الدعوة وحدة فيما بينهم، فبعد ذلك يصبح لهم في واقع الحياة وزن، ويصبح لهم في واقع الحياة ثقل، ويستطيعون أن يؤثروا بما لهم من مكانة وبما لهم من قوة وما يبذلونه من جهد في واقع البشر، وهذا مأخوذ بجلاء من سيرة الأنبياء والمرسلين لا سيما محمداً ﷺ . فالنبي ﷺ فرد آمن به رجال، فكون جمعاً استطاع أن يؤثر به في الحياة، ولو بقي فرداً فكيف سيتحقق الإسلام واقعاً؟! ولذلك قال الله تعالى له: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣]. وموسى ﵇ عندما كلفه الله بحمل الرسالة وحمل الأمانة قال: ﴿رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص:٣٣ - ٣٤]، فهو يطلب على الحق أنصاراً وأعواناً، يطلب من الله أن يؤيده بأخيه ليعينه ويناصره في واقع الأمر، ولذلك فالله يقول لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨]، فهذه فئتك، ومقامك في وسط هذه الطائفة الطيبة الخيرة، فاصبر نفسك مع هؤلاء.

стр. 344

بيان العلاج القرآني لفتنة الحياة الدنيا والإنسان في دنياه دائماً يتطلع إلى أمور كثيرة، إذ الحياة بزخرفها وزينتها في بعض الأحيان تأسر قلب الإنسان؛ فتصرفه عن الحق، وذاك شيء مغروس في أعماق النفس الإنسانية، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٤ - ١٥]. فهذه الأمور حبيبة إلى نفس الإنسان مزينة له، ولا يمكن للإنسان أن يستعلي عليها إلا إذا فهم قيمة الحياة ووزنها في ميزان الله، وقارنها بما عند الله ، فعند ذلك يستعلي عليها، يقول تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص:٦٠ - ٦١]. فالله تعالى يقول: إن كل شيء أوتيتموه إنما هو متاع يُتمتع به ثم يزول، وهو زينة، والزينة لا تدوم، أما الباقي الدائم مما عند الله فهو خير مما في الدنيا في النوعية والكيفية، وهو أبقى، فمتاع الدنيا زائل، والآخرة باقية لا تنتهي مسراتها ولا أفراحها، ولا يزول شبابها ولا تنتهي أيامها، أكلها دائم وظلها، تلك الحياة الآخرة، فأين عقولكم؟ قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص:٦١]. ونفس الإنسان تتطلع إلى الدنيا، وذلك مرض قاتل يصيب الناس في الصميم، ومنهم الذين يحملون دعوة الله فيتعثرون فيسقطون فيخسرون أنفسهم وتخسرهم دعوتهم. وليس هذا دعوة إلى الرهبانية والتصوف، وإنما هي دعوة إلى أن نقدم الآخرة على الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]، فهي دعوة إلى ما دعا الله إليه نبيه محمداً ﷺ ، حيث قال تعالى له: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣١ - ١٣٢]. فليقاتل المسلمون اليوم هذه الدنيا، خاصة في الخليج والبلاد التي فتحت عليها الدنيا، فكثير من الناس قتلوا وهم أحياء، وماتوا وهم في عالم الأحياء، قتلتهم هذه الدنيا، وقتلتهم الشهوات، فضاعوا وضيعوا، وصدق فيهم قول الله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى:١٦]. وما قام الصحابة والمسلمون بما قاموا به إلا عندما استعلوا على دنياهم وآثروا أخراهم، عند ذلك اختلت الموازين عند أعدائهم، فقد كانوا لا يعرفون كيف يقومون هؤلاء الذين يقاتلونهم، فإن وزنوهم بموازين الدنيا فلا تنطبق عليهم؛ إذ أن عشرة آلاف يغلبون خمسين ألفاً، وهذا الأمر في موازين الدنيا أمر بعيد، ولكن قلبت الموازين؛ لأن هؤلاء العشرة الآلاف حريصون على الموت حقيقة، ويتمنونه حقيقة، ويرون سعادتهم في أن يأتي الواحد سهم أو ضربة سيف تأخذ روحه ليصبح من الأحياء الذين هم عند ربهم يرزقون، فاختلت الموازين عند أعدائهم لأنهم يقيسون بمقاييس الدنيا. ونحن اليوم نحمل أمانة الله، ونريد أن نحققها في واقع الحياة، وهذا يقتضي منا أن نفهم هذه الأمانة والرسالة، ثم نعرف العوائق التي تقف حجر عثرة في طريقنا، وقد ذكرت واحدة منها، ألا وهي هذه الدنيا بزينتها وشهواتها، والتي كثيراً ما غرق فيها الصالحون ورجال عملوا للإسلام كثيراً، تأخذهم الدنيا فتسأل عنهم فإذا بهم لم يبق بينهم وبين الإسلام ألا شعرة واحدة، وقد تنقطع هذه الشعرة. فالواحد منهم غرق في دنياه بعد أن كان مثال الحيوية والنشاط والشباب والقوة والعزيمة، ثم ملأت عليه دنياه نفسه فإذا به يغرق.

стр. 345

الأخوة الإسلامية ودورها في أداء أمانة الله تعالى إخواني! إن هذه الأمانة لتحقيقها في واقع الحياة تحتاج -كما أشرت- إلى جهود متكاتفة من المسلمين الذين فهموا ثقل الأمانة، فهي أمانة كبيرة ثقيلة تحتاج إلى جهود، والذي يجمع هذه الجهود هي الأخوة في الله، فإن المسلمين اليوم قصروا في حقوق الإخوة، فالإخوة في الله واجبة لكل من انتسب إلى هذا الدين وكان صادقاً في انتسابه على تفاوت فيما بين المسلمين، والإسلام يقرر هذه المسألة حقيقة بدهية، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وذلك أن الروابط بين المسلمين روابط قوية، فالله ربهم، ومحمد ﷺ رسولهم، والقرآن كتابهم، وآدم أبوهم، وحواء أمهم، وتجمعهم قبلةٌ واحدة، ويصومون في شهر واحد، ويؤدون أعمالاً مشتركة في أموالهم، وفي أقوالهم، في وحدة ليس لها نظير أبداً. ولذا كانت النتيجة المنطقية أن يكونوا إخوة فيما بينهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. وقد شبه الرسول ﷺ هذه الأخوة تشبيهات رائعة، حيث جعلها كالجسد الواحد، وإذا نظرت إلى خلايا الجسد فستجدها مترابطة مع بعضها، فخلايا الجسد متماسكة فيما بينها من قمة رأس الإنسان إلى أخمص قدميه، وأجزاء الجسد مترابطة فيما بينها، فاليد بعيدة عن الرجل ولكنها تشعر بشعورها. فالرسول ﷺ يقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وشبههم النبي ﷺ ببنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً، ويصفهم ربهم في كتابه بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. فالمسلمون تجمعهم أخوة، والأخوة لها حقوق فيما بين المسلمين، أما أن ينتسب المسلمون إلى الإسلام ثم يأكل بعضهم بعضاً، ويطعن بعضهم في بعض، ويجرح بعضهم بعضاً، ويغتاب بعضهم بعضاً ويقولون: نحن الذين نرفع راية الإسلام فهذا الانتساب دعوى لا برهان عليها. واليوم نحتاج إلى أن يعيد المسلمون النظر فيما هم عليه، فالمسلم ليس بمغتاب ولا نمام ولا مفسد ولا قاطع لما أمر الله به أن يوصل، وإنما هو ناصح كما قال ﷺ : (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وهكذا المسلمون فيما بينهم، ينصح بعضهم بعضاً، ويحققون أمر الله في أنفسهم وفي إخوانهم، فصحيح أننا نحارب الباطل، وهذا أمر مطلوب، لكن بالتي هي أقوم وأحسن، فلا أكتم الحق، وفي نفس الوقت أحافظ على كرامة أخي المسلم، وأحافظ على عرضه، وأحفظه في غيبته، وقد أختلف معه في أمر ما، وقد أختلف معه في حكم ما، ولكن تبقى له حرمته، فحرمة المسلم عظيمة، والكثير منا يستهين بحرمة أخيه المسلم. وأنا أقول -ولعلي لا أجاوز الحقيقة-: إن الأخوة تذبح بين المسلمين في هذه الأيام ذبحاً وتهدر، وقد يلاقي المسلم اليوم من إخوانه عنتاً أكثر مما يلاقيه الكفار من المسلمين، وقد لا يتصدى المسلم للكفار بمقدار ما يتصدى للمسلمين، وهذا من سوء التصرف، والعياذ بالله. فينبغي للمسلمين أن يراجعوا أنفسهم في هذا الأمر، وأن يحسنوا التعامل فيما بينهم، وقد يخطئ المسلم وقد يؤذي، وهذه أمور تعالج فيما بين الاثنين، لكن أن يصل الحال بين المسلمين إلى قطيعة وهجران، وأن يصل بين المسلمين إلى عداوة وبغضاء فذلك ما لا يجوز. فلكي يستطيع المسلمون حمل الأمانة لابد من أن يحيوا معاني الأخوة فيما بينهم، وأن يحيوا حقوق الأخوة فيما بينهم، وأن يتجنبوا ما يقطع جذور الأخوة ويهدمها، وينبغي أن يحيوا معاني الإخاء الكريم الذي عاشه المسلمون في الماضي، ينبغي أن يحيوه من جديد، وأن يطهروا أنفسهم من الخيلاء والغرور والكبرياء، فهذه أمراض قاتلة تهدم الإسلام في نفوسهم وتقطع ما بين المسلمين من صلات، وتهدم بناء الأخوة، وتجلب العداوة والبغضاء. وهناك حقوق للأخوة بينها الإسلام، ومنها: أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأن تكره لأخيك ما تكرهه لنفسك، وأن تكون حريصاً على أخيك وعلى ماله وأهله كما تكون حريصاً على ذلك بالنسبة لك. ومنها أن تسلم عليه، وتزوره، وتشاركه أفراحه وأحزانه، وتعينه، وتتجنب ما يقطع الأخوة معه من الحسد والتكبر عليه وغيبته، وما أشبه ذلك مما بينه الإسلام.

стр. 346

صفات المستحقين لنصر الله وإذا قيل لنا اليوم: من الذي سيقيم الدولة الإسلامية؟ فسنجيب: بأنه الخليفة المسلم. فمن الذي سيأتي بالخليفة المسلم إلى الدولة الإسلامية؟! إن هذا يحتاج إلى رجال أطهار أخيار أبرار، ويحضرني في هذا المقام أنه روي أن رجلاً قال لـ علي بن أبي طالب: يا علي! إن الدنيا خربت في خلافتك، فأين أيام أبي بكر وأيام عمر؟! فقال له علي بن أبي طالب: إن أبا بكر وعمر كانا أميرين على أمثالي، وأنا اليوم أمير على أمثالك. يعني: قلة الرجال. فينبغي أن نحسن الحديث في ندواتنا ومحاضراتنا، وينبغي أولاً أن نسعى إلى تحقيق الإيمان في أنفسنا، وأن نسعى لتطهير مجتمعاتنا، وأن نعيد معاني الإسلام حية في النفوس، وأن تحيا النفوس بروح الله وبنوره وبوحيه، وأن تتمثل المعاني التي أنزلها الله في كتابه، وأن تحارب الباطل وتجتثه من جذوره؛ فإن الباطل اليوم يملأ نفوسنا وبيوتنا وشوارعنا، ويعشعش في أفكار شبابنا وفتياتنا، فهناك دعوات تسود وأفكار تطرح يتغذى بها فريق من أبنائنا، فالباطل كثير وكثير، فافتح الراديو لتسمعه، وافتح التلفزيون لتسمعه، وافتح الصحيفة لتسمع الباطل، واذهب إلى النوادي وشواطئ البحر، واذهب إلى أي مكان لتسمع وترى الباطل. وهذه أقذار ونجاسات نحتاج إلى أن نزكي وأن نطهر أنفسنا منها ومن هذا الباطل وهذا الفساد حتى نستطيع أن نقيم جماعة يرضى عنها الله ، ويبارك في أقوالها وفي أعمالها. فنصر الله تعالى إنما يتنزل على الأخيار، وثقوا -معاشر المسلمين- من أننا -والله- لا نستطيع أن نكون شيئاً في الحياة ما لم يكن بيننا وبين الله صلة، وما لم يكن بيننا وبين الله عمار، فقد قضي بالحكم على هذه الأمة أنه لا يكون لها شأن ولا مجد ولا عز إلا بهذا الدين. وقد نودي من قبل بالاشتراكية وبالقومية ولم تحصل فائدة، وأتى أولئك بمذاهب الدنيا إلى بلاد المسلمين فلم يزدد المسلمون إلا فرقة، ففي كل فترة تزداد الدول، وفي كل يوم تزداد المشاكل، وفي كل يوم يقتص الأعداء جزءاً من أرضنا، وتقوم إسرائيل في وسطنا، ويطحن النصارى من جانب آخر المسلمين في بعض البلاد، والبوذيون كذلك، ولا يكاد يعرف المسلمون من أين تأتي الضربات، ففي كل ساعة نسمع حدثاً تدمع له العين ويحزن له القلب، فبالله عليكم! كيف سيتنزل نصر الله على أمة لم تطهر نفسها، ولم تزك نفسها، ولم تجاهد لإقرار الحق في ديار الإسلام؟! فلو كنا نحن أهل بدر فهل سيتنزل علينا نصر الله، وهل ستتنزل علينا ملائكة الله، وما الذي يعيق ملائكة الله عن أن تنزل على المحاربين المقاتلين عندما خاضوا حرباً في عام ثمانية وأربعين، وفي عام ستة وخمسين، وفي عام سبعة وستين، وفي عام ثلاثة وسبعين؟! إنهم ليسوا أهلاً لأن تتنزل عليهم الملائكة، فيكفينا أنه في ليلة المعركة في سنة سبع وستين كان ضباط الجيش يسكرون ويعربدون، فضُربت الطائرات وهي جاثمة على الأرض، والضباط سكارى! فهل هؤلاء يستحقون نصراً؟! وفي وقتها أرسل إلى الجنود ثمانون ألف صورة للمغنيين والممثلين عليها توقيعاتهم ليتباركوا بها! وأما اليهود فكان الواحد منهم يدخل سيناء والتوراة على ركبتيه، بل عندما دخل جنود اليهود سيناء كانوا يقبلون تراب سيناء! فهل نصر الله رخيص إلى هذه الدرجة؟! وهل الملائكة تقاتل مع أناس لا يعرفون الله، وإنما يعرفون شادية وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش؟! وهل هؤلاء يستحقون أن تتنزل الملائكة عليهم ويتنزل نصر الله عليهم؟! ولقد زارنا في الكويت الشيخ محمد يونس من أفغانستان من المجاهدين فقال: همنا الأول أن نحارب الفساد في أنفسنا، وأن نحسن صلتنا بالله ؛ لأننا نرجو من الله ما لا نرجوه بأسلحتنا، وما لا نرجوه بأسلحة أمريكا وفرنسا. وقد حصلت مقابلة في التلفزيون الفرنسي مع مراسل صحفي زار أفغانستان وشهد معركة، فقالوا له: ماذا رأيت؟ فقال: رأيت شيئاً لن تصدقونني فيه، لقد رأيت الطائرات الروسية تضرب معاقل الفدائيين، فكنت أرى طيوراً تأخذ هذه القنابل فتبعدها فتنفجر بعيداً عن مرابط الفدائيين أو المقاتلين المسلمين المجاهدين. ولم يصدقه الفرنسيون؛ لأنهم لا يفهمون مثل هذه الأمور ولا يصدقونها. ونحن نعلم أن المسلمين إذا جاهدوا في سبيل الله فسينصرهم الله ويؤيدهم، فلله جنود السماوات والأرض، وبيده الأمر كله .

стр. 347

دعوة إلى تطهير النفوس وتزكيتها وتجديد الإيمان فعلينا -معشر المسلمين- إحسان الصلة بالله ، وتطهير النفس ومباركتها بالإسلام، وهذه هي أخطر قضية، ويدل على ذلك سبعة أقسام يقسم الله بها على حقيقة واحدة في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١ - ١٠]، فقد أفلح من زكى نفسه بالإيمان والعمل الصالح. وقد قال الرسول ﷺ لأصحابه: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقي ذلك من درنه شيئاً؟ فقالوا: لا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا). فالذنوب والمعاصي تؤثر في الأرواح فتفسدها، وإذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقل القلب، وإن لم يتب وأذنب ثانية وثالثة ورابعة عند ذلك يكون حاله كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]. فالقلوب تحتاج إلى تزكية، والرسول ﷺ سمى الذنوب والمعاصي قاذورات، وأعظم القاذورات الشرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:١١٦]؛ لأن النجاسة الشركية لا تزول، ولو جلس صاحبها في النار مليون سنة لبقيت النجاسة تلازمه. فالقلوب تحتاج إلى عملية تطهير بالإيمان والعمل الصالح، فالإيمان يغسل هذه الذنوب، وهذه الأوساخ، فعندما جاء عمرو بن العاص مهاجراً هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة قال لهم الرسول ﷺ : (بايعوا) فبايع خالد وعثمان، وقبض عمرو يده، فقال: (ما لك يا عمرو! فقال: أشترط أن يغفر لي، فقال له: يا عمرو! بايع؛ فإن الإسلام يجب ما قبله -أي: يزيل ما قبله من الآثام ويغسلها- وإن الهجرة تجب ما قبلها). فعندما يهاجر المسلم مفارقاً أهله ودياره ووطنه لله وفي الله تغسل ذنوبه، (فإن التوبة تجب ما قبلها)، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وفي الحديث: (الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). فالنفوس تحتاج إلى تطهير دائم، ولا بد من تجديد الإيمان في النفوس؛ لأن الإيمان يخلق كما يخلق الثوب فيحتاج إلى تجديد، وقد كان الصحابة يقول بعضهم لبعض: تعال نؤمن ساعة. فيجلسون يذكرون نعمة الإسلام، ويقرءون آيات القرآن، ويتفكرون في آلاء الله ليتجدد إيمانهم. إخواني! لابد من أن نحسن صلتنا بربنا ، فنحن بحاجة إلى أن نجدد هذا الإيمان مرة بعد مرة حتى لا تقسو قلوبنا فيذهب الخير عنا، فقد ذم الله بني إسرائيل بهذا، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، فقد تقسوا القلوب أحياناً ولا تتأثر بكلام الله جل في علاه، وعندئذٍ نحتاج إلى أن نجدد إيماننا. والذي يحدد الإيمان: الأعمال الصالحة، فالصلاة تجدد إيماننا، والصيام يجدد إيماننا، وذكرنا لربنا وتفكرنا في آلائه ونعمه كل هذا يبني أرواحنا من داخلها، فنحس أن للحياة طعماً، وأن للإيمان أهمية، ونحس بأهمية الرسالة التي نتحملها، وبالتالي لا نكون عبئاً على دعوتنا، ولا تكون دعوتنا عبئاً علينا. وتصبح معاني الإيمان والإسلام لها طعم خاص في نفوسنا، وندرك كلام الرسول ﷺ : في حلاوة الإيمان، فللإيمان حلاوته في نفوس المؤمنين، حلاوة يشعر بها الذين عانوا في سبيل الإسلام، والذين جاهدوا في سبيل الإسلام، والذين حققوا ما أمر الله به. فالرسول ﷺ يذكر ثلاث علامات يجد الإنسان بها (حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ نجاه الله منه كما يكره أن يلقى في النار). فإذا نحن حققنا الإيمان في أنفسنا، وحققنا الأخوة فيما بيننا، وتحملنا الأمانة نريد بها وجه الله ولنجاهد بها الباطل، فعند ذلك سنجد طريقنا ونحن نمضي في مسيرتنا، وعند ذلك سينصرنا الله ، وعند ذلك سترتفع راية الإسلام من جديد، وعند ذلك سيعلم الناس أن هناك ديناً غير الشيوعية، وغير الرأسمالية، وسيتحقق للناس الأمن والرخاء، والسعادة والهناء. وها قد بدأت الحضارة الأوروبية اليوم في الانهيار، فأمراضها تفتك بها، وما يحدث في بريطانيا في أيامنا هذه دليل كالشمس في رابعة النهار واضح للعيان، فهم يدمرون بيوتهم، ويهلكون أنفسهم، ويخربون متاجرهم، ويحرقون العمارات التي بنوها بأيديهم. وهذه بداية الانهيار، وهذه علامة واحدة من علامات كثيرة، وأنا لا أقول هذا من عندي، بل فلاسفتهم وكتابهم ومفكروهم يقولون هذا، فهم يتوقعون سقوط الحضارة الأوروبية، فستنهار الحضارة الرأسمالية، وقد يكون في انهيارها دمار لكثير من الأقطار؛ لأنها قامت على دعامات فاسدة، فتجاهلت روح الإنسان وحقيقته، وأرضت الجسد، اعتنت بالجسم وأهملت الروح؛ ولذلك فلا يمكن لها أن تثبت. فهي لم تعرف من الدنيا إلا عالم المادة ونسيت عالم الروح، فلا يمكن أن تقوم، لأن الإنسان روح وجسد. فإذا فهمنا، ديننا وجددنا الإيمان في نفوسنا، وأحسنا صلتنا بربنا ، وحققنا الأخوة فيما بيننا، وكونا عالم الإسلام في ديارنا، فسيتحقق لنا النصر بإذن الله تعالى. فقد أنزل الله الإسلام لينتصر، وإن لم ينتصر بأيدينا فسيقيظ الله له أقواماً ينصرونه ويرفعون لواءه، ولكن الخاسر هو من ترك هذا الدين. أسأل الله أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضى، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وتولنا برعايتك، وتقبل صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، وتجاوز عن زلاتنا وخطايانا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 348

الإسلام واحة آمنة الإسلام واحة آمنة، وقوة كامنة، وشريعة كاملة، وهكذا كان، وسيكون كذلك، ولكن بتطبيق وتحكيم شرع الله، وبصلاح الراعي والرعية. إن الإسلام جاء ليبني لا ليهدم، ففيه الاقتصاد والسياسة، والأحكام والهداية، فلا نحتاج إلى شرق أو غرب بأن يصيروا أوصياء علينا، ولا أن نمشي تحت مظلتهم، فمن رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً ومنهجاً، وبمحمد نبياً وقدوةً، فليرض بهم، وليرفض التوجه بتوجيهات غير توجيهاتهم، وليعلم أن الإسلام منهج حياة وسبيل نجاة.

стр. 349

الوعد النبوي بتحول الجزيرة إلى واحة آمنة يتحقق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: يذكر الصحابي الجليل عدي بن حاتم ﵁: أنه كان جالساً يوماً في حضرة الرسول ﷺ ، فجاءه رجال يشكون ما يجدون من بلاء عندما يسافرون ويرحلون، حيث يعتدي عليهم الناس فيأخذون أموالهم، وقد يجلدون ظهورهم ويسفكون دماءهم، فقد كانت الجزيرة العربية قبل الهجرة النبوية أشبه بغابة، يتسلط القوي فيها على الضعيف، والأقوياء يسلبون أموال الناس، حيث كانت بعض القبائل تغير على بعض وتقطع الطريق. فقال الرسول ﷺ لـ عدي بن حاتم: (يا عدي! أتعرف الحيرة -بلد في العراق-؟ قال: لم آتها وقد حدثت عنها، قال: لئن طالت بك حياة لترين الظعينة -المرأة التي تركب جملها- تسير من الحيرة إلى مكة لا تخشى إلا الله والذئب على غنمها) ومعنى ذلك أن هذه الجزيرة التي هي أشبه بغابة في ذلك الوقت ستتحول إلى واحة آمنة، فلا يأمن الجيش أو الجماعة أو الرجل القوي المسلح فحسب، بل تأمن المرأة الضعيفة التي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها، فتسير هذه المسافات الشاسعة لا تخشى أن يعتدي عليها معتد، ولا تخشى أن يقطع الطريق قاطع، وإنما تخشى الله ﵎، وكذلك تخشى الحيوان المفترس، لأن الحيوانات المفترسة لا يحدها أو يمنعها مانع عن العدوان. قال عدي: فقلت في نفسي: فأين دعار طيء؟ أي: لصوص طيء، وكيف ستسير هذه الظعينة هذه المسافات الشاسعة ولا يعترضها اللصوص! فهو ﵁ يتحدث عن قبيلته؛ لأن فيها لصوصاً. ولا يمنع هذا أن يكون في القبائل الأخرى لصوص أيضاً، قال: (ولئن طالت بك حياة لتفَتحن -أو لتفُتحن- كنوز كسرى وقيصر، قلت: يا رسول الله! كسرى بن هرمز؟ قال: نعم، كسرى بن هرمز، قال: ولئن طالت بك حياة ليخرجن أحدكم زكاة ماله فلا يجد من يتصدق عليه، وليبعثن أحدكم يوم القيامة ليس بينه وبين الله ترجمان، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا). يقول عدي بن حاتم عندما كان يحدث بهذا الحديث: فهأنذا أرى الظعينة تنتقل من العراق إلى مكة، وتسير في أرجاء الدولة الإسلامية، فلا تخشى إلا الله والذئب على غنمها، وكنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، أي: أنه كان أحد الجنود الذين فتحوا بلاد كسرى وقيصر، وأخذوا تلك الكنوز الهائلة التي كانت في خزائنهم. قال عدي: ولئن طالت بكم حياة لترون الثالثة، أي: إذا طال بكم العمر سترون أن الثالثة ستقع، وقد وقعت الثالثة في عهد عمر بن عبد العزيز ﵁، فقد كان الرجل يخرج زكاة ماله فلا يجد أحداً فقيراً يقبضها. قال المؤرخون: لقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس فلم يوجد فقير، وتسير في طول المدينة وعرضها تبحث عن فقير فلا تجد.

стр. 350

طرق الإسلام في إصلاح الحياة إن الإسلام جاء كي يرضى الله ﵎ عنا، ويبين لنا طريقاً ندخل به الجنة، وليس ذلك فحسب، بل الإسلام أيضاً يصلح الحياة الدنيا، فيجعلها واحة آمنة لا غابة وحوش، فالقوي يريد أن يستبد، والحاكم كذلك، والناس يثور بعضهم على بعض. فسلك الإسلام في ذلك طريقين: الطريق الأول: تربية النفوس وإصلاحها، وتعريفها بربها وخالقها ﵎، ووصلها بالله ، وإشعارها بأن الله يراقبها وينظر إليها ويطلع عليها، وعند ذلك يصبح في النفوس وازعٌ، فيراقب الإنسان نفسه، ويحد من جهله ومن ظلمه، فالإنسان خلق جهولاً ظلوماً، فهو كثير الجهل كثير الظلم، والإسلام يحد من هذا الجهل من هذا الظلم. إن هذه الأنوار الربانية التي جاء بها القرآن والسنة النبوية؛ لتملأ النفوس نوراً وصلاحاً وحياة، وعند ذلك لا يعتدي الإنسان على غيره ولا يظلم، وإن ظلم فإن نفسه تلومه، وكثيراً من الأحيان يتوب وينيب، ويرجع بنفسه الحق إلى صاحبه. الطريق الثاني: أن الإسلام جاء بشريعة وقانون يحكم بين العباد، وهذا القانون قانون عادل؛ لأنه من عند العليم الخبير الحكيم ، الذي ألزم الأمة بأن تقيم رجالاً يقومون على هذا القانون، من حكام وقضاة يحكمون به، فإذا لم تفلح التربية النفسية في إصلاح النفوس، وبقي ظلم العباد بعضهم لبعض؛ فإن سلطان الله ﵎ الذي يتمثل في شريعته والقضاة الذين يحكمون به، يعيدون الحق إلى نصابه، فتصلح حياة البشر، وعند ذلك فإن المظلوم ليس بحاجة إلى أن يثور؛ لأن هناك من يأخذ له بحقه، وكذلك الفقراء ليسوا بحاجة إلى الثورة؛ لأن حقوقهم ستصل إليهم، فلهم في مال الأغنياء حق، ولا يستطيع الأغنياء والأقوياء أن يعتدوا عليهم؛ لأن هناك من يحاسب في الدولة الإسلامية: (القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف منكم قوي عندي حتى آخذ الحق له) فالقوي فيكم ضعيف، والضعيف قوي، فهذا يأخذ الحق منه، وهذا يأخذ الحق له، وهذا جزء من الخطبة التي افتتح بها أبو بكر الصديق ﵁ خلافته، عندما نصب خليفة للمسلمين. فمهمة الحاكم أن يمنع هذا الظلم، وعند ذلك لا يحس الفقير بحاجة إلى أن يثور، وإلى أن يفسد في الأرض؛ لماذا؟ لأنه يرى أن حقه سيصل إليه، فليس له حاجة في أن يثور وأن يفسد ويخرب.

стр. 351

صور من الفساد المعاصر وانظروا إلى ديار المسلمين اليوم ماذا يحدث بها؟ فقد زعموا أن الشريعة الإسلامية كانت عقبة في سبيل تقدم المسلمين، فحطموا دولة الخلافة زاعمين أنهم يريدون الرقي والحضارة، ثم غيروا القوانين الشرعية وأحلوا محلها القوانين الوضعية، بحجة أنهم يريدون بنا رقياً وحضارة وتقدماً، ثم ماذا كان؟ كان أن تجزأت الديار الإسلامية وضعفت، واعتدى عليها أعداؤها وأذلوها، ثم كان الفقر والجريمة، والإفساد في الأرض أينما توجهت في ديار المسلمين، ولم يزدنا هذا التقدم الذي يسمونه تقدماً وحضارة إلا فساداً وإفساداً. وما نقلته الصحف في هذه الأيام، ووكالات الأنباء والإذاعات، مما يجري في مصر، وماذا يحدث أو ماذا حدث؟ مئات من الناس سقطوا قتلى، وأضعاف ذلك سقطوا جرحى، وخرج الناس يحطمون ويخربون ويفسدون، لماذا؟ الجواب أمران، حسبما تناقلته وكالات الأنباء: الأمر الأول: جوع البطن، فأصبح رغيف الخبز لا يوجد، وأقل الأطعمة شأناً في بلادنا -الأرز والعدس- لا توجد، فماذا يملك الفقير عندما يجد نفسه جائعاً وزوجته جائعة وابنه جائعاً، وهو لا يستطيع أن يفي بالحاجات الدنيا؟ ثم أين تذهب الأموال؟ فبين فترة وأخرى تكشف فضيحة في مصر وفي غيرها، وهذا ليس وقفاً على مصر، بل في أكثر البلاد الإسلامية، فضيحة مالية لا تقدر بالألوف وعشرات الألوف ومئات الألوف، ولا ملايين وعشرات الملايين، بل تصل إلى مبالغ خيالية جداً، عصابة من الموظفين أو المتنفذين يأخذون ثروات الأمة، وفرد يسلب عشرات الملايين ومئات الملايين، بينما عشرات الملايين من البشر لا تجد طعاماً تأكله، وهذا ليس بالأمر الخفي، بل هو أمر قد انتشر في كل مكان، وفضائح في كل مكان. وهذا الذي أخذ الملايين نفسه عفنة قذرة خربة، فلم يلامسها نور الوحي، ولم يعلم أن هذه الدنيا زائلة، وأنه غداً سيقف بين يدي الله فيحاسبه عما قدم، فيظن نفسه أنه أخذ غنيمة وخيراً، وفي الحقيقة هو أخذ شراً، ثم النتيجة الأخرى أنه ظلم غيره في هذه الحياة الدنيا وحرم غيره من لقمة العيش. الأمر الثاني: أن هذه الشعوب وإن حرمت من تحكيم شريعة الله، فهي لازالت شعوب إسلامية للإسلام صدى في نفوسها، فهي ترى هذا الفساد من السينمات والمسارح التي تنتهك فيها الفضيلة والحرمات، وتهدر فيها أموال الأمة، فاتجهت إلى تخريب هذه الأماكن المفسدة في الأرض؛ لأنهم مسلمون، ويشعرون بأن هذا من المنكر الذي فرض عليهم تغييره. وليس هذا في مصر فحسب، فهذه عدن قد سقط فيها ألوف من الناس، لتحكم الشيوعية عليهم، وحتى انقسم الرفاق على بعضهم. وهذه الحروب بين العراق وإيران يسقط فيها كل يوم ألوف الضحايا، فما السبيل؟ الله ﵎ جعل الإسلام طريقاً إلى جنته ورضوانه، وجعل الإسلام في الدنيا قانون شريعة، إذا رضي الناس به وحكموا به عند ذلك تصلح حياتهم، والله ﵎ عندما أهبط آدم من الجنة وضع له ولذريته قانوناً يحكم البشر منذ عهد آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦]. فهذا قانون: من اتبع هداي فلا يضل في هذه الحياة ولا يشقى، لا في دنياه ولا في أخراه، والشقاء قد يكون في داخل النفس الإنسانية، وقد يكون في داخل الأسرة، وقد يكون في داخل المجتمع، وإن كان المال وفيراً والخير كثيراً؛ لكن الإنسان يكون شقياً، قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، أي: في الحياة الدنيا. وبلاد المسلمين من أكثر بلاد العالم خيراً وثراءً، ومع ذلك فالناس يموتون جوعاً وآخرون يشقون بأموالهم، ولا يستطيعون التصرف في أموالهم تصرفاً حكيماً يذهب البلاء الذي يحيط بهم. إن العليم الخبير قد شرع لنا تشريعات تصلح النفوس وتصلح المجتمعات، وليست هذه نظريات خيالية، فهذا أمر طبقه المسلمون عبر تاريخهم زمناً طويلاً، وقد يكون التطبيق كاملاً مائة في المائة كما حدث في عهد الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين، وقد يكون ناقصاً، وبمقدار تطبيق هذا الإسلام تصلح حياة البشر وتصلح نفوس البشر. فعجيب أمر المسلمين، فالبلاء يصب من فوقهم، وفي مجتمعاتهم، وربهم يقول لهم: هذا هو العلاج، وهذا هو البلسم والدواء، ومع ذلك نأبى إلا أن نتغنى بحب أمريكا، وبحب روسيا، ومجلس الأمن، وهيئة الأمم، وأن نتغنى بالنظريات التي جاء بها الشرق والغرب، ونأتي بالخبراء من هنا وهناك، والدواء عندنا في خزائننا، وليس دواءنا فحسب، ودواء العالم بأسره، ونأبى كل الإباء أن نتخذ هذا الدين منهجاً ودستوراً وقانوناً يصلح. والمشكلة أن الذين بيدهم هذه الأوضاع يعلمون أن المسلمين في ديار المسلمين يريدون دين الله وشريعة الله ﵎، ولكنهم يأبون إلا أن ينفذوا شرائع البشر وأفكار البشر وقوانين البشر. أسأل الله ﵎ أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه، أقول قولي هذا وأستغفر الله،،،

стр. 352

شرع الله هو سبيل النجاة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله. لن يخسر المسلمون إذا أصروا على تطبيق شريعة الله، وأن يكون تأثير الدين الإسلامي في مدارسهم ومجتمعاتهم كبيراً، ومهما بذلوا في سبيل ذلك من التضحيات فلن يخسروا كثيراً؛ لأن الخسارة في الجانب المقابل أكثر وأعظم بكثير من الخسارة التي يبذلها المسلمون إذا أرادوا تطبيق شريعة الله ودين الله ﵎، وأعظم خسارة -كما تشير آيات القرآن- أن غضب الله ﵎ ينزل بالأمة التي تعرض عن شريعة السماء، وخاصة إذا كان العلم عندها، وكتابها يحدثها، وعلماؤها يخبرونها ويحثونها، ثم تأبى الأمة ذلك؛ فعند ذلك ينتقم الله من عباده بنفسه، أو ينتقم منهم بأعدائهم، أو بالفتن التي تهب في صفوفهم، وهي كافية لأن تجعل غضب الله وانتقامه واقعاً بينهم، وهذا الذي نشاهده من العدوان من أعدائنا علينا في كل مكان، فتجد عدواناً في الهند، وفي الفلبين، وفي كل ديار الإسلام، ثم تجد الفرقة والخصام والنزاع في الأمة، وتجد سقوط الضحايا من المسلمين، فكم سقط من المسلمين بين العراق وإيران؟ وهل كان ذلك بأيدي روسيا وأمريكا واليهود؟! لا، ولكن بأيدي المسلمين أنفسهم. وكم سقط في اليمن من أناس ينتسبون للإسلام، ويتسمون باسم الإسلام؟! فقبل خمس عشرة سنة سقطت ألوف مؤلفة، وبالأمس القريب أيضاً سقطت ألوف مؤلفة، والمسلم الذي يتسمى بالإسلام يقتل المسلم أيضاً، وهذه الخسائر بأيدي المسلمين أنفسهم، فهذه فتن كما قالت عائشة: (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث). فهذه الفتنة لا تقف على طائفة قليلة من الناس، وإنما تعم الصالح والطالح؛ فتصيب هؤلاء وتصيب هؤلاء، فإذا ما بذل المسلمون جهودهم وأفكارهم وأنفسهم لرفعة هذا الدين وتحكيم شريعة الله -مهما كانت الخسائر- فلن تكون أكثر مما يفقده المسلمون بسبب عدم تطبيقهم لهذه الشريعة ولهذا الدين. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

стр. 353

العقيدة الصحيحة وما يضادها من العقائد الفاسدة إن العقيدة هي الأساس الذي قامت عليه المذاهب والأديان والملل والنحل، وقد تكون عقيدة صحيحة أو فاسدة، ولذا فلابد من الحرص على سلامتها؛ لأنها الزاد الروحي للإنسان، وبها يعرف خالقه بأسمائه وصفاته، فيشعر الإنسان بقرب أكثر تجاه مولاه.

стр. 354

العقيدة أساس الأديان والمذاهب والمبادئ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فما انتدبت إلى الحديث في أي موضوع من الموضوعات إلا وأحسست أن من حق الذين ينتدبونني ويستمعون إلي أن أعطي الموضوع حقه، فأنا أعلم كم من الوقت والجهد يبذله الذين يحضرون لمثل هذه المؤتمرات والمحاضرات، وأعلم أن وقت الذين يحضرون هذه المحاضرات ثمين، فالوقت هو الحياة، وقد ازداد إحساسي بثقل المسئولية في هذا الموضوع الذي سأحاضر فيه، لأنه من أخطر الموضوعات، فالعقيدة هي الأساس التي تقوم عليها الأديان والمذاهب والمبادئ، وقد قيل قديماً: إن الإنسان أسير أفكاره ومعتقداته، ولا زالت عقائد البشر هي التي تسيرهم، ومن خلالها ينظرون إلى الوجود والحياة والمجتمعات الإنسانية، وعلى أساسها يصيغون الأنظمة والقوانين ويضعون القواعد والقيم والموازين، ولم يزل المستبدون والطغاة يتلاعبون بعقائد الناس ليتيسر لهم السيطرة عليهم. وقد كتبت في موضوع العقيدة عدة مؤلفات، إلا أن خطورة الموضوع الذي أتناوله فرضتْ علي أن أعود إلى التفصيل فيه مرة أخرى، ونعود للنظر في التراث العقائدي من مصادره، ولقد نظرت في هذا التراث بنظرتين: نظرة في التراث الإنساني، ونظرة في التراث الإسلامي، وقد عشت مع المؤلفات التي تعرضت للعقيدة في هذين التراثين وقتاً ليس بالقصير، ولقد رأيت وأنا أجول بنظري وفكري في كتب التراث وكأني رجل يقف فوق قمة جبل على شاطئ بحر لجي مخيف، فكنت أتساءل وأنا أنظر في عقائد أهل الملل والنحل في القديم والحديث: كيف نشأت وتفرعت! ثم كيف تلاشت وفنيت! وأتخيل أنني ذلك الرجل الذي يشاهد أمواج البحر فإذا هي لا تحصى كثرة، فتنشأ ثم تتلاشى، وتتعارض وتتصادم، وهي في ذلك كله لا تتوقف لحظة، ثم يحدث أن البحر قد يهدأ في بعض الأحيان فتكون الأمواج هادئة، وقد يثور فإذا بالأمواج كالجبال. إنني لا أبالغ في الوصف، ومن طالع ما كتبه الكاتبون في تاريخ العقائد، وما كتبوه في تاريخ الفكر الإنساني، وما كتبوه في الملل والنحل يعلم صدق ما أقوله.

стр. 355

كثرة العقائد الفاسدة لكثرة المذاهب والعقائد والنحل والفرق فإن الفكر الإنساني لا يدري أين يسير؟ وماذا يأخذ؟ وماذا يدع؟ فالعقيدة لا تقوم كما نعلم على الحيرة والتردد، بل إن العقيدة تحتاج إلى اليقين الصادق الذي يقوم على الأدلة والبراهين التي لا تجد النفس لها مدفعاً، والتي تأثر في النفوس وتخضع لها العقول، والفكر الإنساني لا يستطيع أن ينقل لنا من خلال هذا الركام الهائل من التصورات والأفكار والعقائد التي يموج بها تاريخ الإنسان وواقعه أصولاً توقفه على اليقين المنافي للشك، وأنى يصل الإنسان إلى اليقين والقضايا التي يريد أن يصل فيها إلى اليقين لا يدخل كثير منها في المجال الذي يجوز للعقل الإنساني النظر فيه؟! إن الروح التي تسري في نفس الإنسان هي أقرب الأشياء إليه؛ لأنها نفسه، ومع ذلك فإن الإنسان يشتد جهله بها كلما زاد بحثه فيها، فالروح ليست من جنس الأشياء المشهودة التي يمكن للعقل الإنساني البحث فيها، والروح ليس لها وزن ولا لون ولا حجم، ولا تدخل تحت المقاييس الإنسانية، فأنى للعقل أن يعرف كنهها وحقيقتها؟! قال الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فهذا شأن الإنسان في الروح التي تسري في كيانه، وهي سر حياته، فما بالكم بالبحث العقلي المجرد عن خالق الوجود؟! والعوالم التي لا نراها ولا نشاهدها، والتي سيصير إليها الإنسان بعد الموت، كالبرزخ واليوم الآخر، فالإنسان لا يمكن أن يصل في أمرها إلى قرار، ولا يمكن أن يصل إلى حقيقة أمرها، ولا يمكن أن يقف الإنسان فيها على أرض صلبة، وسيبقى طيلة عمره يعيش حائراً متردداً. ولذا نجد الفلسفي يجتهد في معرفة الحقائق التي يمكن أن يقيم حياته عليها، والتي يمكن أن تفسر له وجوده، وترسم له مساره في الحياة، وغايته التي يسعى إليها، وتوضح له علاقته بالقوة التي أوجدته، وأوجدت الكون؛ فلا يصل إلى معرفة ذلك بعقله المجرد، فيعيش في شقاء، ويظن في بعض الأحيان أنه بلغ الغاية، وشارف على المقصد، وأوشك أن يصل، ولكنه يستدرك ما توصل إليه، ويعلم أنه وهم من الأوهام، ويفاجأ بالأجل وقد أدركه، فينظر فلا يجد أنه قد حقق في رحلته ما كان يصبو إليه. إنني لا أريد أن أحدثكم عن المرارة والأسى التي كانت تخيم على الذين لم يعرفوا هدي السماء من الفلاسفة والمفكرين، ولكني أحدثكم عن الذين ينتسبون إلى الإسلام، ولكنهم انحرفوا في مسارهم شيئاً ما، فلما شارفت شمس العمر على المغيب ناحوا على أنفسهم، وأعلنوا للناس من حولهم أنهم لم يصلوا إلى اليقين الذي جروا وراءه طويلاً. فهذا الإمام الرازي أحد هؤلاء الذين يعلن في نهاية المطاف أنه لم يصل إلى شيء، لابتعاده عن المنهج القرآني النبوي، ولجريانه وراء نتائج العقول الإنسانية، فكانت النتيجة أنه لم تقده هذه الأفكار والنظريات والمقالات إلى اليقين الذي يجده الناهل من وحي السماء، ولقد أدرك في نهاية المسار أن روحه لم ترتو من المنهل الذي ورده، وأن الغاية التي سعى إليها لم يحققها، وأن ما اعتمد عليه وجمعه إنما هي أقوال تتصارع وتتضارب. إنني كلما قرأت أبياته التي أوردها في كتابه: (أقسام اللذات) أشم منها رائحة النواح الحزين الصاعد من قلب محزون مكلوم؛ إنه النواح على النفس: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من أجسادنا وغاية دنيانا أذىً ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ثم يقول: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أن أقرب الطرق هو طريق القرآن، فأقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ثم يختم حديثه قائلاً: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. ويصور لنا عبد الكريم الشهرستاني -وهو العلم الذي لا يشق له غبار في علمه بالملل والنحل- تخبط أصحاب الكلام في علوم العقائد في مقدمة كتابه: (نهاية الإقدام في علم الكلام) فقال: لعمري! لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم وهذا الجويني الذي كان يدعى بـ إمام الحرمين، وهو من هو في علم الكلام والجدال والبحث والنظر، لما حضره الموت نظر في مساره في الحياة، ونظر في حصيلته التي حصلها، فإذا به يبكي بكاء الثكلى، لإضاعته الكثير من عمره في مسار لم يوصله إلى الشاطئ، فلقد كان يخوض في بحر خضم من الأفكار والعقائد والموازين، لا يقر قلب من خاضها على قرار، واسمع إليه وهو يوصي أصحابه وهو يعالج سكرات الموت فيقول: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في العلم الذي نهينا عنه، والآن إن لم يتداركني الله برحمته فالويل لي، وهأنذا أموت على عقيدة أمي. وهذا عالم آخر من علماء الكلام يفتش عن حصيلة العمر، وهو على فراش الموت، فلا يجد عنده من الحق شيئاً، فيقول لمن حوله: اشهدوا علي أني أموت وما عرفت إلا أن الممكن مفتقر إلى واجب، ثم قال: والافتقار أمر عدم، فلم أعرف شيئاً!
следующие страницы →