Полный текст (531 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
صور من الفساد المعاصر
وانظروا إلى ديار المسلمين اليوم ماذا يحدث بها؟ فقد زعموا أن الشريعة الإسلامية كانت عقبة في سبيل تقدم المسلمين، فحطموا دولة الخلافة زاعمين أنهم يريدون الرقي والحضارة، ثم غيروا القوانين الشرعية وأحلوا محلها القوانين الوضعية، بحجة أنهم يريدون بنا رقياً وحضارة وتقدماً، ثم ماذا كان؟ كان أن تجزأت الديار الإسلامية وضعفت، واعتدى عليها أعداؤها وأذلوها، ثم كان الفقر والجريمة، والإفساد في الأرض أينما توجهت في ديار المسلمين، ولم يزدنا هذا التقدم الذي يسمونه تقدماً وحضارة إلا فساداً وإفساداً.
وما نقلته الصحف في هذه الأيام، ووكالات الأنباء والإذاعات، مما يجري في مصر، وماذا يحدث أو ماذا حدث؟ مئات من الناس سقطوا قتلى، وأضعاف ذلك سقطوا جرحى، وخرج الناس يحطمون ويخربون ويفسدون، لماذا؟
الجواب
أمران، حسبما تناقلته وكالات الأنباء: الأمر الأول: جوع البطن، فأصبح رغيف الخبز لا يوجد، وأقل الأطعمة شأناً في بلادنا -الأرز والعدس- لا توجد، فماذا يملك الفقير عندما يجد نفسه جائعاً وزوجته جائعة وابنه جائعاً، وهو لا يستطيع أن يفي بالحاجات الدنيا؟ ثم أين تذهب الأموال؟ فبين فترة وأخرى تكشف فضيحة في مصر وفي غيرها، وهذا ليس وقفاً على مصر، بل في أكثر البلاد الإسلامية، فضيحة مالية لا تقدر بالألوف وعشرات الألوف ومئات الألوف، ولا ملايين وعشرات الملايين، بل تصل إلى مبالغ خيالية جداً، عصابة من الموظفين أو المتنفذين يأخذون ثروات الأمة، وفرد يسلب عشرات الملايين ومئات الملايين، بينما عشرات الملايين من البشر لا تجد طعاماً تأكله، وهذا ليس بالأمر الخفي، بل هو أمر قد انتشر في كل مكان، وفضائح في كل مكان.
وهذا الذي أخذ الملايين نفسه عفنة قذرة خربة، فلم يلامسها نور الوحي، ولم يعلم أن هذه الدنيا زائلة، وأنه غداً سيقف بين يدي الله فيحاسبه عما قدم، فيظن نفسه أنه أخذ غنيمة وخيراً، وفي الحقيقة هو أخذ شراً، ثم النتيجة الأخرى أنه ظلم غيره في هذه الحياة الدنيا وحرم غيره من لقمة العيش.
الأمر الثاني: أن هذه الشعوب وإن حرمت من تحكيم شريعة الله، فهي لازالت شعوب إسلامية للإسلام صدى في نفوسها، فهي ترى هذا الفساد من السينمات والمسارح التي تنتهك فيها الفضيلة والحرمات، وتهدر فيها أموال الأمة، فاتجهت إلى تخريب هذه الأماكن المفسدة في الأرض؛ لأنهم مسلمون، ويشعرون بأن هذا من المنكر الذي فرض عليهم تغييره.
وليس هذا في مصر فحسب، فهذه عدن قد سقط فيها ألوف من الناس، لتحكم الشيوعية عليهم، وحتى انقسم الرفاق على بعضهم.
وهذه الحروب بين العراق وإيران يسقط فيها كل يوم ألوف الضحايا، فما السبيل؟ الله ﵎ جعل الإسلام طريقاً إلى جنته ورضوانه، وجعل الإسلام في الدنيا قانون شريعة، إذا رضي الناس به وحكموا به عند ذلك تصلح حياتهم، والله ﵎ عندما أهبط آدم من الجنة وضع له ولذريته قانوناً يحكم البشر منذ عهد آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦].
فهذا قانون: من اتبع هداي فلا يضل في هذه الحياة ولا يشقى، لا في دنياه ولا في أخراه، والشقاء قد يكون في داخل النفس الإنسانية، وقد يكون في داخل الأسرة، وقد يكون في داخل المجتمع، وإن كان المال وفيراً والخير كثيراً؛ لكن الإنسان يكون شقياً، قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، أي: في الحياة الدنيا.
وبلاد المسلمين من أكثر بلاد العالم خيراً وثراءً، ومع ذلك فالناس يموتون جوعاً وآخرون يشقون بأموالهم، ولا يستطيعون التصرف في أموالهم تصرفاً حكيماً يذهب البلاء الذي يحيط بهم.
إن العليم الخبير قد شرع لنا تشريعات تصلح النفوس وتصلح المجتمعات، وليست هذه نظريات خيالية، فهذا أمر طبقه المسلمون عبر تاريخهم زمناً طويلاً، وقد يكون التطبيق كاملاً مائة في المائة كما حدث في عهد الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين، وقد يكون ناقصاً، وبمقدار تطبيق هذا الإسلام تصلح حياة البشر وتصلح نفوس البشر.
فعجيب أمر المسلمين، فالبلاء يصب من فوقهم، وفي مجتمعاتهم، وربهم يقول لهم: هذا هو العلاج، وهذا هو البلسم والدواء، ومع ذلك نأبى إلا أن نتغنى بحب أمريكا، وبحب روسيا، ومجلس الأمن، وهيئة الأمم، وأن نتغنى بالنظريات التي جاء بها الشرق والغرب، ونأتي بالخبراء من هنا وهناك، والدواء عندنا في خزائننا، وليس دواءنا فحسب، ودواء العالم بأسره، ونأبى كل الإباء أن نتخذ هذا الدين منهجاً ودستوراً وقانوناً يصلح.
والمشكلة أن الذين بيدهم هذه الأوضاع يعلمون أن المسلمين في ديار المسلمين يريدون دين الله وشريعة الله ﵎، ولكنهم يأبون إلا أن ينفذوا شرائع البشر وأفكار البشر وقوانين البشر.
أسأل الله ﵎ أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه، أقول قولي هذا وأستغفر الله،،،
стр. 352
شرع الله هو سبيل النجاة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله.
لن يخسر المسلمون إذا أصروا على تطبيق شريعة الله، وأن يكون تأثير الدين الإسلامي في مدارسهم ومجتمعاتهم كبيراً، ومهما بذلوا في سبيل ذلك من التضحيات فلن يخسروا كثيراً؛ لأن الخسارة في الجانب المقابل أكثر وأعظم بكثير من الخسارة التي يبذلها المسلمون إذا أرادوا تطبيق شريعة الله ودين الله ﵎، وأعظم خسارة -كما تشير آيات القرآن- أن غضب الله ﵎ ينزل بالأمة التي تعرض عن شريعة السماء، وخاصة إذا كان العلم عندها، وكتابها يحدثها، وعلماؤها يخبرونها ويحثونها، ثم تأبى الأمة ذلك؛ فعند ذلك ينتقم الله من عباده بنفسه، أو ينتقم منهم بأعدائهم، أو بالفتن التي تهب في صفوفهم، وهي كافية لأن تجعل غضب الله وانتقامه واقعاً بينهم، وهذا الذي نشاهده من العدوان من أعدائنا علينا في كل مكان، فتجد عدواناً في الهند، وفي الفلبين، وفي كل ديار الإسلام، ثم تجد الفرقة والخصام والنزاع في الأمة، وتجد سقوط الضحايا من المسلمين، فكم سقط من المسلمين بين العراق وإيران؟ وهل كان ذلك بأيدي روسيا وأمريكا واليهود؟! لا، ولكن بأيدي المسلمين أنفسهم.
وكم سقط في اليمن من أناس ينتسبون للإسلام، ويتسمون باسم الإسلام؟! فقبل خمس عشرة سنة سقطت ألوف مؤلفة، وبالأمس القريب أيضاً سقطت ألوف مؤلفة، والمسلم الذي يتسمى بالإسلام يقتل المسلم أيضاً، وهذه الخسائر بأيدي المسلمين أنفسهم، فهذه فتن كما قالت عائشة: (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث).
فهذه الفتنة لا تقف على طائفة قليلة من الناس، وإنما تعم الصالح والطالح؛ فتصيب هؤلاء وتصيب هؤلاء، فإذا ما بذل المسلمون جهودهم وأفكارهم وأنفسهم لرفعة هذا الدين وتحكيم شريعة الله -مهما كانت الخسائر- فلن تكون أكثر مما يفقده المسلمون بسبب عدم تطبيقهم لهذه الشريعة ولهذا الدين.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
стр. 353
العقيدة الصحيحة وما يضادها من العقائد الفاسدة
إن العقيدة هي الأساس الذي قامت عليه المذاهب والأديان والملل والنحل، وقد تكون عقيدة صحيحة أو فاسدة، ولذا فلابد من الحرص على سلامتها؛ لأنها الزاد الروحي للإنسان، وبها يعرف خالقه بأسمائه وصفاته، فيشعر الإنسان بقرب أكثر تجاه مولاه.
стр. 354
العقيدة أساس الأديان والمذاهب والمبادئ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فما انتدبت إلى الحديث في أي موضوع من الموضوعات إلا وأحسست أن من حق الذين ينتدبونني ويستمعون إلي أن أعطي الموضوع حقه، فأنا أعلم كم من الوقت والجهد يبذله الذين يحضرون لمثل هذه المؤتمرات والمحاضرات، وأعلم أن وقت الذين يحضرون هذه المحاضرات ثمين، فالوقت هو الحياة، وقد ازداد إحساسي بثقل المسئولية في هذا الموضوع الذي سأحاضر فيه، لأنه من أخطر الموضوعات، فالعقيدة هي الأساس التي تقوم عليها الأديان والمذاهب والمبادئ، وقد قيل قديماً: إن الإنسان أسير أفكاره ومعتقداته، ولا زالت عقائد البشر هي التي تسيرهم، ومن خلالها ينظرون إلى الوجود والحياة والمجتمعات الإنسانية، وعلى أساسها يصيغون الأنظمة والقوانين ويضعون القواعد والقيم والموازين، ولم يزل المستبدون والطغاة يتلاعبون بعقائد الناس ليتيسر لهم السيطرة عليهم.
وقد كتبت في موضوع العقيدة عدة مؤلفات، إلا أن خطورة الموضوع الذي أتناوله فرضتْ علي أن أعود إلى التفصيل فيه مرة أخرى، ونعود للنظر في التراث العقائدي من مصادره، ولقد نظرت في هذا التراث بنظرتين: نظرة في التراث الإنساني، ونظرة في التراث الإسلامي، وقد عشت مع المؤلفات التي تعرضت للعقيدة في هذين التراثين وقتاً ليس بالقصير، ولقد رأيت وأنا أجول بنظري وفكري في كتب التراث وكأني رجل يقف فوق قمة جبل على شاطئ بحر لجي مخيف، فكنت أتساءل وأنا أنظر في عقائد أهل الملل والنحل في القديم والحديث: كيف نشأت وتفرعت! ثم كيف تلاشت وفنيت! وأتخيل أنني ذلك الرجل الذي يشاهد أمواج البحر فإذا هي لا تحصى كثرة، فتنشأ ثم تتلاشى، وتتعارض وتتصادم، وهي في ذلك كله لا تتوقف لحظة، ثم يحدث أن البحر قد يهدأ في بعض الأحيان فتكون الأمواج هادئة، وقد يثور فإذا بالأمواج كالجبال.
إنني لا أبالغ في الوصف، ومن طالع ما كتبه الكاتبون في تاريخ العقائد، وما كتبوه في تاريخ الفكر الإنساني، وما كتبوه في الملل والنحل يعلم صدق ما أقوله.
стр. 355
كثرة العقائد الفاسدة
لكثرة المذاهب والعقائد والنحل والفرق فإن الفكر الإنساني لا يدري أين يسير؟ وماذا يأخذ؟ وماذا يدع؟ فالعقيدة لا تقوم كما نعلم على الحيرة والتردد، بل إن العقيدة تحتاج إلى اليقين الصادق الذي يقوم على الأدلة والبراهين التي لا تجد النفس لها مدفعاً، والتي تأثر في النفوس وتخضع لها العقول، والفكر الإنساني لا يستطيع أن ينقل لنا من خلال هذا الركام الهائل من التصورات والأفكار والعقائد التي يموج بها تاريخ الإنسان وواقعه أصولاً توقفه على اليقين المنافي للشك، وأنى يصل الإنسان إلى اليقين والقضايا التي يريد أن يصل فيها إلى اليقين لا يدخل كثير منها في المجال الذي يجوز للعقل الإنساني النظر فيه؟! إن الروح التي تسري في نفس الإنسان هي أقرب الأشياء إليه؛ لأنها نفسه، ومع ذلك فإن الإنسان يشتد جهله بها كلما زاد بحثه فيها، فالروح ليست من جنس الأشياء المشهودة التي يمكن للعقل الإنساني البحث فيها، والروح ليس لها وزن ولا لون ولا حجم، ولا تدخل تحت المقاييس الإنسانية، فأنى للعقل أن يعرف كنهها وحقيقتها؟! قال الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فهذا شأن الإنسان في الروح التي تسري في كيانه، وهي سر حياته، فما بالكم بالبحث العقلي المجرد عن خالق الوجود؟! والعوالم التي لا نراها ولا نشاهدها، والتي سيصير إليها الإنسان بعد الموت، كالبرزخ واليوم الآخر، فالإنسان لا يمكن أن يصل في أمرها إلى قرار، ولا يمكن أن يصل إلى حقيقة أمرها، ولا يمكن أن يقف الإنسان فيها على أرض صلبة، وسيبقى طيلة عمره يعيش حائراً متردداً.
ولذا نجد الفلسفي يجتهد في معرفة الحقائق التي يمكن أن يقيم حياته عليها، والتي يمكن أن تفسر له وجوده، وترسم له مساره في الحياة، وغايته التي يسعى إليها، وتوضح له علاقته بالقوة التي أوجدته، وأوجدت الكون؛ فلا يصل إلى معرفة ذلك بعقله المجرد، فيعيش في شقاء، ويظن في بعض الأحيان أنه بلغ الغاية، وشارف على المقصد، وأوشك أن يصل، ولكنه يستدرك ما توصل إليه، ويعلم أنه وهم من الأوهام، ويفاجأ بالأجل وقد أدركه، فينظر فلا يجد أنه قد حقق في رحلته ما كان يصبو إليه.
إنني لا أريد أن أحدثكم عن المرارة والأسى التي كانت تخيم على الذين لم يعرفوا هدي السماء من الفلاسفة والمفكرين، ولكني أحدثكم عن الذين ينتسبون إلى الإسلام، ولكنهم انحرفوا في مسارهم شيئاً ما، فلما شارفت شمس العمر على المغيب ناحوا على أنفسهم، وأعلنوا للناس من حولهم أنهم لم يصلوا إلى اليقين الذي جروا وراءه طويلاً.
فهذا الإمام الرازي أحد هؤلاء الذين يعلن في نهاية المطاف أنه لم يصل إلى شيء، لابتعاده عن المنهج القرآني النبوي، ولجريانه وراء نتائج العقول الإنسانية، فكانت النتيجة أنه لم تقده هذه الأفكار والنظريات والمقالات إلى اليقين الذي يجده الناهل من وحي السماء، ولقد أدرك في نهاية المسار أن روحه لم ترتو من المنهل الذي ورده، وأن الغاية التي سعى إليها لم يحققها، وأن ما اعتمد عليه وجمعه إنما هي أقوال تتصارع وتتضارب.
إنني كلما قرأت أبياته التي أوردها في كتابه: (أقسام اللذات) أشم منها رائحة النواح الحزين الصاعد من قلب محزون مكلوم؛ إنه النواح على النفس: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من أجسادنا وغاية دنيانا أذىً ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ثم يقول: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أن أقرب الطرق هو طريق القرآن، فأقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ثم يختم حديثه قائلاً: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
ويصور لنا عبد الكريم الشهرستاني -وهو العلم الذي لا يشق له غبار في علمه بالملل والنحل- تخبط أصحاب الكلام في علوم العقائد في مقدمة كتابه: (نهاية الإقدام في علم الكلام) فقال: لعمري! لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم وهذا الجويني الذي كان يدعى بـ إمام الحرمين، وهو من هو في علم الكلام والجدال والبحث والنظر، لما حضره الموت نظر في مساره في الحياة، ونظر في حصيلته التي حصلها، فإذا به يبكي بكاء الثكلى، لإضاعته الكثير من عمره في مسار لم يوصله إلى الشاطئ، فلقد كان يخوض في بحر خضم من الأفكار والعقائد والموازين، لا يقر قلب من خاضها على قرار، واسمع إليه وهو يوصي أصحابه وهو يعالج سكرات الموت فيقول: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في العلم الذي نهينا عنه، والآن إن لم يتداركني الله برحمته فالويل لي، وهأنذا أموت على عقيدة أمي.
وهذا عالم آخر من علماء الكلام يفتش عن حصيلة العمر، وهو على فراش الموت، فلا يجد عنده من الحق شيئاً، فيقول لمن حوله: اشهدوا علي أني أموت وما عرفت إلا أن الممكن مفتقر إلى واجب، ثم قال: والافتقار أمر عدم، فلم أعرف شيئاً!
стр. 356
حاجة الإنسان الشديدة لمعرفة العقيدة الصحيحة
إن الله العليم القدير الحكيم الذي خلقنا، هو أعلم بنا من أنفسنا، ويعلم أننا بحاجة إلى معرفته؛ لأنه خالقنا ويعلم أن نفوسنا لا يمكن أن يقر لها قرار ما لم تعرف من خلقها وفطرها، وتعرف الطريق الموصل إليه، والعقل الإنساني الذي وهبه الله لنا لا يمكن أن يصل بنفسه إلى خالقه وإلهه، ولا يعلم كيف يعبده لذا فقد تكفل الله لأبينا آدم ﵇ عندما أهبطه إلى الأرض أن يمد ذريته من بعده بالنور والهدى الذي يعرفهم بربهم وبالحقائق الكبرى التي لا بد لهم منها، وتكفل لمن اتبع نوره وهداه بالخلاص من الضلال الذي يعيش فيه البشر، والنجاة من الشقاء الذي تتردى فيه القلوب والنفوس، وتوعد الرافضين لوحيه وهداه بالحياة الضنكة الدنسة الشقية في الدنيا، ثم في الآخرة بالعذاب الأكبر، فقال سبحانه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٧].
стр. 357
صور من المعتقدات البشرية الباطلة
لقد بقيت البشرية على التوحيد بعد أن هبط آدم إلى الأرض وتكاثرت ذريته، وكان الناس أمة واحدة، ولكن البشر ضلوا في إلههم ومعبودهم فعبدوا من دونه أولياء، فاتخذوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وكانوا يدعونهم ويستغيثون بهم، فأرسل الله لهم أول رسله وهو نوح، فأنذرهم ودعاهم إلى عبادة الله وحده، وترك ما يعبد من دونه، فآمن له قليل، واستكبر منهم الكثير فأهلكهم الله تعالى.
وكثير من الأمم عبر تاريخ البشرية عبدوا الأصنام، ولهم في ذلك فلسفات وضلالات، فبعضهم كان يزعم أن هذه الآلهة تتلبس بها الأرواح، وبعضهم ليس له حجة إلا أن الآباء كانوا يمجدونها ويقدسونها.
والصابئة الذين كانوا يسكنون في أول أمرهم في وسط العراق، ثم سكنوا شماله يدعون أن الله خلق الأفلاك والكواكب، ووكل إليها تدبير أمر العالم من الخير والشر والصحة والمرض؛ ولذا فإنه يجب على البشر تعظيمها وعبادتها، ومنهم من كان يزعم أن الكواكب التي في الفلك هي ملائكة، وبنوا لهذه الكواكب بيوتاً لعبادتها، وجعلوا فيها الهياكل، وقد جادلهم إبراهيم ﵇ فيما يعبدونه من أصنام، كما ناقشهم في عبادة الشمس والقمر والنجوم، قال الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٥٦].
وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٦٩ - ٨٢].
وفي بلاد الهند عبد الناس الأشجار والأحجار والثعابين والفئران، وقال فلاسفتهم بوحدة الوجود، وعندهم الديانة البرهمية التي تزعم أن طبقة البراهمة خلقوا من رأس الإله برهمان، وطبقة الجن خلقوا من منكبيه وذراعيه، والزراع والتجار والعمال من فخذيه، والأرقاء من قدميه، ومنعوا ارتفاع الإنسان إلى طبقة فوق طبقته، وقال فلاسفتهم أيضاً بالتناسخ، أي: أن فروح الإنسان بعد الموت قد تحل في ابنه أو أخته أو أخيه أو إنسان آخر أو في خنزير أو كلب، ولهم في ذلك فلسفات يضيق الوقت عن ذكرها.
وأله الناس البشر وعبدوهم من دون الله، وزعموا أن الآلهة تحل في بعض البشر، أو أن بعض الملوك من نفس الآلهة، فملوك المصريين القدامى كانوا ينصبون أنفسهم آلهة، وتقدم لهم الهدايا والقرابين ويعبدون في المعابد، وقد قال فرعون لأهل مصر: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
وهناك ديانات كثيرة، ومن أقدمها عبادة زرادشت في القرن السابع قبل الميلاد، وقد ادعوا أنه إله، وعقدوا حوله الأساطير.
ثم جاء مان بعد ميلاده بأكثر من مائتي عام، وقال بقدم النور والظلمة فهما إلهان، وادعى مان أن الجسد سجن للروح، ولا بد من تخليص الروح من سجنها بإبادة الجنس البشري، وهذه فلسفته! فما كان من الملك وقد سمع بدعواه إلا أن أمر الجلاد بقطع رأسه ليخلص روحه من سجنها.
وجاء مزدك في فارس بالشيوعية، فلا ملكية ولا زواج، بل تباح النساء والأموال من غير ضابط، ونادى بإلغاء القوانين بحجة أنها تحول بين الإنسان وما يشتهي، وقال بألوهية النور والظلام، وكانت النيران لا تخبو من معابد الفرس، وكانوا يسجدون لها.
стр. 358
فشل الفلاسفة في إضاءة الطريق للبشرية
برز على مر العصور فلاسفة كثيرون بهروا الناس بسعة علمهم، وبقدراتهم العقلية الرائعة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من البيئات الوثنية التي كانوا يعيشون فيها، ولم يستطيعوا أن يضيئوا الطريق للبشرية، ومن أبرز الفلاسفة: أفلاطون الذي قال بوجود أرباب من دون الله، وقد أراد بنظريته الشركية هذه أن يعلل ما هو موجود في العالم من شر ونقص وألم، فالخير عنده كله من العقل المطلق، والعدل كله من الهيولي -مادة الخلق- والوجود عنده طبقتان متقابلتان، فالعقل المطلق هو الخالق للخير، وبين العقل المطلق والهيولي -مخلوقات هذه المواد- كائنات على درجات تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل المطلق، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولي، وهذه الكائنات المتوسطة بعضها أرباب، وبعضها أنصاف أرباب، وبعضها نفوس بشرية، وقال أيضاً بتناسخ الأرواح.
وادعى كثير من الفلاسفة أن العالم قديم أزلي، فلم يحصل البشر على الهدى والنور من الفلاسفة.
стр. 359
تكذيب الأمم للرسل
إن الضلال في تاريخ البشرية كثير ومتشابك تشابك الطرق في صحراء ليس لها حدود، وهو ضلال متداخل ملتوٍ معوج، وقد استمر الوحي السماوي يواكب البشرية والحياة الإنسانية ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]، والرسل الذين أرسلهم الله أوصلوا صوت الحق إلى جميع الأمم، ولكن البشر في كل العصور يرفضون الاستجابة للرسل، فنجدهم يقفون منهم موقف المعاند المكابر، ويكذبونهم ويتمردون على وحي السماء، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ [المؤمنون:٤٤] أي: متتابعة ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [المؤمنون:٤٤].
فلقد كان موسى من أعظم الرسل الذين أرسلهم الله إلى بني إسرائيل، وأنزل عليه شريعة التوراة، ولم يستطع كثير من بني إسرائيل أن يرتفعوا إلى مصاف المؤمنين، ولم يطيقوا إظهار الحقيقة بعيداً عن الخرافات والضلال والأوهام، فأنجاهم الله من فرعون، فما كادت تخرج أقدامهم من البحر الذي شقه الله لهم حتى جاءوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لنبيهم: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] أي: اجعل لنا صنماً نعبده.
ونسبوا إلى الأنبياء الكبائر والفواحش، وأضاعوا العقيدة الصافية التي هي سمة العقيدة الإلهية التي تصل الناس بربهم، وكتب علماؤهم التلمود، وقد سبقوا بتلمودهم أهل الشرك والوثنية، فلقد صوروا الله ﵎ في تلمودهم إنساناً يلطم ويبكي ويستغفر ويذنب ويكفر عن ذنبه.
وقد حدثنا الله عن تلاعب بني إسرائيل بالتوراة، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]، وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨].
ثم جاء عيسى بن مريم بالإنجيل فيه هدى ونور يدعو إلى عبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه، ولكن النصارى اختلفوا من بعده، ولم يمض وقت طويل حتى اختلفوا في كتابهم، فعدت الأناجيل فإذا هي تزيد على السبعين في ذلك الوقت! واختلفوا في طبيعة المسيح، فمنهم من قال: هو عبد الله ورسوله، ومنهم من قال: هو الله أو ابن الله، ثم اختلفوا فمن قائل يقول: له طبيعتان: طبيعة إلهية وطبيعة بشرية، وبينهما وحدة، ومن قائل يقول: إن له طبيعة واحدة وهي الإلوهية، وتجسده في الصورة البشرية لا ينافي ألوهيته.
وقد عقد قسطنطين الذي تنصر مجمعاً في عام ٣٢٥ للميلاد قرر فيه ألوهية عيسى، وعلى الرغم أن الذين قالوا بألوهية المسيح كانوا قلة إلا أنهم هم الذين غلبوا؛ لأن الحاكم يريد هذا، وكفروا من لا يقول بذلك.
وفي عام ٣٨١م اجتمع المجمع القسطنطيني الأول وقرر ألوهية روح القدس، ولعن الذين لا يقولون بألوهيته، وصارت الألوهية عند النصارى في ثلاثة أقانيم متداخلة: الأب والابن وروح القدس، وما مقالتهم هذه إلا مباهاة لقول الذين كفروا من قبل، فألهوا البشر والمخلوقات وعبدوها من دون الله.
стр. 360
انبلاج النور الذي أضاء الطريق للبشرية
قبيل البعثة النبوية المحمدية لم يبق في فجاج الأرض من نور الوحي إلا شموع قاتمة وباهتة لا يكاد الناس يعرفون في ضوئها معالم الطريق، ولا تصلح لهدايتهم إلى الحق الخالص من الشوائب، وكان العالم كله كذلك، ولا سيما الجزيرة العربية التي انتشرت فيها عبادة الأصنام والأوثان، وكانت العرب تعبدها لتقربهم إلى الله زلفى، فجاء رسولنا محمد ﷺ بالنور المبين، والصراط المستقيم، والحق الأبلج، وفتح الله به العيون العمياء، والآذان الصماء، وأنار به القلوب، وأظهر الله به الحق، وعرف الناس بربهم، وأقام العباد على الحنيفية ملة إبراهيم، وبين للناس ما اختلفوا فيه، وبين الضلال الذي وقع فيه اليهود، وقال كلمة الحق في عيسى.
ثم توفي الرسول ﷺ فحفظ الله كتابه الذي أنزله، وهيأ صحابة الرسول ﷺ فجمعوا الكتاب في المصاحف، ونشروه في الآفاق وجمعوا عليه الأمة، وحفظوا سنة رسول الله ﷺ ، وورثوها لمن جاء بعدهم، وبلغوا دعوة الله للعالمين، ونشروا هذا الدين، ولم يجد عدوهم إليهم سبيلاً.
стр. 361
بداية دخول العقائد الضالة على المسلمين
حدثت الفتنة في عهد الصحابة، وانقسمت الأمة إلى قسمين، وعلى الرغم من الشمل، واجتمع أمر الأمة على رجل منها، إلا أن الخلاف لم ينته، وعلى الرغم أن الخلاف ابتدأ سياسياً إلا أن الأطراف المتنازعة أوصلت الخلاف إلى هذا الدين، فوجدت العقائد الكفرية والفلسفات الضالة -التي كانت سائدة قبل الإسلام- باباً تدخل منه إلى المسلمين حال تفرقهم واختلافهم.
فلقد غلا بعض الناس الذين يريدون إضلال العباد في علي بن أبي طالب، وجعلوه أحق بالنبوة من الرسول ﷺ ، ومنهم من زعم فيه الألوهية، واتخذوا هذا باباً لهدم الإسلام وسب الصحابة ومعاداتهم، وانقسم هؤلاء إلى فرق كثيرة، بعضها قريبة من الحق وبعضها بعيدة، وبعضها بين ذلك، وأصبح لكل فرقة أصولها وعقائدها ومناهجها.
وسخط آخرون على علي بن أبي طالب، ومعاوية ومن معهما فكفروهم، ونسبوا فعلهم هذا إلى الدين، فقالوا: كل من ارتكب كبيرة فهو كافر، واستباحوا دماء مخالفيهم وأموالهم ونساءهم، فقاتلهم الصحابة، وهؤلاء هم الذين عرفوا في التاريخ باسم الخوارج، ولهم عقائد ومناهج، ولا تزال أفكارهم تثور بين الفينة والفينة، وفي نهاية عهد الصحابة خرج قوم يزعمون ألا قدر، وأن الأمر أنف، فقام لهم من بقي من الصحابة، ودحضوا مقالتهم، وأبطلوا شبهتهم.
ثم بدأت المقالات الضالة المتلقاة من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئة تنتشر في أوساط المسلمين، ومن أوائل من عرف عنه ذلك الجهم بن صفوان، فقد أخذ مقالته عن الجعد بن درهم، وهذا أخذ مقالته -كما يقول ابن تيمية - عن أبان بن سمعان، وأخذها هذا عن طالوت ابن أخت لبيد الأعصم اليهودي، وهذا أخذها عن لبيد بن الأعصم.
وكان الجعد بن درهم من أرض حران، وحران موطن الصابئة، وفيها بعض فلاسفتهم، وقد ذكر الإمام أحمد أن الجهم أخذ مقالته أيضاً من بعض فلاسفة الهند.
والجهم كان صاحب ضلالة تنسب إليه، وأتباعه يسمون بالجهمية، وهم ينفون صفات الرب وأسمائه، وشيخه الجعد بن درهم الذي زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، وأعمل في النصوص التي لا توافق رأيه مقاييس التأويل الذي يصل إلى درجة التحريف.
ثم لما دخلت الفلسفات الرومية واليونانية في أوائل المائة الثانية زاد البلاء، وكثرت التيارات العقائدية والفكرية، وغزت عقول طوائف من المسلمين، مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، ونشأت فرق مختلفة، ومن أشهرها المعتزلة الذي ابتدأ أمرها واصل بن عطاء، ويزعم المعتزلة أنهم يريدون أن يدافعوا عن الدين ضد الملحدين والنصارى والفلاسفة، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك، بل تبنوا نظريات وآراء أحدثت فرقة بين المسلمين، وتبنى بعض الخلفاء العباسيين وجهة نظرهم، فابتلي المسلمون في عصور هؤلاء الخلفاء الذين تبنوا الاعتزال، وقام علماء المعتزلة -الذين يسميهم المستشرقون اليوم برجال الفكر والأحرار- بالحجر على فكر المخالفين، وتكفير من لم يتبنَ أصولهم، وقد زعموا أن التوحيد يقتضي نفي الصفات، خشية الوقوع في التشبيه، وقالوا: لا يكون التوحيد إلا إذا نفينا صفات الخالق، وزعموا بناء على ذلك أن القرآن ليس بكلام الله.
وهذه الفتنة حدثت في عهد المأمون والخلفاء الذين من بعده، وقد وقف في وجههم الإمام أحمد كما هو معروف.
كما زعموا أن العدل يقتضي أن العبد هو خالق فعله، وأن الله ليس الخالق لأفعال العباد، وقالوا: إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر في الدنيا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، وفي الآخرة هو كافر مخلد في النار، وقد وقف في وجههم العلماء الأجلاء، ولكن المعتزلة تركوا لنا تراثاً ضخماً ليشرحوا أصولهم ونظرياتهم، ومن أوسعها كتاب: (المغني) للقاضي عبد الجبار المعتزلي، وكتاب: (شرح الأصول الخمسة) للقاضي عبد الجبار أيضاً، وهما مطبوعان.
ولقد انخفضت المعتزلة في عهد الخليفة العباسي المتوكل، ولكنهم صبغوا الفكر الإسلامي بكثير من نظرياتهم ومعتقداتهم، ومن الذين هدموا مذهب المعتزلة بعض الذين نشئوا على الفكر المعتزلي، أمثال: أبي الحسن الأشعري المتوفى في سنة ٣٢٤هـ، وقد بقي معتزلياً أربعين عاماً، ثم رجع إلى مذهب السلف، وعلى الرغم من أن أبا الحسن الأشعري اقترب إلى مذهب السلف إلى حد كبير إلا أنه لم يتخلص من أساليب المعتزلة وقواعدهم العقلية ومصطلحاتهم، وهذه الطريقة تؤدي بصاحبها إلى نتائج مخالفة لعقائد الأوائل مهما ادعى أصحابها أنهم يسيرون على نهج السلف.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقبل المعتزلة والأشاعرة وبعدهم نشأت فرق كثيرة كالمرجئة والماتريدية والكلابية وغيرها.
وكل فرقة من هذه الفرق لها بعض المعتقدات التي تخالف بها غيرها، ووراء كل معتقد من هذه المعتقدات فلسفات وتأويلات، وكل الفرق المخالفة لمنهج السلف غالت في تقدير العقل، وقدمت حكمه على حكم الشرع، واستعملت الموازين والمقاييس العقلية في محاكمة القضايا الغيبية، وابتعدت هذه الفرق عن الكتاب والسنة بنسب متفاوتة، ولجأت كثير من هذه الفرق إلى تأويل النصوص التي لا توافق آراءها ومعتقداتها، وقد غاب عن كثير من هذه الفرق كثير من حقائق الإسلام.
وقد اختلف علماء الكلام في الصفات الإلهية، وفي الصلة بينها وبين ذات الله، وفي إمكان رؤية الله ﵎ في الدنيا والآخرة، وفي مسألة العدل والجور، والقضاء والقدر، ولم يغادروا مسألة كبيرة أو صغيرة إلا واختلفوا فيها اختلافاً كثيراً أو قليلاً، وقد جعل المتكلمون صفات الله كما لو كانت صفات الإنسان!
стр. 362
حفظ الله الدين بالعلماء الربانيين
ونحن اليوم ورثنا عن المدارس الفكرية والعقائدية شيئاً كثيراً من الأفكار والمعتقدات، ووجدتْ في أيامنا هذه معتقدات جديدة في الشرق والغرب، وقد غزت ديارنا وعقولنا ومناهجنا فماذا نفعل؟ وكيف نتصرف؟ لقد كان من فضل الله علينا أن حفظ لنا قرآننا وسنة نبينا، فلم يحدث لنا كما حدث للأمم من قبلنا الذين ضلوا بعد أن ضاعت أو حرفت كتبهم، وكان من فضل الله علينا أيضاً أن أبقى معالم الحق واضحة في هذا الدين في معتقداته وشرائعه، وهدى في كل زمن طائفة التزمت بالحق وأظهرته، وقد قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)، وقد تمثلت هذه الطائفة في سلف هذه الأمة، من الصحابة والتابعين ومن اتبعهم من العلماء الذين ساروا على دربهم واهتدوا بهديهم، أمثال الأئمة الأربعة وغيرهم، كـ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، والليث بن سعد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم كثير.
وحال سلفنا الصالح وأقوالهم وعقيدتهم كل ذلك مدون، وطريقهم ليس فيه خفاء، وقد قال الرسول ﷺ : (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، وعندما سئل عن الفرقة الناجية المنصورة قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
ومنهج هذه الفرقة الناجية المنصورة هو المنهج الإيماني القرآني النبوي، ويقابل هذا المنهج السلفي المنهج الكلامي، والمنهج الفلسفي الصوفي، فالمنهج الإيماني القرآني يقابله منهجان: منهج الفلاسفة المتكلمين، ومنهج الصوفية.
ويختلف المنهج القرآني النبوي عن المنهج الفلسفي في مصادره ومنابعه، وفي طريقه وسبيله، وفي قوة تأثيره وسيطرته، وفي الأسلوب وطريقة الاستدلال، وفي الغاية التي يرمي إليها.
وقد حارب أئمة السلف الاتجاه الفلسفي الكلامي والصوفي الذي يريد أن يأخذ الأمة بعيداً عن المنهج الإيماني القرآني النبوي، فحارب هذا الاتجاه الإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام ابن خزيمة، والإمام البخاري وغيرهم من أئمة الهدى.
وفي كل عصر يظهر الله من العلماء والأئمة من يظهر هذا النهج القويم الذي يحيي النفوس ويهدي للتي هي أقوم، ومن أعظم الذين قيضهم الله لنصرة هذا المنهج شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد كان ذا عقل ثاقب وفكر راجح، وقد أحاط بأحوال العلماء، ووفق للصواب، ونفع الله به البلاد والعباد، وتتلمذ على يديه علماء أعلام، كـ ابن القيم وابن كثير.
ومن العلماء الذين هدوا للمنهج الإيماني القرآني النبوي في العصور الأخيرة: الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر في القرن الثاني عشر الهجري في وسط نجد، فحارب الشرك والباطل ونصر الحق، وقام بنشر كتب العلم الأصيلة، ومنهم محمد بن إسماعيل الصنعاني المعروف بالأمير الكحلاني صاحب سبل السلام، ومنهم العلامة الشوكاني صاحب نيل الأوطار، وهما من علماء اليمن الأخيار.
وقد ورثنا عن أصحاب المنهج الإيماني القرآني النبوي كثيراً من الكتب التي توضح معتقد أهل السنة والجماعة، وتحارب المنهج الفلسفي الكلامي، وتبين معايبه، ومن خير هذه الكتب: العقيدة الطحاوية، ومؤلفها هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري الحنفي، المتوفى في سنة ٣٢١هـ، وقد شرحها شرحاً قيماً رائعاً صدر الدين علي بن محمد بن أبي العز الحنفي.
واليوم والأمة الإسلامية تحاول أن تنهض من كبوتها، وتقوم من عثارها، تتلفت إلى الماضي لتبني نهضتها على أساس من عقيدتها وتراثها.
стр. 363
التراث فيه الغث والسمين والحق والباطل
يجب أن يعلم أولو الرأي والمفكرون أن تراثنا فيه الغث والسمين، وفيه الخير والشر، وفيه الهدى والضلال، وأن تراثنا يمثل تراث المدارس المختلفة، وكثير من هذه المدارس لم تكن على المنهج الواضح، ولذلك فإن السبيل لنهضة صادقة هو: أن نعود إلى المنهج القرآني النبوي الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحابته، وهو واضح المعالم، وكتبه ظاهرة بينة ليس بها خفاء، وإنني ألفت نظر رجال الفكر إلى خطورة ما يقوم به المستشرقون، وبعض الذين غرر بهم من أبناء المسلمين من إحياء الفكر المعتزلي الكلامي هنا وهناك، وتهديد الناشئة من أبناء المسلمين به، وهناك فريق آخر يحاول أن يحيي الفكر الفلسفي الذي ينادي بوحدة الوجود، والمتمثل في كتب ابن عربي، والحلاج، وابن الفارض، وابن سبعين وغيرهم.
إن المنهج الفلسفي الكلامي والمنهج الفلسفي الصوفي لم يستطع كلاهما أن يقيم الأمة من عثارها، بل كان من نتيجة منهجهم البلاء الذي أصاب الفكر الإسلامي، وحدوث شرخ هائل في هذا الفكر، وقد أحدث علماء الكلام في الماضي من الخلاف والفرقة والانقسام ما يكفي بعضه لهجر هذا المنهج، وقد أقعد المنهج الصوفي المسلمين عن الجهاد ومحاربة الشرك، وكان من أسباب الضياع الذي أصاب المسلمين، ولم يفلح المنهجان في إصلاح حال الأمة، ولم يستطيع أحدهما أن يصد هجمات الخصوم الفكرية والعقائدية، فحري بهما ألا يستطيعا إصلاح حال الأمة في الحاضر، وألا يستطيعا مواجهة العقائد التي يموج بها القرن العشرين في شرق العالم وغربه.
إن الذي يحارب المنهج الإيماني القرآني النبوي الذي يتمثل في المنهج السلفي هو أحد رجلين: إما جاهل بهذا المنهج لا يعلم حقيقته، وإما عدو حاقد لا يريد بالأمة خيراً، وبعض هذين الصنفين لجأ إلى تحريف المنهج الخير إذ بدأ يكتب في المنهج ليحرفه ويفسده، وظهرت كتب ظاهرها أنها كتب سلفية، والحقيقة أن فيها انحرافاً وعودة إلى المنهج الاعتزالي، ولكن باطل هؤلاء لا يروج على من عرف المنهج والسبيل.
وفي الختام أقول كما قال إمام دار الهجرة أنس بن مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأقول كما قال الله ﵎: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 364
الأسئلة
стр. 365
بيان منهج الأشاعرة ومدى قربه من منهج أهل السنة
السؤال
ما موقف أهل السنة والجماعة من الأشاعرة؟ وما مدى صحة القول: بأن الأشاعرة من أهل السنة والجماعة، وجزاك الله خيراً؟
الجواب
أنا ذكرت أن أبا الحسن الأشعري ﵀ كان معتزلياً، ثم اقترب جداً في نهاية أمره من أهل السنة والجماعة، وفي كتابه: مقالات الإسلاميين، وفي كتابه: الإبانة، نجد فيهما عقيدة إسلامية جيدة واضحة، ولكنه لم يتخلص من الاعتزال تماماً، وخاصة أنه يذكر المصطلحات الفلسفية والكلامية التي تجري على أسلوبه، وكان يدافع عن ذلك.
والمشكلة أن بعض أتباعه يرفض أن يكون أبا الحسن الأشعري رجع إلى هذه العقيدة الصافية التي نجدها في كتابه الإبانة، فلم يلتزم بما صار إليه في آخر حياته، وبقي قسم من الأشاعرة لهم منهج يخالف نوعاً ما منهج أهل السنة والجماعة.
стр. 366
حاجة المسلمين للعقيدة الصحيحة وبيان ضوابطها
السؤال
هناك شبهات تثار حول الفرق العقائدية وهي: أن الوقت الآن ليس وقت دعوة إلى عقيدة؛ لأن الدعوة إلى تفاصيل العقيدة كالأسماء والصفات تشغل المسلمين وتفرقهم، وبالتالي يغزون في عقر دارهم من قبل الشيوعيين وغيرهم من الكفار، وهذه التفاصيل في العقيدة لم يطالب بها النبي ﵌ الصحابة، فما مدى صحة هذا القول؟
الجواب
العقيدة الإسلامية هي الأساس الذي يقوم عليه الدين الإسلامي، فالعقيدة الإسلامية في غاية السهولة واليسر، وهناك أمران في العقيدة: أمر في غاية الصعوبة، وأمر في غاية السهولة، فالوصول إلى العقيدة الصافية من خلال الاختلافات العقائدية أمر صعب، إلا على من وفقه الله إليه، لكن الحق الذي أنزله الله على رسوله ﷺ من العقيدة سهل ميسر، وقد كان الرسول ﷺ يخبر بها الناس ويتعلمونها في جلسة، ولا زلنا إلى اليوم يستطيع الرجل العادي منا أن يفهم العقيدة السليمة في جلسة واحدة أو في جلستين، لكن الصعب هو أن تصل إليها من خلال هذا الاختلاف الضخم من الفلسفات والتناقضات التي تركت لنا من ميراث المدارس المختلفة.
وأما أن العقيدة لا نحتاج إليها في البناء فهذا كلام خاطئ، نعم، نحن لا نحتاج إلى عقيدة المعتزلة، ولا نحتاج إلى عقيدة ابن عربي، والحلاج، والفرق الضالة، لكن العقيدة الصافية المأخوذة من الكتاب والسنة السهلة الفطرية لا بد منها.
وأحب أن أبين هنا أن هناك فرقاً بين العقيدة وبين ضوابط العقيدة، فالعقيدة تكون بالإيمان بالله ﵎ وبمعرفة صفاته من خلال النصوص، فمن صفات الله : الرحمة، والعلم، وهذا جزء من العقيدة، وهو أن يعرف المسلم سعة علم الله، وعظم رحمة الله ﵎ من خلال ذكر القرآن لهذه الصفات، وهذا أمر لا بد منه، وهذا هو الذي يحيي النفوس ويحيي القلوب، ونحن نتصل بالله ربنا من خلال صفاته ومن خلال أسمائه، فالله لا يرى في الدنيا، فهو غيب في الدنيا، وهو الذي عرفنا بنفسه، ولب القرآن هو معرفة الله، فنحن نعرف الله من خلال أسمائه وصفاته، فكيف يحجر على المسلمين أن يعرفوا ربهم ومعبودهم وفاطرهم؟! وأعظم قضية أن تعرف صفات الله ﵎ وأسماؤه، فهل قال الرسول ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً -مائة إلا واحداً- من أحصاها دخل الجنة)، عبثاً؟! وهل ختم آيات القرآن بسميع بصير، وعليم حكيم، وخبير، عبث.
وهناك ضوابط للعقيدة ذكرها العلماء حتى لا يضل الإنسان وهو يسير في حياته إذا جاءته فكرة خارجية، أو فكرة معتزلية، فقد وضع علماء السلف هذه العقيدة السهلة في صفحات معدودة، بينما تجد كتب المعتزلة كبيرة جداً، مثل كتاب عبد الجبار المعتزلي المطبوع في عشرين مجلداً! لكن العقيدة الإسلامية الصحيحة كثير من علماء المسلمين كتبها في صفحات، وهي عقيدة كافية؛ لأنها ضوابط لمعرفة الله ﵎ من خلال النصوص القرآنية، والنصوص الحديثية، وهكذا معرفة الملائكة تكون من خلال القرآن والسنة، ومعرفة اليوم الآخر تكون من خلال القرآن والأحاديث، ووصف الجنة والنار تكون كذلك من خلال الآيات والأحاديث، فهذه هي العقيدة التي يتحدث عنها القرآن.
بعد ذلك هناك ضوابط للعقيدة نحن بحاجة إليها حتى لا نضل، وهذه الضوابط لا تملأ قلبك إيماناً، ولكنها تمنعك عن الانحراف، والذي يملأ قلب الإنسان إيماناً هو أن تعرف صفات الله ﵎ وأسمائه وأفعاله، وتعرف ربوبيته من خلال آيات القرآن الكريم، يقول الله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠ - ٣٣]، فتأمل في معاني الآيات، وبعد ذلك انظر كيف يكون قلبك، ومدى قربه من الله ﵎.
стр. 367
القرآن الكريم والحديث الصحيح هما مصدر العقيدة
السؤال
ما مدى ارتباط صحة الحديث وضعفه بالعقيدة؟
الجواب
مصادر العقيدة عند أهل السنة وعند الأئمة الأربعة مثل الإمام أحمد، والإمام الشافعي، وأئمة أهل الحديث هي: القرآن وصحيح الحديث، وقد خالفت المعتزلة في هذا وقالوا: لا نقبل من الحديث غير المتواتر، سواء في العقيدة أو في غير العقيدة، ثم جاء بعض علماء الأصول المتأخرين، فقالوا: العقيدة لا تؤخذ من أحاديث الآحاد ولو كانت صحيحة، ولا بد أن يكون الحديث متواتر، وهذا كلام غير صحيح، لأن القرآن وصحيح الأحاديث هما مصدرا العقيدة، والعقائد توقيفية، أي: أنها لا تؤخذ إلا من القرآن وصحيح الحديث.
وكثير من المتأخرين أخذوا برأي المعتزلة في العقائد فقط، فقالوا: الأحاديث الصحيحة التي ليست متواترة هي حجة في الأحكام فقط، ولا يصلح أن تكون حجة في العقائد، وقد نسب هذا للأئمة القدامى، وهذا كذب، فالإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام مالك وغيرهم لم يقولوا هذا القول، ولا نجد لهم في هذا قولاً.
وأما الصوفية فيقولون: لا حاجة للقرآن والأحاديث، لكن حدثني قلبي عن ربي، وأنا أعرف بقلبي ما يعرف ربي!
стр. 368
بيان عقيدة الإمام الغزالي
السؤال
ما عقيدة الإمام أبي حامد الغزالي التي مات عليها؟
الجواب
الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ تقلب كثيراً، فهو يصلح لأن يكون انموذجاً لما كان يعانيه المسلم في تلك الفترة من الصراعات الفكرية والعقائدية، فتجده مرة مع المعتزلة، ثم تجده مرة مع الأشاعرة، ثم تجده مرة مع الفلاسفة، لكن ذكر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه رجع في الأخير إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، ويقال: إنه مات وصحيح البخاري على صدره.
وكثير من العلماء بعد مرحلة طويلة يرجع إلى الصواب مثل الرازي، والجويني، والشهرستاني وغيرهم، ونرجو أن يكون الغزالي من طلاب العقيدة، لكن في مسيرته تعثر كثير، ويوجد صفحات مشرقة في كتبه وصفحات مظلمة، ونرجو للرجل أن يكون من أهل الخير، لكن نحن نحكم على الخطأ أنه خطأ، وعلى الصواب أنه صواب.
стр. 369
حكم من يؤول الصفات
السؤال
ما قول العلماء فيمن يؤول الصفات؟
الجواب
تأويل الصفات خطأ، وقد حكم العلماء على من فعل ذلك بالضلال، ثم إن هذا التأويل يتفاوت من جماعة إلى جماعة، ولكنه كمنهج مرفوض من علماء أهل السنة والجماعة.
والجهمية الذين يؤولون التأويل الشديد قد كفرهم العلماء، لأنهم نفوا كل صفات الله ﵎، وقالوا: لا يثبت التوحيد إلا إذا نفينا الصفات.
وأما بالنسبة لبقية الفرق فهم في ضلال بنسب متفاوتة، لأن الإنسان في نفسه إذا كان مجتهداً أمثال بعض العلماء الكبار، مثل ابن حجر العسقلاني وغيره الذي يؤول في بعض الأمور، فهؤلاء كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: نرجو أن يكون لهم عذراً عند الله؛ لأن هذا مبلغ اجتهاده، وهذا الذي عرفه، لكن التأويل كمنهج مقابل للمنهج الإيماني القرآني النبوي لم يعرف عن الصحابة ولا عن السلف ولا عن الأئمة، إلا في بضع مواضع يستحيل إجراؤها على ظاهرها، وأما المنهج العام عند المسلمين فهو فهم النصوص كما جاءت عن الله ﵎ من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، بل يؤمنوا بها كما وردت عن الله ﵎.
стр. 370
أمثلة للكتب التي تتسمى بالسلفية وليس لها أي علاقة بها
السؤال
ذكرت أن هناك كتباً باسم السلفية، ولكنها تؤدي إلى الانحراف عن المنهج، فهلا سميت لنا بعض هذه الكتب على سبيل المثال؟
الجواب
يوجد كتاب وهو رسالة دكتوراة قدمت إلى الأزهر بعنوان: المدرسة السلفية ورجالها، وهو للدكتور محمد عبد الستار، وقد تعرض فيه لفكر ابن تيمية ﵀، ويقول: إن نهاية ما وصل إليه أحمد بن تيمية ليس على منهج السلف، وما كان عليه الإمام أحمد ﵀ ليس كما يظن أهل السنة والجماعة، أو الذين يسمون أنفسهم بالسلفيين في هذه الأيام.
ويقول: ليس هناك فرق بين المعتزلة وبين الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن إلا اختلاف شكلي.
وقد وصل إلى نتائج أثبتها في آخر كتابه، ولو سمى بحثه بعنوان آخر غير هذا العنوان لكان أفضل بكثير، أما هذا العنوان فلا.
وهناك كتب كثيرة في هذا الاتجاه، وهذا أمر خطير؛ لأن هؤلاء الناس يخطئون كثيراً باسم العلم والمنطق والفهم.
стр. 371
معنى المتشابه من الصفات
السؤال
هل نصوص الأسماء والصفات من المتشابه الذي لا يجوز الخوض فيه؟
الجواب
إذا كان المراد أنها من المتشابه؛ لأننا لا نعرف حقيقة الصفات فهذا الكلام صحيح، أي: نحن نعرف أن الملائكة لهم أجنحة لكن لا نعرف حقيقة أجنحة الملائكة، وكذلك نعرف أن في الجنة ثماراً وعنباً ورماناً وفاكهة ذكرها الرحمن ولكننا لا نعرف حقيقتها.
وإن كان المراد أننا لا نعرف معنى الصفة، فلا نعرف معنى الرحمة، ولا نعرف معنى القدرة، ولا نعرف معنى العلم، ولا نعرف معنى الحكمة، فهذا خطأ، لأن صفات الرحمن نعرف معناها، قال الإمام مالك ﵀ عندما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، قال: الاستواء معلوم، أي: معلوم معناه والمجهول هو كيفيته، والإيمان به واجب؛ لأن الله أخبر بذلك، والسؤال عنه، أي: عن الكيفية بدعة، فلا تسأل عن الكيفية، فالله موجود ومعنى الوجود نحن نعرفه، لكن كيف هو موجود؟ لا نعرف، فالكيفية نجهلها، والله له سمع ونحن نعرف المعنى، لكن كيف السمع؟ لا نعرف الكيف، فنحن نؤمن بالمعنى ونفهم المعنى؛ لأن هذا كلام باللغة العربية.
فإذا أراد من قال: إن صفات الله من المتشابه أننا لا نعرف كيفيتها فلا بأس بذلك، أما إذا أراد أننا لا نعرف معناها فلا.
وكثير من الناس يحسبون أنها من المتشابه فلا نعرف معناها، إذاً فلا فرق عندهم بين قدير وعليم وخبير وسميع، وهذه كلها ليس لها معنى، وهي كلمة واحدة، وهذا يعود إلى قول الجهمية القدامى، فإنه لا فرق عندهم بين صفة وصفة!
стр. 372
بيان مذهب الإمام الشوكاني
السؤال
هل صحيح أن الإمام الشوكاني كان فترة من الزمن على غير منهج السلف؟
الجواب
العلماء في اليمن هم من الزيدية، والإمام زيد ﵀ من الشيعة الذين لم يغلوا غلواً كبيراً في علي بن أبي طالب، بل هو أفضل من غيره، وتولية المفضول مع وجود الفاضل لا بأس بها لاعتبارات معينة، ولكن لم يكن يسب الشيخين أبا بكر وعمر وبقية الصحابة، وحتى أن كثيراً من أتباعه عندما سمعوا منه ذلك رفضوه فسموا بالرافضة.
والزيدية في اليمن على مذهب زيد، لكن مع الأسف الشديد حصل منهم غلو في العصور الأخيرة كما يذكر الإمام الشوكاني في كتابه: (آداب الطلب) فيذكر أهوالاً كانت في عصره من كثير من الزيدية، لكن مع ذلك بقي الحق موجود في المذهب الزيدي، وكثير من علماء المذهب الزيدي أئمة مجتهدون وفقهاء، فقد يكون في بداية النشأة يتأثر الواحد منهم، والإمام الشوكاني كتب سيرته بنفسه في كتابه البدر الطالع، والمسألة عنده كانت واضحة وضوحاً شديداً فيما أعلم، والله أعلم.
стр. 373
الواجب على المسلم إحياء التراث الإسلامي
السؤال
ماذا يجب على المسلم في هذا العصر أن يفعله لإحياء التراث الإسلامي في مجاله الشخصي وفي مجاله العام طوال السنة حتى نكون عمليين؟
الجواب
لا بد من العمل، مثل: أن يتجمع المسلمون من كل مكان فينشئون جمعيات ومكتبات لنشر التراث، ثم يُنتقى التراث على درجات متفاوتة، ما بين كتب كبيرة وصغيرة ومتوسطة، ثم ينشر ويقرر في الجامعات والمدارس، ويُعرَّف بكتب في النشرات والإعلانات تتحدث عن التراث الإسلامي.
والآن في هذا العصر نقرأ في الصحف أحياناً إعلاناً فنظنه عن كتاب نافع فإذا به إعلان عن كتاب سيء! فوسائل الإعلام الآن لها طرق كثيرة لجلب الناس لقراءة الكتب والصحف، فينبغي للمسلمين أن يستخدموا هذه الوسائل، وأن يكون عندهم علم ليحيوا هذا التراث.
والكثير من الناس يريد أن ينشر الإسلام فينشر كتاباً سيئاً قد يهدم الإسلام، فلا بد من تبصير الناس بالأصول وبالمفاهيم وبالعقائد السليمة وبالعقائد الزائغة، وبالكتب السليمة والكتب غير السليمة، وهذا أحد الأمور، ثم بعد ذلك الاستفادة من وسائل الإعلام المختلفة، وإنشاء المؤسسات التي تعتني بالتراث، وتبصر الناس بالكتب النافعة، وهذه أسباب تؤدي -إن شاء الله- إلى نتائج طيبة.
стр. 374
عداء اليهود للمسلمين
إن العداء اليهودي للإسلام وأهله عداء أزلي، فمنذ القدم وهم يكيدون ويمكرون بأمة الإسلام، ولن ينتهي هذا العداء وتنتهي آثاره إلا بوحدة الصف الإسلامي، وإعادة البناء المرصوص على أساس التوحيد، والدفاع عن الدين ومقدساته، وبوضع ورمي الشعارات والمناهج الزائفة التي لم تحصد الأمة من بعدها إلا الذل والمهانة.
стр. 375
حقيقة عداء اليهود للإسلام وأهله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: تمكن المسلمون من فتح الأندلس، ثم خرجوا منها وليس ذلك بسبب قوة أعدائهم، وإنما بتفرق كلمتهم وتجزئهم وانقسامهم، فأزال الله دولتهم، وخرجوا من تلك الديار بعد أن عمروها مئات السنين، وبعد أن كان يرتفع فيها صوت الأذان، ويحكم فيها بشرع الله ، فلما تفرقوا وتجزءوا وأصبحوا دولاً؛ أزال الله دولتهم، وتخلى نصر الله عنهم، وهذه حال كل من فعل هذا الفعل وسار في هذا الطريق.
واليوم في وسط بلاد المسلمين تقوم دولة لليهود اغتصبت جزءاً من ديار المسلمين في أول الأمر، ثم زادت عليه فأخذت فلسطين كلها، وأخذت أجزاء أخرى من بلاد المسلمين، وهي تطمع غداً في احتلال الأردن وسوريا ومصر والعراق، وتصل إلى منابع النفط، وإلى المدينة المنورة، وإلى خيبر حيث كان يقيم آباؤهم وأجدادهم في الماضي.
فهذه مطامعهم ولا يخفونها، وهذه خارطتهم يوزعونها على أبنائهم في مدارسهم، ورفعوها شعاراً لهم فوق مجلس الأمة الذي يسمى بالكنيست، وينادون بها في محافلهم ويكتبونها في كتبهم، ثم بعد ذلك نجد الذين يحكمون بلاد المسلمين يمدون أيديهم إلى اليهود يريدون أن يفاوضوهم، ويريدون أن يجتمعوا بهم، ويرضوا بأن يتقاسموا معهم فلسطين! والمنظمة التي قاتلت أكثر من خمسة عشر عاماً يقول زعماؤها اليوم: إننا نرضى بشبر من فلسطين نقيم عليه دولة الفلسطينيين! يريدون قطعة أرض يقيمون عليها دولة فلسطين، وليس هناك حاكم من حكام الدول العربية إلا وقد صرح بأنه إذا قبل اليهود بالتقسيم ورضوا بأن تقام دولة للفلسطينيين في جزء من فلسطين فإنهم سيسالمون اليهود وسيعقدون معهم صلحاً.
فهذه قضية خطيرة نأمل ألا تسري إلى نفوس المسلمين، فالعداء بيننا وبين اليهود ليس على شبر أرض، فمنذ أن قامت دولة الإسلام نصب اليهود أنفسهم معادين لهذه الدولة، ومكروا ودبروا وخططوا حتى يقضوا على دولة الإسلام في أرضه وفي مهده، وانتصر الإسلام؛ لأنه منزل من عند الله، واستمر الكيد اليهودي إلى اليوم، وقد بين الله أن اليهود لا عهود لهم ولا مواثيق، والواحد منهم لا يؤمن جانبه، واليهود كما أخبرنا الله -ومن أصدق من الله قيلا- أنهم يعلمون أن ديننا حق، وأن محمداً مرسل من عند ربه، وأن هذا الكتاب هو كتاب الله، بل يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك يعادون الإسلام، والمسلمين، ويكفرون بالقرآن، ويكذبون بمحمد ﷺ .
وأخبرنا الله بأن قلوبهم قست، وأن نفوسهم جفت فيها منابع الخير، وأنهم نقضوا عهودهم ومواثيقهم مع ربهم ، فغضب عليهم ولعنهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، فكيف بعد ذلك يُؤمن جانبهم ويؤمن مكرهم؟ فالقضية عند اليهود واضحة، وهدفهم واضح محدد لا يرضون به بديلاً، وإنما يلاينون ويجاملون في بعض المراحل حتى يتمكنوا، ثم بعد ذلك يقفزون قفزات أخرى حتى يحققوا أهدافهم.
وهذا غباء من المسلمين الذين يظنون أنهم يستطيعون أن يهادنوا اليهود ويسالموهم، أو أن يعيشوا وإياهم في دولة واحدة يجمعها سلطان واحد، أو أن يكون لكل منهما دولته وجيشه وسلطانه، فكل هذا لا يمكن أن يتحقق في واقع الأمر أو واقع الحياة.
ثم إن المسألة مسألة دين، وإرضاء لله قبل أن تكون مسألة أرض، فالأرض تعود، ولكن إذا أغضبنا الله فمن ينجينا من غضبه وعقابه؟ فالله لا يرضى أن يذل المسلمون وأن تنتهك حرمات الإسلام، فلا يجوز أن يرضى المسلمون بالدنية في دينهم؛ لأن الله لا يرضى ذلك أبداً، بل إنه يريد للإسلام العزة، ويريد للمسلمين النصر على فئة لا يبلغ تعدادها بضعة ملايين، فما أشبه الحال هنا بالحال في الأندلس!
стр. 376
أول خطوة في طريق النصر
لو كانت دول الإسلام الآن دولة واحدة تخفق رايتها في هذه البلاد الشاسعة، وجيشها جيش واحد، وحكومتها حكومة واحدة، وماليتها مالية واحدة، أيستطيع أن يقترب منهم اليهود؟ أتستطيع أن تناصبهم العداء أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا أو روسيا؟ لو كان تعداد دولة الإسلام ثمانمائة مليون مسلم فإنهم يستطيعون أن يشكلوا جيشاً يبلغ تعداده عشرون مليوناً، وعندهم هذه المالية الضخمة، والإمكانات الواسعة، والعقيدة الواحدة التي تؤلف نفوسهم وقلوبهم، وعندهم هدف واحد إما النصر وإما الشهادة، فكيف يستطيع أحد أن يعتدي على حماهم؟ وكيف يستهين بهم أعداؤهم؟ لا يمكن أن يتحقق ذلك.
وكنا نأمل من لقاء زعماء المسلمين في مكة، في مؤتمر إسلامي كبير يضم رؤساء الدول الإسلامية أن يقرروا أول خطوة في الطريق نحو النصر، وهي: أن يشكلوا خلافة إسلامية، أو حكومة إسلامية تجمع شتات الدول الإسلامية، وتوحد أمة الإسلام، وتحكمها شريعة القرآن، ويحكمها كتاب الله ، وأن يكون لها جيش واحد، عند ذلك ستحل مشكلات المسلمين في بلاد الإسلام، ويزول ما يعانيه المسلمون، كل ذلك سينهي مشكلاتهم ومعضلاتهم، والأعداء الذين يناوشونهم من كل جانب، والذين يريدون بهم شراً، كل ذلك سيتوقف؛ لأنهم أصبحوا قوة يحسب لها ألف حساب، فتخطب ودها أمريكا، ولن ترضى أن تساوم اليهود لتكسب عداء دولة كبيرة عظمى كهذه الدولة.
عند ذلك تعود للمسلمين عزتهم ويعود لهم مجدهم، وعندها سيسير المسلم في أرض الله الواسعة، ويتنقل في بلاد المسلمين رافع الرأس، فلا يطأطئ رأسه إلا لربه ، عند ذلك سنجد جموع الإسلام تتجه إلى القدس لتحرير مسرى الرسول ﷺ ، وعند ذلك تنتهي مشكلة الفلبين، ومشكلة أرتيريا، وتنتهي مشاكل المسلمين الاقتصادية، وكل ذلك سيتلاشى وينتهي.
كانت تلك أول خطوة على الطريق نحو النصر، ونحو العزة والكرامة، ونحو دولة تحقق للمسلمين خيراً كبيراً، وتحقق لهم العزة في الدنيا والخير عندما يلاقون ربهم .
هذه أول خطوة في الطريق، وهي: أن لا يتجزأ المسلمون، وألا يبقوا منقسمين، وإلا فسيسهل الانتصار عليهم، ويسهل أن تمتص دماؤهم وخيراتهم.
لقد بكى الباكون على فلسطين دهراً طويلاً، جعلوها مثل قميص عثمان، وذلك أن بعض الناس شارك في قتل عثمان ثم تباكى طويلاً عليه.
وكذا قضية فلسطين، فقد تباكى عليها المتباكون طويلاً، وكتبوا، وخطبوا، وتكلموا في مجلس الأمن، ولكن الحالة تزداد كل يوم سوءاً، واليهود يبنون دولتهم ويعدون عدتهم ويهيئون أنفسهم، ويشترون السلاح من كل مكان، ويبنون المصانع، بل صاروا يبيعون السلاح في هذه الأيام، ونحن لم نزل بعيدين عن الطريق، لا نصنع شيئاً ولا نجهز شيئاً بل لا نعمل شيئاً!
стр. 377
أهمية العقيدة لتحقق النصر
لو هجم اليهود اليوم على الأردن أو على سوريا أو على مصر ماذا سيفعلون؟! أين السلاح وأين الرجال وأين العقيدة وأين الهدف الذي يحمله المقاتلون؟! وقد جربنا معارك خضناها بعيداً عن إسلامنا وعن عقيدتنا فما جنينا منها إلا العلقم كما يقولون، لم نجن خيراً؛ لأننا لم نقاتل كما يريد الله ، قاتلنا في سبيل أهداف قريبة سطحية، أو قاتلنا ونحن لا نعرف ما الهدف من القتال، وقاتل الضابط وهو مخمور، ومعارك قامت ورجال الجو فيها -أي: الذين يقودون الطائرات- سكارى، والمعركة مشتعلة في عام ١٩٦٧م! فليس هناك إلا الحل الذي يبينه الله ، ولا نصر إلا بعودة إسلامية صحيحة طال الأمد أم قصر، فلابد أن يعود المسلمون إلى دينهم، ولابد أن تجتمع كلمتهم، وأن تتوحد دولتهم، وأن يعودوا مرة أخرى أمة واحدة لها دولتها ولها تشريعها، وليكن تشريعها هو قرآنها وسنة نبيها ﷺ ، ولتكن دولة تقوم على سواعد أبنائها، لا يؤتى لها بالخبراء من أمريكا، ولا من فرنسا، ولا من روسيا، لا تميل نحو الشرق ولا نحو الغرب، دولة تقوم على الإسلام باسم الإسلام، وباسم الله، تتبع منهج رسول الله ﷺ ، وتحقق ما يصبو إليه المسلمون من خير.
فإن تقاعس المسلمون، فسيهز اليهود عروش حكام المسلمين، كما هو الحال، فاجتاح الكفار بلاد المسلمين، وامتصوا خيراتهم، فمن كان يصدق بأن الأقصى سيفرط فيه المسلمون، وأنه سيضيع من أيديهم، فعمَّان ليست بأغلى من الأقصى، والكويت ليست بأغلى من الأقصى، واليهود يحلمون بالكويت، وبالمدينة المنورة، ويحلمون بالقاهرة، ويحلمون بعمان، ويحلمون بالدول العربية كلها، فأين نخوة المسلمين؟! ألا تذكرون عندما كان يصفق اليهود طرباً عندما دخلوا القدس وهم يقولون: محمد مات وخلف بنات؟! أين رجال المسلمين عندما فعل اليهود ذلك؟! إنها أيام مريرة ورثناها في عصرنا هذا، حال المسلمين في مثل هذه الأيام لا يسر أبداً، فلابد للمسلمين من عودة مرة أخرى إلى هذا الدين، وإلى هذا الكتاب، وبدون ذلك لن ينتصروا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم فاستغفروه.
стр. 378
رفْع لواء الدين يكون على يد من أراد ذلك وعمل لأجله
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله.
نحن نؤمن بما أخبرنا الله به، وبما أخبرنا به الرسول ﷺ : من أن المسلمين أمرهم باق منتصر إلى أن تقوم الساعة، وتمر على المسلمين لحظات وسنوات يضعفون فيها، ولكن الله يحفظ دينه وييسر له من يقوم به، ويرفع لواءه ويعلي مناره، نؤمن بذلك كله، ولكن لكل أمر سبب.
هناك أسباب لكل ما يقدر الله، فالله يقدر النتيجة ويقدر السبب الذي يوصل إليها، ونحن نريد المسلمين اليوم أن يعودوا ليكونوا هم السبب في عزة الإسلام وأهله، فإذا ما تخلف أمثالنا عن نصرة الإسلام فسيرفع الله لواء الإسلام في الهند، وقد يرفعه في أمريكا، أو في أي دولة.
فمن كان يظن أن المدينة التي استعصت على الصحابة، أي: لم يستطع الصحابة أن يفتحوها، وهي: (القسطنطينية) ستصبح عاصمة الإسلام مئات السنين؟! من كان يظن أن دولة الإسلام ستكون عاصمتها هناك في تركيا، التي كانت يوماً ما عاصمة تحارب الإسلام؟! فقد كانت جيوش الأعداء تنطلق منها لتحارب الإسلام، فإذا براية الإسلام ترتفع في سمائها مئات السنين، وتحمل راية الإسلام مشرقة ومغربة، وتحكم العالم الإسلامي وتحكم بغداد، التي كانت عاصمة للدولة الإسلامية في الخلافة العباسية، وتحكم دمشق التي كانت عاصمة للدولة الأموية، وتحكم المدينة ومكة، من هناك في تركيا من القسطنطينية! فالله قادر أن يرفع راية الإسلام في عاصمة أخرى، وفي دولة أخرى تحارب الإسلام وتعاديه، ولكننا سنخسر القضية ونحن نريد أن نربحها، ونريد عزة الدنيا ورفعة الآخرة ورضوان الله ، وأن يتحول المسلمون مرة أخرى إلى قوم يعملون لهذا الدين ويحرصون عليه، وعلى رضوان الله ، وينبذون الشرك والكفر عن أنفسهم وعن إخوانهم، ويبصرون الناس بدينهم، ويدعون إلى الإسلام، ويبينون للناس هذا الدين، ويأخذون بأنفسهم وبإخوانهم كي يصلوا إلى الهدف الذي يريده الله ، عند ذلك يتحقق للمسلمين عزهم، يكون لهم النصر.
اللهم! اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا.
اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم! اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب سميع مجيب الدعوات.
стр. 379
قيمة الجهاد
إن الموت حقيقة لا بد منها، والحياة مصيرها إلى الزوال، فجدير بالمسلم ألَّا يحرص على الدنيا الفانية حرصاً يؤدي به إلى أن يضيع الآخرة الباقية.
وعندما ترك المسلمون الجهاد وحرصوا على دنياهم، أصبحوا في ذيل الأمم وفي مؤخرتها، إذاً فلا نصر للمسلمين إلا إذا آثروا الباقية على الفانية، وضحوا بأنفسهم في سبيل نصرة دين الله.
стр. 380
الموت حقيقة لا بد منها لكل إنسان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن الله ذم بني إسرائيل في محكم كتابه أنهم كانوا يؤثرون هذه الحياة الدنيا ويحرصون عليها أشد الحرص فقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة:٩٦]، فكان أحدهم يود أن يعمر العمر الطويل، وألّا يفارق هذه الدنيا، وألا يأتيه الموت، وقد أصاب هذه الأمة ما أصاب بني إسرائيل من قبل فخسرت كثيراً.
ومن أراد أن يعلم نهاية الحياة فليذهب إلى القبور، وليعلم أن مصيره هناك، فليذهب يوماً ما وليقف على قبور الذين أفضوا إلى ربهم، وليعلم أن مصيره سيكون مثلهم، وأن الموت سيأتيه، وأنه سيلاقي ربه شاء أم أبى، فالأمر ليس إليه.
لقد جئنا إلى الحياة وليس لنا إرادة، وسنفارق هذه الحياة وليس لنا اختيار، فنحن نجيء بقدر الله ، ونمضي بقدر الله ، وليس لنا إرادة في المجيء، وليس لنا إرادة في الذهاب فكل ذلك بأمر الله .
فمحمد صلوات الله وسلامه عليه المصطفى المختار جاءه الموت، ونزعت روحه من بين جنبيه، ودفنه أصحابه في التراب وأفضى إلى ربه، فمن أفضل من رسول الله ﷺ ؟ فالكل ماض على الدرب.
إنها حقيقة نتناساها ونتجاهلها، لكنها عندما تستقر في نفس المؤمن الحية عند ذلك يصنع كما صنع المسلمون، فعندما أيقنوا بهذه الحقيقة قلبوا معادلات كثيرة في هذه الحياة وفي الصراع بين الحق والباطل.
فعندما واجه زعماء الكفر والشرك جيوش الإسلام بأعدادها القليلة، والتي قد تصل إلى بضع ألوف مقابل عشرات الألوف ومئات الألوف في المعارك الكبرى التي جرت بين المسلمين وبين أعدائهم؛ كان المسلمون دائماً قلة، وكان أعداؤهم يواجهونهم بالحشود الضخمة والجموع الهائلة ويقولون لهم: ماذا تستطيعون أن تفعلوا بهذه الأعداد القليلة؟ ولكنهم بهذه الحقيقة غيروا معادلات ضخمة.
فكان يقول قائلهم في المفاوضات التي تجري: جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، قوم لا يخشون الموت بل إن أمنيتهم الموت، وأمنيتهم أن يموت المسلم شهيداً في سبيل الله لينال حياة دائمة عند ربه؛ لأنه يستشعر قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠]، ويذكرون قول نبيهم المصطفى المختار صلوات الله وسلامه عليه: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في رياض الجنة تأكل من ثمارها، وتشرب من أنهارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن) ويذكرون قول الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١].
كانت هذه الحقيقة دائماً أمام أعينهم، فكانوا يبذلون من أموالهم، وأوقاتهم، وأنفسهم؛ طلباً لرضوان الله ، فلماذا يفرون من الموت؟ ولماذا يهربون من الموت والموت حق؟ كانوا يعلمون أن الشهيد عندما يسقط في حومة الوغى فإنه لا يفتن في قبره، وذلك أنه فتن في الدنيا في ميدان الحرب والقتال فصبر على البأس والأذى، ولقد رأى الموت بعينيه فلم يتراجع؛ ابتغاءً لما عند الله ، فحسبه بذلك فتنة كما أخبر الرسول ﷺ .
فعندما استقرت هذه المعاني في نفوس المسلمين لم يقف في وجوههم أحد، وعندما استقرت هذه المعاني في نفوس المسلمين استطاعوا أن يحاربوا الباطل في مجتمعاتهم وأن يجتثوا جذوره، وأن يكون فيهم رجال يستطيع الواحد منهم بموقف أن يغير اتجاه أمة، وأن يقف في وجه تيار جارف يريد استئصال الإسلام.
فلقد وقف أحمد بن حنبل في وجه تيار مستغرب جاء ليجتث جذور الإسلام، وليدخل في عقائد الإسلام ما ليس منها، إنه رجل واحد وقف في وجه الحكام الذين كانوا يملكون الدولة ويملكون السيادة، ولكنه وقف بإيمانه، فضُرب، وأوذي، ولكنه لم يلن، ومضى الذين كانوا يحملون هذا الفكر الفاسد، وبقي فكر الخير يسري في هذه الأمة، ويصل ما قبل الإمام أحمد بما بعده؛ ليستمر النهر الفياض إلى أن تقوم الساعة.
فعندما يوقن المسلمون بهذه الحقيقة فسيتمكنون من تغيير كثير من الأمور والأحوال، وعندما ينسونها فلن تتغير الحقيقة؛ فسيمضي الناس، وسنمضي إلى الله ، فالموت آتٍ لا محالة.
وينبغي لهذه الحقيقة أن تنتج نتيجة وهي: أن تصبح هذه الأمة كما كانت أمة مقاتلة ومجاهدة، فالجهاد يحيي هذه الأمة ويفجر طاقاتها، ويغسل أدرانها وأوساخها وأقذارها.
إن هذا الترهل الذي نعيشه في أيامنا: من الشهوات، والملذات، والنعيم الذي يتردى فيه الناس، يخدر أعصابهم ويقتل طاقاتهم.
ونحن نحتاج إلى أن نعود مرة أخرى إلى معاني الجهاد والبطولة والفداء الذي يحول هذه الأمة إلى أمة مجاهدة تغسل أدرانها وتفجر طاقاتها، فعند ذلك تتحول مسيرة هذه الأمة.
стр. 381
الهلاك في ترك الجهاد
لقد خسر المسلمون كثيراً عندما تركوا الجهاد، فخسروا خسراناً مبيناً، وتحقق فيهم قول الله : ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].
فعندما خرج من صفوف المسلمين -في معركة وقعت في تركيا- رجل من صفوف المسلمين في عهد الصحابة وانطلق حتى دخل في صفوف المشركين وحيداً، قال المسلمون: سبحان الله! لقد ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري وهو صحابي من صحابة رسول الله ﷺ : إنكم تحملون هذه الآية على غير وجهها، فلقد نزلت هذه الآية عندما انتصر الإسلام في عهد الرسول ﷺ فقال الأنصار: لقد ضاعت أموالنا وبساتيننا ونحن نجاهد، والآن انتصر الإسلام، فلنجلس لنرعى أموالنا وبساتيننا وأعمالنا؛ فأنزل الله : ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فكانت التهلكة في ترك الجهاد.
فالهلاك إنما هو في ترك الجهاد وليس في البذل والعطاء، وليست التهلكة في أن يلقي المسلم نفسه في وسط الأعداء ويقاتلهم، إنما هي في توقفه عن القتال وعن العمل، وعن البذل والدعوة، فيقول المتكاسل: لقد شبت، وكبرت، وجاهدت، وعملت، فإن هذا التوقف موت وهلاك ودمار، فعندما يتوقف المسلم فإنه يدمر نفسه، وعندما تتوقف الأمة فإنها تفقد إيجابيتها وخيريتها فكانت التهلكة -كما يقول أبو أيوب الأنصاري - في ترك الجهاد.
لقد تركت الأمة الجهاد في أيامنا فتسلط عليها أعداؤها، فكانت التهلكة بسبب تركنا للجهاد، وتفرقت الأمة وتركت الجهاد، فأصبح أعداؤها أقوياء وتغلبوا عليها فهلكنا؛ وكل ذلك بسبب تركنا للجهاد.
فلو كانت هذه الأمة أمة مقاتلة لما كان لليهود وجود في ديارنا، ولما استطاع الأعداء أن يقسموا بلادنا، ولما استطاعوا أن يدحروا الدولة الإسلامية العثمانية، وقد كان ذلك بسبب تركها للجهاد، وضعفها في آخر أيامها، ولو كنا أمة مقاتلة مجاهدة لما استطاعت الدول في الحرب العالمية الثانية أن تجزئ بلادنا وتأخذ ديارنا.
لقد أصبح عندنا شح في النفوس، وأمراض في القلوب، وأصبح الإنسان يفكر في الدنيا، وفي المال، وفي البيوت، وفي السيارات، وفي الجاه، ولا يفكر في هذه الأمة، بل ولم يعلم أنه إذا تسلط عليه أعداؤه فقد يفقد البيت والأرض والمال! فماذا ترك اليهود للمسلمين في حيفا؟ ماذا تركوا لهم في يافا؟ ماذا تركوا لهم في عكا؟ ماذا تركوا لهم في القدس؟ لقد حفروا الآن تحت المسجد الأقصى، وأخذوا كل شيء، فلقد أخذوا المال، وأخذوا الأراضي والخيرات، فكل بلد يستولون عليها يفعلون بها ذلك.
فالتهلكة إنما هي في ترك الجهاد، وعندما يحسن المسلمون -كما يقول أحد المعاصرين- صناعة الموت وصناعة الجهاد عند ذلك يتغير حالهم ويتبدلون.
فعندما يفهم المسلمون الغاية من الجهاد، والخير الذي يأتي به الجهاد في الدنيا، والخير الذي يأتي به في الآخرة؛ فستتغير نفسياتهم، وسيصلح منهم المعوج، ويستقيم منهم الزائع، وعند ذلك تتحول هذه الأمة إلى خير أمة أخرجت للناس.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، فاستغفروه.
стр. 382
وجوب الإعداد لمواجهة الكفار
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله.
ومما ينبغي أيها الإخوة! أن نكون على ذكر إلى أن يأذن الله بفتح باب الجهاد، فتعود الأمة الإسلامية إلى طبيعتها المجاهدة المقاتلة كي تصد أعداءها، وتنفي خبثها، وتحارب الباطل فيها، وتزيل المنكر من ديارها، وحتى يأذن الله بذلك الحين فينبغي على المسلمين أن يربوا أنفسهم على معاني الجهاد، وعلى معاني الإيمان، وأن يعدوا أنفسهم لهذا الطريق، فإعداد النفس ليس بالأمر السهل، ومن لم يعد نفسه لهذا فلن يستطيع إذا ما جاء الوقت وفتح الباب أن يسير في هذه المسيرة؛ لأنه لم يعد نفسه لهذا الطريق.
فعندما فتح الباب لبني إسرائيل في أن يجاهدوا بعث الله لهم ملكاً كما طلبوا، ولكن كثيراً من الذين كانوا يطالبون بالجهاد تخلوا عنه وتركوه، وكذلك بعض المسلمين في مكة كما قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء:٧٧] فلما فتح باب الجهاد نكص بعضهم على عقبيه ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء:٧٧]، فيحتاج المسلمون إلى أن يعدوا أنفسهم، وأن يربوا أنفسهم وأولادهم وبيوتهم على معاني الجهاد، ويأخذوا أنفسهم بذلك ويحذروا، فقد أخبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أن الذي لا يجاهد ولا يحدث نفسه بالجهاد فإنه يموت على شعبة من شعب النفاق، فإذا كان الإنسان لا يجاهد ولا يحدث نفسه يوماً بالجهاد فهو إنسان غير مخلص في إسلامه وإيمانه.
اللهم! اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا.
اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم! اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.
стр. 383
الانحراف عن المسيرة الإسلامية
لقد أكرم الله البشرية بهذا الدين الخاتم، فقد حقق لها الأمن والاطمئنان يوم أن التزمت بالسير على مقتضى أوامره، وعندما بدأت تتنكب عن صراطه المستقيم، وبدأت تتنازل عن أجزاء منه حقت عليها كلمة الله في أمثالها من الأمم، فتسلطت عليها من الأمم، وفرضت عليها الأنظمة والقوانين لتسير عليها بدلاً من منهج الله القويم.
стр. 384
الإسلام هو الطريق الصحيح
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
موضوعنا اليوم هو: باب الانحراف في المسيرة الإسلامية ونتائجه.
إن المسيرة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي هي الأمل الذي ينعقد عليه الرجاء في إعادة الحياة الكريمة لهذا العالم، وعليه ينعقد الرجاء لحل مشاكل العالم الذي دمره القلق والصراع، وتسلط عليه شياطين الجن والإنس.
ولقد جرب عالمنا الإسلامي مختلف الأنماط في عصره الحاضر، وتسلطت على رقابنا جماعات وأحزاب وعدتنا بأنها ستعيد إلينا عزتنا ومجدنا، وأنها ستنهي مشاكلنا الاقتصادية، وأنها ستجمع شملنا وتوحدنا، لكنا إذا نظرنا اليوم إلى حالنا فإننا لا نرى إلا فرقة وانقساماً، نرى الأمة الواحدة أصبحت أمماً، والدولة الواحدة أصبحت دولاً، وازداد الفقر والتعاسة في كثير من ديار المسلمين هنا وهناك، لقد فشل دعاة الوطنية والقومية، وفشل من بعدهم الاشتراكيون والبعثيون، ولم يبق إلا الإسلام.
لقد نجح الإسلام في الماضي عندما حكم هذه الديار في إيجاد مجتمع مثالي في عالم البشر، ولقد أوجد كياناً سعدت به البشرية، وترعرعت في جنباته الفضائل والقيم الصالحة، وتناسى المسلمون في ظله العصبيات للأقوام والأجناس والأوطان، وكان ولاؤهم فيه للحق، ثم ضيع المسلمون دينهم وتركوه إلى عادات موروثة، وفلسفات وتوجيهات وافدة، فكانت ضياعاً ودماراً، وكانت فرقة وشتاتاً، وكان التسلط من الأعداء، وحصلت الهزائم العسكرية والفكرية والاقتصادية.
ثم صحا المسلمون من جديد في هذا العصر، فحاولوا أن ينظموا صفوفهم، ويلتمسوا طريقهم؛ ليحملوا الراية من جديد، ولكن الطريق مليء بالصعاب، ومحفوف بالمخاطر، فالأعداء المتربصون بنا من كل جانب يرقبون حركاتنا، ويقرءون كتاباتنا، ويدرسون فكرنا، ثم يأتمرون ويخططون، فيرسلون إلينا سهامهم، وبعض سهامهم رجال من هذه الأمة، كي يفرقوا ويقتلوا ويدمروا، وقد أصيبت جموع كثيرة من رجال الدعوة بسهام الأعداء ومكرهم وخديعتهم، وكذلك الجهل والمرض الذي يعاني منه المسلمون في مختلف بقاع العالم الإسلامي، فإنه يؤخر المسيرة، ويضعف الصف، ويجعلنا نعاني معاناة هائلة ونحن نشق طريقنا إلى الأمام، وأخطر من ذلك كله الانحراف الذي يصيب المسيرة من داخلها، فذلك أخطر ما تعاني منه المسيرة الإسلامية.
стр. 385
شروط نجاح المسيرة الإسلامية في قيادة الأمم
إن نجاح المسيرة في أن تتبوأ مركز القيادة والتوجيه، وتعيد للأمة دورها في عالمنا، مرهون باستقامتها على المنهج الصحيح، فانحرافها عن الطريق المرسوم يجعلها لا تصل إلى الهدف المنشود، وإذا وصلت فإنها ستصل بعد زمن طويل؛ بسبب طول الطريق الذي سببه الانحراف.
إن نجاح المسيرة يتحقق بأمرين: الأول: الهداية إلى الصراط المستقيم، وذلك يكون بالتعرف عليه، ومعرفة حدوده وأبعاده، وقد شرع الله لنا أن ندعوه دائماً أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، فنحن دائماً نردد في صلاتنا وفي خارج صلاتنا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وكان المعصوم صلوات الله وسلامه عليه عندما يقوم من الليل يسأل ربه الهداية قائلاً: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
الثاني: اتباع هذا الصراط المستقيم وعدم الميل عنه يميناً أو شمالاً، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، والاستقامة على الطريق أمر في غاية المشقة والصعوبة؛ ذلك أن النفس الأمارة بالسوء، والدنيا المليئة بالمغريات، وشياطين الجن والإنس، كل أولئك يحاولون أن يحرفوا المسيرة، وأن يحرفوا العاملين بها عن الدرب القويم، ولذلك كانت أشق آية أنزلت على الرسول ﷺ كما يقول ابن عباس هي: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢].
стр. 386
المزالق التي تحرف عن الطريق المستقيم
إن المزالق التي تحرف عن الصراط المستقيم كثيرة، فطرق الباطل لا تحصى ولا تعد، وقد خط الرسول ﷺ في الرمل خطاً، وخط عن يمين ذلك الخط وشماله خطوطاً، ثم أشار إلى ذلك الخط المستقيم وقال: (هذا صراط الله مستقيماً)، وأشار إلى تلك الخطوط المنحرفة ذات اليمين وذات الشمال وقال: (هذه السبل على كل سبيل فيها شيطان يدعو إليه)، ووصف هذا بمثال آخر فقال: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور ملقاة، وداع يدعو من فوق الصراط يقول: أيها الناس! ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط كلما أراد أحدهم أن يفتح باباً من تلك الأبواب يقول: ويحك لا تفتحه؛ إنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والأبواب محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من جوف الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم).
فانحراف المسيرة يأتي من أحد هذين الأصلين: إما من جهل الصراط المستقيم وعدم العلم به، وهذا هو الضلال، ومن هنا أُتي النصارى الذين سماهم الله بالضالين؛ إذ عبدوا الله على جهل، وإما أن يأتي من عدم الاستقامة عليه واتباعه مع العلم به، وهذا حال اليهود الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه، ولذلك سماهم الله بالمغضوب عليهم.
وأما حال الذين أنعم الله عليهم فهو معرفة الحق واتباعه، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
إنّ من نعمة الله علينا أن الصراط المستقيم الذي ينبغي أن تسلكه المسيرة الإسلامية واضحة معالمه معروفة حدوده، محصور في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنتي).
وقد حفظ الله دينه من التغيير والتبديل والضياع فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وهذا الدرب لن يخلو من السالكين؛ مصداقاً لقول الرسول ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم إلى أن يأتي أمر الله وهم كذلك).
فالصراط المستقيم تعاليمه محفوظة في الكتب وفي الصدور، وهو متمثل في رجال وجماعات متناثرة في جنبات عالمنا اليوم، فإذا طلبنا السير في هذا الطريق القويم فإننا سنهتدي بحول الله وقوته، وسنصل إلى الهدف المنشود إن شاء الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
стр. 387
أثر التنازل عن شيء من الدين والركون إلى الظالمين في انحراف المسيرة
إن التنازل عن شيء من الإسلام يعد انحرافاً، فالصراط المستقيم هو الإسلام، والإسلام هو دين الله الذي أنزله ليحكم بين عباده، وليهيمن على حياة البشر في كل شأن من شئونهم: في الحكم، والتشريع، والتربية، والتعليم، والإعلام، والاقتصاد، والعلاقات بين الأفراد، وبين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم.
إنّ طائفة من البشر يريدون أن تكون كلمتهم هي العليا في ذلك كله، ويريدون من دعاة الإسلام أن يقصروا جهودهم على أجزاء من الإسلام كالعبادات والأمور الأخلاقية، ويرفضون أن يمتد الإسلام ليهيمن هيمنة كاملة على الأفراد والمجتمعات، وبعض الذين يتصدون للعمل الإسلامي قد يساومون في هذه القضية، ويرضون بصفقة تعطيهم الحق في دعوة الناس إلى شيء من دينهم، وبالتالي سيسكتون عن أشياء كثيرة، ومع مرور الزمن ينسون أن هذه الأشياء التي تركوها هي من الدين، وبذلك تنحرف المسيرة الإسلامية.
وقد حذرنا الله من هذا المنهج، وسمى الذين لا يريدون هيمنة الإسلام على الحياة بالظالمين؛ لأنهم ظلموا أنفسهم وظلموا البشر معهم عندما عارضوا منهج الله تعالى، ومنعوا الناس من هذا الخير والنور، وجلبوا لهم الدمار والخراب الذي يحل بالظالمين، وقد حذر الله دعاة الإسلام من الركون إلى الظالمين فقال: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود:١١٣].
يقول صاحب (الظلال) في تفسير هذه الآية: لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا من الجبارين والطغاة الظالمين أصحاب القوة في الأرض، الذين يقهرون العباد بقوتهم، ويعبّدونهم لغير الله من العبيد، لا تركنوا إليهم؛ فإن ركونكم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه، ومشاركتهم في إثم ذلك المنكر الكبير.
стр. 388
بعض الصور التي يستخدمها الأعداء في إغراء أصحاب الدعوات
يحاول أصحاب السلطان دائماً إغراء أصحاب الدعوات؛ كي يتنازلوا عن شيء من دعوتهم، وذلك بالترغيب حيناً وبالترهيب أحياناً، وقد عرضت قريش على الرسول ﷺ المال والنساء والملك؛ كي يخفف من دعوته، ويتخلى عن شيء من مبادئه ورهبته بالقتل والإخراج من الأرض.
وقد يحاول بعض أصحاب السلطان التوصل إلى حل وسط مع أصحاب الدعوات، فقد عرضت قريش على الرسول ﷺ أن يعبد آلهتهم يوماً ويعبدوا إلهه يوماً، وقد يطلبون بعض التعديلات الطفيفة على منهج الداعية وأسلوبه، وقد يعرضون عليه التخلي عن بعض أتباعه؛ كي يجالسوه ويتبعوه ويسيروا معه، والجواب على هذا واضح لا غموض فيه وهو: أننا لا نتخلى عن شيء من الحق، ولا نهادن في الباطل، ولا نستجيب للمطالب الظالمة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]، ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
إن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسيراً، ويقبل إغفال طرف منها ولو ضئيلاً، لا يملك أن يقف حيث سلم أول مرة؛ لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء، وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها، والتسليم في جانب ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها هو هزيمة روحية؛ لأن فيه الاعتماد على أصحاب السلطان في نصر الدعوة، والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون في دعوتهم، ومتى دبت الهزيمة في أعماق القلوب فلن تنقلب الهزيمة نصراً.
لقد امتن الله على رسوله ﷺ أن ثبته على ما أوحى إليه وعصمه من فتنة المشركين له، ووقاه الركون إليهم ولو قليلاً، ورحمه من عاقبة هذا الركون، وهي العذاب في الدنيا والآخرة مضاعفاً، وفقدان المعين والنصير، ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٧٣ - ٧٥].
لقد وقع في هذه الفتنة رجال كانوا يتصدرون العمل الإسلامي، كانوا ملء السمع والبصر، فبعضهم أغراه الترغيب والمغنم العاجل القريب، وبعضهم أخافه الترهيب، وبعد سنوات من سقوطهم في الفتنة أصبحوا طبولاً جوفاء تسبح بحمد الظالمين، وأرادوا أن يجروا المسلمين إلى مسارهم المظلم، ولكن الدعوة سارت في طريقها وخلفتهم وراءها، واليوم هناك رجال يبدو من فلتات لسانهم ركون إلى الذين ظلموا، وذلك في حديثهم اللين مع الظالمين -نسأل الله لنا ولكم العصمة- ولكن دعوة الله سائرة، وكل ما يحدث أننا سنحزن على الذين يسقطون في المسيرة، ولكننا لن نرضى أن تنحرف المسيرة.
стр. 389
غاية الدعوة في هذه الحياة
إن غاية هذه الدعوة أن يهيمن الإسلام على هذه الحياة في الحكم والتشريع، وفي التعليم والتربية والاقتصاد والسلم والحرب، ونحن لا نرضى بغير ذلك، ولا نساوم أبداً في هذه القضية، فإن استجاب الحكام لهذا فوالله إن في ذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة، وإن أبوا إلا الأخرى صبرنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم، ولكن لن نلتقي في منتصف الطريق، ولن نتنازل عن شيء من دعوتنا، فقد حذرنا الله من ذلك، ونخشى إن فعلنا ذلك أن تمسنا النار، قال الله تعالى محذراً من ذلك: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، وقال: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥].
стр. 390
الإسلام طريق الهداية الحقة
لا توجد الهداية إلا في الإسلام، وأصحاب المبادئ الظالمة الجائرة، وأصحاب الأديان المحرفة يزعمون أنهم يملكون الهداية، وأنهم يملكون تخليص الناس من الشقاوة والحيرة، فالفلاسفة في القديم والحديث يدعون ذلك، واليهود والنصارى يدعون ذلك، ورجال الفكر والتربية وعلماء النفس في الغرب والشرق يدعون ذلك، ونحن نقول في مواجهة ذلك كله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة:١٢٠].
فلا هداية للبشرية من ضلالها وشقوتها إلا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والبشرية في أثناء مسيرتها فقدت الهداية، واستمداد الهداية من غير دين الله الخاتم كفر وضياع، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠٠ - ١٠١].
وإذا صُنَّا هذه الحقيقة التي صرح بها كتاب ربنا ((إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى)) فقد فرنا على أنفسنا جهوداً كثيرة في تلمس الهداية في الكتب السماوية المحرفة، وفي نظريات البشر وأفكارهم المتضاربة المتعارضة، وسرنا في الطريق المرسوم ندعو البشرية إليه، ونحاكم علومهم وعقائدهم إليه، وإذا ما جاءونا يعرضون علينا بضاعتهم رفضناها بعنف؛ لأننا نعلم أن في بضاعتهم دخن، وهم لا يرضون منا إلا أن نأخذ بها، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠].
وقد أوقف الرسول ﷺ هذا الانحراف بعنف، وقال فيه كلمة الفصل بلا غموض ولا لبس، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن ثابت قال جاء عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ ، قال عبد الله بن ثابت فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناًَ، وبمحمد رسولاً، قال: فُسريَ عن النبي ﷺ وقال: والذي نفس محمد بيده! لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين).
следующие страницы →