← Джавами‘

Джавами‘ · id 37419

دروس الشيخ عمر الأشقر

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (531 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المزالق التي تحرف عن الطريق المستقيم إن المزالق التي تحرف عن الصراط المستقيم كثيرة، فطرق الباطل لا تحصى ولا تعد، وقد خط الرسول ﷺ في الرمل خطاً، وخط عن يمين ذلك الخط وشماله خطوطاً، ثم أشار إلى ذلك الخط المستقيم وقال: (هذا صراط الله مستقيماً)، وأشار إلى تلك الخطوط المنحرفة ذات اليمين وذات الشمال وقال: (هذه السبل على كل سبيل فيها شيطان يدعو إليه)، ووصف هذا بمثال آخر فقال: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور ملقاة، وداع يدعو من فوق الصراط يقول: أيها الناس! ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط كلما أراد أحدهم أن يفتح باباً من تلك الأبواب يقول: ويحك لا تفتحه؛ إنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والأبواب محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من جوف الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم). فانحراف المسيرة يأتي من أحد هذين الأصلين: إما من جهل الصراط المستقيم وعدم العلم به، وهذا هو الضلال، ومن هنا أُتي النصارى الذين سماهم الله بالضالين؛ إذ عبدوا الله على جهل، وإما أن يأتي من عدم الاستقامة عليه واتباعه مع العلم به، وهذا حال اليهود الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه، ولذلك سماهم الله بالمغضوب عليهم. وأما حال الذين أنعم الله عليهم فهو معرفة الحق واتباعه، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]. إنّ من نعمة الله علينا أن الصراط المستقيم الذي ينبغي أن تسلكه المسيرة الإسلامية واضحة معالمه معروفة حدوده، محصور في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنتي). وقد حفظ الله دينه من التغيير والتبديل والضياع فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وهذا الدرب لن يخلو من السالكين؛ مصداقاً لقول الرسول ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم إلى أن يأتي أمر الله وهم كذلك). فالصراط المستقيم تعاليمه محفوظة في الكتب وفي الصدور، وهو متمثل في رجال وجماعات متناثرة في جنبات عالمنا اليوم، فإذا طلبنا السير في هذا الطريق القويم فإننا سنهتدي بحول الله وقوته، وسنصل إلى الهدف المنشود إن شاء الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 387

أثر التنازل عن شيء من الدين والركون إلى الظالمين في انحراف المسيرة إن التنازل عن شيء من الإسلام يعد انحرافاً، فالصراط المستقيم هو الإسلام، والإسلام هو دين الله الذي أنزله ليحكم بين عباده، وليهيمن على حياة البشر في كل شأن من شئونهم: في الحكم، والتشريع، والتربية، والتعليم، والإعلام، والاقتصاد، والعلاقات بين الأفراد، وبين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم. إنّ طائفة من البشر يريدون أن تكون كلمتهم هي العليا في ذلك كله، ويريدون من دعاة الإسلام أن يقصروا جهودهم على أجزاء من الإسلام كالعبادات والأمور الأخلاقية، ويرفضون أن يمتد الإسلام ليهيمن هيمنة كاملة على الأفراد والمجتمعات، وبعض الذين يتصدون للعمل الإسلامي قد يساومون في هذه القضية، ويرضون بصفقة تعطيهم الحق في دعوة الناس إلى شيء من دينهم، وبالتالي سيسكتون عن أشياء كثيرة، ومع مرور الزمن ينسون أن هذه الأشياء التي تركوها هي من الدين، وبذلك تنحرف المسيرة الإسلامية. وقد حذرنا الله من هذا المنهج، وسمى الذين لا يريدون هيمنة الإسلام على الحياة بالظالمين؛ لأنهم ظلموا أنفسهم وظلموا البشر معهم عندما عارضوا منهج الله تعالى، ومنعوا الناس من هذا الخير والنور، وجلبوا لهم الدمار والخراب الذي يحل بالظالمين، وقد حذر الله دعاة الإسلام من الركون إلى الظالمين فقال: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود:١١٣]. يقول صاحب (الظلال) في تفسير هذه الآية: لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا من الجبارين والطغاة الظالمين أصحاب القوة في الأرض، الذين يقهرون العباد بقوتهم، ويعبّدونهم لغير الله من العبيد، لا تركنوا إليهم؛ فإن ركونكم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه، ومشاركتهم في إثم ذلك المنكر الكبير.

стр. 388

بعض الصور التي يستخدمها الأعداء في إغراء أصحاب الدعوات يحاول أصحاب السلطان دائماً إغراء أصحاب الدعوات؛ كي يتنازلوا عن شيء من دعوتهم، وذلك بالترغيب حيناً وبالترهيب أحياناً، وقد عرضت قريش على الرسول ﷺ المال والنساء والملك؛ كي يخفف من دعوته، ويتخلى عن شيء من مبادئه ورهبته بالقتل والإخراج من الأرض. وقد يحاول بعض أصحاب السلطان التوصل إلى حل وسط مع أصحاب الدعوات، فقد عرضت قريش على الرسول ﷺ أن يعبد آلهتهم يوماً ويعبدوا إلهه يوماً، وقد يطلبون بعض التعديلات الطفيفة على منهج الداعية وأسلوبه، وقد يعرضون عليه التخلي عن بعض أتباعه؛ كي يجالسوه ويتبعوه ويسيروا معه، والجواب على هذا واضح لا غموض فيه وهو: أننا لا نتخلى عن شيء من الحق، ولا نهادن في الباطل، ولا نستجيب للمطالب الظالمة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]، ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. إن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسيراً، ويقبل إغفال طرف منها ولو ضئيلاً، لا يملك أن يقف حيث سلم أول مرة؛ لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء، وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها، والتسليم في جانب ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها هو هزيمة روحية؛ لأن فيه الاعتماد على أصحاب السلطان في نصر الدعوة، والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون في دعوتهم، ومتى دبت الهزيمة في أعماق القلوب فلن تنقلب الهزيمة نصراً. لقد امتن الله على رسوله ﷺ أن ثبته على ما أوحى إليه وعصمه من فتنة المشركين له، ووقاه الركون إليهم ولو قليلاً، ورحمه من عاقبة هذا الركون، وهي العذاب في الدنيا والآخرة مضاعفاً، وفقدان المعين والنصير، ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٧٣ - ٧٥]. لقد وقع في هذه الفتنة رجال كانوا يتصدرون العمل الإسلامي، كانوا ملء السمع والبصر، فبعضهم أغراه الترغيب والمغنم العاجل القريب، وبعضهم أخافه الترهيب، وبعد سنوات من سقوطهم في الفتنة أصبحوا طبولاً جوفاء تسبح بحمد الظالمين، وأرادوا أن يجروا المسلمين إلى مسارهم المظلم، ولكن الدعوة سارت في طريقها وخلفتهم وراءها، واليوم هناك رجال يبدو من فلتات لسانهم ركون إلى الذين ظلموا، وذلك في حديثهم اللين مع الظالمين -نسأل الله لنا ولكم العصمة- ولكن دعوة الله سائرة، وكل ما يحدث أننا سنحزن على الذين يسقطون في المسيرة، ولكننا لن نرضى أن تنحرف المسيرة.

стр. 389

غاية الدعوة في هذه الحياة إن غاية هذه الدعوة أن يهيمن الإسلام على هذه الحياة في الحكم والتشريع، وفي التعليم والتربية والاقتصاد والسلم والحرب، ونحن لا نرضى بغير ذلك، ولا نساوم أبداً في هذه القضية، فإن استجاب الحكام لهذا فوالله إن في ذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة، وإن أبوا إلا الأخرى صبرنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم، ولكن لن نلتقي في منتصف الطريق، ولن نتنازل عن شيء من دعوتنا، فقد حذرنا الله من ذلك، ونخشى إن فعلنا ذلك أن تمسنا النار، قال الله تعالى محذراً من ذلك: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، وقال: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥].

стр. 390

الإسلام طريق الهداية الحقة لا توجد الهداية إلا في الإسلام، وأصحاب المبادئ الظالمة الجائرة، وأصحاب الأديان المحرفة يزعمون أنهم يملكون الهداية، وأنهم يملكون تخليص الناس من الشقاوة والحيرة، فالفلاسفة في القديم والحديث يدعون ذلك، واليهود والنصارى يدعون ذلك، ورجال الفكر والتربية وعلماء النفس في الغرب والشرق يدعون ذلك، ونحن نقول في مواجهة ذلك كله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة:١٢٠]. فلا هداية للبشرية من ضلالها وشقوتها إلا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والبشرية في أثناء مسيرتها فقدت الهداية، واستمداد الهداية من غير دين الله الخاتم كفر وضياع، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠٠ - ١٠١]. وإذا صُنَّا هذه الحقيقة التي صرح بها كتاب ربنا ((إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى)) فقد فرنا على أنفسنا جهوداً كثيرة في تلمس الهداية في الكتب السماوية المحرفة، وفي نظريات البشر وأفكارهم المتضاربة المتعارضة، وسرنا في الطريق المرسوم ندعو البشرية إليه، ونحاكم علومهم وعقائدهم إليه، وإذا ما جاءونا يعرضون علينا بضاعتهم رفضناها بعنف؛ لأننا نعلم أن في بضاعتهم دخن، وهم لا يرضون منا إلا أن نأخذ بها، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠]. وقد أوقف الرسول ﷺ هذا الانحراف بعنف، وقال فيه كلمة الفصل بلا غموض ولا لبس، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن ثابت قال جاء عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ ، قال عبد الله بن ثابت فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناًَ، وبمحمد رسولاً، قال: فُسريَ عن النبي ﷺ وقال: والذي نفس محمد بيده! لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين).

стр. 391

موقفنا من مؤتمرات التقريب بين الأديان إننا نرفض ما يسمى بمؤتمرات التقريب بين الأديان التي تعقد في شتى أنحاء العالم، ويحضرها علماء مسلمون يبحثون في الالتقاء والتقارب بين الإسلام والنصرانية، ويبحثون في إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والنصرانية، إننا نرفض هذه المؤتمرات؛ لأنها تضع الإسلام الدين الحق والنصرانية الدين المحرف الباطل في مرتبة سواء، نرفضها لأن الإسلام جاء مهيمناً على النصرانية وغيرها من الأديان، وليس هناك مجال للتقريب بين دين محرف مغير مبدل وبين الدين الحق. إننا نقف في مجامع النصارى لا لنبحث في دينهم الباطل؛ وإنما لنقول لهم: دعوا هذا الدين الباطل المحرف، ودعوا الشرك والكفر بالله، وتعالوا إلى الدين الذي بشر به موسى وعيسى، وهو دين الله الخاتم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إننا نعد قبول علماء المسلمين لعقد مثل هذه المؤتمرات انحرافاً يضر بهم وبدينهم وبعقيدتهم، ولا يستفيد منه إلا الذين قالوا اتخذ الله ولداً، لأنهم بذلك يجرونا إلى باطلهم، ويوقعونا في شباكهم، ففي عام واحد عقدت ثلاثة مؤتمرات للبحث في الالتقاء والتقارب بين الإسلام والنصرانية، وقد أمَّ هذه المؤتمرات مئات من علماء المسلمين. ففي شهر إبريل سنة ١٩٧٤م عقد مؤتمر من هذا النوع في باريس التقى فيه علماء دين سعوديون ورجال فكر أوروبيون؛ للبحث في التقارب بين الإسلام والمسيحية، وزار الوفد السعودي الفاتيكان وألقى هناك محاضرتين، وقد مهد لهذا المؤتمر منذ عام ١٩٧٢م، وقد وصفت الصحف هذا المؤتمر بأنه مهم. وفي شهر سبتمبر من العام نفسه ١٩٧٤م انعقد المؤتمر الإسلامي المسيحي في مدينة قرطبة، وقد كانت مهمة هذا المؤتمر تقريب وجهات النظر بين العالمين المسيحي والإسلامي، ودراسة تزايد موجة الابتعاد عن الدين التي يواجهها الشباب المسلمون والمسيحيون، وكذلك السعي من أجل إزالة الخلافات وسوء الفهم الذي قد يكون قائماً بين الدينين بالنسبة للمعنيين بالأمر والرأي العام. وفي شهر نوفمبر من هذا العام أقيم المؤتمر المسيحي الثالث في مدينة تونس، وقد عقد مؤتمر إسلامي في مدينة لاهور في باكستان في شهر فبراير في هذه السنة ١٩٧٤م، ومع كونه مؤتمراً إسلامياً خالصاً إلا أنه حضره ممثلون مسيحيون من لبنان، وقد أشاد المؤتمر بالتعاون الإسلامي المسيحي، وهذه المؤتمرات لم تكن الأولى ولا الأخيرة فقد عقدت قبلها مؤتمرات وبعدها مؤتمرات على النمط نفسه، وقد تحدث عن شيء من بلايا هذه المؤتمرات الباحث المجيد محمد محمد حسين في كتابه: (حصوننا مهددة من الداخل) عندما كشف عن الزيف والدجل في المؤتمر الإسلامي المسيحي الذي دعت إليه إحدى الجامعات الأمريكية ومكتبة الكونجرس الأمريكي في صيف عام ١٩٥٣م، ونشرت قسماً من بحوثه مؤسسة (فرانكلين) الأمريكية، كما كشف الأهداف الخبيثة لذلك المؤتمر. إن بعض الذين يؤمون تلك المؤتمرات لا يدركون الدسيسة والمكيدة التي أوقعهم أعداؤهم فيها، وآخرون يعلمون ذلك لكنهم يريدون للإسلام والمسلمين شراً، وعندما يوجه إليهم اللوم لا تكون إجابتهم إلا كإجابة إخوانهم من قبل. ومما يعصم العبد في تصرفاته وأعماله في حياته الدنيا: أن يكون خائفاً من ربه ، فيراقب الله جل وعلا في أعماله وتصرفاته؛ لأنه يعلم أن الله ينظر إليه ويراقبه؛ فيخشى غضبه وانتقامه، ويحذر أن يقابل ربه بمعصية أو إثم فيستحق عذاب الله . إن المؤمن الصالح التقي دائماً يراقب الله في كل تصرفاته، ولا يراقبه في صلاته وصيامه وزكاته فحسب؛ وإنما يراقبه في كل عمل من الأعمال، أقول هذا بمناسبة ما يدور في الكويت اليوم حول انتخابات مجلس الأمة، وما تشغل به الصحافة نفسها، وما يشغل الناس به أنفسهم في هذه الأيام. وفي مثل هذا ينبغي للمسلم الذي يؤم بيت الله، والذي يوجه وجهه إلى الله أن يكون مراقباً لله ، خائفاً منه .

стр. 392

نظرة الإسلام فيمن يقدم نفسه لتولي منصب معين وبمناسبة ما يدور في الكويت حول الانتخابات أؤكد على قضيتين: القضية الأولى: أن كثيراً من الذين يتقدمون لهذا ليسوا أهلاً له، وفي الإسلام لم يكن الناس يتقدمون ويطلبون المناصب، وقد كان الرسول ﷺ يرد كل من جاء يطلب منصباً، ويقول له: (إنا لا نولي عملنا هذا من طلبه ولا من حرص عليه) وهذه قاعدة في الإسلام. والديمقراطية التي يتغنى بها المجتمع الأوروبي جعلت الناس يتقاتلون على المناصب، ويبذلون في سبيل ذلك أموالاً طائلة، ويهدرون أوقاتاً كبيرة، وأما في الإسلام فإن الناس يتعففون عن المناصب، فلا يطلبونها ولا يحرصون عليها، فإذا طلبوها وحرصوا عليها كان ذلك نقطة سوداء في تصرفاتهم وفي أعمالهم، وتجعل قيمتهم تنخفض في المجتمع الإسلامي وعند المسلمين. لكن إذا كان لا بد من أن يتقدم الناس على الطريقة التي يسير الغرب عليها فينبغي ألا يتقدم إلا رجل مؤمن يسير على المنهج الذي يريده الله ، وفق ما يشاء الله ؛ لتحقيق الخير للإسلام والمسلمين. ثم هو في تصرفاته وأعماله لا يصدر عنه ما يسوء، فبعض الناس الذين يتقدمون يدعون لأنفسهم ما ليس فيهم باسم الدعاية الانتخابية، مع أنها لا تؤثر، وهذا أمر سيسألهم الله عنه، فهم يزكون أنفسهم، والله سائلهم عن تزكيتهم لأنفسهم. وبعضهم يدفعون أموالاً لمن يصوت لهم وينتخبهم، وهذه رشوة، وهذا مال حرام وسحت يدفعونه باطلاً، فسيحاسبهم الله عليه. وتجدهم يغتابون زملاءهم ويحطون من قيمتهم وينشرون فضائحهم وأخبارهم، وهذه غيبة تنافي الخُلُق الإسلامي، وتنافي الأحكام الإسلامية التي ينبغي أن يلتزم بها المسلمون.

стр. 393

أداء الأمانة إلى أهلها القضية الثانية: أن الذين سيتقدمون ليدلوا بأصواتهم إذا كان الذي يدفعهم لذلك العصبية للقبيلة أو للأسرة أو للمنطقة، أو لهوى أو لمال، أو لمنصب يتوقعونه من هذا وذاك، فنقول لهم: هذه أمانة ستسألون عنها عندما يعرض العباد على رب العباد، وسيقال لكل واحد منكم: كيف قدمت فلاناً؟ فإذا قلت: هذا الذي أعتقد أنه أتقى هؤلاء الذين نزلوا لهذه المهمة، وكانت نيتك وقصدك كذلك نجوت، وإن لم يكن الأمر كذلك فستحاسب. وقد قلت في البداية: إن الرجل الذي يتقدم لأي منصب أول شرط فيه أن يخاف الله ويخشاه، وأن يلتزم بشريعة الله ، وأن يريد الخير للإسلام والمسلمين، فإذا كانوا كلهم بهذه الصفات فإننا نفاضل بينهم: من الأقوى ديناً وأمانة، فإذا كان الأقوى هو فلان قدمناه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]. فهناك صفتان ينبغي أن يتوفرا فيمن يتقدم لذلك وهما: القوة والأمانة، والقوة هنا تتمثل في فهم الأمور، ومعرفة التصرفات، ومعرفة كيف تجري أمور الدولة وشئون السياسة، وما الذي ينفع الإسلام وما الذي لا ينفعه، فعلى المرء أن يضبط لسانه، فيعبر به عما يريد، فلا يريد إلا الحق، ولا يميل مع الهوى ولا يميل لدنيا، وإنما يقول كلمة الحق؛ لأنها ترضي الله ، فيختار الرجل الذي وصفه الله بالقوة والأمانة، فالله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]. قال علماء التفسير: معنى ((أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا))، هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فوضع الرجل في غير مكانه خيانة للأمانة. فالوظيفة والمنصب أمانة فأعطوا ذلك من يستحقه، ولا تعطوه من لا يستحقه فإن الله سائلكم عن ذلك، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء:٥٨]، فاختيار الأتقى والأورع هو لمصلحتك ولمصلحة الناس، وإن لم يكن من الأسرة أو العشيرة أو المنطقة، فاختياره لتقواه وورعه ينال بذلك المسلم أجراً يدوم خيره ويستمر، فسيجد الإنسان أجر ذلك عند ربه يوم القيامة، وإلا فسيكون كمن يسعى إلى حتفه بظلفه، فيجلب لنفسه بلاء وإثما. ً فالقضية تحتاج إلى تقوى وورع وما أصاب المسلمين اليوم إلا أنهم خالفوا أمر الله فأدوا الأمانة إلى غير أهلها، وقد سأل سائل الرسول ﷺ وقال له: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فسكت عنه الرسول ﷺ ثم قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). فإذا كان الأمر موكلاً إلى المسلمين الذين يؤمون بيوت الله وكان لهم في ذلك خيار، فينبغي عليهم أن يختاروا الأتقى والأقوى والأكثر أمانة، وينبغي للمسلم أن يتجرد لله في اختياره فلا يدخل في اختياره هوى، ولا مصلحة دنيوية، ولا قرابة دم أو نسب، ولا صداقة، وإنما يختار الأورع والأتقى، ولو كان المرشح أباً أو أخاً أو ابن عم، فالقضية قضية إيمان وتقوى وحرص على طاعة الله ، والله سائلنا عن ذلك. وأما أن يدعى الإسلام، والكلام فيه، والحديث عنه ثم عندما يأتي المحك لا يستطيع أن يخالف رأي قريبه في طاعة الله فالقضية لا تكون بهذا الشكل. وإذا تقدم رجل قريب لهذا المنصب ويكون أخاً أو أباً وهو لا يتوضأ ولا يصلي لله ولا يتوجه إلى بيوت الله، ولا يتوجه شطر البيت الحرام، ولا يفتح كتاب الله، ثم تضعه في هذا المكان فماذا تنتظر منه؟ وماذا ينتظر من مثل هذا الرجل إلا أن ينادي غداً بإباحة الخمر والاختلاط بين الرجال والنساء، وأنت تتحمل هذه الجريمة، وعندما يوافق على إقصاء شريعة الله عن الحكم، وأنت تتحمل هذه الجريمة، وتنال شيئاً من وزره، ويحاسبك الله على ذلك؛ لأنك أنت الذي تسببت في حصوله على هذا المنصب، فإذا كنت مسلماً فقل من البداية لا أفعل ذلك ولا أختارك، فهناك من هو أتقى منك، وهذا حكم ينبغي أن يكون في جميع تصرفات المسلمين. في حياتهم، فإذا ما رضي رضي لله ، وإذا ما غضب غضب لله، وإذا ما أحب أحب لله ، وإذا ما أبغض أبغض لله، وهذا أساس الدين: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، وكما يقول ابن عباس: وهل الإيمان إلا الحب في الله والبغض في الله. فهذا هو أساس الدين الذي يسير عليه المسلم، فعندما يفعل الفعل فإنه يفعله لأن الله يحبه، وعندما يحب فلاناً إنما يحبه لأنه يحب الله ويحب الرسول ﷺ ، كذلك الأعمال والأقوال، فهذا مبنى حياة المسلمين وطريقتهم، إلا أن بعض المسلمين متناقض، فإنه يأتي بيت الله يقرأ القرآن ويذكر الله ، فإذا جاءت الأمور العملية التي يخالف فيها رأي فلان حكم الله إذا به يختار رأي فلان وما يحبه ويريده فلان، سبحان الله العظيم! فهذا التناقض قائم في حياة الناس، ومشكلة المسلمين اليوم أن حياتهم مليئة بالتناقضات في تصرفاتهم وفي أعمالهم، وهذا شر ومرض ينبغي أن يتخلصوا منه، وهو جزء من النفاق العملي الذي يعيشه المسلمون، فهناك نفاق عملي، فهناك فارق بين ما يقوله المسلمون وما يتحدثون عنه وما يعتقدونه وبين تصرفاتهم وأعمالهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

стр. 394

حكم الكلام أثناء الخطبة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: هناك بعض التنبيهات أريد أن أنبه عليها، فقد شكى بعض الإخوة في خطبة الأسبوع الماضي أن أصوات الأخوات اللواتي كنا معنا في الأسبوع الماضي كانت مرتفعة، بحيث يسمعها الرجال الجالسون في المسجد، فقد كان هدي الرسول ﷺ الذي أمر به، وكان المسلمون يلتزمون به، وكان في جملة الحضور نساء، فكان يأمر ألا يتكلم متكلم في أثناء الخطبة. كان ينهى رسول الله ﷺ عن الكلام حتى ولو كان إسكاتاً لمن بجانبك، فإذا تكلم رجل بجانبك فلا تستطيع أن تقول له أنصت، كما في الحديث: (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت فقد لغوت)، فهذا يعد لغواً نحاسب عليه، فمن آداب الاستماع في يوم الجمعة ألا يتحدث متحدث في أثناء حديث الخطيب إلا أن يكون حديثاً معه، فإذا عرض شيء يحتاج معه أن يتحدث المستمع مع الخطيب فلا بأس، وقد حدث مثل ذلك في عهد الرسول ﷺ ، فقد كلم أناس الرسول ﷺ وهو يخطب على المنبر، وكلم الرسول ﷺ رجالاً في بعض المسائل، ودخل رجل والرسول ﷺ يخطب فجلس، فخاطبه الرسول ﷺ وقال له: (يا سليم -وكان اسمه سليم الغطفاني - هل ركعت ركعتين؟ يعني: تحية المسجد، قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين وتجوّز فيهما)، فإذا دخل الرجل المسجد فلا ينبغي له أن يجلس حتى يصلي ركعتين، ثم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، وهذا حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه.

стр. 395

أطفال الأنابيب وبنوك الحيوانات المنوية سألني بعض الإخوة في الأسبوع الماضي حول ما نشر في بعض الصحف عما يسمى بطفل الأنابيب، وعن البنوك التي تنوي بعض الدول الأوروبية إقامتها، فقد كتب في بعض الصحف أن بعض الدول الأوروبية تنوي إيجاد بنوك للحيوانات المنوية التي تكون في الرجال، ثم تختار النساء منها ما يلائمها؛ لغرض تحسين النسل. فأما طفل الأنابيب فهذا شيء لم يسمع به الجميع، وكل ما هنالك أن البويضة التي تكون في رحم المرأة تلقح ثم تترك في هذه الأنبوبة فترة ما؛ لأن الرحم لا يقبلها أو لأنها لا تلقح إذا بقيت في الرحم، ثم ترجع إلى الرحم مرة ثانية فتنمو فيه كما كانت تنمو من قبل، فهنا الطور فيه مرض أو مشكلة، فهم عالجوا هذه الفترة الزمنية إلى أن تستطيع أن تستقر البويضة في الرحم. وأما هذا الفعل الذي يفكر فيه بعض الأوروبيون، فهو فعل من أفعال الجاهلية وإن اختلفت الصورة، فقد كانت صورته معروفة عند أهل الجاهلية، وكان يسمى بنكاح الاستبضاع، فقد كان الرجل إذا أراد أن يكون له نسل جيد وحاضت امرأته فإنه يمتنع عنها ولا يجامعها ولا يعاشرها، ثم يقول لها اذهبي إلى فلان -لرجل قائد أو زعيم أو عظيم أو شجاع- فاستبضعي منه، أي: تزني معه؛ كي يأتي نسل جيد، ثم يعتزلها حتى يظهر حملها، ثم إن شاء بعد ذلك عاشرها وإن شاء لم يعاشرها إلى أن تضع حملها. وهذا النكاح، وهو زنى، واليوم لا يريدون أن يكون الأمر بهذا الشكل حتى لا يظهر أنه زنى، وإنما يأخذون نطفة فلان ويحفظونها في مكان، فإذا جاءت امرأة تطلب نوعاً خاصاً من هذا الماء أو ذاك الماء من رجل معين، وله صفاته معينة أعطوها منه فحملت بهذا الصبي، وأبوه هو الذي خرجت منه هذه النطفة، فهذا نوع من الزنى، وهو حرام لا يجوز وإن تغيرت الطريقة التي كان يمارسها أهل الجاهلية. فهؤلاء الذين يعيشون هناك ليس عندهم دين ولا شرع منزل من عند الله يتحاكمون إليه، وأما نحن فهذا حرام لا يجوز في شرعنا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، واستر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

стр. 396

التوكل على الله التوكل على الله عبادة، وقد أمر الله نبيه بالتوكل والاعتماد عليه سبحانه في كل شئونه، وأمر النبي ﷺ أمته بذلك، ولابد أن تعلم هذه الأمة أنه لا مخلص ولا مخرج لها من الفتن والمصائب إلا الرجوع إلى الله والتوكل عليه، وذلك لا ينافي الأخذ بالأسباب المادية والشرعية، إذ لابد من الأمرين معاً.

стр. 397

أهمية التوكل والاعتماد على الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أيها الإخوة! كنا عندما خلق الله ﵎ أبانا آدم في جنة من دخلها ينعم ولا يشقى، كما قال رب العزة لآدم ﵇: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩]، ليس فيها جوع ولا عري، ولا حر ولا برد، ليس فيها عناء ولا شقاء، قال الله لآدم: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]، فأهبط إلى الأرض، فكانت هي دار الشقاء، لا ينال الإنسان لقمة العيش إلا بعد تعب شديد، يحرث ويبذر، ثم يرعى ما زرع إلى أن يستحصد، ثم يحصد ويدرس ويطحن ويعجن ويخبز إلى أن ينال لقمة العيش، وكذلك لباسه وبيته. ومن اجتماع البشر مع بعضهم مشكلات، وفي المشكلات تعب وعناء وشقاء، يظلم الإنسان الإنسان، وقد يكون الإنسان ضعيفاً فلا يستطيع أن يحصل على لقمة عيشه، وفي مواجهة المشكلات يختلف الناس اختلافاً بيناً كبيراً، فمن الناس من يكون في القمة، ومن الناس من يكون في الحضيض، ومن الناس من يكون بين هذا وذاك. فبعض الناس يظنون أنه يمكنهم أن يخوضوا غمار الحياة بأنفسهم اعتماداً على سلطان، أو اعتماداً على مال، أو اعتماداً على عشيرة وقبيلة، ومن الناس من يشعر بضعفه فيستسلم للمذلة والهوان، ولا يقارع ولا يصاول. والمنهج الذي علمنا الله ﵎ إياه أن نلجأ إلى ربنا ﵎، وأن نعتمد عليه فيما واجهنا من مشكلات في حياتنا، وهذا هو الذي سماه الله ﵎ بالتوكل على الله ، أي: اعتماد القلب على الله ﵎ في أموره كلها، ليسأل الله ﵎ وهو يخوض غمار الحياة، ويواجه مشكلات الحياة. بعض الذين فقدوا عقولهم في القديم والحديث كانوا يعتمدون على حجارة صماء، أو شجرة، أو على الشمس والقمر، أو على النجوم فيما لا يستطيعه، وكان هذا هو الحضيض الذي وصلت إليه البشرية في كثير من فترات التاريخ.

стр. 398

التوكل وفعل الأسباب علمنا الله ﵎ أنه مالك السماوات والأرض، وقيوم السماوات والأرض، بيده ملكوت كل شيء، الأمر أمره، والقول قوله، والحكم حكمه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، له جنود السماوات والأرض، وعنده خزائن السماوات والأرض، فهو المستحق أن يعبد، وأن يتقى، وأن يستسلم له، وأن يخضع له، وأن يتوكل عليه، وأن يسأل وحده ﵎؛ لأنه المالك لذلك كله. تطلب من الله ﵎ طعامك وشرابك، وأن يعينك فيما يواجهك من مشكلات، ذاك أمر لا بد منه، وأيضاً هدايتك وتوفيقك لما يحبه الله ﵎ لك، أن يوفقك ويهديك لما يحبه ويرضاه، كما فعل الصالحون من قبلنا والأنبياء والرسل وهم يواجهون أقوامهم. ثم في نصرهم على عدوهم والعصبة المؤمنة تواجه عدوها، تواجه الباطل والشر في صراعها، ليس لها ملجأ إلا أن تعتمد على الله ﵎، وأن تتوكل على الله ، لم يكونوا يفعلون كما فعل المتأخرون أو بعض المتأخرين عندما وصلت جيوش نابليون إلى مصر، اجتمع علماء الأزهر في ذلك الوقت يقرءون صحيح البخاري وصحيح مسلم، لعل ذلك يدفع الجنود الفرنسيين عن بلاد الإسلام، ولكن بعد معركة أحد عندما ظن المسلمون أن المشركين قد يعودون إليهم ليستأصلوهم، خرج الرسول ﷺ بالمسلمين جرحى متعبين، خرج إلى حمراء الأسد على بعد سبعين كيلو متر من المدينة، وعندما مر بهم قوم لقنهم أبو سفيان أن يقولوا للمسلمين: إن أبا سفيان وقومه عائدون إليكم ليستأصلوا شأفتكم، وليزيلوكم من الوجود، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، كما في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم خليل الرحمن عندما ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] امتثالاً لقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: أن الله ﵎ كافيه، لكن الرسول ﷺ بذل الأسباب، فأخذ ما يستطيع من قوة من أصحابه وما معهم من سلاح، فبذل السبب الذي يمكن أن يبذل، ولكنه لم يعتمد على السبب، وإنما اعتمد على رب السبب، اعتمد على الله ﵎، فعندما كان يهاجمه المشركون ما كان يجلس في بيته ليقرأ القرآن، ويتلو آيات الكتاب، ويعظ الناس في المسجد، وإنما كان يجمعهم ويحثهم على أن ينفقوا في سبيل الله، فيشتري السلاح وآلات الحرب، ويشتري الخيل والجمال، ويخرج للعدو، وينظم صفوفه. خرج في يوم أحد وقد ظاهر بين درعين، الواحد فوق الآخر، وكان سيد المتوكلين صلوات الله وسلامه عليه، فهذه أسباب ولكن قلبه معلق بخالق الأسباب. حكمة الله ﵎ إذا جعت أن تأكل، وإذا عطشت أن تشرب، وإذا رأيت أفعى أن تقاتلها، وإذا جاءك عدو أن تستعد له، فلا بد من اتخاذ الأسباب، ولكن فوق الأسباب رب الأسباب، بيده النصر، وبيده ملكوت كل شيء، يعينك ويسددك ويوجهك.

стр. 399

فضل التوكل والمتوكلين على الله علمنا الله ﵎ أنه مالك السماوات والأرض، وقيوم السماوات والأرض، بيده ملكوت كل شيء، الأمر أمره، والقول قوله، والحكم حكمه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، له جنود السماوات والأرض، وعنده خزائن السماوات والأرض، فهو المستحق أن يعبد، وأن يتقى، وأن يستسلم له، وأن يخضع له، وأن يتوكل عليه، وأن يسأل وحده ﵎؛ لأنه المالك لذلك كله. تطلب من الله ﵎ طعامك وشرابك، وأن يعينك فيما يواجهك من مشكلات، ذاك أمر لا بد منه، وأيضاً هدايتك وتوفيقك لما يحبه الله ﵎ لك، أن يوفقك ويهديك لما يحبه ويرضاه، كما فعل الصالحون من قبلنا والأنبياء والرسل وهم يواجهون أقوامهم. ثم في نصرهم على عدوهم والعصبة المؤمنة تواجه عدوها، تواجه الباطل والشر في صراعها، ليس لها ملجأ إلا أن تعتمد على الله ﵎، وأن تتوكل على الله ، لم يكونوا يفعلون كما فعل المتأخرون أو بعض المتأخرين عندما وصلت جيوش نابليون إلى مصر، اجتمع علماء الأزهر في ذلك الوقت يقرءون صحيح البخاري وصحيح مسلم، لعل ذلك يدفع الجنود الفرنسيين عن بلاد الإسلام، ولكن بعد معركة أحد عندما ظن المسلمون أن المشركين قد يعودون إليهم ليستأصلوهم، خرج الرسول ﷺ بالمسلمين جرحى متعبين، خرج إلى حمراء الأسد على بعد سبعين كيلو متر من المدينة، وعندما مر بهم قوم لقنهم أبو سفيان أن يقولوا للمسلمين: إن أبا سفيان وقومه عائدون إليكم ليستأصلوا شأفتكم، وليزيلوكم من الوجود، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، كما في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم خليل الرحمن عندما ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] امتثالاً لقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: أن الله ﵎ كافيه، لكن الرسول ﷺ بذل الأسباب، فأخذ ما يستطيع من قوة من أصحابه وما معهم من سلاح، فبذل السبب الذي يمكن أن يبذل، ولكنه لم يعتمد على السبب، وإنما اعتمد على رب السبب، اعتمد على الله ﵎، فعندما كان يهاجمه المشركون ما كان يجلس في بيته ليقرأ القرآن، ويتلو آيات الكتاب، ويعظ الناس في المسجد، وإنما كان يجمعهم ويحثهم على أن ينفقوا في سبيل الله، فيشتري السلاح وآلات الحرب، ويشتري الخيل والجمال، ويخرج للعدو، وينظم صفوفه. خرج في يوم أحد وقد ظاهر بين درعين، الواحد فوق الآخر، وكان سيد المتوكلين صلوات الله وسلامه عليه، فهذه أسباب ولكن قلبه معلق بخالق الأسباب. حكمة الله ﵎ إذا جعت أن تأكل، وإذا عطشت أن تشرب، وإذا رأيت أفعى أن تقاتلها، وإذا جاءك عدو أن تستعد له، فلا بد من اتخاذ الأسباب، ولكن فوق الأسباب رب الأسباب، بيده النصر، وبيده ملكوت كل شيء، يعينك ويسددك ويوجهك.

стр. 400

التوكل سبب لدخول الجنة بغير حساب التوكل على الله يترقى فيه المسلم ليكون قمة المسلمين، وخيرة البشرية عندما تجتمع البشرية يوم القيامة، وهذه الأمة هي الأمة الكبرى التي يدخل منها الجنة ما لا يعلمه إلا الله، وفي مقدمة صفوفها منذ عهد الرسول ﷺ إلى آخر رجل يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، فهؤلاء صفوة هذه الأمة، وخيرة هذه الأمة، وزبدة هذه الأمة. يقول الرسول ﷺ : (عرضت علي الأمم -أي: كيف تأتي يوم القيامة - فرأيت النبي وليس معه أحد، والنبي ومعه الرجل -آمن معه رجل واحد! - والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، إذ عرض لي سواد كثير، فظننت أنهم أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه -الذين آمنوا مع موسى جمع كبير-، ثم عرض لي سواد كبير سد الأفق، فقيل: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً)، فلما سئل الرسول ﷺ عن هؤلاء السبعين ألفاً: من هم؟ أهم صحابة الرسول ﷺ أم هم السابقون إلى الإسلام؟ فقال الرسول ﷺ : (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) قمة الإيمان قمة العبودية قمة التقوى: أن تتوكل على الله ﵎. والتوكل ليس كلمة تقال: توكلت على الله! اعتمدت على الله! وإنما هي حقيقة تتمثل في القلب ويرتبط القلب بها، فيتعلق القلب بربه وخالقه؛ لأنه يعرف ربه، وقدرته، وقوته، وغناه، وملكه، وأمره ونهيه، فيتوكل عليه ﵎.

стр. 401

التوكل على الله هو العصمة من مشاكل الحياة التوكل على الله هو العصمة لمواجهة مشكلات الحياة، فهموم الحياة وأوجاعها ومشاكلها التي يواجهها العباد لن يجدوا الأمن الحقيقي منها ولو ذهبوا حتى إلى شركات التأمين، وكنزوا الأموال، وفعلوا ما فعلوا، فلن تجد البشرية الأمن، ولن يجد الإنسان الأمن ما لم يمتلئ قلبه توكلاً على الله ﵎. فعندما يمتلئ قلبه بالتوكل على الله يجد الأمن والاطمئنان، وييسر الله ﵎ له أمره، ويحيي ذكره، ويجعل له نوراً يمشي به، ويجد حياته سهلة لينة ولو كان يأكل الخبز الجاف، ويسكن البيت المظلم، فإن لم يكن كذلك لا يجد الأمن. الناس يبحثون عن الأمن ولا يجدونه وهو يهرب منهم؛ لأنه ليس هناك اعتماد وتوكل على الله، بعض التوكل يكون واضحاً، وفي بعض الأحيان تنقطع الأسباب والعلائق، فلا يجد الإنسان سبباً يستمسك به، فهذا هو المضطر، فإذا لجأ إلى الله بصدق ففي غالب الأحيان يستجيب الله له، مثل سفينة في لجة البحر انكسرت ألواحها، أو تقاذفتها الأمواج في يوم عاصف، من الذي ينجيها؟! طائرة عطل محركها وأخذت تتأرجح بأهلها وركابها، فراكبها هو المضطر، ومثل إنسان ألقي في بئر لا يسمع صوته أحد، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢].

стр. 402

التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب إذا توجه العبد إلى الله بصدق وكان مضطراً ينجو؛ لأن الله ﵎ يجيب المضطر إذا دعاه، وفي حال الأمن يلجأ كثير من الناس إلى الأسباب، ولا ينظر إلى خالقها، يلجأ إلى أصحاب السلطان والمال وفلان وفلان ولا يتوكل على الله. وبعض الناس يزعم أنه متوكل على الله ولا يلجأ إلى الأسباب، وكلا الفريقين ليس على صواب. الولد مريض، أنت مريض، ما طالبك الله بأن تجلس في بيتك ولا تتعاطى العلاج. والذي يذهب إلى الطبيب وهو يعتقد أنه يملك الشفاء أيضاً هذا مخطئ. والذي يتعالج ويعلم أن هذا سبب وأن الشافي هو الله ﵎ هذا هو الذي أخذ بالمنهج الحق. والذي يستنصر الله على عدوه -كما يفعل المسلمون الآن- من غير أن يتخذ سبباً فقد أخطأ الطريق. والذي يقاتل ويظن أنه بقوته سينتصر على عدوه وينسى أن له رباً قوياً قادراً مخطئ. والذي يقاتل عدوه ويطلب ما عند الله ﵎ ويسأل الله الاستقامة على أمره هو الذي أصاب الطريق، ونصر الله ﵎ ينزله عليه إذا صدق مع الله . قمة العبودية في ميزان الله ﵎ أن تتوكل على الله، وأن تعتمد عليه، وأن تلجأ إليه في أمورك كلها. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 403

المخرج من مآسي المسلمين الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله. وبعد: لن تتخلص هذه الأمة مما يحيط بها من بلاء إلا إذا عرفت ربها، وعرفت دينها، وعرفت كيف تسلك طريقها في حياتها. من هذا البلاء الذي تعيش فيه الأمة من كل الجهات، أعداؤها يحيطون بها أعداؤها يمزقون أبناءها، ويهتكون أعراضها، ويحتلون أراضيها آلام ومآسٍ في فلسطين في لبنان في أفغانستان في الفلبين في الهند أينما وليت وجهك تجد مآسي يعيشها المسلمون في مثل هذه الديار، في مصر في بلاد الشام في الخليج، مشكلات اقتصادية، ومشكلات اجتماعية، وتمزقات، كل هذا يحتاج إلى علاج، وقد وضعه الله ﵎ في كتابه، فعلى المسلمين أن يأخذوا هذا العلاج، وأن يعتمدوا على الله ﵎. وضياع المسلمين إنما جذبهم بسبب أخذهم من الشرق والغرب، ومن النظريات والفلسفات، ثم ماذا بعد؟! لا نزال حيث نحن، بل نتأخر إلى الوراء، أما آن للمسلمين أن يعرفوا ربهم، وأن يلجئوا إليه، وأن يستمدوا من كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وأن يتوكلوا عليه في أمورهم، في معالجة نفوسهم، ومشكلاتهم، ودفع أعدائهم. ومن أعظم ذلك أن يواجهوا أعداءهم، ففي ذلك حياتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] فعلى المسلمين أن يعرفوا ربهم، وأن يتوكلوا على الله ﵎، وأن يتوجهوا إلى الله ﵎ عله أن يرحمهم، وأن يزيل ما بهم. هذا سبيل واحد ينبغي أن يلجأ إليه المسلمون، فيطهروا أنفسهم، فهذه الأنفس يجب أن تتطهر ثم تتجه إلى الله ﵎ ليكون في ذلك الخير والسعادة. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا. اللهم كفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 404

جريمة إقصاء الشريعة عادة ما يسير الأعداء وفق خطط مدروسة للنيل من أمة الإسلام، وفي هذه المرة كان الصيد ثميناً، فقد تمكنوا من تنحية الشريعة من حياة الناس العملية، وحاصروها من الناحية العلمية قدر المستطاع، حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه من التلويح بالسيف لكل من يريد إعادة الشريعة إلى مكانتها، كل ذلك تم عبر تاريخ بدأ به نابليون ثم ازداد بمؤامرات الاستعمار وأذنابه.

стр. 405

خطوات نقل الأحكام الوضعية إلى بلاد المسلمين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: أيها الإخوة! في سنة ١٨٨٢م أقصيت الشريعة الإسلامية عن بلد مسلم له الصدارة بين البلاد العربية ألا وهو مصر، وفي ظني أن المسلمين أو الكثير منهم لا يعرفون هذا التاريخ؛ لأنه عام مأساة، فلقد نجح الكفار بعد جهد طويل في تحقيق هدف من أهدافهم الكبيرة ألا وهو إبعاد الرابطة الإسلامية التي تجمع المسلمين وتوحد كلمتهم، وتربط فيما بينهم، الشريعة التي أنزلها الله لتكون ذكراً لنا ومجداً وعزاً. لم تحدث هذه الجريمة من قبل في تاريخ الإسلام بهذه الصورة أبداً، فلقد كان بعض حكام المسلمين يتفلتون من الشريعة في بعض الأحيان، لكن أن يحدث أن تأتي دولة فتلقي بالشريعة في سلة المهملات، وتستبدل بها قوانين وضعها البشر، وتقول لخالق البشر رب العزة : حكمك لا يصلح لمجتمعاتنا، ولا لقرننا، ولا لحضارتنا، إنما الذي يصلح هو حكم نابليون، وقضاء وفقه لمبير، وما وضعه الدكتور السنهوري؛ لم يحدث هذا في تاريخ المسلمين أبداً. ذكر ابن تيمية ﵀ أن بعض حكام المسلمين كانوا يخرجون عن بعض أحكام الشريعة الإسلامية في بعض الجزئيات، ويسمون هذا بالسياسة، ولكن ما كانوا يجرءون أن يقولوا: إنهم يتبعون قانوناً أو تشريعاً غير تشريع الله.

стр. 406

محاولة التتار حكم المسلمين بقانون الياسق حدث مرة واحدة أن حاول أعداء الإسلام أن يغيروا قانون المسلمين في ديار الإسلام، ذلكم عندما اجتاحت جحافل التتار ديار المسلمين، وقضت على مركز الخلافة في بغداد سنة ٦٥٦هـ، وكان التتار يتحاكمون إلى قانون سموه بـ (الياسق)، كما يذكر ذلك المقريزي وابن كثير، وهو قانون كانوا يتحاكمون إليه، وقد نقل ابن كثير في كتابه البداية والنهاية جملة من أحكام ذلك القانون، وهو قانون ظالم أخذه هولاكو من اليهودية والنصرانية والإسلام وما تبدى له من آراء. وحاول أن يفرض ذلك القانون على الأمة الإسلامية فما وجد عندها قبولاً، ولم يمض فترة طويلة من الزمان حتى داس التتار قانونهم بأرجلهم، وأخذوا شريعة الإسلام، وتغيرت وثنيتهم ليصبحوا جنداً من جند الإسلام، فالذين جاءوا ليحكموا بالياسق رفضوه، وإذا بدين المغلوبين يغلبهم ويأسرهم، وإذا بهم يتحولون إلى جيوش جرارة تقاتل لحساب الإسلام.

стр. 407

محاولة نابليون فرض قانونه على المسلمين تبدأ قصتنا مع القوانين الوضعية في العصر الحديث، وما سأذكره لكم هو عن دراسة لم تلجئني إليها هذه المحاضرة، وإنما هي دراسة بدأت بها منذ وقت، تتبعت فيها خطوط الجريمة النكراء التي أصيب بها المسلمون في عصرنا، فوجدتها بدأت في القرن الماضي، وبالتحديد في سنة ١٧٩٨ - ١٧٩٩م، عندما اجتاحت جيوش نابليون بونابرت مصر، وأراد أن يمكن للفرنسيين والصليبيين في دار الإسلام، وبدأ يضع الخطوط الأولى للمؤامرة في مصر، ولكن ما قابله من مواجهة في مصر وبلاد الشام، ثم تكتل الدول الكبرى كبريطانيا وغيرها ضده، لم يمكنه من أن يتابع أو ينفذ المخطط الذي في رأسه، ولكن المخطط كان قد اتفقت عليه الدول الكبرى، ومن يقرأ الوصية التي تعرف بوصية بطرس الأكبر في روسيا يرى المخطط الذي ينفذ في أيامنا واضحاً في وصيته. إلى سنة ١٨٥٧م كانت الأحكام الشرعية لا تزال تنفذ في القارة الهندية على الرغم من احتلال بريطانيا للهند قبل ذلك بفترة، وكانت بريطانيا تلغي الأحكام الشرعية واحداً واحداً، حتى استطاعت طمس الشريعة في سنة ١٨٥٧م كما يذكر ذلك العلامة أبو الأعلى المودودي ﵀ في حاشيته على كتاب القانون الإسلامي وطرق تنفيذه.

стр. 408

المحاكم المختلطة وأثرها في بداية تغيير حكم الشريعة في مصر في سنة ١٨٦٧م كانت هناك مفاوضات تجري بين مصر، ويمثلها وزير خارجيتها في ذلك الوقت -وهو نصراني كـ بطرس غالي اليوم، واسمه: نوبار باشا - وبين الدول الكبرى حول الخلخلة التي سوف تجري في القضاء في مصر بسبب تدخل قناصل الدول الكبرى فيما يجري من أحكام تخص رعاياهم، ثم كانت النتيجة: أن اتفقت تلك الدول مع مصر على إنشاء المحاكم المختلطة، والمحاكم المختلطة مكونة من مجموعة من القضاة ثلاثة منهم من غير المسلمين، واثنان من المصريين، وقد يكونون من المسلمين وقد يكونون من الأقباط، وكلف نوبار باشا محامياً نصرانياً فرنسياً بأن يضع له قانوناً للمحاكم المختلطة، فنقل القانون الفرنسي الذي وضع في سنة ١٨٠٤م من قبل نابليون ليحكم به فرنسا، نقله بنصه ليكون حكماً في رقاب المسلمين، وأقر في سنة ١٨٧٣م أن هذا القانون يحكم به في القضايا التي يكون فيها علاقة بين مصر وغير مصر، وكانت تلك خطوة. وفي سنة ١٨٨٣ نقل قانون المحاكم المختلطة إلى ما سمي بالمحاكم النظامية التي حكمت مصر من ذلك اليوم وإلى يومنا هذا، وجعلت تلك القوانين والأحكام التي وضعت للحكم في فرنسا للمحاكم المختلطة سنة ١٨٧٥م، ثم بعد ذلك عممت ليحكم بها في سنة ١٨٨٣ في جزء من القطر المصري، وما بين عام ٨٣ و ٨٩ عممت على جميع القطر المصري، وقام ضدها علماء المسلمين، وصرخوا وصرخ معهم الناس، ولكن كانت بريطانيا قد دخلت بعد أن واجهها عرابي واحتلت مصر في (سنة ١٨٨٢)، وأقرت تلك القوانين. وابتدأ الكفار يقطفون ثمار تخطيط طويل منذ ذلك الوقت، وأخذت تنحصر وتضيق الأحكام الشرعية على الأحوال الشخصية: الزواج، والطلاق، والميراث.

стр. 409

تغيير الحكم بالشريعة في تركيا تركيا أصيبت أيضاً بما أصيبت به مصر، مع أنها كانت الدولة التي تحمي الإسلام وتقوم على الشريعة الإسلامية، ولقد ظن بعض حكام الدولة التركية أنهم يستطيعون أن ينقذوا دولتهم من الضعف، وأن ينهضوا بها عندما يسيروا مسيرة الأوروبيين، ويسلكوا منهجهم، والحقيقة أن الخلافة العثمانية لم تنته في سنة ١٩٢٣م بعد الحرب العالمية الأولى، بل انتهت قبل ذلك بكثير، عندما قبل الحكام الأتراك أن يغيروا الشريعة الإسلامية، وهذه مسألة لا تذكر في المحاضرات التي يذكر فيها العمومات ولا يذكر فيها التفاصيل.

стр. 410

إصدار مجلة الأحكام العدلية في سنة ١٨٣٩م صدرت لائحة في تركيا لتنظيم القضاء، كان من نتيجتها أن انفتحت الدولة التركية على القوانين الأوروبية، وأخذت بعض القوانين لا بنصها وإنما فيها بعض الأحكام المخالفة للشريعة الإسلامية. وأخذت في ذلك الوقت الأحكام المدنية أو القانون المدني من فقه الإمام أبي حنيفة في مواد متسلسلة مرتبة كالقوانين الوضعية، لكنه كان مأخوذاً من فقه أبي حنيفة، وسمي ذلك القانون بمجلة الأحكام العدلية، وطبقت في تركيا وفي الولايات التي كانت تتبع تركيا كسوريا والعراق ولبنان والحجاز وغيرها من الولايات. ثم بدأت تصدر قوانين متوالية في جانب العقوبات والتجارة وغيرها تؤخذ من القانون الفرنسي ثم النمساوي وهكذا بدأ التغيير شيئاً فشيئاً، حتى لم يبق في القانون العثماني من قانون الأحكام الشرعية في العقوبات والقوانين الأخرى إلا قليل، ثم إن مجلة الأحكام العدلية التي أخذت من الفقه نسخت؛ لأن القوانين الأخرى التي كانت تصدر من هنا وهناك كانت تنسخ هذه الأحكام شيئاً فشيئاً، لكن كانوا يخافون من ثورة الناس، فكانوا يعملون بالخفاء.

стр. 411

مضحكات مبكيات من المضحكات المبكيات: أن بعض الحكام في مصر عندما نقلوا قانون نابليون أتوا ببعض المشايخ، وقالوا لهم: نريد منكم أن تبينوا لنا كيف يمكن أن نطبق قانون نابليون على الطريقة الإسلامية، فأخرجوا كتاباً مؤلفاً يبينون كيف أن هذه الأحكام التي وضعها نابليون مأخوذة من الفقه الإسلامي ومستمدة من الأحكام الشرعية، وكان اسم الكتاب: تطبيق قانون نابليون على مذهب الإمام مالك. نحن لا ننكر حقيقة يتغافل عنها الكفار وأثبتها البحث العلمي وهي: أن نابليون لما جاء إلى مصر سنة ١٧٩٨ أخذ كتب المذهب المالكي واستفاد منها في وضع القانون الذي صدر في سنة ١٨٠٤، ولم أر رجلاً من رجال القانون الغربي يشير إلى هذه الحقيقة أبداً، وهذه الحقيقة مطموسة، ولكنه أخذها ووضعها بعدما نسخها، وغير كثيراً من أحكامها، فهناك تشابه، ولكننا نأخذ قانون الله على أنه حكم من عند الله ، ولو أن أمة من الأمم أخذت هذا القانون ليصلح حياتها، ولم تعترف بأنه منزل من عند الله، وأنها تتحاكم إلى الله لم ينفعها ذلك. في تركيا ومصر كان العمل يجري في الخفاء، والمسلمون يتألمون وليس في أيديهم عمل شيء، وكل ما يستطيعونه هو أن يرفعوا أصواتهم ويتكلموا في المساجد ليعارضوا ما يجري في ديارهم من تغيير لرابطة قامت عليها دولتهم، وبها عزوا، ولكن ليس في اليد حيلة خاصة وأن الجهل كثير، والعلم قليل.

стр. 412

طمس معالم الشريعة في تركيا في سنة ١٩١٤ دخلت تركيا الحرب العالمية الأولى، وانتهت بالهزيمة، وكان الذين خططوا لهذه القضايا جاءوا بأناس يعملون على أعينهم، ولما انتهت الحرب العالمية الأولى ألغيت الخلافة الإسلامية، وألغي منصب شيخ الإسلام، وألغيت الشريعة الإسلامية، ومنع من قراءة القرآن باللغة العربية، ومنع من التأذين باللغة العربية في تركيا، وبقي دين الدولة الإسلام شكلياً، وفي سنة ١٩٢٤ لما تمكنوا ألغوا هذه الكلمة الموجودة في دساتير الدول العربية الآن ذراً للرماد في العيون، وصارت تركيا دولة علمانية، وهي التي قادت العالم الإسلامي منذ منتصف القرن الرابع عشر الميلادي أو الخامس عشر الميلادي، وفتحت جيوشها معقلاً من أكبر المعاقل الصليبية، واستولت على تركيا، وجعلتها منارة تشع على الكون، وكانت هي الدولة الكبرى التي إذا قال حاكمها تسمع الدنيا صوته، وإذا حرك حاكمها جيوشه اهتزت أوروبا لصولته، وقد وصلت جيوشها إلى أعماق أوروبا، وصلت إلى النمسا وإلى أسوار فيينا.

стр. 413

جوانب الخلل التي مكنت لتنحية الشريعة في تركيا هذه الدولة في طرفة عين أصابها ما أصابها، كيف حدث هذا؟ كيف جرى هذا؟ هناك جانبان: الجانب الأول: ما يتعلق بنا نحن، فالذي يدرس الفترة الأخيرة من حياتنا، يجد فينا الخلل، فرغم أن تركيا من حوالى خمسة أو ستة قرون كانت قوية باسم العالم الإسلامي الكبير، كانت هناك أمراض خطيرة موجودة. الجانب الثاني: ما فعله الأعداء، فقد خططوا لهذه القضية، ومن يراجع أقوالهم ويقرأ أخبارهم في القرون الثلاثة الأخيرة، يجد نصوصاً صريحة تدل على أنهم يخططون للقضاء على الأمة الإسلامية بعد أن فشلت الحروب الصليبية في القضاء على الأمة الإسلامية، وعرفوا أنه ينبغي أولاً حتى يستطيعوا أن يسيطروا علينا -والعداء بيننا وبينهم مستحكم- أنه لا بد من أن يبعدونا عن ديننا وعقيدتنا. عرفوا أن الأمة الإسلامية إذا كان رجالها ونساؤها وأبناؤها ملتصقين بالإسلام فلن يبيعوا هذا الدين، ولن يبيعوا أمتهم، ولن يبيعوا أوطانهم، ولا يمكن أن يضعوا أيديهم في أيدي أعدائهم؛ لأن القضية فيها جنة ونار، فيها غضب الله ورضوانه، تذكرون كلمة غلادستون في مجلس العموم البريطاني عندما رفع المصحف في يده وقال: ما دام هذا القرآن يتلى في الشرق فلن نستطيع أن نفعل شيئاً، والحاكم العسكري في الجزائر عندما وقف بعد مرور مائة سنة على احتلال فرنسا للجزائر قال: لا يمكن أن نسيطر على هؤلاء في هذا البلد حتى نزيل القرآن من قلوبهم، وحتى ننهي اللغة العربية من هذه الديار، كانوا يعرفون أن هذا هو المقتل الذي يجب أن يصيبونا فيه. ثم حدثت الهزائم العسكرية التي تصيب الإنسان بنوع من الإحباط، ويظن الجهال أن الأعداء انتصروا لأنهم يزنون، ولأن نساءهم عاريات، كما يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: المغلوب مولع بتقليد الغالب، ويظن أن كل ما يفعله الغالب هو سبب انتصاره، ولو كان يفجر ويفسق ويزني، لظن أن هذا هو سبب النصر، وفينا من يقول: ينبغي أن نقلد أوروبا في كل شيء، وخرج هذا الجيل المهزوم بعد أن هزمنا عسكرياً ثم هزمنا نفسياً، خرج أناس من هذا الجيل ينادون بأن علينا أن نأخذ بالحضارة الأوروبية بخيرها وشرها، وحلوها ومرها! ركز الكفار على هذا الجانب من خلال هزيمتنا، وجئنا بما يسمى بنهضة الأمة الإسلامية، فلم نزدد إلا تأخراً ولم نزدد إلا هزيمة، وما تقدمنا إلى الأمام أبداً. حرص الكفار أن يأخذوا رجالاً منا من القرن الماضي، ويدرسوهم على أعينهم، ويغرسوا فيهم أفكارهم، ورجع إلينا هؤلاء أساتذة، وباحثين وخبراء، ولكن بفكر أعدائنا، كان يركز عليهم تركيزاً شديداً جداً، فإذا هم بوق من أبواقهم في ديارنا، ثم سلمت إليهم المراكز العليا في الجامعات والمدارس ووزارات التربية والتعليم، بل من الحكام من أثر عليهم في هذا المجال، وخاصة في المؤسسات التي يتخرج أصحابها ليكونوا قضاة، ففي كليات الحقوق وضعت لها مناهج بعيدة عن الشريعة الإسلامية، ووضع لها مدرسون ابتداءً من غير المسلمين، ثم المدرسون الذين تخرجوا من الجامعات الأوروبية رجعوا ليدرسوا في مدرسة الألسن في القاهرة التي أصبحت فيما بعد كلية الحقوق. وخرج أجيال لا يفقهون الشريعة الإسلامية، ولا يفقهون القضاء الإسلامي، اقرءوا مقدمة الشيخ عبد القادر عودة في كتابه: التشريع الجنائي، وكتاب: الإسلام وأوضاعنا القانونية، وكيف أنه كان جاهلاً بالشريعة الإسلامية ولا يعرف عنها شيئاً، وكان قاضياً يقضي بما تعلمه في مدرسة الحقوق، وكان الذي لفت نظره ذكريات كان يعرفها من قراءته في السيرة: أن الحاكم الفلاني فعل كذا، والحاكم الفلاني فعل كذا، والقاضي الفلاني فعل كذا، فلما رجع إلى كتب الفقه وجد ثروة ما كان يعرفها ولا سمع بها، ولا قرأها، وكانت مسيرة مباركة قرأ فيها الفقه الإسلامي، وتحول إلى الإسلام تحولاً عن قناعة وعلم، وأخرج لنا هذا الكتاب الذي لم يكتب مثله -في غالب ظني-، وكان من أسباب قتل عبد القادر عودة كتابه: الإسلام وأوضاعنا القانونية، وأوصي بأن يقرأ هذا الكتاب قراءة متفحصة؛ لأنه أعلن الثورة على القوانين الوضيعة بشكل سافر، فهو يريد أن يهدم بالصراحة بناءً بناه الكفار في قرون.

стр. 414

قادة تغيير الحكم بالشريعة أخذ الكفار أبناءنا وعلموهم فأفسدوهم، وجاءوا بهم باحثين في جامعاتنا ومدارسنا، مادة واحدة أو مادتين تدرس في كلية الحقوق، ثم يتخرج من كلية الحقوق أبناء المسلمين وأبناء النصارى، ويدرس فيها أناس أوروبيون، أو نصارى بل يدرس فيها كل من هب ودب؛ لأن هذا ليس شريعة إسلامية بل قانون وضعي، وأشرب أبناء المسلمين حب هذه القوانين، وصارت فقهاً وتشريعاً، وصار الإنسان لا يؤلمه قلبه عندما يدرس هذه القوانين، ولا يتألم عندما يحكم بها ويتحاكم إليها. في البداية نحن الآن أصبحت لدينا نغمة إسلامية، يقول لك: يا أخي التدرج والتدرج والتدرج، وهذا كلام قد يكون له نصيب من الصحة، لكن بالله عليكم الكفار عندما سنحت لهم الفرصة هل تدرجوا؟ لا، بل في سنوات قليلة في قطر مثل مصر ينقل من حكم الشريعة الإسلامية إلى الحكم بالقوانين الوضعية. من الذي يضع القوانين؟ يضعها الكفار بأيديهم؛ لأنهم لم يكن لديهم رجال فقهاء بالقانون الفرنسي مثلما أصبح في أيامنا هذه، فكان أول قانون وضعه مانوري أفغانسي، وهو محام كان موجوداً في مصر، ولا يعرف اللغة العربية، وكما يقول سنهوري وغيره: رجال القانون المصريون مسخوا القانون الفرنسي، يعني: لم يتركوه على ما هو عليه، ثم بعدما وضع المحامي القانون لمصر ترجم، وكتب على النسخة العربية بعد الترجمة على أنه النسخة الأصلية، انظر إلى الضحك على العقول! فهم وضعوا القانون الفرنسي وترجموه، وبعدما ترجموه إلى العربية كتبوا على النسخة العربية: هذه هي النسخة الأصلية، والنسخة الفرنسية هي المترجمة، واللغة العربية هي الأصل، وهذا كذب. وهذا أيضاً حدث في القانون العراقي الجنائي، فقد كان مكتوباً باللغة الإنجليزية ثم ترجم إلى العربية، وكتب على النسخة المترجمة أنها هي الأصل! وهذا كذب ودجل يصنع كلما غيرت هذه القوانين وبدلت. وفي سنة ١٨٨٣م أتى إيطالي اسمه مرندو فجلب قانون المحاكم المختلطة بعد أن ظهرت عيوب القانون الفرنسي، وزاد الإجرام، وزادت الفضائع والزنا والفساد، فبدءوا يفكرون في التغيير، وكلما كان يفكر في التغيير يؤتى بلجان كافرة لا تفعل سوى أن تعيدنا مرة أخرى إلى القوانين التي يحكم بها في أوروبا. أقرأ عليكم بعض أسماء الذين قادوا حركة التغيير القانوني حتى نعرف حجم المصيبة التي أصابت هذه الأمة، وقد أرادوا أن يجعلوا القانون متقارب مع الأوضاع في مصر، وشكل مجلس الوزراء المصري في ذلك الوقت لجنة لتعديل القانون مكونة من صليب سامي باشا ومسولينان ديبلهون، وهو ليس مصرياً وحسب، ولكنه لا يعرف اللغة العربية، ومستر مري جريهان، ومسيو لنناد ديفي، ومسيو ألفرد وصبولي، هذه لجنة تعديل القانون للأمة المصرية! ثم غيرت هذه اللجنة بلجنة أخرى فيها نفس الأسماء وأسماء أخرى كلهم على نفس النمط. وفي سنة (١٩٣٨م) أسندوا وضع القوانين لاثنين: واحد من كبار رجال القانون في فرنسا اسمه: جانبير، والسنهوري، وقد اجتهد في وضع هذا القانون فظل في إعداده منذ سنة ٣٧ إلى سنة ٣٨، وهذا هو القانون الذي نفذ في سنة (١٩٤٩م). وكان من شروط ألا تحتل الدولة الأوروبية تركيا في معاهدة (كلنتن) في سنة (١٩٢٣م): أن تلغى الشريعة الإسلامية! وفي سنة (١٩٣٦م)، جرت معاهدة بين مصر والدول أصحاب الامتيازات لإلغاء المحاكم الشرعية، والمحاكم المختلطة، وتوحيد القضاء المصري، وتم ذلك سنة (١٩٤٦م)، وكان من شروط المعاهدة: ألا تعود مصر لأحكام الشريعة الإسلامية، وأن تأخذ بالقوانين الأوروبية! والدكتور السنهوري شرح القانون المصري في كتاب سماه: الوسيط، وهو في مجلدات ضخمة كثيرة، ويقول: إنه أخذ هذا القانون من عشرين قانوناً، ولم يأخذ من أحكام الشريعة إلا الشيء القليل، بل يقول في مقدمة الكتاب: إن هذا القانون مستقل، ولا يجوز أن يخضع لأحكام الشريعة الإسلامية، مع أن كثيراً من الناس يحسن الظن بالدكتور السنهوري، والحقيقة أن هذا الرجل من أخطر الناس الذين أفسدوا في هذا العصر إفساداً ليس له حدود، وكان حريصاً على أن يغير الأحكام الموجودة في كل بلد إسلامي، فهو الذي وضع القانون العراقي، وخلط فيه بين أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية. وفي سنة (١٩٥٦م) عندما استقلت ليبيا كما استقلت كثير من الدول العربية ظاهراً أول عمل عملوه أن أحضروا الدكتور السنهوري إلى ليبيا، وبسرعة البرق وبدون تروي نقل القوانين المصرية التي وضعها في مصر لليبيا، بل من السرعة والعجلة نقل أحكاماً بنصها تتعلق بطمي النيل ووضعها في القانون الليبي! وأحكاماً تتعلق بمحافظة القاهرة بنصها ووضعت في القانون الليبي! وأشياء أخرى مضحكة. وفي سوريا عندما حصل انقلاب حسني الزعيم فأول عمل قاموا به هو تغيير الأحكام الشرعية، فكان الناس في عجلة، فإذا وصلوا إلى الحكم في الديار الإسلامية فأول قضية كانوا يحرصون عليها هي أن تغير البقية الباقية من ديننا! وفي سنة (١٩٢٣م) أرادوا أن يغيروا قانون الأحوال الشخصية، فقامت ثورة في مصر، ثم غيرت بعضها حكومة الثورة في الخمسينات بدون أن يقيموا عليها ثورة، وألغت البقية الباقية من الأمور الشرعية، وبعض الأحكام الشرعية كانت ولا تزال موجودة في الأحوال الشخصية، لكن ألغي الاسم وأزيل كل شيء اسمه محاكم شرعية.

стр. 415

نماذج القوانين الشرعية عبر التاريخ من المصائب الكبيرة في دراسة هذا الموضوع والتي تلفت نظر الباحث والتي أدركتها أخيراً عن بعض حكام الدولة العثمانية، فلقد كانت الدول الأوروبية تجرجرنا كما تشاء، ومن أعجب ما يقف عليه الباحث في تاريخ هذه الدولة أن سليمان القانوني حكم الدولة العثمانية في قمة توسعاتها، وبلغت غاية قوتها وغاية توسعها في عهد سليمان القانوني، ومع ذلك أعطى سليمان القانوني للدولة الفرنسية أخطر وثيقة، وهي ما يسمى بالامتيازات الأجنبية النجم، فصار لدولة كافرة مثل فرنسا الحق في رعاية الذين هم على دينها ومن رعاياها في داخل الدولة الإسلامية، فكان لا يجوز أن يحاكم رجل ولا يعتدى على رجل من رعايا الدولة الفرنسية، ولا تستطيع الحكومة أن تدخل بيته، وكادت فرنسا أن تقيم معركة بينها وبين تركيا عندما جاء حاكم بعد فترة وألغى الامتيازات الأجنبية، فحشدت فرنسا قواتها لتحارب تركيا، وفعلاً عندما ضعفت تركيا كانت الامتيازات الأجنبية من أخطر ما أذلت هذه الأمة، واقرءوا مذكرة السلطان عبد الحميد وهو يعترف بهذا فيقول: إن الامتيازات الأجنبية منافية لكرامتنا، ولقد أذلتنا. يعترف بهذا في مذكراته فالشريعة الإسلامية لا تقبل أن حاكماً يعطي للدولة الكافرة حق التدخل في شئون الدولة الإسلامية الداخلية، فهذا الحاكم المسلم وقع في خطأ، وأعطى السبيل على نفسه للكفار ليفسدوا في ديارنا، ثم تكون النتيجة ما رأينا في النهاية. مأساتنا وصلنا نحن الآن بعد مسيرة طويلة إلى المصاب الذي نحن فيه الآن، كانت الشريعة الإسلامية ملغاة، ومن يطالب الآن بالشريعة الإسلامية تحز رقبته، ويصير متطرفاً، والمتعقلون يقولون لك: المهم أن تصلي وتصوم وتزكي، نحن هنا في فرنسا، وبريطانيا، وأمريكا نصوم ونصلي ولا أحد يقول لنا: لا. إذا كانت المسألة قضية عبادة ما كان الرسول ﷺ حارب، وقد وجدت جماعة اسمهم الحنفاء، كانوا يوحدون الله قبل أن يبعث الرسول ﷺ ، وما كان أحد من الناس يتعرض لهم، لكن لما جاء الرسول ﷺ ليقول لهم: اعبدوا الله وحده، واتركوا عبادة الأصنام، ويقول لهم: الحكم لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، اختلف الأمر، في تركيا الدولة العلمانية إذا شئت أن تصلي لا أحد يمنعك، لكن أن يكون الله هو الحاكم الذي يحكم الكون، ويحكم الإنسان لأنه خلق الإنسان، ولأن حكمه هو الذي يصلح للإنسان، لا، وهي صورة متكررة في جميع مراحل تاريخ البشرية، إذ كل رسول يأتي يقول للناس: الله إلهكم ومعبودكم، اعبدوه وحده وتحاكموا له وحده، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، ويقول لهم: الأمر أمره والخلق خلقه، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]. أنت الله خلقك وأوجدك، وصورك، وسواك، فله الخلق لا شريك له، وله الأمر وحده، فليس لغيره أمر، فإذا خالف أمره أمر غيره فلا اعتبار له، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨]. قبل (سنة ٢٠٠٠) قبل الميلاد وضع حمورابي قانوناً، ولا يزال موجوداً محفوظاً في المتحف الفرنسي، وهو مكتوب على حجر طوله تسعة أمتار ونصف، يشتمل على (٣٢٠) مادة، وقانون مانو في الهند موجود، والقانون الروماني في آخر صورة له عندما كانوا يتحاكم إليه في بيزنطة في القسطنطينية لا يزال موجوداً بين أيديهم، هذه قوانين وضعها البشر، وشرائع الله التي أنزلها على رسله حدثنا الله بها، فكانت هذه القوانين مضاداة للشرائع التي أنزلها الله، ونحن اليوم نعيش صراعاً بين الذين آمنوا بالله ورضوا به رباً يعبدونه وحده لا شريك له، وبين الذين يريدون أن يتحاكموا إلى أفكارهم وقادتهم وزعمائهم ورؤسائهم، ويريدون أن يكون الأمر لغير الله، وأن يكون الحكم لغير الله، ومن سنة الله أن ينشأ الصراع. هذا الصراع نجح فيه الكفار في القرن الماضي، وكانت الجولة لهم لضعف في النفوس ولأسباب استطاع أن ينفذها الكفار بدقة، ولكن بعد أن نشأ في المسلمين من يعرف القضية لا بد من جولة أخرى، نحن بدأنا هذه الجولة ونحن نقدم في كل يوم ضحايا، ونقدم جهداً ومالاً، ولكن هذا هو لب المعركة، وسيستمر الصراع إلى أن يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق. أسأل الله أن يهيئ لهذه الأمة من يرفع الراية مرة أخرى، وأن يلم شعث المسلمين، وأن يعيد بهم للإسلام عزته، ويرفع بهم رايته، لترتفع الشمس من جديد، وتشرق على القلوب والعباد، فيرضى بذلك رب العباد . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 416

الأسئلة

стр. 417

مضمون وصية بطرس الأكبر ضد المسلمين السؤال ما هي وصية بطرس الأكبر الموجهة ضد الإسلام التي ذكرتموها في محاضرتكم؟ الجواب يمكنك أن تطلع على هذه الوصية في كتاب تاريخ الدولة العلية في تاريخ الدولة العثمانية، وهو كتاب في مجلد واحد، نقل هذه الوصية بنصها، وفيها مخطط يبين كيف يمكن للدولة في ذلك الوقت في روسيا أن تقتحم معاقل المسلمين، وما هي الخطوات التي ينبغي أن يسلكوها حتى يصلوا إلى أهدافهم. ولا تزال روسيا الشيوعية إلى اليوم تستفيد من هذه الوصية، وفي هذه الوصية: لا بد أن يجد الروس منفذاً لهم على البحار التي في بلادنا. وإلى الآن روسيا الشيوعية تستفيد من هذه الوصية؛ لأن روسيا قبل ذلك كانت نصرانية، وهذه وثيقة تبين لنا وجود تخطيط عام مسبق، وهناك بعض النصوص الموجودة عندي عن هذه القضية وفيها أقوال وتخطيطات بعض الرؤساء القدامى في أوروبا حول هذه القضية.

стр. 418

التعريف بعبد القادر عودة السؤال من هو عبد القادر عودة؟ الجواب عبد القادر عودة أحد رجالات الحركة الإسلامية الذي أفضى إلى ربه بعد أن قاوم الظلم والطغيان وألف مؤلفات كثيرة، وكان له باع طويل في الجهاد في مصر، وهو أحد رجال حركة الإخوان الكبار في مصر، أعدم في الاضطهادات الأولى التي أقامتها الثورة في مصر ضد الإخوان المسلمين.

стр. 419

حكم مزاولة المحاماة والأعمال المحرمة السؤال ما هو الحكم الشرعي في مزاولة العمل كمحامي؟ الجواب هذه القضية لا أستطيع أن أحكم فيها بحكم قاطع، لكن أنا لا أستريح قلبياً إلى أي مسلم يعمل قاضياً ويتقاضى إلى القوانين الوضعية، أو محام يترافع إلى القوانين الوضعية؛ لأن هذا القانون قانون كافر، معارض للشريعة الإسلامية، فلما أحتج أنا بنصوصه فمعنى ذلك أنني أقره حتى ولو كنت أريد أن أخفف بعض مصائب المسلمين، ورضا المسلم بهذه القوانين معناه أنه مسلم بها، وأقل درجة من الدرجات أن يبغض الباطل. بعض المسلمين لهم وجهة نظر في هذا، لكن هذا الذي أنا أستريح إليه، ولا أقول: إن هذا الأمر نهائي، لكن أنا أنقل مشاعري فقط، أنا لا أستريح إلى أن المسلم يعمل قاضياً أو يعمل محامياً، فمعنى ذلك أنك تؤمن به أصلاً، والذي ينبغي أن تحاربه وترفضه. أنا عندما يقول لي رجل: أنا أضع أموالي في البنك الربوي وآخذ فائدتها وأعطيها للمسلمين، أقول له: لا. كانت هناك مصيبة وقعت في الكويت بسبب الأسهم، ودمر فيها ناس كثير، ففي هذه الفترة اتصل بي أحدهم وقال: يوجد بنك ربوي فيه أسهم، بمجرد أن يساهم الإنسان فيه فبعد أسبوع ممكن أن يبيع ما اشتراه بدينار بعشرة دنانير، وقال: ولا أنتظر البنك حتى يشتغل، أنا فقط آخذ الأوراق هذه وبعد أسبوع أو أسبوعين أبيعها، فالمائة دينار تأتي لي بألف دينار، قلت: ليست هذه القضية، أنت مسلم أم لا؟ قال: مسلم، قلت له: هل تقبل أن تقام خمارة في بلاد المسلمين، أو أن نعمل مزرعة خنازير في ديار المسلمين؟ قال: لا، قلت له: وكذلك الربا أشد من الزنا، أشد من الخمر، أشد من تربية الخنازير، معنى ذلك أنك راض بهذا، وينبغي أن ترفع صوتك، وتقول: هذا حرام، لا تبنوا بنكاً في ديار المسلمين، حولوا هذه البنوك إلى بنوك تتعامل بالشريعة الإسلامية، فإذا أنت رضيت بهذا، فيوم القيامة سيسألك ربك: كيف رضيت بهذا؟ كذلك بالنسبة للقوانين الوضعية، المفروض أننا نطالب بإلغائها وإزالتها، لا أن نكون سدنة لهذه القوانين، ويصير القاضي مقدساً، ولما يدخل يقوم له الناس، ومعه شرطة تحميه على الباب، والذي يخالف نص القانون يا مصيبته. فأنا أقول: ينبغي التفكير في القضية هذه أكثر من هذا، والمسألة ليست بهذه السهولة.

стр. 420

طرق محاربة القوانين الوضعية السؤال كيف نلغي القوانين الوضعية؟ وكيف نحارب القوانين الوضعية؟ الجواب سأضع لك النقاط على الحروف: أولاً: أن نكره هذه القوانين، ونبغضها، ونعتقد أنها بلاء وليست خيراً، وهل الإيمان إلا الحب في الله والبغض في الله، أنت تحب الإنسان لما فيه من الخير لأنه مسلم، وتكرهه لأنه كافر، فتحب الأخلاق التي يحبها الله، وتبغض الأخلاق التي يبغضها الله، فتحب شريعة الله وتبغض قوانين الكفر. هذه أول قضية. ثانياً: أن تعلن هذا بلسانك كلما استطعت، وأن تبين هذه القضية. ثالثاً: أن تقوم حركة منظمة للمسلمين تسعى لإقامة حكم الله في الأرض، وأن ينخرط فيها المسلمون؛ لأن إعادة بناء الدولة الإسلامية لا يقوم به أفراد، وإنما يقوم به جماعات.

стр. 421

خطط الأعداء في امتصاص مطالب تطبيق الشريعة السؤال تكونت لجنة في السودان لإعادة أحكام الشريعة الإسلامية برئاسة الشيخ حسن الترابي، وبقرار من الحاكم بغير شرع الله جعفر محمد نميري، فما رأيك في جدية هذه اللجنة تحت حكم وظلم هذا الحاكم؟ الجواب هناك ضغوط في العالم العربي والإسلامي لإعادة حكم الله في الأرض، وجريدة الأخبار قبل عشرين يوماً عملت استفتاء دخل فيه حوالى ثلاثة آلاف من عينات مختلفة من الشعب المصري، وكانت النتيجة أن ٩٦% من الشعب المصري يريد حكم الشريعة الإسلامية. في كل مكان توجد ضغوط من المسلمين يريدون أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية، ولا بد أن أعداء الإسلام يمتصون هذه المشاعر الفياضة، فيجعلون الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع؛ أو من المصادر الشريعة الإسلامية، وتقوم معركة حول هذه القضية. في باكستان الآن يطبقون أحكام الشريعة، الزاني يجلدوه حتى يكرهوا الناس بشيء اسمه إسلام، يحدثني أحدهم فيقول: يؤتى بالزاني، ويربط من يديه ورجليه، ويؤتى برجل مفتول العضلات، ومعه عصا غليظة طولها حوالى أربعة أو خمسة أمتار، ويذهب إلى بعيد ثم يأتي وهو يركض وبأقوى قوته يضرب الزاني خمس جلدات أو ست جلدات حتى يموت المجلود، وجلدوا ثمانية فماتوا! بالله عليكم: هل هذا هو حكم الشريعة الإسلامية؟! هذا فيه ضغط على المسلمين الذين يريدون الشريعة الإسلامية، وينقلون هذا بالتلفزيون! أعوذ بالله، أهذا هو حكم الإسلام؟ هل هذه الطريقة التي يحكم الإسلام بها؟! فقهاء الإسلام قالوا: الجلد يكون بسوط ليس بالطويل ولا بالقصير، وليس بالجديد ولا بالقديم، الجديد يجرح، والقديم لا يؤذي، والجلد ليس أعلى شيء ولا أخف شيء بل وسط، وإذا كان الإنسان مريضاً لا يقام عليه الحد حتى يبرأ ويشفى، وهم يطبقون الحد بهذه الطريقة حتى ينفر الناس من الإسلام، لا من أجل إقامة أحكام الشريعة الإسلامية. كذلك في كل البلاد الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، وضع هذا النص وماذا تغير؟ لم يتغير شيء، وكلما انتفض المسلمون انتفاضة امتصوا غضبهم، في أحد البلاد قريباً وضعوا لجنة من أربعة، ثلاثة قالوا: الشريعة الإسلامية لا تنفع في هذه الأيام، وقالت الحكومة: أنا لا ذنب لي، اللجنة ما وافقت، يعني: كأن اللجنة لو وافقت سيطبقون، وما علموا أن رب العزة يريد هذا، فيجعلون رأي اللجنة مقدماً على رأي رب العزة وعلى حكمه! هذا واقع الأمر، فهذه من جملة المغالطات على المسلمين هنا وهناك. وفي سوريا في مطلع الخمسينات أرادوا أن يلغوا دين الدولة الإسلام من الدستور، ولولا أن الثورة قامت والناس قاموا بضجيج لما أبقوا الكلمة. في مصر وقف السادات وقال: أنا أعرف أن السياسة من الدين، لكن أنا أقول: لا سياسة في الدين، فلا أحد يتكلم، ويقول: الدين له دخل في السياسة! وأضله الله على علم، القضية ليست قضية عالم أو غير عالم، يا أخي لو أن شخصاً يعرف الوضوء والصلاة، هل تقول له: تعال أعلمك الوضوء حتى تصلي، هو لا يريد أن يصلي أصلاً؟! فما يجري في السودان هو من هذا القبيل. ما وصلنا إليه من شقاء ومصائب ومآس على أيدي هؤلاء المجرمين الأوروبيين ألا يحق للمسلم أن يحمل في قلبه دوماً حقداً وبغضاً؟ فيجب أن نكرههم ونبغضهم في الله. أيها الإخوة! نحن نحب الله، والذي يبغضه الله نبغضه، والذي يحبه الله نحبه، المسألة في غاية البساطة، فـ أبو جهل لو قلت له: يا أخي يا حبيبي، يقول الله: كيف هو أخوك وحبيبك وأنا أبغضه؟! وإذا سببت عمر بن الخطاب، يقول ربنا: كيف سببته وأنا أحبه؟ القضية في هذه السهولة، أفرق بين الحب والعمل، كان الرسول ﷺ يبغض اليهود ويحسن إليهم، قال الله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، وقال الله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، نحن نبغضهم ولا شك في هذا؛ لأنه لا يجتمع في قلب مسلم حب الله وحب أعداء الله، كيف يجتمع هذا؟! نحن نبغض كل كافر وكل مشرك، وإن كنا نحب لهم الخير بأن يسلموا، وفرق بين أننا نبغضهم لأنهم على الشرك كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، تلبسوا بأكبر قذارة وهو الشرك، الذي لا يمكن أن تغسله إلا نار جهنم، فنحن نبغض كل مشرك وكل كافر؛ لأن الله يبغضه، ولأنه لا يستقيم على أمر الله، لكن يمكن أن نحسن إليهم إذا كانوا لا يقاتلوننا في الدين، ونحب لهم الخير والإسلام، فالتفريق بين هذه النقاط الثلاث ضروري: محبة المؤمن، وبغض الكافر، والكافر مع كوننا نبغضه يمكن أن نحسن إليه، ونتمنى له أن يسلم ونحب له ذلك، إذا وضحت هذه النقاط الثلاثة لا توجد مشاكل. فكيف أن تحب الكافر، وهم كما قال الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩١]، ثم تقول لمن اتخذ للرحمن ولداً: أنت حبيبي، وأنت أخي، وأنا أخوك؟! لا يمكن هذا.

стр. 422

وصف البلاد الإسلامية وبلاد الكفر السؤال هل البلاد الإسلامية اليوم بلاد إسلام أو بلاد كفر؟ الجواب بلاد الإسلام هي التي تطبق الشريعة الإسلامية، وبلاد الكفر هي التي أهلها كفار، فالبلاد الإسلامية اليوم لا ديار إسلام ولا ديار كفر، فيها مسلمون، لكن ليس فيها تطبيق للشريعة الإسلامية؛ لأن هذه أحكام جاءت لتفصل القضايا.

стр. 423

إقامة الأحكام الشرعية مقام القوانين الوضعية السؤال هل هناك دستور أو قانون إسلامي ممكن أن نقارن فيه الأنظمة الوضعية؟ الجواب أحكام الشريعة الإسلامية مدونة عندنا في الكتاب والسنة، وعندنا اجتهادات الفقهاء، صلب القانون الإسلامي هو الأحكام الشرعية، وتكملة القانون الإسلامي في الأحكام الاجتهادية، والأحكام الشرعية المنصوص عليها بالكتاب والسنة لا اختلاف فيها.

стр. 424

إقامة الحدود لا تكفي في إقامة الشريعة السؤال هل تطبيق الحدود وحدها يكفي؟ الجواب لا، الحدود جزء من أحكام الشريعة الإسلامية، يقول العلامة المودودي ﵀: كيف نطبق على الناس أحكام الزنا والمرأة في الشارع عريانة، والأفلام الفاسدة منتشرة؟! لا بد أن يكون التطبيق متناسقاً، ولا بد أن الحكومة وكل الأمة تسير في اتجاهها إلى التطبيق، لا بد من منع الفساد والشرور، وقضايا الخير الموجودة في الشريعة الإسلامية التي تمنع من السرقة والزنا، لا بد أن يتناسق هذا مع هذا.

стр. 425

استسلام التتار لحكم الإسلام السؤال ذكر فضيلتكم أن التتار حين غزوا الدولة الإسلامية، أخذوا بالشريعة الإسلامية، والمشهور أنهم دمروا الخلافة العباسية؟ الجواب هم في بداية أمرهم أفسدوا وحطموا، ولم يكن هناك في تاريخ البشرية فعل كأفعال التتار، ولكن في النهاية أسلموا، وهذا معروف تاريخياً.
следующие страницы →