Полный текст (531 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
خطط الأعداء في امتصاص مطالب تطبيق الشريعة
السؤال
تكونت لجنة في السودان لإعادة أحكام الشريعة الإسلامية برئاسة الشيخ حسن الترابي، وبقرار من الحاكم بغير شرع الله جعفر محمد نميري، فما رأيك في جدية هذه اللجنة تحت حكم وظلم هذا الحاكم؟
الجواب
هناك ضغوط في العالم العربي والإسلامي لإعادة حكم الله في الأرض، وجريدة الأخبار قبل عشرين يوماً عملت استفتاء دخل فيه حوالى ثلاثة آلاف من عينات مختلفة من الشعب المصري، وكانت النتيجة أن ٩٦% من الشعب المصري يريد حكم الشريعة الإسلامية.
في كل مكان توجد ضغوط من المسلمين يريدون أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية، ولا بد أن أعداء الإسلام يمتصون هذه المشاعر الفياضة، فيجعلون الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع؛ أو من المصادر الشريعة الإسلامية، وتقوم معركة حول هذه القضية.
في باكستان الآن يطبقون أحكام الشريعة، الزاني يجلدوه حتى يكرهوا الناس بشيء اسمه إسلام، يحدثني أحدهم فيقول: يؤتى بالزاني، ويربط من يديه ورجليه، ويؤتى برجل مفتول العضلات، ومعه عصا غليظة طولها حوالى أربعة أو خمسة أمتار، ويذهب إلى بعيد ثم يأتي وهو يركض وبأقوى قوته يضرب الزاني خمس جلدات أو ست جلدات حتى يموت المجلود، وجلدوا ثمانية فماتوا! بالله عليكم: هل هذا هو حكم الشريعة الإسلامية؟! هذا فيه ضغط على المسلمين الذين يريدون الشريعة الإسلامية، وينقلون هذا بالتلفزيون! أعوذ بالله، أهذا هو حكم الإسلام؟ هل هذه الطريقة التي يحكم الإسلام بها؟! فقهاء الإسلام قالوا: الجلد يكون بسوط ليس بالطويل ولا بالقصير، وليس بالجديد ولا بالقديم، الجديد يجرح، والقديم لا يؤذي، والجلد ليس أعلى شيء ولا أخف شيء بل وسط، وإذا كان الإنسان مريضاً لا يقام عليه الحد حتى يبرأ ويشفى، وهم يطبقون الحد بهذه الطريقة حتى ينفر الناس من الإسلام، لا من أجل إقامة أحكام الشريعة الإسلامية.
كذلك في كل البلاد الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، وضع هذا النص وماذا تغير؟ لم يتغير شيء، وكلما انتفض المسلمون انتفاضة امتصوا غضبهم، في أحد البلاد قريباً وضعوا لجنة من أربعة، ثلاثة قالوا: الشريعة الإسلامية لا تنفع في هذه الأيام، وقالت الحكومة: أنا لا ذنب لي، اللجنة ما وافقت، يعني: كأن اللجنة لو وافقت سيطبقون، وما علموا أن رب العزة يريد هذا، فيجعلون رأي اللجنة مقدماً على رأي رب العزة وعلى حكمه! هذا واقع الأمر، فهذه من جملة المغالطات على المسلمين هنا وهناك.
وفي سوريا في مطلع الخمسينات أرادوا أن يلغوا دين الدولة الإسلام من الدستور، ولولا أن الثورة قامت والناس قاموا بضجيج لما أبقوا الكلمة.
في مصر وقف السادات وقال: أنا أعرف أن السياسة من الدين، لكن أنا أقول: لا سياسة في الدين، فلا أحد يتكلم، ويقول: الدين له دخل في السياسة! وأضله الله على علم، القضية ليست قضية عالم أو غير عالم، يا أخي لو أن شخصاً يعرف الوضوء والصلاة، هل تقول له: تعال أعلمك الوضوء حتى تصلي، هو لا يريد أن يصلي أصلاً؟! فما يجري في السودان هو من هذا القبيل.
ما وصلنا إليه من شقاء ومصائب ومآس على أيدي هؤلاء المجرمين الأوروبيين ألا يحق للمسلم أن يحمل في قلبه دوماً حقداً وبغضاً؟ فيجب أن نكرههم ونبغضهم في الله.
أيها الإخوة! نحن نحب الله، والذي يبغضه الله نبغضه، والذي يحبه الله نحبه، المسألة في غاية البساطة، فـ أبو جهل لو قلت له: يا أخي يا حبيبي، يقول الله: كيف هو أخوك وحبيبك وأنا أبغضه؟! وإذا سببت عمر بن الخطاب، يقول ربنا: كيف سببته وأنا أحبه؟ القضية في هذه السهولة، أفرق بين الحب والعمل، كان الرسول ﷺ يبغض اليهود ويحسن إليهم، قال الله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، وقال الله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، نحن نبغضهم ولا شك في هذا؛ لأنه لا يجتمع في قلب مسلم حب الله وحب أعداء الله، كيف يجتمع هذا؟! نحن نبغض كل كافر وكل مشرك، وإن كنا نحب لهم الخير بأن يسلموا، وفرق بين أننا نبغضهم لأنهم على الشرك كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، تلبسوا بأكبر قذارة وهو الشرك، الذي لا يمكن أن تغسله إلا نار جهنم، فنحن نبغض كل مشرك وكل كافر؛ لأن الله يبغضه، ولأنه لا يستقيم على أمر الله، لكن يمكن أن نحسن إليهم إذا كانوا لا يقاتلوننا في الدين، ونحب لهم الخير والإسلام، فالتفريق بين هذه النقاط الثلاث ضروري: محبة المؤمن، وبغض الكافر، والكافر مع كوننا نبغضه يمكن أن نحسن إليه، ونتمنى له أن يسلم ونحب له ذلك، إذا وضحت هذه النقاط الثلاثة لا توجد مشاكل.
فكيف أن تحب الكافر، وهم كما قال الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩١]، ثم تقول لمن اتخذ للرحمن ولداً: أنت حبيبي، وأنت أخي، وأنا أخوك؟! لا يمكن هذا.
стр. 422
وصف البلاد الإسلامية وبلاد الكفر
السؤال
هل البلاد الإسلامية اليوم بلاد إسلام أو بلاد كفر؟
الجواب
بلاد الإسلام هي التي تطبق الشريعة الإسلامية، وبلاد الكفر هي التي أهلها كفار، فالبلاد الإسلامية اليوم لا ديار إسلام ولا ديار كفر، فيها مسلمون، لكن ليس فيها تطبيق للشريعة الإسلامية؛ لأن هذه أحكام جاءت لتفصل القضايا.
стр. 423
إقامة الأحكام الشرعية مقام القوانين الوضعية
السؤال
هل هناك دستور أو قانون إسلامي ممكن أن نقارن فيه الأنظمة الوضعية؟
الجواب
أحكام الشريعة الإسلامية مدونة عندنا في الكتاب والسنة، وعندنا اجتهادات الفقهاء، صلب القانون الإسلامي هو الأحكام الشرعية، وتكملة القانون الإسلامي في الأحكام الاجتهادية، والأحكام الشرعية المنصوص عليها بالكتاب والسنة لا اختلاف فيها.
стр. 424
إقامة الحدود لا تكفي في إقامة الشريعة
السؤال
هل تطبيق الحدود وحدها يكفي؟
الجواب
لا، الحدود جزء من أحكام الشريعة الإسلامية، يقول العلامة المودودي ﵀: كيف نطبق على الناس أحكام الزنا والمرأة في الشارع عريانة، والأفلام الفاسدة منتشرة؟! لا بد أن يكون التطبيق متناسقاً، ولا بد أن الحكومة وكل الأمة تسير في اتجاهها إلى التطبيق، لا بد من منع الفساد والشرور، وقضايا الخير الموجودة في الشريعة الإسلامية التي تمنع من السرقة والزنا، لا بد أن يتناسق هذا مع هذا.
стр. 425
استسلام التتار لحكم الإسلام
السؤال
ذكر فضيلتكم أن التتار حين غزوا الدولة الإسلامية، أخذوا بالشريعة الإسلامية، والمشهور أنهم دمروا الخلافة العباسية؟
الجواب
هم في بداية أمرهم أفسدوا وحطموا، ولم يكن هناك في تاريخ البشرية فعل كأفعال التتار، ولكن في النهاية أسلموا، وهذا معروف تاريخياً.
стр. 426
حكم التحاكم إلى محاكم القوانين الوضعية
السؤال
ماذا يفعل المسلم الذي يضيع حقه في بلد لا يحكم بغير الإسلام، فهل يحاكم خصمه في المحاكم أم يصبر؟
الجواب
هذه من المشاكل، لكن أقول: إذا كان حكم الحاكم له بأكثر من حقه الذي تحكم به الشريعة الإسلامية لا يأخذه، بل يأخذ مقدار ما تعطيه الشريعة الإسلامية، فإذا ظلمته هذه القوانين يحتسب عند الله ، لكن الخطورة أن يكون الإنسان قاضياً وحاكماً، أو يرضى بهذه الأحكام، لكن يضطر إلى أخذ حقه في بعض الأحيان، وإذا كان هذا الحق قليلاً وتافهاً فمن الممكن أن يبتعد عن هذه الأمور.
стр. 427
مقاتلة المسلمين لليهود
السؤال
من الذي سيحارب اليهود والصهاينة إذا لم تكن مصر وحكام مصر في الصف العربي وهي الدولة الكبرى في العالم العربي، فهل توجد أمة عربية تحرر فلسطين وغير فلسطين؟
الجواب
الرسول ﷺ يقول: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله)، الذي سيحرر فلسطين هم عباد الله المسلمون، وهم في مصر كثير، وفي بلاد الشام كثير، وفي باكستان كثير، وهم الآن يمنعون من حرب يهود، وعندما تحين الفرصة، ويسمح للمسلمين أن يجاهدوا في فلسطين فلن تبقى يهود، فلن يحرر فلسطين أناس يرفضون التحاكم إلى شريعة الله، والتقاضي إلى القرآن الكريم، إنما تحررها السواعد المؤمنة التي ترتل آيات الله في الليل وأطراف النهار، وتقيم الحق، هذه هي الأيدي التي ستحرر فلسطين، أما الأيادي القذرة فلن تحرر فلسطين.
стр. 428
حكم التعاون مع أصحاب القوانين الوضعية
السؤال
هل يجوز التعاون مع من لا يحتكم إلى شرع الله ؟ وما هي حدود ذلك، وكذلك الحدود الشرعية في حالة الاتحاد معهم؟
الجواب
التعاون مختلف، وهذه كلمة مطاطة، لا يجوز التعاون في إقضاء الأحكام الشرعية وعدم تحكيم القوانين الشرعية، مع بقاء التعاون في نشر الخير في الأمة الإسلامية، وفي تعليم الإسلام كل بحسبه، فالتعاون في الخير خير، والتعاون في الشر شر.
стр. 429
حكم شراء الأسهم
السؤال
شراء الأسهم والاستفادة منها مستقبلياً ما حكمه في الشريعة الإسلامية؟
الجواب
إذا كانت الشركات تتعامل بالحلال، فلا بأس من شراء أسهمها وفق الضوابط الشريعة، فهناك ضوابط شرعية في البيع والشراء، فيشتري الأسهم وفق هذه الضوابط الشرعية.
وإذا كانت الشركات لا تتعامل بالأحكام الشرعية فلا يجوز بحال من الأحوال أن يتعامل المسلم معها، فالشركة القائمة على الربا مثل البنوك أو الشركات التي تقوم بتصنيع الخمر، هذه لا يجوز التعامل في أسهمها بحال من الأحوال، أما الشركات التي تتاجر في الحلال فلا بأس أن تشترى أسهمها، ولكن وفق الضوابط الشرعية.
стр. 430
حكم مدرسي كليات الحقوق
السؤال
ما حكم الذين يدرسون في كليات الحقوق؟
الجواب
ما منعنا من دراسة الطلبة المسلمين في كليات الحقوق، ولكن ليهدموا هذه القوانين، وتكون نيتهم بالدراسة هذا، ففي أثناء الدراسة وهو يدرس هذه المواد لابد أن يتضلع من الشريعة الإسلامية والفقه والأصول بحيث يكون عالماً بدينه، ثم بعد ذلك يكون أقدر على أن يعرف مقاتل ومعايب القوانين الوضعية، وعندما يتحدث يكون أخبر من غيره بها، فلا مانع من الدراسة فيها بهذه النية إن شاء الله.
стр. 431
وجوب السعي حتى يحصل النصر
السؤال
كلما ذهب ظالم جاءنا رجل أظلم، كلما يذهب فاسد يأتي رجل أفسد، فما نفعل؟
الجواب
لا تدري متى ينطلق الينبوع من الأرض، نحن نسعى لنجاهد، ونحن نتعامل مع رب العباد لا مع البشر، الحركة التي يتحركها الإسلام مع الله ، كيف ومتى نصل؟ الرسول ﷺ ما كان يعلم متى سيصل، كان يوقن بأن النصر آتٍ، ويوقن بوعد الله ، ولكن الله أعلم كيف ومتى.
стр. 432
مراتب إنكار المنكر
السؤال
في الحديث: (من رأى منكراً فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، ولكن رتبتم خطوات محاربة المنكر بعكس تسلسل الحديث؟
الجواب
أنا لم أرتب قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنا أجبت على سؤال: كيف نحارب القوانين الوضعية؟ فأقول: القضية الأساسية للمسلم أن أقل درجة من القضايا أن يكون منكراً لهذا في قلبه، ثم إن كان يستطيع أن ينكر بلسانه ينكر، والترتيب إما تنازلي وإما تصاعدي، يعني: إما أن ترتبها من الأعلى وتنزل، أو ترتبها من الأسفل ثم تصعد بها إلى الأعلى.
стр. 433
حكم الالتحاق بالمؤسسات القضائية للتغيير
السؤال
هل يجوز الالتحاق بالمؤسسات القضائية من أجل التغيير؟
الجواب
بعيد أن يلتحق المسلم بالمؤسسات القضائية حتى يغير، وماذا تغير؟ أصلاً الذي يقفز داخل القفص وهو مغلق عليه لا يستطيع أن يخرج منه، كيف تغير؟ وكيف تعمل للتغيير؟ لو جاءتك قضية زنا، فالقانون الوضعي يلزم القاضي أن يسأل الزاني: كم عمرك؟ فيقول: خمسة وعشرون سنة، ثم يقول للزانية: وأنت كم عمرك؟ فتقول: ثلاثة وعشرون سنة، فيقول: أنت راضية؟ فتقول: أنا راضية، فيقول: انصرفا، مع السلامة! هكذا القانون الوضعي، هل ستقول له: يا فلان! اتق الله، ربنا حرم هذا، بينما القانون الوضعي على العكس.
أنت ما موقفك؟ ولو قلت: اجلدوهم، من الذي سيجلدهم؟! ولو برأتهم، كيف تبرئهم؟ القضية مشكلة، وليست بهذه السهولة التي يتصورها السائل.
стр. 434
التدريج في إقامة الأحكام الشرعية
السؤال
ما رأيكم في الاتجاه الذي يقول: نطبق الأحكام الشرعية تدريجياً فنجلد الزاني أولاً عشر جلدات وهكذا تدريجياً؟
الجواب
لا يوجد تدرج في هذه القضايا، المهم أن يستلم المسلمون الحكم، ثم ينفذوا أحكام الإسلام، وفي حال عدم استلام المسلمين للحكم فلا تطبيق للأحكام الشرعية، أقصد أحكام القضاء التي تطبقها السلطة، أما الأحكام الشخصية فيما يتعلق بين العبد وربه فلابد للمسلم أن يلتزم بها.
وأقول: لا تدرج في الحكم، فالحكم الشرعي لا نجعله خمس جلدات، ثم عشر جلدات، لا تدرج في هذا، لكن أقول: الآن تطبيق هؤلاء الحكام لبعض الأحكام الشرعية بهذه الصور مصيبة من المصائب، وتناقض، يعني: هذا إفساد للأحكام الشرعية.
стр. 435
أثر محمد عبده في الترويج للحضارة الغربية
السؤال
هل هناك من دور لـ محمد عبده في ترويج أفكار الحضارة الغربية والمساعدة على إيجاد قبول لدى المسلمين لهذه الأفكار؟
الجواب
الحقيقة أن ما يعرف الآن بعملية التجديد في الفقه الإسلامي عند بعض المستغربين هي أثر من الآثار التي فعلها محمد عبده ومن قبله، وهذه العملية ما زالت تتسع إلى الآن، وليس معنى ذلك كما يقول بعض الناس: إن محمد عبده كان خائناً، فأنا لا أظن به هذا الظن، ولكنه تأثر وفتح ثغرة بانفتاحه على المنهج الغربي، وهذه ما زالت إلى الآن تتسع وتتسع وتتسع حتى وصلت عند بعض الذين يدعون إلى الإسلام إلى درجة أنه يحاول أن يصور الإسلام بغير الصورة التي هو عليها.
стр. 436
نوع الشريعة التي يطبقها حكام إيران الشيعة
السؤال
هل نستطيع أن نسمي إيران أقرب دولة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في العالم الإسلامي؟
الجواب
لا، الصورة غير واضحة عند حكام إيران في تطبيق الشريعة الإسلامية، لأن التطبيق ينبني على الفهم، فهم يؤمنون بالقرآن لكن ما هو تفسير القرآن عندهم؟ نحن تفسير القرآن الأساسي عندنا هو سنة الرسول ﷺ ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، المشكلة الآن أن الشيعة في إيران ما عندهم تطبيق للقرآن، نحن عندنا حياة الرسول ﷺ وحياة الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، والدولة الأموية فيها ممارسات عبر تاريخ طويل في تطبيق الأحكام الشرعية، وهم يتنكرون لكل هذا التاريخ، ما عندهم تاريخ طبقت فيه الشريعة الإسلامية إلا في عهد الرسول ﷺ ، ومع ذلك فالصورة عندهم غير واضحة في كيفية تطبيقه؛ لأنهم يرفضون النصوص والوثائق العلمية التي تبين كيف أن الرسول ﷺ طبق الشريعة، وكل كتب السنة لا يقبلونها!! وبعد ذلك يؤمنون بفترة وجيزة من حياة علي بن أبي طالب من سنة ٣٥هـ إلى ٤٠ هجرية، ويؤمنون أن هذه الفترة طبق فيها الإسلام، وغير ذلك لا.
أما نحن فالصورة واضحة عندنا، يعني: كل قضية من قضايا الحكم فيها عشرات المؤلفات، ولنا فيها تجربة طويلة، ليست قليلة، عندما نعود إلى الحكم الإسلامي، عندنا الدستور المالي للدولة الإسلامية في مؤلفات، أو القانون التجاري للدولة الإسلامية في مؤلفات، في كل مجال من المجالات عندنا مؤلفات كثيرة وعندنا تجارب كثيرة، لكن الشيعي يقول: أنا لا أؤمن بكتب السنة، ولا يوجد وقت طبقت فيه الأحكام الشريعة إلا في عهد الرسول ﷺ وعهد علي بن أبي طالب، وبقية العصور لا يعتبرونها ولا يستفيدون منها.
وصلاة الجمعة عندهم صلاة غريبة جداً، صلاة يتعجب الإنسان منها، صورة غريبة من أغرب ما يراه الإنسان، ما عندهم الطريقة العملية المنهجية التي نسميها السنة، فالسنة هي الطريقة، سنة الرسول ﷺ طريقته في تنفيذ الأحكام، الرسول ﷺ أخذها عن الله، كان جبريل يتوضأ أمام الرسول ﷺ في صورة بشر، والرسول يتوضأ مثله، يصلي ويصلي مثله، أشياء عملية يأخذها عن جبريل، فإذا رفض الإنسان كل هذه النصوص من السنة، يصبح فقهه للقرآن ضعيفاً.
على ما هناك من انحرافات في العقيدة والتوجهات، كل هذه تجعلهم غير مؤهلين، ولذلك الآن حتى كثير من الإيرانيين يقول: نحن ما كنا نعلم أن الإسلام بهذا الشكل، كثير من المسلمين الآن يتنكر ويقول لك: إذا كان هذا الإسلام فلا نريده، كما يحدث في الباكستان أقرب دولة من الشيعة؛ لكن هذه الصورة السيئة في التطبيق تكره ملايين الناس من الباكستانيين أنفسهم بالإسلام.
كذلك بالنسبة لما يجري في إيران نفس القضية، الآن في مصر يقال للإنسان العادي: هل تكره الشيوعية؟ فيقول: أعوذ بالله من الشيوعية والاشتراكية، الأمريكان والبريطانيون مهما كانوا فهم أحسن منهم مليون مرة، لم؟ لأن الشيوعيين الروس جاءوا إلى مصر، وطبقت الشيوعية على ما فيها من سخافة تطبيقاً سيئاً، وهي ممسوخة مثل القوانين، ثم مسخت أكثر من ذلك عندما طبقت في بلد فأصبح المصري العامي الذي كان لا يعرف ما هي الشيوعية يقول: روس أعوذ بالله، لا يمكن.
أنا مرة زرت الأهرام فكان معنا الدليل، فقلت له: هل رأيت الروس؟ قال: الروس لا يعطونا فلساً؛ لكن الأمريكان والبريطانيين يدفعون بسخاء، هذا على مستوى الإنسان العادي، وما كان هؤلاء الحكام في مصر خارجين عن إرادة أمريكا لكن يعرفون أن النتيجة في النهاية ستصب في بركة غيرهم.
كذلك نفس القضية، عندما يطبق الإسلام تطبيقاً سيئاً يتضرر به المسلمون أصحاب الحركة النظيفة تضرراً كبيراً جداً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
стр. 437
عبودية مستمرة
شهر رمضان أفضل شهور العام، وأفضله العشر الأواخر، وفيه تضاعف الحسنات ويكثر الخير، فينبغي للمسلم أن يستغله في الطاعات والعبادات المختلفة، وأن يتعلم منه الدروس النافعة.
стр. 438
الدروس المستفادة من رمضان وما ينبغي من العمل بعد رمضان
стр. 439
الاهتمام بإخراج صدقة الفطر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: لقد بقي من هذا الشهر أيام ثم ينقضي، فعلى المسلم أن يبادر في استغلال البقية الباقية من هذا الشهر، خاصةً إذا كان قد قصر أو فرط؛ لعل الله ﵎ أن يتوب عليه، وأن يجعله من عتقاء هذا الشهر، وأن يجزل له الأجر والمثوبة والخير، خاصة وأن البقية الباقية من هذا الشهر فيها ليلة عظيمة، وأرجح الأقوال في ليلة القدر أنها في ليلة السابع والعشرين، فيرجى أن تكون هذه الليلة ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر، ففيها أجر عظيم، وثواب جزيل لمن قامها، وأكثر فيها من ذكر الله ﵎ وقراءة القرآن.
ومما ينبغي أن يلتفت إليه الصائم أن من مكملات صيامه أن يخرج في نهاية هذا الشهر أو قبل نهايته بقليل صدقة الفطر، وهي حق واجب على المسلم عن نفسه، وزوجه، وأولاده الصغير والكبير، وقد أمر الرسول ﷺ بإخراجها، وأخبر أنها طعمة للمساكين، وطهرة للصائم من الرفث.
وهذه الصدقة تطهر الصائم، لأنه مهما كانت استقامته في رمضان فلا بد أن تصدر منه الهفوات والزلات والأخطاء، فمما يكفر عنه ذلك هذه الصدقة الطيبة التي يطهر بها المسلم نفسه، وقد كان الرسول ﷺ يأمر أصحابه أن يخرجوها صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من بر، وفي مثل أيامنا هذه يجزئ أيضاً الصاع من الأرز.
وقد كان الصاع في القديم يساوي أربعة أمداد، والمد: هو ملء اليدين المتوسطتين قمحاً أو غيره، فإذا وزنت ذلك الآن فإنه يقارب كيلوين أو يزيد قليلاً، وينبغي إخراجها قبل صلاة العيد، ويأثم من يؤخرها عن صلاة العيد.
ووقتها الحقيقي هو يوم العيد قبل الصلاة، ولكن الله خفف على عباده فأذن الرسول ﷺ بإخراجها قبل أن ينتهي هذا الشهر بأيام، فهي حق واجب على المسلم أن يخرجها، وأن يهتم بذلك ولا يقصر فيه.
стр. 440
الاهتمام بالصيام بعد شهر رمضان
ينقضي شهر الصيام ولكن الصيام لا ينقضي، فقد شرع الله ﵎ صيام أيامٍ فيها أجر عظيم، وفضل كبير، ومن ذلك صيام ستة أيام بعد رمضان في شهر شوال، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر).
وقد بين الرسول ﷺ سر ذلك، وهو أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فإذا صام العبد ثلاثين يوماً أو تسعاً وعشرين يوماً -وهي عدة شهر رمضان- فكل يوم بعشر حسنات، فيصير مجموع ذلك ثلاثمائة، فكأنه صام ثلاثمائة يوم، أو صام مائتين وتسعين يوماً، فإذا أتبع ذلك بصيام ست من شوال -وهي ستون حسنة- فكأنما صام السنة كلها؛ لأن العام إما أن يكون ثلاثمائة وبضعاً وخمسين يوماً وقد يزيد أو ينقص قليلاً، فإن صام شهر رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله، أي: العام كله.
ومن الأيام الفاضلة التي صيامها يكفر الذنوب، ويمحو الخطايا، ويرفع الدرجات: صيام يوم عرفة، يقول الرسول ﷺ : (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر به السنة الماضية والسنة الآتية).
وكذلك صيام عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر المحرم، وهو يكفر ذنوب وخطايا سنة ماضية، إلا أنه يستحب أن يصام يوم بعده أو يوم قبله.
وهناك صيام الإثنين والخميس، وثلاثة أيام من أول كل شهر أو من أوسط كل شهر، فإذا أحب الإنسان أن يزداد من الحسنات صام يوماً وأفطر يوماً، أو صام يوماً وأفطر يومين، كل ذلك شيء طيب، وليس الصيام هو الشيء الوحيد الذي يقربك إلى الله ﵎، فميادين الخير كثيرة، وأبوابها مشرعة، والطرق إلى الله ﵎ الموصلة إليه كثيرة منها: الصيام والصلاة والزكاة والحج، ومنها الدعاء وقراءة القرآن، فأبواب الخير كثيرة وليست باباً واحداً.
стр. 441
الاعتناء بالصلاة في أوقاتها في الجماعات
الصلاة من أعظم ما يقرب إلى الله ﵎، وخاصة الصلاة في وقتها، والصلاة في جماعة بالنسبة للرجال أجرها عظيم، وثوابها جزيل، فهي تحط الخطايا والذنوب، وتغسل الإنسان من أدرانه، وتقربه إلى الله ﵎.
وهذا شيء طيب أن يعتاد المسلمون أن يؤموا بيوت الله في رمضان، فترى المساجد عامرة في الليل وفي النهار، فتراهم يصلون النوافل، ويقومون الليل، ويقرءون القرآن.
ولكن اعلموا أن هذا كان ديدن المسلمين الأوائل طيلة العام وذلك عندما كان المسلمون ملتزمين بطاعة الله ﵎، يقول بعض الصحابة: (كنا -أي في عهد الرسول ﷺ ولا يتخلف عنها -أي عن صلاة الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق، فقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين رجلين -أي: أنه مريض، فكان يمسك به رجل عن يمينه ورجل عن يساره وهو يتهادى بينهما؛ لتعبه ومرضه- حتى يقام في الصف).
وجاء رجل أعمى إلى الرسول ﷺ وهو لا يبصر الطريق -وهو ابن أم مكتوم - فشكا إلى الرسول ﷺ أن بيته بعيد، وأنه ليس له قائد يقوده إلى المسجد، وأن بينه وبين المسجد حفراً، وقال: (يا رسول الله! أنا رجل أعمى، ومن صفتي كذا وكذا، أتجد لي عذراً فيَّ ألا أشهد صلاة الجماعة؟ قال: نعم، فلما ولى دعاه وقال: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة).
فكان شأن المسلمين أن يعتنوا بهذه الصلوات، وأن يحافظوا عليها في أوقاتها وفي الأماكن التي ينادى بها فيها، وهي المساجد.
стр. 442
إحياء سنة الاعتكاف
ومن العبادات التي نسيها المسلمون وبدأ بعض الناس يحييها -خاصة في رمضان- سنة الاعتكاف في المساجد الجامعة التي تقام فيها الجمع والجماعات، فقد كان الرسول ﷺ يعتكف خاصة في العشر الأواخر من رمضان، واعتكف الرسول ﷺ أيضاً في غير رمضان.
والاعتكاف أن يلازم الإنسان المسجد يوماً على الأقل، والاعتكاف أقل من يوم لا يقبل، ولا حد لأكثره، فيدخل المسجد ولا يخرج منه مدة معينة، سواء كانت يوماً أو يومين، أو ثلاثة أيام، أو أربعة أيام، أو أسبوعاً أو عشرة أيام، فإذا نوى الاعتكاف فإن كل ثانية يقضيها ملازماً للمسجد -سواء كان مصلياً أو قارئاً أو نائماً أو ساكتاً- يكون مأجوراً عليها.
وملازمة المسجد في ذاتها عبادة، فإذا قرأ القرآن فله أجر أكثر، وإذا صلى فله أجر أكثر، فملازمة المسجد عبادة وقربة إلى الله ﵎، وقد أشار الله ﵎ إلى الاعتكاف في آخر آيات الصيام فقال: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].
إذا اعتكف الإنسان في مسجد فإنه لا يجوز له أن يخرج منه، ولا يجوز له أن يعاشر النساء، ولا يخرج منه إلا لضرورة، كأن يقضي حاجته، أو يذهب لإحضار طعامٍ لا يجد أحداً يحضره له، فالاعتكاف من شرائع الإسلام، وهو من القربات التي تقرب إلى الله ﵎.
стр. 443
استمرار العبودية لله تعالى
ومن القربات أيضاً عبادة الحج، وقراءة القرآن، وتدبر المسلم فيما يقرأ.
ومن ذلك ذكر الله ﵎، فبعض العبادات تكون في فترة من الزمان كالصيام وكالحج، وبعضها مستمر كالصلاة، فهي في كل يوم وليلة خمس صلوات فرائض، ثم تأتي بعد ذلك النوافل، فالعبودية لله ﵎ مستمرة، فمنذ أن يعقل الإنسان، وإلى أن تخرج روحه من بين جنبيه وهو يستمر في عبادة الله ﵎، وسيجد أثر ذلك عندما يقدم على الله ﵎.
стр. 444
الدروس المستفادة من الصوم
إن الدرس الذي يستفيده المسلم من الصيام هو أن يزداد طاعة وقرباً من الله ﵎، فينبغي أن يحافظ على هذا المسار بعد رمضان، فإذا قدم على الله ﵎ وجد خيراً كثيراً.
وفي الجانب المقابل ينبغي أن يكون للصيام أثر في الحد من الشر، فالصيام تربية، والصلاة تربية، فالمؤمن الذي تربى على مائدة القرآن، وتربى في شهر الصيام، وربته الصلوات، والذي يراقب ويعلم أن الله ينظر إليه، ينبغي أن يلجم نفسه بلجام التقوى، وأن يبتعد عن الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
فالصيام طاعة وصلاح للنفس، فهو يبعد المرء عن الذنوب والمعاصي، ولذلك نجد الله ﵎ في كتابه بعد أن بين لنا وجوب الصيام، وبيّن بعض أحكامه، أتبع ذلك بقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨]، فذكر هذه الآيات بعد آيات الصيام؛ لأن الصائم لا يأكل أموال الناس بالباطل، والمصلي لا يأكل أموال الناس بالباطل، فأنت يا من صمت لله عن الطعام والشراب وهو حلال كيف تأكل الحرام؟ بل كيف تأكل أموال اليتامى؟ وكيف تسرق أموال الناس؟ وكيف تسرق بيت مال المسلمين؟ وكيف تأخذ الرشوة؟ فالمسلم لا يأكل الحرام؛ لأنه يعرف أن له رباً سيحاسبه، وأن الدنيا زائلة فما هي إلا معبر وطريق، فيبقى الإثم، وتبقى حقوق الناس في ذمتك لا تسقط، فلا يأكل الإنسان الحرام: ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ))، تأتي هذه الآية بعد آيات الصيام لتقول: يا صائمين! اتقوا الله واتركوا هذه الأعمال المحرمة.
وليست المسألة فقط أن تصوم ثم بعد ذلك تفطر على ما حرم الله، وتأكل أموال الناس بالباطل، ففعل الخير يحدك من الشر، ويبعدك عنه، وهذه هي التقوى، فلا تغتب الناس، ولا تنمهم، ولا تقع في أعراضهم، ولا تضرب أبشارهم، ولا تأكل أموالهم، ولا تهتك أعراضهم؛ لأنك تخشى الله ﵎، وأنتم تعلمون حديث الرسول ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن).
فهذا الذي يزني لو استحضر أن الله ينظر إليه ويراه فإنه لا يزني، ولو استحضر أن هذه المرأة زوجها حاضر، أو أبوها حاضر، فإنه لا يستطيع أن يزني بها، فكيف لو استحضر أن رب العزة حاضر؟! ما كان ليزني، فإيمانه في هذه اللحظة قد تلاشى، وكذلك عندما تمتد يدك إلى أموال الناس فتأخذها.
وقد روي عن رجل صالح أن امرأة راودته عن نفسه، فقال لها: أغلقي الأبواب حتى لا يرانا أحد، فأغلقت كل شيء، فقال: أغلقي الأبواب، قالت: قد أغلقت كل الأبواب، قال: لا، فإن هناك من يرانا، فالتفتت يميناً وشمالاً فلم تجد أحداً، فقال لها: إن الله يرانا، ثم وقع مغشياً عليه من خشية الله ﵎.
فالله ﵎ إذا كان حاضراً في قلوبنا في شهر الصيام وفي غير شهر الصيام، فهذا يجعل المسلم في مراقبةٍ دائمة لله، فلا تمتد يده إلى الحرام، وعينه إلى الحرام، وأذنه لا تسمع الحرام، ورجله لا تمشي إلى الحرام، ويده لا تأخذ الحرام، كل ذلك وهو مستقيم على طاعة الله ﵎، وهذا هو الإحسان، بأن يبلغ المسلم القمة، بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 445
فضل الزكاة والصدقة في شهر رمضان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله.
أيها الإخوة! في هذه الأيام الطيبة تضاعف الأعمال، ومن ذلك تضاعف الصدقة، ففي شهر الصيام يتضاعف العمل، فالصلاة أجرها عظيم، وإخراج الزكاة أجره جزيل، ولذلك كان أكثر المسلمين يؤدون زكاة أموالهم في هذا الشهر، فهو شهر الصيام وشهر الزكاة.
وليس ذلك واجباً، ولكن المسلمين كانوا يؤدون زكاة أموالهم في هذا الشهر طمعاً في أن يكون أجرها أعظم وأكثر مما لو أدوها في غير هذا الشهر.
ولا شك أن الكثير من الإخوة في هذا المسجد قدموا خيراً في كل جمعة، وقد يكون في غير الجمعة، نسأل الله ﵎ أن يأجرنا وإياهم، وأن يثيبنا، وأن يتقبل منا ومنهم صالح الأعمال.
ويزورنا في هذا اليوم الإخوة في لجنة المناصرة لفلسطين ولبنان، وهذه لجنة أنشئت منذ فترة وجيزة، ومهمتها أن ترعى أولئك الذين أصيبوا في ديارهم، والذين تعلمون ما أصابهم في لبنان، وما أصابهم في فلسطين قبل ذلك، وماذا يحدث في المخيمات التي في الأردن.
وهي تعمل على مد يد العون للمحتاجين، وللأرامل، ولليتامى، وللفقراء، وللمساكين، وللمصابين، وقد اطلعت على شيء من أعمالها، فرأيتها قد قدمت خيراً كثيراً، والقائمون عليها رجال طيبون يسعون جاهدين يبتغون في ذلك الأجر والثواب، ولا يأخذون مرتبات ولا أموالاً لأنفسهم، فهم يقضون أوقاتهم في معونة هؤلاء المحتاجين، وهم يزورون مسجدكم في هذا اليوم طالبين من إخوانهم أن يمدوهم بشيء من المال فيه أجر وصلاح لهم، وفيه عونٌ لإخوانهم، وهو أمر ينبغي أن يتواصى المسلمون فيه بالخير، وأن يتواصوا فيه بالحق، لعل الله ﵎ أن يصلح هذه النفوس، وأن يأجرها، وأن يثيبها.
ثم هو واجب علينا تجاه إخواننا، وهذا البلد فيه خير كثير، ففيه لجان تعمل لأفغانستان، ولجان تعمل لبعض أقطار العالم الإسلامي، وهذه اللجنة كان ينبغي كما قلت في أكثر من مناسبة: أن تكون أول اللجان لبلد يعتبر تاجاً أو درة في جبين العالم الإسلامي، إذ هو مسرى الرسول ﷺ ، فينبغي أن يعنى المسلمون بشأن هذا البلد، جهاداً وجهداً وبذلاً وعطاء وتفكيراً، وألا يفرط المسلمون مرة أخرى كما فرطوا من قبل وأضاعوا بلداً من بلاد المسلمين، وسيحاسبهم الله ﵎ عليه.
فالمسلمون اليوم مطالبون بأن يرعوا هذا الجانب، فإذا ما قامت لجنة تقدم العون والخير فينبغي أن يعتنى بهم، والله ﵎ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
اللهم اغفر ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
стр. 446
ذم الترف والتبذير
المال نعمة من الله على الناس ليقيموا به الحياة ويستعينوا به على طاعة الله، ولكن كثيراً من المسلمين اليوم يبذرون بالمال في غير الطاعات وينفقونه في المعاصي والشهوات، بينما يوجد ملايين من المسلمين لا يملكون قيمة الغذاء والكساء، فيجب علينا أن نأخذ على أيدي السفهاء وأن نجعلهم يصرفون المال فيما يرضي الله.
стр. 447
الغاية من خلق الإنسان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: لقد خلق الله العباد لعبادته وطاعته، فيحنون جباههم لله ربهم، ويوجهون قلوبهم لمعبودهم ، وقد أمرهم ربهم بذلك في كتبه المنزلة، وعلى ألسنة رسله، وورث الصالحون من بني البشر دعوة الرسل ليدعوا إلى الله ، ولكن في الإنسان جهالة وظلم وطغيان واستعلاء، فبعض البشر ينسون أنهم عبيد، فإذا ملك الواحد منهم شيئاً من السلطان أو المال ظن نفسه إلهاً ورباً يخضع الناس لأمره، ويتحركون بإشارته، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧].
الإنسان الذي لم يحن جبهته لله، ولم يخلص دينه لله ، فيطغى خاصة عندما يرى نفسه على شيء من المال أو السلطان فعند ذلك يصيبه الطغيان، وعند ذلك يخالف أمر الله ودينه، ويتصرف في عباد الله وكأنهم عبيد له، ويتصرف في ملك الله وكأنه صاحب السلطان، وكأنه لن يقف يوماً بين يدي الله فيحاسبه عما قدم.
لقد وجد من هذا الصنف نماذج كثيرة، ففرعون أصابه هذا الطغيان، فقد أعطاه الله الملك فإذا به يعلن للناس أنه ربهم الأعلى، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] وسبب هذا الطغيان والاستعلاء أنه أوتي الملك والقصور والمراكب، وأن الناس يطيعون أمره، والأنهار أجراها إلى قصره تملؤه بالبهجة والسرور، فمادام كذلك فإنه يستحق أن يأمر فيطاع، وأن يقول فيستمع قوله ولو كان أمره يخالف أمر الله وقوله يخالف قول الله ، ونسي المسكين أنه عبد، وأن هذه نعم من خالقه يختبره بها أيشكر أم يكفر، وأن المصير إلى الله ، فأهلكه الله ودمره، وجعله عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين.
стр. 448
طغيان وفساد االمترفين سبب في دمار الشعوب
وتتلاحق الأجيال والبشر ويصيبهم نفس المرض، وإذا شاء الله بقوم هلاكاً، إذا بالمترفين يتأمرون في الأمم، فيصيب الأمة الهلاك والدمار، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦] فتلك سنة الله التي خلت من قبل في الأمم، والتي ينص عليها في كتابه أنه إذا شاء هلاك أمة جعل الأغنياء -وهم الحكام والملوك- يتصرفون بأهوائهم لا بشرع ربهم، وعند ذلك يحق عليهم الهلاك والدمار.
إن الله غالب على أمره وغالب على حكمه، والعباد ليس لهم نصيب، إنما هم مخلوقات صغيرة تظن أنها تملك من نفسها شيئاً، وفي واقع الأمر لا تملك من نفسها شيئاً، فالله مالك الملك، ومصرف الأمور فيقلب الليل والنهار، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وله جنود السماوات والأرض فإذا شاء أمراً قال له كن فيكون كما يريد الله .
إن الدنيا تمضي بالناس وتجري والكل في النهاية مصيره إلى الله ، فنفوسنا ليست لنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأموالنا ملك لربنا وإننا في حاجة إليها، وأبصارنا وأسماعنا وألسنتنا نحن محاسبون عنها يوم القيامة، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
فليست الأمور كما يظن الناس، ومنذ سنوات قريبة وقع في منطقة الخليج عرس أنفقت فيه عشرات بل ومئات الملايين! والله ليحاسبن الله الإنسان عن كل درهم قدمه، وفي الكويت في هذه الأيام وقع عرس أنفق عليه مليون دينار! وهناك العشرات ومئات الألوف بل والملايين من المسلمين يموتون جوعاً، وفي ديارنا الكلاب والقطط تربى وتطعم أفخر الطعام وفي أمتنا من لا يجدون الطعام، ونرى صور الأفغان وهم يحاربون بالبنادق القديمة التي صنعت منذ عشرين سنة أو من ثلاثين سنة، فلم يجدوا مالاً ليشتروا به سلاحاً حديثاً وفي أمتنا من ينفق الملايين على التافه من الأمور.
إن الله سائل العباد عن هذه الأموال من أين أتوا بها، وفيما أنفقوها؟ وهل قاموا بحق هذا المال؟ قال الله لرسوله ﷺ : ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧]، وهذا الخطاب ابتداء يوجه إلى الرسول ﷺ ، ثم يوجه إلى هذه الأمة تبعاً للرسول ﷺ .
ويقول الله لهذه الأمة: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]، والله! إن السرف يقتل هذه الأمة في طرف من أطرافها أو في جانب من جوانبها، والفقر يقتل طرفاً آخر، فمن الأغنياء من يقتلهم غناهم، وتبذيرهم وإسرافهم، فالمال ينفق بدون حساب عند بعض الناس من الذين يتسمون باسم الإسلام، فينفقون الأموال في غير حقها وبغير وجهها، وبعض الناس في بعض ديار المسلمين لا يجدون طعاماً، هذا ظلم سيحاسب الناس عنه، قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] في يوم القيامة يقول المؤمنون لأصحاب النار: ما الذي أدخلكم جهنم؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] هذه الجريمة الأولى، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر:٤٤] وهذه الجريمة الثانية، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٥] وهذه الثالثة، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٦] والجريمة الرابعة ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٧]، فأنكر الله على هذه الأمة ألا تطعم المسكين، وألا يحض بعضها بعضاً على إطعام المسكين، وعندما يصل الأمر إلى هذه الدرجة فهو دليل على فساد كبير في النفوس.
стр. 449
انتقال الدنيا وتغير الأحوال
على أصحاب المال وأصحاب السلطان أن يتذكروا أن الدنيا لا تسير على وتيرة واحدة، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦]، فالله بيده كل شيء، فهناك أغنياء بين يوم وليلة صاروا في الحضيض، وبعض الفقراء صاروا في القمة، فالدنيا تتقلب بأهلها.
يحدثنا التاريخ عن أسرة بلغت مجداً عظيماً في التاريخ، فقد كان للبرامكة الملك والهيمنة في عصر الرشيد، فكانوا يتصرفون في أمور الدولة، ثم بطش بهم في ساعة واحدة فإذا بهم في السجون، وإذا بهم في الشوارع يتسولون، تقول أم جعفر وقد دخلت على قوم في يوم عيد لهم لتدبغ جلد كبش تلبسه، وتستر به جسدها: والله لقد دخل علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة قائمة، وأزعم أن جعفراً عاق لي! ثم إذا بها في يوم وليلة تسأل وتتسول.
وتذكر لنا كتب التاريخ عن الدولة الطولونية أن أخت أحمد بن طولون، وهي أخت الملك والحاكم، زوجت لعبة من لعبها وأقامت فرحاً كلف مائة ألف درهم، ثم مضت سنوات وإذا بها فقيرة لا تجد ما تأكله وتسأل الناس في الأسواق، فالدنيا تتغير.
ويقول بعض العرب: مررنا في عهد أبي بكر الصديق في طريقنا إلى اليمن، فرأينا عرساً وفيه فرح وبيوت شامخة وزروع ومواش، وقائلة تقول: معشر الحساد موتوا كمداً كذا نكون ما بقينا أبداً يقول: ثم مررنا في عهد معاوية فإذا البيوت خراب، والزروع يابسة، وليس هناك مواش، وعجوز تأوي إلى نقب في تلك البيوت المتهدمة، فقالوا لها: مررنا في عام كذا وكذا فرأينا كذا وسمعنا كذا، فقالت: كان العرس عرس أختي، وأنا التي كنت أضرب بالدف، لقد ذهب كل ما هنالك، وانتهى كل ذلك.
إن الدنيا متقلبة لا تدوم، وهي لا تسير على حال واحدة ووتيرة واحدة، فعرس يقام فتنصب له خيمة بأربعين ألف دينار! فتستعمل مرة واحدة فقط! فكم بطن جائع تطعم بقيمة هذه الخيمة! ولقد وصل الترف وللأسف إلى المسلمين الذين يؤمون المساجد، ولعل بعض الإخوة الحاضرين من هؤلاء، يقيمون الحفلات في الفنادق الضخمة، وينفقون على ذلك الألوف من الأموال التي تذهب إلى جيوب السفهاء الذين يضيرون أمة الإسلام، وكذلك بعض المسلمين الذين يدعون إلى الله ، فهؤلاء بدءوا يسرفون في المال، فهذا المرض أصاب حتى الدعاة الذين يلتزمون بدعوة الإسلام، فهذا مرض حذر الله منه رسوله والمؤمنين وهذه الأمة، وحذرهم أن يكون حالها كحال الأمم الماضية.
стр. 450
قيمة المال بالنسبة للأمة
إن لهذا المال قيمة، فقد جعله الله قياماً لهذه الأمة، وإذا تسلط عليه السفهاء فقد أمر الله بأن يؤخذ على أيديهم، وليس في دولة الإسلام أن يقوم واحد صاحب ملايين ويقول: أنا حر في مالي أفعل به ما أشاء، فإذا أخذه يبذره ولو في الحلال يمنع من التصرف في ماله ويسمى سفيهاً، قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، ويصدر أمر من القاضي بالحجر على ماله؛ لأنه سفيه، ويكون عمه أو أخوه أو أبوه أو ابنه قيِّماً على هذا المال، فينفق على صاحب المال بمقدار ما يحتاج إليه، ويمنعه من التصرف في ماله، لماذا؟ لأن الله جعل هذا المال قياماً للأمة، نعم هو مالك لكن مجموع الأموال التي عند المسلمين تقيم الأمة الإسلامية، وينبغي أن تسير هذه الأموال وفق المخطط الذي أرشد الله إليه، وأما أن يتصرف المسلمون بأموالهم كيف شاءوا فهذا حرام، وسيسأل الإنسان عن الدرهم الواحد من أين جاء به وكيف أنفقه، (لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها: وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه).
فتخيل عندما يقول يوم القيامة: أنفقت مليون ريال في زواج! فمن الذي أذن لهم أن ينفقوها بهذه الصورة، فالإنسان مسئول عنها يوم القيامة.
وينبغي أن نتآمر بالمعروف ولا نكون كما قال الله عن بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨]، لعنهم الله على لسان نبيين من أنبياء بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا لا يتناهون عن المنكر الذي يفعلونه، وهذا منكر فينبغي أن يتناهى عنه المسلمون فيما بينهم، وينبغي أن يخلصوا أنفسهم من هذا المرض، فعقاب الله إذا نزل يعم، والسفينة عندما تغرق لا يغرق بعضها وإنما تغرق كلها، وعندما ضرب الله مدينة الأصنام في مقاطعة الأصنام في الجزائر أخذ مع الفاسدين والعاصين كثيراً من الصالحين، وفي خليج البنغال عندما طغت المياه وضرب البحر الخليج وصل طوفانه إلى الدور السابع والثامن، فذهب صالحون كانوا يمرغون وجوههم في التراب.
قالت عائشة: (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)، فإذا كثر الخبث والفساد في أمة فإن الله يأخذ مع العصاة أخيارهم، ويبعثهم على نياتهم يوم القيامة.
فاتقوا الله عباد الله! وانظروا لأنفسكم وبينوا لغيركم، فإن الله سائلنا عما استرعانا، وسائلنا عن كل كلمة ننطق بها أن نبين الحق، ونهدي إلى سبيله الأقوم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 451
نظرة الإسلام إلى المال
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ محمد عبد الله ورسوله، وبعد: إن المال خير وليس بشر، ولكن الذي يجعل المال شراً هم الناس أنفسهم، وقد سئل الرسول ﷺ فقال له السائل: (أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت الرسول ﷺ ، ونزل الوحي من السماء يجيب على السؤال، وأخذ الرسولَ ﷺ الرحضاء -وهو العرق الشديد- الذي كأن يأخذه عندما ينزل عليه الوحي، فقال: أين السائل؟ ثم قال: إن الخير لا يأتي بالشر)، فالخير لا يأتي بالشر ولكن الإنسان هو الذي يجعل الخير شراً، وقد مثل الرسول ﷺ لذلك بمثال فقال: (إن مما ينبت الربيع ما يقتل أو يلم إلا آكلة الخضراء أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت مطلع الشمس، فثلطت وبالت ثم رفعت، وإن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه من حقه وأداه في حقه فنعم المعونة هو).
فالرسول ﷺ يشبه المال بما ينبته الربيع -وهو الينبوع المتدفق- فالنبات الذي ينبته الربيع فيه خير وفيه شر، يعني: فيه العشب السام وفيه العشب الطيب، فالدابة إذا أخذت من العشب القاتل ماتت، وإذا أخذت من العشب الطيب امتلأت بطنها، فتستقبل مطلع الشمس وتجتر، ثم تصرف ما أكلته فترجع فتأكل مرة أخرى، وكذلك المال تأخذه من حلال وتأخذه من حرام، فالخير كثير كالمراعي التي ترعى فيها الدواب، فقد ترتع طيباً وقد ترتع خبيثاً، ثم إذا أخذته من حلال فإنه يبقى، وأما الذي يفكر بالمال في الليل والنهار فالمال يفسده، ولا يبقى وقت لصلاته ولا لصيامه، ولا لطعامه.
ويذكرون عن بعض الذين يلهثون وراء الدنيا في سوق البورصة أنه لا يكاد يأكل غداء، فهو يجري ويفكر ومشغول في ليله ونهاره يريد المال، فهو كالبهيمة التي تأكل وتأكل وتأكل، فعند ذلك ستمتلئ بطنها وتنتكس فيفسدها، وهذا سيحرق قلبه وأعصابه وفكره ولا يبقي شيئاً لنفسه ولأهله ولراحته ولطعامه ولشرابه.
فيشبه الرسول ﷺ هذا المال كالربيع الذي ينبته الماء أو المطر أو الينبوع، فمنه النبات الطيب، ومنه النبات الخبيث، ففيه حلال وفيه حرام، فالنبات الطيب مثل يضربه الرسول ﷺ للحلال، والنبات الخبيث يضربه مثلاً للمال الحرام، فالإنسان يعمل والله تعالى أرسل له رسولاً وقال له: هذا حلال وهذا حرام، وخذ من الحلال واجتنب الحرام، فبعض الناس يأكل من الحرام، وبعض الناس يأكل من الحلال أو من حرام، ولا يتوقف همه عن المال، وقد قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم).
فهذه المشكلة حلها الرسول ﷺ للأمة، وهذه ضل فيها فريقان: ففريق استرقوا في الدنيا وسلختهم الدنيا عن طاعة الله، وقليل هربوا من الدنيا وذهبوا إلى الصوامع والجبال، فالرسول ﷺ حل المشكلة ليس برأيه، وإنما بوحي جاءه من عند الله، فقال: (إن الخير لا يأتي بالشر)، لكن خذ الخير من الحلال، وخذ الحلال بمقدار، واصرف الحلال في طاعة الله، وإياك أن تكون كآكلة العشب تأكل سامه وطيبه، ترتع بين الحلال والحرام، وإياك أن يطغى عليك المال فلا تفكر إلا فيه، وإياك أن تحبس المال عن أصحاب الحقوق.
إنّ كثيراً من الدعاة اليوم لا يفهمون هذه القضية، فهم يظنون أن المسلمين ينبغي أن يتركوا المال ويكونوا فقراء، بينما نجد أقواماً آخرين يتركونهم ويذهبون إلى الدنيا، والأمر ليس كذلك ولا كذلك، فالأمر كما بينه الرسول ﷺ ، وليس هناك من خير إلا وقد دل الرسول ﷺ أمته عليه.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب الدعوات.
стр. 452
وقفات في العقيدة
إن دراسة العقيدة دراسة متأنية مستبصرة أمر مهم، حتى يبني المسلم عقيدته في الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله على أسس ثابتة متينة، وحتى ينال ثمرة ذلك رسوخاً ويقيناً في قلبه، فيجد لذة ذلك وحلاوته، فتثمر تلك العقيدة ثمرة عظيمة في سلوكه وعمله وتوجهه.
стр. 453
ضرورة اجتماع الجانب العقدي مع الجانب العملي في الإيمان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
موضوع حديثنا في هذه الليلة هو ذكر بعض التنبيهات الهامة في بعض قضايا العقيدة.
فالجانب الاعتقادي هو جزء من الجانب الإيماني، والاعتقاد جزء من الإيمان، وهو المعرفة القلبية التي تتعلق بالقضايا الأصول من الإيمان، والقضايا الأصول من الإيمان هي: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، فمنها ما يتخذ جانباً عملياً، ومنها ما يتخذ جانباً اعتقادياً.
والجانب الاعتقادي أمر هام بالنسبة للإيمان، ولكن ليس هو الإيمان كله، فليس كل الإيمان اعتقاداً، أو بمعنى آخر: إن الذي يأتي بالعقيدة الصحيحة وحدها لا تغني عنه عند الله ، ولا تكفيه العقيدة السليمة أو العقيدة الصحيحة وحدها عند الله تعالى، فالاعتقاد هو معرفة علم، لذلك نسميه بالمعرفة والإثبات، فنثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ، وننفي عن الله ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ ، فنثبت له أسماءه وصفاته وأفعاله، وندلل على ربوبيته وقدرته.
وهذا الجانب الاعتقادي أو العلمي لا ينجي عند الله وحده؛ بل لا بد معه من أمور عملية، ومن هذه الأمور العملية قصد القلب وإقراره، أي: أن يقر القلب ويرضى بالله رباً، فيقصده بحبه ورجائه وخوفه ورغبته ورهبته، فهذه أمور قلبية ولكنها ليست أموراً اعتقادية، فحب الله ليس أمراً اعتقادياً وإنما هو أمر عملي قلبي، ولذلك فالمعرفة وحدها أحياناً لا تساوي شيئاً عند الله ، فإبليس مثلاً كان يقر ويعلم علماً يقينياً أن الله هو المعبود، ويعرفه بأسمائه وصفاته، وكثير من المشركين الذين أرسل إليهم الرسل كانوا يقرون ويعترفون بقلوبهم بالله ، وبصدق الرسول ﷺ ، ولكن ذلك لا يغنيهم عند الله ، ولذلك يقول موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]، فقد وصل الأمر عندهم إلى درجة العقيدة اليقينية بأن هذه من عند الله ، ومع ذلك لم ينفعهم ذلك؛ لعدم وجود التصديق والإقرار، وهو الذي يقول فيه الرسول الله ﷺ : (من رضي الله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً)، فالرضا القلبي غير متوفر.
ثم هناك مع الرضا القلبي أمور عملية قلبية، ومن جملتها حب الله ، وهذا أمر مكمل وأساسي، والخوف منه، والرهبة منه، والرغبة إليه، ورجاؤه ، ثم تأتي بعد ذلك الأمور العملية سواءً كانت قولية أو عملية.
والإقرار باللسان هو الإقرار بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم العمل، وكل ذلك أيضاً لا بد منه حتى يكتمل الأمر الذي ينجي عند الله، ولذا لم ترد هذه البحوث في القرآن الكريم أو في السنة النبوية باسم العقيدة، أي: لم يأتِ أن الأمور التي تنجي عند الله هي الأمور الاعتقادية كذا وكذا وكذا وكذا، بل إن كل ما جاءنا في كتاب الله وفي سنة الرسول ﷺ هو الإيمان، ثم بيَّن الله أصول الإيمان وفصّلها.
فهذه قضية أولى، وهي أن الأمور الاعتقادية جزء من الإيمان، وأنها لا تنفع ولا تغني وحدها عند الله ، فلا بد معها من أمور أخرى: أمور قلبية، وأمور قولية، وأمور عملية.
وهنا أيضاً أمر أساسي ننبه عليه، وهو أنه في كثير من الأحيان يصبح الاعتقاد عند الناس -إذا كان مجرد اعتراف ومعرفة أمراً باهتاً بارداً لا يؤثر في حياة الإنسان، ولا يؤثر في سلوكه، وقد يكثر بعضهم من البحث والدراسة والتنقيب ليتعرف على أمور العقيدة، ثم يبقى الأمر عنده محصوراً في جانب المعرفة والعلم فقط، ولا يتعداه إلى أطوار أخرى، فلا يتعداه إلى جانب الإقرار والتطبيق، ولا إلى جانب الأمور العملية: القلبية والقولية والجسدية، فيعيش في دائرة باهتة ويظن أنه قد وصل إلى القمة وهو لا يزال في أول الطريق.
فالجانب العلمي جانب مهم وجانب خطير، لكن لا بد أنه تتبعه خطوات على الطريق حتى تكتمل الصورة التي يريدها الإسلام من المسلم الحق، فالجوانب العلمية وحدها لا تغني، فلابد أيضاً أن تتبعها أمور أخرى مهمة حتى يكون المرء من الذين يستحقون أن يكونوا رجالاً مسلمين مؤمنين كما سماهم الله .
стр. 454
الغرض من كتب العقيدة التي وضعها السلف وأهمية دراسة العقيدة ذاتها
بحوث العقيدة التي كتبت في كتب العقيدة كثير منها إنما هي قواعد يراد منها أن يُحمى المسلمون من الانحراف في باب الاعتقاد؛ وذلك أنها كتبت في عصر كثرت فيه البدع والانحرافات الاعتقادية، فوُضعت قواعد تحمي من يسير عليها من أن ينحرف في هذه الطرق الملتوية التي انبثقت من هنا وهناك، وهذه القواعد ضرورية؛ حتى لا ينحرف المسلم ويزل، فلا بد من دراستها.
وهذه القواعد في ذاتها إذا اقتصر عليها المسلم فإنها لا تعطيه العقيدة المتكاملة، ولا تعطيه التصور الضخم الواضح الذي يدفعه إلى العمل بالإسلام، فوضع العلماء القواعد في باب أسماء الله وصفاته حتى تفهم هذه الأسماء والصفات في ضوئها، ليست هذه القواعد هي العقيدة، وإنما هذه هي الضوابط التي تحكم هذه العقيدة، وتجعل الإنسان يفهم هذه العقيدة فهماً لا زلل فيه ولا زيغ ولا انحراف عن الطريق السوي، وأما العقيدة نفسها فتحتاج إلى خطوة أخرى متقدمة.
فهذه القواعد هي الضوابط التي تفهم على أساسها العقيدة الصحيحة، ولكن نفس العقيدة تحتاج إلى أن تدرس دراسة أخرى من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
إن بعض الناس يدرس هذه القواعد التي وضعها السلف في كتبهم، ولكنه يحس أن نفسه ما زالت عطشى، وأنها لم ترتو فعلاً، وهذا حق، ولقد قصر العلماء -حسب علمي- كثيراً في هذا الجانب؛ اعتماداً منهم على أن كتاب الله وأحاديث الرسول ﷺ فيهما الغنية، فتعميق مفهوم العقيدة في الله، وفي الرسول ﷺ ، وفي الملائكة، وفي الرسل، وفي اليوم الآخر يحتاج إلى دراسة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبحث في هذا المجال، فتدرس تفاصيل الآيات التي تتحدث عن الله، وتتحدث عن اليوم الآخر، ويدرس ما فيها من علم، ويُكثَر من ترديدها والتدبر والتأمل فيها، فينشأ عند الإنسان التصور الاعتقادي السليم.
وأما القواعد والضوابط التي وضعت في الاعتقاد لوحدها فإن العقيدة لا تزال غير متركزة في نفس الإنسان الذي لا يدرسها.
стр. 455
دراسة أمور العقائد تقوي العقيدة عند المسلم
وهذا يجعلنا نتبين السبل التي ينمي بها المسلم عقيدته، وقد ذكرت جانباً واحداً منها وهو الدراسة، وهذا هو أعظم جانب في ذلك، وهو أن يتبين المسلم ذلك من خلال الآيات والأحاديث، فليس هناك سبيل أربح من هذا السبيل، ولا أكثر عطاءً وخيراً منه، وهو أن يدرس المسلم العقيدة من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وذلك بعد أن يلم إلمامة كافية بالضوابط التي تحكم الاعتقاد؛ حتى لا يزل ولا يزيغ فيما بعد.
وهذه الآيات بما تعطيه من علم وعاطفة، وما تعطيه من نظرات، ثم ما ينتج عنها من تأثيرات؛ تسكب في نفس المسلم العقيدة سكباً، بحيث تتوارد على قلبه معانٍ وعلوم لا تحتاج إلى أدلة وبراهين؛ لأن الآيات في ذاتها تتضمن الأدلة والبراهين والعلم؛ فتسيل المعاني، ويسيل العلم، ويسيل النور من خلال هذه الآيات والأحاديث إلى نفس المتدبر المتأمل فيها، فكأن هذا العلم يُلقى في قلبه إلقاءً، فعند ذلك يحس بانشراح نفس، ويحس بطمأنينة قلب وبراحة، ويحس بأن إيمانه ينمو.
وهذا موافق لما يعتقده أهل السنة والجماعة من أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته تكون بالطاعة، ومن جملة الطاعات أن يصدق بكتاب الله، وأن يتدبر كتاب الله وأحاديث الرسول ﷺ ، فيزداد بذلك إيماناً، ويزداد بذلك هدىً ويقيناً، وهذا أعظم وأهم سبيل: أن تدرك العقيدة من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
стр. 456
توفيق الله تعالى ينمي عقيدة المسلم
السبيل الثاني: توفيق الله ، فهذا أمر لا يجوز أن يهمله المسلم، فالله يوفق عبده بل ويهبه من علمه؛ لقصده الهداية والخير، ولبحثه عن الهداية والخير، وإرادته لذلك دائماً وباستمرار.
فلابد من دعاء الله والتذلل والخضوع بين يديه، ورجائه والاستغاثة به؛ لِيهبنا الهداية والتوفيق، ويوفقنا للسير في الطريق المستقيم، وهذا أمرٌ لا بد أن يسعى المسلم فيه سعياً حثيثاً، فقد كان الرسول ﷺ -كما تعلمون- يقوم الليل فيدعو ربه، ومن أوائل ما يدعو به: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، وأعظم ما اختُلف فيه قديماً وحديثاً أمور العقائد، فقد وقع الخلاف في ذلك منذ فجر البشرية وإلى اليوم.
فالرسول ﷺ يدعو ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، ولقد كان الصالحون إذا عرضت عليهم مشكلة عويصة وحارت بهم السبل لجئوا إلى الله يسألونه أن يلهمهم الرشاد، وأن يوفقهم إلى الخير، وأن يبين لهم الحق.
стр. 457
التأمل في ملك الله ينمي عقيدة المسلم
ومن المهمات أيضاً في جانب الاعتقاد ما وجهنا إليه الكتاب الكريم من التأمل في ملكوت السماوات والأرض وفي مخلوقات الله سبحانه، فقد وجه الله أنظارنا لنتأمل ونتفكر في السماء؛ نجومها وشمسها وقمرها وقوتها واتساع بنائها، وفي الأرض وما فيها من جبال وسهول وأنهار وبحار وحيوان وجماد ونبات؛ لأن مزيداً من النظر والتأمل في هذه القضايا يزيد المؤمن إيماناً، فهذه المخلوقات صنعت بعلم وحكمة وقدرة عظيمة، فمن تأمل فيها فلابد أن تدله على أن وراءها خالق مبدع عليم خبير.
فهذه ثلاث طرق ذكرتها الآن، فلابد للمسلم لكي ينمي عقيدته وإيمانه أن يتأملها وأن يسلكها؛ لعل الله أن يهبه العقيدة الصحيحة، وأن يزيد في إيمانه، وعلى العبد أن ينمي هذا الإيمان حتى يكون حافزاً له على فعل الخير، فيقربه ذلك إلى الله .
стр. 458
الاهتمام بدراسة وتأمل توحيد الربوبية
стр. 459
توحيد الربوبية يؤدي إلى توحيد الألوهية
التنبيه الثالث الذي أحب أن أشير إليه: أننا نقرأ في كتب العقيدة أن الكفار الذين بُعث إليهم الرسول ﷺ كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، ولكنهم كانوا ينكرون توحيد الألوهية، وأن توحيد الألوهية هو الأمر الذي حدث فيه الصراع بين الرسول ﷺ وبين الذين دعاهم، بل بين الرسل والذين دعوهم جميعاً.
وهذا أمر حق، وقد دلت عليه آيات القرآن، لكن الذي أريد أن أنبه إليه: أن هذا المعنى كانت له آثار سلبية سيئة نوعاً ما عند بعضنا، مع أنه في ذاته حق لا ينكر، فنريد أن نبتعد عن الأمر السلبي الذي أثره هذا المعنى، فبعضنا أصبح لا يهتم بدراسة الجانب الأول، ويقول: ما دام أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وهو أمر فطري لا تختلف فيه العقول فسأوجه غالبية همي إلى دراسة الجانب العبادي (توحيد الألوهية)، وليس هناك حاجة إلى أن أدرس توحيد الربوبية، وهذا خطأ عظيم.
فالقرآن مليء بالحديث عن قضايا توحيد الربوبية: وهو أن الله هو الخالق، وهو البارئ، وهو الذي أنشأ هذا الكون بما فيه، وهو الذي يقوم عليه فيدبر قضاياه، ويصرف شئونه إلى غير ذلك، فعندما يستمع المسلم إلى الآيات التي تتحدث عن هذا الجانب تخشع نفسه، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠ - ٣٤].
فهذا نموذج من الحديث عن بعض أفعال الله ، وهو من جملة معاني توحيد الربوبية، فأفعال الله من خلقه لهذا الكون وتدبيره وإنشائه بعض ما يتضمنه توحيد الربوبية.
فالحديث عن هذا الأمر يقر في النفس الإنسانية عظمة الله وخشيته، ولذلك فعلماء التوحيد يقولون: إن توحيد الربوبية يلزم منه توحيد الألوهية، فالذي يقر بتوحيد الربوبية يلزم منه أن يقر بتوحيد الألوهية، بمعنى: أن إقرار هذا التوحيد في نفس الإنسان يدفعه ويحثه إلى أن يعبد الواحد الأحد الفرد الصمد، لذلك فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، لماذا نعبده؟ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢].
стр. 460
سبب الاهتمام بتوحيد الربوبية
ومرة أخرى أقول: إن هذه القاعدة حق في ذاتها، فالمشركون كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لا شريك لله في ربوبيته، فهو رب السماوات والأرض، ويخالفون في توحيد الألوهية؛ وأن العبادة لله وحده لا شريك له.
لكن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نتغاضى عن دراسة توحيد الربوبية، فينبغي أن يعتنى به وأن يدرس، خاصة وأنه قد أصبح هناك صراع في العصر الحاضر حول هذه القضية الأولى التي لم يكن هناك صراع حولها في الماضي، فأصبحت هناك فئات كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها تنكر أن يكون لهذا الخلق خالقاً، وأن يكون لهذا الوجود موجِداً، فهذه المشكلة لم يعانها السلف رضوان الله عليهم كما نعانيها نحن اليوم، لذلك فلا بد من دراسة أبعاد هذه المسألة الأولى لأمرين: الأمر الأول: لإقرارها في نفس المسلم، فالمسلم بحاجة إلى أن تقر معاني توحيد الربوبية في نفسه، لا أن يكون هناك مجرد اعتراف، ولكن كما يثيرها القرآن في النفس الإنسانية.
الأمر الثاني: ففي مسائل الاعتقاد كانت هناك شبهات ترد على المسلمين في وقتهم، هذه الشبهات شبهات في العقيدة وردت إلى المسلمين من تقصيرهم فيما أنزل إليهم، أو وردت إليهم من خارج بلادهم من الميراث الذي ورثته الأمم التي دخلت في الإسلام، فقد ورثت عقائد وتصورات.
فكثير من الناس دخلوا في الإسلام بعقائدهم وتصوراتهم، فتركوا بعضاً منها وبقي في أذهانهم بعضها، وبعضهم دخلوا في الإسلام مغرضين، ووجَد بعض المسلمين كتباً قرءوها عن تصورات الأمم لمعبوداتها، فاختلطت عليهم الأمور، فالمسلمون كانوا يتعرضون لمشاكل العقيدة التي حدثت ووُجِدت في عصرهم.
следующие страницы →