Полный текст (882 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فضل الشهادة
الخبر الأول: أول شهيدة في الإسلام.
الشهادة درجة رفيعة يختار الله لها من يشاء من رجال ونساء، يكفي أن تعلمي أن الله أعد للشهداء ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن للشهداء عند الله مائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، والشهداء أحياء عند ربهم فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
يجب أن تعلمي -بارك الله فيك- أن طريق الجنة محفوف بالمكاره والابتلاءات، وأن ثمن الجنة غال أيتها الغالية، وأن الطريق إليها صعب وشاق فيه تبذل الأرواح والمهج، وتبذل الأموال، ومن أجله تراق الدماء، لما كانت السلعة غالية، كان لابد أن يكون الثمن غالياً، ولابد دون الشهد من إبر النحل.
стр. 107
سمية بين مجتمع الاضطهاد
إليك خبر أول شهيدة من العابدات الزاهدات: كانت سمية ضعيفة في صباها وشيخوختها، فقد كانت أمة مملوكة في مجتمع جاهلي لا رحمة فيه للعبيد والمماليك، أسلم ابنها عمار، ودخل في الإسلام الذي يحقق العدل والمساواه للجميع، فقرأ رسول الله على مسامعهم كلام الله فانشرحت الصدور، وأقبلوا على دين الله يتعلمونه ويعلمونه.
دخلوا في هذا الدين وهم يعلمون أنهم سيدفعون الثمن غالياً، فلقد كانت قريش تعذب وتضطهد كل من أسلم، فمن كان له قبيلة حمته قبليته، ومن لمن يكن له كآل ياسر فلقد تفننت قريش في تعذيبهم من ضرب وجوع وعطش تحت أشعة الشمن الملتهبة، حتى كادت نفوسهم أن تزهق جوعاً وعطشاً وتعذيباً، لكن كأن صوتاً من السماء يناديهم: يا نار كوني برداً وسلاماً على آل ياسر، كما كنت برداً وسلاماً على إبراهيم.
стр. 108
ثبات سمية في سبيل الله
لكِ أن تتخيلي أيتها الغالية تلك المرأة الناحلة الجسد، الكبيرة السن، وهم يصبون عليها أصناف العذاب، والعذاب يشتد يوماً بعد يوم، وجاءت المواساة للأسرة المعذبة في دينها يوم مر عليها نبي الهدى والرحمة ورأى صنوف العذاب وهي تنهال على تلك الأجساد الضعيفة، فواساها بكلمات كالسلسبيل، تخفض حدة العذاب، وتعطي للإيمان طعماً وللحياة معنى وقيمة: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)، فصنعت تلك الكلمات في تلك النفوس العجب العجاب من صبر وثبات.
فالسلعة غالية: يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ خطاب عنك وهم ذوو إيمان يا سلعة الرحمن أين المشتري فلقد عرضت بأرخص الأثمان طال العذاب وسمية تتحمل مع أسرتها أنواع التنكيل والإرهاق، كل ذلك من أجل الله، ومن أجل دين الله جل في علاه، وكلما زاد العذاب زاد الصبر والثبات، حتى لم يعد الكفار يطيقون رؤيتها، ونفذ صبرهم من صبرها، فأخبروا أبا جهل بما يلاقون من عنادها وشدتها وثباتها، فأقبل في مساء يوم ومعه فتية من بني مخزوم قد أشعلوا النار في دار آل ياسر، ووضعوا آل ياسر في قيود الحديد، وصاروا يتفننون في تعذيبهم، ويلهبون أجسادهم بالسياط، ويطعنون أجسادهم بالخناجر والرماح، ويحرقونهم بالنار، ويلقون عليهم الأحجار الثقال، ما ذنبهم؟ وما هي جريمتهم؟ ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٧ - ٩].
وهاهم يكررون نفس الأفعال في العراق وفي كل مكان، ﴿َإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]، ملة الكفر لا تختلف سابقاً ولا لاحقاً، والعذاب يزداد وأبو جهل ينتظر من آل ياسر صيحة ردة عن دين الله، فيظفر بلا شيء، بل تقول سمية بكل قوة عندما ترى النبي ﷺ يمر عليهم: (أشهد إنك لرسول الله، وأشهد أن وعدك الحق) أي: وعد الصبر الجنة، وعد صادق، وعهد سابق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].
أما اشترى الله منهم الأنفس والأموال على أن يكون الثمن الجنة؟! تقول ذلك وهي في شدة العذاب.
стр. 109
استشهاد سمية في سبيل الله
يصيح أبو جهل: لتذكرن محمداً بسوء، وتذكرن آلهتنا بخير، أو لتموتن؟ أليست هي نفس سياسة فرعون السابقة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف:١٢٤]، فسياسة الكفر لا تتغير مهما تغير الزمان.
فترد عليه سمية: بؤساً لك ولآلهتك! فيشتد الغضب بـ أبي جهل فيضربها في بطنها برجله، ثم يطعنها بحربة كانت في يده؛ لتكون أول شهيدة في الإسلام، فسجلت بذلك سبقاً جهادياً بين أقرانها وبين أخواتها المسلمات.
قدمت حياتها لتعطي درساً على العزة والثبات، ما وهنت ولا استكانت ونداء ربها في مسامعها: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤٢].
لسان حال الصادقين والصادقات: فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا ماتت موتة الأبطال وأهل المبادئ، ماتت وهي تنتظر بشارة النبي ﷺ حين كان يمر عليهم ويرى العذاب: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
стр. 110
خبر الفارس الملثم
الخبر الثاني: خبر الفارس الملثم.
بينما خالد بن الوليد يصف صفوف المقاتلين لقتال الروم إذا بفارس ملثم ذي ثياب سود، قد حزم وسطه بعمامه خضراء، ثم سحبها على صدره.
стр. 111
شجاعة خولة بنت الأزور وقتالها للروم
سبق هذا الفارس الناس كأنه برق، فقال خالد: ليت شعري من هذا الفارس؟ وايم الله إنه لفارس شجاع! ثم تبعه خالد والناس.
وكان هذا الفارس أسبق إلى صفوف المشركين؛ فحمل على عساكر الروم كأنه النار المحرقة، فزعزع كتائبهم، وحطم مواكبهم، ثم غاب في وسطهم، ثم خرج وسيفه ملطخ بالدماء وقد قتل رجالاً، وجندل أبطالاً، وعرض نفسه للهلاك.
ثم اخترق مرة ثانية غير مُكترث ولا خائف ولا مبال، فقلق عليه المسلمون، وقال رافع بن عميرة: ليس هذا الفارس الملثم إلا خالد بن الوليد فإذا بـ خالد بن الوليد على يمينه قد أشرف عليه، فقال رافع: من هذا الفارس الذي تقدم أمامك، فلقد بذل نفسه ومهجته؟! فقال خالد: والله إني أشد إنكاراً له منكم، ولقد أعجبني ما ظهر منه من شجاعة، فقال رافع: أيها الأمير! إنه منغمس في عسكر الروم يطعن يميناً وشمالاً.
فقال خالد: معاشر المسلمين! احملوا بأجمعكم وساعدوا المحامي عن الدين، فأطلقوا الأعنة، وقوموا الأسنة، والتصق بعضهم ببعض، وخالد أمامهم، ونظر إلى الفارس فوجده كأنه شعلة من نار، كلما لحقت به الروم، لوى عليهم، وكر وفر، وصال وجال.
فتعجب المسلمون من هذا الفارس الملثم! ووصل الفارس المذكور إلى جيش المسملين، فتأملوه فرأوه قد تخضب بالدماء، فصاح خالد والمسلمون: لله درك من فارس، اكشف لنا عن لثامك لنعرف من أنت.
فمال عنهم ولم يخاطبهم، وانغمس في الروم فتصايحت به الروم من كل جانب، وكذلك المسلمون، وقالوا: يا أيها الرجل الكريم، يا أيها الفارس الملثم، أميرك يخاطبك وأنت تعرض عنه؛ اكشف عن اسمك وحسبك لتزداد تعظيماً -يريدون ما عند الله، بينهم وبين الله أسرار لا يعلمها إلا الله- فلم يرد عليهم جواباً، فلما ابتعد عن خالد سار إليه خالد بنفسه، وقال له: ويحك شغلت قلوب الناس، وشغلت قلبي بفعلك، فمن أنت؟! فلما ألح عليه خالد خاطبه الفارس من تحت لثامه بلسان التأنيث، وقال: إنني يا أمير المؤمنين لم أعرض عنك إلا حياء منك؛ لأنك أمير جليل، وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور! فقال لها خالد: من أنت بارك الله فيك؟ قالت: أنا خولة بنت الأزور.
إنها تلميذة من مدرسة النبوة، إنها فارسة مقاتلة عنيدة تخرجت من مدرسة لا إله إلا الله، ما كانت لتكون كذلك إلا لأنها عابدة صوامة قوامة، ما كانت لتفعل تلك الأفعال وتسجل تلك اللحظات إلا لأنها عابدة صوامة قوامة، أما اليوم فما أكثر النساء المسلمات المأسورات في السجون: أتسبى المسلمات بكل ثغر وعيش المسلمين إذاً يطيب أما لله والإسلام حق يدافع عنه شبان وشيب فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكم أجيبوا كم اشتكت نساء فلسطين، ونساء الشيشان، ونساء العراق خاصةً في الفلوجة؟! لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
стр. 112
أسر خولة وتخلصها منه
في معركة من معارك الشام وقعت مجموعة من المسلمات في الأسر، من بينهن فارسنا الملثم خولة بنت الأزور، فقامت تخطب في النساء فقالت: يا بنات حمير! وبقية تبع! أترضين لأنفسكن علوج الروم، ويكون أولادكن عبيداً لأهل الروم؟ أين شجاعتكن وبراعتكن التي تتحدث بها عنكن أحياء العرب، وإني أراكن بمعزل عن ذلك، وإني أرى القتل عليكن أهون من هذه الأغلال.
فأجابتها إحدى تلميذات المدرسة النبوية عفراء بنت عصام الحميرية: صدقت والله يا بنت الأزور! ونحن والله في الشجاعة كما ذكرت، وفي البراعة كما وصفتِ، وصاحت: غير أن السيف يحسن فعله في مثل هذا الوقت، وإنما داهمنا العدو على حين غفلة، وما نحن إلا كالغنم بدون سلاح.
فقالت خولة: يا بنات التبابعة! أترضين أن تحملن في بطونكن أبناء هؤلاء العلوج؟ كم تشتكي نساء العراق! وهن يقللن بطوناً ملأى بأبناء أحفاد الصليب، ولا حياة لمن تنادي.
فقالت عفراء بنت عصام: والله ما دعوت إلا إلى ما هو أحب إلينا مما ذكرت، ثم تناولت كل واحدة عموداً من أعمدة الخيام، وصحن صيحة واحدة، وألقت خولة على عاتقها عموداً، وسعت من وراءها عفراء ومسلمة بنت زارع وروعة بنت عملون وسلمة بنت النعمان وغيرهن، فقالت لهن خولة: لا ينفك بعضكن عن بعض، وكن كالحلقة الدائرة، لا تفترقن فيقع بكن التشتيت، حطمن رماح القوم، واكسرن سيوفهم، وهجمت خولة، وهجمت معها النساء، وقاتلن قتالاً شديداً، حتى أدركهن مجموعة من المسلمين، جاءت في الوقت المناسب لتخليصهن، فكان الفرج من الله.
стр. 113
أثر التربية الإيمانية على خولة ومثيلاتها
قد تسألي رعاك الله: علام تربت تلكم النساء؟ على الموضة وآخر الصيحات! وعلى أكاديم استار! أم على ماذا؟ رباه عم الفسق في الأوطان فلقد تركنا سنة العدناني أضحت فتاة اليوم أكثر معرض للحم حتى قل سعر الضان حيناً ببنطال الرجال وتارة بلباسها المخزي كالسعدان ما قلدت أما لها أو جدة بل قلدت أوروبة الشيطان قد تسألي أيتها المؤمنة: هل كن يقضين الأوقات أمام الشاشات والقنوات أم على ماذا؟ أما آن وأنت تنتمين إلى نفس المدرسة -مدرسة لا إله إلا الله- أن تنفضي الغبار وتشمري عن ساعديك، فأنت مطالبة بالقيام بالدور الذي لابد منه، لابد أن تصنعي لنا الأبطال، وتربي لنا الأجيال، وتقاتلي إذا دعت الضرورة والحال، لن تستطيعي أن تكوني كذلك حتى تكوني عابدة صوامة قوامة.
стр. 114
شهيدة بعد ليلة عرسها
стр. 115
ثبات أم حكيم بعد مقتل زوجها وأبيها
الخبر الرابع: شهيدة بعد ليلة عرسها: نعم.
شهيدة في اليوم الثاني من عرسها، أدخلت على زوجها ثم استشهد في اليوم الثاني، فمن هما وما خبرهما؟ إنها أم حكيم بنت الحارث، زوجة عكرمة بن أبي جهل ﵃.
خرجت معه إلى اليرموك، وكانت خلف الجيش ترد المتراجعين والفارين من أرض القتال، وقفت هي وغيرها من النساء يشجعن الرجال، ويسقين الجرحى، ويداوين المرضى، وأمسكت بعضهن بأعمدة الخيام يرجعن من فر من أرض المعركة، أو يوبخنه قائلات: إلى أين يا لكع، أتتركوننا للعلوج والكفار؟ فكان لكلماتهن أكبر الأثر في رفع همم الرجال.
لما علمت أم حكيم بمقتل زوجها عكرمة وأبيها الحارث بن هشام، تأثرت بذلك كثيراً، ولكنها هدأت وقرت عينها حين تذكرت أنهما شهيدان بإذن الله، وأنهما قتلا في سبيل الله، وأن الجنة في انتظارهما.
стр. 116
زواج أم حكيم بخالد بن سعيد بن العاص
ولما أكملت عدتها تقدم لخطبتها اثنان من كبار قواد المسلمين يزيد بن أبي سفيان، وخالد بن سعيد بن العاص ﵃ أجمعين، ولقد كانت عادة العرب أنهم يرون في حسن الوفاء لصاحبهم المتوفى أن يتزوجوا بزوجته.
وافقت أم حكيم على الزواج من خالد بن سعيد وقدم مهرها، لكن الحرب كانت مستمرة بين المسلمين والروم، والمفروض أن يؤجل الزواج حتى تنتهي الحرب، لكن خالد بن سعيد الصحابي الجليل رأى الزواج في الحال دون انتظار فرفضت أم حكيم، فالوقت غير مناسب، ولأنها رأت أعداداً من الروم قد اتجهت نحو المكان، فقالت: لو أخرت الدخول حتى يصد الله هذه الجموع! لكن خالداً أصر على موقفه وقال: إن نفسي تحدثني أنني سأصاب في جموعهم وسأقتل، فوافقت أم حكيم مرغمة، وقالت له: الرأي ما ترى.
أقيمت الأعراس، ونصبت الخيام للولائم في مرج الصفر عند قنطرة على النهر، سميت بقنطرة أم حكيم ثم بدأت المبارزة فخرج العريس، وقاتل قتال المستميت، فقتل منهم عدداً لا يستهان به، لكنهم تكاثروا عليه وقتلوه كما قتلوا ابنه من قبل، ترك عروسه التي في الدنيا، واستقبلته الحور العين.
стр. 117
ثأر أم حكيم لزوجها واستشهادها
كانت العروس أم حكيم في خيمتها تسمع وترى ما يجري في المعركة وتراقب الأحداث، فلما علمت بمقتل زوجها اندفعت هي الأخرى تقاتل وآثار زينتها لا تزال عليها، فشدت عليها ثيابها، واقتلعت عموداً من خيمة عرسها، وانتظرت قدوم الروم من نحوها وسلاحها في يديها، مر الرومي الأول فضربته بالعمود فأردته قتيلاً، ثم مر الثاني فأردته قتيلاً، ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس، حتى قتلت سبعة؛ وما أن ابتعد الروم قليلاً حتى خرجت تقاتل مع الرجال، فأصيبت بسهم كان سبب مصرعها، فخرت شهيدة ﵂ بزينة عرسها مضرجةً بدمها إلى جنة ربها.
وانهزم الروم وقتل منهم خلق كثير، وأسفرت المعركة عن استشهاد العروسين في صبيحة عرسهما.
رأت ﵂ أن الوقت ليس وقت زواج، فطلبت التأجيل، وقالت: هذا أوان قتال وكفاح، لكن مقتل الزوج لم يجعلها تضعف أو تجبن حزناً، بل استبسلت وقاتلت مؤكدة أنها تنتمي إلى مدرسة لا إله إلا الله.
فلو أن النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال وما كان لها أن تكون كذلك إلا لأنها عابدة صوامة قوامة.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
стр. 118
زوجة المجاهد وأم المجاهدين
стр. 119
فضل أم عمارة ﵂
الخبر الأخير: اسمعي أيتها الغالية! قصة المجاهدة المقاتلة، زوجة المجاهد وأم المجاهدين، مدرسة في التربية، مدرسة في البذل والعطاء والتضحية، إنها التي نذرت نفسها لله ولرسوله، إنها التي سطرت أعظم الصور، إنها نسيبة بن كعب المازنية أم عمارة ﵂ وأرضاها، هي من بني النجار، فلها صلة قرابة بالنبي ﷺ ، فهم أخوال النبي ﷺ .
هي زوجة زيد بن عاصم، وأم عبد الله بن زيد، وحبيب بن زيد.
كانت هي وأسرتها ممن بايعوا بيعة العقبة، وشهدت تلك البيعة ﵂ وأرضاها، بايعوا في يوم البيعة بيعة الحرب بيعة العقبة الثانية، عاهدوا يومها على بذل الغالي والنفيس على أن يكون الثمن الجنة، صدقوا الله فصدقهم الله لقد سطرت ﵂ تاريخاً ناصعاً تفخر به المرأة المسلمة، فما أحوج المرأة اليوم للقدوة، وإذا لم تكن نساء السلف قدوة لك فمن يكون؟
стр. 120
قتال أم عمارة في غزوة أحد، وثناء النبي ﷺ عليها
عادت بعد بيعة العقبة الثانية وهي تبث روح الفداء والتضحية والثبات في أبنائها، فلما كان يوم بدر خرج ابنها عبد الله بن زيد، يقاتل تحت راية التوحيد، ولم يخرج ابنها الثاني حبيب؛ لأنه يومها لم يبلغ الحلم.
توفي زوجها زيد، فتزوجها غزية بن عمرو، فلما كان يوم أحد خرجت هي وزوجها وابنها عبد الله، وعبد الله بن جحش، وكبار الصحابة، ولما اشتدت المعركة، وانقلبت الموازين.
لما خالف الرماة الأوامر وتركوا أماكنهم، والتف المشركون حول النبي ﷺ : ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]، وصار نبيهم في خطر! تآمر الأعداء على كلمة واحدة في ذلك اليوم: قتل النبي ﷺ ، ولكن أنى لهم ذلك والرجال والنساء يحوطونه بأجسادهم وقلوبهم! فالتفت كوكبة من المؤمنين حول نبيهم تفديه بالأرواح، وهم قلة قليلة من بينهم أم عمارة وزوجها غزية وابنها عبد الله، الأسرة كاملة تترست أمام النبي ﷺ ، لما رأت ﵂ تغير الظروف رمت السقاء واستلت السيف فقاتلت به دون حبيبها ﷺ ، حتى قال ﷺ عنها: (ألتفت يميناً فإذا بـ أم عمارة تذود عني، ألتفت يساراً فإذا بـ أم عمارة تذود عني).
رآها النبي ﷺ بلا ترس، ولملح رجلاً متراجعاً معه ترسه، فقال له: (ألق ترسك إلى من يقاتل) فألقى ترسه، فأخذته أم عمارة تترس به النبي ﷺ ، ما ترست نفسها، ولكنها دافعت عن حبيبها، فهجم عليها أحد الكفار بسيفه، فتترست له، وهجمت عليه، وضربت عرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فنادى النبي ﷺ ابنها عبد الله: (يا ابن أم عمارة! أمك أمك) فتعاونا حتى قتلا الكافر، وجرح ابنها في يده اليسرى ونزف منه الدم فقالت له أمه: انهض بارك الله فيك.
انهض نضارب القوم، وندافع عن هذا الدين، ونحمي حبيبنا ﷺ ، فقال لها النبي ﷺ : (من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟).
توقفي أيتها الغالية! واسألي نفسك هذا
السؤال
كيف استطاعت أم عمارة أن تتحمل كل هذا؟ أليس هو الإيمان الذي حرك أولئك الرجال والنساء؟ أليس هو القرآن الذي صنع ذلك الجيل الفريد؟! نعم إنه الإيمان بالله، وبوعده وووعيده الذي حمله لنا القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].
стр. 121
أم عمارة تثأر لولدها
لم تنته المعركة بعد، فلا زال التاريخ يسطر تلك الأمجاد وتلك البطولات التي سطرتها أم عمارة.
وبينما والمعركة تدور، إذا بالرجل الذي ضرب ابن أم عمارة قد أقبل، فقال لها النبي ﷺ : (هذا ضارب ابنك يا أم عمارة)، فاعترضته وضربت ساقه فبرك وسقط على وجهه، فتبسم النبي ﷺ حتى بانت نواجذه، وقال: انتقمت يا أم عمارة).
ثم أقبلت على الكافر حتى قتلته، فقال لها النبي ﷺ : (الحمد لله الذي أظفرك، وأقر عينيك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك).
стр. 122
ذود أم عمارة عن الرسول يوم أحد
زادت حدة المعركة واجتمع الكفار على قتل النبي ﷺ ، فهجموا عليه هجمة واحدة، وأقبل أحدهم يقال له ابن قميئة يقول: دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا.
فاعترضته المجاهدة المقاتلة، اعترضته أم عمارة، ومعها مصعب بن عمير، فاستشهد مصعب، ووقفت أم عمارة في وجه الكافر، فضربها ضربة أصابتها في عنقها إصابة بالغة، فما وهنت وما ضعفت وما استكانت، بل ردت الضربة ضربات، ولكن عدو الله كان معه درعان.
يقول صخرة بن سعد المازني حفيد أم عمارة، يقول النبي ﷺ : (كان يرى نسيبة أم عمارة يومئذ تقاتل أشد القتال حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً، ثم يقول: وإني لأنظر إلى ابن قميئة وهو يضربها على عنقها وقد أعظم جراحها، فنظر الرسول ﷺ إلى جرحها، فنادى ابنها عبد الله: أمك، أمك؛ اعصب جرحها بارك الله عليكم من أهل بيت)، ما أعظمها من دعوة وشهادة وتزكية لذلك البيت! (فلما سمعت أم عمارة صوت النبي ﷺ والدم ينفجر منها صاحت: ادع الله أن نرافقك في الجنة، فأتاها الجواب منه ﷺ : اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة، اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة، فهتفت ﵂: والله ما أبالي ما أصابني من الدنيا بعد اليوم).
هل سمعت الأمنية؟! هل سمعت المطلب؟! هل سمعت السؤال؟! إنها مرافقة الحبيب في الجنة، وما أدراك ما الجنة؟! ريحانة تهتز، ونور يتلألأ، ونهر مطرد، وقصر مشيد، وثمرة نضيجة، فأين المشمرات؟! أين الصادقات؟! أين العابدات؟! (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها).
اعمل لدار غدٍ رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها دلالها المصطفى والرحمن بايعها وجبرائيل ينادي في نواحيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها أنهارها لبن تجري ومن عسل والخمر يجري رحيقاً في مجاريها من يشتري الدار بالفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها ولا زال للتاريخ حديث يخبرنا به عن أم عمارة وماذا صنعت، وماذا سطرت.
فلما عاد القوم إلى المدينة وقد استشهد الصفوة الأخيار من أصحاب النبي ﷺ ، رجعت أم عمارة صابرة على جراحها، وفي اليوم التالي نادي منادي النبي ﷺ للخروج مرة ثانية لمن شهد المعركة فقط، وأرادت أم عمارة أن تخرج، وهي التي أصيبت إصابات بالغة، شدت عليها ثيابها فما استطاعت من شدة الجراح والآلام وكثرة النزف، فمكثت وهي كارهة، وحولها نساء المسلمين يضمدن جراحها، حتى عاد النبي ﷺ بعد أيام.
فلما وصل أرسل إليها عبد الله بن كعب المازني يسأل عنها، فأخبروه أنها بخير وسلامة، ففرح النبي ﷺ بسلامتها، وكيف لا يفرح وهي التي فدته بروحها.
لقد كانت ﵂ مجاهدة ومربية للمجاهدين، فلقد شهد أبناؤها المشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وكانت تشعل في نفوسهم الحماس وروح الجهاد، فلم يتخلفوا عن النبي ﷺ في معركة من معاركه.
ونحن نريدك أن تشعلي الحماس في النفوس، وتبثي حب الجهاد والتضحية لهذا الدين الذي هو شرف لكِ وعز في الدنيا والآخرة ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
стр. 123
أم عمارة في حروب الردة
لما مات النبي ﷺ واصلت المسيرة مع خليفة النبي ﷺ ، فلما ارتد المرتدون وادعى مسيلمة الكذاب النبوة، أرسل أبوبكر كتاباً إلى مسيلمة حمله حبيب بن زيد ابن أم عمارة، ولكن مسيلمة لم يرع حرمة الرسل، فقبض عليه وأوثقه، وجعل يقول له: اتشهد أني رسول الله! وهو يقول: لا أسمع، وجعل يقطعه عضواً عضواً حتى مات، وما تراجع وما ارتد عن دينه.
اسمعي بارك الله فيك: قطعوه وعذبوه وما انتكس، فما بال الرجال والنساء اليوم ينتكسون، ولم يصبهم ما أصاب القوم؟ فلما علمت المجاهدة باستشهاد ابنها -الذي تعلم في مدرسة لا إله الله أن الجهاد غاية المسلمين ومبتغاهم، وأن الشهادة أعظم غاية- صبرت أم عمارة واحتسبت؛ لأنها رضيت لها ولأهلها ولأبنائها حياة المجاهدين، ونذرت لله أن تشهد مقتل مسيلمة الكذاب، وتشارك في مقتله.
وتم لها ما أرادت؛ فقد خرج جيش المسلمين قاصداً مسيلمة، وخرج مع الجيش ابنها عبد الله وخرجت معه، وكان عمرها يومئذ قد جاوز الستين عاماً، وتركها المسلمون تخرج رغم كبر سنها لتفي بنذرها.
الله أكبر! لم يمنعها سنها من الخروج والمشاركة.
وكما قيل: إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام وحين ارتفع لواء الحق وأقبل المهاجرون والأنصار، استلت سيفها وهجمت على المنافقين والمرتدين مع مجموعة كان ابنها عبد الله معهم، ودارت المعركة بين الحق والباطل، وأخذت تقاتل لله درها حتى أصابها اثنا عشر جرحاً ولم تبال، قطع ذراعها ولم تبال حتى وصلت هي ومن معها إلى مسيلمة الكذاب، وانقضوا عليه وهي في المقدمة ﵂ وأرضاها ومعها ابنها عبد الله لتقتله بسيفها ثأراً لدينها ولابنها، وعادت المجاهدة مع الجيش المنتصر بذراع واحد.
стр. 124
أحوال العابدين
هناك عبادٌ أتقياء عابدون، سجلوا التاريخ وصنعوه باجتهادهم في العبادة، والعكوف على ذلك، والإعراض عن الدنيا وزينتها.
стр. 125
أسباب التحدث عن أحوال العابدين
معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
عنوان هذا اللقاء المبارك: أحوال العابدين.
وسيتكون اللقاء من هذه النقاط: أولها: سبب الاختيار للموضوع، ثم أولياء لرب العالمين، ثم سيد العابدين، ثم من أحوال العابدين، ثم أين نحن من هؤلاء، ثم خبر عابد صغير، وأخيراً اغتنم شبابك.
وأحب قبل أن أنطلق أن أبين للأخوات أني لم أتطرق في الموضوع إلى أحوال العابدات، والسبب أني سأخص هذا بموضوع منفرد لحاجة النساء إلى مثل هذا.
أسأل الله أن ينفع السامع والمتكلم بما نسمع وبما نقول.
إن سبب اختيار هذه الأحوال والأخبار ما نراه من قسوة في القلوب وهجر للقرآن، فلا يعرف ختم القرآن إلا من رمضان إلى رمضان.
قال الله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠].
ومن الأسباب أيضاً: ما نراه من تفريط بالنوافل، بل بالفرائض، فالصلاة أصبحت مجرد حركات، من قيام وقعود بلا أثر، وكذلك ما نراه من تخلف عن تكبيرة الإحرام ورضا بالصفوف الأخيرة.
اعلم أنه من عزم ثابر، ومن أراد إدراك المفاخر لم يرض بالصف الآخر.
ومن الأسباب أيضاً: ما نراه من تكاسل عن الجمعة والجماعات، وشح في البذل والصدقات، كأن لم يكن الله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنات.
إن حاجتنا للعبادة كحاجة الأرض للمطر، فلا تحيا القلوب إلا بذكر علام الغيوب، فنحن في أمس الحاجة إلى تقوية الصلة بالله؛ حتى نكون من أوليائه الذين قال عنهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، وهل تنتصر الأمة إلا بأوليائها والعباد والزهاد الصادقين، قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
بالصادقين والمخلصين الذين يدعون ويتضرعون تنتصر الأمة، عن علي ﵁ قال: (ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح يناجي ربه ويتضرع: اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصبة لا تعبد بعد اليوم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسُهم حتى سقط رداؤه عن ظهره، فقال له أبو بكر ﵁ وأرضاه: هون عليك يا رسول الله! إن الله منجزك وعده، ثم غفا إغفاءة، ثم قال: أبشر يا أبا بكر هذا أخي جبريل آخذ بعنان فرسه، فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٩ - ١٣]).
بالعباد الأولياء وبرهبان الليل وفرسان النهار تنتصر الأمة، لذا فإن حاجتنا اليوم لتقوية الصلة بالعبادة أشد من حاجتهم، فأهل العصور الماضية كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل ويسوده التواصي بالحق، أما اليوم فغفلة وقسوة في القلوب، وانشغال بتوافه الأمور.
стр. 126
أخبار الأولياء تحفز النفوس إلى العبادة
نذكر أخبارهم تحفيزاً للنفوس، وتشجيعاً للسير على طريقهم، فهم أولياء رب العالمين، قال الله عنهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢].
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣]، فماذا لهم بإيمانهم وتقواهم؟ قال سبحانه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٤]، صدقوا إيمانهم بتقواهم، وذلك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي.
فكل من كان مؤمناً تقياً كان لله تعالى ولياً؛ لذلك كانت لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فالثناء الحسن، والمودة في القلوب، والرؤية الصالحة، وما يراه العبد من لطف الله به، وتيسيره لأحسن الأعمال والأخلاق، وصرف سيِّئها عنه، أما في الآخرة فبشارة عند قبض أرواحهم، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١]، ثم تثبيت لهم في قبورهم قال سبحانه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، ثم تمام البشرى بدخول جنات النعيم والنجاة من العذاب الأليم.
هم أولئك الذين إذا رءوا ذكر الله ، هم أولئك الذين تنبعث من وجوههم أنوار الطاعة، هم أولئك الذين قال الله عنهم كما في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، هم أولئك الذي يثبت الناس برؤياهم وكلامهم.
حكى ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: يعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاب، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه؛ فيذهب ذلك كله عنا، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة.
قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
стр. 127
من أخبار الأولياء والصالحين
وإليك طرفاً من أخبار الأولياء والعابدين: قال البخاري: ما اغتبت مسلماً منذ احتلمت.
وقال الشافعي: ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً، ولو أعلم أن الماء يفسد علي مروءتي ما شربته.
وقيل لـ محمد بن واسع: لم لا تتكئ؟ قال: إنما يتكئ الآمن، وأنا لا زلت خائفاً.
وقُرئَ على عبد الله بن وهب: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]، فسقط مغشياً عليه.
وحج مسروق فما نام إلا ساجداً.
وعن جعفر بن سليمان قال: بكى ثابت البناني حتى كادت تثقب عيناه؛ فجاء رجل يعالجها فقال الطبيب: أعالجك على أن تطيعني، قال ثابت: على أي شيء أطيعك؟ قال: على ألا تبكي، قال: فما خيرهما إن لم تبكيا؟ أما قال الله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، أما قال عن أوليائه: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩].
سهر العيون لغير وجهك باطل وبكاؤهن لغير فقدك ضائع عن سلام بن مطيع قال: جيء للحسن بكوز من ماء؛ ليفطر عليه وكان صائماً، فلما أدناه إلى فيه بكى، فقيل: ما أبكاك؟ قال: ذكرت أمنية أهل النار في قوله جل في علاه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠]، ثم ذكرت
الجواب
﴿ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠].
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥١].
دخلت امرأة على أهل الأوزاعي، فنظرت فوجدت بللاً في موضع سجود الأوزاعي، فقالت لزوجته: ثكلتك أمك، أراك غفلت عن الصبيان حتى بالوا في مسجد الشيخ، فقالت زوجة الأوزاعي: ويحك أمة الله، هذا أثر دموعه في مسجده، وليس من بول الصبيان.
لله درهم، أما قال الله عنهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤].
لسان حالهم: والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وحبك مقرون بأنفاسي ولا جلست إلى قوم أحدثهم إلا وأنت حديثي بين جلاسي كان يزدجرد ملك الفرس قد أرسل يستنجد بملك الصين، وذكر له المسلمين ومن أوصافهم فقال: لا ينامون بالليل، ولا يأكلون بالنهار، شعث رءوسهم، بالية ثيابهم.
فأجابه ملك الصين: إنه يمكنني أن أبعث إليك جيشاً أوله في منابت الزيتون يعني: في الشام، وآخره في الصين.
ولكن إن كان هؤلاء القوم كما تقول، فإنه لا يقوم لهم أهل الأرض، فأرى لك أن تصالحهم، وتعيش في ظلهم، وتأمن في عدلهم.
ملكنا هذه الدنيا قرونا وأخضعها جدود خالدونا وسطرنا صحائف من ضياء فما نسي الزمان ولا نسينا وكنا حين يأخذنا ولي بطغيان ندوس له الجبينا وما فتئ الزمان يدور حتى مضى بالمجد قوم آخرونا وأصبح لا يرى في الركب قومي وقد عاشوا أئمته سنينا وآلمني وآلم كل حر سؤال الدهر أين المسلمونا قال الحافظ ابن حجر: المراد بولي الله المواظب على طاعته، المخلص في عبادته، ومن أعظم ما يتبين به الولي أن يكون مجاب الدعوة، راضياً عن الله في كل حال، قائماً بالفرائض، مجتهداً بالنوافل، تاركاً للنواهي، له هدف غير أهداف الناس الدنيوية، غير حريص على الدنيا وما فيها، إذا وصل إليه القليل صبر، وإذا وصل إليه الكثير شكر، يستوي عنده المدح والذم، والفقر والغنى، غير معتد بما منَّ الله عليه من خصال الولاية، كلما زاده الله رفعة ازداد تواضعاً وخشوعاً.
من صفاته: حسن الأخلاق، كريم الصحبة، كثير الحلم، كثير الصبر والاحتمال، فمن اتصف بهذه الصفات فليس ببعيد أن تظهر على يديه الكرامات؛ لأن الله تعالى قال عنه كما في الحديث القدسي: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).
стр. 128
من أخبار سيد العابدين محمد ﷺ
стр. 129
خشوعه ﷺ في الصلاة
إليك رعاك الله موجزاً مختصراً عن سيد الأولياء والعابدين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صلوات ربي وسلامه عليه، فلقد كان رسول الله ﷺ سيد الأوابين العابدين المتبتلين، لم تتغلب نفسه على أهداف حياته العظمى قيد شعرة، ولم يخلف موعده مع الله في عبادة ولا جهاد، لله در أمهات المؤمنين حين يصفن علو همته ﷺ للصحابة، تقول إحداهن: (وأيكم يطيق ما كان يطيق) وتقول الأخرى: (ما لكم وصلاته ﷺ همة عالية في كل مقامات الدين.
فلقد كان ﷺ سيد المجاهدين والعابدين والصابرين والصائمين، كان أعلى الناس توكلاً، وأوفر الناس نصيباً من الرضا والحمد والدعاء والشكر والتبتل، وأعلى الناس يقيناً.
كان أشجع الناس، وأرحم الناس، وأشد الناس حياء.
كان أحسن الناس خلقاً ومروءة وتواضعاً، وأكثر الناس مراقبة لربه، وأعلى الناس خشوعاً، وأشد الناس عبادة، وكان أطول الناس صلاة.
عن حذيفة: (أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل، فكان يقول في صلاته: الله أكبر -ثلاثاً- ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم رفع رأسه فكان قيامه نحواً من ركوعه، ثم سجد فكان سجوده نحواً من قيامه، ثم رفع رأسه من السجود فكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده، في أربع ركعات، قرأ البقرة، والنساء، وآل عمران، والمائدة أو الأنعام)، شك الراوي في ذلك.
يقول أبو هالة في وصفه لرسول الله ﷺ : (كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان دائم الفكر ليست له راحة).
وتقول عائشة ﵂: (قام ﷺ ليلة بآية يرددها حتى الفجر وهو يبكي: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]) أقول: ردد وكرر هذه الآية، ثم انظر إلى الأثر في قلبك رعاك الله.
يقول عبد الله بن الشخير: (أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء).
قال له ربه: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، فانطلق يبلغ دعوة الله.
وقال له ربه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢]، فقام حتى تفطرت قدماه.
قال لـ عائشة ليلة: (دعيني أتعبد لربي، تقول: فقام يصلي، وجعل يبكي حتى بل لحيته، ولا يزال يبكي حتى بل الثرى تحته، فجاءه بلال ليعلمه بدخول وقت الصلاة فوجده يبكي، فقال له: تبكي بأبي أنت وأمي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال صلوات ربي وسلامه عليه: كيف لا أبكي يا بلال! أفلا أكون عبداً شكوراً؟! لقد تنزلت علي الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، ثم تلا قوله جل في علاه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩٤]).
إنها آيات تصور العابدين في ليلهم ونهارهم وفي جميع أحوالهم تصور خوفهم ورجاءهم وتذكرهم ودعاءهم.
لما علمت بأن قلبي فارغ مما سواك ملأته بهواكا وملأت كلي منك حتى لم أدع مني مكاناً خالياً لسواكا فالقلب فيك هيامه وغرامه والروح لا تنفك عن ذكراكا والسمع لا يصغي إلى متكلم إلا إذا ما حدثوا بعلاكا والطرف حيث أجي له متلفتاً في كل شيء يشتهي معناكا اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك يا رب العالمين.
стр. 130
حرصه ﷺ على صلاة الجماعة
كان سيد العابدين صلوات ربي وسلامه عليه حريصاً على صلاة الجماعة حتى في أشد الأحوال وأصعبها، فقد روى مسلم عن جابر ﵁ قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ قوماً من جهينة فقاتلوا قتالاً شديداً، فلما صلينا الظهر، قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة واحدة لاقتطعناهم، فأخبر جبريلُ رسولَ الله ﷺ بذلك؛ فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ ، قال: لقد قالوا: إنهم ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من أولادهم، فلما حضرت صلاة العصر، قال: قمنا صفين، والمشركون بيننا وبين القبلة، قال: فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا، وركع وركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني فقاموا مقام الأول فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا، وركع وركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، وقام الثاني، فلما سجد الصف الثاني جلسوا جميعاً، ثم سلم النبي ﷺ بهم جميعاً).
الله أكبر! المقام مقام حرب وخوف وقتال شديد، ومع هذا ما تأخر محمد ﷺ وأصحابه، وما تكاسلوا وما تهاونوا في صلاة الجماعة، ولقد صلى النبي ﷺ صلاة الخوف في أيام مختلفة، وعلى أشكال متباينة، كل هذا الحرص؛ ليربي العباد على المحافظة على الصلوات في كل الظروف والأحوال.
وروى البخاري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه قال: (دخلت على عائشة ﵂ فقلت: ألا تحدثيني عن مرض النبي ﷺ ، قالت: بلى، ثقل النبي ﷺ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: ففعلنا فاغتسل فذهب لينوء -يعني: ليقوم- فسقط فأغمي عليه، ثم أفاق ﷺ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب ليقوم فسقط فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس).
الله أكبر! كم كان صلوات ربي وسلامه عليه حريصاً على صلاة الجماعة، يشتد مرضه فيغتسل، ثم يغمى عليه فيفيق فيغتسل ثم ثانية وثالثة، كل ذلك لعله يكتسب خفة ونشاطاً يمكنه بفضل الله تعالى من حضور صلاة الجماعة، فكيف كانت الخفة؟ وكيف كان خروجه للناس؟ اسمع رعاك الله! روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (فوجد النبي ﷺ خفة، فخرج يهادى بين الرجلين، كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع).
سبحان الله! لم يكن يتمكن من المشي إلا اعتماداً على رجلين، ولم يكن يقدر على تمكين رجليه على الأرض لشدة ضعفه، ومع هذا خرج لصلاة الجماعة في المسجد؛ ليبين للناس أن العابدين لا يتخلفون عن الصلوات في المساجد، خرج ليبين أن العابدين لا يكونون إلا في المساجد والمحاريب.
стр. 131
من صفات العابدين
стр. 132
التعلق بالمساجد
إن أي استقامة لا تنطلق من المسجد والمحراب لا خير فيها، إن سجود المحراب واستغفار الأسحار ودموع المناجاة هي من أهم صفات العابدين، ولئن ظن أهل الدنيا أن جنتهم في الدينار والنساء والقصر المنيع، فإن جنة العابدين في محرابهم في صلواتهم لربهم، أما سمعت قول الله ليحيى ﵇: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران:٣٩]، إن صلوات العباد في المحاريب تربية لهم وتيجان على رءوسهم أغلى من التيجان على رءوس الملوك.
أعيد وأكرر: وهل تنتصر الأمة إلا بالعباد والزهاد؟ فهيا معاً نسمع أحوال العابدين الذين جعلوا محمداً ﷺ أسوة وقدوة لهم، من أحوال العابدين:
стр. 133
إنهم كالعملة النادرة
العباد الزهاد في الناس كالعملة النادرة، يصدق عليهم قول النبي ﷺ : (تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة)، رواه مسلم.
ومعنى الحديث: أن المرضي الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف، الحسن المنظر، القوي على الأحمال والأسفار، قليل جداً، كقلة الراحلة في الإبل، ولذا عمت المصيبة بفقدهم وعمت الرزية بموتهم.
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد حر يموت بموته بشر كثير فالرجل من أولئك بألف، قال أبو بكر ﵁: (صوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل).
ولما طلب عمرو بن العاص ﵁ المدد من أمير المؤمنين عمر ﵁ لفتح مصر كتب إليه عمر ﵁: أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم مقام الألف، الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد.
وهل تنتصر الأمة على أعدائها إلا بأمثال هؤلاء؟! (قال الأصمعي: لما صاف قتيبة بن مسلم الترك -وهذا هو أمرهم- سأل عن محمد بن واسع فقيل: هو معك في الميمنة، جانح على قوسه يبصبص بأصبعه نحو السماء قال: تلك الأصبع أحب إلي من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
стр. 134
إنهم أهل للمحافظة على الفرائض
ومن أهم صفات العابدين: أنهم أهل صلاة وقيام وأهل محافظة على الفرائض، وتقرب إلى الله بالنوافل، روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (إن الله ﵎ قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) الحديث.
فلما سمع القوم منادي المحب يناديهم؛ انطلقوا خفافاً إليه، وعلموا أن أفضل القربات هي الصلوات، قال ﷺ : (استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة).
كيف لا وهي عماد الدين، وعصام اليقين، ورأس القربات، وهي المعين للعبادة، التي تفتح القلب وتوثق الصلة بالله.
ولقد بدأ الله صفات المؤمنين بالصلاة وختمها بالصلاة؛ لعظيم مكانها في بناء الإيمان، وهي أكمل صورة من صور العبادة، قال ﷺ : (الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر)، حسنه الألباني ﵀.
وقال سيد العابدين صلوات ربي وسلامه عليه: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، رواه مسلم.
وقال بأبي هو وأمي: (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين)، حسنه الألباني ﵀.
أما يكفيك قوله ﷺ : (إن أحدكم إذا قام يصلي إنما يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه)، صححه الألباني ﵀.
علم العباد قدر الصلاة وأنها ميدان سباق، فانطلقوا يتسابقون ولسان حالهم: من فاته منك وقت حظه الندم ومن تكن همه تسمو به الهمم
стр. 135
في رياض العابدين
روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف).
لله درهم من مرضى، لا والله بل نحن المرضى، مرضى القلوب.
وعن عطاء بن السائب قال: (دخلنا على أبي عبد الرحمن السلمي وهو يقضى -يعني: ينازع- في المسجد، فقلنا له: لو تحولت إلى دارك وفراشك فإنه أوفر لك، فقال لهم: حدثني فلان عن فلان أن النبي ﷺ قال: لا يزال أحدكم في صلاة ما دام في مصلاه ينتظر الصلاة، والملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، فأنا أريد أن أموت في مسجدي) يا ألله! من السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: رجل قلبه معلق في المساجد.
قيل لـ نافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما.
وعن محمد بن زيد: أن ابن عمر ﵄ كان له متراس فيه ماء فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى فراشه فيغفي إغفاءة الطائر، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمس.
وروى نافع: أن ابن عمر كان يحيي بين الظهر والعصر.
فمن منا فعل ذلك؟! عن الربيع بن خثيم قال: أتيت أويساً القرني فوجدته قد صلى الصبح وقعد في مصلاه، فقلت: لا أشغله عن التسبيح، فلما كان وقت الصلاة -يعني: بعد الشروق- قام فصلى إلى الظهر، فلما صلى الظهر قام فصلى إلى العصر، فلما صلى العصر قعد يذكر الله إلى المغرب، فلما صلى المغرب صلى إلى العشاء، فلما صلى إلى العشاء قام فصلى إلى الصبح، فلما صلى الصبح جلس فأخذته عينه ثم انتبه، فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك من عين نوامة، وبطن لا تشبع.
رحم الله أويساً ما أعلى همته، يعاتب نفسه على إغفاءة خاطفة، ولهذا يعده الشاطبي ممن يأخذ بما هو شاق على الدوام، ومع هذا لا يعتبر مخالفاً للسنة، بل إنه من السابقين الأولين، ألم يكن سيد العابدين يقوم الليل حتى تتورم قدماه؟! عن أصبغ بن زيد قال: كان أويس إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح, وكان إذا أمسى قال: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح، كان ﵀ يقول: لأعبدن الله في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء.
أما سيد التابعين في العلم والعمل سعيد بن المسيب فكان كاسمه في الطاعات سعيداً، ومن المعاصي والجهالات بعيداً، عن أبي حرملة عن ابن المسيب قال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين، وما نظرت في قفا رجل منذ خمسين سنة، وما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد.
قال ﵀: من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة.
والله لولا الأسانيد الصحاح والرجال الثقات لقلنا: إن هذه الأخبار ضرباً من الخيال، ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن لج ولج، ومن وقف على الباب يوشك أن يفتح له.
عن شرحبيل: أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني فلم يجداه في منزله، فأتيا المسجد فوجداه يركع ويسجد، فانتظراه فأحصى أحدهما أنه ركع ثلاثمائة ركعة قبل أن ينصرف، فقالا له: يا أبا مسلم كنا قاعدين خلفك ننتظرك، فقال: لو عرفت مكانكما لانصرفت إليكما، وأقسم لكما بالله إن خير ما قدم المرء ليوم القيامة كثرة السجود.
عمن أخبرك؟ عن الربيع، أمْ عن عامر بن قيس، أم أسمعك من خبر الحسن والفضيل وابن المبارك، أم أتلو عليك خبر مرة الهمداني.
قال الذهبي: يقال له مرة الخير لعبادته وخيره وعلمه قال الذهبي: بلغنا عنه أنه سجد لله حتى أكل التراب جسده.
عن عطاء بن السائب قال: كان مرة يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، فلما ثقل وبدن صلى أربعمائة ركعة، وكنت أنظر إلى مباركه كأنها مبارك الإبل.
ومثل هؤلاء كثير ممن نعرفهم وممن لا نعرفهم، لكن الله يعرفهم.
أما مسروق العالم بربه الهائم بحبه، فقال عنه ابن إسحاق: حج مسروق فما بات إلا ساجداً.
قال سعيد بن جبير: لقيني مسروق فقال: يا سعيد! ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفِّر وجوهنا في التراب، وما آسى على شيء إلا على السجود لله تعالى.
كانت امرأة مسروق تقول: والله ما كان مسروق يصبح ليلة من الليالي إلا وساقاه منتفختان من طول القيام، وكنت أجلس خلفه فأبكي رحمة له.
وكان ﵀ إذا طال عليه الليل وتعب صلى جالساً، ولا يترك الصلاة، وكان إذا فرغ من صلاته يزحف كما يزحف البعير من الضعف.
إن الذي قاد هؤلاء وأوصلهم إلى ما هم عليه تلك الهمم العالية والنفوس الأبية.
قال السعدي في أبيات جميلة يصور سيرهم وحالهم: سعد الذين تجنبوا سبل الردى وتيمموا لمنازل الرضوان فهم الذين أخلصوا في مسجد متشرعين بشرعة الإيمان وهم الذين بنوا منازل سيرهم بين الرجا والخوف للديان وهم الذي ملأ الإله قلوبهم بوداده ومحبة الرحمن.
أقول: من أراد الوصول فعليه بالأصول، ومن سار على الدرب وصل
стр. 136
قصة عابد صغير
إليك خبر عابد صغير من أهل زماننا، أخبرني أحد الثقات عن ابن أخيه، واسمه مسفر وعمره خمس سنوات.
يقول: بدأت قصة مسفر عندما قلت له: إن الذي يصلي يحبه الله، ومنذ تلك اللحظة وهو محافظ على الصلوات جميعها، بل في الصف الأول، بل خلف الإمام أكثر الأحيان وإذا سألته لماذا تصلي؟ يجيب بكل بساطة وعفوية: حتى يحبني الله، يقول: في يوم من الأيام ارتفعت حرارة مسفر واحمرت عيناه من شدة المرض، فلما رأى أباه خارجاً سأله: إلى أين يا أبي؟ فقال: إلى المسجد، إلى صلاة العصر، فقام من حضن أمه وقال لأبيه: سوف أذهب معك إلى المسجد، فقال: ولكن أنت مريض، وحرارتك مرتفعة، فرد مسفر: أذهب إلى المسجد والله سيشفيني؛ لأن الله يحب الذين يصلون.
يقول صاحبي: فذهب إلى المسجد وصلى، وخرج من المسجد معافى، كأنه لم يكن به شيء، ولم تنته القصة: ذهب مسفر لزيارة عمته، ولما أراد أبوه أن يرجعه إلى البيت، رفض الرجوع، قال: أريد البقاء مع عمتي، وهي أمي من الآن وأصبح يناديها بأمي.
أتدرون ما السبب؟ السبب: أن زوج عمته مؤذن، ويأخذه إلى المسجد مبكراً، وهو يحب التبكير إلى الصلاة كلما اتصلت عليه أمه، قال: اسمعي أماه، الله أكبر، الله أكبر.
يردد على مسامعها الأذان، أقول: آن الأوان أن نربي أنفسنا وصغارنا على الصلاة؛ لقول النبي ﷺ : (مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر).
стр. 137
اغتنم شبابك
قبل النهاية أوصي الشباب بوصية النبي ﷺ : (اغتنم شبابك قبل هرمك)، الشباب: هو زمن العمل؛ لأنه فترة قوة بين ضعفين: ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة.
لذا قال ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)، رواه الحاكم وصححه.
فالشباب هو وقت القدرة على الطاعة، وهو ضيف سريع الارتحال، فإن لم يغتنمه العاقل تقطعت نفسه حسرات: ألا ليت الشباب يعود يوماً.
قال ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه) الحديث.
والسؤال الذي أسألك إياه أخي الكريم: أليس الشباب قطعة من العمر؟ فلماذا التأكيد والتشديد على مرحلة الشباب، ذكر ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: شاب نشأ في عبادة الله.
قال ابن عباس ﵄: ما آتى الله عبداً علماً إلا شاباً والخير كله في الشباب، ثم تلا قوله جل في علاه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢].
قالت حفصة بنت سيرين: يا معشر الشباب! اعملوا فإنما العمل في الشباب، وهل كان صحابة محمد ﷺ الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه إلا شباب؟! شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا تعهدهم فأنبتهم نباتاً كريماً طاب في الدنيا غصونا إذا شهدوا الوغى كانوا كماةً يدكون المعاقل والحصونا وإن جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينا ولم تشهدهم الأقداح يوماً وقد ملئوا نواديهم مجونا وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغت لحونا وما عرفوا الخلاعة في بنات ولا عرفوا التخنث في بنينا كذلك أخرج الإسلام قومي شباباً مخلصاً حراً أمينا.
حكى المسعودي في شرح المقامات: أن المهدي العباسي لما دخل البصرة رأى إياس بن معاوية وهو صبي، وخلفه أربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة وإياس يتقدمهم، فقال المهدي: أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث؟ ثم إن المهدي التفت إليه وقال: كم سنك يا فتى؟ فقال: سني أطال الله بقاء الأمير سن أسامة بن زيد لما ولاه النبي ﷺ جيشاً فيهم أبو بكر وعمر، فقال المهدي: تقدم بارك الله فيك.
فالشباب هم روح الأمة، وهم حملة الراية، ولن تقوم للأمة قائمة إلا على أكتاف الشباب الذين يريدون ما عند الله والدار الآخرة.
لقد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل.
قال ﷺ : (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً؛ يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة).
اعلم رعاك الله أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشتاق تكون الفرحة واللذة.
قيل للربيع بن خثيم: لو أرحت نفسك، قال: راحتها أريد.
وقيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم في الجنة.
أحزان قلبي لا تزول حتى أبشر بالقبول وأرى كتابي باليمين وتسر عيني بالرسول عوتب أحدهم لشدة اجتهاده فقال: إن الدنيا كانت ولم أكن فيها، وستكون ولن أكون فيها، ولا أحب أن أغفل أيامي.
فالصلاة خير من النوم، والتجلد خير من التبلد، والمنية خير من الدنية، فكن رجلاً رجله في الثراء وقامة همته في الثريا فإن إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المحيا.
قال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٨ - ١٩].
وقال ﷺ : (ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرَّتْ بهم لم يذكروا الله فيها).
فكم ضاعت ومرت بنا من ساعات؟ عن قتادة أن عامر بن قيس لما حُضِرَ جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك، قال: ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وعلى قيام ليالي الشتاء.
قال فضيل ﵀: الزم طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطريق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين.
قيل لـ محمد بن واسع: إنك لترضى بالدون، قال: إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا.
هب الدنيا تساق إليك عفواً أليس مصير ذاك إلى انتقال فما دنياك إلا مثل ظل أظلك ثم آذن بالزوال اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين.
اللهم أصلح الشباب والشيب واحفظ النساء والأطفال يا رب العالمين.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا حي يا قيوم.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم لا تؤاخذنا بالتقصير، واعف عنا الكثير، وتقبل منا اليسير إنك يا مولانا نعم المولى ونعم النصير، أستغفر الله العظيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 138
أحوال الناس في استغلال الأوقات
لقد أقسم بالوقت وذلك بقوله: (والعصر) وقوله: (والضحى) وقوله: (والليل) وقوله: (والفجر)، وهذا يدلنا على عظم شأن الوقت وأهميته، وأهمية استغلاله فيما ينفع في الآخرة؛ لأنه رأس مال المرء وهو حياته.
فالذي ينبغي على المسلم والمسلمة المحافظة على الوقت وعدم التفريط فيه، واستغلاله في الطاعات، وعدم استغلاله في المنكرات والمحرمات، ولقد كان السلف الصالح حريصين على استغلال الوقت فيما يقربهم إلى الله .
стр. 139
ضرورة استغلال العمر في الطاعات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن الهدف والغاية السامية التي خلقنا الله من أجلها معروفة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]، فالغاية هي: تحقيق العبودية لله ﵎ بالذل والخضوع والانكسار، (يا ابن آدم! خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب)، فإذا عرف العبد والأمة الغاية والهدف من الحياة أصبح للحياة معنىً، وأما الحياة بلا هدف ولا غاية فلا معنى لها.
إن الناس يوم القيامة يقوّمون بإيمانهم وأعمالهم الصالحة، فالعمر فرصة للازدياد من الحسنات، ورفع الرصيد من الأعمال الصالحة، ولما كانت هذه الأمة أقصر الأمم أعماراً ضاعف الله لها الأجر والثواب، وشرع لها أعمالاً سهلة ميسرة يترتب عليها أجر كبير، فالحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء، فعن أبي هريرة قال: قال ﷺ : (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك)، صححه الإمام الألباني ﵀.
فعلى افتراض أن العمر ستون سنة فإننا ننام فيها ثمانِ ساعات كل يوم، فهذه عشرون سنة في النوم، وخمس عشرة سنة في الطفولة قبل التكليف، وسنتان أو ثلاث في الأكل والشرب وقضاء الحوائج، فبقي من العمر ثلاث وعشرون سنة، فإذا لم تستغل الاستغلال الصحيح فكيف سيكون الرصيد؟! إن الإنسان حريص على دخله الدنيوي ومصالحه الدنيوية، وكل موظف وموظفة حريص على زيادة دخله الشهري، ولا عيب في هذا، ولكن العيب كل العيب أن يمر العمر دون حرص على زيادة رصيد الحسنات ورصيد الأعمال الصالحة، فعن أبي بكرة: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: من طال عمره، وحسن عمله، قال: فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره، وساء عمله)، صححه الإمام الألباني ﵀.
وقال الحسن البصري: إن أقواماً غرتهم الحياة الدنيا فخرجوا منها بلا رصيد من الحسنات، يقولون: إننا نحسن الظن بالله، قال: وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، قال الله عنهم: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧].
أخية! تأملي هذا الدعاء الجميل من سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، كما جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدعو ويقول: (اللهم! إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت يقوم فتنة فتوفني غير مفتون، اللهم! إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك، وقال ﷺ : إنها حق فادرسوها) أي: احفظوها وتعلموها.
رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني.
أخية تأملي هذا الدعاء ففيه طلب التوفيق إلى فعل الطاعات وترك المنكرات، وفيه سؤال الله ﵎ أن يتوفاه إذا كان العمر سبباً للخسارة والفتنة وزيادة السيئات.
إن للحياة معنىً عظيماً، فنحن لم نخلق عبثاً، ولم نُترك هملاً، فلا بد من تحقيق العبودية لله، وأن نجمع أكبر قدر ممكن من الحسنات، حتى لا نندم عند الممات، وحتى لا نطلب الرجوع بعد الموت فلا يستجاب لنا، قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩]، وقال سبحانه عن تلك اللحظات: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٤].
стр. 140
حال السلف مع الوقت
كان يزيد الرقاشي يحاسب نفسه ويقول: يا يزيد! من ذا يصلي عنك بعد الموت؟! يا يزيد! من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ يا يزيد! من ذا الذي يُرضي عنك ربك بعد الموت؟ ثم يبكي ويقول: أيها الناس! ألا تبكون على أنفسكم وتنوحون؟! من كان الموت يطلبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، فكيف يكون حاله؟! أيتها الغالية! إن الواحدة لتحزن أشد الحزن إذا ضاع عليها مبلغ زهيد من المال، أو عقد من الذهب، ولا تحزن على ضياع وقتها وعمرها فيما لا ينفع! كان أبو الدرداء ﵁ يقول: ما من أحد إلا وفي عقله نقص عن حلمه وعلمه، وذلك أنه إذا أتته الدنيا بزيادة مال ظل فرحاً مسروراً، والليل والنهار دائبان في هدم عمره ثم لا يحزنه ذلك، ما نفع مال يزيد وعمر ينقص.
وكان السري يقول: إذا اغتممتَ بما ينقص من مالك فابك على ما ينقص من عمرك.
وقال أبو بكر بن عياش: إن أحدهم لو سقط منه درهم لظل يومه يقول: إنا لله، ذهب درهمي، ولا يقول: ذهب يومي، ما عملتُ فيه؟! اعلمي -أخية- أنك منذ ولادتك يبدأ العد التنازلي في ساعات عمرك، فابدئي أنت في العد التصاعدي في جمع الحسنات الكثيرات؛ لتنفعكِ بعد الممات.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل أنت فيهما.
وقال الحسن البصري: الأيام والليالي تبليان كل جديد، وتقربان كل بعيد، وتأتيان بكل موعود ووعيد.
قال الزهري: كان عمر بن عبد العزيز إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧] ثم يبكي ويقول: نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم ولا أنت في النوام ناجٍ فسالم تسر بما يفنى وتفرح بالمنى كما سُرّ باللذات في النوم حالم وتسعى إلى ما سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم
стр. 141
أصناف الناس مع أوقاتهم
في هذه الوقفة نتعرف على أحوال الناس مع أوقاتهم، فالناس على أحوال ثلاثة في استغلال الأوقات، وقد بينهم الله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢].
стр. 142
الصنف الأول: الظالم لنفسه
وهم يظنون أن الحياة غناء ورقص ولعب ولهو وأكل وشرب ونوم، وما علم المساكين أن الله سوف يسألهم عن كل دقيقة من دقائق حياتهم، فقد استغلوا الأوقات بالازدياد من اللذات والشهوات ومضاعفة السيئات، ونسوا أو تناسوا رقابة الواحد الأحد رب الأرض والسماوات.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحيي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني لقد نسي هؤلاء المساكين مراقبة الله ولقاءه، فتجد كثيراً من بناتنا تسمع الموسيقى والغناء، وترقص على المعازف والألحان، ونسيت أنها حفيدة خديجة التي أقرأها الله السلام، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا تعب فيه ولا نصب، ونسيت المسكينة أنها حفيدة عائشة الصديقة بنت الصديق الصائمة القائمة المتصدقة، راوية الحديث، وعالمة الأمة.
ونسيت المسكينة أنها حفيدة المجاهدة نسيبة الأنصارية أم عمارة التي قال لها النبي ﷺ يوم أحد لما رآها تذود وتدافع عنه: (تمني وسليني يا أم عمارة! فقالت: أسألك مرافقتك في الجنة يا رسول الله!)، فاسمعي أخية! تلك الأمنيات والرغبات، فماذا تسأل المسلمات اليوم؟! أين المضيعات للعمر والساعات عن مثل هؤلاء؟! أين المضيعات للحقوق والواجبات؟! قد هيوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
стр. 143
الصنف الثالث: السابق بالخيرات
هن فتيات الإسلام، وهن نجوم التوحيد، وهن المتبعات لسنة نبيهن محمد ﷺ ، وهن أمل الأمة للخروج من الذل الذي تعيش فيه، إنهن فتيات عرفوا معنى الحياة، وعلموا أنهم سيقفو بين يدي علام الغيوب، وعرفوا أن الستين أو والسبعين سنة هي مزرعة للآخرة، وعرفوا أن نساء السلف استثمروا أوقاتهم في مرضاة ربهم، فقد كانوا صائمات قائمات مجاهدات في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فأردوا أن يكونوا مثلهم.
والأمة اليوم أحوج ما تكون لمثل هؤلاء الذين تربوا على تقوى من الله ورضوان.
стр. 144
الصنف الثاني: المقتصد
إنها أخية التي لم يستغل الأوقات في معصية الله، وإنما استغلوها في المباحات، فهم يؤدون الفرائض ولا يفعلون المحرمات، ولكنهم تنام كثيراً، ويكثر من الزيارات والفسحات، فأين استثمار الوقت في العلم والتعلم وقراءة القرآن؟ يقول الإمام الغزالي ﵀: من نام في كل أربع وعشرين ساعة ثمان ساعات فقد نام -مَنْ عمرُه ستون سنة- عشرين سنة، ثم تبقى أربعون سنة ما بين لهو ولغو ومعاصٍ ومخالفات وشغل بالدرهم والدينار، فماذا تبقَّى من العمر؟! أليست القضية أيتها المؤمنة قضية ميزان ترجح فيه كفة الحسنات أو السيئات؟! أليس في يوم الحسرات يتمنى العبد والأمة أن لو يزداد في الرصيد من الحسنات؟ ولكن هيهات هيهات! أليست مكانة عند الله على قدر إيمانها وأعمالها؟! ألم يكن النبي ﷺ وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقوم الليل كله حتى تفطرت قدماه، ثم إذا عوتب قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً)؟
стр. 145
أهمية الوقت وأهمية استغلاله
لقد أقسم الله ﵎ بالوقت لعظمه، فقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١]، وقال ﵎: ﴿وَاللَّيْلِ﴾ [الليل:١]، ولا يقسم الله إلا بعظيم، وله سبحانه أن يقسم بما يشاء وليس لمخلوق أن يقسم إلا بالله ﵎.
اعلمي أيتها المؤمنة أنك ستسألين عن الوقت، وستحاسبين عما عملت فيه، فإن كنتِ صالحةً ستفوزين، وإن كنتِ مضيعة فستندمين وتخسرين، قال سبحانه وهو يسأل العباد عن ذلك: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢]، فأما المضيعات اللاهيات المفرطات فيقلن: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]، فيأتي التوبيخ الشديد من رب العالمين: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٤ - ١١٥]، وقال ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وعدّ منهن: عن عمره فيما أبلاه، وعن شبابه فيما أفناه).
أخية! لقد سأل عن العمر إجمالاً وعن الشباب خاصة، فلماذا السؤال عن الشباب؟ أليس الشباب قطعة من العمر؟ فلماذا التركيز على مرحلة الشباب؟
الجواب
لأن الشباب أحلى سنين العمر وأقوها، فإن لم تصرفه لله فكيف سيكون الجواب؟ وما هي حجتك التي بها ستحتجين بها؟! قال سبحانه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ * وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:٦ - ٩] فهل تأملت شدة الوعد والوعيد؟ ومع هذا اسمعي عجب العجاب.
следующие страницы →