← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أصناف الناس مع أوقاتهم في هذه الوقفة نتعرف على أحوال الناس مع أوقاتهم، فالناس على أحوال ثلاثة في استغلال الأوقات، وقد بينهم الله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢].

стр. 142

الصنف الأول: الظالم لنفسه وهم يظنون أن الحياة غناء ورقص ولعب ولهو وأكل وشرب ونوم، وما علم المساكين أن الله سوف يسألهم عن كل دقيقة من دقائق حياتهم، فقد استغلوا الأوقات بالازدياد من اللذات والشهوات ومضاعفة السيئات، ونسوا أو تناسوا رقابة الواحد الأحد رب الأرض والسماوات. وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحيي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني لقد نسي هؤلاء المساكين مراقبة الله ولقاءه، فتجد كثيراً من بناتنا تسمع الموسيقى والغناء، وترقص على المعازف والألحان، ونسيت أنها حفيدة خديجة التي أقرأها الله السلام، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا تعب فيه ولا نصب، ونسيت المسكينة أنها حفيدة عائشة الصديقة بنت الصديق الصائمة القائمة المتصدقة، راوية الحديث، وعالمة الأمة. ونسيت المسكينة أنها حفيدة المجاهدة نسيبة الأنصارية أم عمارة التي قال لها النبي ﷺ يوم أحد لما رآها تذود وتدافع عنه: (تمني وسليني يا أم عمارة! فقالت: أسألك مرافقتك في الجنة يا رسول الله!)، فاسمعي أخية! تلك الأمنيات والرغبات، فماذا تسأل المسلمات اليوم؟! أين المضيعات للعمر والساعات عن مثل هؤلاء؟! أين المضيعات للحقوق والواجبات؟! قد هيوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

стр. 143

الصنف الثالث: السابق بالخيرات هن فتيات الإسلام، وهن نجوم التوحيد، وهن المتبعات لسنة نبيهن محمد ﷺ ، وهن أمل الأمة للخروج من الذل الذي تعيش فيه، إنهن فتيات عرفوا معنى الحياة، وعلموا أنهم سيقفو بين يدي علام الغيوب، وعرفوا أن الستين أو والسبعين سنة هي مزرعة للآخرة، وعرفوا أن نساء السلف استثمروا أوقاتهم في مرضاة ربهم، فقد كانوا صائمات قائمات مجاهدات في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فأردوا أن يكونوا مثلهم. والأمة اليوم أحوج ما تكون لمثل هؤلاء الذين تربوا على تقوى من الله ورضوان.

стр. 144

الصنف الثاني: المقتصد إنها أخية التي لم يستغل الأوقات في معصية الله، وإنما استغلوها في المباحات، فهم يؤدون الفرائض ولا يفعلون المحرمات، ولكنهم تنام كثيراً، ويكثر من الزيارات والفسحات، فأين استثمار الوقت في العلم والتعلم وقراءة القرآن؟ يقول الإمام الغزالي ﵀: من نام في كل أربع وعشرين ساعة ثمان ساعات فقد نام -مَنْ عمرُه ستون سنة- عشرين سنة، ثم تبقى أربعون سنة ما بين لهو ولغو ومعاصٍ ومخالفات وشغل بالدرهم والدينار، فماذا تبقَّى من العمر؟! أليست القضية أيتها المؤمنة قضية ميزان ترجح فيه كفة الحسنات أو السيئات؟! أليس في يوم الحسرات يتمنى العبد والأمة أن لو يزداد في الرصيد من الحسنات؟ ولكن هيهات هيهات! أليست مكانة عند الله على قدر إيمانها وأعمالها؟! ألم يكن النبي ﷺ وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقوم الليل كله حتى تفطرت قدماه، ثم إذا عوتب قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً)؟

стр. 145

أهمية الوقت وأهمية استغلاله لقد أقسم الله ﵎ بالوقت لعظمه، فقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١]، وقال ﵎: ﴿وَاللَّيْلِ﴾ [الليل:١]، ولا يقسم الله إلا بعظيم، وله سبحانه أن يقسم بما يشاء وليس لمخلوق أن يقسم إلا بالله ﵎. اعلمي أيتها المؤمنة أنك ستسألين عن الوقت، وستحاسبين عما عملت فيه، فإن كنتِ صالحةً ستفوزين، وإن كنتِ مضيعة فستندمين وتخسرين، قال سبحانه وهو يسأل العباد عن ذلك: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢]، فأما المضيعات اللاهيات المفرطات فيقلن: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]، فيأتي التوبيخ الشديد من رب العالمين: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٤ - ١١٥]، وقال ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وعدّ منهن: عن عمره فيما أبلاه، وعن شبابه فيما أفناه). أخية! لقد سأل عن العمر إجمالاً وعن الشباب خاصة، فلماذا السؤال عن الشباب؟ أليس الشباب قطعة من العمر؟ فلماذا التركيز على مرحلة الشباب؟ الجواب لأن الشباب أحلى سنين العمر وأقوها، فإن لم تصرفه لله فكيف سيكون الجواب؟ وما هي حجتك التي بها ستحتجين بها؟! قال سبحانه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ * وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:٦ - ٩] فهل تأملت شدة الوعد والوعيد؟ ومع هذا اسمعي عجب العجاب.

стр. 146

تضييع الأوقات في المكالمات الهاتفية المحرمة أخية! عجباً لشابات يضيعن الساعات في مكالمات هاتفية محرمة نهايتها إلى الرذيلة والخسارة والهوان! وإذا فقدت الفتاة حياءها وشرفها فبطن الأرض خير لها من ظهرها، فكم نسمع عن قصص وحكايات، ومآس متكررات، وكم نقرأ استغاثات ومناشدات من هؤلاء الضائعين والضائعات، وكم نرى مثل هؤلاء الحائرين والحائرات في الأسواق والتجمعات، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، وكم نقرأ في الصحف والمجلات عن مهاترات ومناقشات بين شبان وشابات يتكلمون عن الكرة وأخبارها، وعن المغنين والمغنيات، ويتكلمون عن آخر الموضات والصيحات، فقل لي بربك: كيف تحيا وتنهض أمة هذا حال فتيانها وفتياتها؟!

стр. 147

تضييع الأوقات في تصفح الجرائد والمجلات غير النافعة أخية! هل سمعت عن تلك الفئة التي تجلس الساعات والساعات تتصفح الجرائد والمجلات، وتتابع أخبار النجوم كما يقولون ويدعون كذباً، وهم الله ليسوا بنجوم، وإنما النجوم تلك التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وأما أولئك فهم عاهرون وعاهرات، وغافلون وغافلات، وفاجرون وفاجرات، فكيف يكونون قدوة للأولاد والبنات؟! بل كيف ترضين أن تكوني لأخبارهم من المتابعات؟! فإلى الله نشكو حال شبابنا وفتياتنا، بل حتى حال كثير من عجائزنا وشيبنا، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. وقال أبو بكر لـ عمر ﵄: هيا بنا نزور أم أيمن كما كان النبي ﷺ يزورها في حياته، فلما جاءها بكت، فقالا لها: يا أم أيمن! أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسوله؟ قالت: بلى أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكني أبكي لانقطاع الوحي من السماء). ونحن نقول يا أم أيمن: قد بكيت وإننا نلهو ونمجن دون معرفة الأدب لم تبصري وضع الحديث ولا الكذب لم تشهري بعض المعازف والطرب لم تشهدي شرب الخمور ولا الزنا لم تلحظي ما قد أتانا من عطب لم تشهدي فرق الضلالة والهوى لولا مماتك لرأيت من العجب لم تشهدي فعل العدو وصحبهم ها نحن نجثو من يهود على الركب واحر قلبي من تمزُّق أمتي أضحت أمورك أمتي مثل اللعب تالله ما عرف البكاء سراتنا ومع التباكي لا وشائج أو نسب

стр. 148

تضييع الأوقات في الأسواق والمنتديات عجباً لفتية وفتيات يتسكعون في الأسواق والمنتديات، ويقضون ساعات وساعات بين نظرات ومساومات، الكل لا يعرف ماذا يريد، ويظنون أن الحياة مظاهر ومغريات، قال ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ)، وقال ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك)، فالعمر فرصة لا تعوض، فإن كل يوم تشرق فيه الشمس ينادي ويقول: يا ابن آدم أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد، فاغتنمني، فإني إذا ذهبت لا أرجع أبداً. والأحوال العجيبة كثيرة، فأين نعمة العقل التي يعرف بها الإنسان ما يضره وما ينفعه؟!

стр. 149

تضييع الأوقات أمام القنوات الفضائية عجباً لأناس يقضون الساعات الطوال أمام الشاشات: ما بين فلم ومسلسل، وما بين أغنية وألحان، وزيادة على ما هم فيه من الضياع فإنهم متكاسلون عن فعل الطاعات وإقام الصلوات. فكم من الحسنات قد كسبوا في هذه الساعات؟ وماذا استفادوا مما شاهدوه وسمعوه؟ أليست الحقيقة أخية أنهم لم يحفظوا السمع والبصر والفؤاد عن الحرام؟ أما قال الله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]؟ أما قال الجبار سبحانه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]؟ أليس الرجال ينظرون إلى النساء المتبرجات، والنساء ينظرن إلى الرجال؟ والله يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال مخاطباً المؤمنات: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١]؟ فأين قول المؤمنين والمؤمنات: سمعنا وأطعنا؟ تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع وأليس هؤلاء قد زادوا من رصيد السيئات يوم أن ضيعوا الأعمار في هذه الساعات والملهيات والمحرمات؟ فأين العقول السليمة؟ ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].

стр. 150

تضييع الأوقات في القيل والقال والغيبة والنميمة وغير ذلك عجباً لفئة أخرى من النساء اللاتي يجتمعن عند فلانة وفلانة ومدار حديثهن: القيل والقال، والغيبة والنميمة، والزور والبهتان، أما قال ﷺ : (كل مجلس لا يذكر فيه اسم الله فهو حسرة وندامة على صاحبه يوم القيامة)؟ وشبه ﷺ أصحاب هذه المجالس كمن قام عن جيفة حمار، فكم من الجيف يجتمع عليها في كل ليل ونهار. وقال ﷺ من حديث أبي هريرة: (ما جلس قوم مجلساً فلم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة -يعني: نقص وحسرة-، وما من رجل مشى طريقاً فلم يذكر الله إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى إلى فراشة فلم يذكر الله إلا كان عليه ترة)، رواه أحمد. أيتها المؤمنة! قولي لي بالله العظيم: كم مجلس جلسناه نذكر فيه نعم الله علينا؟ والله يقول لنا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]. وكم من طريق مشيناه ونحن نتفكر فيه بآيات الله؟ والله سبحانه يقول: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١]؟ وكم ليلة بتناها ونحن نحاسب أنفسنا؟ والله يقول: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١]. قال بعض السلف: لقد عاشرنا أقواماً كانوا أشح بوقتهم منكم على دراهمكم. فلست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد

стр. 151

الوقت هو الحياة ورأس المال إن الوقت أخية هو الحياة وهو رأس المال، فإياك ثم إياك أن منه دقيقة واحدة في غير طاعة. أخية! لو رأيت إنساناً يحرق كل يوم مبلغاً زهيداً من المال فستقول عنه: إنه مجنون وسفيه، ولا بد أن يحجر عليه، لكن والله الذي لا إله إلا هو! إن الذي تضيع جزءاً من عمرها فيما لا ينفع هو أعظم سفهاً ممن يحرق المال؛ لأن المال يمكن أن يعوض، ولكن العمر إذا ذهب لا يعوض أبداً، وصدق الشاعر حين قال: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني أخية! إن المؤمن الصادق تعلم أنها في صراع دائم مع الوقت، وأن الساعة التي تمر عليها ولا تغتنم بفعل الطاعات، فإنها مغبونة عليها، قال ابن مسعود ﵁: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي. وقد كان جماعة من السلف يبادرون اللحظات، فنقل عن عمرو بن قيس أن رجلاً قال له: كلمني، فقال له: أمسك الشمس. ومعنى كلامه: أن عقارب الساعة تسير إلى الأمام دائماً وأبداً، وأنها لا تقف ولا ترجع أبداً إلى الوراء، فينبغي للمسلم أن تعرف شرف زمانها وقيمة وقتها، فلا تضيع منه لحظة في غير قربة إلى الله، وتحرص على تقديم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. قال ثابت البناني: ذهبت ألقن أبي ساعة الاحتضار، فقال: يا بني! دعني فإني في وِردي السادس. فانظر كيف كانوا في آخر اللحظات يحرصون على استغلال الأوقات بالطاعات. ودخل ناس على أحد السلف عند موته وهو يصلي فقال: دعوني فالآن تطوى صحيفتي.

стр. 152

المعنى الحقيقي للحياة قال سبحانه مبيناً حقيقة الحياة ومبيناً أيضاً طريق النجاة: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠]، فالخالق أخية يبين أن الحياة لا تعدو عن كونها خمسة أشياء: لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر، وتكاثر، من انشغلت بهذه الأشياء عن طاعة ربها كان له في يوم القيامة عذاب شديد، ومن سددت وقاربت كان لها يوم القيامة مغفرة من الله ورضوان. أقول: الذي بين الحقيقة لهذه الحياة هو أيضاً بين طريق النجاة، فقال سبحانه في الآية التي تليها: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، اللهم لا تحرمنا فضلك، فلما كانت الحياة سباقاً وجهاداً وتعباً ونصباً، فهم الأولون هذا المعنى، وساروا إلى الهدف.

стр. 153

نماذج وصور من أخبار المتسابقين إلى الطاعات قال عمر بن الخطاب ﵁: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، ووافق ذلك مني مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله، وأتى أبو بكر ﵁ بكل ماله، فقال له النبي ﷺ : يا أبا بكر! ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت-يعني عمر -: لا أسبقه إلى شيء أبداً). إنه الصديق وما أدراك ما الصديق، لما حانت الوفاة أوصى عمر وصية، فقال: (يا عمر! إن لله حقاً بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل). ما أعظمها من وصية لو فهمناها يا أخية.

стр. 154

من صور السباق: بر الوالدين قال محمد بن المنكدر: بت أغمز قدم أمي، وبات عمي يصلي ليلته، فما تسرني ليلته بليلتي. وقال الحسن البصري مؤكداً على هذا الكلام: ما يعدل بر الوالدين شيء من التطوع لا حج ولا جهاد. وكان حبيب بن طلق يقبل رأس أمه، ولا يمشي فوق ظهر بيت وهي تحته؛ إجلالاً وتعظيماً لها.

стр. 155

من صور السباق: صدقة السر، وقيام الليل قال عمر بن ثابت: لما مات علي بن الحسين ﵀ غسلوه فجعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقالوا: كان يحمل أكياس الدقيق ليلاً على ظهره، يعطيه فقراء المدينة، وفي رواية: إنه كان يسير بالليل ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب . إنه عمل وصدق وإخلاص. ولما حانت ساعة وفاة معاذ ﵁ قال: (اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك وأنا الآن أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لطول البقاء، ولا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لقيام الليل وصيام الهواجر ومجالسة العلماء). أخية! هم يبكون على فعل الطاعات وعلى قيام الليل، وصيام الهواجر، ونحن على ماذا نبكي؟! النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها لا دار المرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أما ليل أهل السباق فليل عجيب، قال الله عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] وقال عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]. قال الفضيل بن عياض ﵀: إن لم تستطع قيام الليل وقيام النهار، فاعلم أنك محروم، ثم قال: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة، إنما هو على الجنب، فإذا تحرك قال: ليس هذا لك، قومي أيتها النفس خذي حظك من الآخرة. هكذا كان ليلهم، فكيف هو ليلنا يا أَمَةَ الله؟ أترك الجواب لكِ.

стр. 156

نماذج وصور من أخبار المتسابقات إلى الطاعات إن التسابق في الخير ليس من نصيب الرجال فقط، فقد ضربت النساء فيه أروع الأمثلة، فهذه عائشة أنفقت ثمانين ألف دينار في يوم واحد في سبيل الله، ولم تبق ديناراً واحداً لإفطارها وكانت صائمة. وذهبت أخت بشر الحافي إلى الإمام أحمد فقالت: يا إمام إني ربما ينطفئ السراج وأنا أغزل على ضوء القمر فهل عليّ عند البيع أن أميز هذا من هذا؟ فقال: إن كان بينهما فرق فميزي للمشتري. فسبحان الله! تخاف أن تغش وتأكل الحرام، فأين النساء اللاتي لا يبالين في أين يأكلن أمن حلال أم من حرام. وهذه زوجة الحطاب كانت تقول لزوجها كل يوم عندما يريد الخروج: اتق الله فينا وفي الكسب الحلال، فإننا نصبر على الجوع ولكننا لا نقوى على النار. وأما سباق الأمهات ففيه العجب العجاب، فاسمعي يا أم المستقبل! قال أبو بكر القرشي: حدثنا الحارث بن محمد التميمي قال: حدثنا علي بن محمد القرشي عن جويرية بن أسماء أن إخوة ثلاثة من بني قطيعة شهدوا يوم تستر فاستشهدوا، فخرجت أمهم يوماً إلى السوق لبعض شأنها، فتلقاها رجل قد حضر أمر تستر فعرفته فسألته عن بنيها، فقال: لقد استشهدوا، فقالت مستفسرة: أمقبلين أم مدبرين؟ فقال لها: مقبلين، فقالت: الحمد لله نالوا الفوز، وحاطوا الذمار، اللهم تقبلهم مني واجعلهم شفعاء لي عندك يوم القيامة. هل رأيت وسمعت يا أم المستقبل كيف يدفعن بأبنائهن إلى أرض الجهاد والقتال، ونحن لا ندفعهم إلى المساجد والصلوات، فهذا هو الفرق بيننا وبينهم. واسمعي أخية! عن هذه المتسابقة الصغيرة، فقد ذهبت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵂ وهي ابنة خمس سنين في حاجة عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وكان ثوبها يجر وراءها شبراً أو يزيد، فأراد عمر ﵁ أن يمازحها، فرفع ثوبها حتى بدت قدماها، فقالت له: أما إنك لو لم تكن أمير المؤمنين لضربت وجهك. تتكلم بهذا وهي بنت الخامسة فالله أكبر، ولله درها، رحمك الله يا أم كلثوم! أين أنت من بنات ونساء المسلمين اليوم؟! وكيف لو رأيت كاشفات الوجوه؟! وكيف لو رأيت من يظهرن السيقان؟! وكيف لو رأيت المتعطرات والمتبرجات؟! كيف لو رأيت الخرّاجات والولاجات؟! وكيف لو سمعت عن أخبار البنين والبنات؟! وكيف لو سمعت عن الاختلاط واللقاءات؟! وكيف لو سمعت عن أحاديث الطرق والمباريات حتى ممن تعدّ من الصالحات؟!

стр. 157

سباق العابدات قال أبو عياش: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة، وكان لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما سمع وتعجب من عبادتها على صغر سنها، فبينا الحسن ذات يوم جالس إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت، فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: ما يبكيك يا صغيرتي؟ قالت له: يا أبا سعيد! التراب يحثى على شبابي ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد! انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبراً واسعاً، وكفنها بكفن حسن، والله يا أبا سعيد! لو كنت أجهز إلى مكة لطال بكائي، فكيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور ووحشتها، وبيت الظلمة والدود. فارقت موضع مرقدي يوماً ففارقني السكون القبر أول ليلة بالله قل لي ما يكون

стр. 158

خصائص الوقت حتى نعلم أخية قيمة الوقت فلا بد أن نعرف بعضاً من خصائص الوقت، فمن خصائص الوقت أنه سريع الانقضاء، فما إن يبدأ اليوم حتى نجد أنفسنا في نهايته، فاسألي نفسك يا ابنة العشرين والثلاثين، واسأل نفسك يا ابن الأربعين والستين: كيف مرت هذه السنون، وكيف انطوت هذه الليالي والأيام. فقد سئل نبي الله نوح ﵇ -وقد عاش أكثر من ألف سنة- كيف مر بك العمر؟ فقال: كأني دخلت من باب وخرجت من الباب الآخر. ومن خصائص الوقت: أنه أغلى من الذهب والفضة؛ وذلك لأن الذهب والفضة يعوضان، ولكن العمر لا يعوض أبداً. ومن خصائص الوقت أيضاً: أنه إذا ذهب فإنه لا يعود أبداً، فهل تستطيعين إرجاع ساعة من العمر الذي مضى، أو دقيقة، أو ثانية؟ الجواب لا أحد يستطيع ذلك. وانظري أخية إلى عقارب الساعة، هل تسير إلى الخلف أم إلى الأمام؟ وهل تستطيعين أن توقفي الشمس عن الشروق، أو توقفيها عن الغروب؟ لا أحد يستطيع ذلك. فقل لنفسك وحاسبها: ويحك يا نفس احرصي على ارتياد المخلص وطاوعي وأخلصي واستمعي النصح وعي واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى واخشي مفاجأة القضا وحاذري أن تخدعي وانتهجي سبل الهدى وادكري وشك الردى وأن مثواك غدا في قعر لحد بلقع آهاً له بيت البلى والمنزل القفر الخلى ومورد السفر الألى واللاحق المتبع بيت يرى من أودعه قد ضمه واستودعه بعد الفضاء والسعة قيد ثلاث أذرع لا فرق أن يحله داهية أو أبله أو معسر أو من له ملك كملك تبع إلامَ تشكو وتني ومعظم العمر فني فيما يضر المقتني ولست بالمرتدع فالعمر يمضي ولا تتوقف الأيام والليالي، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والجاهل من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

стр. 159

الختام مر سفيان الثوري على جنازة، وكان معه صاحب من أصحابه، فقال له سفيان: كم مضى لك؟ يعني: كم راح من العمر، قال: ستون، قال: ستون سنة وأنت تسير إلى الله أوشكت أن تصل، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال سفيان: تعرف معناها؟ قال: معناها: أنا لله عبد وأنه إليه راجع، فقال سفيان: من علم أنه لله عبداً فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول فماذا أعد للجواب؟ قال الرجل: وما الحيلة، قال سفيان: بسيطة، تصلح ما بقى، يغفر لك ما مضى وما بقى، وإلا تؤخذ بما مضى وبما بقى. إذاً: فالحيلة إذاً بسيطة أن تصلح ما بقى، يغفر لك ما مضى وما بقى، وإلا تؤخذي بما مضى وبما بقى، ما أجمل كلام الله إذا تدبرته القلوب. نختم بهذه الآيات الكريمات التي ذكر الله فيها الحكمة من تعاقب الليل والنهار، ثم ذكر سبحانه صفات عباد الرحمن من الذكور والإناث، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا * وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:٦١ - ٧٧]. اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين. اللهم اجعل خير عمرنا آخره، وخير عملنا خواتيمه، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم احفظ نساءنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم خص منهن الحاضرات، واجعلهن تقيات نقيات، اللهم اشرح صدورهن، ويسر أمورهن، واغفر ذنبهن، واستر عيبهن، وأصلح شأنهن يا أرحم الراحمين! اللهم من أرادنا وديننا ونساءنا بسوء فاجعل تدبيره في تدميره، وكيده في نحره، وأشغله في نفسه يا قوي يا عزيز! اللهم أصلح ولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين، واجمع شمل المسلمين، ووحد صفهم، وأعلِ شأنهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وانصرنا يا قوي يا عزيز! على القوم الكافرين. أستغفر الله العظيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 160

اعملي وأبشري أولى الله للوقت أهمية عظيمة، وأكد عليها في آيات كثيرة من كتابه العزيز، وأفضل ما يمكن أن يُستغل به هذا الوقت هو ممارسة الأعمال الصالحة، فهي الترجمة الفعلية الحقيقية للإيمان الصادق؛ ولهذا كثيراً ما قُرنت بالإيمان في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز. ولهذه الأعمال الطيبة ثمار قد يجني صاحبها بعضها في الدنيا وذلك من تفريج للهموم، وحفظ للمال والأهل والولد. وبعضها قد يجد الإنسان ثمرتها في الآخرة وأعظمها أنها من أفضل الطرق الموصلة إلى جنة النعيم.

стр. 161

أفضل عمارة للأوقات تكون بالأعمال الصالحات الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، وقيوم السماوات والأرضين، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأثني عليه الخير كله. هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، يعطي ويمنع، يخفض ويرفع، يعز ويذل، يحيي ويميت، لا راد لفضله، ولا معقب لحكمه، وهو أسرع الحاسبين، وأحكم الحاكمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضد له، ولا ند له، ولا مثيل له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه أجمعين. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من استن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: أختي المؤمنة! حياك الله وبياك، وسدد على طريق الحق خطاك، وأسأله سبحانه أن يجمعنا وإياكن في دار كرامته ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. تكلمنا فيما مضى عن الوقت وأهميته، وأن الوقت هو العمر، وأن العمر هو أخو المال، وأنه أغلى من الذهب ومن الفضة، وإذا مضى فإنه لا يرجع أبداً، والفَطِنة الذكية هي التي تعرف قيمة الوقت، وتستغل أوقاتها في مرضاة ربها، وذلك بمجاهدة النفس على فعل الطاعات، وبمجاهدة النفس على ترك المحرمات، قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، فإن خير ما تصرف فيه الأوقات هي الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها من ذكر، وصلاة، وقيام، وقراءة قرآن، ومن أمر بمعروف ونهي عن منكر، وصلة أرحام، والمجال لذكر الأعمال الصالحة يضيق؛ لكثرة هذه الأعمال، فالمجال مفتوح لمن أراد أن يتقدم أو يتأخر. فحث الله ﵎ عباده على المسارعة والمسابقة فيما ينالون به مرضاته وجنته، فقال عز من قائل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال في موضع آخر: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، وامتدح أنبياءه وعباده الصالحين فقال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، فمن صفات المؤمن والمؤمنة أنهم يسارعون ولا يتأخرون، فالحياة مضمار سباق وتنافس كما قال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، ولقد حثنا نبي الهدى والرحمة على اغتنام العمر ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر). فالحياة مجال واسع لفعل الطاعات وترك المنكرات، ولا شك أن من يعمل عملاً ينتظر ثمار هذا العمل، فالأجير ينتظر أجرته، والله أعظم معطي وأعظم مسئول، قال الله: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]، وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، فالله لا يضيع أجر العاملين والعاملات.

стр. 162

العمل الصالح ترجمة للإيمان الصادق لم يذكر الله ﵎ الإيمان في كتابه إلا وذكر العمل الصالح قريناً له؛ لأن الإيمان بلا عمل كشجرة بلا ثمر، ولأن الأعمال الصالحات هي الترجمة الحقيقية لهذا الإيمان، فلا إيمان إلا بالعمل، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧] في مواضع كثيرة، وقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. فالعمل الصالح هو الترجمة الحقيقية لهذا الإيمان، ويعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان: هو ما وقر في القلب، وعملت به الجوارح والأركان، وأنه يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان، فالإيمان ساعة وساعة، فساعة في قوة وازدياد، وساعة في نزول ونقصان، والمفترض أن نحافظ على الإيمان، ونعمل على تقويته ولا نغفل عن تعاهد قلوبنا من حين إلى حين؛ لأن مدار صلاح الأعمال على صلاح القلوب.

стр. 163

ثمار العمل الصالح

стр. 164

محبة الله وملائكته إن ثمار العمل الصالح كثيرة، وسنذكر بعضاً منها، ومن أعظم هذه الثمار: أن العمل الصالح سبب لحب الله للعبد، قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، من صفاتهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤]. فمن أعظم ثمرات العمل الصالح أنه سبب لحب الله لهذا العبد، فقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)، وكفى بحب الله شرفاً! والله! إن القلب ليطير فرحاً إذا قيل له: إن فلاناً أو فلانة من الناس يحبك أو يذكرك بالخير، فكيف إذا أحبك الله، وهو الملك الواحد الأحد الذي ما تقرب إليه عبد إلا تقرب إليه، وأقبل عليه برحمته وعفوه وكرمه، فكان مع العبد في سرائه وفي ضرائه، ومن كان الله معه فقد فاز وأفلح. يا من يحار الفهم في قدرته وتطلب النفس حمى طاعته تخفى عن الناس سما طلعته وكلما في الكون من صنعته الله أكبر إن الغني يحب الفقراء، والقوي يحب الضعفاء، والعزيز يحب الأذلاء، فما أعظمها من منزلة ومكانة! ولا ينالها إلا من جاهد وصبر. ومن ثمار العمل الصالح: حب الله والملائكة، قال جل من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، قال أهل التفسير: يعني: حباً وقبولاً بقدرة الله. وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل وقال له: إني أحب فلاناً فأحببه، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)، ذكراً كان أم أنثى فكم من الفضل العظيم عند التقرب من الرحمن الرحيم! ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً والله! مهما تبذل الأمة ويبذل العبد لكسب محبة الناس فلا يستطيعون ذلك، ومن ابتغى رضا الله في سخط الناس، ﵁ وأرضى الناس عنه، ومن ابتغى رضا الناس في سَخْط الله سَخِطَ الله عليه وأسخط الناس عليه، فبحب الله تحصل على خير الدنيا وخير الآخرة.

стр. 165

السعادة في الدنيا والآخرة ومنْ ثمار العمل الصالح: أنه سبب للسعادة التي ضل عنها كثير من الناس، فبحثوا عنها في غير أماكنها، فكم من باحث وباحثة عنها في المال، وأخرى في العمل والوظيفة، وأخرى في الجاه والسلطان، لكن اسمعي ماذا يقول الله ﵎: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] أي: حياة فيها سعادتك وانشراح صدرك، يقول الشاعر: ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد فهنيئاً لأولئك النساء اللاتي شغلن الأوقات بالعمل الصالح. إن الحياة مصائب وآلام، ونعيم وفرح، ولا تدوم على حال واحد، لكن الأمة المؤمنة المصابرة المجاهدة على فعل أوامر ربها، والتاركة لما نهاها الله لا تتأثر بمصائب الدنيا إذا وقعت، ولا تفرح بالدنيا إذا أقبلت؛ لأنها ترى إلى أبعد من هذا، ترى أن ﴿َمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦]، واسمعي ماذا قال الله عن أهل الصلاة قال سبحانه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:١٩ - ٢١]، ثم استثنى الله أهل الصلاة فقال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٢ - ٢٣]، ثم تتابعت الآيات وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:٣٤]، فأهل الصلوات إناثاً كانوا أم ذكوراً لا يفرحون بالدنيا إذا أقبلت، ولا يحزنون عليها إذا أدبرت؛ لأنهم على يقين أن الحياة دقائق وثوانٍ.

стр. 166

تفريج الهموم وكشف الغموم من ثمرات العمل الصالح: أنه سبب لتفريج الهموم، وكشف الغموم والكربات، وأنه سبب لقضاء الحاجات، وإجابة الدعوات. قال سبحانه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤]. وقال سبحانه عن ذي النون: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨]. وقال سبحانه عن زكريا: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠]، ثم اسمعي ماذا قال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]؛ لأنهم كانوا من المسارعين في الخيرات، ولأنهم من الذين تقربوا إلى الله بالأعمال الصالحات، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وفرج همومهم، وقضى حوائجهم: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨]، والله يستجيب لكل من سار ولكل من سارت على نفس الطريق، فقد جاء في الحديث عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم)، والشاهد من الحديث: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. أخية! تخيلي الموقف: كهف وظلمة، لا ماء ولا طعام ولا هواء، وقد انقطعت بهم السبل، وأغلقت عليهم الأبواب ولم يبق إلا باب واحد وهو باب السماء، الباب الذي لا يغلق أبداً، فتشاوروا فيما بينهم، وقالوا: (إنه لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فدعا الأول ببره لوالديه)، واسمعي فضل بر الوالدين (فقال: اللهم! إنه كان لي أبوان شيخان كبيران لا أقدم عليهما مالاً ولا ولداً، وكنت إذا غبق -يعني: أحضرت- الحليب واللبن لا أسقي قبلهما أحداً، ولا أقدم عليهما أحداً، وأخرني طلب الحطب يوماً فجئت فإذا بالشيخين نائمين، فوقفت على رأسيهما وصغاري من حولي يتضاغون من الجوع حتى طلع الفجر فسقيتهما، ثم دعا وقال: اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه)، فانظري يا رعاك الله! إلى الإخلاص، وإلى دعاء الله، والتوسل إليه بالعمل الصالح، فالتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة من التوسل المشروع، (فقال: اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً قليلاً لا يستطيعون معه الخروج، ثم قال الثاني: وأما أنا فكانت لي ابنة عم أحب ما تكون المرأة إلى الرجل، فراودتها عن نفسها) يعني: طلبها بالحرام (فامتنعت حتى ألمت بها ضائقة، وجاءت تطلب حاجتها، فقلت لها: لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك، فرضخت مرغمة محتاجة، فأعطيتها مائة وعشرين ديناراً من الذهب، فلما جلست منها كما يجلس الرجل من المرأة قالت لي كلمة) اسمعي ما قالت (قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه)، الله أكبر إنها كلمة عظيمة لو وصلت إلى القلوب (قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، يقول: فقمت عنها -وهي أحب ما تكون المرأة إلى الرجل- ثم دعا الله وتضرع فقال: اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه)، فترك الفاحشة عندما ذكر بالله وخوف بالله، وعندما قيل له: اتق الله! فكم يقال لنا في هذا الزمان: اتقوا الله ولا تفعلوا كذا؟! ولا تقولوا كذا؟! وقليل هم الذين يستجيبون لأمر تقوى الله ﵎، بل البعض قد يغضب إذا قيل له: اتق الله، أما قال الله لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]، وخاطب الله عباده فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]، (قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه يقول: فقمت عنها وهي أحب ما تكون المرأة إلى الرجل، ثم قال: اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً قليلاً لا نستطيع معه الخروج، ثم دعا الثالث وقال: وأما أنا فكان لي أجراء يعملون عندي بأجر، حتى إذا انتهوا من عملهم أعطيت كل واحد منهم أجرته إلا واحداً ترك أجرته ومضى، فاستكثرت هذه الأجرة ونميتها حتى أصبحت خيراً كثيراً، فجاءني بعد حين يطلب أجرته، قلت له: ترى ما في هذا الوادي من دواب -من إبل، ومن بقر، ومن عبيد- هي كلها لك، قال: أتسخر مني؟ قلت: لا، هي كلها لك، فساقها ولم يترك منها شيئاً، ثم دعا وقال: اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون)، وكان هذا جزاء العمل الصالح، وليس أي عمل صالح وإنما العمل الصالح الذي اقترن بالصدق والإخلاص مثل: بر الوالدين، وما أدراك ما بر الوالدين، فكم يشتكي الآباء والأمهات من عقوق الأبناء والبنات؟ وكم يشتكون من التطاول ورفع الأصوات عليهم، ويشتكون من قلة أدب الأولاد والبنات، فأين بر الوالدين في هذا الزمان؟ بل من هو الذي سيدعو الله ببره لوالديه؛ حتى يفرج الله همه، ويجيب دعوته؟! وأما الفاحشة وتركها فحدث ولا حرج، فشباب المسلمين الآن يقطعون المسافات، والأراضي الشاسعات؛ حتى يعاقروا الفاجرات والمومسات، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما الأُجراء فكم يشتكي الخدم والخادمات من تضييع الحقوق، ومن تضييع الواجبات. فالأول: دعا ببره بوالديه، والثاني: بتركه للفاحشة، والثالث: بإعطاء الأجير أجره، قد تظنين أنها أعمال بسيطة، لكن الأعمال البسيطة إذا اقترنت بالصدق والإخلاص كانت كبيرة عند الله الذي قال: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]، فالعمل الصالح سبب لتفريج الهموم وكشف الغموم. يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخيرٍ فإن الفارج الله إذا بليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ما لامرئ حيلة فيما قضى الله اليأس يقطع أحياناً بصاحبه لا تيأسن فإن الصانع الله ومن داوم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه الله من حيث لا يحتسب.

стр. 167

حفظ الأهل والمال من ثمار العمل الصالح أخية! أنه سبب في حفظ الأهل والمال والعيال، قال سبحانه في سورة الكهف، وهي السورة العظيمة التي يقرؤها كثير من الناس يوم الجمعة، ولكن القليل هم الذين يفهمون لماذا أُمرنا بقراءة هذه السورة العظيمة؟ فهي من أعظم سور القرآن؛ لذلك أمرنا بقراءتها من الجمعة إلى الجمعة، إنها سورة تصحح مفاهيم الناس، ومعتقداتهم، ونظرتهم إلى الحياة الدنيا وزينتها، قال الله في أوائل السورة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٧ - ٨]، ثم قال في آية: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦]، تذكرنا بوضع الحساب، وبالوقوف بين يدي الله ﵎، وتذكرنا هذه السورة العظيمة أنه مهما طالت الحياة فلابد من النهاية، ولابد من أن تجزى كل نفس بما كسبت، فيجازى المسلم على إحسانه، والمسيء على إساءته. قال سبحانه بين سطور السورة: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢]، والشاهد من الآية قوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢]، فبصلاح الأب حفظ الأبناء، وقد علمنا نبينا ﷺ هذا المفهوم العظيم يوم أن قال لـ ابن عباس وهو غلام: (احفظ الله يحفظك) أي: احفظ الله بفعل أوامره والمحافظة عليها، واحفظ الله بترك نواهيه، واحفظ الله بالمحافظة على العمل الصالح، والنتيجة: حفظ الله لك في دينك ودنياك وأهلك ومالك، فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين. ولا شك أنك تحبين الأبناء والبنات أماً كنت أم بنية، فأما الأم فتعرف هذا الشعور، وأما البنية فستعرفه إن شاء الله يوم أن يرزقها الله بالزوج الصالح، ويرزقها الله بالأبناء عندها ستعلم قيمة الأولاد، ولا يمكن أن نعرف قيمة الشيء حتى نجربه. وقد كنت في أحد المستشفيات فأحضر أب ابنه الصغير لإصابة في قدمه، فكانت الممرضة تريد تنظيف وتطهير الجرح، وكان الغلام كلما وضعت يدها على الجرح اشتكى، والأب يقول لها: اتقي الله في الغلام، وأنا لم أرها قد فعلت شيئاً، ثم تعاود الكرة، ويبكي الصغير والأب يتقطع ألماً أمامي، فقلت له: يا أخي! هي لا تستطيع أن تطهر الجرح حتى تلمسه، وحتى تضغط عليه قليلاً، قال: والله إنه كلما قال: آه وجدت أثرها في قلبي، قلت: سبحان الله! كم الأبناء والبنات غالون، فإذا كنت تريدين لهم الحب، وتريدين لهم الأمن والأمان فاحفظي الله، وعلميهم حب الله وحب رسوله؛ لأن الله خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

стр. 168

العمل الصالح أنيس لصاحبه في قبره ومن ثمار العمل الصالح: أنه يكون رفيقاً لصاحبه في القبر، بل لنعيم القبر، جاء في الحديث عن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله). وفي حديث أبي هريرة أيضاً عن النبي ﷺ : (أن الميت إذا وضع في قبره إن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات -من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس- عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن شماله فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من عند رجليه فيقول فعل الخيرات: ما قبلي مدخل) أو كما جاء في الحديث، (ثم يتمثل له عمله الصالح في قبره فيأتيه رجل طيب الريح، جميل الوجه، فيقول له العبد: من أنت فوجهك والله! الذي لا يأتي إلا بالخير؟! فيقول له: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، أنا عملك الصالح)، فيكون العمل الصالح أنيساً لصاحبه في قبره، (فيفتح للعبد نافذة من الجنة فيأتيه من روحها وريحانها، ويوسع له في قبره مد البصر، ويكسى حلة من الجنة، ويطرح له فراشاً من الجنة، فينادي بأعلى صوت: رب! أقم الساعة، رب! أقم الساعة) حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وأما العبد المضيع والأمة المضيعة: (فيأتيه رجل قبيح الوجه، نتن الرائحة، فيقول العبد أو الأمة: من أنت؟ فوجهك والله! الذي لا يأتي بالخير، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، وأنا عملك السيئ، فيفتح له نافذة من النار فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه، ويفرش له فراش من النار، ويكسى حلة من النار، فيصيح بأعلى صوته، أو تصيح بأعلى صوتها: رب! لا تقم الساعة، رب! لا تقم الساعة). يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل

стр. 169

الفلاح والنجاح في الآخرة من ثمار العمل الصالح أخية! أنه سبب للفلاح والنجاح، وهو أعظم سبب لدخول الجنة بعد توحيد الله جل وعلا، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨]، وقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]. يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن كيف تصبر الخطاب عنك وهم ذوو إيمان يا سلعة الرحمن سوقك كاسد ولقد عرضت بأبخس الأثمان يا سلعة الرحمن لولا أنها حجبت بكل مكاره الإنسان لما كان عنها قط من متخلف وتعطلت دار الجزاء الثاني ولكنها حفت بكل كريهة ليصد عنها المبطل المتواني وتنالها الهمم التي تسمو إلى رب العلى بمشيئة الرحمن فالدنيا مزرعة للآخرة: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل:٢٠]، والعمر فرصة، ونكرر هذا دائماً، فلابد من اغتنام الأعمار، فقد قال الله في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيها لكم يوم القيامة، فمن وجد فيها خيراً فليحمد الله، ومن وجد دون ذلك فلا يلومن إلا نفسه). إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا اتخذوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا إن مجالات الأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]، فهذه صفات المؤمنين والمؤمنات الذين يريدون ما عند الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]، فالتجارة مع الله تجارة رابحة، والتجارة الرابحة تكون في أن الله يضاعف لعباده الأجر بالعشرات، فالحسنة بعشر أمثالها، ويزيد الله ويضاعف لمن يشاء. أخية: إنا سنعرف قيمة العمل الصالح وقيمة العمر في ساعات الاحتضار، وهي لا شك ساعة يؤمن فيها الكافر، ويقر فيها الفاجر. قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. ومر الحسن البصري مع رجل معه على جنازة فقال الحسن لصاحبه: أترى هذا الرجل إذا رجع للحياة يعمل صالحاً؟ قال: نعم، قال: فكن أنت ذلك الرجل، وكوني أنت كذلك فأنت الآن في زمن الإمكان، وأنت الآن في أيام مباركة، والعمر فرصة، والفرص قد لا تتكرر، فكوني ممن يعرفن لله حقه، وكوني من اللائي يعرفن للوقت قيمته، ويعرفن للمناسبات قيمتها وأنها قد لا تتكرر. وأختم الكلام بكلمات قالها النبي ﷺ في إحدى خطبه حيث قال: (أيها الناس! إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليتزود العبد لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشباب قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده! ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار). فاستعيني بالله على فعل الطاعات، واستعيني بالله على ترك المنكرات. وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقكن لفعل ما فيه مرضاته سبحانه، وأن يوفقكن لترك ما فيه سخطه سبحانه. اللهم! اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم! اغفر لوالدينا، ووالد والدينا، ولكل من له حق علينا. اللهم! احفظنا في ديننا ودنيانا، وأهلنا وأموالنا. اللهم! استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. أستغفر الله العظيم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 170

اقتربت الساعة يجب على العبد المسلم الإيمان بيوم القيامة وما يحصل فيه من أحداث ومواقف، كما يجب عليه أن يستعد لذلك اليوم بالإيمان والعمل الصالح، ويجب عليه أيضاً أن يبتعد عن الذنوب والمعاصي؛ فإنها سبب هلاك العبد في ذلك اليوم.

стр. 171

حقيقة الحياة الدنيا إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٨٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! الشيء الذي لا بد ألا ننساه هو أننا في هذه الدنيا ضيوف، وأننا نعيش في هذه الحياة من أجل الاستعداد للحياة الباقية، فلا بد أن نعرف ونعي أن العمر مهما طال فهو قصير، وأن هذه الحياة مهما عظمت فهي حقيرة عند الله، فهي تساوي عند الله جناح بعوضة. فلا بد أن نعرف -عباد الله- أن بعد هذه الحياة موتاً، كما قال الله جل في علاه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِِ﴾ [آل عمران:١٨٥].

стр. 172

وجوب الإيمان بالبعث بعد الموت عباد الله! لا بد أن نعرف أن بعد الموت قبراً، كما قال الله جل في علاه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]. ولا بد أن نعرف ونعي أن بعد القبر بعثاً، وهو إحياء الموتى يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم، كما قال سبحانه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. فإذا علمنا هذا كله فالمطلوب من الجميع هو ما ذكره الله جل في علاه بقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٨ - ٩]، فاستعدوا عباد الله! واحرصوا على الخواتيم؛ لأن النبي ﷺ قال: (يبعث كل عبد على ما مات عليه). فعن أبي رزين العقيلي قال: (قلت: يا رسول الله! كيف يعيد الله الخلق؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: أما مررت بوادي قومك جدباً، ثم مررت به يهتز خضراً؟ قلت: نعم. قال: فتلك آية الله في خلقه)، حديث صحيح؛ وهو موافق لنص التنزيل، قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧].

стр. 173

بعض صور إحياء الموتى في القرآن الكريم عباد الله! لقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، وفي سورة البقرة وحدها ذكر الله خمسة أمثلة على ذلك: المثال الأول: ما حكاه الله عن قوم موسى ﵊ حين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [* ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦]، فأحياهم الله بعد أن أخذتهم الصاعقة. المثال الثاني: في قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل زمن موسى ﵊، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها؛ ليخبرهم بمن قتله، ففعلوا فأحياه الله، وأخبرهم بمن قتله، قال الله جل في علاه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٢ - ٧٣]. المثال الثالث: في قصة القوم الذين قال الله عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٢٤٣]، قال وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي عن المنهال بن عمرو الأسدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ترجمان القرآن في قوله ﵎: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ)) قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون، قالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا ((فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا))، فلما كان بعد دهر مر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم، فأمره الله تعالى أن يقول: أيتها العظام البالية! إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وعصباً وجلداً، فكان ذلك يحدث وهو يشاهد، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح! إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياءً ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، فأحياهم وهم يقولون: لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين. فكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، لهذا قال سبحانه: ((إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ)) أي: لذو فضل على الناس فيما يريهم من الآيات الباهرة، والحجج القاطعة، والدلالات الدامغة، وقوله: ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ)) أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم، وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء القوم خرجوا فراراً من الوباء طلباً لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعاً في آنٍ واحد. المثال الرابع لإحياء الموتى: قصة الذي مر على قرية ميتة فاستبعد أن يحييها الله، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال جل في علاه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]، واختلف المفسرون في هذا الذي مر، فقال علي: هو عزير، وهذا هو المشهور، وقيل: هو الخضر، وقيل: هو رجل من أهل الشام اسمه: حزقيل بن بوار، وقال مجاهد: هو رجل من بني إسرائيل. وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها. وأما المثال الخامس: في قصة إبراهيم الخليل ﵊ حين سأل الله أن يريه كيف يحيى الموتى، قال : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]. فهذه خمس صور في كتاب الله في سورة البقرة أخبرنا فيها المولى كيف يحيي الموتى.

стр. 174

وجوب الإيمان بيوم القيامة وما يقع فيه من أحداث إذا علمنا أن هناك بعثاً فاعلم -رعاك الله- أن هناك حشراً، وهو جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم، والقضاء بينهم، وسمي الله ذلك اليوم بيوم الجمع، قال جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣]، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]، فلا إله إلا الله ما أشد يوماً مثل هذا! فتأمل في قدرة الله التي تحيط بالعباد، فالله لا يعجزه شيء، وحيث هلك العباد فإن الله قادر على الإتيان بهم، فإن هلكوا في أجواء الفضاء، أو غاروا في أعماق الأرض، أو أكلتهم الطيور الجارحة، أو افترستهم الحيوانات المفترسة، أو ابتلعتهم الحيتان في البحار، أو غيبوا في قبورهم في الأرض، فإن الله قادر على بعثهم، قال سبحانه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. وكما أن قدرة الله محيطة بعباده فيأتي بهم حيثما كانوا فكذلك علمه محيط بهم، فلا يتخلف منهم أحد ولا يضل منهم أحد، ولا يشذ منهم أحد، لقد أحصاهم خالقهم ﵎ وعدهم عداً، قال جل في علاه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]، وقال سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧]. وأما القصد من الجمع فهو العرض والحساب، قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١]، وقال جل في علاه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦]، وقال جل في علاه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكننا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء عباد الله! إنه العرض والحساب، قال : ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم:٥١]. عباد الله! أخبرنا ربنا جل وعلا عن مشهد الحساب والجزاء في يوم الحساب فقال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر:٦٩]، فحسبك عبد الله! أن تعلم أن القاضي والمحاسب في ذلك اليوم هو الحكم العدل قيوم السماوات والأرض؛ ليتبين لك عظم هذا المشهد وجلالته ومهابته، ولعل هذا الإشراق المذكور في الآية إنما يكون عند مجيء الملك الجليل للقضاء بين العباد، قال سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢١ - ٢٩]، ومجيء الله الله أعلم بكيفيته، وعلينا أن نؤمن به، ونعلم أنه حق ولا نؤوله ولا نحرفه ولا نكذب به. والآية تنص أيضاً على مجيء الملائكة، فهو موقف جليل تحضره ملائكة الرحمن ومعها كتب الأعمال التي أحصت على الخلق أعمالهم، وتصرفاتهم وأقوالهم؛ ليكون ذلك حجة على العباد، وهو كتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها، قال سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. ويجاء في موقف القضاء والحساب بالرسل، ويسئلون عن الأمانة التي حملهم الله إياها وهي إبلاغ الوحي إلى من أرسلوا إليهم، فيشهدون على أقوامهم وما عملوه معهم، ويقوم الأشهاد في ذلك اليوم العظيم فيشهدون على الخلائق بما كان منهم، والأشهاد هم الملائكة الذين كانوا يسجلون على المرء أعماله، ويشهد أيضاً الأنبياء والعلماء، كما تشهد على العباد الأرض والسماء والأيام والليالي، كما في قول الجبار جل في علاه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٥]. والله! إنه لحساب شديد ذلك الذي سيحاسب فيه الإنسان بالذرة، عباد الله! يؤتى بالعباد وقد عقد الحق ﵎ محكمته العظيمة لمحاكمتهم ويقامون صفوفاً للعرض عليه، ويؤتى بالمجرمين منهم وهم الذين كذبوا الرسل، وتمردوا على ربهم، واستعلوا في الأرض بغير الحق، يؤتى بهم مقرنين في الأصفاد، مسربلين بالقطران، كما قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٤٩ - ٥٠]. ولشدة الهول تجثو الأمم على الركب عندما يدعى الناس للحساب لعظم ما يشاهدون وما هم فيه واقعون، قال سبحانه: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨ - ٢٩].

стр. 175

معنى الحساب يوم القيامة مشهد جليل عظيم نسأل الله أن ينجينا فيه بفضله ومنه وكرمه، فما معنى الحساب عباد الله؟! معنى الحساب: أن يُوقف الحق ﵎ عباده بين يديه، ويعرفهم بأعمالهم التي عملوها، وأقوالهم التي قالوها، وما كانوا عليه في الدنيا من إيمان وكفر، واستقامة وانحراف، وطاعة وعصيان، وما يستحقونه على ما قدموه من إثابة وعقوبة، ثم يُعطون الكتب إما بالأيمان إن كانوا صالحين، وإما بالشمال إن كانوا طالحين، ويشمل الحساب ما يقوله الجبار لعباده وما يقولونه له، وما يقيمه عليهم من حجج وبراهين، وشهادة الشهود، ووزن الأعمال. وأما نوع الحساب عباد الله! فعسير ويسير، ومنه حساب التكريم والتوبيخ، ومنه الفضل والصفح والعفو، والذي يتولى ذلك كله هو أكرم الأكرمين وأسرع الحاسبين، وقيوم السماوات والأراضين. وشعار محكمة ذلك اليوم: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فهو العدل سبحانه ولو عذب عباده جميعاً لم يكن ظالماً لهم؛ لأنهم عبيده وملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء. أيا من ليس لي منه مجير بعفوك من عذابك أستجير أنا العبد المقر بكل ذنب وأنت الواحد المولى الغفور إن عذبتني فبسوء فعلي وإن تغفر فأنت به جدير أفر إليك منك وأين إلا إليك يفر منك المستجير ولكن الحق ﵎ يحاسبهم محاسبة عادلة تليق بمحكمته وعدله وعظمته وجلاله، وقد بين لنا سبحانه في كثير من النصوص جملة من القواعد التي تقوم عليها المحاكمة، فمنها: العدل التام الذي لا يشوبه الظلم، قال : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧]. ومن قواعد تلك المحكمة: أن الله لا يؤاخذ أحداً بجريرة أحد، قال سبحانه: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]. ومن تلك القواعد أيضاً: إطلاع العباد على ما قدموه من أعمال، قال : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. ومن قواعد المحاكمة في ذلك اليوم: إقامة الشهود على الكفرة والمنافقين والفجرة، قال : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٤ - ٢٥]. عباد الله! نفعنا الله بالقرآن العظيم وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 176

وجوب الاستعداد للقاء الله الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله! ومن تقوى الله الاستعداد للوقوف بين يدي الله جل في علاه، فعماذا سيكون السؤال في ذلك اليوم الذي سيجمع الله فيه الأولين والآخرين؟ فاسمع السؤال وأعد الجواب بارك الله فيك: عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال ﷺ : (لا تزول -أي: إلى الجنة أو إلى النار- قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم)، رواه الترمذي وقال الألباني: وإسناده حسن. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ٢١]. فلا تظن أن الأمر سهل عبد الله! بل في ذلك اليوم يشتد غضب الجبار ﷻ على من خلقه فعبد غيره، وعلى من رزقه فشكر غيره، وعلى من أسبغ عليه النعم ثم عصاه. عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر وهو يحكي عن النبي ﷺ وهو على المنبر في قول الله ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، قال ﷺ : (يأخذ الله سماواته وأرضه بيديه فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها ويقول: أنا الملك)، قال ابن عمر: (والله! كأني أنظر إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، والنبي ﷺ واقف عليه، وأنا أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟).

стр. 177

أحوال العصاة والمجرمين يوم القيامة فتأمل حال العصاة والمجرمين في ذلك اليوم يوم يشتد غضب الجبار جل في علاه، قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤]، فهم يطلبون رضاء ربهم فلا يستجاب لهم. فتأمل عبد الله! موقفك غداً بين يدي العزيز القهار، والله! إنها ساعة لا يخفى على المقيمين رهبتها، ولا على المتقين شدتها، فاللهم يسر ختامنا! ويمن كتابنا، وثقل موازيننا، وزحزحنا عن النار، وأدخلنا الجنة يا عزيز يا غفار! تذكر وقوفك يوم العرض عرياناً مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا النار تزفر من غيض ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا فلما قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل: خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدي إلى النيران عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا

стр. 178

وجوب الاستعداد للحساب بين يدي الله قال سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس:١٠٨]، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]. قال الزجاج: ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة للعنق. وقال ابن أدهم: كل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فإذا مات طويت، وإذا بعث نشرت، وقيل له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]. قال ابن عباس ﵁: معنى طائره: أي: عمله. وقوله تعالى: ((وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا)) قال الحسن: يقرأ الإنسان الكتاب أمياً كان أو غير أمي، يعرف القراءة أو لا يعرفها، ينطق ويقرأ في ذلك اليوم. فتخيل نفسك إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، وقد نوديت باسمك على رءوس الخلائق: أين فلان ابن فلان؟ فاستعد للوقوف بين يدي الله، وهلم إلى العرض على الله، وقد وكلت الملائكة بأخذك فقربتك إلى الله لا يمنعها اشتباه الأسماء باسم أبيك، فإذا عرفت أنك المراد بالدعاء، وإذا قرع النداء قلبك علمت أنك المطلوب فارتعدت فرائصك، واضطربت جوارحك، وتغير لونك، وطار قلبك، وتخطي بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه، والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم، وأنت في أيدي الملائكة قد صار قلبك ممتلئاً رعباً؛ لعلمك أين يراد بك. عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري. فتخيل عبد الله! نفسك واقفاً بين يدي ربك في يدك صحيفة مخبرة بعملك لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبئة أسررتها، وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل، وقلب منكسر حسير، والأهوال محدقة بك من بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكركها؟ وكم من سيئة كنت قد أخطيتها قد أظهرها وأبداها؟ وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص لك فرده عليك في ذلك الموقف وأحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيماً؟ فيا حسرة قلبك! ويا أسفك على ما فرطت في طاعة ربك! عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله! أليس قد قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، فقال ﷺ : يا عائشة! إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)، متفق عليه. ثم يبدأ الحساب، وتكشف الحقائق، وتظهر الفضائح، فتذكر عبد الله أنك بين يدي الله موقوف، وأنك ستكلمه ليس بينك وبينه ترجمان، وستقف وستسأل عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير، فتسأل عن العمر، وعن الشباب، وعن المال، وعن كل نظرة، وكل كلمة قلتها، قال : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]، فستسأل عن كل صلاة تخلفت عنها، وهل حفظت الصوم والزكاة أم لا؟ وهل أمرت بالمعروف ونهيت المنكر ودافعت عن أعراض المسلمين أم لا؟ وستسأل عن حقوق وواجبات وأوامر ومنهيات، فمن العباد من يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، ومنهم من يحاسب حساباً عسيراً، ويدعو ثبوراً. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال ﷺ : (إن الله يدني المؤمن منه يوم القيامة فيضع عليه كنفه -أي: يضع عليه ستره- فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: أي نعم رب! أعرف، حتى يقرره بذنوبه، حتى إذا رأى العبد أنه قد هلك قال أرحم الراحمين: فإني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته بيمينه، فهذا هو الحساب اليسير). وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]!

стр. 179

الحذر من الغفلة عباد الله! حاسبوا أنفسكم واستعدوا للعرض أمام الله جل في علاه، فإلى متى الغفلة -عباد الله- ومنادي الله يناديكم: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]؟! واعلم رعاك الله أنه عند ساعة الموت لا عثرة تقال، ولا توبة تنال، كان خليد العصري يقول: كلنا أيقن بالموت وما نرى له مستعداً، وكلنا أيقن بالنار وما نرى لها خائفاً، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملاً! فإلى متى الغفلة عبد الله؟! وأين ندمك على ذنوبك؟ وأين حزنك على عيوبك؟ إلى متى تؤذي بالذنب نفسك؟ وتضيع يومك كما ضيعت أمسك؟ فلا مع الصادقين لك قدم، ولا مع التائبين لك ندم، فهلا بسطت يداً سائلة؟ وهلا أجريت دموعاً سائلة؟ فانتبه قبل أن تنادي: رباه! ارجعون فيقال: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون). فانتبه قبل أن توقف أمام الله للعرض، فتقول: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦]. مر الحسن البصري على أقوام يضحكون فقال: هل مررتم على الصراط؟ قالوا: لا، قال: أتدرون إلى الجنة يؤخذ بكم أم إلى النار؟ قالوا: لا، قال: فعلامَ الضحك؟! لا على الصراط مررتم، ولا إلى الجنة تؤخذون، ولا من النار تنجون فكيف تضحكون؟! فاتقوا الله عباد الله! واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، وأدوا الحقوق، وتحللوا من بعضكم قبل ألا يكون درهم ولا دينار، فأخلصوا أعمالكم لله، وحافظوا على الصلوات، وانتهوا عن الفواحش والمنكرات، وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً. اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً قبل الموت، وشهادة عند الموت، ورحمة بعد الموت يا رب العالمين! اللهم استر في ذلك اليوم عوراتنا، وأمن فيه روعاتنا، وثقل فيه موازيننا، وزحزحنا فيه عن النار، وأدخلنا فيه الجنة يا رب العالمين! اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم ارحم الشيب، وبارك في أعمارهم يا رب العالمين! اللهم احفظ نساءنا وأطفالنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء دينك، وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم، اللهم صن أعراضهم واحقن دماءهم، وتقبل شهداءهم، وفك أسرانا وأسراهم. اللهم اكبت عدوك وعدونا من يهود ونصارى وحاقدين، وافضح المنافقين والمعتدين يا عليم يا خبير يا قوي يا عزيز! اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم. اللهم لا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية، ولا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين أذلة صاغرين يا قوي يا عزيز! عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 180

الاستغفار سيد الأذكار إن الله سبحانه أمر العباد بالاستغفار؛ لأنه يعلم أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، والحق أن الاستغفار يفرج الهموم، ويزيل الغموم، ويفتح الرزق، وهو صفة الأنبياء والأصفياء والأتقياء. وإذا كان سيد الأولين والآخرين يستغفر الله في اليوم مائة مرة، فكيف بالمضيعين الغافلين؟
следующие страницы →