Полный текст (882 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وجوب الاستعداد للقاء الله
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله! ومن تقوى الله الاستعداد للوقوف بين يدي الله جل في علاه، فعماذا سيكون السؤال في ذلك اليوم الذي سيجمع الله فيه الأولين والآخرين؟ فاسمع السؤال وأعد الجواب بارك الله فيك: عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال ﷺ : (لا تزول -أي: إلى الجنة أو إلى النار- قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم)، رواه الترمذي وقال الألباني: وإسناده حسن.
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ٢١].
فلا تظن أن الأمر سهل عبد الله! بل في ذلك اليوم يشتد غضب الجبار ﷻ على من خلقه فعبد غيره، وعلى من رزقه فشكر غيره، وعلى من أسبغ عليه النعم ثم عصاه.
عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر وهو يحكي عن النبي ﷺ وهو على المنبر في قول الله ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، قال ﷺ : (يأخذ الله سماواته وأرضه بيديه فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها ويقول: أنا الملك)، قال ابن عمر: (والله! كأني أنظر إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، والنبي ﷺ واقف عليه، وأنا أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟).
стр. 177
أحوال العصاة والمجرمين يوم القيامة
فتأمل حال العصاة والمجرمين في ذلك اليوم يوم يشتد غضب الجبار جل في علاه، قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤]، فهم يطلبون رضاء ربهم فلا يستجاب لهم.
فتأمل عبد الله! موقفك غداً بين يدي العزيز القهار، والله! إنها ساعة لا يخفى على المقيمين رهبتها، ولا على المتقين شدتها، فاللهم يسر ختامنا! ويمن كتابنا، وثقل موازيننا، وزحزحنا عن النار، وأدخلنا الجنة يا عزيز يا غفار! تذكر وقوفك يوم العرض عرياناً مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا النار تزفر من غيض ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا فلما قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل: خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدي إلى النيران عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا
стр. 178
وجوب الاستعداد للحساب بين يدي الله
قال سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس:١٠٨]، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
قال الزجاج: ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة للعنق.
وقال ابن أدهم: كل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فإذا مات طويت، وإذا بعث نشرت، وقيل له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤].
قال ابن عباس ﵁: معنى طائره: أي: عمله.
وقوله تعالى: ((وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا)) قال الحسن: يقرأ الإنسان الكتاب أمياً كان أو غير أمي، يعرف القراءة أو لا يعرفها، ينطق ويقرأ في ذلك اليوم.
فتخيل نفسك إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، وقد نوديت باسمك على رءوس الخلائق: أين فلان ابن فلان؟ فاستعد للوقوف بين يدي الله، وهلم إلى العرض على الله، وقد وكلت الملائكة بأخذك فقربتك إلى الله لا يمنعها اشتباه الأسماء باسم أبيك، فإذا عرفت أنك المراد بالدعاء، وإذا قرع النداء قلبك علمت أنك المطلوب فارتعدت فرائصك، واضطربت جوارحك، وتغير لونك، وطار قلبك، وتخطي بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه، والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم، وأنت في أيدي الملائكة قد صار قلبك ممتلئاً رعباً؛ لعلمك أين يراد بك.
عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري.
فتخيل عبد الله! نفسك واقفاً بين يدي ربك في يدك صحيفة مخبرة بعملك لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبئة أسررتها، وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل، وقلب منكسر حسير، والأهوال محدقة بك من بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكركها؟ وكم من سيئة كنت قد أخطيتها قد أظهرها وأبداها؟ وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص لك فرده عليك في ذلك الموقف وأحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيماً؟ فيا حسرة قلبك! ويا أسفك على ما فرطت في طاعة ربك! عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله! أليس قد قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، فقال ﷺ : يا عائشة! إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)، متفق عليه.
ثم يبدأ الحساب، وتكشف الحقائق، وتظهر الفضائح، فتذكر عبد الله أنك بين يدي الله موقوف، وأنك ستكلمه ليس بينك وبينه ترجمان، وستقف وستسأل عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير، فتسأل عن العمر، وعن الشباب، وعن المال، وعن كل نظرة، وكل كلمة قلتها، قال : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]، فستسأل عن كل صلاة تخلفت عنها، وهل حفظت الصوم والزكاة أم لا؟ وهل أمرت بالمعروف ونهيت المنكر ودافعت عن أعراض المسلمين أم لا؟ وستسأل عن حقوق وواجبات وأوامر ومنهيات، فمن العباد من يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، ومنهم من يحاسب حساباً عسيراً، ويدعو ثبوراً.
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال ﷺ : (إن الله يدني المؤمن منه يوم القيامة فيضع عليه كنفه -أي: يضع عليه ستره- فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: أي نعم رب! أعرف، حتى يقرره بذنوبه، حتى إذا رأى العبد أنه قد هلك قال أرحم الراحمين: فإني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته بيمينه، فهذا هو الحساب اليسير).
وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]!
стр. 179
الحذر من الغفلة
عباد الله! حاسبوا أنفسكم واستعدوا للعرض أمام الله جل في علاه، فإلى متى الغفلة -عباد الله- ومنادي الله يناديكم: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]؟! واعلم رعاك الله أنه عند ساعة الموت لا عثرة تقال، ولا توبة تنال، كان خليد العصري يقول: كلنا أيقن بالموت وما نرى له مستعداً، وكلنا أيقن بالنار وما نرى لها خائفاً، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملاً! فإلى متى الغفلة عبد الله؟! وأين ندمك على ذنوبك؟ وأين حزنك على عيوبك؟ إلى متى تؤذي بالذنب نفسك؟ وتضيع يومك كما ضيعت أمسك؟ فلا مع الصادقين لك قدم، ولا مع التائبين لك ندم، فهلا بسطت يداً سائلة؟ وهلا أجريت دموعاً سائلة؟ فانتبه قبل أن تنادي: رباه! ارجعون فيقال: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون).
فانتبه قبل أن توقف أمام الله للعرض، فتقول: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦].
مر الحسن البصري على أقوام يضحكون فقال: هل مررتم على الصراط؟ قالوا: لا، قال: أتدرون إلى الجنة يؤخذ بكم أم إلى النار؟ قالوا: لا، قال: فعلامَ الضحك؟! لا على الصراط مررتم، ولا إلى الجنة تؤخذون، ولا من النار تنجون فكيف تضحكون؟! فاتقوا الله عباد الله! واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، وأدوا الحقوق، وتحللوا من بعضكم قبل ألا يكون درهم ولا دينار، فأخلصوا أعمالكم لله، وحافظوا على الصلوات، وانتهوا عن الفواحش والمنكرات، وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً.
اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً قبل الموت، وشهادة عند الموت، ورحمة بعد الموت يا رب العالمين! اللهم استر في ذلك اليوم عوراتنا، وأمن فيه روعاتنا، وثقل فيه موازيننا، وزحزحنا فيه عن النار، وأدخلنا فيه الجنة يا رب العالمين! اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم ارحم الشيب، وبارك في أعمارهم يا رب العالمين! اللهم احفظ نساءنا وأطفالنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء دينك، وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم، اللهم صن أعراضهم واحقن دماءهم، وتقبل شهداءهم، وفك أسرانا وأسراهم.
اللهم اكبت عدوك وعدونا من يهود ونصارى وحاقدين، وافضح المنافقين والمعتدين يا عليم يا خبير يا قوي يا عزيز! اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.
اللهم لا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية، ولا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين أذلة صاغرين يا قوي يا عزيز! عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 180
الاستغفار سيد الأذكار
إن الله سبحانه أمر العباد بالاستغفار؛ لأنه يعلم أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، والحق أن الاستغفار يفرج الهموم، ويزيل الغموم، ويفتح الرزق، وهو صفة الأنبياء والأصفياء والأتقياء.
وإذا كان سيد الأولين والآخرين يستغفر الله في اليوم مائة مرة، فكيف بالمضيعين الغافلين؟
стр. 181
الاستغفار يكفر الذنوب
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
ومعنى: حياكم الله وبياكم: هو أن آدم لما أنزل إلى الأرض، جاءه ملك، فقال له: حياك الله يا آدم وبياك يعني: حياك الله وأصلح حالك، فبياكم معناها: أصلح حالكم، ونحن في حاجة إلى صلاح الحال؛ لأننا ذوو أخطاء، فمن منا لم يخطئ قط؟ ومن له الحسنى فقط؟ (كل بني آدم خطاء) ولا عصمة لأحد، فنحن ننسى لأننا ضعفاء.
وفي مرة من المرات تعبت حتى عافت نفسي الطعام والشراب، ولم أستطع أن أنام فقلت: ماذا حل بي؟ فهرولت إلى الطبيب، فقال: لا بأس عليك، قلت: ما المشكلة؟ قال: ارتفاع درجتين فقط في درجة الحرارة! قلت: درجتان صنعتا بي ما صنعتا! كم نحن ضعفاء! ولضعفنا لا نؤدي العبادة على الوجه الكامل، فمن منا إذا دخل صلاته لم يحدث نفسه؟ ولم يخطر على باله خاطر؟ ما منا أحد.
ومن منا إذا صلى وصام وقام لم يخالف ذلك العمل نقصاً أو خطأً؟ ومن منا إذا حج أو اعتمر لم يرفث ولم يفسق ولم يجادل؟ ما منا أحد.
فكان من رحمة الله بنا أن شرع لنا الاستغفار، في أدبار العبادات، وفي سائر الأوقات؛ لأن الاستغفار يجبر النقص، والخطأ؛ ولأن الاستغفار يقوم مقام النسيان؛ ولأن الاستغفار يقوي الضعف؛ ولأن الاستغفار يكمل العبادة الناقصة، فأول لفظ نلفظه بعد الصلاة: أستغفر الله (ثلاثاً) فمن منا لم يحدث نفسه ولم تأخذه الخواطر يمنة ويسرة وهو في الصلاة؟ لذلك نستغفر الله بعد أداء العبادة، فمن هديه ﷺ : (إذا فرغ من صلاته قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله يقولها ثلاثاً)، ومن هديه: (أنه كان يعد له في المجلس الواحد أكثر من مائة مرة: اللهم اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم)، في كل مجلس يجلسه يردد هذا الاستغفار أكثر من مائة مرة.
ومن هديه أنه قال: (من جلس مجلساً فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك) فلا تنس هذا الدعاء، فمن منا إذا جلس مجلساً لم يلغ فيه؟ وقد قيل: إن رجلاً كان مشهوراً بالكذب، نزل بيت إنسان يعرفه، فضيفه صاحب البيت وهو يعرف أنه كذاب، فقال: الليلة سأعمل لك عشاء، لكن توجد مشكلة، قال: ما هي المشكلة؟ قال: لقد جمعت أهل الحي كلهم، قال: وما هي المشكلة في ذلك؟ قال: المشكلة أنك تكذب كذباً لا يُصدق، قال: وماذا أعمل، لقد تعودت على هذا، يقول الشاعر: عود لسانك قول الصدق تحظ به إن اللسان لما عودت معتاد فالمضيف ما أحب أن يضيق عليه فقال له: خذ راحتك، لكني إذا رأيتك تماديت في الكذب فسأعطيك علامة، قال: وما هي العلامة؟ قال: السعال، فإذا سعلت فاعلم أنك قد تماديت في الكذب.
وعند اجتماع الضيوف بدأ الرجل يعطيهم من الكذب يميناً ويساراً، فقال لهم: يا جماعة الخير! أنا بنيت مسجداً طوله ألف متر، فسعل صاحب البيت أي: أعطاه العلامة، فقال: وعرضه متر واحد، فقالوا له: لماذا ضيقته؟ قال: ما ضيقته أنا، ولكنهم ضيقوا علي! فهذا يجب عليه أن يتوب وأن يقول إذا قام من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 182
الاستغفار يزيل الهموم
فمن رحمة الله بنا أن شرع لنا هذه الكلمات اليسيرة ليكفر عنا بها السيئات، ويرفع لنا بها الدرجات.
فمن منا لم تلزمه الهموم والغموم؟ ومن الذي يرتاح دائماً؟ ما منا أحد، فالحياة لا تكون على وتيرة واحدة، فإذا ضحكت اليوم فستبكي غداً.
إن أضحكتك الأيام يوماً لابد أن تبكيك أياماً اليوم تفرح وغداً تحزن، اليوم تستقبل مولوداً، وغداً تودع ميتاً، اليوم إذا كنت في سعة من العيش، غداً ستكون في ضيق من العيش، (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فالأيام تتقلب بي وبك.
فمن منا من لم يحمل هم الرزق وهم العيال؟ هل سأبني لهم داراً؟ وهل سأفعل لهم كذا وكذا؟ وهذه هموم نحملها بشكل طبيعي بالليل وبالنهار، لكن اسمع بارك الله فيك! عن ابن عباس ﵄ قال: قال ﷺ : (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب) بشرط: أن يلزم الاستغفار، وهل تريد سعة الرزق؟ هل تريد تفريج الهموم؟ هل تريد كشف الغموم وقضاء الحاجات؟ أكثر من قول: أستغفر الله العظيم، جرب واجعل ذكرك في ذلك اليوم من أوله إلى آخره الاستغفار في كل غدوة وروحة.
стр. 183
فضل الاستغفار
إن المسكين: هو من لا يستطيع أن يكسب أمثل هذه الدرجات الحسنات جزاء أعمال يسيرة، (من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، كتبت له ألف حسنة، وحطت عنه ألف خطيئة) وهذا العمل يسير، والأجر المترتب عليه كبير، فأسهل العبادات وأيسرها ذكر الله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، بالليل والنهار، الهج بحمده، ويكفيك شرفاً يا من تذكر الله قول الله: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، يقول النبي ﷺ : (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)، من أنت حتى تذكر في ذلك المجلس؟ هناك من يقول: هل دعاء المجلس يكفر الغيبة؟ لا؛ لأن الغيبة كبيرة من الكبائر، والكبائر لا يكفرها إلا التوبة، فإذا اغتبت أحداً، فكفارتها التوبة، ومن شروط التوبة: أن ترد المظالم إلى أهلها، وقد يتقبل الاعتذار، ويقول: عفا الله عنك، وبعضهم لا يتقبل، فدرءاً للمفسدة اقصد المجلس الذي ذكرته فيه بغيبة أو بشر واذكره فيه بخير، وادعو له واستغفر له، واسأل الله أن يعفو عنا وعنه.
وحديث: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة وصحح إسناده أحمد شاكر.
إذاً: فأمر الاستغفار عظيم، فما خرج الاستغفار من لسان صادق وقلب خاشع إلا غفر لصاحبه الذنب مهما كان، فعن زيد ﵁ مولى النبي ﷺ أنه قال: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثاً غفر له وإن كان فر من الزحف)، والفرار من الزحف من الموبقات السبع لكنه إذا صدق بلسانه وخشع بقلبه، وقال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له ما كان منه، ولو فر من الزحف، ومهما كان الذنب، وهذا مصداق قول الله في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة).
فلماذا يغلق الباب أمام المذنبين والمقصرين؟ فلما قال ذلك العابد للذي قتل تسعة وتسعين نفساً: ليس لك توبة، كانت النتيجة أنه قتله، فمن يغلق باب الرحمة؟! كل الأبواب تغلق إلا باب الرحمة، بل إن آخر باب يغلق باب التوبة والاستغفار، فإذا طلعت الشمس من مغربها فذلك حين ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، فهذه آخر العلامات وبعدها يغلق الباب، ولكن قبلها مهما بلغت الذنوب فالباب مفتوح.
والكثير من الناس يرسلون لنا ويقول أحدهم: أنا فعلت، وأنا فعلت، وأنا فعلت، وأنا فعلت، فهل يغفر الله لي؟ نعم يغفر لك مهما كان الذنب، بشرط: أن تصدق في توبتك، وتصدق في رجوعك إلى الله، حتى لو زنيت أو سرقت أو أكلت مال ربا، وفعلت كل شيء، مهما فعلت، لكن بشرط أن تعود وتستغفر وتلين وترجع إلى الله.
فالذنب لا يضر الله لا من قريب ولا من بعيد: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني).
стр. 184
من أسماء الله الحسنى: الغفور والغفار
ومن أسماء الله الحسنى: الغفور والغفار جل ثناؤه، وهما من أسماء المبالغة، ومعناهما: الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم، فلا يسترها فقط، بل ويتجاوز عنها، والغفران والمغفرة من الله تعالى تكون: بأن يصون الله العبد من أن يمسه العذاب إذا غفر له، فلا عذاب عليه.
قال الغزالي: الغفار هو: الذي أظهر الجميل وستر القبيح، ومن منا ليس عنده قبيح من الأفعال؟ فالله يعلم بهذا ويعلم بذاك، فمن مغفرته أنه يظهر الجميل ويستر القبيح.
قال الخطابي: الغفار هو: الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى، كلما تكررت التوبة من الذنب تكررت المغفرة.
قال ابن منظور: أصل الغفر: التغطية والستر، فقولهم: غفر الله له أي: ستر له ذنوبه.
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (يدني الله العبد منه حتى يضع عليه كنفه -أي: ستره-، فيقرره بذنوبه، فيقول: تذكر يوم كذا، تذكر يوم كذا، حتى إذا ظن العبد أنه هلك، قال أرحم الراحمين: فإني قد سترتها لك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم)، فيخرج العبد بين الملأ وقد أعطي كتابه بيمينه وهو رافع رأسه ﴿يَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] فما أحلم الله! وما أرحم الله جل في علاه! قال أهل العلم: ومن أسماء الله الحسنى: غافر الذنب، وعن أبي هريرة مرفوعاً: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) وليس المعنى: أنها فقط هي أسماء الله الحسنى ولا يوجد غيرها، بدليل حديث: (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيِّ حكمك، عدل فيِّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) إذاً: فلله أكثر من تسعة وتسعين اسماً.
وليس معنى أحصاها: أي عدها، فمن السهل على أحدنا أن يسردها سرداً، لكن أين أثرها؟ أين أثر السميع؟ أين أثر البصير؟ أين أثر القادر؟ أين أثر المحيي؟ أين أثر المميت؟ أين أثر الضار النافع؟ فالمطلوب عند إحصائها: أننا نعرف ونستشعر أثرها، بصير يعني: أنه في كل مكان يراني، السميع أي أنه: يسمع سري وعلانيتي، الخبير أي أنه: لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، الحكيم أي أنه: لا يضع الأمور إلا في نصابها، العزيز أي أنه: لا يغلب جانبه ولا يقهر، والعزة مستمدة منه ومن كتابه ومن دينه، فلابد أن نستشعر معاني الأسماء والصفات، وإلا ماذا يعني أن نقول: سميع ثم نتكلم بغيبة ونميمة.
فقد جاء في خبر المجادلة التي جاءت تشتكي إلى رسول الله قول عائشة: والله! الذي لا إله إلا هو ما بيني وبينها إلا ستار، ووالله! ما سمعت شيئاً من كلامها، وفي لحظات يأتي وحي رب الأرض والسماوات من فوق السماء السابعة، وما بين سماء وسماء مسيرة خمسمائة سنة ويقول: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]، رفع الله عنها الظلم والعدوان، تقول عائشة: (تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، والله! ما بيني وبينها إلا ستار، ثم تأمل في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
стр. 185
الفرق بين الغفران والعفو
فإن قيل: فما الفرق بين الغفران والعفو؟ فالجواب قال الكفوي: إن الغفران يقتضي إسقاط العقاب، ولا يقتضي الثواب، ولا يستحق ذلك إلا المؤمن الذي يتوب ويرجع إلى الله، قال الله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] يعني: ثم استقام على طريق الاستقامة، وقال الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] ولا يستعمل الغفار إلا في حق الباري تعالى، فلا يقال: فلان غفار، ولا يقال: غفرت لفلان، لكن العفو يقال في حق البشر أيضاً، قال بعضهم: العفو يقتضي إسقاط اللوم والندم، ولا يقتضيه الثواب، فقد يعفو عنك لكنه لا يثيبك على هذا، لكن إذا غفر لك أثابك وبدل سيئاتك حسنات، وبدل ذلك إلى مغفرة ورضوان.
стр. 186
الغفران دليل على سعة رحمة الله
وقد تكرر لفظ الغفران في القرآن مرات ومرات مما يدل على سعة رحمة الله، يقول الرسول ﷺ : (إن لله مائة رحمة، أنزل منها في الأرض رحمة واحدة يتراحم بها العباد، حتى ترفع الدابة حافرها عن وليدها حتى لا تطأ عليه، فإذا كان يوم القيامة بسط الرحمن رحمته فغفر الذنوب وستر العيوب) أو كما قال رسول الله، ومن واسع رحمة الله في ذلك اليوم أن الشيطان الرجيم يظن أن رحمة الله ستناله، فلماذا نغلق الباب أمام الناس؟ لماذا نضيق على الناس ونقول لهم: لابد من كذا وكذا؟! فباب الرحمة واسع، فإذا تحققت التوبة غفر الذنب مهما كان، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥] بشرط: أن تتحقق في قلوبنا التوبة والندم، والعزم على عدم الرجوع إلى الذنب، فإذا تحققت هذه الشروط -بإذن الله- يغفر الله الذنب مهما كان.
لقد قتل رجل مائة نفس ومع ذلك استقبلته ملائكة الرحمة، مع العلم أنه ما صنع خيراً قط، إلا أنه خرج بقلب تائب، وصدق في توبته، فصدق الله معه، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، تقول ملائكة الرحمة: يكفي أنه خرج بقلب تائب، وتقول ملائكة العذاب: إنه ما صنع خيراً قط، فاختصموا فيه، فأرسل الله ملكاً على صورة بشر يحكم بينهم فقال: قيسوا المسافة بين هذه القرية وتلك، فكان إلى القرية التي خرج إليها أقرب بشبر واحد.
وجاء في رواية: أن الله أمر تلك القرية أن تقاربي، من أجل هذا الذي خرج تائباً.
هذا واحد فكيف لو تاب الناس ورجعوا إلى ربهم جل في علاه؟ إذاً: فالغفران دليل الرحمة، وقد تكرر قوله: ((غَفُورٌ رَحِيمٌ)) عشرات المرات في القرآن مما يدل على ذلك، والمغفرة والتجاوز عن الذنوب دليل عزة لا دليل ضعف، ولذلك لما خاطب الله عيسى ﵇ في ذلك الموقف العظيم: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٨] ولم يقل: إنك أنت الغفور الرحيم؛ لأن الموقف موقف عزة، وموقف تفضل وكرم، فلو عذب الله البشرية من أولها إلى آخرها لما كان ظالماً لها، (إنكم لن تدخلوا الجنة بأعمالكم، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا) والذي يقول هذا هو خير من صلى وصام وقام، وخشي الله في السر والعلانية، يقول: وحتى أنا لن أدخل الجنة بعملي، وقد كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، (إلا أن يتغمدني الله وإياكم بفضل منه ورحمة)، لذلك يقول الله يوم القيامة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨] ليس بأعمالهم، وإنما يفرحون بفضل الله ورحمته، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، ويقول النبي ﷺ : (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عن لقاء ربه جل في علاه) ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٨ - ١١٩].
стр. 187
أمر الله عباده بالاستغفار في كل حال
وقد أمرنا الله بالاستغفار في كل حال، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩]، وقال متعجباً من حال الناس: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]، وقال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل:٢٠]، وما دعا الله الأنبياء وأقوامهم إلا إلى الاستغفار فهذا محمد ﷺ يؤمر بإعلان التوحيد وبالاستغفار من الشرك، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ [هود:١ - ٥] إلى آخر الآيات.
فأمرنا الله بالتوحيد ثم بالاستغفار بعده، فمن منا لم يخطئ قط؟ كلنا صاحب ذنب وخطأ.
ماذا تريد من هذه الحياة؟ أنت تسعى من الصباح حتى المساء ألا تريد داراً؟ ألا تريد مالاً؟ ألا تريد عيالاً؟ ألا تريد زوجة؟ ألا تريد قضاء حاجات من حوائج الدنيا؟ ستنالها بإذن الله إذا صدقت في الاستغفار، قال الله على لسان نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
جاء رجل إلى الحسن البصري فقال: انقطع المطر فماذا نصنع؟ قال: أكثر من الاستغفار، وجاء رجل يشكو الفقر فقال له: أكثر من الاستغفار، وجاءه رجل يريد الذرية، فقال له: أكثر من الاستغفار، فقال الجالس له: عجباً لك يا أبا سعيد! جاءك هذا يطلب كذا فقلت: أكثر من الاستغفار، وجاءك هذا يطلب كذا، فقلت: أكثر من الاستغفار، وجاءك ذاك يطلب كذا، فقلت: أكثر من الاستغفار، قال: هذا هو العلاج، أما قال الله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
عجيب أمرنا! فلله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، ثم لا نرجوه في حاجاتنا، ولماذا هذا؟ لأننا ما صدقنا في التعامل معه، ولذلك حين أُخبر أحد الصالحين بما حدث من ارتفاع في الأسعار قال: كيف أخاف الفقر أو أخشاه وسيدي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟ أنت تتوكل على الغني، على القوي، على العزيز، ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، وقال سبحانه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١].
стр. 188
الاستغفار من صفات الأنبياء والصالحين
والاستغفار من صفات الأنبياء والصالحين، قال الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقال عنهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران:١٩٣]، وقال عن نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧]، وقال عن السحرة: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ [طه:٧٣]، وقال عن داود: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤]، وقال عن سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥]، ليس عيباً أن نخطئ، لكن العيب أن نتمادى في الخطأ، وتكرار الذنب تلو الذنب، بلا توبة ولا ندم ولا استغفار.
أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني يا زلة كتبت في غفلة ذهبت يا حسرة بقيت في القلب تحرقني دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتذكير والحزن دع عنك عذلي يا من كنت تعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهلا عسى عبرة منها تخلصني فأحب الناس إلى الله الذين يطأطئون الرءوس ويقولون: أستغفر الله، قال الله لأحد أنبيائه: (بشر المذنبين أنهم إن تابوا قبلت منهم، وحذر الصالحين أني إذا أخذتهم بعدلي عذبتهم) وهذا حتى لا يغتر الصالح بعمله، ولا يقنط العاصي من رحمة الله جل في علاه، لكن لا بد أن تعلم أن قبول الله للاستغفار يرتبط بالتوبة والعمل الصالح، كما قال الله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] وقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم:٦٠] وفي الحديث القدسي: (أذنب عبدي ذنباً، فاستغفرني، علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، غفرت لعبدي، ثم أخطأ، ثم استغفر، فقال الله: أذنب عبدي ثم استغفرني، علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي)، وفي الحديث: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يستغفرون الله فيغفر لهم).
فالله اسمه التواب، ولابد أن هناك ناساً يذنبون ويتوبون حتى يتوب الله عليهم، والله اسمه الغفار، ولابد أن هناك أناساً يخطئون فيستغفرون الله فيغفر لهم، قال الفضيل: استغفار بلا إقلاع، وبلا توبة وبلا ندم هذا استغفار الكذابين، ولاحظ من يقول بعد الصلاة ثلاثاً: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ثم انظر في حاله إذا خرج من مسجده، شاشات وقنوات، ودخان، ومقاه وآهات، أين ذهبت أستغفر الله وأتوب إليه؟! لذلك قال أحد الصالحين: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
وقد سئل سهل بن سعد عن الاستغفار الذي يكفر الذنوب قال: أول الاستغفار الاستجابة ثم الإنابة ثم التوبة، فأول الاستغفار الاستجابة، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٢٤] ثم الإنابة: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤] ثم توبوا.
إذاً: فاستجابة ثم إنابة ثم توبة، قال: فالاستجابة عمل الجوارح، فلا ينظر ولا يسمع ولا يرى ولا يذهب ولا يأتي إلا في طاعة، ثم الإنابة: وهي عمل القلب، فيخضع ويستكين لله رب العالمين، ثم التوبة والإقبال على الله بالقلب والجوارح.
стр. 189
الاستغفار هو الأمن والأمان
إن الاستغفار هو الأمن والأمان للذي يستحق بتركه العذاب، قال الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]، قال الصحابة بعد موت النبي ﷺ : ذهب الأمان الأول وبقي الأمان الثاني، ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ))؛ لأنك كنت أمانهم فذهبت وبقي لهم الأمان الثاني: وهو الاستغفار: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون).
قال ابن الجوزي: إن إبليس قال: أهلكت بني آدم بالذنوب، فلما رأيت فيهم ذلك نفثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].
فكثير من الناس يعيش في ضياع وهو يظن أنه على خير، وقد قال لي أحدهم: إن فلاناً مرءوسه في العمل يقول: فلان أخلاقه عالية لكن فيه عيباً واحداً، قلت: وما هو؟ قال: لا يصلي مع الناس في المسجد، ثم لقيته بعدها بأيام وأنا خارج من المسجد وهو خارج من الصالة الرياضية، فهو يحرص على جسمه كما قال الله عن المنافقين: ﴿َإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٤] يهتمون بالمظاهر، أما السرائر فخاوية لا يعلمها إلا الله، والمشكلة مصيبة المضيعين أنهم يظنون أنفسهم على خير، قال: لقيته فقلت له: كيف حالك؟ قال: بخير، فقلت: رئيسك يذكرك بخير؟ فضحك وابتسم لأنه يرضي الخلق ولا يرضي الخالق، نسأل الله العفو والعافية، قلت: يقول رئيسك: إنك على خير وأخلاق وكذا، وهو يضحك، ثم قلت: لكنه يقول: إن فيك عيباً واحداً قال: وما هو؟ لأنه حريص على ألَّا يراه رئيسه على خطأ معين، قلت: يقول: إنك لا تصلي مع الناس في جماعة، قال: والله! صحيح، فنحن مقصرون، قلت له: قلت: مقصرون؟! لا يا عبد الله! فعندما لا تراني في تكبيرة الإحرام كل يوم فأنا مقصر، وعندما لا أدرك ركعتي السنة قبل الفجر فأنا مقصر، وعندما تفوتني قراءة وردي في وقت قراءته فأنا مقصر، لكنك مضيع، وتعيش في ضياع وأنت لا تشعر: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧]، فمن لا يشهد جمعة ولا جماعة هل يقول: أنا على خير، أنا مقصر؟! بل هو رجل مفرط بكل ما تعني الكلمة، ذكرناه فقال: أنا أحسن من فلان! فبعد أن كان التنافس في درجات الجنان أصبح التنافس في الإقلال من المعاصي، وانقلب الميزان! نسأل الله العفو والعافية! وأحد الجالسين الآن معنا تاب واستقام وصلح حاله فآذاه أصحاب الماضي، يقول: كنت لا أصلي ولا أقوم، وهذا أول رمضان أقومه، فأتى إلي أصحاب الماضي يقولون: ما لك ولهذا الطريق؟ أنت على خير، قلت: وأي خير هذا؟ فهم على ضلال، ويريدون أن يضل صاحبهم معهم، وفي المثل: ودت الزانية لو أن كل النساء زواني، وهكذا حال كثير من الناس يزين بعضهم لبعض الضياع، يقولون: أنت على خير، لماذا التشدد؟ ولماذا التعصب؟ ولماذا التطرف والإيمان في القلب؟ فلا يحتاج أن تفعل كذا وكذا، قلت: فهم مساكين، يريدون شيئاً والطريق في الاتجاه الآخر.
стр. 190
أفضل أوقات الاستغفار
فإن قيل: فما هي أحسن أوقات الاستغفار؟ فأنا وأنت ابتلانا الله، فمنذ أن خرجنا إلى هذه الحياة ونحن في ابتلاء.
أنت الذي ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً فالعبرة النهايات، فاعمل أنت في فترة الابتلاء التي قال الله عنها: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٤ - ١٥] من هم العباد؟ قال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٦]، ما هي صفاتهم؟ ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].
فهل نحن منهم حتى ننجوا؟! إذا أردت أن تنجو فاتصف بصفاتهم، قال الله عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
سبحان الله! على ماذا يستغفرون وهم لم يذنبوا؟ لقد صفوا الأقدام أمام الله، يبكون ويتضرعون، ولما انتهوا خافوا ألا يقبل منهم، ولذلك لما سألت عائشة النبي ﷺ : عن قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦٠] قالت: يا رسول الله! أهم الذين يسرقون ويزنون؟ قال: (لا، بل هم الذين يصومون ويقومون، ويعملون العمل ويخافون ألا يتقبل منهم)، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
يقول رسول الله ﷺ : (إن ربكم ينزل إلى السماء الدنيا -نزولاً يليق بجلاله- فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟)، ولك أن تنظر إلى حال أهل الأرض في تلك الساعة! يقول تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١].
стр. 191
كلنا نحتاج إلى الاستغفار
فكلنا نحتاج إلى الاستغفار حتى الأموات، تقول عائشة: (لما كانت ليلتي انقلب النبي ﷺ وهو عندي فوضع رداءه، وخلع نعليه فاضطجع، تقول: لما ظن أني رقدت أخذ رداءه رويداً، وانتقل رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويداً، تقول: فاختمرت وتبعته) أي: تبعته عائشة ﵂ لأنها كانت تحبه حباً جماً، وكانت تغار عليه غيرة لا يعلمها إلا الله، ولكنها لا تلام، فالذي بين يديها هو سيد البشر، فهي لا تلام في حبه؛ لأنه سيد البشر، تقول: (اختمرت وتبعته، حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم لما انتهى انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، وهرول فهرولت، تقول: فتبعني إلى غرفتي فقال لها: لتخبرنني أو ليخبرنني اللطيف الخبير، فاعترفت، قال: فأنت السواد إذاً، تقول: فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، وقال لها: أظننتي أن يحيف الله عليك ورسوله؟ -أي: تظنين بأني سأخرج من عندك حتى أذهب إلى إحدى نسائي؟! إن جبريل أتاني فناداني، ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك، فظننت أنك رقدت، فكرهت أن أوقظك، وقال لي: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم؟ قلت: كيف أقول لهم؟ قال: قل: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) فالأموات أيضاً يحتاجون إلى الاستغفار ويحتاجون إلى من يدعو لهم ويستغفر لهم، وثق تمام الثقة أنك إذا دعوت لهم فإن الله سيقيض لك من يدعو لك إذا وسدت في التراب، وفارقك الأهل والأحباب.
стр. 192
بشارات للمستغفرين والتائبين
وهذه بشارات للمستغفرين والتائبين يقول تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٦]، والذي يبشرهم: هو الله، ففي الاستغفار نجاة، وفي الاستغفار تفريج للهموم، وكشف للغموم.
ولك أن تجرب بارك الله فيك وتملأ اليوم والليلة والنهار بـ (أستغفر الله العظيم)، وسترى الآثار، ماذا يقول أهل الجنة في الجنة، ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ * فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٩].
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المستغفرين في الأسحار، ومن المستغفرين في كل حال بالليل وبالنهار.
اللهم! اغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وتجاوز عنا.
اللهم اغفر لنا، واجعلنا خيراً مما يقولون، وأحسن مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون، أصلح علانيتنا، وإسرارنا يا حي! يا قيوم! اللهم! لا تؤاخذنا بالتقصير، واعف عنا الكثير، وتقبل منا اليسير، إنك -يا مولانا- نعم المولى ونعم النصير.
اللهم! آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم! انصر العراق وأهل العراق، وانصر فلسطين والشيشان وكشمير، واجبرنا في شهدائنا خيراً يا رب العالمين.
اللهم! اجمع شملنا، ووحد صفنا، واكبت عدوك وعدونا إنك على ذلك قدير.
стр. 193
البنيان المرصوص
ما أشبه الإيمان والقيام بالأعمال الصالحة بعملية البناء الذي يكون فيه الشيء الكثير من المشقة والتعب، وما أجمل أن يبني الإنسان ويستمر في تشييد بنائه إلى أن يحين الأجل، وتحين ساعة التوقف.
وبئس الرجل الذي يبني إلى أن يصل إلى النهاية ثم فجأة يهدم ما بناه، ومثله الذي يهدم إيمانه بالذنوب والمعاصي.
стр. 194
قوة الإيمان وضعفه
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: أحبتي! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوءتم من الجنة منزلاً، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يفرج هم المهمومين، ويكشف كرب المكروبين، ويقضي الدين عن المدينين، وأن يدل الحيارى ويهدي الضالين، ويغفر للأحياء وللميتين، ثم أما بعد: فحياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم.
نحن في سفر، والسفر طويل، والمسافر في طريقه يحتاج إلى متاع يبلغه وينفعه، وكلما قل المتاع وغلا ثمنه كان أسهل للمسافر في طريقه، وكلما كثر المتاع وقلت قيمته تعب المسافر في طريقه.
إننا نشاهد مشاهدَ ونحن في طريق السفر من الدنيا إلى الآخرة، وكثيراً ما يتكرر أمام أبصارنا مثل هذا المنظر، وهو أن رجلاً يبني بنياناً حتى إذا أوشك البنيان على التمام أخذ المعول وأخذ يضرب في أساس البنيان حتى يسقط هذا البنيان، فماذا نقول عن هذا الرجل؟ إن أقل ما نقوله: إنه غير عاقل، وتتكرر فينا مثل هذه الصور! فمثلاً: إذا أقبل رمضان أقبل الناس على بيوت الله دعاء، وتضرعاً وصياماً وذكراً وقرآناً، وهذا كله زاد يتزود به المسافر في طريقه، حتى إذا انتهى رمضان عاد المسافر إلى ما كان عليه، فيضيع الصيام، ويتخلف عن الصلوات، ويقلل من الذكر والطاعات، حتى يضيع ما بناه طوال شهر كامل ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل:٩٢]، ضرب الله مَثَل هذا بامرأة تغزل فبعد أن أوشك الغزل على التمام أخذت تفل خيوط هذا الغزل حتى عاد إلى ما كان عليه.
أحبتي! إن الهدم سهل، ولكن البناء صعب، فالبناء يحتاج إلى مجهود أكبر، لكن بالمقابل في ساعات قليلة تستطيع أن تهدم بنىً كاملاً يتكون من أربعة أدوار أو ستة أدوار، استغرق من الوقت في بنائه شهور أو سنوات، لكن عند هدمه فالعملية لا تستغرق سوى ساعات.
فالصعود إلى القمة صعب وفيه مشقة وتعب ويحتاج إلى عزيمة، ويحتاج إلى جهد وطاقة، لكن النزول من القمة سهل، وهكذا كثير من الناس يبني ويتعب، ثم يغريه الشيطان في دقائق وفي ساعات فيهدم مجداً عظيماً قد بناه، يبني ويتعب ويكدح ثم لشهوة في مرقد أو في مضجع، أو الشهوة في نفس أو في مال يهدم ما قد بناه.
إن القضية قضية إيمان، فيوم بنى هذا الرجل بنيانه كان على إيمان أن ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦]، وعندما ضعف إيمانه بدأ يهدم هذا البنيان.
إنما يتفاوت الناس في بنائهم وفي هدمهم بتفاوت الإيمان، فهذا إيمانه قوي وهذا إيمانه ضعيف، والفرق بين فلان وفلان في مقدار الإيمان الذي وقر في صدور أولئك الرجال؛ لأن فلاناً من الناس يستطيع المحافظة على الصلوات الخمس، فيناديه منادي الله في كل حين: حي على الصلاة؛ فلا يتخلف، ودائماً يجيب النداء، وفلان من الناس يناديه المنادي مرات ومرات لكنه مرات يتخلف ومرات يلبي، وكثيراً ما يتخلف، فلماذا هذا قوي في بنائه وهذا ضعيف في بنائه؟ وما هو الفرق؟ إن الفرق هو الإيمان الذي وقر في صدر هذا والذي وقر في صدر ذاك.
إن فلاناً من الناس إذا نام مبكراً، أو نام متأخراً يستيقظ إذا ناداه منادي الله: الصلاة خير من النوم؟ وفلان من الناس يقول: والله لو تضرب مدافع عند رأسي لا أستيقظ! فما هو الفرق؟ ما الذي أيقظ هذا وحركه للإجابة لنداء الله، ولم يتحرك ذاك ولو بصوت المدافع، ما هو الفرق؟ إنه الإيمان، لماذا هذا يبني وهذا يهدم؟ الدافع الحقيقي لهذا الإنسان هو الإيمان، والمحرك الحقيقي لهذا الإنسان ليفعل الطاعات هو الإيمان، فالذي جعل هذا يبني ويحافظ على البنيان هو الإيمان، والذي جعل هذا يتساهل ويهدم هو ضعف الإيمان.
إن الظاهرة اليوم التي عمت وطمت وانتشرت حتى أصبحت مظهراً سائداً عاماً في حياة المسلمين هي ظاهرة ضعف الإيمان، وعلى قدر الإيمان تكون الأعمال، وعلى قدره يصمد هذا البنيان.
إن قوي الإيمان لا يسقط أمام الشهوات واللذات والمغريات مهما كانت، إنه ثابت في المحيا وثابت عند الممات.
ولماذا فلان من الناس عندما يذكّر مرة واحدة يكفيه؟ وآخر عندما يذكر مرات ومرات ومرات فلا يرتدع ولا يستجيب؟ ما هو الفرق؟ إنه فرق الإيمان، فأهل الإيمان من سماتهم أنهم أصحاب قلوب حية، فلا يمر الكلام عليهم مرور الكرام، إنه يقف ويتدبر ويتفكر.
وكم خاطبنا الله بهذا النداء: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، فالقضية مهمة في بناء الإيمان، ولهذا خاطبنا الله بنداء الإيمان، ولما كانت القضية مهمة قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، فأليسوا أهل إيمان؟ بلى هم أهل إيمان، فلماذا كرر الله الأمر بالإيمان مع أهل الإيمان؟ لأن القضية مهمة، والمعنى: احفظوا الإيمان، وارعوا الإيمان، وتعاهدوا الإيمان.
стр. 195
من مظاهر ضعف الإيمان: التحسر على أمور الدنيا أكثر من أمور الآخرة
إن الإيمان ليخلق في قلب الرجل، وإنه يضعف ويقوى، فلماذا -أحبتي- نندم على أمور الدنيا إذا فاتت ولا نتحسر على أمور الدين؟! ومن الذي إذا استيقظ وقد أشرقت الشمس وطارت الطيور بأرزاقها -كما يقولون- تحسّر وندم، فقد فاز المصلون، وفاز أولئك الذين دخلوا في ذمة الله في ذلك اليوم؟! وكم من إنسان استيقظ بعد شروق الشمس ولا يوجد في قلبه حسرة ولا ندامة على ما فاته، يقول النبي ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش).
يقول أحدهم: دخلت على رجل في مكتبه في الوظيفة فإذا على وجهه من آثار الهموم والغموم ما الله به عليم، فقلت في نفسي: هذا أصابته مصيبة عظيمة إما في أهله أو في ماله، فآثار هذه المصيبة ظاهرة وبادية في وجهه، فقلت له: يا فلان! خيراً إن شاء الله -فمن حق المسلم أن يعزي أخاه-، فقال: اسكت إنها فرصة لا تعوض، قلت: يا رجل! كل شيء يعوض إلا العمر إذا مضى، قال له: يا رجل! فرصة العمر ما تعوض، قلت: خيراً إن شاء الله، قال -واسمع ما قال-: أرض تجارية في موقع تجاري عليها تصريح لستة أدوار، والدور الأول كله محلات تجارية، وقد بيعت بثمن بخس وثمن زهيد، فقلت في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون، على هذا يتحسر المسلمون اليوم؟! على هذا يندم المسلمون اليوم؟! قلت له: يا رجل! ما كتبها الله لك، أما قال الله: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣]، فاسمع على ماذا نبكي، واسمع على ماذا نتحسر.
واسمع عن بكائهم وتحسرهم في لحظات احتضار فهذا معاذ أعلم الأمة بالحلال والحرام، اسمع تزكية النبي له وهو يقول له: (والله إني لأحبك يا معاذ)، إنها تزكية النبي ﷺ لهذا الشاب الذي بنى البنيان وحافظ عليه حتى ساعات الاحتضار.
وعند ساعات احتضاره بليل قال لابنه: أصبحنا؟ قال: ليس بعد، فسأله بعد حين فقال: أصبحنا؟ قال: ليس بعد، ثم قال له مرة ثالثة: أصبحنا؟ قال: نعم، فقال: اللهم إني أعوذ بك من ليلة صبيحتها إلى النار، ثم لما ازدادت سكرات الموت وأتت ساعة الاحتضار، أخذ ينادي ربه، ويتضرع إليه ويدعوه قائلاً: اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك وأنا الآن أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لطول البقاء، ولا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لصيام الهواجر، وقيام الليل، ومجالسة العلماء، فاسمع على ماذا يتحسر ويندم، إنه يتحسر على قيام الليل وعلى صيام الهواجر، وعلى مجالسة أهل العلم والفضل: النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها فالقضية قضية بناء، فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها.
وكثير من يفعل الطاعات لكن قليل من يترك المحرمات، وأصبحت القضية قضية هدم وبناء في نفس الوقت، يبني ويهدم، ويبني ويهدم، وهكذا لا يكتمل البنيان أبداً.
стр. 196
لا يكتمل الإيمان مع إضعافه بالمعاصي
إن الإيمان يجب أن يكون صافياً ونقياً وطرياً؛ حتى نستشعر له حلاوة، وحتى نرى للبنيان جمالاً، وحتى تظهر آثار التعب والنصب في هذا البنيان، فالعسل إذا لم يكن مصفى لا تستشعر حلاوته، ولا تعرف قيمته، فكلما زادت نقاوة العسل وخلوه من الشوائب كان طعمه أحلى، وهكذا الإيمان إذا صفي ونقي من الشوائب والمعايب كان له طعم وحلاوة.
والمشكلة اليوم في حياتنا أن القضية أصبحت مخلوطة، فكثير من المسلمين يصلي، لكن ينظر إلى الحرام، ويأكل الحرام، ويصلي ويفعل الطاعات من صيام وصدقة ولكن في المقابل يفعل المحرمات، فما هو الإيمان؟ الإيمان هو ما وقر في القلب، وصدقه اللسان، وعملت به الجوارح والأركان، ويزيد بالطاعة -أي: ينبني بالطاعة-، وينقص بالعصيان -أي: ويهدم بالمعاصي-، قال الله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢]، وهذا حالنا اليوم، فنفعل الطاعات، لكن لم نترك المحرمات، فلم يظهر للإيمان أثر في حياتنا؛ لأن العملية أصبحت مخلوطة، فإذا قرأ العبد القرآن ارتفع إيمانه، وإذا حافظ على الصلوات الخمس ارتفع إيمانه، وإذا حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها والسنن الرواتب ارتفع إيمانه، وإذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ارتفع إيمانه، وإذا تصدق ارتفع إيمانه، وإذا تبسم في وجه أخيه يبتغي بذلك مرضاة الله ارتفع إيمانه، وكل طاعة يفعلها ترفع الإيمان، لكن في المقابل إذا جلس أمام التلفاز وأطلق للسمع وللبصر العنان ينخفض ويضعف الإيمان.
فالذي يعمل الطاعات يبني إيمانه بالقرآن والذكر والتسبيح والتهليل، لكن في المقابل هو يضعف إيمانه إذا استمع إلى الأغاني، وإذا نظر إلى الحرام، ضعف إيمانه، وإذا أكثر من القيل والقال فيما لا يعنيه ضعف الإيمان، وهكذا حال كثير من المسلمين اليوم، فهدم وبناء، وهدم وبناء، وأصبحت حياتنا لا قيمة لها، وكلما أوشك البنيان على التمام أخذنا في الهدم!! والقضية يوم القيامة قضية ميزان، فإما أن ترجح فيها كفة السيئات أو كفة الحسنات، وإن رجحت كفة السيئات خاب وندم، وإن رجحت كفة الحسنات أفلح وفاز، لكن متى ترجح كفة الحسنات؟ ترجح إذا حافظ على الطاعات حتى يلقى الله ﵎، وترجيح إذا ترك السيئات والمحرمات.
والله! إن أهل الجنة في جناتهم بين حورهم وقصورهم يتحسرون ويندمون على دقائق ضاعت منهم عندما يرون الكرامات، ويرون ماذا أعد الله لعباده الصالحين، ويتمنى أهل الجنة أن لو زادوا في الطاعة، ويتمنى أهل الجنة أن لو زادوا في القربات لما يرون من الكرامات التي أعدها الله لعباده الصالحين، فما ظنك بالفريق الآخر وهو يتقلب في النار؟! ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب:٦٦]، كيف يكون حالهم؟ يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦].
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢].
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]، ماذا عمل بك؟ قال: ما ساعدني على البناء إنما ساعدني على الهدم والضياع، وهذا حال كثير من الناس اليوم، لو تسألهم عن سبب هدمهم لبنيانهم لقالوا: فلان وفلان وفلان هم السبب.
стр. 197
شدة التكاليف على الرجال في السابق
عبد الله! أعلم أنه لا يصنع الرجال إلا الإيمان، وعلى قدر الإيمان في القلوب تكون ثمراته، اسمع ماذا صنع الإيمان بالرجال يقول النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه ذاق بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، ومعنى هذا الكلام أنه إذا أتاك الأمر فعليك أن تفعل، وإذا جاءك نداء الله ألا تفعل فعليك ألا تفعل، وقد كانت التكاليف في السابق شديدة على الرجال ومع هذا ما تخلف منهم رجل واحد، واليوم التكاليف سهلة، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فهم أقاموا البنيان، وإقامة البنيان أصعب شيء، فتعالوا نستمر في بناء ذلك البنيان الذي بناه أولئك الرجال بتضحياتهم، وبدمائهم، وبأوقاتهم، وبأموالهم وبكل ما يملكون.
فهذا رجل واحد يناديه النبي ﷺ يقول له: (اذهب إلى مكة وائتني برأس خالد الهذلي)، خالد الهذلي رجل كان يجمع الرجال حتى يقتل النبي ﷺ ، فجاء النبي ﷺ بجندي واحد من جنود الإيمان، ليس بكتيبة ولا سرية ولا بجيش عرمرم، وإنما برجل واحد وقال له: (اذهب إلى مكة وائتني برأس خالد الهذلي)، فما قال الجندي: لا أستطيع، أو العملية شاقة ومتعبة وخطيرة، لا، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، فلا يختار الجندي إذا أمره القائد، فقال: إني لا أعرف الرجل -أي: ما رأيته قط، واسمع علامات الرجل- فقال له النبي ﷺ : (علامة الرجل أنك إذا رأيته تهابه)، وهنا زادت القضية خطورة؛ فالرجل خطر، وكانت العرب تقول عن خالد الهذلي: إنه رجل بألف رجل، ومع هذا ما قال الجندي: أعذرني، وما قال: ابحث عن غيري، أو مدّني بفلان أو فلان، وإنما قال: سمعاً وطاعة، وخرج حتى وصل إلى عرفات قرب مكة حيث أقام الرجل هناك معسكره يجمع الشباب والرجال حتى يقتلوا النبي ﷺ ، فجاءه وقال له: أنا أريد أن أنضم إلى الرجال الذين معك حتى نقتل محمداً ﷺ فآواه وقربه وأدناه حتى اطمئن إليه، ثم سار معه خلف الخيام يتباحثون في القضية والموضوع، حتى إذا ابتعدوا عن أعين الناس استل عبد الله بن أنيس ﵁ وأرضاه سيفه واجتز رقبة الرجل وعاد يخبر القائد أن المهمة قد تمت، وكان الوحي قد سبقه إلى النبي ﷺ ، فما إن دخل الجندي على القائد حتى قال له النبي ﷺ : (أفلح الوجه، خذ عصاتي توكأ عليها أعرفك بها يوم القيامة، وقليل هم المتوكئون)، فلما احتضر عبد الله بن أنيس ﵁ وأرضاه أمر بتلك العصا أن تكفن معه في كفنه؛ كي تكون شاهدة ودليلاً على أنه أطاع الله وأطاع الرسول.
فانظر لقد كانت التكاليف صعبة وشاقة على الرجال ومع ذلك ما تخلف منهم رجل واحد.
وفي يوم بدر كان النبي ﷺ يحثهم ويحرضهم على القتال، ويرفع شعار المعركة ويقول لهم: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)، فيتعجب الرجل ويتأمل ويتفكر ويقول: جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: (يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؟ ماذا بيني وبينها؟ قال: أن تقاتل في سبيل الله فتقتل، قال: ادعُ الله أن أكون من أهلها، قال: أنت من أهلها، وكان في يده تمرات فقال: بخ بخ، وقذفها وانطلق وهو يقول: والله! إنها لحياة طويلة إن أنا عشت حتى آكل هذه التمرات)، ولسان حالهم: ركضاً إلى الله بغير زادِ غير التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد وكل عمل عرضة للنفادِ إلا التقى والبر والرشاد.
(ادع الله يا رسول الله! أن أكون من أهلها قال: أنت من أهلها، ثم ينطلق ويبارز القوم ويقاتلهم حتى يسقط قتيلاً ﵁ وأرضاه).
فما الذي دفع أولئك الرجال إلى تلك الأفعال؟! إنه الإيمان يوم بنوا البنيان حافظوا على البنيان حتى وصل إلى تمامه، ونحن اليوم نبني ونهدم، فلم نستشعر الإيمان وحلاوته، واسمع ماذا كانوا يقولون، كانوا يقولون: إذا لم تستطع قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم.
والله! إننا في حرمان لا يعلمه إلا الله، وذلك يوم لم نستشعر الإيمان وحلاوته ولذته، والأنس بالله، والقرب من الله ﵎، فإذا أنس أهل الدنيا بالدنيا فليأنس أهل الإيمان بالله، وإذا أنس أهل الدرهم والدينار بمالهم فليأنس أهل الإيمان بالله ﵎.
إنه الإيمان الذي يصنع الرجال (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، أي: تبذل الغالي والنفيس للذي أعطاك، ووهب وسخر لك كل شيء، فهكذا تكون حياة أهل الإيمان.
стр. 198
صفات أهل الإيمان
هذا الشاب الجديد في انطلاقته في طريق الإيمان، وفي طريق البناء، يوم أن بدأ يسير على الطريق كانت من أمنياته أن يحفظ سورة الفرقان، وما أجملها من سورة لو تدبرناها! فهي تصف عباد الرحمن أولئك الذين يبنون البنيان ويحافظون عليه، يقول: من أمنياتي وأنا في بداية الطريق أن أحفظ سورة الفرقان، فاجتهدت في حفظها بعد صلاة الفجر، فيوم أن نام النائمون مكثت أنا في المسجد أحفظ هذه السورة العظيمة، يقول: فلما أتممت حفظ السورة وخرجت من المسجد فمن السعادة التي في قلبي شعرت أن هذا الكون لا يستطيع أن يتحملني، وشعرت أني أستطيع أن أوزع الإيمان على الكون كله، وأستشعر السعادة في هذا الكون كله، يقول: فالتفت يمنة ولا يسرة ما أريد أن ينظر إليَّ أحد؛ لأني كنت أشعر أني لا أسير على الأرض! ما هو هذا الشعور أليس هو الإيمان؟ أليست هي الطاعات التي جعلتهم يستشعرون الإيمان؟ أليس البنيان الذي بنوه وحافظوا عليه هو الذي كمل إيمانهم؟ فيأيها الغالي! حافظ على الطاعات من كل ما يشوبها وينقص من قيمتها.
وأما صفات عباد الرحمن فقد قال الله عنهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فلما وصف نهارهم قال أهل التفاسير: كان من باب أولى أن يصف ليلهم، ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٨]، ثم قال في الآيات التي تليها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]، أي: ليس عندهم مجال لتضييع الأوقات وتضييع الأعمار، وكل باطل وزور لا يشهدونه، وكل مجالس لهو وتضييع لا يشهدونها؛ لأنهم ما خلقوا من أجل هذه ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٣ - ٧٤]، ما هي ثمرات حفاظهم على البنيان؟ ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:٧٦ - ٧٧].
فهذه أحوال الذين يبنون، وأما أحوال المضيعين والمفرطين الذين يهدمون البنيان فهي عكس صفات الرحمن تماماً.
وجاءتنا الأخبار أن أحد الشباب سلك طريق الاستقامة، وركب سفينة النجاة، وبدأ يحافظ على الصلاة ويحفظ القرآن، وبدأ يتذكر أصحاباً له لا يزالون غارقين في لجج المعاصي والآثام، فودّ لو أنهم ركبوا معه في سفينة التوبة والنجاة، وانضموا إلى قوافل العائدين، زارهم وليته لم يفعل، وهذه نصيحة لكل تائب جديد في طريق الاستقامة ألا يذهب لأصحاب الماضي وحيداً، فخذ معك من يعينك على دعوتهم؛ لأن الكثرة تغلب الشجاعة، فزارهم يريد لهم الهداية، فبدأ الهجوم عليه من كل الجهات: أتذكر يوم كذا وكذا، وعلت الأصوات وانطلقت الضحكات، وقام من عندهم بعد أن جددوا جراحاً ماضية، وحركوا في القلب والنفس أشياء، وبدأ الصراع من جديد.
جاءوه بعد أيام يعرضون عليه السفر إلى مكان قريب بقصد شراء سيارة قالوا له: نريد من يذكرنا بالله ويؤمنا في الصلاة، ويعلمنا الجمع والقصر، فزينت له نفسه السفر وانطلق معهم، وليته لم يفعل، هناك حيث يعصى الله استأجروا شقة مفروشة، وتركوه فيها وذهبوا وهم يخططون كيف يعيدونه إلى شواطئ الضياع مرة ثانية، فأمضوا ليلتهم في سهرة ليلية بين خمر وغناء وهو هناك ينتظرهم، واتفقوا مع بغي زانية فاجرة على أن يدفعوا لها الثمن أضعافاً مضاعفة إن هي استطاعت أن توقع صاحبهم في الفاحشة، الله أكبر! يدفعون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فأدخلوها عليه ومعها خمر وشريط غناء حتى تكون الليلة حمراء، والخمر مذهبة للعقل، والغناء بريد الزنا، فخلت به وخلا بها (وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، ولا زالت به حتى سقته كأساً من خمر، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثم وقع المحظور وانهدم في لحظات بنيان طالما تعب حتى بناه، فنام في فراشه عارياً مخموراً -والعياذ بالله-، فلما أصبح الصباح جاء شياطين الإنس يطرقون الباب وضحكاتهم تملأ المكان، ففتحت الفاجرة لهم الباب فقالوا لها: ما عندك؟ ما الخبر؟ ما البشارة؟ قالت: أبشروا فقد فعل كل شيء: شرب الخمر، وزنى، ثم نام وهو عريان في فراشه الآن، تباً لهم ولأمثالهم أيفرحون ويستبشرون إن عُصي الله؟ أيفرحون أن صاحبهم زنى وشرب الخمر بعد أن كان يصلي ويقرأ القرآن؟! فدخلوا عليه ضاحكين شامتين وهو مغطىً في فراشه، فأيقظوه فلم يجبهم، فكرروا النداء فلم يجبهم، فحركوه وقلبوه في فراشه فلم يستيقظ، واسمع الفاجعة: إن صاحبنا شرب الخمر، وزنى، ونام، ومات من ليلته في فراشه على أسوأ ختام! إنا لله وإنا إليه راجعون! فيا ألله! أما كان صاحبهم يصلي ويصوم ويقرأ القرآن؟ أليس قد جاء معهم يريد لهم الهداية فأرادوا له الغواية؟ لقد دفعوا أموالهم وأوقاتهم ليصدوه عن سبيل الله، فهل سينقذونه من عذاب الله؟ فأي أصحاب هؤلاء؟! وصدق الله حين قال: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياه فكم من فاسق أردى مطيعاً حين آخاه
стр. 199
استشعار وتذكر اليوم الآخر من أهم أسباب المحافظة على البنيان
ما الذي قاد أولئك الرجال إلى حفظ الإيمان؟ وما هي القضية التي كانت قوية في حياتهم ضعيفة اليوم في حياتنا؟ إنها قضية الإيمان باليوم الآخر، فالإيمان باليوم الآخر هو الذي قاد أولئك الرجال إلى صنع تلك العجائب التي صنعوها، واليوم هذا الشعور ضعف في حياتنا، ولو استشعرنا أن هناك يوماً سيجمع الله فيه الأولين والآخرين فهل ترى الرجل يتخلف عن الصلوات؟ أتراه يتنازل عن الطاعات؟ أتراه يتساهل في المحرمات؟ من علم أنه لله عبد، وأنه بين يدي الله سيقف، أتراه يضيع العمر؟ أبداً والله! والله! ما ضاع المسلمون إلا يوم ضعف استشعار الإيمان باليوم الآخر في حياتهم، كما قال الله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧].
﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٥].
وقد جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم قال له: هناك قضية شغلتني بالليل والنهار، قال له إبراهيم: دعني فأنا أيضاً مشغول، فعندي ما يكفيني ويشغلني، قال: يا شيخ! إما تشغلني، وإما أنا أشغلك بقضيتي، قال له إبراهيم: هي ثلاث قضايا لا تفارقني بالليل ولا بالنهار، قال الرجل: هات الأولى، قال: الأولى: يقول الله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، وأنا لا أدري إلى أي فريق أنتمي، وممن أكون: أمن الذين تبيض وجوههم أو من أولئك الذين تسود وجوههم.
والثانية: يقول الله: ((فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ))، وأنا لا أعلم أمن الأشقياء أكون أم من السعداء.
والثالثة: يقول الله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، فلا يوجد بين البين فإما جنة وإما نار.
فاستشعارهم لليوم الآخر هو الذي غير مجرى حياتهم، وضعف هذا الشعور اليوم في حياتنا هو الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه، ولو تدبرت آيات هذا الكتاب الحكيم فستجد أنها في كل صفحة من صفحاته تربطنا بذلك اليوم، ﴿الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١]، ﴿الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١]، ﴿الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١]، ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾ [هود:١٠٣]، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء:١]، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١].
فمن تعلق قلبه بذلك اليوم حافظ على البنيان، ومن ضعف تعلقه بذلك اليوم هدم البنيان ولم يبال.
يقول ابن الحسن البصري: أمسى أبي صائماً حتى حانت ساعة الإفطار، فقدم إليه الطعام فقيل له: الطعام يرعاك الله، قال: فاسترجع وبكى وأبكى حتى عافت نفسه الطعام، ثم قرأ عليهم قوله ﵎: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣]، فسبحان الله عندما تعرض عليهم أمور الدنيا يربطوها بالآخرة، يقول: حتى عافت نفسه الطعام، وأصبح صائماً لليوم الثاني على التوالي، ولم يذق الطعام ولا الشراب حتى حانت ساعة الإفطار فقيل له: الطعام -يرعاك الله-، فاسترجع وقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣]، حتى عافت نفسه الطعام، وأمسى ليله كله باكياً حتى أصبح صائماً لليوم الثالث على التوالي، ولم يذق الطعام ولا الشراب.
فأسألك بالله ما الذي حرمهم لذيذ المنام ولذيذ الطعام أليس هو استشعار اليوم الآخر؟ أليس هو استشعار المسئولية عند الوقوف بين يدي الله ﵎؟ فلما حانت ساعة الإفطار لليوم الثالث على التوالي ذهب ابنه إلى ثابت البناني، ويحيى البكاء ويزيد الضبي فقال: أدركوا أبي! ثلاثة أيام لم يذق الطعام، ولا الشراب! فلا زالوا يكلمونه ويحدثونه حتى ذاق سويقة من تمر، ثم قرأ عليهم قول الله ﵎: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣]، تخيل المشهد يرعاك الله، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل:١٤ - ١٦]، ثم الخطاب لنا ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:١٧ - ١٩]، والله! لو أن القلوب سليمة لتقطعت ألماً من الحرمان، ولكنها سكرى بحب الدنيا، وسوف تفيق بعد زمان، والله! إن استشعارهم لليوم الآخر هو الذي حرك أولئك الرجال، وضعف هذا الشعور في حياتنا هو الذي جعلنا نهدم البنيان كلما بنيناه، متى يكتمل البنيان؟ وأنى له أن يكتمل إذا كان هذا يبني وهذا يهدم؟! فالقضية خطيرة جد خطيرة، القضية قضية مصير إما جنة وإما نار وليس لهما ثالث.
стр. 200
كيفية المحافظة على بنيان الإيمان
إن حفظ البنيان لا بد فيه من المجاهدة، ولا بد فيه من الصبر، ولا بد من الصدق مع الله ﵎ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]، فالعمر مهما طال فهو قصير، والدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، واسمع كيف يستشعر المؤمن الإيمان وحلاوته.
(دخل النبي ﷺ على رجل في المسجد فقال له: كيف أصبحت يا حارثة؟ فقال: أصبحت مؤمناً حقاً، فقال له النبي ﷺ : وما حقيقة هذا الإيمان؟)، اسمع علامات الإيمان، وعمل أهل الإيمان قال: (عزفت نفسي عن الدنيا)، وهكذا المؤمن، فقلبه ليس معلقاً بالدنيا وحطامها، وكيف يتعلق في الدنيا وما فيها والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]، يقول الناظم في الدنيا: إذا هدمت فزدها أنت هدماً وحصن أمر دينك ما استطعتا ولا تحزن على ما فات منها إذا ما أنت في أخراك فزتا أراك تحب عرساً ذات خدر أبت طلاقها العقلاء بتا وتطعمك الطعام وعن قليل ستطعم منك ما فيها طعمتا تفر من الهجير وتتقيه فهلا من جهنم قد فررت فإنك لا تطيق أهونها عذاباً ولو كنت الحديد بها لذبتا قال: (عزفت نفسي عن الدنيا)، ثم إن الإيمان لا بد أن يترجم إلى عمل.
يقول الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه اللسان، وعملت به الجوارح والأركان.
فالإيمان ليس بالتمني ولا بالتخلي، ولابد أن يكون مترجماً إلى عمل، قال: (فأسهرت ليلي قياماً، وأظمأت نهاري صياماً)، وهو لا يتكلم عن رمضان، نحن لا نعرف الصيام ولا القيام إلا من رمضان إلى رمضان، وهذا يتكلم عن سائر الأيام طوال العام فليلهم قيام، ونهارهم صيام.
عبّاد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه على الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم خرجوا إلى الموت يستجدون رؤياه فيا ربِ ابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً تليداً قد أضعناه يقول: (أسهرت ليلي، وأظمأت نهاري).
ثم إذا ارتقى الإيمان بالعبد فإنه يصل به إلى مرتبة الإحسان؛ لأن الدين ثلاث مراتب: إسلام، فإيمان، فإحسان، نحن مطالبون -أيها الغالي- أن نرقى بإيماننا وأن نرقى بمستوانا يوماً بعد يوم ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢]، إنه التفاضل في حسن العمل، فالكل يصلي لكن شتان بين مصل ومصلٍ، والكل يعمل الطاعات لكن هناك فرق بين من يحسن الطاعات ويراقب الله فيها، وبين من يؤديها أداء واجب.
إن الدين عهد وميثاق بيننا وبين الله، فكم الذين يقومون بالدين ويحافظون عليه؟ لقد سمَّى الله الذين أوفوا بالعهد مع الله رجالاً فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، والدين عهد بيننا وبين الله، والمطلوب أن نقوم به على أحسن وأتم وجه.
ولما ارتقى الرجل في إيمانه قال: (أسهرت ليلي، وأظمأت نهاري)، ويقول: (كأني أرى عرش الرحمن بارزاً أمامي، وكأني أرى أهل النار يتعاوون فيها، وكأني أرى أهل الجنة يتزاورون فيها)، فقال له النبي ﷺ : (أنت إنسان عرفت فالزم) أي: هذا هو الإيمان، فهو قول وعمل.
ثم اسمع إلى ثمرات الإيمان، ففي يوم بدر يقتل حارثة ﵁ وأرضاه، فتأتي أم حارثة إلى النبي ﷺ وتقول: (يا رسول الله! أين حارثة، هل مكانه في الجنة فأفرح له، أم في النار فأجتهد في البكاء عليه؟ فيقول لها يا: أم حارثة! إنها ليست جنة يا أم حارثة! ولكنها جنان، وإن حارثة أصاب الفردوس الأعلى)، بماذا وصل إلى تلك المرتبة الرفيعة العالية عند الله؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٩ - ١٠]، فالإيمان هو الذي صنع أولئك الرجال، وأقام ذلك البنيان تعلقهم بالله، وما عند الله هو الذي قادهم إلى جنات النعيم، واليوم عندما ضعف الإيمان في حياتنا أصبح الإيمان لا يكفي لإيقاظ الرجل لصلاة الفجر، اليوم الإيمان لا يكفي ليترك الرجل منامه وفراشه من أجل الله ﵎.
يقول الشاعر مخاطباً نفسه: تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبر النحل إن الإيمان هو الذي يصنع البنيان، وكلما قوي الإيمان كان البنيان قوياً، وكلما ضعف الإيمان بدأ البنيان بالسقوط.
فتعالوا! نحفظ على الطاعات، ونجاهد النفس، ونلزمها على فعل الطاعات وترك المحرمات؛ لكي لا تصير القضية مخلوطة في حياتنا.
وإذا استشعرنا الإيمان فوالله! لن نرضى به بدلاً، إذا استشعرت حلاوة الإيمان فثق تمام الثقة أنك لن ترضى به بديلاً، واسأل أولئك الذين ساروا على طريق الاستقامة، اسألهم عن الماضي الذي كانوا فيه عندما كانوا يهدمون البينان، واسألهم الآن هل ترجعون إلى الماضي؟ إن أحدهم لا يرجع إلى ما كان عليه أبداً؛ لأنه استشعر الإيمان وحلاوته، وكلما تقربت وزدت في الطاعات كان أثر الإيمان واضحاً في حياتك (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً)، وهكذا الإيمان! قال الله عن أصحاب الكهف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، فالإيمان يزيد، والهداية ليست باباً واحداً بل أبواب، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧].
إن المسئولية مسئوليتك أنت، فكلما اجتهدت في المسير، وقمت على بناية البنيان ورعايته، فثق تمام الثقة أن المردود أعظم في الدنيا قبل الآخرة.
فما رأيت شيئاً يصنع الرجال كالصلوات الخمس، وهو عمر الخبير يقول: من كان محافظاً عليها كان على غيرها أحفظ، ومن كان لها مضيعاً كان لغيرها أضيع.
وما أظن أن رجلاً يحافظ على الصلوات الخمس يبني ويهدم، وإنما جاءت قضية الهدم والبناء لأولئك الذين صلاتهم متقطعة، وأشهد بالله العظيم لو أن رجلاً استقام في صفوف المصلين أربعين يوماً لاهتدى، ولن يرضى أن يعود إلى الماضي القبيح، فهل تستطيع أن تجاهد النفس لله أربعين يوماً؟ لقد جاهد الرجال سنين طويلة، فهذا يقول: منذ أربعين عاماً ما فاتتني تكبيرة الإحرام، والآخر يقول: منذ خمسين عاماً ما فاتتتني لا في سفر ولا في حضر، أليست هممهم عالية؟ أليس إيمانهم راسخاً؟ ثق تمام الثقة وخذ بالعلاج، فالمريض إذا مرض يذهب إلى الطبيب ثم يوصف له العلاج، فإذا داوم وحافظ على العلاج فبإذن الله يشفى، وضعف الإيمان علاجه الاستقامة على الطاعات، وفي نفس الوقت ترك المحرمات والمعاصي، وثق بعد الأربعين أنك لن ترضى أن تعود إلى الماضي السابق من الهدم والبناء في نفس الوقت، وما تدري وأنت تبني إلا ويقال لك: توقف انتهت المدة، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبة.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحفظني وإياكم بحفظه، وأن يعينني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا -يا ربنا- من الراشدين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، واعل شأننا، وأصلح ولاة أمورنا، اجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك الموحدين.
أستغفر الله العظيم، وصلى الله على محمد.
стр. 201
الذي يراك حين تقوم
خلق الله الخلق وابتلاهم لينظر كيف يعملون، وجعل الجنة محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالشهوات، فمن راقب الله في سره وعلنه وتذكر نظر الله إليه عند المعصية فاجتنبها فاز برضاه، وإلا فيا خسارته وبواره!
стр. 202
مراقبة الله
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة بالنار.
معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا وأنت وأنت في ليلة أذكرها بعنوان: (الذي يراك حين تقوم).
وأي عنوان أحلى وأجمل من هذا؟ أي أسطر أجمل من تلك التي تتكلم عن الله وعن عظمته وبره ورحمته.
لن أذكر للعنوان عناصراً، بل سأدع العناصر يسوق بعضها بعضاً حتى الختام.
فهيا ننطلق! الدافع للموضوع: ما نراه من كثرة الفواحش والمنكرات، ما نلمسه من ضعف الوازع عن المحرمات، وما تأتي به الأخبار عن ضعف التربية، وقلة المراقبة في الخلوات هذا يتساهل في النظر، وذاك يمارس عادات، وآخر يأكل الربا وغيره يتمايل مع الغناء.
أحبتي! كثير من الناس وجودهم كالعدم، لم يتأملوا دلائل الوحدانية، ولم يقفوا عند أوامر الله ونواهيه، هم كالأنعام بل هم أضل، إن وافق الشرع مرادهم قبلوه وإن لم يوافق تركوه، إن حصلوا على الدرهم والدينار رضوا وأخذوه، ولم يبالوا من حلال أم من حرام كسبوه، إن سهلت عليهم الصلاة فعلوها، وإن لم تسهل تركوها.
أحبتي! من تفكر في العواقب أخذ الحذر! ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر! تمضي السنون وتنقضي الأيام والناس تلهو والأنام نيام والناس تسعى للحياة بغفلة لم يذكروا القرآن والإسلام والمال أصبح جمعه كتهجد وتمتع الشهوات صار قيام قد زين الشيطان كل رذيلة والناس تفعل ما تريد حرام يا نفس يكفي فالذنوب كثيرة إن الغرور يسبب الإجرام هل تعلم اليوم المحدد وقته الله يعلم وحده العلام ماذا تقول إذا حملت جنازة ودفنت بالقبر الشديد ظلام هذا السؤال فهل علمت جوابه ماذا تجيب إذا نطقت كلام من ذا نصيرك إن روحك غرغرت جاء المفرط كي يقول ختام اليوم تفعل ما تشاء وتشتهي وغداً تموت وترفع الأقلام يروى أن عيسى بن مريم ﵇ رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء عليها من كل زينة فقال لها: كم تزوجت؟ فقالت: لا أحصيهم! قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلت! فقال عيسى ﵇: بؤساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين؟.
اعلم رعاك الله! واسمعي بارك الله فيك! لا يقطع الطريق إلا بالصبر والتسلية كما قيل، فإن تشكت فعللها المجرة من ضوء الصباح وعدها بالرواح ضحى.
حكي عن بشر الحافي أنه سار ومعه رجل في طريق طويل فعطش صاحبه فقال له: نشرب من هذه البئر، فقال بشر: اصبر إلى البئر الأخرى, فلما وصلا إليها قال له: اصبر إلى البئر الأخرى، فما زال يعلله ويصبره ثم قال: هكذا تنقطع الدنيا، بالصبر والتصبير.
فدرب النفس على هذا الأصل وتلطف بها وعدها الجميل لتصبر على ما قد حملت.
كان بعض السلف يقول لنفسه: والله ما أريد بمنعك هذا الذي تحبين إلا من الإشفاق عليك.
وقال أبو يزيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله تعالى وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك.
يعني أكرهتها على العمل حتى استقامت ورضيت.
فمن هجر اللذات نال على المنى ومن عشق اللذات عض على اليد ففي قمع أهواء النفوس اعتزازها وفي نيلها ما تشتهي ذل سرمد
стр. 203
آية ومعنى
آية ومعنى: قال سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٧ - ٢٢٠].
قال السعدي ﵀: وأعظم مساعد للعبد على القيام بما أمر به الاعتماد على ربه، والاستعانة بمولاه على توفيقه للقيام بالمأمور، فذلك أمر الله تعالى بالتوكل عليه فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء:٢١٧].
والتوكل: هو اعتماد القلب على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار، مع ثقته بالله وحسن ظنه بحصول مطلوبه، فإنه عزيز رحيم بعزته يقدر على إيصال الخير ودفع الشر عن عبده وأمته، وكل ذلك برحمته.
ثم نبهه عند فعل الأوامر وترك النواهي باستحضار قرب الله والنزول في منزل الإحسان فقال: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩]، أي يراك في هذه العبادة العظيمة التي هي الصلاة، يراك وقت قيامك وتقلبك راكعاً ساجداً، خصها بالذكر -يعني الصلاة- لفضلها وشرفها، ولا بد من استحضار القلب حين فعلها، لأنه من استحضر فيها قرب ربه خشع وذل وأكملها، وبتكميلها يكمل سائر عمله ويستعين بها على جميع أموره.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢٢] أي: السميع لسائر الأصوات على اختلاف تشتتها وتنوعها، والعليم الذي أحاط بالظواهر والبواطن والغيب والشهادة.
فاستحضار العبد رؤية الله له في جميع أحواله وسمعه لكل ما ينطق به وعلمه بما ينطوي عليه قلبه من الهم والعزم والنيات يعينه على بلوغ منزلة الإحسان.
стр. 204
معنى الإحسان والمراقبة
فما هو الإحسان؟ الإحسان جاء في الحديث الصحيح عند مسلم في حديث وصف الإسلام والإيمان لما سئل رسول الله ﷺ عن الإحسان قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
نعم يراك ويعلم سرك ونجواك، في الصحراء يراك، في الجو أو في السماء يراك، إن كنت وحيداً رآك، أو كنت في جمع رآك، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤].
معنى الإحسان: استحضار عظمة الله ومراقبته في كل حال.
فما هي المراقبة؟ قال ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: المراقبة هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين بذلك هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله مطلع على عمله، ومن راقب الله في خواطره عصمه الله في حركات جوارحه.
قال أحدهم: والله إني لأستحي أن ينظر الله في قلبي وفيه أحد سواه.
قال ذو النون: علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عظم الله، وتصغير ما صغر الله.
وقال إبراهيم الخواص: المراقبة: خلوص السر والعلن لله جل في علاه، من علم أن الله يراه حيث كان، وأن الله مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلوته أوجب له ذلك العلم واليقين.
كان بعض السلف يقول لأصحابه: زهدنا الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه من خشيته جل في علاه.
أو كما قال.
وقال الشافعي: أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف.
وقالوا: أعظم العبادات مراقبة الله في سائر الأوقات.
قال ابن القيم: والمراقبة: هي التعبد بأسمائه الرقيب, الحفيظ, العليم, السميع, البصير، فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة.
стр. 205
أسماء الله الحسنى وأثرها على من استحضرها
فهيا معاً أحبتي ننظر في معاني هذه الأسماء وآثارها.
من آثار هذه المعاني والصفات: اعلم بارك الله فيك واعلمي رعاك الله! أن أسماء الله الحسنى هي التي أثبتها الله تعالى لنفسه وأثبتها له عبده ورسوله محمد ﷺ وآمن بها جميع المؤمنين قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠]، وقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨].
وجاء في الصحيحين عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)، ومعنى أحصاها: حفظها وعدها واستوفاها وعمل بمقتضاها.
فكما أن القرآن لا ينفع حفظ ألفاظه دون العمل به كذلك أسماء الله وصفاته، ولا بد أن نعلم أن أسماء الله ليست بمنحصرة في التسعة والتسعين المذكورة في حديث أبي هريرة ولا فيما استخرجه العلماء من القرآن، ولا فيما علمته الرسل والملائكة وجميع المخلوقين، لحديث ابن مسعود عند أحمد وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أصاب أحداً همّ ولا حزن فقال: اللهم أنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي، من قالها أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحاً، فقيل: يا رسول الله! أفلا نتعلمها؟ فقال: بلى.
ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها).
فتعلموها وعلموها رعاكم الله.
واعلم واعلمي أن من أسماء الله ما لا يطلق عليه إلا مقترناً بمقابله، فإذا أطلق وحده أوهم نقصاً تعالى الله عن ذلك، فمنها المعطي المانع والضار النافع والقابض الباسط والمعز المذل والخافض الرافع، فلا تطلق على انفرادها بل لا بد من ازدواجها بمقابلها إذ لم تذكر في القرآن والسنة إلا كذلك.
ومن ذلك: (المنتقم) لم يأت في القرآن إلا مضافاً إلى: (ذي) كقوله: (عزيز ذو انتقام) أو مقيداً بالمجرمين كقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢].
ومما يجب علمه أيضاً أنه ورد في القرآن أفعال أطلقها الله على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال في ذات الله ؛ لكن لا يجوز أن يشتق له تعالى اسم منها ولا تطلق عليه في غير ما سيقت فيه من الآيات، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، وقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، وقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥].
فلا يطلق على الله تعالى أنه مخادع ولا ماكر ولا ناس ولا مستهزئ ونحو ذلك، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ولا يقال: الله يستهزئ ويخادع ويمكر وينسى على سبيل الإطلاق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؛ ولكن هذا فعله بالمخادعين ومكره بالماكرين واستهزاؤه بالمستهزئين ونسيانه للذين نسوه.
وهي في هذا السياق مدح وكمال.
قال شيخ الإسلام ﵀: وفي كتاب الله من ذكر أسمائه وصفاته أكثر من ذكر آيات الجنة والنار، وإن الآيات المتضمنة لأسمائه ولصفاته أعظم قدراً من آيات المعاد.
стр. 206
استشعار اسم الله تعالى الرقيب
стр. 207
المواضع في القرآن التي ورد فيها ذكر اسم الله: (الرقيب)
من أسمائه جل في علاه: الرقيب، ورد هذا الاسم في القرآن ثلاث مرات في سورة المائدة في قوله تعالى مخاطباً عيسى ﵇ يوم القيامة في مشهد عظيم وموقف جسيم ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٨].
فمن هم الناجون في ذلك اليوم؟ اسمعوا رعاكم الله! ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩]، لن ينجو إلا أهل الصدق والإخلاص ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١١٩ - ١٢٠].
وجاء ذكر الرقيب في قوله تعالى في آية من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، قال ابن جرير في قوله: (إن الله كان عليكم رقيباً) يعني: إن الله لم يزل عليكم رقيباً حفيظاً، محصياًً عليكم أعمالكم ومتفقداً أحوالكم.
وجاء ذكر الرقيب في سورة الأحزاب في قوله جل في علاه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب:٥٢]، قال الزجاج: الرقيب هو الحافظ الذي لا يغيب عما يحفظه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، وقال الحليمي: الرقيب هو الذي لا يغفل عما خلق.
وفي نونية ابن القيم: هو الرقيب على الخواطر واللوا حظ كيف بالأفعال والأركان قال السعدي: الرقيب: المطلع على ما أكنته الصدور القائم على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير، فهو سبحانه رقيب على الأشياء بعلمه الذي وسع كل شيء ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧].
وهو رقيب على الأشياء ببصره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو رقيب على الأشياء بسمعه المدرك لكل حركة وكلام.
فأين أثر هذا في حياتنا؟ إنه يسمع ويرى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فأين أثر هذا في تصرفاتنا, في معاملاتنا, في عباداتنا؟
стр. 208
قصة إسلام عمير بن وهب بعد علمه أنه الله مطلع عليه
جاء في السير: بعد معركة بدر وبعد أن عادت قريش تجر أذيال الهزيمة وبعد أن تلقت درساً من معسكر الإيمان قعد صفوان بن أمية وعمير بن وهب في الحجر، فأخذا يتذاكران أصحاب القليب، وكان صفوان بن أمية قد قتل أبوه وأخوه يوم بدر.
فقال عمير لـ صفوان: لولا صبية صغار لا أحد يرعاهم بعدي وديون ركبتني لذهبت إلى المدينة وقتلت محمداً، فقال صفوان: دينك علي وأنا أرعى صغارك على أن تقتل محمداً.
فاتفقا ولا ثالث معهما إلا الله الذي يعلم السر وأخفى، وصل عمير إلى المدينة متظاهراً بأنه جاء لدفع الفداء عن ابنه وهب الذي كان أسيراً عند المسلمين.
فرآه عمر ﵁ فانطلق إلى النبي ﷺ وهو في المسجد وقال: يا رسول الله! هذا عدو الله عمير جاء متوشحاً سيفه، فقال النبي ﷺ : أدخلوه علي، فجاء به عمر وقد أخذ بتلابيبه فأوقفه على النبي ﷺ الذي قال: أرسله يا عمر! ثم قال: ادن يا عمير! فدنا ثم قال: أنعم صباحاً يا محمد! وكانت هذه تحية الجاهلية فقال النبي ﷺ : قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير أكرمنا بالسلام تحية أهل الجنة ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤].
ثم قال له النبي ﷺ : ما جاء بك يا عمير؟ فقال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئاً يوم بدر؟! قال: اصدقني يا عمير! ما الذي جئت من أجله؟ قال: ما جئت إلا لذاك.
قال: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب، ثم قلت أنت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً.
فتحمل لك صفوان بن أمية بالدين ورعاية العيال على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك، فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله! نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما يتنزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، والله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله! فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق، فقال الرسول ﷺ : فقهوا أخاكم في دينه وعلموه القرآن وأطلقوا أسيره.
الله أكبر ولا إله إلا الله، تدبر في قوله جل ّفي علاه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨].
أين أثر هذه الآيات في حياتنا؟! بل أين أثر قوله جل في علاه: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٣٥].
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب وأن غداً للناظرين قريب قال ابن كثير: إن عميراً هذا بعد أن هداه الله للإسلام استأذن الرسول ﷺ في العودة إلى مكة ليكون داعيةً إلى الإسلام فقال: يا رسول الله! إني كنت جاهداً على إطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام لعل الله أن يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم.
فأذن له النبي ﷺ ، فلحق بمكة، وكان صفوان ينتظر وصوله بين آونة وأخرى، فكان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب قبل عمير فأخبر صفوان عن إسلامه، فغضب غضباً شديداً وحلف ألا يكلمه أبداً ولا ينفعه نفعاً أبداً.
قال ابن إسحاق: فلما قدم عمير مكة وكان شجاعاً مهيباً جاهر أهل مكة بإسلامه ولم يجرءوا على التعرض له، وأخذ يدعو إلى الإسلام.
أسألك بالله من أين أتت الشجاعة؟ لما دخل موسى وهارون على فرعون ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا َخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٥ - ٤٦].
فأخذ عمير يدعو إلى الإسلام ويؤذي من خالفه أذىً شديداً، فأسلم على يديه خلق كثير.
لكن قل لي وقولي لي: كيف أسلم عمير؟! أسلم يوم استشعر عظمة الله ورقابة الله وإحاطة الله بكل شيء.
فهلا استشعرنا ذلك واستشعرنا قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
﴿لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:٥].
стр. 209
استشعار اسم الله تعالى: الحفيظ
стр. 210
مفهوم اسم الله: (الحفيظ)
ومن أسمائه جل في علاه: الحفيظ.
وهو الذي حفظ خلقه وأحاط علمه بما أوجده، وحفظ أولياءه من وقوعهم في الذنوب والهلكات، ولطف بهم في الحركات والسكنات، وأحصى على العباد أعمالهم وجزاؤها.
هل تعرف معنى: (احفظ الله يحفظك) معناها: احفظ حدود الله وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا نتجاوزها.
المعنى: فعل الواجبات جميعاً وترك المحرمات جميعاً.
وقد مدح الله عباده الذين يحفظون حدوده، فقال في معرض بيانه لصفات المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢].
نعم! بشرهم إذا حفظوا أوامره وحدوده، حفظهم في دينهم ودنياهم وفي أولاهم وأخراهم.
стр. 211
التوحيد أعظم ما يجب حفظه
ومن أعظم ما يجب على العباد حفظه من حقوق الله هو التوحيد، وهو أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، روى البخاري من حديث معاذ بن جبل ﵁ إذ قال رسول الله ﷺ : (يا معاذ بن جبل قال: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم! قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.
ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم! قال: ألا يعذبهم).
فهذا هو حق العظيم الذي أمر الله سبحانه عباده أن يحفظوه ويراعوه، ومن أجل حفظه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وكان الله رقيباً على الجميع ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨].
فمن حفظ توحيده في الدنيا حفظه الله تعالى من عذابه يوم القيامة وسلمه وأمنه، وكان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ويجيره من النار، وإن عذب بسبب ذنوبه إن لم يتب منها فإنه أيضاًً محفوظ بتوحيده من الخلود في النار مع الكفار الذين ضيعوا هذا الحق العظيم.
стр. 212
الصلاة من أعظم ما أمر الله بحفظه
ومن أعظم ما أمر الله بحفظه من الواجبات: الصلاة، وما أدراك ما الصلاة؟ قال سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩].
فمن حافظ على الصلوات وحفظ أركانها حفظه الله من نقمته وعذابه وكانت له نجاة يوم القيامة، قال ﷺ : (اكلفوا من العمل ما تطيقون، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة).
قال ابن القيم ﵀: والصلاة مجلبة للرزق, حافظة للصحة, دافعة للأذى, مطردة للأدواء مقوية للقلب, مبيضة للوجه، مفرحة للنفس, مذهبة للكسل, منشطة للجوارح, ممدة للقوة, شارحة للصدر, مغذية للروح, منورة للقلب, حافظة للنعمة, دافعة للنقمة، جالبة للبركة, مبعدة من الشيطان, مقربة من الرحمن.
وللصلاة تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما ودفع المواد الرديئة عنهما، وما ابتلي رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم.
وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، لا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً، فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة ولا استجلبت مصالحها بمثل الصلاة.
وسر ذلك: أن الصلاة صلة بالله ، وعلى قدر صلة العبد بربه تفتح عليه من الخيرات أبوابها وتقطع عنه من الشرور أسبابها، تأمل في قوله ﷺ عن الله : (يا ابن آدم اركع لي من أول النهار أربع ركعات أكفيك آخره).
ومن حفظ الله للمصلين أن صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، أما من ضيعها، فقد توعده الله بالهلاك والشر العظيم قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩].
فكيف هي صلاتنا؟ هل حفظناها؟ هل راقبنا الله فيها؟ هل تدبرنا قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩]؟ كم مرة تفوتك صلاة الجماعة؟ كم مرة تفوتك تكبيرة الإحرام؟ كم مرة تنام عن الصلاة المكتوبة؟ والله لن يستقيم لحال إلا إذا استقام العبد والأمة في أداء الصلاة.
стр. 213
حفظ السمع والبصر
ومما أمرنا بحفظه السمع والبصر والفؤاد، قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
فاحفظ سمعك فلا تسمع إلا ما يرضيه، واحفظ بصرك فلا تنظر إلا إلى ما يرضيه، واحفظ قلبك فلا يمتلئ إلا بما يحبه ويرضيه، واحفظ عقلك فلا تفكر إلا في طاعته ومراضيه.
стр. 214
حفظ الفروج
ومما أمرنا بحفظه الفروج، قال سبحانه: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال سبحانه: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١].
ومدح الله المؤمنين والمؤمنات بذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥].
стр. 215
حفظ الأيمان
ومما أمرنا بحفظه الأيمان، فقال سبحانه: ﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] وقال: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤]، لأن حفظ اليمين يدل على إيمان المرء وورعه.
فكثير من الناس يتساهلون في الحلف والقسم، وقد تلزمه الكفارة وهو لا يدري، أو يعجز عنها فيقع في الإثم لتضييعه وعدم حفظه لأيمانه.
وبالجملة فالعبد مأمور بحفظ دينه أجمع، فلا يترك منه شيئاً لتعارضه مع هواه ومصلحته، بل هو مطيع لربه على أي حال وفي كل زمان ومكان، لأن ربه يراه ويسمع سره ونجواه وكلما كان وفاء العبد والأمة بحفظ حدود الله وشرائعه أعظم كان حفظ الله له ولها مثل ذلك، قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠]، وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، وقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
следующие страницы →