← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

التوحيد أعظم ما يجب حفظه ومن أعظم ما يجب على العباد حفظه من حقوق الله هو التوحيد، وهو أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، روى البخاري من حديث معاذ بن جبل ﵁ إذ قال رسول الله ﷺ : (يا معاذ بن جبل قال: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم! قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم! قال: ألا يعذبهم). فهذا هو حق العظيم الذي أمر الله سبحانه عباده أن يحفظوه ويراعوه، ومن أجل حفظه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وكان الله رقيباً على الجميع ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨]. فمن حفظ توحيده في الدنيا حفظه الله تعالى من عذابه يوم القيامة وسلمه وأمنه، وكان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ويجيره من النار، وإن عذب بسبب ذنوبه إن لم يتب منها فإنه أيضاًً محفوظ بتوحيده من الخلود في النار مع الكفار الذين ضيعوا هذا الحق العظيم.

стр. 212

الصلاة من أعظم ما أمر الله بحفظه ومن أعظم ما أمر الله بحفظه من الواجبات: الصلاة، وما أدراك ما الصلاة؟ قال سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]. فمن حافظ على الصلوات وحفظ أركانها حفظه الله من نقمته وعذابه وكانت له نجاة يوم القيامة، قال ﷺ : (اكلفوا من العمل ما تطيقون، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة). قال ابن القيم ﵀: والصلاة مجلبة للرزق, حافظة للصحة, دافعة للأذى, مطردة للأدواء مقوية للقلب, مبيضة للوجه، مفرحة للنفس, مذهبة للكسل, منشطة للجوارح, ممدة للقوة, شارحة للصدر, مغذية للروح, منورة للقلب, حافظة للنعمة, دافعة للنقمة، جالبة للبركة, مبعدة من الشيطان, مقربة من الرحمن. وللصلاة تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما ودفع المواد الرديئة عنهما، وما ابتلي رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم. وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، لا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً، فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة ولا استجلبت مصالحها بمثل الصلاة. وسر ذلك: أن الصلاة صلة بالله ، وعلى قدر صلة العبد بربه تفتح عليه من الخيرات أبوابها وتقطع عنه من الشرور أسبابها، تأمل في قوله ﷺ عن الله : (يا ابن آدم اركع لي من أول النهار أربع ركعات أكفيك آخره). ومن حفظ الله للمصلين أن صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، أما من ضيعها، فقد توعده الله بالهلاك والشر العظيم قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩]. فكيف هي صلاتنا؟ هل حفظناها؟ هل راقبنا الله فيها؟ هل تدبرنا قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩]؟ كم مرة تفوتك صلاة الجماعة؟ كم مرة تفوتك تكبيرة الإحرام؟ كم مرة تنام عن الصلاة المكتوبة؟ والله لن يستقيم لحال إلا إذا استقام العبد والأمة في أداء الصلاة.

стр. 213

حفظ السمع والبصر ومما أمرنا بحفظه السمع والبصر والفؤاد، قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. فاحفظ سمعك فلا تسمع إلا ما يرضيه، واحفظ بصرك فلا تنظر إلا إلى ما يرضيه، واحفظ قلبك فلا يمتلئ إلا بما يحبه ويرضيه، واحفظ عقلك فلا تفكر إلا في طاعته ومراضيه.

стр. 214

حفظ الفروج ومما أمرنا بحفظه الفروج، قال سبحانه: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال سبحانه: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١]. ومدح الله المؤمنين والمؤمنات بذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥].

стр. 215

حفظ الأيمان ومما أمرنا بحفظه الأيمان، فقال سبحانه: ﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] وقال: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤]، لأن حفظ اليمين يدل على إيمان المرء وورعه. فكثير من الناس يتساهلون في الحلف والقسم، وقد تلزمه الكفارة وهو لا يدري، أو يعجز عنها فيقع في الإثم لتضييعه وعدم حفظه لأيمانه. وبالجملة فالعبد مأمور بحفظ دينه أجمع، فلا يترك منه شيئاً لتعارضه مع هواه ومصلحته، بل هو مطيع لربه على أي حال وفي كل زمان ومكان، لأن ربه يراه ويسمع سره ونجواه وكلما كان وفاء العبد والأمة بحفظ حدود الله وشرائعه أعظم كان حفظ الله له ولها مثل ذلك، قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠]، وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، وقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].

стр. 216

استشعار اسم الله تعالى: السميع

стр. 217

مفهوم اسم الله: (السميع) ومن أسمائه سبحانه السميع: قال جل في علاه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، أي تسمع وتجيب. وقال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]، وقال عن نفسه: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠]. فهو السميع لأقوال عباده وحركات مخلوقاته، يسمع السر وأخفى، ﴿سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٠ - ١٣]، فهو سميع ذو سمع بلا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل.

стр. 218

قصة المجادلة: (خولة بنت ثعلبة) جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها قالت: قال لي أنت علي كظهر أمي. فقال لها النبي ﷺ : (والله ما أراك إلا قد حرمت عليه). تشتكي وترفع شكواها إلى الله قالت: يا رسول الله! إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا فقال بأبي هو وأمي: (والله ما أراك إلا قد حرمت عليه). قالت تجادل وتشتكي وترفع شكواها إلى الله: لقد أفنى شبابي وأفنى مالي، فيقول لها النبي ﷺ : (والله ما أراك إلا قد حرمت عليه). وما هي إلا لحظات حتى جاء جواب ربها يواسيها ويرفع عنها الظلم والعدوان: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة:١ - ٢]. تقول عائشة: تبارك الله الذي وسع سمعه كل شيء، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وتجادله وأنا في ناحية البيت ما بيني وبينها إلا ستار، والله ما سمعت شيئاً من كلامها، وفي رواية: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات! تأمل في قوله يوم ناداه زكريا نداءً خفياً، فسمع الصوت وأجاب الدعاء. عند البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا فقال: أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا تدعون سميعاً بصيراً قريباً). ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] سار عمر يوماً ومعه أبو عبيدة: فالتقته امرأة في الطريق فقالت: إيه يا عمر لقد كنت تسمي عميراً تصارع الفتيان في أسواق عكاظ، ثم ما لبثت أن سميت عمر، ثم ما لبثت حتى أصبحت أميراً للمؤمنين فاتق الله يا عمر! واعلم أن الله سائلك عن الرعية كيف رعيتها. فبكى عمر بكاءً شديداً، فلام أبو عبيدة المرأة على قسوتها على عمر فقال له عمر: دعها يا أبا عبيدة فهذه التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، فحري على عمر أن يسمع قولها. سبحانه سميع لدعاء الخلق وألفاظهم عند تفرقهم وعند اجتماعهم، لا تختلف عليه اللهجات ولا اللغات، يعلم ما في قلب القائل قبل أن يقول، وقد يعجز القائل عن التعبير عن مراده والله يعلم ذلك فيعطيه الذي في قلبه. وجاء اسمه السميع مقترناً بغيره من الأسماء: (سميع عليم)، (سميع بصير)، (سميع قريب)، وهي تدل على الإحاطة بالمخلوقات كلها وأن الله محيط بها لا يفوته شيء منها ولا يخفى عليه، بل الجميع تحت سمعه وبصره وعلمه، وفي ذلك تنبيه للعاقل وتذكير للغافل كي يراقب نفسه وما يصدر عنها من أقوال وأفعال، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]. ومتى آمن الناس بذلك وتذكروه فإن أحوالهم تتغير من القبيح إلى الحسن ومن الشر إلى الخير وإذا تناسوا ذلك فسدت أخلاقهم وأعمالهم.

стр. 219

استشعار اسم الله تعالى: البصير ومن أسمائه جل في علاه: البصير، أي: له بصر يرى به سبحانه. ويعني كذلك أنه ذو البصيرة بالأشياء الخبير بها، يبصر كل شيء كبر أو صغر، يبصر ما تحت الأرض وما فوق السماء وما في أعماق البحار: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]. لا تراه في الدنيا العيون ولا تخالطه الظنون ولا تغيره الحوادث والسنون، لا تواري عنه سماء سماءً ولا أرض أرضاً، ولا جبل ما في وعره ولا بحر ما في قعره، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]. هذه آثار وأخبار نعرفها تمام المعرفة لكن أين أثرها في حياتنا؟ سمع عمر ليلة عجوزاً تقول لبنيتها: امزجي اللبن بالماء، فقالت البنية: أما علمت يا جدة أن أمير لمؤمنين عمر نهى عن مزج اللبن بالماء، فقالت العجوز في لحظة غفلة: وأين عمر حتى يرانا؟ فقالت المؤمنة الموقنة بنظر الله: إن كان عمر لا يرانا فرب عمر يرانا. قصة يعرفها الصغير والكبير، ولكن أين أثرها في حياتنا وفي معاملاتنا؟ وفي ليلة أخرى يتجول عمر فإذا بامرأة في ظلام الليل تردد هذه الأبيات: تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لحرك من هذا السرير جوانبه ولكن تقوى الله عن ذا تصدني وحفظاً لبعلي أن تنال مراكبه الله أكبر! عظموا الله فراقبوه، واستحيوا منه فهابوه. الله أكبر! عظم الأمر فعظمت الأوامر. ومر ابن عمر على رويعي غنم في صحراء فقال له امتحاناً: بعنا من هذه الشياه! فقال: أنا مملوك ومؤتمن، فقال ابن عمر ممتحناً إيمانه: قل للمالك أكلها الذئب! فقال رويعي الغنم الذي امتلأ قلبه خشية من الله: إن قلت للمالك أكلها لذئب فماذا أقول لله؟ ماذا يقول إذا نطقت الجوارح والأركان ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا َعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٤ - ٢٥]، فبكى ابن عمر وأرسل إليه من يعتقه وقال له: كلمة أعتقتك في الدنيا أسأل الله أن تعتقك يوم أن تلقاه. هذه أخبار كلنا يعرفها وسمعها مرات ومرات! لكن أيها الغالي! أيتها الغالية! أين أثر هذا في حياتنا؟ أين أثر هذا في حياتنا؟! ومن معاني البصير: أي الخبير بأحوالهم وأفعالهم يعلم من يستحق الهداية ومن يستحق الغواية ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾ [الإسراء:١٧].

стр. 220

استشعار اسم الله تعالى: العليم ومن أسمائه سبحانه العليم: أي: الذي يعلم ما كان وما سيكون وما هو كائن لو كان كيف سيكون، عليم بكل ما أخفته صدور خلقه من كفر وإيمان وحق وباطل وخير وشر، العالم بالسرائر والخفيات، هو عليم بذات الصدور. قال السعدي: وهو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء. قال ابن القيم في نونيته: وهو العليم أحاط علماً بالذي في الكون من سر ومن إعلان وبكل شيء علمه سبحانه فهو المحيط وليس ذا نسيان وكذا يعلم ما يكون غداً وما قد كان والموجود في ذا الآن وكذاك أمر لم يكن لو كان كيف يكون ذاك الأمر ذا إمكان تأمل وتدبر في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ َمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]. وتأمل في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٠ - ٦٢]. هذه بعض من أسمائه وصفاته جل في علاه فأين أثرها في حياتنا؟ أين الإيمان في حياتنا؟ أين أثر الإحسان في معاملاتنا وعباداتنا؟ إذا أردت أن تعرف مدى إيمانك فراقب نفسك في الخلوات، إن الإيمان لا يظهر في صلاة ركعتين أو صيام نهار بل يظهر في مجاهدة النفس والهوى.

стр. 221

من راقب الله نال رضاه والله ما صعد يوسف ﵇ ولا سعد إلا في مثل ذلك المقام: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]. من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل لا ظله رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، وآخر دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله. أف للذنوب ما أقبح آثارها، وما أسوأ أخبارها، وهل تحدث الذنوب إلا في الغفلات والخلوات! يا من لا يقصر لحظة عما يشتهي قل لي من أنت، وما علمك، وإلى أي مقام ارتفع قدرك؟ بالله عليك أتدري من الرجل؟ الرجل والله من إذا خلا بما يحب من المحرم وقدر عليه تذكر وتفكر وعلم أن الله يراه، ونظر إلى نظر الحق إليه فاستحيا من ربه كيف يعصيه وهو يراه. هيهات هيهات! والله لن تنال ولاية الله حتى تكون معاملتك له خالصة، والله لن تنال ولايته حتى تترك شهواتك، وتصبر على مكروهاتك، وتبذل نفسك لمرضاته، إن أقواماً أحبهم فأحبوه، واشتاق للقياهم فاشتاقوا إليه. رأى عبد الله بن عمرو الأنصاري ليلة أحد أنه يقتل فأوصى جابراً بأمه وأخواته خيراً فقالت الأم: أين الملتقى يا أبا جابر؟ قال: الملتقى الجنة. فخرج يريد الموت ويتمناه فأعطاه الله ما تمنى، مقبلاً غير مدبر، فحزن عليه ابنه جابر فقال له النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع، وإن الله كلم أباك كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فقال: تمن يا عبدي! فقال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن يا عبدي! قال: رب أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك! قال: فإني أحللت عليك رضواني فلا أسخط عليك أبداً. ثم جعل الله روحه وأرواح إخوانه الذين قتلوا معه في حواصل طير خضر ترد الجنة فتأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش حتى يرث الأرض ومن عليها، ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لََهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٢ - ٣٥]). في كل يوم للجنان قوافل شهداء راض عنهم العلام ماذا أقول بوصف ما قاموا به عجز البيان وجفت الأقلام لله در ضياغم من أسدنا لعظائم الأعمال فيها قاموا من كل عاف للحياة مجاهداً وسلاحه الإيمان والإقدام عظموا الله فخافوه، فعظموا أوامره ونواهيه. كيف لا يعظمونه والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون، كيف لا يعظمونه وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

стр. 222

التحذير من الغرور بالدنيا روى الترمذي في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ قال: (قرأ رسول الله ﷺ : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، قال: قرأها حتى ختمها ثم قال: إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد وملك قائم، والله لو تعلمون ما أعلم لضحتكم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصُعدات تجأرون إلى الله تعالى). ومعنى الحديث: لو علمتم ما أعلم من عظمته جل في علاه وانتقامه ممن يعصيه لطال بكاؤكم وحزنكم وخوفكم مما ينتظركم، ولما ضحكتم أصلاً. يا مذنب الذنب أما تستحي الله في الخلوة ثانيك غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويك اسمع فضيحة العصاة يوم القيامة: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]. إياك والاغترار بحلمه وكرمه فكم قد استدرج من عاص وقصم من جبار وظالم! إذا همت النفس بالمعصية فذكرها بنظر الله، لا يكن الله أهون الناظرين إليك. إذا ما خلوت الدهر يوماً بريبة والنفس داعية إلى العصيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني الله الله! في مراقبته الحق جل في علاه! الله الله في الخلوات! الله الله في البوطن! الله الله في النيات! فإن عليكم من الله عيناً ناظرة، فسبحان الذي يراك حين تقوم، وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم. راقب العواقب تسلم، لا تمل مع الهوى فتندم. أين لذة المعصية؟ أين تعب الطاعة؟ رحل كل بما فيه. فليت الذنوب إذا تخلت خلت. إن كنت تعتقد أنه لا يراك فما أعظم كفرك! وإن كنت تعصيه مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك! وما أقل حياءك! اقبل الموعظة، اعمل بالنصيحة؛ لأنه من أعرض عن الموعظة فقد رضي بالنار، ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً * كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ * كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٤٩ - ٥٦]. يا مسكين! بأي بدن ستقف بين يدي الله، وبأي لسان ستجيب! أعد للسؤال جواباً وللجواب صواباً! فماذا أعددت للنجاة من عظيم عقاب الله وأليم عذابه؟ لا يندفع ذلك إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات! اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة ونسألك قول الحق في الرضا والغضب ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين يا رب العالمين. اللهم إنك ترى ما حل بإخواننا في العراق وما حل بإخواننا في فلسطين وما حل بهم في الشيشان وأفغانستان؛ اللهم إنك ترى مكانهم وتسمع كلامهم، فرحماك بهم يا أرحم الراحمين. اللهم رحماك بالأطفال الرضع، ورحماك بالشيوخ الركع، ورحماك بالبهائم الرتع. اللهم إنهم خائفون فأمنهم، اللهم إنهم مظلومون. اللهم انصر من نصرهم، اللهم اخذل من خذلهم. اللهم لا تدع للكافرين قوة في الأرض إلا دمرتها، ولا قوة في السماء إلا أسقطتها، ولا قوة في البحر إلا أغرقتها. اللهم سلط عليهم ما خرج من الأرض وما نزل من السماء. اللهم اقلب عليهم البحر ناراً، والسماء شُهباً وإعصاراً، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه يا رب العالمين، أصلح ولاة أمورنا ووفقهم للعمل بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين. اللهم أقم علم الجهاد واقمع أهل الشرك والزيغ والفساد، أبرم لأمتنا أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا رب العالمين. اللهم ارحم ضعفنا وتقصيرنا وجهلنا وإسرافنا في أمرنا يا أرحم الراحمين. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافين. وصلى اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 223

السلاح المعطل الدعاء سلاح المؤمن، به ينتصر المظلوم، ويعطى المحروم، ويشفى السقيم، ويكبت العدو، وللدعاء شروط وآداب يجب الالتزام بها حتى يستجاب الدعاء.

стр. 224

شروط الدعاء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة نساءً ورجالاً، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! حياكم الله وبياكم وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، أسأله سبحانه أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. عنوان اللقاء أحبتي في هذه الليلة المباركة: السلاح المعطل وهو الدعاء. وسيتكون الحديث من سهام لا من عناصر، لأن الحديث عن السلاح فكان مناسباً أن نرسل سهاماً إلى المسامع، والنبي ﷺ يقول: (ألا إن القوة الرمي). السهم الأول: مقدمة عن الدعاء وشروطه. السهم الثاني: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال:٩]. السهم الثالث: سهام الجمعة. السهم الرابع: الله المستعان. السهم الخامس: بمن تنتصر الأمة؟ السهم السادس: سؤال يطرح نفسه؟ السهم السابع: سهام عابرة للقارات. السهم الثامن: كيف تفتح أبواب الجنان؟ السهم التاسع: أجمل وأحلى الأوقات. السهم العاشر: كيف تعطل السلاح؟ والسهم الأخير: آخر السهام. فتعالوا أحبتي ننطلق! يوم أن أطلق الأولون سهام الدعاء في الأسحار وأوقات الإجابة، قهروا أعداءهم وسادوا وشادوا، فليس أكرم على الله من الدعاء، فهو العبادة، وهو الذل والانكسار، وهو الرجاء والافتقار، وهو طريق الصبر والانتصار؛ فيه صدق اللجوء وتفويض الأمر والتوكل على الله. عبادة سهلة ميسرة غير مقيدة بمكان ولا زمان، ولا حال من الأحوال، فهي في الليل والنهار، والبر والبحر والجو، وفي السفر والحضر، وحال الغنى والفقر، والمرض والصحة، والسر والعلانية. فالدعاء -وايم الله- وظيفة العمر، به يرفع البلاء ويدفع الشقاء، قال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]. بالدعاء تستجلب الرحمات وبه العز والتمكين ورفعة الدرجات. فلله ما أعظم الدعاء! وما أعظم نعمة الله على عباده به! جمعت شروطه وآدابه في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٥ - ٥٦]. أركانه: الإخلاص، والمتابعة، مع اليقين وحسن الظن بالله، من غير اعتداء بإثم أو قطيعة، مع الاستفتاح بالحمد والثناء على رب الأرض والسماء بما هو أهله، والصلاة على خاتم الأنبياء في أوله ووسطه وخاتمته - فهي للدعاء كالجناح يصعد بخالصه إلى عنان السماء - مع طيب مطعم، وملبس، ومسكن، وإيقان بالإجابة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. فإذا استوفى الدعاء شروطه وانتفت موانعه لا يرد بإذن الله قال سهل التستري: شروط الدعاء سبعه: أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال. وقال ابن عطاء: إن للدعاء أركاناً، وأجنحة، وأسباباً، وأوقاتاً، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح؛ فأركانه: حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع، وأجنحته: الصدق، ومواقيته: الأسحار، وأسبابه: الصلاة على محمد ﷺ .

стр. 225

إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم جاء في الأخبار والسير عن عمر ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف فقال: اللهم إنهم قلة فكثرهم، حفاة فاحملهم، جياع فأطعمهم. ثم نظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة ثم مد يديه إلى السماء وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصبة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض أبداً. قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده على ظهره، ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز ما وعدك، فأنزل الله جل في علاه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، يقول أبو بكر ﵁ وأرضاه: فخفق النبي ﷺ خفقة -أي إغفاءة قليلة- ثم انتبه ثم قال: أبشر يا أبا بكر! أبشر يا أبا بكر! أتاك نصر الله أتاك نصر الله، هذا أخي جبريل آخذ بعنان فرسه. لا إله إلا الله! ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:٤٥ - ٤٦]. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. صدق الرجال مع الله فصدق الله معهم، استشارهم النبي ﷺ في ذلك الموقف، فقال: أشيروا علي أيها الناس! فقال المهاجرون: يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ولجالدنا من دونك، ما تخلف منا رجل واحد، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. ثم تكلم الأنصار فقالوا: يا رسول الله! آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، امض لما أردت ونحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه أمامك ما تخلف منا رجل واحد، والله لو أمرتنا أن نرمي بأنفسنا من أعالي الجبال لرميناها ما تخلف منا رجل واحد، يا رسول الله! صل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وسالم من شئت وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك ما شئت، فوالله للذي أخذته أحب إلينا مما تركت، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، فسر بنا على بركة الله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:١٠]. نصروا الله فنصرهم، قال عنهم سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٣ - ١٢٦]. كيف انتصر هؤلاء؟ انتصروا بالدعاء والتضرع إلى رب الأرض والسماء، باعوا الأنفس والأموال فاشتراها الله، فربح البيع والله. البائعون نفوسهم لمليكهم الله أمضى بيعهم وتكرما والحاملين إلى الوغى أرواحهم وعلى نحورهم تحدرت الدما قوم كأن وجوههم شمس الضحى طلعت ففر الليل كالح مظلما إن أسدل الليل البهيم ستاره عكفوا على آي الكتاب ترنما أو أشرق الصبح البهيج فلن ترى إلا الكتائب حاسراً ومعمما ملكوا الفؤاد وما دروا يا ويحهم أن الفؤاد بهم يهيم متيما يتلذذون ببذلهم ويرونه حقاً أكيداً للإله ومغنما ربح البيع والله! أن تجعل حياتك كلها خالصة لوجه الله، دعوة لله وجهاداً في سبيل الله، حياة ظاهرها عذاب وضيق، وباطنها عذوبة وبريق، ظاهرها دموع وألم، وباطنها خشوع وأمل، تعب الجسد ونعيم الروح، جسد يمشي على الأرض وروح ترفرف حول العرش. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]: قال ابن عباس: فضل الله هو الإسلام، ورحمته أن جعلكم من أهل القرآن. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، وقاعدين، وراقدين، أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، يا رب العالمين.

стр. 226

سهام الجمعة السهم الثالث: سهام الجمعة وما أدراك ما يوم الجمعة! أين السابقون يوم الجمعة؟! لا تنصر الأمة إلا بأولئك الذين يرفعون أكف الضراعة إلى رب الأرض والسماء. في معركة عين جالوت انتظر الملك المظفر قطز بالمسلمين وقت صلاة الجمعة ليباشروا قتال أعدائهم وخطباء المسلمين على المنابر يعجون مع المسلمين إلى الله بالدعاء أن يؤيدهم وينصرهم. ولما نشبت المعركة واشتدت تعرض السلطان للقتل على أيدي التتار، فأحاط به مجموعة من الفرسان قذفوا بأنفسهم شاهرين سيوفهم يدافعون عنه، وكان منهم فارس ملثم يدافع عنه، فأصابته طعنة قاتلة خر على إثرها صائحاً: صن نفسك يا سلطان المسلمين صن نفسك يا سلطان المسلمين! ها قد سبقتك إلى الجنة ها قد سبقتك إلى الجنة! ولما تبين للسلطان أن الفارس الملثم إنما هو السلطانة زوجته هاله الأمر. اسمعي رعاك الله اسمعي بارك الله فيك! حمل زوجته حتى أدخلها الخيمة، ووضعها على فراشها، وأخذ يقبل جبينها والدموع تنهمر من عينيه وهو يقول: وازوجاه! واحبيبتاه! فأحست به ورفعت نظرها إليه، وقالت بصوت متقطع وهي تجود بروحها: لا تقل واحبيبتاه! لا تقل واحبيبتاه! ولكن قل: واإسلاماه! ثم ما لبثت أن لفظت أنفاسها الأخيرة. فوضع السلطان على جبينها قبلة، ومسح دموعه، وترك الشهيدة لمن يتولى تجهيزها، وخرج إلى جيشه فكبر وكبروا، وحملوا واستبسلوا، واشتدت الهجمات، فتقدم السلطان فكشف عن خوذته وألقى بها إلى الأرض، وصرخ بأعلى صوته: واإسلاماه واإسلاماه! ودعوات المصلين في المساجد ترتفع إلى رب الأرض والسماء: اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم دمر الشرك والمشركين. وحمل القائد المظفر قطز ومن معه على التتار حملة صادقة وهم يرددون آيات الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦]. بالصبر والثبات والدعاء تنتصر الأمة على الأعداء، برهبان الليل وفرسان النهار يقهر الكفار. اعلمي رعاك الله! واعلم بارك الله فيك! أن قيام الليل وإطلاق السهام في الظلام عز في الدنيا وشرف في الآخرة وعون على الأعداء في الجهاد. سأل عظيم الروم رجلاً من أتباعه - كان قد أسر مع المسلمين - فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم! قال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم رهبان بالليل، فرسان بالنهار، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه. فقال عظيم الروم: لئن صدقت ليملكن موقع قدمي هاتين. ولقد فعلوا ولقد فعلوا لله درهم. ملكنا هذه الدنيا قرونا وأخضعها جدود خالدونا وسطرها صحائف من ضياء فما نسى الزمان ولا نسينا وكنا حين يأخذنا ولي بطغيان ندوس له الجبينا وما فتئ الزمان يدور حتى مضى بالمجد قوم آخرونا وأصبح لا يرى في الركب قومي وقد عاشوا أئمته سنينا وآلمني وآلم كل حر سؤال الدهر: أين المسلمونا نعم أيتها الغالية! تقدمت الأمة يوم أن صامت، وقامت، وحكمت كتاب ربها وسنة نبيها؛ فلما ضيعت الأوامر ضاعت وتعطلت أسلحتها، ولما نسيت أمر الله نسيها، ولم تصب سهامها، وتسلط عليها أعداؤها. يقول أحد مراسلي الإذاعات عن مجزرة وقعت في كشمير: رأيت مجزرة لم أشهد أبشع منها؛ كان ضحيتها ألفاً من المسلمين، كنت أرى جثثاً بلا رءوس لأطفال ونساء. لماذا يذبحون؟! لماذا يذبحون ونستكين ولا أحد يرد ولا يبين أللإسلام نسبتنا وهذا دم الإسلام أرخص ما يكون دم الإسلام مسفوك فمن ذا يرد له الكرامة أو يصون تحاصرنا المجازر كل يوم وتهدم في مرابعنا الحصون فكم من مسجد أضحى يباباً وعاث به التهتك والمجون وما ذنب الضحايا غير دين تهون له النفوس ولا يهون

стр. 227

الله المستعان الله المستعان: يوم تعطلت أسلحتنا وسهامنا، فعلوا بنا هذا، فالله المستعان. إذا حل الأمر الصعب، وادلهم الخطب، وعم الجدب، فالله المستعان. إذا أظلم الأفق، وضاقت الطرق، وانشق بالمصائب الأفق، فالله المستعان. إذا جاعت البطون، وأخطأت الظنون، وحلت المنون، فالله المستعان. إذا قست القلوب، وظهرت العيوب، وكثرت الذنوب، فالله المستعان. إذا فقد الولد، وقحط البلد، وضعف السند، فالله المستعان. سبحان من انتشل ذا النون من الظلمات، ونجا نوحاً من الكربات. سبحان من أطفأ النار لإبراهيم، وجمد الماء للكليم. سبحان من على العرش استوى، سبحان من يسمع ويرى سبحان الله العظيم. سبحان من لا يموت، سبحان من تكفل بالقوت، سبحان من وهب النور في الأبصار، وقصر بالموت الأعمار. لا إله إلا الله، لا نعبد سواه، غالب فلا يقهر، أغنى وأقنى، أضحك وأبكى، وهو رب الشعرى. لا إله إلا الله! عدد ما خطت الأقلام، وسجع الحمام، وهطل الغمام، وقوضت من منى الخيام. لا إله إلا الله كلما برق الصباح، وهبت الرياح، وكلما تعاقبت الأحزان والأفراح، عز فارتفع، خضع له كل شيء وركع، أعطى ومنع، خفض ورفع، وأعز وأذل، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. يهدي ضالاً، ويغني فقيراً، ويغفر ذنباً، ويستر عيباً، وينصر مظلوماً، ويقصم جباراً، أتهزأ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما صنع الدعاء سهام الليل لا تخطي ولكن لها أمد وللأمد انقضاء

стр. 228

بمن تنتصر الأمة تنتصر الأمة بأولياء الله الصالحين، بالمخلصين والصادقين الذين رباهم القرآن، أولئك الذين تربوا في روضة القرآن، وفي ظل الأحاديث الصحاح. عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم جاءوا إلى الموت يستجدون رؤياه قال الحسن البصري ﵀: قراء القرآن ثلاثة أصناف: صنف اتخذوه بضاعة، وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده، وصنف وضعوا القرآن على داء قلوبهم فاستشعروا الخوف فقاموا في محاريبهم. بمثل هؤلاء تنتصر الأمة على أعدائها، وبمثل هؤلاء يستسقى الغيث من السماء. قال: فوالله الذي لا إله إلا هو لهذا الصنف من حملة القرآن أقل من الكبريت الأحمر. لما صف المسلمون يوم اليمامة لقتال مسيلمة الكذاب ومن معه، حمل راية المهاجرين سالم مولى أبي حذيفة فقالوا له: إنا لنخشى أن نؤتى من قبلك، فقال: إن أتيتم من قبلي فبئس حامل القرآن أنا أكون! بات قتيبة بن مسلم ليلة لقائه مع الترك باكياً متضرعاً، فلما أصبح الصباح سأل: أين محمد بن الواسع؟ فبحثوا عنه فوجدوه يصلي ويدعو رافعاً أصبعه إلى السماء، فأخبروا قتيبة بن مسلم بذلك فقال: والله لأصبع محمد بن الواسع أحب إلي من ألف سيف شهير، وألف شاب طرير. ولما حاصر عمرو بن العاص ﵁ حصن بابليون بمصر طلب من عمر بن الخطاب ﵁ أن يمده بمدد عدده أربعة آلاف مقاتل يستعين بهم على إتمام فتح مصر، فأرسل إليه عمر أربعة رجال وعلى رأسهم الزبير بن العوام، وكتب إليه: بعثت إليك بأربعة رجال وعلى رأسهم الزبير؛ كل رجل بألف رجل، ولقد سمعت النبي ﷺ يقول: (جيش فيه المقداد لا يهزم بإذن الله). بمثل هؤلاء تنتصر الأمة، أولئك الذين إذا رؤوا ذكروا بالله ، أولئك الذين تنبعث من وجوههم أنوار الطاعة، أولئك الذين قال الله عنهم: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، أولئك الذين إذا قال المرء منهم: يا رب! قال الله: لبيك وسعديك، أولئك الذين تربوا في محاريب الظلام، أولئك الذين تدربوا على إطلاق السهام في صلاة القيام. لما انتدب الله محمداً ﷺ للدور الكبير الشاق الثقيل قال له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٦]. وربى محمد ﷺ أصحابه في تلك المدرسة؛ مدرسة الليل، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل:٢٠]. في مدرسة الإخلاص تربى الرجال والنساء، إنها التربية على الصبر، والإخلاص، ومجاهدة النفس، وعلو الهمة. قال قتادة ﵀: لا يقوم الليل منافق -وصدق والله- لا يقوم الليل إلا مؤمن صادق. فإذا أردت الانضمام إلى ركب الصالحين فعليك بسهام الليل والدعاء. إن كنت فقيراً تشتكي الفقر فعليك بسهام الليل والدعاء. إن كنت مظلوماً تريد الانتصار فعليك بسهام الليل والدعاء. إن كنت قد أثقلتك الذنوب والمعاصي فعليك بسهام الليل والدعاء. إن كنت مريضاً تطلب الشفاء فعليك بسهام الليل والدعاء. إن كنت عقيماً تريد الأطفال فعليك بسهام الليل والدعاء. عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، وملهاة عن الإثم، ومطردة لداء الجسد)، رواه الطبراني في الكبير.

стр. 229

سؤال يطرح نفسه قال ابن مسعود ﵁ وأرضاه: (فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية). وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص. مدح الله المستيقظين بالليل لذكره ودعائه واسغفاره ومناجاته بقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]، وقال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧]، وقال عن ليلهم: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤]. ونفى سبحانه التسوية بين المتهجدين القانتين وغيرهم في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]. من مزايا أهل الليل: أن الله يحبهم ويباهي بهم ويستجيب دعاءهم. روى الطبراني عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم، فذكر منهم: الذي له امرأة حسناء، وفراش حسن، فيقوم من الليل، فيقول الله تعالى: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه رهط فسهروا ثم هجعوا، فقام هو من السحر يتملقني). قال بعض السلف: قيام الليل يهون طول القيام يوم القيامة. السؤال الذي يطرح نفسه: كيف استطاعوا القيام وإطلاق السهام؟ الجواب استطاعوا بأمور: منها وأهمها: الصدق والإخلاص. ومنها: سلامة الصدور، وخلوها من الأحقاد، وتعلقها بالآخرة، فلا هم إلا هم الآخرة. كان داود الطائي يناجي في الليل: اللهم همك عطل علي الهموم، وحالف بيني وبين السهاد. والأهم منها خوف لازم القلوب وقصر الأمل، لأنه من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، لأن من تفكر في أهوال الآخرة، ودركات جهنم طار نومه وعظم حذره، كما قال طاوس: إن ذكر جهنم طير نوم العابدين. وكما قال ابن المبارك: إذا ما الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع ومن ذلك أيضاً: عرفوا فضل قيام الليل يوم تليت عليهم الآيات ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]. سمعوا قوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. سمعوا قوله ﷺ : (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لمن أفشى السلام وطيب الكلام وصلى بالليل والناس نيام). ومن الأمور أيضاً وأعجبها: الحب الصادق، جربوا لذة المناجاة، وحلاوة الخلوة مع الحبيب. قال أحدهم: أفرح لقدوم الليل لأني أخلو بربي وأكره قدوم النهار لملاقاة الناس. قال علي البكار: أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر.

стр. 230

سهام عابرة القارات إن كانت صواريخهم طويلة المدى فصواريخ الدعاء سهام عابرة للقارات. اسمع واسمعي ماذا يصنع الدعاء! خرج رجل من الصالحين العباد الزاهدين في تجارة فاعترضه قاطع طريق فقال: أقتلك، قال: خذ المال والتجارة، ودعني أمضي في طريقي، فقال: سآخذ المال والتجارة وسأقتلك، فقال العابد الزاهد: دعني أصلي لله قبل أن ألقاه، قال: صل ما بدا لك! فصلى، ورفع شكواه إلى الذي يسمع سره ونجواه، دعاه سراً وناجاه: يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعالاً لما تريد! أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، يا مغيث أغثني! يا مغيث أغثني! يا مغيث أغثني! سلم وأنهى صلاته، فإذا بقاطع الطريق ملقىً على الأرض ينزف دماً وعلى رأسه فارس أبيض، ذو ثياب بيضاء وعمامة بيضاء، على فرس أبيض، فقال من شدة الفرح: من أنت؟! قال: أنا ملك من السماء الرابعة، لما دعوت الدعاء الأول قرقعت أبواب السماء، ولما دعوت الدعاء الثاني ضجت الملائكة في السماء، ولما دعوت الدعاء الثالث قلت: يا ربي! مضطر يناديك، فائذن لي في إغاثته، أنا من جند ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]. يا صاحبي في شدتي، ويا مؤنسي في وحدتي، ويا حافظي عند غربتي، ويا وليي في نعمتي، ويا كاشف كربتي، ويا سامع دعوتي، ويا راحم عبرتي، ويا مقيل عثرتي، يا إلهي بالتحقيق، يا ركني الوثيق، يا رجائي عند الضيق، يا مولاي الشفيق، ويا رب البيت العتيق، أخرجني من حلق المضيق إلى سعة الطريق، وفرج من عندك قريب وثيق، واكشف عني كل شدة وضيق، واكفني ما أطيق وما لا أطيق. اللهم فرج عني كل هم وكرب، وأخرجني من كل غم وحزن، يا فارج الهم، يا كاشف الغم، يا منزل القطر، يا مجيب دعوة المضطرين، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، يا كاشف كل ضر وبلية، ويا عالم كل سر وخفية، يا أرحم الراحمين. قال أبو الدرداء ﵁: ادع الله يوم سرائك، يستجب لك يوم ضرائك) -إي وربي- (من تعرف على الله في الرخاء تعرف الله عليه في الشدة). إن الدعاء عباد الله! من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ومن أنفع الأدوية، وهو يدفع البلاء ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل. لن ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم بالدعاء، فعليكم بالدعاء عباد الله! رجل يقال له صهيب يسهر الليل، يبكي، ويناجي، فعوتب على ذلك، فقالت له مولاته: أفسدت على نفسك يا صهيب! فقال: إن صهيباً إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه. سبحانك ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله، وما أوحش الطريق على من لم تكن أنيسه. طوبى لقلوب ملأتها خشيتك، واستولت عليها محبتك، فمحبتك مانعة لها من كل لذة غير مناجاتك والاجتهاد في مرضاتك، وخشيتك قاطعة لها عن كل معصيه خوفاً من أليم عقابك. ما ضر المقبلين على الله ما فاتهم من الدنيا إذا كان الله لهم حظاً، وما ضرهم من عاداهم إذا كان الله لهم سلماً. ولله در القائل: هنيئاً لمن أضحى وأنت حبيبه ولو أن لوعات الغرام تذيبه وطوبي لقلب أنت ساكن سره ولو بان عنه إلفه وقريبه فما ضر قلباً أن يبيت وما له نصيب من الدنيا وأنت نصيبه ومن ترض عنه أنت في طي غيبه فما ضره في الناس من يستغيبه فيا علة في الصدر أنت شفاؤها ويا مرضاً في القلب أنت طبيبه وصدق الله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]. والدعاء سلاح المؤمن والمؤمنة، والسلاح بضاربه، فمتى كان السلاح قوياً لا آفة فيه، والساعد قوياً، والمانع مفقوداً، حصلت النكاية في العدو؛ ومتى تخلف واحد من هذه الثلاث تخلف التأثير. فتدربوا على استعمال السلاح، واعلموا أن العلم بالتعلم، والصبر بالتصبر، والحلم بالتحلم. فيا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين.

стр. 231

كيف تفتح أبواب الجنان بالدعاء والتضرع تفتح أبواب الجنان قال سبحانه في سورة الطور: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور:١٧ - ١٨]. اسمعي واسمع رعاك الله! إذا استقر المتقون في الجنان دار بينهم هذا الحوار، قال الله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٨]. اسمعي واسمع أثر الدعاء! ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ * فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٨ - ٢٩]. قال السعدي ﵀ في قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال يتساءلون عن الدنيا وأحوالها، ثم أخذوا في بيان الذي أوصلهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾، أي في الدنيا كنا خائفين وجلين، فتركنا من خوفه الذنوب، وأصلحنا لذلك العيوب، فكان نتيجة ذلك: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾، أي من علينا بالهداية والتوفيق، وأجارنا وأنقذنا من عذاب الجحيم. ثم بينوا حالهم وما الذي كان سبباً في فوزهم ونجاتهم، ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، كنا نسأله وندعوه أن يقينا عذاب السموم وأن يوصلنا إلى جنات النعيم، فمن بره ورحمته بنا أنالنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار. سر نجاتهم أنهم عاشوا على حذر من هذا اليوم، عاشوا في خشية من لقاء ربهم، عاشوا مشفقين من حسابه، عاشوا كذلك وهم في أهلهم حيث الأمان الخادع، لكنهم لم ينخدعوا حيث المشغلة الملهية، فرفعوا إلى الله سؤالهم وحاجاتهم، وتضرعوا إليه، طلباً للفوز والنجاة، وهم يعرفون من صفاته أنه البر الرحيم بعباده. أخرج أحمد في مسنده عن عبد الرحمن ﵁ قال: قال ﷺ : (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء). في إحدى معارك المسلمين قال المغيرة بن حبيب: لما برزنا للعدو قال عبد الله بن غانم: هذه الجنان تزينت، فعلام آسى من الدنيا، فوالله ما فيها لعاقل مقام، ووالله لولا محبتي لمباشرة السهر بصفحة وجهي، وافتراش جبهتي في ظلم الليل رجاء الثواب وحلول الرضوان، لتمنيت فراق الدنيا وأهلها. ثم كسر جفن سيفه وتقدم وقاتل حتى قتل، فلما دفن أصابوا من قبره رائحة المسك، فرآه رجل فيما يرى النائم فقال له: يا أبا سراق! ماذا صنعت؟ قال: خير الصنيع. قال: إلام صرت؟ قال: إلى الجنة، قال: بم؟ قال: بحسن اليقين، وطول التهجد، وظمأ الهواجر، وكثرة الدعاء. قال: فما هذه الرائحة الطيبة التي توجد من قبرك؟ قال: تلك رائحة التلاوة والظمأ. قال: أوصني! قال: أوصيك بكل خير. قال: أوصني! قال: اكسب لنفسك خيراً، لا تخرج عنك الليالي والأيام عطلاً، فإني رأيت الأبرار نالوا البر بالبر، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٧]. حتى تكون منهم فعليك بالدعاء والتضرع، فلقد قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧]. ردد وقل: أتيتك سائلاً فارحم عنائي فعندك يا كريم دواء دائي فيا مولى الورى جد لي بعفو ومن بنظرة فيها شفائي رأيت كثير ما أهدي قليلاً لمثلك فاقتصرت على الثناء اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا.

стр. 232

أجمل وأحلى الأوقات أجمل الأوقات هي ساعات الإجابة. فمنها: عند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم. ما أجمل وأحلى تلك الساعات! أما أجمل منها وأحلى منها: فثلث الليل الأخير ساعة السحر، كيف لا وهو وقت النزول الإلهي، أخرج أحمد في مسنده وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ من ذا الذي يسترزقني فأرزقه؟ من ذا الذي يستكشف الضر أكشفه عنه؟ حتى ينفجر الفجر). قال سبحانه: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧]. جاء في كتب التفاسير أنه لما قال أبناء يعقوب له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [يوسف:٩٧] أخرهم إلى السحر لقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ [يوسف:٩٨]. وفي الزهد لـ ابن حنبل: (أن داود ﵇ سأل جبريل ﵇: يا جبريل! أي الليل أفضل؟ قال: يا داود! لا أدري إلا أن العرش يهتز من السحر). قلت لليل هل في جوفك سر عامر بالحديث والأخبار قال لم أر حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار! قال ﷺ : (إن من الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه، وذلك كل ليلة)، فأين السائلون؟! فيا ألله ما أحلى حديثهم ودموعهم، ومناجاتهم في تلك الساعات! فقائل منهم يناجي ويقول: يا خير معبود، ويا خير مسئول، وخير مشكور، ويا خير محمود، ويا خير مقصود، أحلى العطايا في قلبي رجاؤك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك، اللهم أغلقت الملوك أبوابها، وقام عليها حراسها وحجابها، وبابك مفتوح للسائلين، نامت العيون، وغارت النجوم، وعينك لا تنام يا حي يا قيوم. وآخر يردد ويقول: إلهي! فرشت الفرش، وخلا كل حبيب بحبيبه، وأنت حبيب المتهجدين، وأنيس المستوحشين. إلهي! إن طردتني عن بابك، فإلى باب من ألتجي، وإن قطعت عني خدمتك، فخدمة من أرتجي. إلهي! إن عذبتني فإني مستحق العذاب والنقم، وإن عفوت فأنت أهل الجود والكرم. إلهي! أخلص لك العارفون، وبفضلك نجا الصالحون، وبرحمتك أناب المقصرون، يا جميل العفو أذقني برد عفوك، إن لم أكن أهلاً لذلك، فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة. فاز -والله- من سبح والناس هجوع، يدفن الرغبة ما بين الضلوع يغشاه سكون وخشوع بذكر الله والدموع هموع سوف يغدو - والله - ذلك الدمع شموع كان بعض السلف يقول: اللهم إن منعتني ثواب الصالحين، فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته، اللهم إن لم ترض عنا فاعف عنا يا أرحم الراحمين. أين أحباب الرحمن؟! أين خطاب الجنان؟! يا قوام الليل في الأسحار! اشفعوا في النوام، يا أحياء القلوب! ترحموا على الأموات. يقول مالك بن دينار: سهوت ليلة عن وردي ونمت، فإذا أنا في المنام بجارية كأحسن ما يكون وبيدها رقعة، فقالت: أتحسن القراءة؟ فقلت: نعم، فدفعت إلي الرقعة فإذا فيها: أألهتك اللذائذ والأماني عن البيض الأوانس في الجنان تعيش مخلداً لا موت فيها وتلهو في الجنان مع الحسان تنبه من منامك إن خيراً من النوم التهجد بالقران يقول ابن القيم: عجباً لمن آثر الحظ الفاني الخفيف على الباقي النفيس! فباع جنة عرضها الأرض والسماوات بسجن ضيق بين أرباب العاهات! عجباً للجنة كيف نام طالبها، وكيف لم يدفع مهرها خاطبها! وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها؟! تأمل في قول أهل الجنان: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٨]، فكيف غفلت عن تلك الساعة التي ينزل الله فيها إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظيم سلطانه فيقول: هل من تائب؟! هل من داع؟! والله لو قام أهل الحاجات وأهل الذنوب في الأسحار، وسألوا مولاهم، وقدموا الطلبات، ورفعوا الحاجات، وأتبعوها بالاستغفار والآهات، لرقت قلوبهم، وقضيت حاجاتهم، وسترت عيوبهم، وغفرت ذنوبهم، وأقيلت العثرات، ومحيت الزلات. والله لو شممت رحيق الأسحار لاستفاق منك قلبك المخمور.

стр. 233

كيف تعطل السلاح كيف تعطل ذلك السلاح؟ تعطل يوم أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لك)، رواه الترمذي وقال حديث حسن؛ فهل أمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، لعل الله أن يستجيب دعاءنا. تعطل السلاح يوم أكل الحرام، جاء عند مسلم أن رسول الله ﷺ ذكر الرجل يمد إليه إلى السماء ويقول: يا رب يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له. تعطل السلاح يوم كثرت الذنوب والمعاصي، جاء في الأثر: (ما طفف قوم كيلاً، ولا بخسوا ميزاناً، إلا منعهم الله القطر، وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في قوم القتل إلا سلط عليهم عدوهم، ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم، ولم يسمع دعاؤهم)، رواه ابن أبي الدنيا والطبراني. قال يحيى بن معاذ عن هؤلاء: آثروا النوم على القيام، والراحة على الجهاد والمجاهدة. تعطل السلاح يوم قل المستغفرون بالأسحار. تعطل السلاح يوم قل فرسان الليل، وقل فرسان النهار، فتطاول علينا الكفار. قيل لـ إبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، أما قال الله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢]. وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، أما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، أما قال جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. أكلتم نعمة الله فلم تؤدوا شكرها، أما قال جل وعلا: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣]. وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، أما قال ﵎: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]. وعرفتم النار فلم تهربوا منها، أما قال جل من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥]. وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، أما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]. وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، أما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]. ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، أما قال سبحانه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]. وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١].

стр. 234

آخر السهام اسمعي واسمع! يا من توقن أنك لا شك راحل، قم في الدجى قيام مشفق سائل، وأجب منادي: هل من سائل، لعلك ولعلك تحظى بالقبول، وتفوز بالمسئول، وتدرك المطلوب والمأمول. لله در أقوام هجروا الدنيا وتركوها، وطلبوا الآخرة بالجد وآثروها، إن جاء النهار قطعوه بالصيام، وإن جاء الليل نصبوا أقدامهم للقيام. لله درهم؛ أبصروا عيوب الدنيا وميزوها، عرفوا طرق الجنة فسلكوها، وعرفوا طرق الضياع وتجنبوها، إن أظلم الليل صفوا أقدامهم وانصبوها، وإن أقبل النهار حفظوا جوارحهم وكفوها. لله درهم كم تعبت أبدانهم بين جوع وسهر، كم كفت جوارحهم عن لهو وبطر، كم حفظوا ألسنتهم وأعينهم عن الكلام والنظر، كم تغنوا بكلامه والقلب خاشع وحاضر في السحر. يا حسنهم والليل قد أجنهم ونورهم يفوق نور الأنجم فماذا أعد الله لهم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. اللهم إنا نعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك، ونعوذ بك اللهم من قلب لا يشتاق إليك، ونعوذ بك من دعاء لا يصل إليك، ونعوذ بك من عين لا تبكي عليك. سبحانك يا من تفرد بك المتفردون في الخلوات، وسبحانك من سبحت لعظمتك الحيتان في البحار الزاخرات، ولجلال قدسك اصطفت الأمواج المتلاطمات، أنت الذي سجد لك سواد الليل، وضوء النهار، والفلك الدوار، والبحر الزخار، والقمر النوار، وكل شيء عندك بمقدار. يا مؤنس الأغوار في خلواتهم، يا خير من حطت به النزال، سبحانك لك الجمال والجلال، ولك الكمال. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك اللهم من سخطك والنار، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، كره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، وأصلح ولاة أمورنا، وانصرنا يا قوي يا عزيز على القوم الكافرين. نسألك اللهم إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وصلاةً خاشعةً، وعلماً نافعاً، ورزقاً حلالاً واسعاً، اللهم عاملنا بما أنت أهله، ولا تعاملنا بما نحن أهله إنك سبحانك أهل التقوى وأهل المغفرة. أستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 235

الغفلة إن الله كتب الموت على كل حي فلا يبقى إلا وجهه، وقد أنزل الله كتابه ليحكم الإنسان، وأنزل سنة رسوله لتنظم حياته، فإن زاغ عن طريق الحق اعترته الغفلة حتى يأتيه الموت وهو على أسوأ خاتمة، وشتان بين الوجل الخائف من الموت الذي يوفقه الله لحسن الخاتمة، وبين الغافل الذي يركض وراء الدنيا وملذاتها، فيموت على سوء خاتمة والعياذ بالله.

стр. 236

اغترار الناس بالدنيا الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة الأخيار! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ، أسأله سبحانه أن يجمع شملنا، ويوحد صفنا، ويصلح ولاة أمورنا، وأن ينصرنا على القوم الكافرين. إلى متى الغفلة؟ وها هو الموت يتخطف الناس يمنة ويسرة، فلا يكاد يمضي يوم إلا والمستشفيات تودع رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، والمقابر تستقبلهم. جاء في الآثار أن الدنيا تمثلت لعيسى بن مريم في صورة عجوز حسناء عليها من كل زينة فقال لها: كم تزوجت، قالت: كثير، قال: أكلهم مات عنك أم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلت، فقال عيسى ﵇: تعساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين! يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل

стр. 237

الغفلة مرض قلبي خطير إن الأمراض التي تصيب بني آدم على نوعين: أمراض تصيب الأبدان، ومنها نفر إلى الطبيب ونطلب العلاج. وأمراض تصيب القلوب، وهي أشد فتكاً، وأشد خطراً من أمراض الأبدان؛ لأنها لا تكتشف إلا عند ساعات الموت؛ ولأن أمراض القلوب تؤدي إلى خسارة الدنيا وخسارة الآخرة، وتؤدي إلى فساد الدين؛ لذلك كانت أشد خطراً من أمراض الأبدان. إن حياة القلوب حياة للأبدان، وموت القلوب موت للأبدان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤]، لكن القلوب خاوية، والناس اليوم يشكون من قسوة القلب. إنها الغفلة التي استحكمت على حياة كثير من الناس، إنها مرض خطير، تصد عن الهداية، وتنسي الآخرة، سيظل الإنسان في غفلته ما بين راحة وجيئة حتى يفاجئه الموت، فإذا جاءه صاح بأعلى الصوت: رباه ارجعون، يريد أن يداوي ذلك القلب، يريد أن يذهب إلى الطبيب، ويبحث عن علاج لهذا القلب المريض. أقول أحبتي: رجل من أهل الخير مر عليه رجل من أهل الغفلة فقال له: يا أبا فلان! الحالة التي أنت عليها هل ترضاها للموت؟ قال: لا، فقال له: هل نويت أن تغير هذه الحال إلى حال ترضاها للموت؟ قال: ما اشتاقت نفسي بعد، قال: هل يوجد بعد هذه الدار دار فيها معتمل؟ قال: لا، قال: وهل تضمن أن لا يأتيك الموت وأنت على هذه الحال؟ قال: لا، قال: والله ما رأيت عاقلاً يرضى بهذه الحال! اسأل نفسك: الحالة التي أنت عليها هل ترضاها للموت؟ انتهى الأجل، وانقضت الساعات، وأزف الرحيل، أمستعد أنت لمغادرة هذه الحياة، والانتقال إلى حياة أخرى؟ فالغفلة مرض خطير، حذرنا القرآن منها فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩]. وما غفل الناس إلا لاشتغالهم بأمور دنياهم بشهواتهم ولذاتهم، قال الله جل في علاه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء:١ - ٣]. الغفلة أودت بحياة كثير من الناس، سببها الانشغال بالدنيا، ونسيان الموت، غفلنا عن الموت وسكراته، غفلنا عن القبر وظلماته، غفلنا عن اللحد وضمته، غفلنا عن السؤال وشدته، غفلنا عن يوم القيامة وكرباته، غفلنا أن المصير إما إلى جنة وإما إلى نار. والموت فاذكره وما وراءه فما لأحد عنه براءه وإنه للفيصل الذي به يعرف ما للعبد عند ربه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده خير عند ربنا لعبده وإن يك شراً فما بعد أشد ويل لعبد عن سبيل الله صد مر علي على أهل القبور فقال: يا أهل القبور! إما تخبرونا خبركم أو نخبركم بأخبارنا، أما أخبارنا: فإن البيوت قد سكنت، والنساء قد تزوجت، والأموال قد قسمت. ثم قال: أما والله لو تكلم أهل القبور لقالوا: تزودوا فإن خير الزاد التقوى، أمرنا بعمارة الأعمار، واستغلالها في الطاعات؛ لأن العمر الذي نحياه عمر واحد، إذا مضى لا يرجع أبداً، فاغتنم هذا العمر، قال رسول الله ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: اغتنم الحياة قبل الممات، اغتنم الشباب قبل الهرم، اغتنم الصحة قبل المرض، اغتنم الفراغ قبل الانشغال، اغتنم الغنى قبل الفقر). وقال ﷺ : (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والجاهل من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني)، تأمل في حال الناس اليوم حتى ترى مقدار الغفلة التي يعيشها كثير من الناس إلا من رحم الله.

стр. 238

من أحوال الغافلين ترك الصلوات من أحوال الغافلين النوم عن الصلوات، بل ربما لا يصلون، ينامون عن الصلوات مرات ومرات، ومنذ أشهر مضت مات شيخ في السبعين من عمره، فجاءني سائل يسأل ويقول: يا شيخ! ما حكم الصلاة على من لا يصلي؟ قلت: ما الخبر؟ قال: مات شيخ كبير في حينا تجاوز السبعين من عمره ما رأيناه قط في المسجد، وما رأيناه صلى يوماً ولا ركع لله، وعندما سئل أهله عن أخباره، قالوا: ما رأيناه يوماً يصلي! أي غفلة هذه؟ تمر بنا الأيام، وتنقضي بنا الليالي، وأنا وأنت نسير إلى النهاية التي لابد منها، أين الاستعداد للرحيل. كان أحد الصالحين يقوم في هجيع الليل الأخير يرقى على أعلى مكان في قريته، ينادي بأعلى صوته يذكر الناس: الرحيل! الرحيل! الرحيل! حتى جاء يوم انقطع ذلك الصوت، فسأل عنه أمير القرية فقيل له: مات، قال: لا زال يذكر الناس بالرحيل حتى رحل هو. لا يزال يلهج بالرحيل وذكره حتى أناخ ببابه الجمال فأصابه متيقظاً متشمراً ذا أهبة لم تلهه الآمال والله ما حال بين الناس وبين الاستعداد للآخرة إلا طول الأمل، ومن أطال الأمل أساء العمل، قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]، فلا تراهم يصلون، بل ينامون عن الصلوات، بل قد لا يركعون ولا يسجدون. مجموعة من الشباب لقيتهم على إحدى الطرقات فركبوا معي، ثم دار بيني وبينهم هذا الحديث: قلت: أين تريدون؟ قالوا: نريد المكان الفلاني. قلت: ما هو هدفكم هناك؟ قالوا: نبحث عن وظائف وأعمال. سألتهم عن المؤهلات فلا تكاد تذكر، لا يحملون من الشهادات الدراسية أو المهنية شيئاً يذكر، سألتهم: كيف أنتم مع الصلاة؟ لعلمي يقيناً من كتاب الله وسنة نبيه أن الصلاة مفتاح البركات، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]. فقال الأول: أتريد الصدق أم تريد أن أكذب عليك؟ قلت: إن كذبت فأنت تكذب على نفسك، أما أنا فلا يضرني. قال: يا شيخ! أنا لا أصلي. قلت: كافر؟ قال: لا. قلت: هذا حكم الله وحكم رسوله، قال النبي ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر). أما الثاني فقال: أنا أحسن منه حالاً، قلت: كيف؟! قال: أنا أصلي في اليوم مرتين. قلت: إن هذا الأمر عجب، الله أمرنا بخمس صلوات، وأنت تصلي صلاتين، أي غفلة هذه؟ أما بني الإسلام على خمس؟ هل ممكن أن مسلماً يغفل عن هذه الأركان أو يجهل هذه الحقيقة؟ إنه عبد مأمور بأداء خمس صلوات. أما الثالث فكان أعجب من الاثنين، قال: أنا أحسن حالاً، أنا أصلي من الجمعة إلى الجمعة، قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلال منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خالي والله لن يستقيم حال المرء حتى يستقيم في صلاته، والله لا يتغير حال الإنسان من حال إلى حال حتى يضبط أمر صلاته، قال ﷺ : (اكلفوا من العمل ما تطيقون، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، لن تتقرب إلى الله بقربة أعظم من المحافظة على الصلاة. فترى الغافلين لا يصلون، وانظر في غفلة المجتمع كله اليوم، إذا أذن المؤذن: الصلاة خير من النوم، فإذا خرجت إلى الشارع لا تكاد ترى سيارة تتحرك، ولا تكاد ترى إنساناً يسير، وتدخل المسجد فترى أباً أو شيخاً أو قلة من الشباب الذين هداهم الله، والبقية في غفلة لا يعلمها إلا الله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩]. وبعد أذان الفجر بساعة تلاحظ مقدار غفلتنا، إذا نادى منادي الدنيا: حي على الأعمال، حي على الوظائف! امتلأت الشوارع بالغادين والرائحين صغاراً وكباراً، ذكراناً وإناثاً، والبيوت بعد غفلتها هبت من نومتها واستعدت لطلب دنياها. كيف يتغير واقع الأمة وهي لا تزال تعظم دنياها أكثر من تعظيمها لأوامر الله، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥]. فتراهم لا يصلون، ويتساهلون في الصلوات، وتراهم يطلقون النظرات يمنة يسرة في حلال وفي محرمات، وتراهم قد هجروا القرآن، وأكبوا على الأغنيات بالليل وبالنهار، والليل والنهار عندهم سواء.

стр. 239

تحذير للسلف من الغفلة أما أهل الصلاح فإن لليلِ والنهار معنى آخر عندهم، كان عمر بن عبد العزيز يقول: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل أنت فيهما. وكان الصديق يوصي عمر قائلاً: إن لله حقاً بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله حقاً في النهار لا يقبله بالليل. فأين نحن من هذه الحقوق والواجبات؟ فما وصلت الأمة إلى الحالة التي وصلت إليها إلا لغفلة الشباب والشيب. زار أبو ذر مكة بعد طول غياب فرأى من أهلها عجباً، رآهم قد تطاولوا في البنيان، ورآهم توسعوا في المأكل والمشرب، فنادى بهم وهو يطوف حول الكعبة، فقال: يا أيها الناس! أنا جندب بن جنادة، وأنا لكم ناصح مشفق أمين. فأقبلوا عليه، فقال: أرأيتم لو أن رجلاً أراد السفر، أليس يأخذ من الزاد ما يبلغه في سفره؟ قالوا: بلى، قال: فإن سفر الآخرة أطول ما تريدون فخذوا له ما يبلغكم، قالوا: وما يبلغنا؟! قال: صلوا في ظلمة الليل لظلمة القبور، وحجوا حجة لعظائم الأمور. واجعل الدنيا مجلسين: مجلساً في طلب الآخرة، ومجلساً في طلب الدنيا، وآخر يضرك لا تَرِدْه، واجعل الدرهم درهمين: درهماً تنفقه في سبيل الله، ودرهما تنفقه على نفسك وعيالك ومن عندك، وآخر يضرك لا ترده، ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتؤملون فتطيلون، قتلكم حرصٌ على الدنيا لستم ببالغيه. أقول: إلى الله المشتكى، كيف لو جاء أبو ذر ورأى أحوالنا؟ ورأى القصور الشاهقة لا يسكنها إلا اثنان أو ثلاثة؟ كيف لو جاء أبو ذر ورأى أرصدتنا في البنوك الربوية؟ كيف لو جاء أبو ذر ورأى نساءنا وأطفالنا يتمايلون مع المعازف والألحان؟ كيف لو جاء أبو ذر ورأى ليلنا أمام الشاشات والقنوات؟ كيف لو جاء أبو ذر ورأى الملاعب تغط بالبنين والشباب؟ كيف لو جاء أبو ذر ورأى عباد البقر يهدمون مساجدنا؟ كيف لو جاء أبو ذر ورأى عباد الصليب ينتهكون حرماتنا وأعراضنا؟ كيف لو جاء أبو ذر ورأى أحفاد القردة والخنازير يتلاعبون بنا؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما وصلنا إلى هذه الحال إلا من غفلتنا، وما أوتينا من قبل قوة القوم، ولكن أوتينا من ضعفنا، ومن غفلتنا، أما آن الأوان أن نسمع المواعظ فنتعظ، ونسمع النصائح فنتغير ونتبدل. أما آن أن نتذكر أن الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، ولا يعرف صيفاً ولا شتاء، ولا ليلاً ولا نهاراً. أما آن أن نعرف أنه ينتظر كلاً منا شدائد وأهوال، وفي القبر ضمة وسؤال. إنها ثلاثة أسئلة ستطرح على كل واحد منا: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هو ذلك الرجل الذي بعث فيكم؟ ولا تظن أن قضية الإجابة بالقضية السهلة، فإنه لن يستطيع أهل الغفلة الإجابة، ولن يجيب إلا أصحاب القلوب الحية ثباتاً وتثبيتاً من الله جل في علاه، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].

стр. 240

الغفلة تصد عن الحق الغفلة تصد عن الحق، وتصد عن اتباع المواعظ، وتصد عن استماع النصيحة، قال ﷻ : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦]. فماذا أعددت للموت وسكراته؟ وماذا أعددت للقبر وظلماته؟ وماذا أعددت ليوم مقداره خمسون ألف سنة؟ وماذا أعددت لسؤال وجواب في ذلك اليوم العظيم؟ ستسأل عن الصلوات، وستسأل عن النظرات، وستسأل عن الكلمات، وستسأل عن كل صغيرة وكبيرة. مر الحسن البصري على مجموعة من الشباب، ومن بينهم شاب يضحك بأعلى صوته، فقال له الحسن: هل مررت على الصراط؟ قال: لا، قال: هل تدري إلى الجنة يؤخذ بك أم إلى النار؟ قال: لا، قال: إذاً: على ماذا هذا الضحك؟ إلى متى أحبتي! ونحن ندفن موتانا ولا نعتبر؟ إلى متى ونحن نودع الصغار والكبار ولا نزدجر؟ ندخل المقابر مرات ومرات وغطاء الغفلة لا زال يخيم على القلوب. كان السلف يقولون: إذا سرنا في جنازة لا نرى إلا متقنعاً باكياً. وانظر في واقعنا إذا سرنا في الجنازات اليوم، كانوا يقولون: كنا لا ندري من نعزي لكثرة الباكين، واليوم لا ندري من نعزي لكثرة الضاحكين، وعند المصائب والآلام تدخل المقبرة حين توديع الأموات فلا ترى الناس يتأثرون، فإذا لم تؤثر المقابر وأخبار أهل القبور فينا وتغير من أحوالنا فما الذي يؤثر فينا ما الذي يغير الواقع؟ إن مصير الغافلين مصير مظلم لا يعلمه إلا الله، تخونهم الذنوب والمعاصي في ساعة هم أحوج ما يكونون للتثبيت من الله جل في علاه.

стр. 241

قصص من الواقع عن أحوال الغافلين والصالحين عند الموت الغفلة تصد عن الحق، وتصد عن اتباع المواعظ، وتصد عن استماع النصيحة، قال ﷻ : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦]. فماذا أعددت للموت وسكراته؟ وماذا أعددت للقبر وظلماته؟ وماذا أعددت ليوم مقداره خمسون ألف سنة؟ وماذا أعددت لسؤال وجواب في ذلك اليوم العظيم؟ ستسأل عن الصلوات، وستسأل عن النظرات، وستسأل عن الكلمات، وستسأل عن كل صغيرة وكبيرة. مر الحسن البصري على مجموعة من الشباب، ومن بينهم شاب يضحك بأعلى صوته، فقال له الحسن: هل مررت على الصراط؟ قال: لا، قال: هل تدري إلى الجنة يؤخذ بك أم إلى النار؟ قال: لا، قال: إذاً: على ماذا هذا الضحك؟ إلى متى أحبتي! ونحن ندفن موتانا ولا نعتبر؟ إلى متى ونحن نودع الصغار والكبار ولا نزدجر؟ ندخل المقابر مرات ومرات وغطاء الغفلة لا زال يخيم على القلوب. كان السلف يقولون: إذا سرنا في جنازة لا نرى إلا متقنعاً باكياً. وانظر في واقعنا إذا سرنا في الجنازات اليوم، كانوا يقولون: كنا لا ندري من نعزي لكثرة الباكين، واليوم لا ندري من نعزي لكثرة الضاحكين، وعند المصائب والآلام تدخل المقبرة حين توديع الأموات فلا ترى الناس يتأثرون، فإذا لم تؤثر المقابر وأخبار أهل القبور فينا وتغير من أحوالنا فما الذي يؤثر فينا ما الذي يغير الواقع؟ إن مصير الغافلين مصير مظلم لا يعلمه إلا الله، تخونهم الذنوب والمعاصي في ساعة هم أحوج ما يكونون للتثبيت من الله جل في علاه.

стр. 242

شباب يموتون وهم يرددون الغناء أحد الذين يعملون في أمن الطرقات يقول: حادث شنيع حدث أمام أعيننا، سيارتان مسرعتان ارتطمتا وجهاً لوجه، فانطلقنا إلى مكان الحادث. جئنا إلى السيارة الأولى فإذا الذي فيها قد فارق الحياة، وجئنا إلى السيارة الثانية فإذا فيها ثلاثة من الشباب، والذي يظهر أنهم في ساعات احتضار، أنزلناهم من السيارة، ومددناهم على جانب الطريق، أخذ صاحبي يردد عليهم: قولوا لا إله إلا الله، قولوا لا إله إلا الله، وفجأة ارتفعت أصواتهم بالغناء، وصاحبي يردد عليهم: قولوا لا إله إلا الله، وهم يرددون ألحان الشيطان حتى خمدت أنفاسهم والعياذ بالله. وهكذا خانتهم المعاصي والذنوب، خانتهم الأغاني، وخانتهم المخالفات، وخانهم الشيطان في تلك اللحظات. ما عمروا القلوب بالطاعة، ما ملئوا الأسماع بالقرآن، فلا عجب حين قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، فانطلقوا يرددون كلام الشيطان، تخونهم المعاصي عند الموت وبعد الموت، والعياذ بالله.

стр. 243

شاب لا يصلي فاسود جلده بعد الموت يقول أحد الذين يغسلون الموتى: جيء لنا بشاب في مقتبل العمر شديد البياض، فما أن بدأنا بتغسيله حتى انقلبت بشرته من البياض إلى السواد الشديد والعياذ بالله، وصدق الله حين قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥٠ - ٥١]، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١١٧]. يقول: انقلبت بشرته من البياض إلى السواد الشديد والعياذ بالله، وخفنا من المنظر، وخرجنا من مكان التغسيل، فإذا رجل يدخن خارج الغرفة، قلنا: الميت ميتكم؟ قال: نعم، أنا أبوه. الأسرة كلها تعيش في غفلة لا يعلمها إلا الله، قلت: ما خبر ميتكم هذا؟ قال: ميتنا هذا لم يكن من المصلين! قال: قلت: خذوا ميتكم أنتم غسلوه وكفنوه، أما حكم الله ورسوله في هذا أنه لا يغسل ولا يكفن، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يحمل على الرقاب، ولا يدعى له، ولا يستغفر له، بل تحفر له حفرة في الصحراء يكب فيها على وجهه والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١١٧]. إنها الغفلة، وما تصنع بأصحابها، ألم نودع أمثال هؤلاء؟ لقد ودعنا أمثال هؤلاء كثيراً، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٧] أما آن أن نعتبر بمن مضى؟ خل ادكار الأربع والمعهد المرتبع والظاعن المودع وعدَّ عنه ودعِ واندب زماناً سلفاً سودت فيه الصحفا ولم تزل معتكفاً على القبيح الشنع كم ليلة أودعتها مآثماً أبدعتها لشهوة أطعتها في مرقد ومضجع وكم خطىً حثثتها لخزية أحدثتها وتوبة نكثتها لملعب ومرتع وكم تجرأت على رب السماوات العلى ولم تراقبه ولا صدقت فيما تدعي وكم غمطت بره وكم أمنت مكره وكم نبذت أمره نبذ الحذا المرقع وكم ركضت في اللعب وفهت عمداً بالكذب ولم تراع ما يجب من عهده المتبع فالبس شعار الندم واسكب شآبيب الدم قبل زوال القدم وقبل سوء المصرع إلامَ تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضر المقتني ولست بالمرتدع أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط بفوده فقد نعي ويحك يا نفس احرصي على ارتياد المخلص وطاوعي وأخلصي واستمعي النصح وعي واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى واخشي مفاجاة القضا وحاذري أن تخدعي وانتهجي سبل الهدى وادكري وشك الردى فإنَّ مثواك غداً في قعر لحد بلقع آهاً له بيت البلا والمنزل القفر الخلا ومنزل السفر الألى واللاحق المتبع بيت يرى من أودعه قد ضمه واستودعه بعد الفضاء والسعة قيد ثلاث أذرع لا فرق أن يحله داهية أو أبله أو معسر أومن له ملك كملك تبع فالكل سيموت: الصغير سيموت، والكبير سيموت، والذكر سيموت، والأنثى ستموت، والغافل سيموت، والصالح سيموت، والله لا يظلم أحداً، أما أهل الغفلة فتأخذهم الغفلات في ساعات احتضارهم، وأما الصالحون فيثبتهم الله عند ساعات احتضارهم.

стр. 244

شاب يموت وهو يقرأ القرآن يقول الذي شهد مشهد الشباب على الأغاني: بعد حين شهدت مشهداً آخر: شاب في مقتبل العمر تعطلت سيارته تحت نفق من الأنفاق، فنزل لإصلاح العطل، فجاءت سيارة فارتطمت به من الخلف، وسقط على الأرض، وتكسرت عظامه، وسالت دماؤه! يقول: أسرعنا إلى مكان الحادث، جئناه فإذا هو في حال لا يعلمها إلا الله، حملناه في السيارة، ويظهر على مظهره الالتزام، فإذا هو يهمهم بأصوات وكلمات لم نميزها حتى وضعناه في الكرسي الخلفي من السيارة، وعندما انطلقنا تبين لنا ذلك الكلام الذي كان يهمهم به، كان يقرأ القرآن بصوت عذب ندي، ما سمعنا أجمل من ذلك الصوت، هو يقرأ ونحن نبكي. أقول في نفسي: سبحان الله ما كأنه تكسرت عظامه، فقلت في نفسي: ألقنه الشهادة، فأنا صاحب خبرة من المواقف الماضية، يقول: فجأة بدأ صوته يخفت شيئاً فشيئاً، فالتفتُ إلى الخلف فإذا هو رافع إصبعه السبابة يتشهد، ثم سقطت يده على صدره وفارق الحياة. فهذا لا يحتاج أن تلقنه لا إله إلا الله؛ لأنه عاش على (لا إله إلا الله)، فعرف معنى (لا إله إلا الله)، وبذل حياته من أجل (لا إله إلا الله)، فثبته الله في ساعة احتضاره، لم تتخل عنه الصلوات، ولم يتخلَّ عنه القرآن، ولا تخلى عنه التسبيح والتهليل، بل كان الله معه في تلك الساعة، فغادر الحياة وهو يقول: لا إله إلا الله!

стр. 245

ظهور أمارات السعادة على شاب عند غسله ودفنه وآخر من أحد دعاتنا يقول: جيء بشاب من أهل الصلاح والاستقامة، أحسبه والله حسيبه من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ومن الحريصين على حب الخير للناس، جيء به إلينا حتى نغسله، فلما بدأنا بتغسيله، وبدأنا بإعداد المسك والكافور، والله الذي لا إله إلا هو لقد فاحت رائحة المسك منه قبل أن نضع المسك عليه، وامتلأت الغرفة بمسك ما شممنا بمثله من قبل. قال: قلت لصاحبي: هل تشم ما أشم؟ قال: إي والله، فنظرنا في وجهه فإذا هو كالقراطيس من شدة البياض، غسلناه، وكفناه، وأخذناه إلى المقبرة، وكنت ممن نزل في قبره، فلما أعطونا إياه فإذا هو يؤخذ من بين أيدينا، والله ما حملناه، بل أُخذ من بين أيدينا، قلت لصاحبي: أتشعر؟ قال: إي والله. ووسد التراب، والله ما وسدناه، ووجه إلى القبلة، ووالله ما وجهناه، وكشفت عن وجهه فإذا هو يضحك، فخفت وظننته حياً، لولا أنني أنا الذي غسلته وكفنته! هذا الشاب الصالح لم تخنه الطاعات حتى في قبره، ولم تخنه الصلوات حتى في قبره، إذا مات ابن آدم تبعه عمله، أما أهل الغفلة فتتبعهم غفلاتهم، وأما أهل الطاعات فتتبعهم طاعتهم، وتضيء لهم قبورهم، فإلى متى والناس يوماً بعد يوم يرحلون والحال لا يتغير ولا يتبدل؟ إن المرض في القلوب ولابد من علاجها، وعلاج القلوب لا يكون إلا بالمواعظ القرآنية. قال ابن القيم: وعلاج القلب في خمسة: قراءة القرآن بتدبر، وقيام الليل. ولكن الناس اليوم يمكثون أمام الشاشات ساعات وساعات، ويضيعون الواجبات والطاعات، وأحوال أمتنا في كل مكان مآسي وجراحات. ها هو الأقصى يلوك جراحه والمسلمون جموعهم آحاد يا ويحنا ماذا أصاب شبابنا أوما لنا سعد ولا مقداد إنَّ علاج القلب بالتضرع في السحر، والارتماء بين يدي الله جل في علاه، والعلاج يكون بتقليل الأكل والشرب والطعام، فما فسدت القلوب إلا لما أثخنت البطون أكلاً وشرباً ولهواً وغفلة، ثم علاج القلوب بمصاحبة الأخيار، والطيور على أشكالها تقع.

стр. 246

من أخبار أصحاب القلوب الحية إنَّ من أخبار أصحاب القلوب الحية، يقول سلمان الفارسي: ثلاثة أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمل والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وضاحك ملء فيه لا يدري ربه راض عنه أو ساخط عليه. وآخر يقول: ما نمت ليلة إلا ظننت أني لا أستيقظ بعدها. والآخر كلما أراد الخروج من المسجد بكى بكاء شديداً، فإذا قيل له: ما الذي يبكيك؟ قال: أخاف أن لا أرجع إليه مرة ثانية. كان حبيب الفارسي إذا أصبح قال لزوجته: إذا مت اليوم فابعثي إلى فلان يغسلني، وابعثي إنساناً يكفنني، واصنعي كذا، واصنعي كذا، فقيل لها: رؤيا رآها، قالت: لا، كل يوم يقول مثل هذا الكلام. فهذه هي القلوب الحية. أما عبد الله بن عامر فسمع منادياً ينادي لأذان المغرب وكان في مرض شديد، بل ربما كان ينتظر ساعة الاحتضار، فقال لأبنائه: خذوني إلى المسجد، قالوا: أنت ممن عذر الله، ليس على المريض حرج، قال: والله إني لأستحي أن أسمع النداء فلا أجيب! واليوم يمرون من جانب المساجد كأن الأمر لا يعنيهم، ويسمعون حي على الصلاة، حي على الفلاح فلا يجيب إلا قليل. قال: خذوني إلى المسجد، فإني والله لأستحي أن أسمع النداء ولا أجيب، فاغتسل وتطيب وتعطر وذهب لأداء صلاة المغرب، فلما سجد السجدة الأولى لم يرفع رأسه بعدها، وما أحلاه من ختام، وما أحلاها من نهاية، قال تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢]. هذه أخبار أصحاب القلوب الحية، فإن لم تكن مثلهم فتشبه بهم، إن التشبه بالصالحين صلاح، وانتبه أن تطلب وقتاً مستقطعاً ووقتاً إضافياً فلا يستجاب لك، خذ بالعلاج إذا أردت الشفاء. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار جيء بالموت على هيئة كبش أقرن أملح بين الجنة والنار، ثم ينادى بأهل الجنة: يا أهل الجنة! تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم نعرفه، هذا الموت، ثم ينادى بأهل النار: يا أهل النار! تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم نعرفه، هذا الموت، فيؤمر بالموت بين الجنة والنار فيذبح، ثم ينادى بأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود فلا موت، وينادى بأهل النار: يا أهل النار خلود فلا موت). فيقال لأصحاب القلوب الحية: إن لكم ألا تجوعوا فيها أبداً، إن لكم أن تصحوا فيها فلا تمرضوا أبداً، وأن تحيوا فيها فلا تموتوا أبداً، وأن تقيموا فيها فلا تظعنوا أبداً، وأن تشبوا فيها فلا تهرموا أبداً. ويقال لأهل الغفلة وأهل النار: خلود فلا موت: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢])، فهم يتمنون العودة، ولكن هيهات هيهات! ثم قرأ ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠]. فاتقِ الله عبد الله! وانفض غبار الغفلة، واستعد للرحيل، فإنك قد تمسي ولا تدرك الصباح، وقد تصبح ولا تدرك المساء، والشاب يغتر بشبابه، وإنك تجد أنَّ أكثر من يموت هم الشباب، والشيخ الكبير يغتر بصحته، والمرض يأتي فجأة، وإذا جاء المرض فقد اقترب الموت. يا عجباً للناس لو فكروا أو حاسبوا أنفسهم أبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها إنما الدنيا لهم معبر لا فخر إلا فخر أهل التقى غداً إذا ضمهم المحشر ليعلمن الناس أن التقى والبر كان خير ما يدخر اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين. اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، وردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين. اللهم انصر المستضعفين في كل مكان، في فلسطين والشيشان وفي كشمير والفلبين، وفي العراق وأفغانستان. اللهم كن لهم عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً. اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 247

المسيح الدجال إن فتنة المسيح الدجال من أعظم الفتن، ولذلك ما من نبي إلا وحذر قومه منه، ولقد حذرنا نبينا ﷺ منه أشد الحذر، وبين أوصافه وضلالاته وخوارقه، وبين الأسباب التي تعصم من فتنته، وسن لنا دعاء في الصلاة للاستعاذة بالله من شر فتنته، فما علينا إلا أن نمتثل أمر الله وأمر رسوله ﷺ حتى نسلم من فتنته وشره.

стр. 248

التحذير من فتنة الدجال إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! حدثتكم في الجمعة الماضية عن خروج المهدي وعن أحداث تسبق خروجه، وحدثتكم عن صفاته وبعض من أخباره، وحتى يكون الحديث متصلاً سأحدثكم اليوم عن الدجال، وهو أعظم فتنة تمر على البشرية، فما من نبي إلا حذر قومه الدجال، ولكن تحذير نبينا ﷺ كان أشد؛ لأنه سيخرج في هذه الأمة، وخروجه أمر عظيم وجسيم، وتبلغ فتنته مبلغاً لا يعلمه إلا الله، أما ترى أننا نتعوذ من فتنته في دبر كل صلاة، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا يبقى لهم سائمة إلا هلكت، وأنه يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر عليهم، ويأمر الأرض أن تنبت لهم، إنها والله فتنة عظيمة، لذلك حذر الأنبياء منها، وكان نبينا أشد الأنبياء تحذيراً. عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم، وكان أكثر خطبته عن الدجال والتحرز منه، وكان من قوله: يا أيها الناس! إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال، وإن الله تعالى لم يبعث نبياً بعد نوح ﵇ إلا حذره أمته، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين أظهركم فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من خلة بين العراق والشام، فيعيث يميناً ويعيث شمالاً، ألا يا عباد الله فاثبتوا، فإنه يبدأ فيقول: أنا نبي، ولا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولن تروا ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية، وربكم ليس بأعور، مكتوب على جبهته: كافر، يقرؤها كل مؤمن كاتب وغير كاتب). إنها فتنة عظيمة عباد الله! وقد أخبر النبي ﷺ أنه لا يخرج حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر، من أجل هذا اخترت الحديث عنه حتى لا تسكت المنابر عن التحذير من فتنته. فهيا معاً نطوف بين الأحاديث والآثار التي تحذر وتنذر وتخبر عن فتنته، وقد أطيل قليلاً لكني أردت أن يكون الحديث تاماً ومتصلاً من وقت خروجه إلى نهايته.

стр. 249

سبب تسمية الدجال بالمسيح وعيسى بالمسيح أما لماذا سمي الدجال بالمسيح؟ فعلى عدة أقوال: قال ابن فارس: لأن أحد شقي وجهه ممسوح مشوه، وقيل: لأنه ممسوح العين، وهذا ما اختاره أكثر أهل العلم، وقيل: لأنه يمسح الأرض، أي: يقطعها تجولاً في أربعين يوماً، فلا تبقى بقعة في الأرض إلا يطؤها في أربعين يوماً. وقد يقول قائل: ولماذا سمي المسيح ابن مريم بذلك؟ اختلف في ذلك على عدة أقوال، منها: أنه يمسح على الأعمى والأكمه والأبرص فيبرأ بإذن الله، ويمسح على الميت فيحيا بإذن الله، وقيل: لأنه أمسح الرجل، فليس لرجله أخمص، وقيل: إنه خرج من بطن أمه كأنه ممسوح بالدهن، وقيل: إن حسن الوجه يسمى مسيحاً في اللغة، فعلى هذا يكون على وجهه مسحة جمال وحسن، وقيل غير ذلك. فلدينا مسيحان: مسيح على وجهه مسحة قبح، ومسيح على وجهه مسحة حسن وجمال. ويقول البعض عن الدجال: المسيخ، بدلاً من المسيح؛ وذلك للتفريق بينهما، وهذا ليس بصحيح، وإنما يفرق بينهما فيقال: مسيح الهداية ومسيح الضلالة. فمسيح الهدى يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ومسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات، كإنزال المطر وإحياء الأرض وغيرها من الخوارق.

стр. 250

سبب تسمية الدجال بالدجال لماذا سمي بـ الدجال؟ فيه أقوال عدة اخترت منها قول ابن دحية الحافظ: قال العلماء: الدجال في اللغة يطلق على عدة وجوه، منها: الدجال بمعنى: الكذاب، وهذا معروف وما أكثره اليوم. ومنها: الدجال مأخوذ من الدجالة وهو طلاء البعير بالقطران؛ سمي بذلك لأنه يغطي الحق ويستره بسحره وكذبه، كما يغطي الرجل جرب بعيره بالدجالة والنصب والاحتيال. ومنها أيضاً: أن الدجال هو الضارب في نواحي الأرض وقطعه لها، يقال: دجل الأرض إذا ضرب في مشارق الأرض ومغاربها. ويقال: الدجال من التغطية، أي: أن كل شيء غطيته فقد دجلته، فـ الدجال يغطي الحق ويظهر الباطل. وقالوا كذلك: الدجل من ماء الذهب الذي يطلى به الشيء فيحسن ظاهره وداخله خزف أو عود، فـ الدجال يطلي الأشياء لتصبح في ظاهرها حسنة وهي باطلة.
следующие страницы →