← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

من أخبار أصحاب القلوب الحية إنَّ من أخبار أصحاب القلوب الحية، يقول سلمان الفارسي: ثلاثة أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمل والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وضاحك ملء فيه لا يدري ربه راض عنه أو ساخط عليه. وآخر يقول: ما نمت ليلة إلا ظننت أني لا أستيقظ بعدها. والآخر كلما أراد الخروج من المسجد بكى بكاء شديداً، فإذا قيل له: ما الذي يبكيك؟ قال: أخاف أن لا أرجع إليه مرة ثانية. كان حبيب الفارسي إذا أصبح قال لزوجته: إذا مت اليوم فابعثي إلى فلان يغسلني، وابعثي إنساناً يكفنني، واصنعي كذا، واصنعي كذا، فقيل لها: رؤيا رآها، قالت: لا، كل يوم يقول مثل هذا الكلام. فهذه هي القلوب الحية. أما عبد الله بن عامر فسمع منادياً ينادي لأذان المغرب وكان في مرض شديد، بل ربما كان ينتظر ساعة الاحتضار، فقال لأبنائه: خذوني إلى المسجد، قالوا: أنت ممن عذر الله، ليس على المريض حرج، قال: والله إني لأستحي أن أسمع النداء فلا أجيب! واليوم يمرون من جانب المساجد كأن الأمر لا يعنيهم، ويسمعون حي على الصلاة، حي على الفلاح فلا يجيب إلا قليل. قال: خذوني إلى المسجد، فإني والله لأستحي أن أسمع النداء ولا أجيب، فاغتسل وتطيب وتعطر وذهب لأداء صلاة المغرب، فلما سجد السجدة الأولى لم يرفع رأسه بعدها، وما أحلاه من ختام، وما أحلاها من نهاية، قال تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢]. هذه أخبار أصحاب القلوب الحية، فإن لم تكن مثلهم فتشبه بهم، إن التشبه بالصالحين صلاح، وانتبه أن تطلب وقتاً مستقطعاً ووقتاً إضافياً فلا يستجاب لك، خذ بالعلاج إذا أردت الشفاء. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار جيء بالموت على هيئة كبش أقرن أملح بين الجنة والنار، ثم ينادى بأهل الجنة: يا أهل الجنة! تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم نعرفه، هذا الموت، ثم ينادى بأهل النار: يا أهل النار! تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم نعرفه، هذا الموت، فيؤمر بالموت بين الجنة والنار فيذبح، ثم ينادى بأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود فلا موت، وينادى بأهل النار: يا أهل النار خلود فلا موت). فيقال لأصحاب القلوب الحية: إن لكم ألا تجوعوا فيها أبداً، إن لكم أن تصحوا فيها فلا تمرضوا أبداً، وأن تحيوا فيها فلا تموتوا أبداً، وأن تقيموا فيها فلا تظعنوا أبداً، وأن تشبوا فيها فلا تهرموا أبداً. ويقال لأهل الغفلة وأهل النار: خلود فلا موت: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢])، فهم يتمنون العودة، ولكن هيهات هيهات! ثم قرأ ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠]. فاتقِ الله عبد الله! وانفض غبار الغفلة، واستعد للرحيل، فإنك قد تمسي ولا تدرك الصباح، وقد تصبح ولا تدرك المساء، والشاب يغتر بشبابه، وإنك تجد أنَّ أكثر من يموت هم الشباب، والشيخ الكبير يغتر بصحته، والمرض يأتي فجأة، وإذا جاء المرض فقد اقترب الموت. يا عجباً للناس لو فكروا أو حاسبوا أنفسهم أبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها إنما الدنيا لهم معبر لا فخر إلا فخر أهل التقى غداً إذا ضمهم المحشر ليعلمن الناس أن التقى والبر كان خير ما يدخر اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين. اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، وردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين. اللهم انصر المستضعفين في كل مكان، في فلسطين والشيشان وفي كشمير والفلبين، وفي العراق وأفغانستان. اللهم كن لهم عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً. اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 247

المسيح الدجال إن فتنة المسيح الدجال من أعظم الفتن، ولذلك ما من نبي إلا وحذر قومه منه، ولقد حذرنا نبينا ﷺ منه أشد الحذر، وبين أوصافه وضلالاته وخوارقه، وبين الأسباب التي تعصم من فتنته، وسن لنا دعاء في الصلاة للاستعاذة بالله من شر فتنته، فما علينا إلا أن نمتثل أمر الله وأمر رسوله ﷺ حتى نسلم من فتنته وشره.

стр. 248

التحذير من فتنة الدجال إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! حدثتكم في الجمعة الماضية عن خروج المهدي وعن أحداث تسبق خروجه، وحدثتكم عن صفاته وبعض من أخباره، وحتى يكون الحديث متصلاً سأحدثكم اليوم عن الدجال، وهو أعظم فتنة تمر على البشرية، فما من نبي إلا حذر قومه الدجال، ولكن تحذير نبينا ﷺ كان أشد؛ لأنه سيخرج في هذه الأمة، وخروجه أمر عظيم وجسيم، وتبلغ فتنته مبلغاً لا يعلمه إلا الله، أما ترى أننا نتعوذ من فتنته في دبر كل صلاة، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا يبقى لهم سائمة إلا هلكت، وأنه يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر عليهم، ويأمر الأرض أن تنبت لهم، إنها والله فتنة عظيمة، لذلك حذر الأنبياء منها، وكان نبينا أشد الأنبياء تحذيراً. عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم، وكان أكثر خطبته عن الدجال والتحرز منه، وكان من قوله: يا أيها الناس! إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال، وإن الله تعالى لم يبعث نبياً بعد نوح ﵇ إلا حذره أمته، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين أظهركم فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من خلة بين العراق والشام، فيعيث يميناً ويعيث شمالاً، ألا يا عباد الله فاثبتوا، فإنه يبدأ فيقول: أنا نبي، ولا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولن تروا ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية، وربكم ليس بأعور، مكتوب على جبهته: كافر، يقرؤها كل مؤمن كاتب وغير كاتب). إنها فتنة عظيمة عباد الله! وقد أخبر النبي ﷺ أنه لا يخرج حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر، من أجل هذا اخترت الحديث عنه حتى لا تسكت المنابر عن التحذير من فتنته. فهيا معاً نطوف بين الأحاديث والآثار التي تحذر وتنذر وتخبر عن فتنته، وقد أطيل قليلاً لكني أردت أن يكون الحديث تاماً ومتصلاً من وقت خروجه إلى نهايته.

стр. 249

سبب تسمية الدجال بالمسيح وعيسى بالمسيح أما لماذا سمي الدجال بالمسيح؟ فعلى عدة أقوال: قال ابن فارس: لأن أحد شقي وجهه ممسوح مشوه، وقيل: لأنه ممسوح العين، وهذا ما اختاره أكثر أهل العلم، وقيل: لأنه يمسح الأرض، أي: يقطعها تجولاً في أربعين يوماً، فلا تبقى بقعة في الأرض إلا يطؤها في أربعين يوماً. وقد يقول قائل: ولماذا سمي المسيح ابن مريم بذلك؟ اختلف في ذلك على عدة أقوال، منها: أنه يمسح على الأعمى والأكمه والأبرص فيبرأ بإذن الله، ويمسح على الميت فيحيا بإذن الله، وقيل: لأنه أمسح الرجل، فليس لرجله أخمص، وقيل: إنه خرج من بطن أمه كأنه ممسوح بالدهن، وقيل: إن حسن الوجه يسمى مسيحاً في اللغة، فعلى هذا يكون على وجهه مسحة جمال وحسن، وقيل غير ذلك. فلدينا مسيحان: مسيح على وجهه مسحة قبح، ومسيح على وجهه مسحة حسن وجمال. ويقول البعض عن الدجال: المسيخ، بدلاً من المسيح؛ وذلك للتفريق بينهما، وهذا ليس بصحيح، وإنما يفرق بينهما فيقال: مسيح الهداية ومسيح الضلالة. فمسيح الهدى يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ومسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات، كإنزال المطر وإحياء الأرض وغيرها من الخوارق.

стр. 250

سبب تسمية الدجال بالدجال لماذا سمي بـ الدجال؟ فيه أقوال عدة اخترت منها قول ابن دحية الحافظ: قال العلماء: الدجال في اللغة يطلق على عدة وجوه، منها: الدجال بمعنى: الكذاب، وهذا معروف وما أكثره اليوم. ومنها: الدجال مأخوذ من الدجالة وهو طلاء البعير بالقطران؛ سمي بذلك لأنه يغطي الحق ويستره بسحره وكذبه، كما يغطي الرجل جرب بعيره بالدجالة والنصب والاحتيال. ومنها أيضاً: أن الدجال هو الضارب في نواحي الأرض وقطعه لها، يقال: دجل الأرض إذا ضرب في مشارق الأرض ومغاربها. ويقال: الدجال من التغطية، أي: أن كل شيء غطيته فقد دجلته، فـ الدجال يغطي الحق ويظهر الباطل. وقالوا كذلك: الدجل من ماء الذهب الذي يطلى به الشيء فيحسن ظاهره وداخله خزف أو عود، فـ الدجال يطلي الأشياء لتصبح في ظاهرها حسنة وهي باطلة.

стр. 251

أخبار من فتنة الدجال ودجله على الناس اسمع رعاك الله وبارك الله فيك عن فتنته ودجله على الناس: جاء في رواية: (وإن من فتنته أن معه جنة وناراً، فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستعن بالله وليقرأ فواتح سورة الكهف، فتكون عليه برداً وسلاماً كما كانت النار على إبراهيم ﵇ وفي رواية أخرى: (معه نهران يجريان، أحدهما: رأي العين ماء أبيض، والآخر: رأي العين نار تتأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه ناراً، وليغمض عينيه، ثم ليطأطئ رأسه فيشرب، فإنه ماء بارد) فجنته نار وناره جنة، لا إله إلا الله! إنها والله لفتنة عظيمة، ولا ينجو منها إلا من صدق مع الله . وإليك مزيداً من الأخبار، فأعوانه وجنوده الشياطين كيف لا وهم أنصار كل باطل وأعداء كل حق؟! قاتلهم الله أنى يؤفكون! جاء في رواية: (وإن من فتنته أن يقول لإعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وبعثت لك أمك، أتشهد أني ربك، فيقول الإعرابي: نعم، فيتمثل له شيطانان على صورة أبيه وعلى صورة أمه، فيقولان له: يا بني! اتبعه فإنه ربك) فهل من فتنة أشد من هذا!

стр. 252

العلامات التي تسبق ظهور الدجال وتنبئ بخروجه عباد الله! ولأن خروجه أمر عظيم وأمر جسيم، فمن سنة الله أن تسبق هذا الحدث علامات تنبئ بظهوره وبخروجه، ومنها: ظهور المدعين للنبوة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كل يزعم أنه رسول) متفق عليه. ومنذ أيام مضت ادعى رجل في اليمن النبوة، وادعى قبله أقوام. ومن العلامات التي تسبق ظهوره أيضاً: فتح القسطنطينية، عن معاذ ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الملحمة العظمى، وفتح قسطنطينية، وخروج الدجال في سبعة أشهر فقط) حسنه الترمذي. ومن العلامات ومما نلاحظ في هذه الأيام: تغير الأحوال وتبدل الأشياء، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) صححه ابن حجر. ومن العلامات السابقة لظهوره كذلك: جوع وقحط وحاجة، جاء في حديث أبي أمامة الطويل: قال ﷺ : (وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله، فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله، فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا من شاء الله، فقال أحد الصحابة: وما يكون طعام الناس حينها؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام) رواه ابن ماجة في كتاب الفتن، وسنده حسن وله شواهد.

стр. 253

حال الناس عند خروج الدجال إن حال الناس عند خروجه في ضعف وضنك وظمأ وجوع وجهل، وهذه أسباب تساعد الدجال على نشر دعواه وسرعة انتشاره، فيخرج ومعه سبعون ألفاً من يهود أصبهان، ويتبعه من المسلمين سبعون ألفاً من الأغنياء، وأكثر أتباعه اليهود والنساء. وجاء أنه (يأتيه الأعرابي وقد اشتد به الحال وعظمت عليه المصائب، فيستغل الدجال جهله فيقول له: أرأيت إن أحييت لك إبلك، ألست تعلم أني ربك؟ فيقول الإعرابي: بلى، فيحييها له). ويكون معه جبل من خبز ونهر من ماء، والناس جائعون ليس معهم خبز ولا ماء، فماذا يمنعهم من اتباعه؟! إنها والله فتنة عظيمة، فالغني يريد أن يزيد في غناه، والفقير يريد أن يخرج من فقره، وأهل البادية في جهل، والنساء ناقصات عقل ودين، واليهود له تبع؛ لأنه منهم. جاء في رواية: (أنه لا ينجو منه إلا سبعون ألفاً من الرجال وخمسون ألفاً من النساء، والذين يعرفون كذبه يفرون إلى الجبال).

стр. 254

وقت خروج الدجال، ومكان ذهابه، ومدة مكثه في الأرض عباد الله! إن الحديث عن خروج الدجال ومكان خروجه من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله، أو بوحي عن النبي ﷺ الذي أكثر من ذكر الدجال وفتنته، فمتى يخرج؟ وأين يذهب؟ وماذا يصنع؟ وكم يمكث في الأرض؟ إليك مزيداً من الأخبار: فعن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الدجال ليخرج من أرض بالمشرق يقال لها: خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة) أي: وجوههم عريضة، صححه الحاكم وأقره الذهبي. وقال أبو هريرة: أحدثكم ما سمعت عن النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن الأعور الدجال مسيح الضلالة يخرج من قبل المشرق، في زمن اختلاف من الناس وفرقة، فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الأرض في أربعين يوماً، الله أعلم ما مقدارها، الله أعلم ما مقدارها). قالها مرتين. وقد اختلفت الروايات في تحديد تلك الفترة، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين) قال الراوي: لا أدري: أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً. وفي حديث النواس بن سمعان ﵁ قال: (قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعين يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا قدره)، فانظر كم هم حريصون على صلاتهم؛ لأن الفتن يستعان عليها بالصبر والصلاة.

стр. 255

ذكر سبب خروج الدجال أما سبب خروجه فلقد جاء في حديث حفصة عند مسلم قال ﷺ : (إنما يخرج الدجال من غضبة يغضبها)، وأما أول باب يطرقه بعد خروجه فعن ابن مسعود ﵁: إني لأعلم أول أهل بيت يقرعهم الدجال، قال: أنتم يا أهل الكوفة. رواه ابن أبي شيبة والطبراني، ورجاله ثقات. قال أهل العلم: إنما قال ذلك لشدة حبهم للفتن والقلاقل، وليس للصحابي أن يقول ذلك اجتهاداً، إنما هو من قول النبي ﷺ .

стр. 256

صور من فتنة الدجال وخوارقه من فتنته وخوارقه أيضاً أنه لا يترك بقعة في الأرض إلا وطأتها قدماه إلا مكة والمدينة، فعن أنس أن النبي ﷺ قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس نقب من نقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج الله كل كافر ومنافق) رواه البخاري. وأما إسراعه في الأرض فقد بينه النبي ﷺ حين سأله الصحابة عن ذلك: (فقالوا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح) رواه مسلم. ومعنى ذلك: أن سرعته كالمطر عندما ينزل فتتبعه الريح. عباد الله! وعلى الرغم من شدة البطش التي عرف بها الدجال وتلك الخوارق التي معه، إلا أنه في الشدائد يعرف الرجال بإيمانهم، ويعرفون بصدقهم، ويعرفون بثباتهم، ويعرفون بتمسكهم بالحق، فلا يخشون إلا الله، ولا يفرون من الموت، واسمع من خبرهم في مواجهة الدجال، فهم يعرفونه لأنه مكتوب على جبينه كافر لا يقرؤها إلا المؤمن، وإن كان لا يقرأ أو يكتب. فعند مسلم من حديث أبي سعيد قال: (حدثنا رسول الله ﷺ يوماً حديثاً طويلاً، حدثنا عن الدجال فكان فيما حدثنا أنه قال: يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فيلقاه المسالح -قوم معهم سلاح من أعوان الدجال وحراسه- فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج، قال: فيقولون له: أوما تؤمن بربنا! فيقول: ما بربنا خفاء نعرف ربنا، فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم -يعني الدجال - أن تقتلوا أحداً دونه؟ قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس! هذا الدجال الذي ذكر النبي ﷺ ، قال: فيأمر الدجال به فيشبح -يمدد على الأرض- فيقول: خذوه وشجوه، أي: اقطعوا رأسه، فيوسع ظهره وبطنه ضرباً، قال: فيقول له الدجال: أوما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الدجال، قال: فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرق رأسه حتى يفرق بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم، فيستوي قائماً، قال ثم يقول لي: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة، أنت الدجال، قال ثم يقول المؤمن: يا أيها الناس! إنه لا يفعل هذا بعدي بأحد من الناس، قال: فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً، فلا يستطيع إليه سبيلاً، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسبه الناس إنما قذفه إلى النار وإنما ألقى به في الجنة، فقال ﷺ : هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين) أي: هذا الرجل أعظم شهادة عند رب العالمين. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 257

حقيقة وجود الدجال وكيفية نهايته

стр. 258

حديث الجساسة وحقيقة وجود الدجال الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم! صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، وإن من تقواه التمسك بكتابه وهدي نبيه ﷺ الذي حذرنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فجزاه الله عنا خير ما جازى نبياً عن أمته. عباد الله! السؤال هل الدجال موجود؟ وكيف تكون نهايته؟ فاسمع رعاك الله وبارك فيك. عن فاطمة بنت قيس ﵄ قالت: (خرجت إلى المسجد فصليت مع النبي ﷺ ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور الرجال، فلما قضى النبي ﷺ صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه، ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكني جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً، فلعب بهم الموج شهراً كاملاً في البحر، وأرفئوا إلى جزيرة في البحر حين مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة -إما في آخر السفينة أو في القارب الصغير الذي يكون في السفينة- فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثيرة الشعر لا يدرون ما قبله من دبره؛ من كثرة شعر هذه الدابة، فقالوا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة -يعني: التي تجس الأخبار للدجال - انطلقوا إلى هذا الرجل في هذا الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال -أي: تميم -: لما سمت لنا رجلاً فرقنا -يعني: خفنا- منها أن تكون شيطانة، قال تميم ﵁: فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً، وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟! قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم -يعني: ثارت بهم أمواجه- فلعب بنا الموج شهراً ثم أرفأ بنا إلى جزيرتك، فقال: أخبروني عن نخل بيسان -مكان بين الأردن وفلسطين- قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم، قال: أما إنه يوشك ألا يثمر، قال: أخبروني عن بحيرة طبرية، قلنا: وماذا عن شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زغر -قرية بمشارف الشام فيها عين-، قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها، قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل بيثرب -يعني المدينة-، قال: أقاتله العرب؟ قلنا له: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا له: نعم، قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه -قالها وهو الدجال! - قال تميم: فقال لنا: إني مخبركم عني: إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة؛ فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده سيف صلت يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها) وهذا حديث صحيح وصريح وثابت من طرق متعددة. فـ الدجال موجود، وينتظر فقط أن يؤذن له، والله أعلم.

стр. 259

كيفية نهاية الدجال وأتباعه عباد الله! سيخرج الدجال كما أخبر الصادق المصدوق، فإذا عاث في الأرض فساداً جاء الأمر من الله بنزول عيسى ﵊، ونزول عيسى علامة أخرى من علامة الساعة الكبرى التي أخبر الصادق المصدوق عنها، فينزل عيسى ﵇ ليكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم بشريعة محمد ﷺ ، ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، لكن لماذا عيسى دون سائر الأنبياء؟ ذلك لأسباب، قال أهل العلم: إن اليهود تدعي أنهم قتلوه وصلبوه، ونزوله إبطالاً لباطلهم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، قالوا: ونزوله دليل على قول من قال: إنه لم يمت، فلدنو أجله ينزل ثم يموت، فكل نفس ذائقة الموت، وقالوا: وجد عيسى في الإنجيل فضل أمة محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ [الفتح:٢٩] فدعا عيسى ﵇ ربه أن يجعله من أمة محمد ﷺ فاستجاب الله دعاءه. فسيعيث الدجال في الأرض فساداً، ثم ينزل عيسى ﵇، فماذا يحدث للدجال إذا رأى عيسى ﵇؟ إذا جاء الحق زهق الباطل، وإذا جاء النور تبدد الظلام، وإذا جاء العدل هرب الظلم والظلمة والطغاة، فإذا رأى مسيح الضلالة مسيح الهدى ذاب كما يذوب الملح في الماء. وهذا منظر بديع حين ينزل عيسى ﵇، فقد ثبت في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان مرفوعاً: (فبينما هو كذلك -يعني الدجال - يعيث في الأرض يمنة ويسرة، إذ بعث الله المسيح عيسى ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد نفسه إلا مات حين رؤية عيسى ﵇، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه). الله أكبر إنه منظر جليل بديع يؤذن بنهاية الظلم والكفر والطغيان. قالت أم شريك في حديث آخر: (يا رسول الله! فأين الناس حينها؟! -أي: أين الناس حين ينزل عيسى ﵇؟ - قال: هم يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح - يعني: المهدي - فيسير الدجال حتى ينزل فيها يحاصر بيت المقدس، فبينما هو يحاصرهم إذ نزل عيسى ﵇، فيعرفه الرجل الصالح فيرجع القهقرى في صلاة الفجر؛ ليتقدم عيسى ﵇، فيضع عيسى ﵇ يده بين كتفيه فيقول له: تقدم فصل فإنها لك قد أقيمت، فيصلي عيسى وراءه، فإذا سلم ذلك الإمام قال عيسى ﵇: افتحوا وأقيموا الباب، فيفتح باب بيت المقدس ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وسلاح، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وانماع، ثم ولى هارباً، فيقول عيسى ﵇: إن لي فيك لضربة لن تسبقني بها، قال: فيدركه عيسى ﵇ عند باب لد الشرقي فيقتله ﵇، ويهزم الله يهوده ويقتلون أشد قتلة، فلا يبقى شيء مما خلق الله دابة ولا شجر ولا حجر يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود، قال ﷺ : فيكون عيسى ﵇ في أمتي حكماً عادلاً وإماماً مقسطاً، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتملأ الأرض من السلم والعدل كما يملأ الإناء من الماء، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها) فلا جهاد؛ لأنه لا كفر في ذلك اليوم، ثم تتابع أشراط الساعة تلو الأخرى، ثم تعود الأرض إلى كفرها وشركها فلا يبقى على وجه الأرض مؤمن واحد، وعلى هؤلاء تقوم الساعة، ولعلنا في الجمعة القادمة نتابع الحديث إلى قيام الساعة وتتابع الأشراط. عباد الله! ما نذكر هذا إلا ليزداد المؤمن إيماناً: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٨ - ١٩]، وحتى ننجو من فتنته، فلا بد من المبادرة بالأعمال الصالحة، والاستعاذة من شره، وحفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، وفي رواية: من آخر سورة الكهف، فإنها تعصم من فتنته. أسأل الله أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الموحدين. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم احفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وبلادنا وبلاد المسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء دينك، اللهم انصر من نصرهم واخذل من خذلهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! وسدد رأيهم ورميهم، وصن أعراضهم واحقن دماءهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين! اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا! من الراشدين. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 260

المنافقون منذ بزغ الإسلام بنوره والمنافقون يدبرون المكائد، ويحيكون الدسائس لإطفاء نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وما أصاب الأمة من نكبات وهزائم إلا بجهود أولئك المنافقون، فخطرهم على الأمة عظيم؛ لأنهم يعيشون بيننا ويتكلمون بألسنتنا، ولشدة خطرهم أنزل الله سورة فضحت مكائدهم وبينت أخلاقهم، وأوضحت سماتهم، والمنافقون موجودون في كل زمان ومكان، وإن اختلفت الوسائل والأساليب، ورغم ما يبذلونه من مخططات للإطاحة بالإسلام إلا أن المستقبل لهذا الدين والعاقبة للمتقين.

стр. 261

المعتصم يلبي صوت المفجوعة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! منذ قرون مضت هاجم الرومان إحدى بلدان المسلمين، فانتهكوا الأعراض، وسبوا الديار، ودنسوا المقدسات، لكن امرأة واحدة رأت بارقةَ أمل في أحد قادة المسلمين، فرفعت صوتها وصرخت: وامعتصماه! فصاح المعتصم لصيحتها: لبيك أختاه، لبيك أختاه! فأعدَّ العُدَّة وجهز الجيوش لنصرتها، وحين حاول المنجمون الجبناء أن يثنوه عن عزمه ضرب بكلامهم عرض الحائط، وخرج بنفسه على رأس جيوشه حتى وصل إلى عمورية، فأحرقها ولقن الرومان درساً لن ينسوه، وكسر شوكتهم، وأدب جيوشهم، فسطر التاريخ له ذلك، وتسابقت أبيات الشعر تصف ذلك الموقف العظيم. السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب أين الرواية بل أين النجوم وما صاغوه من زخرفٍ فيها ومن كذب وخوفوا الناس من دهياء مظلمة إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب

стр. 262

حال الأمة اليوم ثم دار الزمان دورته، وتركت الأمة أسباب عزها وقوتها، قال ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) صححه الألباني ﵀. فيا ألله ماذا أصابنا؟! وماذا جرى لأمتنا؟! هاهي أعراضنا تنتهك، ومقدساتنا تدنس باسم السلام والشرعية الدولية! والأعجب من هذا أن ترى كثيراً من أفراد هذه الأمة عاكفين على اللهو والعبث، فهذه بطولات للكرة يتابعونها، وهذه حفلات غنائية يقيمونها! يا ألله! كيف يستطيع صاحب الطعام أن يتلذذ بطعامه؟! وكيف يستطيع صاحب الصبيان أن يمازح ويدلل صبيانه؟! يا ألله! كيف يهدأ لنا بال ويقر لنا قرار، ونحن نرى الأطفال في فلسطين والعراق والشيشان وكشمير وأفغانستان وهم يُقتَّلون في أحضان أمهاتهم؟! ما ذنبهم؟! وما هي جريمتهم؟! والعالم الحيران يرى ويسمع ولا يجيب! يا ألله! كم انتهكت من الأعراض هنا وهناك! وكم ارتفعت أصوات المسلمات: وامعتصماه وامعتصماه! ولكن لا مجيب ولا مواتي! ماذا جرى لأمتي حتى ترضى بالهوان؟! أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلم أتلقَّاك وطرفي مطرقٌ خجلاً من أمسك المنصرم ويكاد الدمع يهمي عاتباً لبقايا كبرياء الألم ألإسرائيل تعلو راية في حمى المهد وظل الحرم أو ما كنت إذا البغي اعتدى موجة من لهب أو من دم اسمعي نوح الحزانى واطربي وانظري دمع اليتامى وابسمي رب وامعتصماه انطلقت ملءَ أفواه الصبايا اليتَّم لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم إن ما تعانيه أمتنا ليس بسبب قوة أعدائها، فلقد قهرت أمتنا أقوى وأعتى الأعداء وهي أقل عدة وعتاداً.

стр. 263

خطر المنافقين عباد الله! منذ بداية ظهور قوة الإسلام وعزة أهله، بدأ الأعداء يخططون ويدبرون، وبدأت التكتلات تظهر ضد الإسلام وأهله، وأبرز هذه التكتلات وأخطرها النفاق والمنافقين.

стр. 264

خطر المنافقين أشد من خطر الكافرين إن خطر المنافقين أشد من خطر الكفار والمشركين، ولقد حذر الله منهم فبين أنهم هم الأعداء الحقيقيون، فالعدو الذي يُظهر عداوته أهون بكثير من المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤]. ولشدة خطورتهم وعدائهم كان موقعهم في أشدِّ مواقع النار عقوبة وعذاباً، قال الله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥]، فوظيفة المنافقين الدسُّ والوقيعة بين المسلمين، وفتنة ضعفاء الإيمان، ومن أعظم وظائفهم: التعرف على مصادر قوة المسلمين لاستخدامها ضد المسلمين. ولخطورة النفاق والمنافقين فلا تكاد تخلو سورة مدنية من ذكر المنافقين تلميحاً أو تصريحاً. وقد خصهم الله بسورة تتكلم عن أخلاقهم وأكاذيبهم، ففضحت السورة دسائسهم ومناوراتهم، وأظهرت ما في قلوبهم من بغض وكيد للإسلام والمسلمين. ثم حذر الله في آخر السورة المؤمنين من الاتصاف بصفاتهم ولو من بعيد، ومن أعظمها الغفلة عن ذكر الله وعن الاشتغال بأوامره بالأموال والأولاد، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩].

стр. 265

وجود النفاق في كل زمان عباد الله! إن النفاق الذي بدأ بدخول الإسلام المدينة، واستمر إلى وفاته ﷺ لم ينقطع في أي وقت من الأوقات، وإن تغيرت مظاهره ووسائله من حين إلى حين. وتأمل في إعلام النفاق الذي تسلط على الأمة اليوم، ففي حين تعبث مروحيات اليهود وطائراتهم في سماء فلسطين وتقصف الآمنين، ترى أن دور قنواتنا التي ملأت فضاءنا تخدر الأمة بالرقصات الغنائية الفاضحة، والمسابقات الفنية والكروية من آسيا إلى أوروبا إلى بطولات كأس العالم! وهاهم أبطال طاش ينتهكون حرمة المقابر، فلم يسلم من سخريتهم واستهزائهم حتى الأموات، ومهما كان هدفهم فالمقابر ليست مكاناً للتمثيل والتصوير، لكن الله المستعان! عباد الله! إن خطر المنافقين عظيم، وأي خطر أعظم من أن تظن أنه معك فإذا هو يحاربك، ويخطط ضدك بالليل والنهار!

стр. 266

أبرز صفات المنافقين لقد شن القرآن عليهم حملة قوية لفضحهم وبيان ما يقومون به داخل الصف المسلم لتضعيفه وتشتيته، وأنا لن أتوسع في ذكر صفاتهم، لكن سأقف مع آيات في سورة النساء ذكرت صفاتاً هي من أخطر صفاتهم، فاسمع بارك الله فيك، وقس هذا على واقعنا اليوم.

стр. 267

موالاة الكافرين من أعظم صفاتهم: موالاة الكافرين، قال الله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٣٨]، من هم؟ أجاب القرآن: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩]. فالمنافقون مرضى نفوس، وقد اغتروا بقوة الكافر وسيطرته وظهوره في وقت من الأوقات، وما علموا أن العزة لله رب العالمين، وقد فضحهم الله فقال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢]. وقد أرعبتهم طائرات أمريكا ودباباتها، وهاهم أبطال الفلوجة يسومون أمريكا وجنودها سوء العذاب، وهاهم أبطال الحجارة يلقنون يهود الدروس يوماً بعد يوم.

стр. 268

الكفر والاستهزاء بآيات الله تعالى ومن صفاتهم: الكفر والاستهزاء بآيات الله كما قال الله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]. ومن عباراتهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء: أكبر بطوناً، وأجبن عند اللقاء، ثم يعتذرون قائلين: حديث ركب، ونقطع الطريق بالضحك والاستهزاء بالمؤمنين! قال الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] فالعذر غير مقبول، ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦]. وفي كل يوم تطالعنا الصحف والجرائد والمجلات بأصحاب تلك الأقلام التي تهزأ بالدين وأهله، فإن لم يكن فعلهم وكتاباتهم ردة عن الإسلام فماذا تكون؟ وها هو مسلسلهم طاش الذي يفسد صيام الصائمين يتعرض للمجتمع كله بالسخرية والاستهزاء. ومن العجب أن هيئة كبار العلماء أفتت بحرمة هذا المسلسل، وحرمة مشاهدته، ولا يزال يعرض علينا في كل رمضان، فالله المستعان! فالاستماع والجلوس في مجالس السخرية والاستهزاء ضعف وهزيمة، فأين الحب لله ولآياته، وأين الدفاع عن الدين وأهل الدين؟

стр. 269

الشماتة بالإسلام وأهله ومن صفاتهم: تحيُّن الفرص للشماتة بالإسلام وأهله، قال الله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤١]. ولما رجعوا من أحد قال كبيرهم ابن سلول: نصحته -يعني: نصحت النبي ﷺ -فلم يسمعني وسمع كلام الأطفال. واليوم يقول قائلهم: ليس للعرب ولا للمسلمين خيار إلا التوسل بأمريكا، قلت: توسَّل بها أنت ومن هم على شاكلتك، وأما أهل التوحيد فلا يدعون إلا الله، ولا يتوسلون إلا بأسمائه وصفاته، وبأعمالهم الصالحة، وبدعاء الصالحين الأحياء. فعجيب أمر المنافقين! إذا انتصر الإسلام جاءوا يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١]، وإذا انتصر الباطل جاءوا إلى أهله قائلين: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥]. وقد يخرجون للقتال، ولكن الهدف من الخروج إدخال الضعف والفرقة لا النصر والتمكين، كما قال الله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة:٤٧] والمصيبة: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]. لكن الله يطمئن المؤمنين بأن أولئك لن ينتصروا، وأن الغلبة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].

стр. 270

المكر والخداع ومن صفاتهم: ظنهم أنهم سيخدعون الله، كما قال الله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، إنها والله غفلة عظيمة حين يظنون أنهم سيخدعون الله، وهو يعلم السر وأخفى، والله خادعهم، أي: مستدرجهم وتاركهم في غيِّهم حتى يسقطوا دون أن يُنزل عليهم قارعة؛ استدراجاً منه ﵎، فالقوارع والمحن رحمةٌ حين تصيب العباد فتردهم عن الخطأ، والنعمة والعافية استدراج حتى ينتهوا إلى شر مصير، قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥]. وقال ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، قال الله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣].

стр. 271

الكسل والتراخي عن العبادات ومن صفاتهم التي ابتلينا بها اليوم: الكسل والنوم عن الطاعات، كما قال الله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، فهم لا يقومون إلى الصلاة بحرارة وشوق إلى لقاء الله، والوقوف بين يديه، والاتصال به والاستمداد منه. وتأمل في قوله ﷺ : (أرحنا بها يا بلال!)، وقوله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وكان ﷺ (إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة). وأخبرنا بأبي هو وأمي أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (ورجل قلبه معلق في المساجد). وقال عدي بن حاتم: ما جاء وقت صلاة إلا وأنا إليها بالأشواق، وما دخل وقت صلاة إلا وأنا لها مستعد. فهذا حال المؤمنين الصادقين. وأما حال المنافقين فلا يقومون إلى الصلاة إلا وهم كسالى، يؤذن المؤذن فلا يتحرك، ويسمع الإقامة فلا يتحرك، وفي آخر الركعات قد ينطلق مرآةً للناس وسمعة! وتراهم نشيطين في طلب دنياهم، كسالى في فعل الطاعات، وكم مرة يسمعون الصلاة: (خير من النوم) وهم في غيهم يعمهون، ثم إذا نادى منادي الدنيا قاموا إليها مسارعين.

стр. 272

عدم ذكر الله إلا قليلاً ومن صفاتهم: أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، فهم لا يذكرون الله ولكن يذكرون الناس، وهم لا يتوجهون إلى الله وإنما يتوجهون إلى الناس.

стр. 273

التذبذب ومن صفاتهم قول الله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]، فشخصياتهم ضعيفة مهتزة غير ثابتة، فإن مالت الريح يميناً مالوا معها، والعكس بالعكس، وبسبب هذه المواقف المهتزة حقت عليهم كلمة الله، واستحقوا ألا يعينهم الله على الهداية، ولن يستطيع أحد أن يهديهم سبيلاً، قال سبحانه: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:٨٨]. ثم يحذرنا الله من سلوك طريقهم والاتصاف بصفاتهم، ويحذرنا من موالاتهم ومحبتهم، ومن يفعل ذلك فقد عرَّض نفسه لعذاب الله وانتقامه، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:١٤٤].

стр. 274

مصير المنافقين في الآخرة بيَّن الله مآل المنافقين ومصيرهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥] فهم في الدرك الأسفل من النار بلا أعوان ولا أنصار؛ لأنهم كانوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فهذه بعض صفاتهم وأخبارهم، وفي القرآن والسنة من أخبارهم الكثير الكثير، ومن أخطرها أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويسعون في الأرض فساداً، ويحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فقاتلهم الله أنى يؤفكون! اللهم طهِّر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 275

ظهور الحق وفضح النفاق الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: عباد الله! أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، اتقوا الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. عباد الله! سينتصر الحق، وسيهزم الباطل، وسيظهر المنافقون على حقيقتهم، لقد فضحهم الله سابقاً وسيفضحهم لاحقاً. لقد جلس أحد المنافقين في مجلس يضم أشباهه من المنافقين وهو جلاس بن سويد بن حبيب، فقال لجلسائه: لئن كان هذا الرجل صادقاً -يعني النبي ﷺ لنحن شر من الحمير -يعني الحمر الوحشية-، فسمع هذه المقولة ربيبه الغلام المؤمن الصغير عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي، وأحسنهم عندي يداً، وأعزهم علي أن يصيبه شيء يكرهه، ولكنك قلت مقالة لئن قلتها وأخبرت عنك فضحتك، ولئن سكتُّ ليهلكنَّ ديني، والأولى أيسر عندي، فديني أغلى من روحي، ثم مشى الغلام إلى النبي ﷺ فذكر له ما قاله جلاس؛ إذ لابد من فضح المنافقين وبيان حقيقتهم، فحلف المنافق بالله كاذباً بأن عميراً قد كذب عليه وأنه لم يقل ما قال! فقبل منه النبي ﷺ يمينه اتقاء للفتنة، فاحتار الغلام في أمره، فجاءه العون من السماء، نزل القرآن يؤيّد عميراً ويثبّته ويفضح المنافق ويكفِّره، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة:٧٣ - ٧٤]. ومع عظم جرمهم وقبيح فعلهم، فقد فتح الله لهم الباب ليعودوا، فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التوبة:٧٤]. ولقد روي أن جلاساً هذا قد تاب وحسنت توبته، حتى عرف منه الخير والإسلام، فهذه دعوة للمنافقين أن يتوبوا ويرجعوا.

стр. 276

العاقبة للمتقين عباد الله! رغم الأحداث الدامية، والمآسي المبكية هنا وهناك، إلا أننا على ثقة ويقين أن العاقبة للمتقين، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فمن هديه ﷺ التفاؤل في أشد الأوقات وأحلك الظروف، ونحن على دربه سائرون. متفائل واليأس بالمرصاد متفائل بالسبق دون جياد متفائل رغم القيود يذيقنا جمر السياط وزجرة الجلاد متفائل بالغيث يسقي روضنا وسماؤنا شمس وصحو بادي متفائل بالزرع يخرج شطأه رغم الجراد كمنجل الحصاد متفائل يا قوم رغم دموعكم إن السما تبكي فيحيا الوادي والبحر يبقى خيره أتضرُّه ياقومنا سنَّارة الصياد قسماً بمن أسرى بخير عباده وقضى بدائرة الفناء لعاد لتدورُ دائرة الزمان عليهمُ ويكون حقاً ما حكاه الهادي هذا يقيني وهو لي بلُّ الصدىوالكأس غامرة لغلة صادي فاجعل يقينك بالإله حقيقةً واصنع بكفِّك صارماً لسداد وإذا قطعت الرأس من حياتهم لا تنس أذناباً بكل بلاد اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك الموحدين. اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصرهم في العراق والشيشان وكشمير وأفغانستان، اللهم كن لهم عوناً وظهيراً، ومؤيداً ونصيراً، وصن أعراضهم، واحقن دماءهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وكن لهم عوناً وظهيراً، ومؤيداً ونصيراً، وسدد رأيهم ورميهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم طهر بلادنا وبلاد المسلمين من الفواحش والمنكرات، اللهم ادفع عنا الغلاء والربا والزنا والفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين! اللهم قيِّظ لأمتنا قادةً مصلحين، وعلماء ربانيين، ودعاة مخلصين يا رب العالمين! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم افضح المنافقين وفعلهم، اللهم اجعلهم عبرة للمعتبرين، اللهم اجعل تدبيرهم تدميراً عليهم يا عليم يا خبير! اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزم أمريكا وأعوانها، اللهم اهزم أمريكا وأعوانها، اللهم اهزم أمريكا وأعوانها، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم سلِّط عليهم جندك يا رب العالمين! اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين أذلة صاغرين. اللهم عليك باليهود ومن هاودهم، والشيوعيين ومن شايعهم. اللهم عليك بأعداء الملة والدين إنهم لا يخفون عليك ولا يعجزونك يا عليم يا خبير يا قوي يا عزيز! عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 277

امتحان في القبر اختبار العقيدة الصادقة هو الاختبار الذي سنمر عليه جميعاً دون أي استثناء، وذلك في القبر. وهو اختبار يختلف تمام الاختلاف عن اختبارات الدنيا، فأسئلة هذا الاختبار معروفة ومعلومة عند الجميع، ولكن لن يتجاوز هذا الامتحان إلا من وفقه الله إلى العمل الصالح في الدنيا.

стр. 278

اهتمام الناس باختبارات الدنيا وغفلتهم عن اختبار القبر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر المسلمين! غداً يدخل البنون والبنات قاعات الامتحانات، وإننا لنرى من الاستعدادات في البيوت الشيء الكثير، فقد تغيرت مواعيد الطعام والشراب، وتغيرت مواعيد الاستيقاظ ومواعيد المنام، والآباء في قلق والأمهات على حذر، والبنون والبنات أعصابهم متوترة، والبنون يكثرون من المكوث في المساجد والدعاء بعد الصلوات، وطلب الدعاء من فلان ومن فلان، لماذا؟ غداً الامتحانات غداً الامتحانات غداً الامتحانات. أقول: أربعوا على أنفسكم، فما من امتحان إلا وهناك امتحان أصعب وأشد منه، وهذه القضية هينة، فمن استعد منذ بداية العام فلن يحمل هماً؛ لأنه على مدى العام على أتم الاستعداد، وعلى ثقة برب العالمين أنه سيكون معه وسيثبته ويؤيده، فهو متثبت من نفسه، وأما من فرط وسوّف وأخر حتى قبيل الامتحانات بأيام فهذا حاله لا يعلم به إلا الله، ومن جدَّ وجد ليس كمن نام ورقد، ومن طلب العلا سهر الليالي، وقضية الاستعداد للامتحان لا تأتي قبل الامتحان بيوم أو بيومين، فالقضية فضية استعداد منذ بداية العام. فأقول: أربعوا على أنفسكم، فمن وفق فبتوفيق من الله ﵎، ومن لم يوفق فليرض بقضاء الله وقدره، وإمكانية التعويض موجودة، فهناك دور أول ودور ثان، وإن لم يوفق في الدور الثاني فهناك فرصة أن يعيد العام مرة ثانية. وماذا سيتقرر على النجاح في هذه الامتحانات؟ انتقال من مرحلة إلى مرحلة، ثم ماذا؟ إن أنهى السنوات الدراسية سيتقدم إلى الوظيفة التي سوف تدر عليه في كل شهر آلاف معدودة من الريالات، ثم على فرض أنه وفق ونال الشهادة ونال الوظيفة ماذا بعد هذا كله؟ غداً سيدخل البنون والبنات قاعات امتحانات مجهزة ومكيفة، فالإضاءة فيها على أكملها وأوجها، وتقرأ عليهم الأسئلة، ويهون عليهم من أمرها، ويمر عليهم من يخدمهم ويسقيهم الماء البارد، ويذكرونهم أن الوقت كذا وكذا، فالأمر هيّن، لكن كيف بي وبك وقد انتقلنا إلى لجنة اختبارات أخرى، وإلى قاعة امتحانات أخرى، وإلى لجان غير اللجان التي نعرفها، إنه مكان امتحان سيدخله القاصي والداني، ولا فرق هناك بين غني وفقير، ولا ذكر وأنثى، ولا عزيز وذليل. فاللجنة هناك تختلف تمام الاختلاف، ومكان الاختبار أيضاً يختلف تمام الاختلاف. كيف بك إذا عالجت سكرات الموت وبدأت ساعات الامتحان الرهيبة؟ ساعات لا بد أن تنزل بكل واحد منا، فأنت الآن تفعل كل شيء باختيارك، فتغدو إلى السوق باختيارك، وتذهب إلى الوظيفة باختيارك، بل وتأتي إلى المسجد باختيارك، لكنك لن تموت باختيارك، ولن تدخل القبر باختيارك، بل ستموت رغماً عنك، وستدخل القبر بغير رضاك، فهذا هو الامتحان الذي لا بد أن نستعد له في كل لحظة، فإن كانوا قد حددوا لامتحان الدنيا موعداً فامتحان القبر ليس له موعدٌ معين، بل يأتيكم بغتة وأنتم لا تشعرون، فاللجنة هناك تختلف تمام الاختلاف، والمكان أيضاً يختلف تمام الاختلاف. فمكان الاختبار: (القبر) طوله أذرع قليلة، وعرضه أذرع قليلة، ولا تستطيع الحركة فيه كما تشاء، وهذا الامتحان أنت لا تدري كيف ستكون النتيجة فيه، لكنك على مدى عمر كامل وأنت تستعد لذلك الامتحان. وأسئلة الامتحان معروفة أعطيتها وتعطاها في كل يوم، وهي أسئلة ثلاثة ستقدم لك في ذلك المكان، والنور والإضاءة غير موجودة، وليس هناك خدمة ولا مكيفات، بل سينقطع عنك الهواء وينقطع كل شيء، وستنقطع عن العالم تماماً، فأنت الآن في عالم آخر وهو عالم القبور، وأنت في عالم الظلمة والتراب الذي يحيط بك من كل الجهات، وأنت لا تدري ماذا سيحدث لك في تلك اللحظات، لكنك أعطيت أسئلة ثلاثة حتى تستعد للإجابة عليها في ذلك الوقت، فمن أفلح في الإجابة عنها فقد فاز، ويرى مقعده من الجنة، ومن لم يفلح وتردد وتلعثم في الإجابة أري مقعده من النار. وهناك لا مجال للتعويض، فلا يوجد هناك دور ثانٍ تعطاه، فقد أعطيت الفرصة عمراً كامل قدر الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين أو الستين سنة؛ حتى تستعد للإجابة. واللجنة هناك ليست كلجان القاعات فيها بشر أمثالنا نتكلم معهم ويتكلمون معنا، ويهونون علينا الأمر، بل هناك ستوسد التراب، وسيحيط بك الظلام من كل ناحية، وسيذهب عنك الأهل والأحباب يا مسكين! وستسمع قرع نعالهم وسينادى عليك: ذهبوا وتركوك، وفي التراب وضعوك، وللسؤال عرضوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولن ينفعك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، فالحق أنك ستموت، والحق أن الملائكة ستأتيك: إما ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، والحق أنك ستعرض للسؤال، والحق أنك سترى جنة أو ناراً، فكيف سيكون الحال؟! وكيف سيكون السؤال؟! بل ليت شعري كيف سيكون الجواب؟! وأين سيكون المصير؟! وهل سترى مقعدك من الجنة أم سترى مقعدك من النار؟! إن ساكن الدنيا لا بد أن يعلم أنه سينتقل من هذه الدار إلى دار أخرى، يا ساكن الدنيا! إن مثواك القبر غداً، فماذا أعددت للقبر؟ إن القبر كل يوم يناديك: يا ابن آدم! تمشي في جماعة على الأرض وسوف تقع وحيداً في بطني، وتسرح وتمرح وتضحك على الأرض وسوف تبكي وحيداً في بطني. يا ابن آدم! تأكل الحرام، وتأكل أموال اليتامى، وتأكل أموال الربا وسوف يأكلك الدود وحيداً في بطني. يا ابن آدم! تنظر إلى الحرام، وتسمع إلى الحرام وسوف ترى الأهوال في بطني. والقبر فاذكره وما وراءه فما لأحد عنه براءة وإنه للفيصل الذي به يعرف ما للعبد عند ربه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران فالأسئلة معروفة يعرفها الصغير والكبير: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هو ذلك الرجل الذي بعث فيكم؟ إنه اختبار للتوحيد، واختبار للصدق، واختبار لصدق الاتباع، إنها رحلة سيمر بها كل إنسان منا شاء أم أبى، رحلة تبدأ منذ الاحتضار، بل منذ أن تخرج من هذه الحياة، فقد خرجت من بطن أمك وأنت تبكي على فراق بطن أمك، فلما رأيت النور فرحت أنك قد خرجت من بطن أمك، ثم بعد سنوات وسنوات تأتيك ساعات الاحتضار فتنقل من تلك الدار إلى دار أخرى، فإن كنت قد أعددت لها فستفرح أنك فارقت الحياة، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦] ثم ستنتقل أيضاً من تلك الدار إلى الدار الأبدية: إما جنة وإما نار، فهذه مراحل وأطوار يمر بها كل إنسان منا. أنت الذي ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

стр. 279

حديث البراء الطويل في اختبار القبر عن البراء بن عازب ﵁ قال: (بينما كنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار ولما يلحد بعد، جلسنا عند شفير القبر، وكان بيده ﷺ عصا نكت فيها على التراب ثلاثاً، ثم قال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من عذاب القبر، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة، -يعني في ساعات الاحتضار- جاءته ملائكة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، وجلسوا منه مد البصر، ثم جاء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى رب راض عنك غير غضبان، أيتها النفس الطيبة! أبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان، فتسل روحه كما يسل القطر من السقاء، حتى إذا قبضها ملك الموت لم تدعها الملائكة في يده طرفة عين حتى يلبسوه الكفن الذي من الجنة، ويحنطوه بالحنوط الذي من الجنة، فتخرج منه رائحة كأطيب رائحة مسك وجدت على وجه الأرض، فما يمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا: من صاحب هذه الروح الطيبة؟! فيقال: هذا فلان بن فلان، ينادى عليه بأحب أسمائه التي كان ينادى بها في الدنيا، ثم يعرج به إلى السماء، حتى إذا جاءوا إلى السماء الأولى واستفتحوا له فتح له، وشيعه مقربو تلك السماء إلى السماء التي تليها، حتى إذا بلغوا السماء السابعة نادى منادي الله: أن اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأرجعوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في قبره، فيأتيه ملكان) وهنا يبدأ الامتحان يأتيه ملكان أصواتهما كالرعد القاصف، وأنفاسهما كاللهب، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فمن منا يستطيع أن يجيب وهذا هو منظر الملكين؟! قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] (فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هو ذلك الرجل الذي بعث فيكم؟ فأما العبد المؤمن -العبد الصادق المحافظ على الصلوات التارك للفواحش والمنكرات- فيقول: ربي الله حقاً، ونبيي محمد صدقاً، وديني الإسلام، فينادي منادي الله: أن صدق عبدي، -تظهر النتيجة- فافرشوا له فراشاً من الجنة، وألبسوه لباساً من الجنة، وحنطوه بحنوط من الجنة، ويوسع له في قبره مد البصر، فيأتيه رجل أبيض الوجه طيب الشمائل فيقول: من أنت؟! فوجهك -والله- الذي لا يأتي إلا بالخير، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، أنا عملك الصالح، فتفتح له نافذة من الجنة، فيأتيه من روحها وريحانها، ويرى مقعده من الجنة، فيقول: رب! أقم الساعة، رب! أقم الساعة، رب! أقم الساعة؛ حتى أرجع إلى أهلي ومالي، فيقال: نم كما تنام العروس) فهذا حال الذي صلى الفجر في جماعة، وهذا حال الذي طهر السمع والبصر فليس عنده أغانٍ ولا شاشات ولا قنوات. إنه اختبار للتوحيد: من ربك؟ فلن يستطيع أن يقول: ربي الله إلا من أطاع الله، وتعرّف على الله، ولم يخش إلا الله، ولم يستعن إلا بالله، ولم يعط إلا لله، ولم يمنع إلا لله، ولم يغضب إلا من أجل الله، حياته كلها لله؛ فيثبته الله، فهو لم يشرك بالله، ولم يذهب إلى سحرة ولا مشعوذين، ولا كهنة ولا عرافين، ولم يقسم إلا بالله، وما قدم النذور إلا لله، وما ذبح إلا لله، ولم يستغث إلا بالله، فسينجح من كان هذا حاله في اختبار التوحيد والصدق. (وما دينك؟ قال: ديني الإسلام) أي: الإسلام المبني على خمسة أركان: على شهادة التوحيد، على إقامة الصلوات، فأين المصلون؟ فصلاة الفجر تئن وتشتكي، وباقي الصلوات تئن وتبكي، والمسلمون يمرون على المساجد كأن الأمر لا يعنيهم، ستسأل يا مسكين! فإذا وسد العبد في قبره جاءته الأعمال الصالحة، وجاءته صلاته، وجاءه قرآنه، وجاءه ذكره وتسبيحه وتهليله يدرءون عنه العذاب، فيرسل الله عليه طائفة من العذاب تأتي من رأسه فيردها القرآن، فيقول: والله! إنه كان في الليل والنهار يقرأ القرآن، والله! إنه أتعب ليله ونهاره وهو يقرأ القرآن، فلا مدخل لك عليه، فيأتيه العذاب من بين يديه فترده الصدقات والصلوات وتقول: عنك والله! ما ارتاح إلا الآن في قبره، حتى وضوءه يدافع عنه في قبره، فماذا أعددنا للامتحان؟! وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان. يا عجباً للناس لو فكروا أوحاسبوا أنفسهم أبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها فإنما الدنيا لهم معبرُ لا فخر إلا فخر أهل التقى غداً إذا ضمهم المحشر ليعلمن الناس أن التقى والبر كانا خير ما يدخر نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 280

تابع حديث البراء الطويل في اختبار القبر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١] لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ومن تقوى الله الاستعداد للامتحان، قال جل في علاه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]، فخسارة الآخرة ليست كالخسارة في الدنيا، ولكن الخسارة أن تنادي بأعلى الصوت: رباه! ارجعون، فلا يستجاب لك، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤]. وأما العبد الكافر فقال ﷺ فيه: (أما العبد الكافر إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة جاءته ملائكة سود الوجوه، معهم كفن من أكفان النار، وحنوط من حنوط النار، وجلسوا منه مد البصر، فيأتيه ملك الموت فيقول: يا أيتها الروح الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتسل روحه كما ينزع السفود من القطن، فإذا قبضها ملك الموت لم تدعها الملائكة في يده طرفة عين حتى يلبسوه الكفن الذي من النار، ويحنطوه بالحنوط الذي من النار، فتخرج منه رائحة كأنتن رائحة وجدت على وجه الأرض، ثم يعرج به إلى السماء، فما يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: من صاحب هذه الروح الخبيثة؟! فيقال: هذا فلان بن فلان، ينادى بأقبح أسمائه التي كان ينادى بها في الدنيا، حتى إذا وصلوا إلى أبواب السماء واستفتحوا له لم يفتح له، ثم قرأ ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]) إنها رحلة سأمر بها أنا وأنت شئت أم أبيت، (فيستفتحون له فلا يفتح له، ثم ينادي منادي الله: أن اكتبوا كتابه في سجين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في قبره، فيأتيه الملكان فيقعدانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري) ما صلى الفجر في جماعة، ولا حفظ الجوارح والأركان، وما قدر الله حق قدره، (فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيضربانه بمطرقة على رأسه فيخر في الأرض سبعين خريفاً، حتى إذا أفاق قالا له: وما دينك؟ قال: هاه هاه لا أدري، فيضربانه حتى يخر في الأرض سبعين خريفاً، فإذا أفاق أقعداه وسألاه: ومن هو ذلك الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: سمعت الناس يقولون كذا وكذا -فتظهر النتيجة- ويقال له: لا دريت ولا تليت، وينادي منادي الله: أن كذب عبدي، فافرشوا له فراشاً من النار، وألبسوه لباساً من النار، وحنطوه بحنوط من النار، ويضيق عليه في قبره حتى تختلف أعضاؤه، فيأتيه رجل قبيح المنظر نتن الرائحة فيقول: من أنت فوجهك -والله! - الذي لا يأتي إلا بالشر؟ فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، أنا عملك السيئ) أنا تركك للصلوات، أنا نومك عن الفجر والعصر، وأنا الأغاني، وأنا الربا، وأنا الغيبة والنميمة، وأنا السب واللعان، وأنا الشاشات والقنوات، فيقول: (من أنت؟ فوجهك -والله- الذي لا يأتي إلا بالشر) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الشورى:٤٥] فكيف سيكون الحال إذا سئلت وتلعثمت؟ فتطلب الرجوع إلى الله فلا يستجاب لك، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧]، فينادون بأعلى الصوت: رباه! ارجعون، فلا يستجاب لهم، (فيفتح له نافذة من النار، فيأتيه من حرها وسمومها، فيقال له: هذا مقعدك من النار، فيصيح بأعلى الصوت: رب! لا تقم الساعة، رب! لا تقم الساعة، رب! لا تقم الساعة).

стр. 281

الاستعداد لاختبار القبر بالتوبة والعمل الصالح أنت الآن في فترة الإعداد للاختبار والامتحان، فأسألك بالله العظيم لو جاءك ملك الموت اليوم من الذي يحول بينك وبينه؟ فهل أنت على أتم الاستعداد؟ وهل أعددت للسؤال جواباً وللجواب صواباً؟ هذه أسئلة ثلاثة سأقرؤها عليك، فاكتبها عندك، واستعن بمن تشاء حتى تحل هذه الأسئلة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هو ذلك الرجل الذي بعث فيكم؟ فهذه هي الأسئلة، وهذا هو الامتحان. فوصيتي لك هي وصية جبريل لمحمد ﷺ ، قال ﷺ : (أتاني جبريل فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وإن عزه استغناؤه عن الناس)، فالعز ليس في الشاشات ولا في القنوات، ولكنه في الدعاء والتضرع في الظُلَم. فكم طلبنا الدشوش -الأطباق- من المصلين مرات ومرات استعداداً للاختبار؟! فما الذي ألهى الناس عن الاستعداد للاختبار؟ أليست هي الشاشات والقنوات التي دمرت أخلاق البنين والبنات!! حتى أصبحت الأعراض والمحارم تنتهك في البيوت، فمن وجد خيراً في قبره فليحمد الله، ومن وجد دون ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨]. وها نحن نكرر النداء: استجيبوا لله وللرسول، ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى:٤٧]، فاستجيبوا لله، واستعدوا للاختبار، ولا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، واستعدوا للامتحان قبل أن تنادوا بأعلى الصوت: رباه! ارجعون، فلا يستجاب لكم. اللهم وفق البنين والبنات في امتحانات الدنيا والآخرة، اللهم ثبتنا وإياهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم ارحمنا إذا وسدونا، وفي التراب وضعونا، وفي ظلمة القبر تركونا، اللهم ثبتنا بالقول الثابت يا رب العالمين! اللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنان، ولا تجعلها حفرة من حفر النيران، اللهم ثبتنا بالقول الثابت يا رب الأنام! اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين! اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم امنن علينا بتوبة نصوح قبل الموت، وبشهادة عند الموت، وبرحمة بعد الموت يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ووالد والدينا، ولكل من له حق علينا. اللهم نور على أهل القبور قبورهم، واغفر لهم وارحمهم ويسر أمورهم، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين يا أرحم الراحمين! واجمعنا وإياهم في جناتك جنات النعيم. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم.

стр. 282

انتصف رمضان يا دمعة المتهجد إن الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى العبادة، وإلى تقوية الصلة بالله ؛ لأن العزة والنصر والتمكين دنيا وأخرى مرتبط بذلك، فما انتصرت الأمة إلا بالعباد والزهاد وبأولياء الله تعالى، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولنا في رسول الله ﷺ وأصحابه أسوة وقدوة، فهو سيد العابدين وسيد الزاهدين ﵊ وكذا أصحابه من بعده.

стр. 283

حاجة الأمة إلى العباد والزهاد إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! انتصف رمضان وبدأ العد التنازلي لأيام رمضان ومن المفترض أنه كلما تقدمت أيام رمضان ولياليه زدنا في النشاط والعبادة، فإن الأجير يوفى أجره إذا انتهى من عمله. عجيب ما نراه من قسوة في القلوب وهجر للقرآن، فلا يعرف ختم القرآن إلا من رمضان إلى رمضان، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]! عجيب ما نراه من تفريط بالنوافل بل بالفرائض، فالصلاة أصبحت مجرد حركات من قيام وقعود! وعجيب ما نراه من تخلف عن تكبيرات الإحرام ورضاً بالصفوف الأخيرة، اعلم أنه: من أراد إدراك المفاخر لم يرض بالصف الآخر! عجيب ما نراه من تكاسل عن الجمعة والجماعة وشح في البذل والصدقات، ما كأن اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ. إن حاجتنا للعبادة كحاجة الأرض للمطر فلا تحيا القلوب إلا بذكر علام الغيوب، نحن في أمس الحاجة إلى تقوية الصلة بالله؛ حتى نكون من أوليائه الذين قال عنهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، وهل تنتصر الأمة إلا بأوليائها، بالعباد والزهاد الصادقين، قال : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] أي: تنتصر الأمة بالصادقين والمخلصين وبالذين يدعون ويتضرعون، عن علي ﵁ قال: (ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح يناجي ربه ويتضرع: اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصبة لا تعبد بعد اليوم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، حتى سقط رداءه عن ظهره، فقال له: أبو بكر ﵁: هون عليك يا رسول الله! إن الله منجزك وعده، ثم غفا إغفاءة، ثم قال: أبشر يا أبا بكر هذا أخي جبريل آخذ بعنان فرسه، فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٩ - ١٣]) بالعباد والأولياء تنتصر الأمة، برهبان الليل وفرسان النهار. فأهل العصور الماضية كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، أما اليوم فغفلة وقسوة في القلوب، وانشغال بتوافه الأمور، نحتاج إلى أولئك الذين يثبت الناس برؤياهم وكلامهم. حكى ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً وأسرهم نفساً، تلوح نظرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت منا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، قال الله عنهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. اسمع شيئاً عنهم: عن جعفر بن سليمان قال: بكى ثابت البناني حتى كادت تذهب عيناه، فجاءه رجل يعالجها فقال الطبيب: أعالجك على أن تعطيني شرطاً أشرطه عليك، قال ثابت: على أي شيء أطيعك؟ قال: على ألا تبكي، قال ثابت: فما خيرهما إن لم تبكيا، أما قال الله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، أما قال الله عن أوليائه: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩]، سهر العيون لغير وجهك باطل وبكاؤهن لغير فقدك ضائع عن سلام بن أبي مطيع قال: جيء للحسن بكوز من ماء ليفطر عليه وكان صائماً، فلما أدناه إلى فيه بكى، فقيل ما أبكاك؟ قال: ذكرت أمنية أهل النار: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠]، قال وذكرت الجواب ﴿ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، أجل إن الله حرمهما على الكافرين: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥١]. دخلت امرأة على أهل الأوزاعي فنظرت في مصلاه فوجدت بلللاً في موضع سجوده، فقالت لزوجته: ثكلتك أمك أراك غفلت عن الصبيان حتى بالوا في مسجده وفي مصلاه، فقالت زوجة الأوزاعي للمرأة: ويحك هذا أثر دموعه في مسجده وليس من بول الصبيان، لله درهم أما قال الله عنهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، لسان حالهم: والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وحبك مقرون بأنفاسي ولا جلست إلى قوم أحدثهم إلا وأنت حديثي بين جلاسي كان يزدجرد ملك الفرس قد أرسل يستنجد بملك الصين، ووصف له المسلمين، فكان من أوصافهم: لا ينامون بالليل ولا يأكلون بالنهار، شعث رءوسهم، بالية ثيابهم، فأجابه ملك الصين: إنه يمكنني أن أبعث لك جيشاً أوله في منابت الزيتون -يعني: في الشام- وآخره في الصين، لكن إن كان هؤلاء القوم كما تقول، فإنه لا يقوم لهم أهل الأرض، فأرى لك أن تصالحهم وتعيش في ظلهم، وتأمن في عدلهم، يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه

стр. 284

صفات أولياء الله تعالى قال الحافظ ابن حجر: المراد بولي الله: المواظب على طاعته المخلص في عبادته، ومن أعظم ما يتبين به الولي: أن يكون مجاب الدعوة راضياً عن الله في كل حال، قائماً بالفرائض، مجتهداً بالنوافل، تاركاً للنواهي، له هدف غير أهداف الناس الدنيوية، وغير حريص على الدنيا، إذا وصل إليه القليل صبر، وإذا وصل إليه الكثير شكر، يستوي عنده المدح والذم والفقر والغنى، غير معجب بما منَّ الله عليه من خصال الولاية، كلما زاده الله رفعة زاد تواضعاً وخضوعاً، من صفاته: حسن الأخلاق، كريم الصحبة، عظيم الحلم، كثير الصبر والاحتمال، فمن اتصف بهذه الصفات فغير بعيد أن تظهر على يديه الكرامات؛ لأن الله تعالى قال عنه: (إذا سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

стр. 285

عبادة الرسول ﷺ عباد الله! من كان بالله أعرف كان من الله أخوف، فاسمع بارك الله فيك: كان رسول الله ﷺ سيد الأوابين وسيد العابدين المتبتلين، لم تتخلف نفسه عن أغراض حياته العظمى قيد أنملة أو قيد شعرة، ولم يخلف موعده مع الله في عبادة ولا جهاد لا في ليل ولا في نهار، ولله در أمهات المؤمنين حين يصفن علو همته ﷺ للصحابة، فتقول إحداهن: (وأيكم يطيق ما كان يطيق)، وتقول الأخرى: (ما لكم وصلاته ﷺ ، همة عالية في كل مقامات الدين، فلقد كان ﷺ سيد المجاهدين والعابدين والصابرين والصائمين والقائمين، كان أعلى الناس توكلاً، وأوفر الناس نصيباً من الرضا والحمد والدعاء والشكر والتبتل، وأعلى الناس يقيناً، وكان أشجع الناس، وأرحم الناس، وأشد الناس حياء، وكان أحسن الناس خلقاً ومروءة وتواضعاً، ومن أكثر الناس مراقبة لربه ﵎، ومن أعلى الناس خشوعاً، ومن أشد الناس عبادة لربه، وكان من أطول الناس صلاة، فعن حذيفة: (أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل فكان يقول: الله أكبر -ثلاثاً- سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم رفع رأسه فكان قيامه نحواً من ركوعه، ثم سجد فكان سجوده نحواً من قيامه، ثم رفع رأسه من السجود فكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده، ففي أربع ركعات قرأ البقرة والنساء وآل عمران والمائدة أو الأنعام)، شك الراوي في ذلك. يقول أبو هالة في وصفه ﷺ : (كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة). تقول عائشة ﵂: (قام ليلة بآية يرددها حتى الفجر وهو يبكي، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]). يقول عبد الله بن الشخير: (أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل). قال له ربه: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، فانطلق يبلغ دعوة الله، وقال له ربه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢]، فقام حتى تفطرت قدماه، قال لـ عائشة ليلة: (دعيني أتعبد لربي، تقول: فقام يصلي وجعل يبكي حتى بل لحيته، ولا زال يبكي حتى بل الثراء تحته، فجاءه بلال ليعلمه بدخول وقت الصلاة فوجده يبكي، فقال له: تبكي بأبي أنت وأمي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال صلوات ربي وسلامه عليه: كيف لا أبكي يا بلال وقد تنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، ثم تلا قوله ﵎: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩٤]). كم مرت على مسامعنا مثل هذه الآيات؟ فهل وجدنا لها في قلوبنا أثراً، أو في أنفسنا مكاناً؟ إنها آيات تصور العابدين في ليلهم ونهارهم وفي جميع أحوالهم، تصور خوفهم ورجاءهم وتفكرهم ودعاءهم. لما علمت بأن قلبي فارغ ممن سواك ملأته بهواك وملأت كلي منك حتى لم أدع مني مكاناً خالياً لسواك فالقلب فيك هيامه وغرامه والروح لا تنفك عن ذكراك والسمع لا يصغي إلى متكلم إلا إذ ما حدثوا بحلاك والطرف حيث أجيله متلفتاً في كل شيء يجتلي معناك
следующие страницы →