← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الاستعداد لاختبار القبر بالتوبة والعمل الصالح أنت الآن في فترة الإعداد للاختبار والامتحان، فأسألك بالله العظيم لو جاءك ملك الموت اليوم من الذي يحول بينك وبينه؟ فهل أنت على أتم الاستعداد؟ وهل أعددت للسؤال جواباً وللجواب صواباً؟ هذه أسئلة ثلاثة سأقرؤها عليك، فاكتبها عندك، واستعن بمن تشاء حتى تحل هذه الأسئلة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هو ذلك الرجل الذي بعث فيكم؟ فهذه هي الأسئلة، وهذا هو الامتحان. فوصيتي لك هي وصية جبريل لمحمد ﷺ ، قال ﷺ : (أتاني جبريل فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وإن عزه استغناؤه عن الناس)، فالعز ليس في الشاشات ولا في القنوات، ولكنه في الدعاء والتضرع في الظُلَم. فكم طلبنا الدشوش -الأطباق- من المصلين مرات ومرات استعداداً للاختبار؟! فما الذي ألهى الناس عن الاستعداد للاختبار؟ أليست هي الشاشات والقنوات التي دمرت أخلاق البنين والبنات!! حتى أصبحت الأعراض والمحارم تنتهك في البيوت، فمن وجد خيراً في قبره فليحمد الله، ومن وجد دون ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨]. وها نحن نكرر النداء: استجيبوا لله وللرسول، ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى:٤٧]، فاستجيبوا لله، واستعدوا للاختبار، ولا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، واستعدوا للامتحان قبل أن تنادوا بأعلى الصوت: رباه! ارجعون، فلا يستجاب لكم. اللهم وفق البنين والبنات في امتحانات الدنيا والآخرة، اللهم ثبتنا وإياهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم ارحمنا إذا وسدونا، وفي التراب وضعونا، وفي ظلمة القبر تركونا، اللهم ثبتنا بالقول الثابت يا رب العالمين! اللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنان، ولا تجعلها حفرة من حفر النيران، اللهم ثبتنا بالقول الثابت يا رب الأنام! اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين! اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم امنن علينا بتوبة نصوح قبل الموت، وبشهادة عند الموت، وبرحمة بعد الموت يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ووالد والدينا، ولكل من له حق علينا. اللهم نور على أهل القبور قبورهم، واغفر لهم وارحمهم ويسر أمورهم، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين يا أرحم الراحمين! واجمعنا وإياهم في جناتك جنات النعيم. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم.

стр. 282

انتصف رمضان يا دمعة المتهجد إن الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى العبادة، وإلى تقوية الصلة بالله ؛ لأن العزة والنصر والتمكين دنيا وأخرى مرتبط بذلك، فما انتصرت الأمة إلا بالعباد والزهاد وبأولياء الله تعالى، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولنا في رسول الله ﷺ وأصحابه أسوة وقدوة، فهو سيد العابدين وسيد الزاهدين ﵊ وكذا أصحابه من بعده.

стр. 283

حاجة الأمة إلى العباد والزهاد إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! انتصف رمضان وبدأ العد التنازلي لأيام رمضان ومن المفترض أنه كلما تقدمت أيام رمضان ولياليه زدنا في النشاط والعبادة، فإن الأجير يوفى أجره إذا انتهى من عمله. عجيب ما نراه من قسوة في القلوب وهجر للقرآن، فلا يعرف ختم القرآن إلا من رمضان إلى رمضان، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]! عجيب ما نراه من تفريط بالنوافل بل بالفرائض، فالصلاة أصبحت مجرد حركات من قيام وقعود! وعجيب ما نراه من تخلف عن تكبيرات الإحرام ورضاً بالصفوف الأخيرة، اعلم أنه: من أراد إدراك المفاخر لم يرض بالصف الآخر! عجيب ما نراه من تكاسل عن الجمعة والجماعة وشح في البذل والصدقات، ما كأن اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ. إن حاجتنا للعبادة كحاجة الأرض للمطر فلا تحيا القلوب إلا بذكر علام الغيوب، نحن في أمس الحاجة إلى تقوية الصلة بالله؛ حتى نكون من أوليائه الذين قال عنهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، وهل تنتصر الأمة إلا بأوليائها، بالعباد والزهاد الصادقين، قال : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] أي: تنتصر الأمة بالصادقين والمخلصين وبالذين يدعون ويتضرعون، عن علي ﵁ قال: (ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح يناجي ربه ويتضرع: اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصبة لا تعبد بعد اليوم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، حتى سقط رداءه عن ظهره، فقال له: أبو بكر ﵁: هون عليك يا رسول الله! إن الله منجزك وعده، ثم غفا إغفاءة، ثم قال: أبشر يا أبا بكر هذا أخي جبريل آخذ بعنان فرسه، فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٩ - ١٣]) بالعباد والأولياء تنتصر الأمة، برهبان الليل وفرسان النهار. فأهل العصور الماضية كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، أما اليوم فغفلة وقسوة في القلوب، وانشغال بتوافه الأمور، نحتاج إلى أولئك الذين يثبت الناس برؤياهم وكلامهم. حكى ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً وأسرهم نفساً، تلوح نظرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت منا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، قال الله عنهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. اسمع شيئاً عنهم: عن جعفر بن سليمان قال: بكى ثابت البناني حتى كادت تذهب عيناه، فجاءه رجل يعالجها فقال الطبيب: أعالجك على أن تعطيني شرطاً أشرطه عليك، قال ثابت: على أي شيء أطيعك؟ قال: على ألا تبكي، قال ثابت: فما خيرهما إن لم تبكيا، أما قال الله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، أما قال الله عن أوليائه: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩]، سهر العيون لغير وجهك باطل وبكاؤهن لغير فقدك ضائع عن سلام بن أبي مطيع قال: جيء للحسن بكوز من ماء ليفطر عليه وكان صائماً، فلما أدناه إلى فيه بكى، فقيل ما أبكاك؟ قال: ذكرت أمنية أهل النار: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠]، قال وذكرت الجواب ﴿ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، أجل إن الله حرمهما على الكافرين: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥١]. دخلت امرأة على أهل الأوزاعي فنظرت في مصلاه فوجدت بلللاً في موضع سجوده، فقالت لزوجته: ثكلتك أمك أراك غفلت عن الصبيان حتى بالوا في مسجده وفي مصلاه، فقالت زوجة الأوزاعي للمرأة: ويحك هذا أثر دموعه في مسجده وليس من بول الصبيان، لله درهم أما قال الله عنهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، لسان حالهم: والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وحبك مقرون بأنفاسي ولا جلست إلى قوم أحدثهم إلا وأنت حديثي بين جلاسي كان يزدجرد ملك الفرس قد أرسل يستنجد بملك الصين، ووصف له المسلمين، فكان من أوصافهم: لا ينامون بالليل ولا يأكلون بالنهار، شعث رءوسهم، بالية ثيابهم، فأجابه ملك الصين: إنه يمكنني أن أبعث لك جيشاً أوله في منابت الزيتون -يعني: في الشام- وآخره في الصين، لكن إن كان هؤلاء القوم كما تقول، فإنه لا يقوم لهم أهل الأرض، فأرى لك أن تصالحهم وتعيش في ظلهم، وتأمن في عدلهم، يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه

стр. 284

صفات أولياء الله تعالى قال الحافظ ابن حجر: المراد بولي الله: المواظب على طاعته المخلص في عبادته، ومن أعظم ما يتبين به الولي: أن يكون مجاب الدعوة راضياً عن الله في كل حال، قائماً بالفرائض، مجتهداً بالنوافل، تاركاً للنواهي، له هدف غير أهداف الناس الدنيوية، وغير حريص على الدنيا، إذا وصل إليه القليل صبر، وإذا وصل إليه الكثير شكر، يستوي عنده المدح والذم والفقر والغنى، غير معجب بما منَّ الله عليه من خصال الولاية، كلما زاده الله رفعة زاد تواضعاً وخضوعاً، من صفاته: حسن الأخلاق، كريم الصحبة، عظيم الحلم، كثير الصبر والاحتمال، فمن اتصف بهذه الصفات فغير بعيد أن تظهر على يديه الكرامات؛ لأن الله تعالى قال عنه: (إذا سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

стр. 285

عبادة الرسول ﷺ عباد الله! من كان بالله أعرف كان من الله أخوف، فاسمع بارك الله فيك: كان رسول الله ﷺ سيد الأوابين وسيد العابدين المتبتلين، لم تتخلف نفسه عن أغراض حياته العظمى قيد أنملة أو قيد شعرة، ولم يخلف موعده مع الله في عبادة ولا جهاد لا في ليل ولا في نهار، ولله در أمهات المؤمنين حين يصفن علو همته ﷺ للصحابة، فتقول إحداهن: (وأيكم يطيق ما كان يطيق)، وتقول الأخرى: (ما لكم وصلاته ﷺ ، همة عالية في كل مقامات الدين، فلقد كان ﷺ سيد المجاهدين والعابدين والصابرين والصائمين والقائمين، كان أعلى الناس توكلاً، وأوفر الناس نصيباً من الرضا والحمد والدعاء والشكر والتبتل، وأعلى الناس يقيناً، وكان أشجع الناس، وأرحم الناس، وأشد الناس حياء، وكان أحسن الناس خلقاً ومروءة وتواضعاً، ومن أكثر الناس مراقبة لربه ﵎، ومن أعلى الناس خشوعاً، ومن أشد الناس عبادة لربه، وكان من أطول الناس صلاة، فعن حذيفة: (أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل فكان يقول: الله أكبر -ثلاثاً- سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم رفع رأسه فكان قيامه نحواً من ركوعه، ثم سجد فكان سجوده نحواً من قيامه، ثم رفع رأسه من السجود فكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده، ففي أربع ركعات قرأ البقرة والنساء وآل عمران والمائدة أو الأنعام)، شك الراوي في ذلك. يقول أبو هالة في وصفه ﷺ : (كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة). تقول عائشة ﵂: (قام ليلة بآية يرددها حتى الفجر وهو يبكي، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]). يقول عبد الله بن الشخير: (أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل). قال له ربه: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، فانطلق يبلغ دعوة الله، وقال له ربه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢]، فقام حتى تفطرت قدماه، قال لـ عائشة ليلة: (دعيني أتعبد لربي، تقول: فقام يصلي وجعل يبكي حتى بل لحيته، ولا زال يبكي حتى بل الثراء تحته، فجاءه بلال ليعلمه بدخول وقت الصلاة فوجده يبكي، فقال له: تبكي بأبي أنت وأمي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال صلوات ربي وسلامه عليه: كيف لا أبكي يا بلال وقد تنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، ثم تلا قوله ﵎: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩٤]). كم مرت على مسامعنا مثل هذه الآيات؟ فهل وجدنا لها في قلوبنا أثراً، أو في أنفسنا مكاناً؟ إنها آيات تصور العابدين في ليلهم ونهارهم وفي جميع أحوالهم، تصور خوفهم ورجاءهم وتفكرهم ودعاءهم. لما علمت بأن قلبي فارغ ممن سواك ملأته بهواك وملأت كلي منك حتى لم أدع مني مكاناً خالياً لسواك فالقلب فيك هيامه وغرامه والروح لا تنفك عن ذكراك والسمع لا يصغي إلى متكلم إلا إذ ما حدثوا بحلاك والطرف حيث أجيله متلفتاً في كل شيء يجتلي معناك

стр. 286

حرص النبي ﷺ على صلاة الجماعة كان سيد العابدين صلوات ربي وسلامه عليه حريصاً على صلاة الجماعة في أشد الأحوال، وفي أصعب الظروف، روى البخاري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: (دخلت على عائشة ﵂ فقلت: ألا تحدثيني عن مرض النبي ﷺ ؟ قالت: بلى، قالت: ثقل النبي ﷺ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: فضعوا لي ماء في المخضب، قالت: ففعلنا فاغتسل فقام لينوء -يعني: ليقوم- فأغمي عليه -بأبي هو وأمي- ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه فسقط، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! فقال: ضعوا لي ماء في المخضب فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه الثالثة، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس)، الله أكبر! كم كان حريصاً ﵊ على صلاة الجماعة، يشتد مرضه فيغتسل ثم يغمى عليه فيفيق فيغتسل ثم ثانية وثالثة، كل ذلك لعله يجد خفة ونشاطاً يمكنه بفضل الله تعالى من حضور صلاة الجماعة، فكيف كانت تلك الخفة؟ وكيف كان خروجه ﷺ ، اسمع ما رواه البخاري قال: (فوجد النبي ﷺ خفة فخرج يهادى بين رجلين، كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع)، سبحان الله! لم يكن ﷺ يتمكن من المشي إلا اعتماداً على رجلين، ولم يكن يقدر على تمكين رجليه على الأرض لشدة ضعفه، ومع هذا ما تخلف عن صلاة الجماعة مع شدة مرضه وشدة تعبه، فلماذا يتخلف الأقوياء؟! ولماذا ينام الأصحاء؟! أين نحن من هؤلاء؟! أما آن أن نفيق ونستيقظ؟! خرج المصطفى ﵊ ليبين للناس أن العابدين لا يتخلفون عن الصلوات في المساجد، خرج ليبين أن العابدين لا يصنعون إلا في المساجد والمحاريب، فأي استقامة لا تنطلق من المسجد والمحراب لا خير فيها. إن سجود المحراب واستغفار الأسحار ودموع المناجاة من أهم صفات الصادقين والعابدين، ولئن ظن أهل الدنيا أن جنتهم في الدينار والنساء والقصور، فإن جنة العابدين في محرابهم في خلواتهم بربهم، أما سمعت قول الله لزكريا: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران:٣٩]، إن خلوات العباد في المحاريب تربية لهم، وتيجان على رءوسهم أحلى من التيجان التي على رءوس الملوك.

стр. 287

نصر الأمة وعزتها بالعباد والزهاد أعيد وأكرر: لا تنتصر الأمة إلا بالعباد والزهاد عباد الله! العباد الزهاد في الناس كالعملة النادرة، يصدق عليهم قول النبي ﷺ : (تجدون الناس كإبل مائة لا يكاد يجد الرجل فيها راحلة)، ومعنى الحديث: أن المرضي الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف؛ الحسن المنظر، القوي على الأحمال والأثقال، قليل جداً، كقلة الراحلة في الإبل، وكذا الصادقون المنتسبون للدين كثير، لكنهم ما بلغوا مرتبة الولاية، تلك المرتبة التي ينصر الله أصحابها، ولذا عمت المصيبة بفقدهم. لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاه تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد حر يموت بموته بشر كثير فالرجل من أولئك بألف منهم، وبمائة ألف منا اليوم، قال أبو بكر ﵁: صوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل. ولما طلب عمرو بن العاص ﵁ المدد من أمير المؤمنين عمر ﵁ في فتح مصر، كتب إليه عمر: أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم مقام الألف، أرسلت إليك الزبير والمقداد وعبادة بن الصامت ومسلمة بن خالد. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع. أسمعتم ما حدث في تايلاند؟ وما صنعوا بالمسلمين هناك؟ خرجوا في مظاهرة سلمية يطالبون بأبسط الحقوق، ينادون بحقوق الحيوانات ولا ينادون بحقوق المسلمين. هنَّا على الله، فهنَّا على البشر، قال الأصمعي: لما صاف قتيبة بن مسلم الترك وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع فقيل: هو ذاك في الميمنة جانح على قوسه، رافع إصبعه نحو السماء، قال: تلك الإصبع أحب إلي من مائة ألف سيف شهير، وشاب طرير. بمثل أولئك تنتصر الأمة. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 288

أهم صفات العباد الحمد لله على إحسانه والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، اتقوا الله حق تقاته، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. عباد الله! من أهم صفات العابدين: أنهم أهل صلاة وقيام ومحافظة على الفرائض، وتقرب لله بالنوافل، روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (إن الله ﵎ قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه). فلما سمع القوم منادي المحب يناديهم، انطلقوا سباقاً إليه، وعلموا أن أفضل القربات هي الصلوات، قال ﷺ : (اكلفوا من العمل ما تطيقون، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، كيف لا وهي عماد الدين وعصام اليقين، ورأس القربات، هي المعين الذي لا ينضب، والزاد الذي يزود القلوب، إنها العبادة التي تفتح القلب، وتوثق الصلة، وتيسر الأمر، وتبارك في الأرزاق، بدأت صفات المؤمنين بالصلاة وختمت بالصلاة؛ لعظيم مكانها في بناء الإيمان، وهي أكمل صورة من صور العباد، أما قال الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، ثم ختم صفاتهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]، فأين نحن من صلواتنا؟ كم بلغت من العمر اليوم؟ بلغت الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين أو الستين أو دون ذلك، تعال لنرى مقدار الربح والخسارة، لن أسألك عن الستين ولا عن السبعين ولا عن العشرين والثلاثين، سأسألك عن العام الذي مضى، فمنذ بداية العام حتى يومنا هذا: كم مرة فاتتك صلاة الجماعة؟ اجرد الحسابات مرة أو مرتين أو ثلاثاً، كم مرة ناداك مناد الله: الصلاة خير من النوم؟ وواقع الحال يقول: النوم خير من الصلاة، مرة أو مرتين؟ نعرف أقواماً تفوتهم كل يوم وهم لا يتوبون ولا يتذكرون، ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]. فأسألك بالله يا من تظن أنك من المحافظين والمداومين، كم مرة فاتتك تكبيرة الإحرام؟ مرة مرتين أو ثلاثاً؟ يقول وكيع إذا رأيت الرجل تفوته تكبيرة الإحرام فاغسل يديك منه. قلت: إلى الله المشتكى، كيف لو نظر في حالنا وفي صفوفنا، وفي مساجدنا؟! بدأت صفات المؤمنين بالصلاة وختمت بالصلاة، قال ﷺ : (الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر) حسنه الألباني. وقال سيد العابدين صلوات ربي وسلامه عليه: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكار، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط)، وقال ﷺ : (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين) حسنه الألباني. أما يكفيك قوله ﷺ : (إن أحدكم إذا قام يصلي إنما يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه)؟ هل استشعرنا هذا؟ اعلم أن للعبد بين يدي ربه موقفين: موقفاً في الدنيا، وموقفاً في الآخرة، أما الموقف الذي في الدنيا: فوقوفنا بين يديه سبحانه في الصلاة، أسألكم بالله: هل خشعنا؟ هل خضعنا؟ هل استحضرنا عظمة من نقف أمامه؟ صلاة بلا إيمان، وركوع بلا خضوع، وسجود بلا خشوع، كيف يظهر أثر الإيمان وأثر الصلوات؟! (إن أحدكم إذا قام يصلي إنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه). وأما الموقف الثاني: فيوم القيامة، فأول ما تسأل فيه عن هذه الصلاة، إن صلحت أفلحت العبد فزت، وإن ضاعت خبت وخسرت، لقد علم العباد قدر الصلاة، وأنها ميدان سباق، فانطلقوا يتسابقون ولسان حالهم: من فاته منك وقت حظه الندم ومن تكن همه تسمو به الهمم روى مسلم عن ابن مسعود قال: (لقد رأيتنا ما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) يعني: مع شدة مرضه! لله درهم من مرضى، لا والله بل نحن والله المرضى، مرضى القلوب الغافلة القاسية البعيدة عن الله جل في علاه.

стр. 289

نماذج من اجتهاد السلف في العبادة عن عطاء بن السائب قال: دخلنا على أبي عبد الرحمن السلمي وهو يقضي -يعني: ينازع- في المسجد، فقلنا له: لو تحولت إلى دارك وفراشك فإنه أوفر، فقال لهم: حدثني فلان عن فلان أن النبي ﷺ قال: (لا يزال أحدكم في صلاة ما دام في مصلاه ينتظر الصلاة، والملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)، فأنا أريد أن أموت في مسجدي وأنا في انتظار الصلاة، أليس من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل قلبه معلق بالمساجد؟ فبماذا تعلقت قلوبنا؟ (بطاش ما طاش) (وأكاديم استار) والشاشات والقنوات، وأعراضنا تنتهك، ونساؤنا تغتصب، أليس هذا هو الواقع؟! الضاحكون في كل مكان، بل قل المقهقهون وحالنا لا يعلم بها إلا الله! قيل لـ نافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: لا تطيقونه، الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما. فماذا نصنع في بيوتنا؟! وعن محمد بن زيد أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء فيصلي ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش فيغفي إغفاءة كالطائر، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمساً، كلما استيقظ وقف أمام ربه. وروى نافع أن ابن عمر كان يحيي بين الظهر والعصر. فمن منا فعل ذلك؟! عن الربيع بن خثيم قال: أتيت أويساً القرني، فوجدته قد صلى الصبح وقعد، فقلت: لا أشغله عن التسبيح، فلما كان وقت الصلاة -يعني: بعد شروق الشمس- قام فصلى حتى الظهر، فلما صلى الظهر قام فصلى حتى العصر، فلما صلى العصر قعد يذكر الله إلى المغرب، فلما صلى المغرب قام يصلي حتى العشاء، فلما صلى العشاء اتكأ على سارية في المسجد ثم أغفى إغفاءة ثم أفاق وهو يقول: اللهم إني أعوذ بك من عين نوامة، وبطن لا تشبع، أعوذ بك اللهم من غفلة الغافلين. أرأيت كيف كان جلدهم في العبادة وصبرهم على الطاعات؟ بدأ رمضان فلم نستطع أن نواصل خمسة عشر يوماً قياماً، وهو أعظم مواسم الطاعات، وفي كل يوم صفوف المصلين تقل في جميع الصلوات، ليس في التراويح فقط، أول ما بدأنا الشهر كان يصلي الفجر معنا أربعة إلى خمسة صفوف، ومع انتصاف الشهر عادت الصفوف إلى ما كانت عليه قبل رمضان! رحم الله أويساً ما أعلى همته، يعاتب نفسه على إغفاءة خاطفة، ولهذا يعده الشاطبي ممن يأخذ بما هو شاق على الدوام، ومع هذا لا يعتبر مخالفاً للسنة، بل إنه من السابقين الأولين، ألم يكن النبي ﷺ يقوم الليل حتى تتورم قدماه؟ عن أصبغ بن زيد قال: كان أويس إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع فيركع حتى يصبح، وأحياناً يقول: هذه ليلة السجود فيسجد حتى يصبح، وكان ﵀ يقول: والله لأعبدن الله في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء. هذا حالهم وهذه عبادتهم، ووالله لولا الأسانيد الصحاح والرجال الثقات لقلنا: إن هذه الأخبار ضرباً من الخيال، ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن لج ولج، ومن طرق الباب يوشك أن يفتح له. سعد الذين تجنبوا سبل الردى وتيمموا لمنازل الرضوان فهم الذين أخلصوا في مشيهم متشرعين بشرعة الإيمان وهم الذين بنوا منازل سيرهم بين الرجا والخوف للديان وهم الذين ملأ الإله قلوبهم بوداده ومحبة الرحمن وهم الذين أكثروا من ذكره في السر والإعلان والأحيان يتقربون إلى المليك بفعلهم طاعاته والترك للعصيان فعل الفرائض والنوافل دأبهم مع رؤية التقصير والنقصان صبروا النفوس على المكاره كلها شوقاً إلى ما فيه من إحسان صحبوا الخلائق بالجسوم وإنما أرواحهم في منزل فوقان عزفوا القلوب عن الشواغل كلها قد فرغوها من سوى الرحمن حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله لا للخلق والشيطان فمن أراد الوصول فعليه بالأصول، ومن سار على الدرب وصل، واعلم -رعاك الله- أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة. قيل للربيع بن خثيم: لو أرحت نفسك قال: راحتها أريد. وقيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم في الجنة. أحزان قلبي لا تزول حتى أبشر بالقبول وأرى كتابي باليمين وتسر عيني بالرسول عوتب أحدهم في شدة اجتهاده فقال: إن الدنيا كانت ولم أكن فيها، وستكون ولن أكون فيها، ولا أحب أن أغبن أيامي، والصلاة خير من النوم، والتجلد خير من التبلد، والمنية خير من الدنية: فكن رجلاً رجله في الثراء وهامة همته في الثريا فإن إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المحيا قال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٨ - ١٩] ويقول ﷺ : (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة). قال الفضيل: الزم طريق الهدى ولا يغرنك قلة السالكين، وإياك وطريق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. اللهم اجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم وفقنا لإتمام الشهر صياماً وقياماً يا رب العالمين، واجعلنا فيه من المقبولين، ومن عتقائك من النار يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لوالدينا ووالد والدينا، ولكل من له حق علينا يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اهدِ شباب المسلمين، اللهم اهدِ شباب المسلمين، الله اهدِ شباب المسلمين، ووفقهم للعمل الصالح يا رب العالمين. اللهم بارك لنا في جيلنا ونسائنا وأطفالنا يا أرحم الراحمين. اللهم رحماك بالمستضعفين في تايلاند والفلبين، اللهم رحماك بهم في العراق وفلسطين، وأفغانستان وكشمير والشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين، كن لهم عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً يوم أن قل الناصر والمعين. اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، وآثرهم ولا تؤثر عليهم، وزدهم ولا تنقصهم، وأكرمهم ولا تهنهم، اللهم مكن لهم دينهم الذي ارتضيت لهم، اللهم مكن لهم دينهم الذي ارتضيت لهم، اللهم مكن لهم دينهم الذي ارتضيت لهم، اللهم بدلهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونك لا يشركون بك شيئاً يا رب العالمين. اللهم قوِّ عزائم المجاهدين في الفلوجة، اللهم قوِّ عزائم المجاهدين في الفلوجة، اللهم قوِّ عزائم المجاهدين في الفلوجة، اللهم قد ضرب عليهم الحصار من كل مكان، ولم يبق باب إلا باب السماء يا رب الأرض والسماء، اللهم أنزل عليهم مدداً من عندك، اللهم أنزل عليهم مدداً من عندك، اللهم أنزل عليهم مدداً من عندك، واقلب أرض الفلوجة على الكفار ناراً، وسماءها شهباً وإعصاراً، اللهم شتتهم في الأرض شذر مذر، اللهم لا تبق لهم في الأرض أثراً، اللهم مكن المجاهدين من رقابهم، زلزل الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل. اللهم لا ترفع لهم راية، اللهم لا ترفع لهم راية، اللهم لا ترفع لهم راية، اللهم لا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية، هم والمنافقين يا جبار السماوات والأرضين، ليس لنا رب سواك فندعوه، وليس لنا إله سواك فنرجوه، يا أول الأولين ويا آخر الآخرين، يا ناصر الضعفاء والفقراء والمساكين، يا ذا القوة المتين، لا يخلف وعدك، ولا يهزم جندك، لا يرد بأسك عن القوم المجرمين، بك نصول وبك نجول، عليك توكلنا وإليك أنبنا، وإليك المصير، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا يا حي يا قيوم. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 290

إنهم فتية آمنوا بربهم ما ارتقت الأمة الإسلامية إلى ذروة المجد والعظمة إلا بفتية آمنوا بربهم فزادهم هدى، كان الإيمان يملأ صدورهم، والإسلام هو الذي يسير حياتهم، فرفعوا راية الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، فلما تخلى هؤلاء الفتية عن رسالتهم وتنازلوا عن قيمهم ومبادئهم هوت أمة الإسلام من ذروة المجد والعظمة إلى حضيض الذل والهوان، ولكنها ما زالت خير أمةٍ أخرجت للناس، وما زال هناك فتية يعتزون بالإسلام ويدافعون عنه، وعلى أيديهم يكون النصر إن شاء الله.

стр. 291

صنيع الإيمان في قلوب الشبان إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣]. من هؤلاء الفتية؟ وما شأنهم؟ ولماذا اعتزلوا قومهم، وهجروا ديارهم، وفارقوا أهلهم؟ لماذا تجردوا من زينة الأرض ومتاع الحياة؟ ما هي القضية التي تشغلهم. إنهم أشداء في أجسامهم، أشداء في إيمانهم، أشداء في استنكار ما كان عليه القوم، كانوا بين خيارين: إما أن يرضوا بمتاع الحياة الدنيا وزخرفها، أو يفروا بدينهم وعقيدتهم، فاختاروا ما جعل لهم قيمة وشأناً، إنه الإيمان، قال عنهم سبحانه: ((إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ)). إن الإيمان يصنع حياة بعد موت، قال الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢]، ويصنع عزاً بعد ذل، قال الله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، ويصنع شجاعة وإقداماً بعد خوف وإحجام، قال الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. إن الإيمان يجعل للحياة طعماً، وللدنيا لوناً وللقلب ثباتاً، وللصدر انشراحاً، وللطاعة حلاوة، وللمعصية نكارة، والإيمان اطمئنان وإيثار، ولجوء إلى الله، واعتماد عليه، وأنس وسعادة به، وخلوة معه، ورحمة منه. تأمل وانظر كيف انقلب الكهف إلى مأوى؟ قال الله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦]. إن من آثار الإيمان وثمراته، تثبيت الله لأهله، قال الله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف:١٤]. إن الاعتراف بالعبودية عزة يعتز بها أصحاب الكهف كما قال الله عنهم: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤]، وأي عزة أعظم من أن تكون عبداً لله؟ ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي! وأن صيرت أحمد لي نبياً لقد أنكر أهل الإيمان هؤلاء الباطل، فقال الله تعالى على لسانهم: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الكهف:١٥] أي باطل أعظم من الشرك بالله؟ إن القلوب المؤمنة تعلم أن ما على الأرض إنما جعل للابتلاء والامتحان، وأن نهاية هذا الكون إلى الفناء والزوال، قال الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٧ - ٨]. ذكر أكثر من واحد من السلف والخلف: أن فتية الكهف كانوا أبناء ملوك، لكن الإيمان الراسخ أمام الفتن والشهوات يجعل أهل الإيمان في حرص على دينهم وعقيدتهم؛ لأن الدين غالٍ، ولا مجال لتعريضه للخطر، فأعز ما يملك المؤمن هو دينه وإيمانه، تأمل في دعائه ﷺ : (اللهم احفظني في ديني ودنياي)، وفي قوله: (اللهم أصلح لي ديني)، وقوله: (ولا تجعل مصيبتي في ديني)، وليس التشريف في الآية لفتية الكهف فقط، بل لكل من سار على دربهم وطريقهم. إن فتية اليوم في أمس الحاجة لسماع أخبار فتية الأمس، ونحن نستمد من الماضي قوة؛ لأن الماضي متصل بالحاضر، وإن كان فتية الأمس قد استطاعوا فإن فتية اليوم أيضاً عندهم القدرة والاستطاعة على أن يفعلوا كما فعل فتيان الأمس، كيف لا والمصدر واحد، والمنبع واحد، قال الله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]. والشباب أقبل للحق، وأهدى للسبيل، ولقد كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله ﷺ هم الشباب، فكتاب الوحي هم الشباب، وحفظة السنة هم الشباب، وسفراء الرسول ﷺ هم الشباب، وشعراؤه ﷺ هم الشباب، وقادة الجيوش يمنة ويسرة هم الشباب، فعلى أكتافهم تقوم الحضارات، وتنهض الأمم, وفي ورقات ست سوف نسوق أخبارهم: الورقة الأولى: الفتية وطلب العلم. الورقة الثانية: الفتية وظلام الليل. الورقة الثالثة: الفتية وعزة المؤمنين. الورقة الرابعة: في ساحات الوغى اشتاقت لهم الجنة واشتاقوا لها. الورقة الخامسة: ما الذي حدث؟ وكيف تبدل الحال؟ ثم الورقة الأخيرة: همسة لها لحواء.

стр. 292

الفتية وطلب العلم الورقة الأولى: من صفات الفتية: أنهم طلاب علم، فبالعلم يعبد الله ويوحد، وبالعلم يقدس الله ويمجد، وقد رفع الله أهل الإيمان والعلم على غيرهم درجة، كيف لا والعلم طريق من طرق الجنة، وطلاب العلم أخشى الناس لله من غيرهم، فهم ورثة الأنبياء، والله يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. جاء في فضل العلم وأهله: عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، والأحاديث في فضل العلم وأهله كثيرة. وروى الوليد بن مسلم قال: شيعنا الأوزاعي وقت انصرافنا من عنده، فأبعد في تشييعنا، فمشى معنا فرسخين أو ثلاثة، فقلنا له: أيها الشيخ! يصعب عليك المشي على كبر السن قال: امشوا واسكتوا، لو علمت أن لله قوماً يباهي بهم أفضل منكم لمشيت معهم وشيعتهم، ولكنكم أفضل الناس. وسئل ابن المبارك: لو أن الله أوحى إليك أنك سوف تموت العشية، فماذا تصنع اليوم؟ قال: أقوم وأطلب العلم. وقال ﷺ من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم، فقال ﵊: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثم قال ﷺ : إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير).

стр. 293

صفات طالب العلم حتى تكون من طلاب العلم وفتيانه لابد من صفات وخصائص ومميزات لابد أن تتحلى بها: أولها: فتية العلم أصحاب همم عالية! كان أسد بن الفرات قد خرج من القيروان إلى الشرق سنة مائة واثنين وسبعين؛ فسمع الموطأ من مالك في المدينة، ثم رحل إلى العراق فسمع من أصحاب أبي حنيفة وتفقه عليهم، وقد حضر مجلس محمد بن الحسن الشيباني وقال له: إني غريب، قليل النفقة، والسماع منك شرف، ولكن الطلبة من حولك كثير، فما حيلتي؟ فقال له محمد بن الحسن: استمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك، فتبيت عندي وتقرأ علي وأسمعك، قال أسد: فكنت أبيت عنده، وينزل إلي، ويجعل بين يديه قدحاً فيه ماء، ثم يأخذ في القراءة؛ فإن أطال الليل ونعستُ ملأ يده ونضح وجهي بالماء فأنتبه، فكان ذلك دأبه طوال الليل، ودأبي معه حتى أتيت على ما أريد من السماع منه. صدقوا حين قالوا: من طلب العلا سهر الليالي. قال ابن القيم ﵀: فإذا نام المسافر واستطال الطريق، فمتى يصل إلى المقصود؟! وقال ابن أبي حاتم: كنا بمصر سبعة أشهر في طلب العلم لم نحصل فيه على مرقد. نهارنا ندور على الشيوخ، وفي الليل ننسخ ونقابل، فأتينا يوماً أنا ورفيق لي شيخاً، فقالوا: هو عليل، فرأيت سمكة أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادت تنتن، فأكلناها نيئة ولم نتفرغ لنشويها، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد. ثانيها: إن أردن أن تكون من طلاب العلم وفتيته فلابد أن تحرص على الوقت، ولا تنشغل بتوافه الأمور، قال الله عنهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، هذا نهارهم. أما ليلهم: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٤ - ٦٥]، وقال عنهم: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] وكل باطل زور، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]، فلا ترى فتى العلم إلا في فرض يؤديه، أو خير يعمله. روي أنه أحضر فيل في المدينة المنورة، وكان مالك بن أنس يدرس في المسجد، فقال قائل: حضر الفيل، فقام تلاميذ مالك ينظرون إلى الفيل وتركوا الشيخ، إلا يحيى بن يحيى الليثي الأندونيسي، فقال له مالك: لم لم تخرج لترى هذا الخلق العجيب وليس في بلادك مثله؟ قال: إنما أتيت لآخذ علمك، ولم آت لأنظر إلى الفيل. ففتى العلم حريص على وقته، مترفع عن توافه الأمور، والعمر لا يقاس بالسنين ولكن بالإنجازات التي تنجز فيه. ثالثها: العمل بالعلم، فمن أراد أن يكون من فتية العلم وطلابه فلا بد من أن يعمل بالعلم الذي تعلمه. كتب الإمام الغزالي ﵀ إلى أحد تلامذته حين طلب منه أن يقدم له نصيحة، فقال: يا ولدي! النصيحة سهلة، ولكن الصعب قبولها؛ لأنها في فم من لم يتعودها مرة المذاق، وإن من يحصل العلم ولا يعمل به تكون الحجة عليه أعظم، كما قال ﷺ : (أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه)، وقالوا: العلم يهتف بالعمل، فإن أجاب حل، وإلا ارتحل، ولابد مع العمل من صدق وإخلاص.

стр. 294

الفتية وظلام الليل الورقة الثانية: الفتية وظلام الليل. إن أردت أن تكون خالصاً لله بالنهار فلابد أن تكون خالصاً له بالليل، والظلام سر من الأسرار، وفي جوف الظلام يتربى الفتية الذين آمنوا بربهم، قال الله جل في علاه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦]، وقال عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]. إن الصلاة في ظلام الليل من أفضل الطاعات وأجل القربات بعد الصلوات المفروضات، ولقد كان سيد القائمين ﷺ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فإذا سئل عن ذلك قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً؟!). وكان يربى الفتيان على القيام في ظلام الليل -لأنه لا تربية أعظم من التربية السرية بين العبد وبين ربه- فيقول: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل)، فلما أخبر عبد الله بخبر النبي ﷺ ما ترك قيام الليل. روى مسلم عن أبي هريرة: أنه ﷺ سئل عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة؟ فقال: (أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل). وفي حديث عذب جميل أخرجه النسائي وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي ذر ﵁ مرفوعاً: (ثلاثة يحبهم الله ، فذكر منهم: وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به نزلوا فوضعوا رءوسهم، فقام عبدي يتملقني ويتلو آياتي) قام الذي بينه وبين الله أسرار يتملق ربه ويتلو آياته، وأي شيء أعظم من الانكسار بين يديه سبحانه في ظلام الليل؟! وفضل الصلاة في ظلام الليل معلوم، ولا يقدر عليها إلا متجرد عظيم الإخلاص، ولذلك قالوا: لا يقوم الليل منافق. قلت لليل: هل بجوفك سرٌ عامر بالحديث والأسرار؟ قال: لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار وللفتية في نبيهم أسوة، فعن علي ﵁ قال: (ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح) رواه أحمد بإسناد صحيح. إن من دأب الصالحين قيام الليل، واللجوء إلى الله عند الشدائد والفتن، وأي شدائد أعظم مما نمر به في مثل هذه الأيام؟! يقول ابن مسعود: ما سمعنا مناشداً ينشد ضالة أشد من مناشدة محمد ﷺ لربه يوم بدر، كان يقول في مناشدته لربه: (اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد، اللهم لا تودع مني، اللهم لا تحذلني، اللهم لا تترني، اللهم أنشدك ما وعدتني، اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها وفخرها تجادل وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني به) يدعو ويردد ويلح على ربه في الدعاء حتى يسقط رداءه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك لربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩] هذا هو الزاد عند الشدائد، ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]. لقد تعلم الفتية من نبيهم فن التضرع والبكاء في ظلام الليل، قال الذهبي: وممن كان يصلي صلاة طويلة من العشاء إلى الفجر علي بن الحسين زين العابدين، كان إذا أطل عليه الليل وأقبل عليه النهار توضأ وأتى فراشه وقال: ما أحسنك وما أدفأك، ولكن في الجنة أحسن منك وأروح منك وأدفأ منك، والله لا أنام حتى الصباح، فكان يصلي حتى الفجر، فإذا طلع الفجر رؤي على وجهه قبس من نور وشعاع من بياض. قيل للحسن البصري: إن الذين يقومون الليل على وجوههم نور؟ قال: خلوا به في الظلام فكساهم من نوره. ومن فتية الظلام أيضاً: الربيع بن خثيم، كان يقول: أكثروا من ذكر الموت فهو غائبكم المرتقب، وإن الغائب إذا طالت غيبته أوشكت أوبته، وترقبه ذووه، ثم استعبر وقال: ماذا نصنع غداً إذا دكت الأرض دكاً دكاً، وجاء ربك والملك صفاً صفاً، وجيء يومئذ بجهنم؟ كان الربيع لا ينام، فتصحو أمه فتجده صافاً في محرابه، كادحاً في مناجاة ربه، مستغرقاً في صلاته، فتناديه وتقول: ألا تنام يا ربيع؟! فيقول: يا أماه! كيف ينام من جن عليه الليل وهو يخشى البيات، يعني: هجوم الخصوم، لقد أرق أمه كثرة تضرعه وبكائه وشدة نحيبه في عتمات الليل والناس نيام حتى ظنت به الظنون، فصاحت تناديه: ما الذي أصابك يا بني؟! لعلك أتيت جرماً، لعلك قتلت نفساً؟ قال: نعم يا أماه! لقد قتلت نفساً، فقالت في لهفة: ومن هذا القتيل حتى نجعل الناس يسعون إلى أهله لعلهم يعفون عنك؟ والله لو علم أهل القتيل ما تعاني من البكاء، وما تكابد من السهر لرحموك، فقال: لا تكلمي أحداً يا أماه! إنما قتلت نفسي بالذنوب والمعاصي. إنه تلميذ ابن مسعود ﵁ وأرضاه صاحب رسول الله ﷺ ، وأقرب الصحابة من النبي ﷺ ، كان ابن مسعود يقول للربيع: ما رأيتك مرة إلا ذكرت المخبتين، وكان يقول له: يا أبا يزيد! لو رآك النبي ﷺ لأحبك.

стр. 295

الفتية وعزة المؤمنين الورقة الثالثة: الفتية وعزة المؤمنين. قال الله جل في علاه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. في موقف عصيب، وفي أيام شديدة، تجمع فيها الكفر وأحزابه في يوم الأحزاب -وما أشبه اليوم بالأمس- لاستئصال شوكة الإسلام، وجاءوا ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، يصور القرآن هول ذلك اليوم وشدته، فيقول سبحانه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠]، يظن المنافقون وليس المؤمنون، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]. في مثل هذه المواقف العصيبة تظهر عزة الفتية الذين آمنوا بربهم، فلما رأى النبي ﷺ تلك الجموع قد تجمعت حول المدينة، وقد تآمر اليهود والمشركون وألبوا قبائلهم واستجمعوا، فأراد النبي ﷺ أن يخفف من ضغط الحصار الخانق الذي تتعرض له المدينة وأهلها، فاتصل بقائدي غطفان سراً عيينة بن حصن والحارث بن عوف، فقد علم النبي ﷺ بحنكته السياسية، وخبرته بنفسيات الرجال أن غطفان وقادتها ليس لهم هدف سياسي أو باعث عقدي، وليس لهم هم سوى الحصول على المال والغنائم، فاجتمع بهم ﷺ سراً وعرض عليهم عقد صلحٍ منفرد بين المسلمين وغطفان، وهو: أن تتوقف غطفان عن القيام بأي عمل حربي، وتكف الحصار عن المدينة، وتنسحب برجالها، على أن يدفع المسلمون لغطفان مقابل ذلك ثلث ثمار المدينة، فقبلت غطفان هذا العقد؛ لأنهم ما خرجوا إلا للمكسب المادي، واشترط النبي ﷺ موافقة فتية الأوس والخزرج على هذا الاتفاق قبل توقيعه، فجمع النبي ﷺ السعدين: سعد بن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج، وعرض عليهما الأمر بحضور قادة غطفان، واستمع السعدان إلى النبي ﷺ ثم قالا: يا رسول الله! أمراً تحبه فتصنعه لنا؟ أم شيئاً أمرك الله به لابد لنا من العمل به؟ إن كان أمراً من السماء فامض لما أمرك الله، وإن كان أمراً لم تؤمر به ولك فيه رغبة فسمعاً وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي فاسمع يا رسول الله منا: نحن وهؤلاء القوم كنا على كفر وشرك وعبادة للأصنام، وما كانوا يأكلون ثمارنا إلا قرىً -أي: ضيوفاً عندنا- أو بيعاً، واليوم بعد أن أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا إليه، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله ما بيننا وبينهم إلا السيف، فقال رسول الله ﷺ : (لو كان أمراً أمرني الله به ما شاورتكما، ووالله ما أصنع ذلك إلا لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر شوكتهم إلى أمر ما). وهكذا فإن العزة لا تظهر إلا في أوقات الشدائد، قال الله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، إنها العزة المستمدة من كتاب الله، ويواسي الله المؤمنين في قوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤٢]. لقد انقلبت الموازين يوم ثبت الفتية على دينهم، وأظهروا عزتهم بالإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]، ونصرهم الله وهم قلة، قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣]، لما كانوا رهباناً بالليل استطاعوا أن يكونوا فرساناً بالنهار.

стр. 296

الفتية في ساحات الوغى اشتاقوا للجنة واشتاقت لهم الورقة الرابعة: الفتية في ساحات الوغى اشتاقوا للجنة واشتاقت الجنة لهم. إن صفقة غالية تمت بين الله جل في علاه وبين الفتية المؤمنين، هم باعوا والله اشترى، على أن يكون الثمن الجنة، فالمشتري هو الله، والبائعون هم فتية الإسلام، قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:١٠]، وعند الأزمات تظهر معادن الرجال. من أعظم صفات الفتية: أنهم شجعان، وأنهم لله جند، همهم: أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، شعارهم: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً وشعارهم أيضاً: كنا جبالاً فوق الجبال وربما صرنا على موج البحار بحاراً لقد اشتاقوا إلى الجنة واشتاقت لهم. منذ الساعات الأولى لوفاة النبي ﷺ والتحاقه بالرفيق الأعلى، وقفت قبائل العرب تخرج من دين الله أفواجاً كما دخلت فيه أفواجاً، حتى لم يبق على الإسلام إلا مكة والمدينة والطائف وجماعات متفرقة هنا وهناك، فثبت الله قلوب أهل الإيمان لما نصروا دينهم، وصمد الصديق ﵁ لهذه الفتنة المدمرة صمود الجبال الراسيات، وجهز من المهاجرين والأنصار أحد عشر جيشاً، وعقد لقادة هذه الجيوش أحد عشر لواء، ودفع بهم في أرجاء الجزيرة؛ ليعيدوا المرتدين إلى سبيل الهدى والحق، فإن عادوا سلماً وإلا فالسيف بيننا وبينهم. كان أقوى المرتدين بأساً وأكثرهم عدداً بني حنيفة، أصحاب مسيلمة الكذاب، فلقد اجتمع له أربعون ألفاً من أشداء المحاربين، فأرسل لهم الصديق جيشاً بقيادة عكرمة بن أبي جهل فرده مسيلمة على أعقابه، فقال أبو بكر: ليس لها إلا خالد، فأرسل خالداً ومعه فتية آمنوا بربهم من المهاجرين والأنصار، والتقى الجيشان على أرض اليمامة في نجد، فما هو إلا قليل حتى رجحت كفة مسيلمة وأصحابه، وزلزلت الأرض تحت أقدام الفتية المؤمنين، وأخذوا يتراجعون عن مواقفهم حتى اقتحم أصحاب مسيلمة خيمة خالد واقتلعوها من أصولها، عند ذلك شعر المسلمون بالخطر الساخن، وانطلقت الآيات والتكبيرات، الآيات كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥]، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، أدرك الفتيان أن الدين في خطر، وأنهم إن يهزموا أمام مسيلمة لن تقوم للإسلام قائمة، ولن يعبد الله وحده لا شريك له في جزيرة العرب، فنظم خالد الصفوف، وميز المهاجرين عن الأنصار، وارتفعت رايات لا إله إلا الله، وهب نسيم الجنان، وعلت التكبيرات، وتنادى القوم: إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، وليرين الله ما نصنع، ثم كر القوم على القوم، فدارت رحى معركة ضروس لم تعرف حروب المسلمين لها نظيراً من قبل، ثبت قوم مسيلمة في ساحات الوغى، ولم يأبهوا لكثرة ما أصابهم من القتل، وأظهر الفتية خوارق البطولات وسجلوا ملحمة من الملحمات. صفحات مجد في الخلود سطروها ذات الرجال لها بغير جدال فهذا فتى الأنصار ثابت بن قيس حامل لواء الأنصار يتحنط ويتكفن، ويحفر لنفسه حفرة في الأرض، وينزل فيها إلى نصف ساقيه، ويبقى ثابتاً في موقفه يساند ويقاتل عن راية التوحيد، حتى خر صريعاً شهيداً، ولسان حاله: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها وهذا فتى آخر وهو زيد بن الخطاب، أخو عمر ﵃ أجمعين، ينادي في المسلمين: أيها الناس! عضوا على أضراسكم، واضربوا في رقاب عدوكم، وامضوا قدماً، أيها الناس! والله لا أتكلم بعد هذه الكلمة أبداً حتى يهزم مسيلمة أو ألقى الله فأدلي إليه بحجتي، الله أكبر، الله أكبر، ثم كر على القوم فما زال يقاتل حتى قتل، وآيات الله تناديه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]. وهذا مولى أبي حذيفة يحمل راية المهاجرين فيخشى عليه قومه أن يضعف أو يستكين أو يتزعزع فقالوا له: إنا لنخشى أن نؤتى من قبلك، فقال: إن أتيتم من قبلي فبئس حامل القرآن أكون أنا، ثم كر على الأعداء كر الأسود حتى أصيب. كرر علي حديثهم يا حادي فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي ولما رأى خالد وطيس المعركة قد حمي واشتد التفت إلى البراء بن مالك وقال: إليهم يا فتى الأنصار! فالتفت البراء إلى قومه وقال: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! لا يفكرن أحد منكم بالرجوع إلى المدينة، فلا مدينة لكم بعد اليوم، إنما هو الله وحده ثم الجنة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٤ - ٧]، ثم حمل على المشركين وحملوا معه، وأعملوا السيوف في رقاب الأعداء حتى تقهقر مسيلمة وأصحابه، فلجئوا إلى الحديقة التي عرفت فيما بعد باسم حديقة الموت. دخل مسيلمة وجنده الحديقة وأغلقوا الأبواب وتحصنوا بالجدران العالية، وأخذوا يمطرون المسلمين بنبالهم، فتقدم فتى الأنصار المغوار البراء بن مالك فقال: يا قوم! ضعوني على جحف وارفعوه على الرماح، ثم اقذفوني إلى الحديقة قريباً من بابهم، فإما أن أنال الشهادة وإما أن أفتح لكم الباب. لقد كان في عملية استشهادية لا يقوم بها إلا ﴿فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، فوضعوه على جحف وكان نحيل الجسم لكنه قوي الإيمان، ورفعته عشرات الرماح فألقته في حديقة الموت بين آلاف مؤلفة من جنود الكفار فنزل عليهم نزول الصاعقة، فأخذ يقاتلهم وحيداً فريداً والله معه، ويعمل في رقابهم أمام باب الحديقة، فقتل منهم عشرة وفتح الباب، وبه بضع وثمانون جرحاً ما بين رمية بسهم وضربة بسيف، فتدفق المسلمون على باب الحديقة، وأعملوا السيوف في رقاب المرتدين حتى قتلوا منهم أكثر من عشرين ألفاً، ووصلوا إلى مسيلمة الكذاب فتناوشته السيوف والرماح حتى أردوه قتيلاً، وحمل الفتى المغوار إلى رحله، وأقام عليه خالد شهراً يعالجه من جراحه حتى شفاه الله، وكتب لجند المسلمين على يديه النصر. بمثل هؤلاء تنتصر الأمة. ملكنا هذه الدنيا القرونا وأخضعها جدود خالدونا وسطرنا صحائف من ضياء فما نسي الزمان ولا نسينا بنينا حقبة في الأرض ملكاً يدعمه شباب طامحونا شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام ديناً تعهدهم فأنبتهم نباتاً كريماً طابت الدنيا غصونا إذا شهدوا الوغى كانوا كماة يدكون المعاقل والحصونا شباب لن تحطمه الليالي ولن يسلم إلى الخصم العرينا وإن جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا ولم تشهدهمُ الأقداح يوماً وقد ملئوا نواديهم مجونا وما عرفوا الأغاني ماجنات ولكن العلا صيغت لحونا هذه أخبارهم، فما أخبارنا؟ وأفعالهم، فما أفعالنا؟ وتضحياتهم، فما تضحياتنا؟ ومواقف فتيانهم، فأين فتياننا؟ أما الديار فكأنها كديارهم وأرى رجال الحي غير رجالهم

стр. 297

سبب تبدل الحال الورقة الخامسة: ما الذي حدث؟ وكيف تبدل الحال؟ قال الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]. خلف من بعدهم خلف استبدلوا التسبيح والتهليل والتكبير بالقيل والقال، وكثرة السؤال، واستبدلوا السواك بالسيجارة، والقرآن بالمجلة، ومجالس العلم بمجالس الأفلام والمسلسلات، وتلاوة القرآن بسماع الأغاني والألحان، ورايات الجهاد برايات الضياع والعناد، ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]. يا ويحنا ماذا أصاب رجالنا أو ما لنا سعد ولا مقداد؟ هذه بساتين الجنان تزينت للخاطبين فأين من يرتاد يا ليل أمتنا الطويل متى نرى فجراً تغرد فوقه الأمجاد دعنا نسافر في دروب آبائنا ولنا من الهمم العظيمة زاد ولكن مهما طال الليل لابد للنهار أن ينجلي، وها نحن نرى كل يوم أفواج الشباب تعود وترجع، وتنضم إلى أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم، ها هي تباشير الصباح قد ظهرت وأنتم ثمارها، فيا شباب الإسلام! يا أتباع محمد ﷺ ، يا من دك أجدادكم دولة الأصنام، أنتم الأمل بعد الله لقيادة البشرية، وإنقاذ الإنسانية، من سيقود الناس إلا أنتم، ومن سيهديهم إلى سبل الرشاد إلا أنتم؟ رويداً بني روما فللحرب فتية تهيج الظبى أطرافهم واللهاذم ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣].

стр. 298

وقفة مع الأخت المسلمة همسة قبل النهاية: أخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي: أن امرأة دفعت إلى ابنها يوم أحد سيفاً، فلم يطق حمله فشدته على ساعده بنسعة -يعني: قطعة قماش- ثم أتت به إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! هذا ابني يقاتل عنك، فقال النبي ﷺ للغلام: (أي بني احمل ههنا احمل ههنا وأخذ يقاتل دون النبي ﷺ ، فأصابته جراحة فصرع، فأتي به إلى النبي ﷺ فقال: أي بني لعلك جزعت؟ قال: والذي بعثك بالحق لم أجزع، وانطلق يقاتل القوم على شدة جراحه وآلامه). فأنجبي لنا مثل هؤلاء، وربي لنا مثل هؤلاء، فأنت صانعة الأبطال، ومربية الأجيال. إن الشباب هم القوة، وهم حملة الرسالات، وإن مسئولية الشباب اليوم أكبر مما مضى، فالمطلوب من أبناء الإسلام شباباً وشيوخاً أن يفهموا دينهم فهماً صحيحاً، بتعلم العلم الشرعي والعمل بذلك العلم، ثم الدعوة إلى الله والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، قال الله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]. اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونترك ونهجر من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجوا رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، اللهم طمئن قلوبهم، وثبت أقدامهم، وأفرغ عليهم صبراً يا رب العالمين! اللهم صن أعراضهم، واحقن دماءهم، وعجل بنصرهم يا رب السموات والأرضين. اللهم من أرادنا وبلاد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره، اللهم لا تدع لهم ناراً للحرب إلا أطفأتها، اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم، واجعل دائرة السوء عليهم، اللهم ردهم خائبين خاسرين فإنهم لا يعجزونك يا جبار السموات والأرضين، اللهم رد الشباب والشيب إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

стр. 299

أنين المذنبين لقد خلق الله العباد وجعلهم عرضة للخطأ والتقصير، فما من عبد إلا ويتعرض للخطأ، إلا من عصمه الله . ومن رحمة الله سبحانه أن فتح باب التوبة والإنابة لكل من أسرف على نفسه، واقترف الذنوب والمعاصي، وسمى سبحانه نفسه التواب الرحيم، ودعا المذنبين إلى التوبة والإنابة، فلا يعودون إلى ربهم، ويندمون على تفريطهم في حقه، ويتضرعون بين يديه إلا وتقبلهم برحمته، وعفا عن زلاتهم، بل إنه يفرح بتوبتهم وانطراحهم بين يديه.

стр. 300

دعوة للتوبة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم. وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ. وأسأله سبحانه أن يغفر ذنب المذنبين، ويقبل توبة التائبين، وأن يدل الحيارى، ويهدي الضالين، ويغفر للأحياء وللميتين. أمر الله بالتوبة فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، ووعد جل في علاه بالقبول، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى:٢٥]، ثم فتح الرحمن باب الرجاء، فقال: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]. أخرج مسلم من حديث ابن عمر ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة. وأوحى الله إلى داود ﵇: يا داود! لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقاً إلي، ولتقطعت أوصالهم من محبتي، يا داود! هذه إرادتي في المدبرين عني، فكيف إرادتي في المقبلين علي؟). يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع يا من يرجى للشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قوله كن امنن فإن الخير عندك أجمع مالي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أرفع مالي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن رددت فأي باب أقرع ومن الذي أدعو وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يمنع حاشا لفضلك أن تقنط عاصياً فالفضل أجزل والمواهب أوسع عنوان اللقاء: قوافل العائدين. وسيتكون اللقاء من: مقدمة، وبداية، وختام، وبينهما أخبار خمسة: الخبر الأول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١]. الخبر الثاني: سبحان مغير الأحوال. الخبر الثالث: أترضى أن تكون مثل هذا؟ الخبر الرابع: طريق المخدرات. الخبر الخامس: هدايتي على يديه، ثم الختام.

стр. 301

سعة عفو الله ومغفرته روى البخاري ﵁ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم جل في علاه وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويمجدونك ويحمدونك، فيقول جل في علاه: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوك، فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً وتحميداً وأكثر تسبيحاً). اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين. (قال: فيقول جل في علاه: فما يسألونني؟ قال: فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها لكانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة)، فأين المشمرون؟ (قال فيقول: فمم يتعوذون؟ فيقولون: من النار، فيقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة)، اللهم أجرنا من النار. (فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، فيقول جل في علاه: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، فأبشروا يا أهل مجالس الذكر فربكم ذو رحمة واسعة. هذا منادي الله ينادي: ألا قد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وإني أشد شوقاً لهم، ألا من طلبني وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، من ذا الذي أقبل علي وما قبلته، وطرق بابي فما فتحته؟ من ذا الذي توكل علي وما كفيته، ودعاني فما أجرته، وسألني فما أعطيته؟ أهل ذكري أهل مجالستي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم أبداً من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المظالم. من أقبل علي تقبلته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لي أجري أعطيته المزيد، ومن أراد رضاي أردت ما يريد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد، من صفا معي صافيته، من أوى إلي آويته، من فوض أمره إلي كفيته، ومن باع نفسه مني اشتريته، وجعلت الثمن جنتي ورضاي، وعد صادق، وعبد سابق، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]. فيا فرحة التائبين بمحبة الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. الهج بحمده، واهتف بشكره، وقل: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قل: أنا الميت الذي أحييته فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد، وأنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الضال الذي هديته فلك الحمد، وأنا الجاهل الذي علمته فلك الحمد، وأنا الجائع الذي أطعمته فلك الحمد كله، ولك الشكر كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، لا إله إلا أنت. يا رب حمداً ليس غيرك يحمد يا من له كل الخلائق تصمد أبواب غيرك ربنا قد أوصدت رأيت بابك واسعاً لا يوصد

стр. 302

قصة تائب روي عن منصور بن عمار قال: خرجت ليلة وظننت أني أصبحت، وإذا علي ليل، فقعدت عند باب صغير، فإذا بصوت شاب يبكي ويقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وقد عصيتك حين عصيتك وما أنا بنكالك جاهلاً، ولا لعقوبتك متعرضاً، ولا بنظرك مستخفاً، ولكن سولت لي نفسي، وغلبتني شقوتي، وغرني سترك المرخى علي، فالآن مِن عذابك مَن يستنقذني؟ وبحبل من اعتصم إن قطعت حبلك عني؟ واسوأتاه على ما مضى من أيامي في معصية ربي؟ ويا ويلي كم أتوب وكم أعود، وقد حان لي أن أستحي من ربي. قال منصور: فلما سمعت كلامه قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. قال: فسمعت صوتاً واضطراباً شديداً, ومضيت لحاجتي، فلما أصبحنا، رجعت وإذا أنا بجنازة على الباب، وعجوز تذهب وتجيء، فقلت لها: من الميت؟ فقالت: لا تجدد علي أحزاني، قلت: إني رجل غريب، فقالت: هذا ولدي، مر بنا البارحة رجل، لا جزاه الله خيراً، فقرأ آية فيها ذكر النار، فلم يزل ولدي يضطرب ويبكي حتى مات، قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! هكذا والله صفة الخائفين يا ابن عمار! سبحان من وفق للتوبة أقواماً، وثبت عليها أقداماً أيا من ليس لي منه مجير بعفوك من عذابك أستجير فإن عذبتني فبسوء فعلي وإن ترحم فأنت به جدير

стр. 303

الفرار إلى الله دواء لأصحاب الهموم إن علاج مشاكل الشباب والشيب وأصحاب الهموم والغموم هو الفرار إلى الله، بالانضمام إلى قوافل العائدين إلى الله بعد طول غياب، الذين أحرقتهم الذنوب والمعاصي، والذين جربوا الحياة في الظلام، ثم اكتشفوا النور، والذين بدلوا ذل المعصية بعز الطاعة، وانتصروا على النفس والهوى والشيطان وحزبه، والذين آثروا الجنة على النار، وندموا على ما فرطوا في جنب الله. قال ﷺ : (الندم توبة)، وقال بعضهم: إن العبد ليذنب الذنب، فلا يزال نادماً حتى يدخل الجنة، فيقول إبليس: ليتني لم أوقعه في الذنب. وقال طلق بن حبيب: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين. فليس عيب أن تخطئ، ولكن كل العيب أن تصر على الخطأ، وتتمادى فيه، وتنسى فضل الله عليك ورقابة الله لك.

стр. 304

سؤال العاصي وجواب الحكيم جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم فقال: يا إبراهيم! لقد أسرفت على نفسي بالذنوب والمعاصي، فقل لي في نفسي قولاً بليغاً، قال: أعظك بخمس، قال: هات الأولى، قال: لا تأكل من رزق الله إذا أردت أن تعصيه، قال: كيف يا إبراهيم! وهو الذي يطعم ولا يطعم؟ قال: عجباً لك تأكل من رزقه وتعصيه؟ قال: هات الثانية! قال: الثانية: لا تسكن في أرض الله واعص الله، قال: كيف يا إبراهيم! والأرض أرضه والسماء سماؤه؟ قال: عجباً لك، تأكل من رزقه وتسكن في أرضه وتعصيه؟ قال: هات الثالثة! قال: الثالثة: اذهب في مكان لا يراك فيه الله واعص الله، قال: أين يا إبراهيم! وهو الذي لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ؟ قال: عجباً لك، تأكل من رزقه، وتسكن في أرضه، وفي كل مكان يراك ثم تعصيه؟ قال: هات الرابعة! قال: الرابعة: إذا أتاك ملك الموت ليقبض الروح، فقل له: إني لا أموت الآن. قال: من يستطيع يا إبراهيم! والله يقول: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]؟ قال: عجباً لك، تأكل من رزقه، وتسكن في أرضه، وفي كل مكان يراك، ولا تستطيع رد الموت إذا أتاك وتعصيه؟ قال: هات الخامسة، قال: الخامسة: إذا جاءتك ملائكة العذاب تأخذك إلى النار فخذ نفسك إلى الجنة، قال: من يستطيع هذا يا إبراهيم؟! قال: عجباً لك، تأكل من رزقه، وتسكن في أرضه، وفي كل مكان يراك، ولا تستطيع رد الموت إذا أتاك، ولا تملك لنفسك جنة ولا ناراً ثم تعصيه؟ قال: اسمع يا إبراهيم! أنا أستغفر الله وأتوب إليه. فأعلنها توبة وإنابة وفراراً إلى الله، ورجعة وانضماماً إلى قوافل العائدين. وأنت يا من تأكل رزقه، وتسكن في أرضه، وفي كل مكان يراك، ولا تستطيع رد الموت إذا أتاك، ولا تملك لنفسك جنة ولا ناراً، أما آن لك أن تتوب وتستغفر علام الغيوب؟ أما آن لك أن تنضم إلى قوافل العائدين؟ أما آن لما أنت فيه متاب وهل لك من بعد الغياب غياب تقضت بك الأعمار في غير طاعة سوى عمل ترجوه وهو سراب وليس للمرء من سلامة دينه سوى عزلة فيها الجليس كتاب أي: القرآن. كتاب حوى كل العلوم وكل ما حواه من العلم الشريف صواب وفيه الدواء من كل داء فثق به فوالله ما عنه ينوب كتاب

стр. 305

من أخبار التائبين هذه هي أخبار قوافل التائبين ماضياً وحاضراً، فلنأخذ من قصصهم العبرة الممزوجة بالندم والدموع، والمليئة بالصور والعبر، يشكو أصحابها قبل الانضمام إلى قوافل العائدين من الهموم والغموم والمآسي والآهات، حيث غرقوا في لجج المعاصي والمنكرات، من خمور ومخدرات، وفواحش ومنكرات، وكانت النجاة بالفرار إلى الله، والانضمام إلى قوافل العائدين.

стр. 306

لقد كان في قصصهم عبرة الخبر الأول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١]. عن أبي هشام الصوفي ﵀ قال: أردت البصرة فجئت إلى سفينة أركبها وفيها رجل معه جارية، فقال لي الرجل: ليس ههنا موضع، فسألته الجارية أن يحملني ففعل، فلما سرنا دعا الرجل بالغداء فوضع، فقالت الجارية: ادع ذاك المسكين ليتغدى معنا، فجئت على أنني مسكين، فلما تغدينا قال: يا جارية! هاتي شرابك، فشرب وأمرها أن تسقيني، فقالت: يرحمك الله، إن للضيف حقاً، فتركني، فلما دب فيه الشراب قال: يا جارية! هاتي عودك وهاتي ما عندك، فأخذت العود وغنت، ثم التفت إلي فقال: أتحسن مثل هذا؟ فقلت: عندي ما هو أحسن منه وخير منه، فقال: قل؟ قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:١ - ٩]، حتى انتهيت إلى قوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠] وجعل الرجل يبكي ثم قال: يا جارية! اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى. ثم ألقى ما معه من الشراب، وكسر العود، ثم دعاني فاعتنقني وجعل يبكي، ويقول: يا أخي! أترى الله يقبل توبتي؟ فقلت: نعم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥]، فتاب واستقام، وثبت على حاله، وصاحبته بعد ذلك أربعين سنة حتى مات، فرأيته في المنام فقلت له: إلام صرت؟ فقال: إلى الجنة، قلت: بماذا؟ قال: بقراءتك علي: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠]. فلا إله إلا الله كيف سيكون حالنا إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَت، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ. فلا إله إلا الله إذا نطقت العينان وقالتا: أنا للحرام نظرت، ونطقت الأذنان وقالتا: أنا للأغاني والحرام استمعت، ولا إله إلا الله إذا نطقت اليدان وقالتا: أنا للربا والحرام أخذت، ونطقت الرجلان وقالتا: أنا للحرام مشيت: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٤]. مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وأضعفت حراً على رأس العباد تمور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا العشار تعطلت عن أهلها خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك أين نسير فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور وإذا الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور حتى ننجو ونفوز بذلك اليوم ونفرح لابد من الفرار إلى الله بالانضمام إلى قوافل العائدين، قال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].

стр. 307

سبحان مغير الأحوال الخبر الثاني: سبحان مغير الأحوال. قال الراوي: لقد تغير صاحبي، فضحكاته الوقورة تصافح أذني كنسمات الفجر الندية، وكانت من قبل ضحكات ماجنة مستهترة تصك الآذان وتؤذي المشاعر، ونظراته خجولة تنم عن طهر وصفاء، وكانت من قبل جريئة وقحة، وكلماته تخرج من فمه بحساب، وكان من قبل يبعثرها هنا وهناك، تصيب هذا وتجرح ذاك، لا يعبأ بذلك ولا يهتم، ووجهه هادئ القسمات تزينه لحية وقورة، وتحيط به هالة من نور، وكانت ملامحه من قبل تعبر عن الانطلاق وعدم المبالاة والاهتمام. نظرت إليه وأطلت النظر في وجهه ففهم ما يدور في خاطري، فقال: لعلك تريد أن تسأل: ماذا غيرك؟ قلت: نعم، هو ذاك، فصورتك التي أذكرها منذ لقيتك آخر مرة قبل سنوات تختلف عن صورتك الآن! فتنهد قائلاً: سبحان مغير الأحوال! قلت: لابد أن وراء ذلك قصة؟ قال: نعم، وسأقصها عليك، ثم التفت إلي قائلاً: كنت في سيارتي على طريق ساحلي، وعند أحد الجسور الموصلة إلى أحد الأحياء فوجئت بصبي صغير أمامي يقطع الطريق، فارتبكت واختلت عجلة القيادة من يدي، ولم أشعر إلا وأنا في أعماق المياه، فرفعت رأسي إلى أعلى لأجد متنفساً، ولكن الماء بدأ يغمر السيارة من جميع النواحي، مددت يدي لأفتح الباب فلم ينفتح، فتأكدت حينها أني هالك لا محالة، وفي لحظات -لعلها ثوان- مرت أمام ذهني صور سريعة متلاحقة، هي صور حياتي الحافلة بكل أنواع العبث والمجون، وتمثل لي الماء شبحاً مخيفاً وأحاطت بي الظلمات الكثيفة، وأحسست بأني أهوي إلى أغوار سحيقة مظلمة، فانتابني فزع شديد، فصرخت في صوت مكتوم: يا رب ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]. ودرت حول نفسي ماداً ذراعي أطلب النجاة، لا من الموت الذي أصبح محققاً، بل من خطاياي التي حاصرتني وضيقت علي الخناق، وأحسست بقلبي يخفق بشدة، فانتفضت وبدأت أزيح من حولي تلك الأشباح المخيفة، وأستغفر ربي قبل أن ألقاه، وأحسست أن كلما حولي يضغط علي، كأنما استحالت المياه إلى جدران من الحديد، فقلت: إنها النهاية لا محالة، فنطقت بالشهادتين، وبدأت أستعد للموت، وحركت يدي فإذا بها تنفذ في فراغ يمتد إلى خارج السيارة، وفي الحال تذكرت أن زجاج السيارة الأمامي مكسور، فقد شاء الله أن ينكسر في حادث منذ ثلاثة أيام، فقفزت دون تفكير، ودفعت بنفسي من خلال هذا الفراغ، وخرجت من أعماق الماء، فإذا الأضواء تغمرني، وإذا بي خارج السيارة. ونظرت فإذا جمع من الناس يقفون على الشاطئ، وكانوا يتصايحون بأصوات لم أتبينها، ولما رأوني نزل اثنان منهم وأخرجاني من الماء، فوقفت على الشاطئ ذاهلاً عما حولي، غير مصدق أني نجوت من الموت، وأني الآن بين الأحياء، كنت أتخيل السيارة وهي غارقة في الماء فأتخيلها وهي تموت، وقد ماتت فعلاً، وهي الآن راقدة في نعشها أمامي. لقد تخلصت منها وخرجت مولوداً جديداً لا يمت إلى الماضي بسبب من الأسباب، وأحسست برغبة في الركض بعيداً والهرب من هذا المكان الذي دفنت فيه الماضي الدنيء، ومضيت إلى البيت إنساناً آخر غير الذي خرج قبل ساعات، فدخلت البيت وكان أول ما وقع عليه بصري صور معلقة على الحائط لممثلات وراقصات ومغنيات، فاندفعت إلى الصور أمزقها، ثم ارتميت على سريري أبكي، ولأول مرة أبكي، وأحسست بالندم على ما فرطت في جنب الله، فأخذت الدموع تنساب في غزارة من عيني، وأخذ جسمي يهتز، وبينما أنا كذلك إذا بصوت لطالما سمعته وتجاهلته، إنه صوت الأذان يجلجل في الفضاء، وكأني أسمعه لأول مرة، فلعلكم تقرءون كلماتي هذه وأنا تحت التراب، قد فارقت الروح الجسد، وصعدت إلى باريها، فاسألوا الله لي الرحمة. اللهم يا من وسعت رحمته كل شيء! ارحم عبدك الضعيف المسكين. يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن فبمن يلوذ ويستجير المجرم مالي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلم لو رأيت تائباً لرأيت جسماً مطروحاً تراه في الأسحار على باب الاعتذار مطروحاً، سمع قول الإله يوحي فيما يُوحَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨]. التائب مطعمه يسير، وحزنه كثير، ومزعجه مثير، وكأنه أسير، قد رمي مجروحاً، ولسان حاله يردد: توبوا إلى الله توبة نصوحاً، التائب أنحل بدنه الصيام، وأتعب قدمه القيام، وحلف بالعزم على هجر المنام، فبدل بدناً وروحاً وهو يردد: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]. الذل قد علاه، والحزن قد وهاه، يذم نفسه على هواه، وبهذا صار ممدوحاً، يردد ويعيد: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]. التائب يبكي جنايات الشباب التي بها قد اسود الكتاب، فإن من يأتي إلى الباب يجد الباب مفتوحاً، يردد ويقول قول الله: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]. اللهم إننا نسألك التوبة ودوامها، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها.

стр. 308

هدايتي على يديه الخبر الثالث: هدايتي على يديه. يقول الشاب: لم أكن قد بلغت الثلاثين حين أنجبت زوجتي أول أبنائي، ما زلت أذكر تلك الليلة، كنت سهران مع الأصحاب في إحدى الشاليهات، وكانت سهرة حمراء بمعنى الكلمة كما يقولون! أذكر ليلتها أني أضحكتهم كثيراً، فقد كنت أمتلك موهبة عجيبة في التقليد، وبإمكاني تغيير نبرة صوتي حتى تصبح قريبة من الشخص الذي أسخر منه، فكنت أسخر من هذا وذاك، ولم يسلم أحد مني حتى أصحابي، وصار بعض أصحابي يتجنبني؛ كي يسلم من لساني وتعليقاتي اللاذعة، وفي تلك الليلة سخرت من رجل أعمى رأيته يتسول في السوق، والأدهى أني وضعت قدمي أمامه ليتعثر، فتعثر وانطلقت ضحكتي حتى دوت في السوق، وعدت إلى بيتي متأخراً, ووجدت زوجتي في انتظاري، وكانت في حالة يرثى لها، فقالت: أين كنت يا راشد؟ قلت ساخراً: في المريخ، عند أصحابي بالطبع، فقالت والعبرة تخنقها: راشد إني مريضة جداً، والظاهر أن موعد ولادتي صار وشيكاً، وسقطت دمعة صامتة على جبينها، فأحسست أني أهملت زوجتي، وكان المفروض أن أهتم بها، وأقلل من سهراتي، خاصة أنها في شهرها التاسع. ثم قاست زوجتي الآلام يوماً وليلة في المستشفى، حتى رأى طفلي النور، ولم أكن في المستشفى ساعتها، بل تركت رقم هاتف المنزل وخرجت، فاتصلوا بي حتى يعلموني بالخبر، ويزفوا لي نبأ قدوم سالم. وحين وصلت المستشفى طلب مني أن أراجع الطبيبة، فقلت: أي طبيبة؟ المهم الآن أن أرى ابني سالماً، فقالوا لي: لابد من مراجعة الطبيبة، وأجابتني موظفة الاستقبال بحزن، فصدمت حين عرفت أن ابني به تشوه شديد في عينيه، ومعاق في بصره، وتذكرت المتسول، فقلت: سبحان الله، كما تدين تدان، ولم تحزن زوجتي فقد كانت مؤمنة راضية بقضاء الله، وطالما نصحتني وطلبت مني أن أكف عن تقليد الآخرين! كلا. هي لا تسميه تقليداً، بل غيبة، ومعها كل الحق، ولم أكن أهتم بـ سالم كثيراً، واعتبرته غير موجود في المنزل، فحين يشتد بكاؤه أهرب إلى الصالة؛ لأنام فيها، ولكن زوجتي كانت تهتم به كثيراً وتحبه، أما أنا فإني لا أكرهه، لكني لم أستطع أن أحبه. وأقامت زوجتي احتفالاً حين خطى خطواته الأولى، وحين أكمل الثانية اكتشفنا أنه أعرج، وكلما زدت ابتعاداً عنه زادت زوجتي حباً وتعلقاً بـ سالم، حتى بعد أن أنجبت عمر وخالداً. ومرت السنوات وكنت غافلاً لاهياً، غرتني الدنيا وما فيها، وكنت كاللعبة في يد رفقة السوء، مع أني كنت أظن أني من يلعب عليهم. ولم تيئس زوجتي من إصلاحي، فقد كانت دائماً تدعو لي بالهداية، ولم تغضب من تصرفاتي الطائشة، أو إهمالي لـ سالم، واهتمامي بباقي إخوته، وكبر سالم، ولم أمانع حين طلبت زوجتي تسجيله في أحد المدارس الخاصة بالمعاقين. ولم أكن أحس بمرور السنوات، فأيامي سواء، ليل ونهار، عمل ونوم، طعام وسهر، حتى ذلك اليوم -وكان يوم جمعة- فاستيقظت الساعة الحادية عشرة ظهراً، وما يزال الوقت عندي مبكراً، فقلت: لا يهم، وأخذت دشاً سريعاً، ولبست وتعطرت وهممت بالخروج، واستوقفني منظر سالم فقد كان يبكي بحرقة، إنها المرة الأولى التي أرى فيها سالماً يبكي منذ كان طفلاً، فقلت لنفسي: أأخرج أم أرى ممَ يشكو سالم؟ ثم قلت: لا، كيف أتركه وهو في هذه الحالة، ولم أدر أهو الفضول أم الشفقة؟ لا يهم، سألته: لماذا تبكي يا سالم؟! حين سمع صوتي توقف وبدأ يتحسس ما حوله، فقلت: ما به يا ترى؟! ثم اكتشفت أن ابني يهرب مني، وفي تلك اللحظة أحسست أين كنت منذ عشر سنوات، فتبعته وكان قد دخل غرفته ورفض أن يخبرني في البداية عن سبب بكائه، وتحت إصراري عرفت السبب: لقد تأخر عليه شقيقه عمر الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد في يوم الجمعة، وخاف سالم ألا يجد مكاناً في الصف الأول، فنادى والدته لكن لا مجيب، حينها رفعت يدي على فمه، كأني أطلب منه أن يكف عن حديثه، وأكملت حديثه قائلاً: حينها بكيت يا سالم! ولا أعلم ما الذي دفعني لأقول له: سالم! لا تحزن، هل تعلم من سيرافقك اليوم إلى المسجد؟ فأجاب سالم: لا شك أنه عمر، ليتني أعلم إلى أين ذهب. فقلت: لا يا سالم! أنا من سيرافقك إلى المسجد. فاستغرب سالم ولم يصدق، وظن أني أسخر منه، وعاد إلى بكائه، فمسحت دموعه بيدي وأمسكت بيده وأردت أن أوصله بالسيارة، فرفض قائلاً: أبي! المسجد قريب وأريد أن أخطو إلى المسجد، فإني أحتسب كل خطوة أخطوها. يقول: لا أذكر متى دخلت المسجد آخر مرة، ولا أذكر آخر مرة سجدت فيها لله، ولكنها المرة الأولى التي أشعر فيها بالخوف والندم على ما فرطت طوال السنوات الماضية. يقول: ومع أن المسجد كان مليئاً بالمصلين، إلا أني وجدت لـ سالم مكاناً في الصف الأول، استمعنا لخطبة الجمعة معاً، وصليت بجانبه، وبعد انتهاء الصلاة طلب مني سالم مصحفاً، فاستغربت كيف سيقرأ وهو أعمى، ولكن ذلك لم يتردد في نفسي، ولم أصرح به خوفاً من جرح مشاعره، وطلب مني أن أفتح له المصحف على سورة الكهف، فنفذت ما طلب، ووضع المصحف أمامه، وبدأ في قراءة السورة. يا ألله! إنه يحفظ سورة الكهف كاملة، وعن ظهر قلب. خجلت من نفسي، فأمسكت مصحفاً آخر، وأحسست برعشة في أوصالي، فقرأت وقرأت ودعوت الله أن يغفر لي ويهديني. وفي هذه المرة أنا الذي بكيت حزناً وندماً على ما فرطت، ولم أشعر إلا بيد حنونة تمسح عني دموعي، لقد كان سالم يمسح دموعي، ويهدئ من خاطري، وعدنا إلى المنزل، وكانت زوجتي قلقة كثيراً على سالم، لكن قلقها تحول إلى دموع فرح حين علمت أني صليت الجمعة مع سالم. ومنذ ذلك اليوم لم تفتني صلاة الجماعة في المسجد، وهجرت رفقاء السوء، وأصبحت إلى رفقة خيرة عرفتها في المسجد، وذقت طعم الإيمان، وعرفت منهم أشياء ألهتني عن الدنيا، ولم أفوت حلقة ذكر أو صلاة قيام، وختمت القرآن عدة مرات في شهر، وأنا نفس الشخص الذي هجره سنوات، وقصرت لساني على الذكر؛ لعل الله يغفر لي غيبتي وسخريتي من الناس، وأحسست أني أكثر قرباً من أسرتي، واختفت نظرات الخوف والشفقة التي كانت تطل من عيون زوجتي، والابتسامة ما عادت تفارق وجه ابني سالم، ومن يراه يظنه ملك الدنيا وما فيها، وصليت كثيراً وحمدت الله كثيراً على نعمه. وذات يوم قررت أنا وأصحابي أن نتجه إلى إحدى المناطق البعيدة في برامج دعوية مع مؤسسة خيرية، وترددت في الذهاب، واستخرت الله، واستشرت زوجتي، وتوقعت أن ترفض، لكنه حدث العكس، فقد فرحت كثيراً، بل شجعتني حين أخبرت سالماً بعزمي على الذهاب فأحاط جسمي بذراعيه الصغيرين فرحاً، ووالله لو كان طويل القامة مثلي لما توانى عن تقبيل رأسي. بعدها توكلت على الله وقدمت طلب إجازة مفتوحة بدون مرتب، والحمد لله جاءت الموافقة بسرعة، وتغيبت عن البيت ثلاثة أشهر، وكنت خلال تلك الفترة أتصل كلما سنحت لي الفرصة بزوجتي، وأحدث أبنائي، وكنت قد اشتقت لهم كثيراً، ولكني اشتقت أكثر لـ سالم، وتمنيت سماع صوته، فهو الوحيد الذي لم يحدثني منذ سافرت؛ لأنه إما أن يكون في المدرسة أو المسجد ساعة اتصالي بهم، وكلما حدثت زوجتي أطلب منها أن تبلغه سلامي وتقبله، وكانت تضحك حين تسمعني أقول هذا الكلام، إلا آخر مرة هاتفتها فيها فلم أسمع ضحكتها المتوقعة، فقد تغير صوتها، وقالت لي: إن شاء الله. وأخيراً عدت إلى المنزل وطرقت الباب، فتمنيت أن يفتح لي الباب سالم، ولكني فوجئت بابني خالد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره، فحملته بين ذراعي وهو يصيح: بابا بابا، وانقبض صدري حين دخلت البيت، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم، فسعدت زوجتي بقدومي، ولكن هناك شيء قد تغير فيها، فتأملتها جيداً ورأيت نظرات الحزن التي ما كانت تفارقها، قد عادت مرة ثانية إلى عينيها، فسألتها: ما بك؟ قالت: لا شيء، وفجأة تذكرت من نسيته للحظات، وقلت لها: أين سالم؟ فخفضت رأسها ولم تجب، ولم أسمع حينها سوى صوت ابني خالد الذي ما زال يرن في أذني حتى هذه اللحظة، قال: أبي! إن سالماً راح عند الله في الجنة، فلم تتمالك زوجتي الموقف، وأجهشت بالبكاء وخرجت من الغرفة، فعرفت بعدها أن سالماً أصابته حمى قبل موعد مجيئي بأسبوعين، فأخذته زوجتي إلى المستشفى، ولازمته يومين، وبعد ذلك فارقته الحمى حين فارقت روحه الجسد، فأحسست أن ما حدث ابتلاء واختبار من الله ، أجل إنه اختبار وأي اختبار؟ وصبرت على مصابي، وحمدت الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وما زلت أحس بيده تمسح دموعي، وذراعه تحيط بي. كم حزنت على سالم الأعمى الأعرج، الذي لم يكن أعمى، بل أنا من كنت أعمى حين انقدت وراء رفقة السوء، ولم يكن سالم أعرج؛ لأنه استطاع أن يسلك طريق الإيمان رغم كل شيء، ولا زلت أتذكر كلماته وهو يقول: إن الله ذو رحمة واسعة. إن سالماً الذي امتنعت يوماً عن حبه اكتشفت أني أحبه أكثر من إخوانه، بكيت كثيراً وما زلت حزيناً، وكيف لا أحزن وقد كانت هدايتي على يديه؟ اللهم تقبل سالماً في رحمتك، اللهم إنا نسألك الثبات حتى الممات.

стр. 309

أبشر أيها التائب أبشر أيها التائب أبشر أيها العائد إلى قوافل العائدين، فإن الله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، يقول جل في علاه فاتحاً أبواب الرحمة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. ويقول جل في علاه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]. ويقول عز من قائل: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]. ويقول أرحم الراحمين: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]. ويقول: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة ولا أبالي). أبشر أيها التائب! أبشر أيها العائد! أبشر أيها المنضم إلى قوافل العائدين، فإن النبي ﷺ يقول: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). أبشر أيها التائب! فإن الله يفرح بتوبة التائبين، وإن أنين المذنبين أحب إليه من سجع المسبحين. يروى أن رجلاً سأل ابن مسعود عن ذنب ألم به: هل له من توبة؟ فأعرض عنه ابن مسعود، ثم التفت إليه فرأى عينيه تذرفان، فقال له: إن للجنة ثمانية أبواب، كلها تفتح وتغلق إلا باب التوبة فإن عليه ملكاً موكلاً به لا يغلق، فاعمل ولا تنقط من رحمة الله. قال عبد الرحمن بن أبي قاسم: تذاكرنا مع عبد الرحيم توبة الكافر، وقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] فقال: إني لأرجو أن يكون المسلم عند الله أحسن حالاً من الكافر، ولقد بلغني أن توبة المسلم كإسلام بعد إسلام. يروى أنه كان في بني إسرائيل شاب عبد الله تعالى عشرين سنة، ثم عصى الله عشرين سنة، ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك فقال: اللهم أطعتك عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فناداه منادي أرحم الراحمين: أحببتنا فأحببناك، تركتنا فتركناك، عصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥].

стр. 310

طول الأمل حائل بين العبد وبين التوبة اعلم أن الذي حال بين الناس وبين التوبة والصدق فيها هو طول الأمل، ومن أطال الأمل أساء العمل، قال الله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]. وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٦]. وقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦]. اعلم أن مما يعينك على التوبة والإسراع فيها والمبادرة إليها هو ذكر الموت وساعاته. إن الموت قريب، والعمر مهما طال فهو قصير، والدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، فاختر لنفسك النهاية التي تتمناها. فلا إله إلا الله كيف سيكون حالي وحالك عندما يقال: فلان بن فلان لقد دنا منه الأجل، وحانت منه ساعة الرحيل، فصائح بأعلى صوت: رباه ارجعون، رباه ارجعون رباه ارجعون، وصائح بأعلى صوت: واطرباه واطرباه غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه! فاختر الحال التي تريدها يا رعاك الله. لما حضرت حسان بن أبي سنان الوفاة قيل له: كيف تجدك؟ قال: بخير إن نجوت من النار، قيل له: فما تشتهي؟ قال: ليلة طويلة أصليها كلها. ودخل المزني على الشافعي ﵀ في مرضه الذي مات فيه فقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟! فقال: أصبحت عن الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، ولكأس المنية شارباً، وعلى ربي وارداً، ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنئها، أو إلى النار فأعزيها؟ ثم أنشد: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ج علت الرجاء مني لعفوك سلماً تعاظمني ذنبي فلما قرنته ب عفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ودوداً وتعفو منة وتكرماً فاعلم يا رعاك الله! أن الآمال تطوى، والأموال تفنى، والأبدان تحت التراب تموت، وأن الأيام والليالي تبليان كل جديد، وتقربان كل بعيد، وتأتيان بكل موعود ووعيد، فانتبه يا رعاك الله من رقدة الهجوع، وارجع إلى الله بالتضرع والخشوع، وقل: آن الأوان للانضمام إلى قوافل العائدين. قالوا: من رزق أربعاً لم يحرم أربعاً: من رزق الدعاء لم يحرم الإجابة، والله يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، ومن رزق الاستغفار لم يحرم المغفرة، والله يقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠]، ومن رزق الشكر لم يحرم المزيد، والله يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، ومن رزق التوبة لم يحرم القبول، والله يقول: ((وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)) [الشورى:٢٥].

стр. 311

الحياة بدون العبادة ضنك وختاماً: اعلم أن الحياة بدون الله سراب، وأن القلب لا يصلح إلا بالله جل وعلا، فإذا أقبل على الله تعالى اجتمع وانضم بعضه إلى بعض، ووجد نفسه وسلمت فطرته. يا أيها الإنسان! ما غرك بربك الكريم؟ إلى كم تعصي وتتمرد؟ وأقبح من قبيحك أنك تتعفف. يا ناصع الثوب والقلب أسود؛ ما هذا الأمل ولست بمخلد، أما تخاف من أوعد وتهدد؟ يا من شاب وما تاب، أين البكاء، أين الحذر من أليم العقاب؟ قل: ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني تمر ساعات أيامي بلا ندم ولا بكاء ولا خوف ولا حزن أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني يا زلة كتبت في غفلة ذهبت يا حسرة بقيت في القلب تحرقني دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتذكير والحزن دع عنك عذلي يا من كنت تعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرة منها تخلصني اكتب قصة الرجوع بقلم الندم والدموع، واسر بها على قدم الخضوع إلى باب الخشوع، وأتبعها بالعطش والجوع، وسل الرحمة فرب سؤال مسموع. قم وناد في الأسحار والناس نيام: يا رجاء الخائفين! يا أمل المذنبين! إن طردتني فإلى من أذهب؟ يا رحيماً بمن عصاك، يا حليماً على من تناساك، يا من شيمته الصبر: عصيتك جاهلاً يا ذا المعالي ففرج ما ترى من سوء حالي إلى من يهرب المخلوق إلا إلى مولاه يا مولى الموالي. فلله در أقوام تركوا فأصابوا، وسمعوا منادي الله يدعو فأجابوا، وحضروا مشاهد التقى فما غابوا، واعتذروا عن تحقيق ثم تابوا، ثم قصدوا باب مولاهم فما ردوا ولا خابوا. اللهم سر بنا في درب النجابة، ووفقنا للتوبة والإنابة، وافتح لأدعيتنا الإجابة، يا من إذا سأله المضطر أجابه. اللهم تب علينا توبة نصوحاً، لا ننقض عهدها أبداً، واحفظنا في ذلك لنكون بها من جملة السعداء. اللهم اقبل توبة التائبين، واغفر ذنب المذنبين، واقبل الشباب والشيب في قوافل العائدين. اللهم ألهمنا القيام بحقك، وبارك لنا في الحلال من رزقك، ولا تفضحنا بين خلقك، يا خير من دعاه داع، وأفضل من رجاه راج، يا قاضي الحاجات! يا رافع الدرجات! يا مجيب الدعوات! يا رب الأرض والعرش والسماوات! سألناك فحقق رجاءنا فيما تمنيناه. يا من يملك حوائج السائلين نسألك عفوك وحلاوة مغفرتك يا أرحم الراحمين! اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه الأخيار، عدد ما غرد طير وطار، وعدد ما استغفر المستغفرون في الأسحار. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 312

بشرى في الحصار لقد خلق الله الخلق وقدر سنناً كونية لا تتغير ولا تتبدل لحكمة منه ، ومن هذه السنن سنة الابتلاء لعباده وأوليائه ليزدادوا إيماناً، ويرتفعوا درجات، ولتمييز من يريد الله ورسوله ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه. والصراع بين الحق والباطل صراع دائم ومستمر قدره الله كوناً بين أهل الإيمان وأهل الكفر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 313

الابتلاء سنة ماضية إلى يوم القيامة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة! أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وانقسم الناس إلى قسمين: مؤمن وكافر، فريق حق وفريق باطل. ومن سنن الله التي لا تتغير ولا تتبدل سنة الابتلاء وسنة الصراع، ابتلاء للمؤمنين في كل مكان؛ حتى يرفع الله من درجاتهم، وليبتلي ما في صدروهم، وليمحص ما في قلوبهم، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]. ولقد مضت سنة الابتلاء على الأولين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣] فلا بد من الابتلاء، ولن تتمكن أمة الإسلام حتى تبتلى، كما جاء في الحديث عند مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن الله أمرني أن أعلمكم مما علمني إياه، إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين- ثم قال في سياق الحديث- ثم بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) فسنة الابتلاء ماضية حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 314

سنة الصراع بين الحق والباطل منذ أن انقسم الناس إلى قسمين: فريق حق وفريق باطل، بدأ الصراع بين الحق والباطل، وبدأت المواجهات بين حزب الله وحزب الشيطان، بين حزب الحق وحزب الباطل، وهاهي الفلوجة اليوم تسطر صوراً من صور المواجهة بين الحق والباطل، كما سطر التاريخ من مثل تلك الصور الشيء الكثير، وهاهو الكفر يتزعمه الصليب ومن خلفه من أبناء القردة والخنازير، ومن أبناء الكفر بكل أنواعها ومللها ونحلها قد جمعت أحزابها، وحاصرت الفلوجة من كل الجهات براً وبحراً وجواً، يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. فما المطلوب منا في مثل هذه الظروف، وفي مثل هذه الأحوال؟ أقول: اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون الخبر وحتى ننتصر في مثل هذه الظروف لا بد من إظهار عدة المؤمنين المستمدة من قوله جل وعلا: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤١]، فمنذ قرون مضت، وحين ظهر نور الإسلام بدأت المؤامرات، وبدأت الدسائس تحاك على الإسلام يوماً بعد يوم، ولم يتعرض دين لمثل تلك الدسائس التي تعرض لها الإسلام، فسنوات بل قرون طوال وهم يمكرون بالإسلام وأهله، ولو لم يكن الإسلام دين حق لما استطاع أن يقاوم تلك الدسائس ومكر الليل والنهار. إن أمتنا قوية بدليل أنهم يهاجمونها من كل الجهات، ولو لم تكن قوية لما ألبوا أحزابهم وجمعوا جموعهم، فهم تغيظهم صحوة الشباب في كل مكان، والتي قد بدأت ظاهرة جلية تعلن عن عودة الشباب إلى دينهم وتمسكهم بسنة نبيهم ﷺ . منذ قرون مضت عندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وبدأت شوكة الإسلام تقوى، وبدأ الإسلام يضرب أطنابه يمنة ويسرة، وبدأ الأتباع يزيدون كما الصحوة اليوم في ازدياد، وأبشركم بأن المصلين في صلاة الفجر في ازدياد، وقد اكتمل صفنا الثاني بعد أن كنا لا نصلي إلا صفاً واحداً، والصف الثالث أيضاً في ازدياد يوماً بعد يوم، وعدد الذين يصلون معنا الفجر من الأطفال خمسون، ومن خلفهم آباء وأمهات، فأمتنا بخير، وأمتنا معطاءة تحييها مثل هذه الظروف، وتمحص قيسها من تميمها في مثل هذه الظروف، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٧٩].

стр. 315

جموع الأحزاب تتألب لإبادة خضراء المدينة بدأ الإسلام يخرج من المدينة بقوة، وبدأت المؤامرات على الإسلام من المنافقين والمشركين وأحفاد القردة والخنازير الذين يتزعمون موائد المفاوضات والاستسلام، فخرج اليهود من خيبر إلى مكة يحرضون مكة على حصار المدينة، ووعدوهم على أن يكون الأمر بينهم سواء، وعلى أن تقسم بينهم غنائم المسلمين، وأن تسبى نساؤهم، وأن تصادر أموالهم، فجاءت مكة بوثنيتها التي تحمل الحقد على الإسلام والمسلمين، وخرجت اليهود التي تحمل الحسد والمكر على الإسلام والمسلمين، وبدأ منافق الداخل يؤلب هذا ويضعف ذاك، والتأم والتف حول المدينة عشرة آلاف لم تلتف من قبلها على مدينة من المدن، وصور الله ذلك الموقف تصويراً عجيباً، فقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠] ظنُّ المنافقين وليس بظنِّ المؤمنين، وإنما ظن المؤمنين حين رأوا ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] إنها سنة الصراع التي لا تتغير ولا تتبدل، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥١] والتفت قريش واليهود والوثنية بكل أنواعها حول المدينة، وطوقوها من كل الجهات، فأشار سلمان الفارسي ﵀ ورضي الله عنه وأرضاه بحفر الخندق أمام تلك الجموع التي لم تر العرب مثلها قط، وبدأ الخوف يدب من كل مكان، ولك أن تتصور الحال: خوف وجوع وأحوال لا يعلمها إلا الله! فكيف كان حال فريق المؤمنين؟! وكيف كانت المؤامرات تحاك من الداخل ومن الخارج؟! وما أشبه الأمس باليوم، فماذا صنع الرجال في تلك المواقف؟ التفوا حول نبيهم يداً واحدة، قياماً بالليل، وصياماً بالنهار، وانضباطاً على الأوامر، وتركاً للمعاصي والمخالفات؛ لأن النصر لا يستمد إلا من السماء، وأظهروا من العزة ما سطره التاريخ وعجزت الصفحات عن تسطيره. ربعي يدخل في إيوان كسرى وهو مليء بالأثاث الوثير، ووزراؤه من حوله، وقادة جيشه يلتفون من حوله، فيسألونه وقد دخل ببغلته ورمحه المثلوم، وثيابه المقطعة، لكن تكلم بعزة المؤمن، يقول له كسرى: لماذا أتيتم؟ وماذا تريدون؟ أليس الفقر والجوع هو الذي أخرجكم؟ قال: لا الجوع ولا الفقر أخرجنا، وإنما الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فقال كسراهم: ما المطلوب منا، وماذا تريدون؟ قال: أسلم تسلم، لك ما لنا وعليك ما علينا. قال: فالثانية؟ قال: الثانية تدفعون لنا الجزية عن يد وأنتم صاغرون. قال: وإن لم ندفع؟ قال: السيف بيننا وبينكم. فهل تدري أين يتكلم؟ ومن أين ينطق بمثل هذا الكلام؟ إنه يتكلم من إيوان كسرى الذي سيكون غنيمة لهم كما وعدهم النبي ﷺ .

стр. 316

مبشرات في ساعة اليأس جاء في السير أن المسلمين عندما بدءوا بحفر الخندق استعصت عليهم صخرة، فأخبروا النبي ﷺ بذلك، فجاء -بأبي هو وأمي- وأخذ الفأس أو المعول من بين أيديهم، وضرب الصخرة مرة واحدة، فخرج منها مثل الشرر والنور، فقال: (الله أكبر! رأيت أقوام اليمن، فتحت لي قصور اليمن) ثم ضرب الضربة الثانية، فقال: (الله أكبر! أُريت قصور الشام البيضاء، ثم ضرب الثالثة، فقال: الله أكبر فتحت لي قصور العراق وما فيها) يتكلم بهذا وهو محاصر في المدينة، والعدو جاءهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، ولكنها الثقة بوعد الله، والثقة بنصر الله جل في علاه، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] فتعلمت الأمة معنى العزة في كل الظروف وفي كل الأحوال، أمماً وآحاداً. وهاهو خباب يؤتى به إلى مكة وهو الذي صنع بهم العجب يوم بدر، بل في كثير من المواجهات، فخرج قريش وقد جمعوا نساءهم وأطفالهم، وألبوا عليه من كل مكان، ونصبوه على جذع شجرة، فقالوا له: أتتمنى أن محمداً مكانك وأنت بين أهلك؟ واسمع هذا الحب الصادق لله ولرسوله مهما كانت الظروف ومهما كانت الأحوال- قال: والله ما وددت أن محمداً يشاك بشوكة وأنا آمن مطمئن بين أهلي. قيل له: قل في الإسلام، أو قل في محمد وأصحابه؛ لكنه والله ما نطق بكلمة كفر، وإنما طلب منهم الصلاة، فصلى وأسرع في صلاته، وقال لهم: حتى لا تظنوا أني أخاف من الموت فكان سلاحه الثقة واليقين والصبر والدعاء، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنك ترى ما يصنع بنا، اللهم فبلغ رسولك أنا بلغنا الرسالة، وأدينا الأمانة، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ثم قال: لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الأعداء لي عند مصرعي وقد خيروني الكفر والموت دونه وقد هطلت عيناي في غير مجزع وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذاري جحم نار ملفع ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي ففي كل الظروف والأحوال عزة وثبات؛ لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقد تعلم هؤلاء الرجال من نبيهم الذي قرأ عليهم القرآن وعلمهم كيف تكون العزة، وكيف يكون الثبات. ولما اجتمع الأحزاب حول المدينة، وكان المسلمون قد عاهدوا اليهود على حماية النواحي الخلفية من المدينة، ذهبت قريش إلى اليهود وساوموهم، فنقضوا العهود ولا عجب، فهم نقاضوا العقود ونكاثوا العهود، أما قال الله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]؟! بلى والله، حالهم لا يتغير ولا يتبدل، فلما علم النبي ﷺ بخيانة اليهود من الداخل، قال لأصحابه: (أبشروا فلقد اقترب النصر) انقطعت الحبال الأرضية، ولم يبق إلا حبل السماء، انقطعت الأسباب ولم يبق إلا الارتباط برب الأرض والسماء مسبب الأسباب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أبشروا فلقد اقترب النصر، وأنا أقول: عباد الله! أبشروا، فلقد اقترب النصر. يا أمة الإسلام بشرى لن يطول بك الهوان قد لاح فجرك باسماً فلتذكري ذاك الزمان أبطالنا بجهادهم ومضائهم قصموا الجبان وبنوا لمجدك سلماً بدمائهم بلغ العنان فلتهنئي يا أمتي ولى زمان الغافلين كم من سنين قد مضت والليث يهتف لن أعود لن أنثني لن أشتكي لن أرتضي ذل القعود ولسوف أمضي شامخاً رغم المشقة والقيود

стр. 317

مصالحة النبي لغطفان في غزوة الأحزاب لما رأى النبي ﷺ ذلك الحصار والمؤامرات أراد أن يخفف على أهل المدينة، فإنهم جياع لا يجدون ما يأكلون، وحفاة لا يجدون ما ينتعلونه، ومحاصرون من كل الجهات -وهاهي الفلوجة اليوم تشهد نفس الموقف، ونفس المؤامرات- فلما رأى النبي ﷺ تلك الأحوال دعا قادة غطفان، وقال لهم: (تعالوا إلى أمر بيننا وبينكم سواء)، وكان الرسول ﷺ يعلم أن غطفان خرجت للغنيمة لا للثأر من المسلمين، قال لهم وقد خرجوا في أربعة آلاف من العشرة آلاف: نعطيكم نصف ثمار المدينة على أن تفكوا الحصار عن المدينة وترجعوا، فوافقوا، فكتبت الوثيقة ولم يشهد عليها؛ لأن النبي ﷺ قال: (أستشير أهل المدينة أولاً) فأتى بالسعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهم وعرض عليهم الأمر وقال لهم: إني قد عرضت على غطفان كذا وكذا على أن يفكوا الحصار عن المدينة ويرجعوا، فماذا تقولون؟ فقال سعد بن معاذ -الذي اهتز لموته عرش الرحمن-: يا رسول الله! أمر تحبه أم أمر أمرك الله به، أم أمر تصنعه من أجلنا؟ فإن كان الأمر من الله فليس لنا إلا السمع والطاعة، وإن كان الأمر منك: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وإن كان أمر تصنعه من أجلنا فلنا في الأمر مقال، قال: بل أصنعه من أجلكم، قالوا: يا رسول الله! كنا وهؤلاء القوم على كفر وشرك لا يعلمه إلا الله -حين كنا وإياهم على الكفر والشرك- كانوا لا يأكلون طعامنا إلا قرىً، ولا يأخذون أموالنا إلا بحقها، واليوم بعد أن أعزنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا؟! واليوم بعد أن أظهرنا الله بالقرآن وزيننا بالإيمان نعطيهم أموالنا؟! والله ليس بيننا وبينهم إلا السيف، في مثل هذه الظروف تخرج عزة المؤمنين، ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] سحابة صيف وستنقشع: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. فالمطلوب: صدق التوكل، والتفاؤل في كل حال من الأحوال، والثقة والتبشير بنصر الله جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وقال ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض، فأريت مشرقها ومغربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها)، إنها ثقة ويقين بنصر الله ووعده: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 318

صمود الفلوجة أمام أحزاب الصليبيين الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. عباد الله! اتقوا الله، ومن تقواه أن نستشعر قضية الجسد الواحد، نستشعر أن المؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وما يصيب الفلوجة اليوم إنما هو بسبب ذنوبنا؛ وبسبب تقصيرنا فالفلوجة اليوم تذيق الصليب وتلقنه الدروس في العزة والثبات، رغم المحاصرة من كل الجهات. يسأل مذيع الأخبار أحد رجالات الفلوجة الأبطال: ما هي استعداداتكم وأنتم ترون هذا الحصار يضرب عليكم من كل الجهات؟ فقال: لقد استعدينا لهم بلا إله إلا الله محمد رسول الله، لا يملكون طائرات ولا دبابات، بل حتى حاصروا المستشفيات، فالمطلوب: ثقة ويقين، وهاهي الأمة تعلن ترابطها مع العراق، وتعلن الوحدة في البأساء والضراء، وهاهي المنابر، وهاهي المساجد، وهاهي أكف الضراعة ترفع من أجل إخواننا في العراق، وهاهي البطولات تخرج والأثر يخرج من هناك، لقد أسقطوا الطائرات ودمروا الدبابات، وأسروا أحفاد القردة والخنازير والصليبيين، وقتلوا في جيش الصليب، بل لقد قتلوا قائد القوات، فإلى النار وبئس المصير، وصحيح أنه قتل منا أبرياء، وقتل منا أطفال ونساء، لكن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار. يدعون أنهم يريدون أن يحرروا الشعوب، فلماذا تقتلون الشيوخ؟!! ولماذا تقتلون الأطفال؟!! وما ذنب الأبرياء؟!! ولماذا تهدم المساجد؟!! لكن صدق الله إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. اللهم اقلب عليهم أرض الفلوجة ناراً، وسماءها شهباً وإعصاراً. اللهم سلط عليهم ما خرج من الأرض، وما نزل من السماء. اللهم ثبت أهل الفلوجة، اللهم ثبت المسلمين في كل مكان، في فلسطين والشيشان وكشمير وأفغانستان وفي السودان والفلبين. اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، اللهم اربط على قلوبهم، أفرغ عليهم صبراً، وثبت الأقدام، اللهم أنزل عليهم رحمة من عندك، سدد رأيهم ورميهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم إنهم قلة فكثرهم، جياع فأطعمهم، حفاة فاحملهم، خائفون فأمنهم، مظلومون فانتصر لهم، اللهم انصر من نصرهم، اللهم اخذل من خذلهم. اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، اللهم اهزم الصليبيين وزلزلهم، واهزم اليهود الغاصبين وزلزلهم، اهزم المنافقين والوثنيين وأعداء الملة والدين، اللهم لا تدع لهم قوة في الأرض إلا دمرتها، ولا قوة في السماء إلا أسقطتها، ولا قوة في البحر إلا أغرقتها، اللهم اجعل جنودهم غنيمة للمسلمين، اللهم مكن المجاهدين من رقابهم، اللهم مكن المجاهدين من رقابهم، اللهم مكن المجاهدين من رقابهم. اللهم لا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية، ولا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، وأخرجهم منها أذلة صاغرين، اللهم ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، فإنهم لا يخفون عليك ولا يعجزونك. يا قوي يا عزيز! بك نصول وبك نجول، عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وطهر بيوتنا من الفواحش والشهوات، ورد الشباب والشيب إليك رداً جميلاً يا رب العالمين. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 319

بل الرفيق الأعلى إن ما يحدث اليوم من مصائب عظام في عالمنا الإسلامي، وما يحل بنا من كوارث رغم أنها تترك الآثار البالغة في النفوس والقلوب، لكنها والله! تتضاءل ضخامتها أمام مصيبة موت النبي ﷺ ؛ لأنها ليست كأي مصيبة، فهي تصيب كل مسلم وتؤثر فيه، وتبث الأحزان في قلبه على فقد نبي الأمة.

стр. 320

طرف من آلام أمتنا إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! منذ سنوات طوال وأمة الإسلام تعاني ما تعاني من الأهوال. قتل وتشريدٌ وهتك محارم فينا وكأس النائبات دهاقُ الأقصى منذ عقود وهو يئن ويشتكي، والآهات تأتي من الشيشان، وكشمير بكت، وقبلها مندناو وأفغانستان، ومن البوسنة وكوسوفا كانت تأتينا الأخبار، أخبار الاغتصابات والانتهاكات والمعتقلات، واليوم عراقنا جريح محاصر، والعراقيات يرسلن الرسائل والاستغاثات، أرسلت إحداهن رسالة من المعتقل تقول فيها: أدركونا فبطوننا وأرحامنا تحمل أبناء الصليبيين. وتتتابع المصائب والابتلاءات! بالأمس القريب قتلوا أحمد ياسين غدراً، ثم ما كادت دموعنا تجف حتى أتبعوه بـ عبد العزيز الرنتيسي، ثم فجعنا بـ أبي الوليد المجاهد الصنديد والمقاتل العنيد. يا رب! يا رب! يا فارج الأزمات والكرب! وكاشف الغم والويلات والنوب! إليك وحدك نشكو ما ألم بنا فقد غدونا نعاني شر منقلب في كل صقع من الأصقاع نازلة بالمسلمين وحال العرض في تعب يا رب! هذي شعوب الأرض قد وثبت وأمتي بعد لم ترق أو تثب يا عالم الغيب يا سؤلي ومؤتملي متى تعود إلينا وحدة العرب تعود في قوة والدين يعصمها من المهاوي التي تودي إلى العطب
следующие страницы →