← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مبشرات في ساعة اليأس جاء في السير أن المسلمين عندما بدءوا بحفر الخندق استعصت عليهم صخرة، فأخبروا النبي ﷺ بذلك، فجاء -بأبي هو وأمي- وأخذ الفأس أو المعول من بين أيديهم، وضرب الصخرة مرة واحدة، فخرج منها مثل الشرر والنور، فقال: (الله أكبر! رأيت أقوام اليمن، فتحت لي قصور اليمن) ثم ضرب الضربة الثانية، فقال: (الله أكبر! أُريت قصور الشام البيضاء، ثم ضرب الثالثة، فقال: الله أكبر فتحت لي قصور العراق وما فيها) يتكلم بهذا وهو محاصر في المدينة، والعدو جاءهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، ولكنها الثقة بوعد الله، والثقة بنصر الله جل في علاه، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] فتعلمت الأمة معنى العزة في كل الظروف وفي كل الأحوال، أمماً وآحاداً. وهاهو خباب يؤتى به إلى مكة وهو الذي صنع بهم العجب يوم بدر، بل في كثير من المواجهات، فخرج قريش وقد جمعوا نساءهم وأطفالهم، وألبوا عليه من كل مكان، ونصبوه على جذع شجرة، فقالوا له: أتتمنى أن محمداً مكانك وأنت بين أهلك؟ واسمع هذا الحب الصادق لله ولرسوله مهما كانت الظروف ومهما كانت الأحوال- قال: والله ما وددت أن محمداً يشاك بشوكة وأنا آمن مطمئن بين أهلي. قيل له: قل في الإسلام، أو قل في محمد وأصحابه؛ لكنه والله ما نطق بكلمة كفر، وإنما طلب منهم الصلاة، فصلى وأسرع في صلاته، وقال لهم: حتى لا تظنوا أني أخاف من الموت فكان سلاحه الثقة واليقين والصبر والدعاء، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنك ترى ما يصنع بنا، اللهم فبلغ رسولك أنا بلغنا الرسالة، وأدينا الأمانة، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ثم قال: لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الأعداء لي عند مصرعي وقد خيروني الكفر والموت دونه وقد هطلت عيناي في غير مجزع وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذاري جحم نار ملفع ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي ففي كل الظروف والأحوال عزة وثبات؛ لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقد تعلم هؤلاء الرجال من نبيهم الذي قرأ عليهم القرآن وعلمهم كيف تكون العزة، وكيف يكون الثبات. ولما اجتمع الأحزاب حول المدينة، وكان المسلمون قد عاهدوا اليهود على حماية النواحي الخلفية من المدينة، ذهبت قريش إلى اليهود وساوموهم، فنقضوا العهود ولا عجب، فهم نقاضوا العقود ونكاثوا العهود، أما قال الله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]؟! بلى والله، حالهم لا يتغير ولا يتبدل، فلما علم النبي ﷺ بخيانة اليهود من الداخل، قال لأصحابه: (أبشروا فلقد اقترب النصر) انقطعت الحبال الأرضية، ولم يبق إلا حبل السماء، انقطعت الأسباب ولم يبق إلا الارتباط برب الأرض والسماء مسبب الأسباب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أبشروا فلقد اقترب النصر، وأنا أقول: عباد الله! أبشروا، فلقد اقترب النصر. يا أمة الإسلام بشرى لن يطول بك الهوان قد لاح فجرك باسماً فلتذكري ذاك الزمان أبطالنا بجهادهم ومضائهم قصموا الجبان وبنوا لمجدك سلماً بدمائهم بلغ العنان فلتهنئي يا أمتي ولى زمان الغافلين كم من سنين قد مضت والليث يهتف لن أعود لن أنثني لن أشتكي لن أرتضي ذل القعود ولسوف أمضي شامخاً رغم المشقة والقيود

стр. 317

مصالحة النبي لغطفان في غزوة الأحزاب لما رأى النبي ﷺ ذلك الحصار والمؤامرات أراد أن يخفف على أهل المدينة، فإنهم جياع لا يجدون ما يأكلون، وحفاة لا يجدون ما ينتعلونه، ومحاصرون من كل الجهات -وهاهي الفلوجة اليوم تشهد نفس الموقف، ونفس المؤامرات- فلما رأى النبي ﷺ تلك الأحوال دعا قادة غطفان، وقال لهم: (تعالوا إلى أمر بيننا وبينكم سواء)، وكان الرسول ﷺ يعلم أن غطفان خرجت للغنيمة لا للثأر من المسلمين، قال لهم وقد خرجوا في أربعة آلاف من العشرة آلاف: نعطيكم نصف ثمار المدينة على أن تفكوا الحصار عن المدينة وترجعوا، فوافقوا، فكتبت الوثيقة ولم يشهد عليها؛ لأن النبي ﷺ قال: (أستشير أهل المدينة أولاً) فأتى بالسعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهم وعرض عليهم الأمر وقال لهم: إني قد عرضت على غطفان كذا وكذا على أن يفكوا الحصار عن المدينة ويرجعوا، فماذا تقولون؟ فقال سعد بن معاذ -الذي اهتز لموته عرش الرحمن-: يا رسول الله! أمر تحبه أم أمر أمرك الله به، أم أمر تصنعه من أجلنا؟ فإن كان الأمر من الله فليس لنا إلا السمع والطاعة، وإن كان الأمر منك: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وإن كان أمر تصنعه من أجلنا فلنا في الأمر مقال، قال: بل أصنعه من أجلكم، قالوا: يا رسول الله! كنا وهؤلاء القوم على كفر وشرك لا يعلمه إلا الله -حين كنا وإياهم على الكفر والشرك- كانوا لا يأكلون طعامنا إلا قرىً، ولا يأخذون أموالنا إلا بحقها، واليوم بعد أن أعزنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا؟! واليوم بعد أن أظهرنا الله بالقرآن وزيننا بالإيمان نعطيهم أموالنا؟! والله ليس بيننا وبينهم إلا السيف، في مثل هذه الظروف تخرج عزة المؤمنين، ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] سحابة صيف وستنقشع: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. فالمطلوب: صدق التوكل، والتفاؤل في كل حال من الأحوال، والثقة والتبشير بنصر الله جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وقال ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض، فأريت مشرقها ومغربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها)، إنها ثقة ويقين بنصر الله ووعده: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 318

صمود الفلوجة أمام أحزاب الصليبيين الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. عباد الله! اتقوا الله، ومن تقواه أن نستشعر قضية الجسد الواحد، نستشعر أن المؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وما يصيب الفلوجة اليوم إنما هو بسبب ذنوبنا؛ وبسبب تقصيرنا فالفلوجة اليوم تذيق الصليب وتلقنه الدروس في العزة والثبات، رغم المحاصرة من كل الجهات. يسأل مذيع الأخبار أحد رجالات الفلوجة الأبطال: ما هي استعداداتكم وأنتم ترون هذا الحصار يضرب عليكم من كل الجهات؟ فقال: لقد استعدينا لهم بلا إله إلا الله محمد رسول الله، لا يملكون طائرات ولا دبابات، بل حتى حاصروا المستشفيات، فالمطلوب: ثقة ويقين، وهاهي الأمة تعلن ترابطها مع العراق، وتعلن الوحدة في البأساء والضراء، وهاهي المنابر، وهاهي المساجد، وهاهي أكف الضراعة ترفع من أجل إخواننا في العراق، وهاهي البطولات تخرج والأثر يخرج من هناك، لقد أسقطوا الطائرات ودمروا الدبابات، وأسروا أحفاد القردة والخنازير والصليبيين، وقتلوا في جيش الصليب، بل لقد قتلوا قائد القوات، فإلى النار وبئس المصير، وصحيح أنه قتل منا أبرياء، وقتل منا أطفال ونساء، لكن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار. يدعون أنهم يريدون أن يحرروا الشعوب، فلماذا تقتلون الشيوخ؟!! ولماذا تقتلون الأطفال؟!! وما ذنب الأبرياء؟!! ولماذا تهدم المساجد؟!! لكن صدق الله إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. اللهم اقلب عليهم أرض الفلوجة ناراً، وسماءها شهباً وإعصاراً. اللهم سلط عليهم ما خرج من الأرض، وما نزل من السماء. اللهم ثبت أهل الفلوجة، اللهم ثبت المسلمين في كل مكان، في فلسطين والشيشان وكشمير وأفغانستان وفي السودان والفلبين. اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، اللهم اربط على قلوبهم، أفرغ عليهم صبراً، وثبت الأقدام، اللهم أنزل عليهم رحمة من عندك، سدد رأيهم ورميهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم إنهم قلة فكثرهم، جياع فأطعمهم، حفاة فاحملهم، خائفون فأمنهم، مظلومون فانتصر لهم، اللهم انصر من نصرهم، اللهم اخذل من خذلهم. اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، اللهم اهزم الصليبيين وزلزلهم، واهزم اليهود الغاصبين وزلزلهم، اهزم المنافقين والوثنيين وأعداء الملة والدين، اللهم لا تدع لهم قوة في الأرض إلا دمرتها، ولا قوة في السماء إلا أسقطتها، ولا قوة في البحر إلا أغرقتها، اللهم اجعل جنودهم غنيمة للمسلمين، اللهم مكن المجاهدين من رقابهم، اللهم مكن المجاهدين من رقابهم، اللهم مكن المجاهدين من رقابهم. اللهم لا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية، ولا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، وأخرجهم منها أذلة صاغرين، اللهم ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، فإنهم لا يخفون عليك ولا يعجزونك. يا قوي يا عزيز! بك نصول وبك نجول، عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وطهر بيوتنا من الفواحش والشهوات، ورد الشباب والشيب إليك رداً جميلاً يا رب العالمين. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 319

بل الرفيق الأعلى إن ما يحدث اليوم من مصائب عظام في عالمنا الإسلامي، وما يحل بنا من كوارث رغم أنها تترك الآثار البالغة في النفوس والقلوب، لكنها والله! تتضاءل ضخامتها أمام مصيبة موت النبي ﷺ ؛ لأنها ليست كأي مصيبة، فهي تصيب كل مسلم وتؤثر فيه، وتبث الأحزان في قلبه على فقد نبي الأمة.

стр. 320

طرف من آلام أمتنا إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! منذ سنوات طوال وأمة الإسلام تعاني ما تعاني من الأهوال. قتل وتشريدٌ وهتك محارم فينا وكأس النائبات دهاقُ الأقصى منذ عقود وهو يئن ويشتكي، والآهات تأتي من الشيشان، وكشمير بكت، وقبلها مندناو وأفغانستان، ومن البوسنة وكوسوفا كانت تأتينا الأخبار، أخبار الاغتصابات والانتهاكات والمعتقلات، واليوم عراقنا جريح محاصر، والعراقيات يرسلن الرسائل والاستغاثات، أرسلت إحداهن رسالة من المعتقل تقول فيها: أدركونا فبطوننا وأرحامنا تحمل أبناء الصليبيين. وتتتابع المصائب والابتلاءات! بالأمس القريب قتلوا أحمد ياسين غدراً، ثم ما كادت دموعنا تجف حتى أتبعوه بـ عبد العزيز الرنتيسي، ثم فجعنا بـ أبي الوليد المجاهد الصنديد والمقاتل العنيد. يا رب! يا رب! يا فارج الأزمات والكرب! وكاشف الغم والويلات والنوب! إليك وحدك نشكو ما ألم بنا فقد غدونا نعاني شر منقلب في كل صقع من الأصقاع نازلة بالمسلمين وحال العرض في تعب يا رب! هذي شعوب الأرض قد وثبت وأمتي بعد لم ترق أو تثب يا عالم الغيب يا سؤلي ومؤتملي متى تعود إلينا وحدة العرب تعود في قوة والدين يعصمها من المهاوي التي تودي إلى العطب

стр. 321

بمصيبة موت النبي تهون المصائب أحبتي! مصائب وآلام أردت اليوم أن أخففها، فأذكر نفسي وإياكم أنه ما من مصيبة إلا وهناك أعظم منها، وما من بلية إلا وهناك أطم منها، وإذا تذكرنا المصائب العظام هان علينا ما دون ذلك، فلن يضر الأمة موت فلان أو فلان، فقد فقدت الأمة قبل هؤلاء محمد بن عبد الله عليه صلوات الله، نعم كل المصائب تهون عند هذه المصيبة، قال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه، وقال: يا عبد الله! اتق الله، فإن لك في رسول الله أسوة حسنة. تذكرت لما فرق الدهر بيننا فعزيت نفسي بالنبي محمد وقلت لها إن المنايا سبيلنا فمن لم يمت في يومه مات في غد عباد الله! كانت الجمادات تتصدع من ألم مفارقة الرسول ﷺ ، فكيف بقلوب المؤمنين؟! كان في مسجده ﷺ جذع نخل يتكئ عليه عندما كان يخطب، فأقاموا له منبراً ليقوم عليه، فلما خطب على منبره الجديد حن الجذع وبكى، وصاح كما يصيح الطفل، فنزل إليه ﷺ فاعتنقه، فجعل يهدأ كما يهدأ الطفل الصغير الذي يسكن عند بكائه، فقال بأبي هو وأمي: (لو لم أعتنقه لحن وبكى إلى يوم القيامة)، وكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال: هذه خشبة تحن إلى النبي ﷺ ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه. روي أن بلالاً كان يؤذن بعد وفاته ﷺ قبل دفنه، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ارتج المسجد بالبكاء والنحيب، فلما دفن ﷺ ترك بلال الأذان، ما أمر عيش من فارق الأحباب، خصوصاً من كانت رؤيته حياة للألباب، لقد أدرك المسلمون عظم المصيبة التي أصابتهم بفقد نبيهم ﷺ ، وأيقنوا أن أبواب الشر قد انفتحت عليهم، وأن الفتن آتية لا محالة، وأن اللحظة التي طالما انتظرها أهل النفاق قد حان زمانها. أخرج الحاكم عن ابن عمر مرفوعاً: (ليغشين أمتي من بعدي فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل). صححه الألباني ﵀، ولقد أشار محمد بن إسحاق بكلمات صادقة وتصوير رائع إلى الآثار التي أعقبت وفاة النبي ﷺ ، والحالة التي أصبح عليها المسلمون بعد فراقه صلوات ربي وسلامه عليه فقال: ولما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية؛ لفقد نبيهم ﷺ ، قلت أنا: يا لله! كيف لو رأى حالنا؟! وماذا صنعت بنا اليهودية والنصرانية بتعاونهم مع المنافقين والخائنين؟! قال القرطبي مبيناً عظم هذه المصيبة وما ترتب عليها من أمور: من أعظم المصائب المصيبة في الدين كما قال ﷺ : (إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليذكر مصابه بي، فإنها أعظم المصائب). صدق بأبي هو وأمي؛ لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم من بعده إلى يوم القيامة، فبموته انقطع الوحي وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب، وكان أول انقطاع الخير ونقصانه.

стр. 322

تأكيد حقيقة بشرية الرسول ﷺ عباد الله! لقد أكد القرآن العظيم حقيقة بشرية النبي ﷺ ، وأنه كغيره من البشر سوف يذوق الموت ويعاني من سكراته كما ذاقه قبل إخوانه من الأنبياء والمرسلين، قال الله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] فلما قرأها ﷺ قال: (نعيت إلي نفسي) قال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٦ - ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. قال القرطبي: فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبداً، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل، وقد أخبرنا القرآن بموته وببشريته وكذا أخبرنا هو صلوات ربي وسلامه عليه بأنه سيموت، فعن جابر ﵁ قال: (يوم كان حجة الوداع، وقد التفت الجموع والأفئدة من حوله ﷺ قال: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه، وقال: بل لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا). قال النووي: وفيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين؛ ولهذا سميت حجة الوداع، وأخذ يودع الناس، قال معاذ: (إن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن خرج راكباً والنبي ﷺ يمشي تحت راحلته)، تأمل في تواضعه صلوات ربي وسلامه عليه، وهو يودع أحد شباب الإسلام سفيراً إلى اليمن، فقال: (يا معاذ! إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، فتمر بقبري ومسجدي) فبكى معاذ لفراقه ﷺ ، كيف لا يبكي وهو الذي أنقذه الله به من الظلمات إلى النور! نسينا في ودادكم كل غالي فأنتم اليوم أغلى ما لدينا نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا

стр. 323

علامات وإشارات على قرب وفاة الرسول ﷺ عباد الله! إن وفاة النبي ﷺ أعظم مصيبة وأعظم حدث مر على أمة الإسلام، وكل حدث مهم تسبقه علامات وإشارات تشير إلى وقوعه، فمن تلك الإشارات الدالة على موته ﵊ فتح مكة، وإقبال الناس على دين الله أفواجاً، وأنزل الله عليه في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فلما سمعها عمر ﵁ قال: ما بعد التمام إلا النقصان. ونزلت عليه في أواسط أيام التشريق: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، فهذه الآيات والأحداث مؤشرات تدل على أن مهمته ﷺ قد انتهت، وأن عليه الإكثار من الدعاء والاستغفار، والاستعداد للقاء الرفيق الأعلى، نعم لقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فأخذ بعد عودته من حجة الوداع يرغب أصحابه بكثرة ملازمته والجلوس معه قبل أن يحرموا ذلك حتى قال لهم يوماً: (والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لئن يراني أحب إليه من أهله وماله)، فبكى أصحابه رضوان الله عليهم، وبدءوا يستشعرون أن حبيبهم بدأ يودعهم، وفي أواخر الأيام خرج إلى أحد وصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، فلما رجع انصرف إلى المنبر فقال: (يا أيها الناس! إني فرطكم، وإني شهيد عليكم، وإني لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم من الدنيا أن تنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم). كل هذه العبارات دلائل ومؤشرات تدل على قرب الأجل، والنهاية التي لا بد منها لكل كائن كان، فالكل سيموت إلا ذا العزة والجبروت.

стр. 324

مرض موته ﷺ وفي جو ليلة من الليالي الأخيرة في حياته أيقظ مولاه أبا مويهبة وقال له: (إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي، فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل القبور! ليهنكم ما أصبحتم فيما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى، ثم أقبل على أبي مويهبة فقال: يا أبا مويهبة! إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فقال أبو موهيبة: بأبي أنت وأمي خذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها والجنة، فقال: لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي، لقد اخترت لقاء الله والجنة، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف بعد أن قال لهم: إنا بكم لاحقون). وبعد رجوعه من البقيع بدأ وجعه الذي قبض فيه، ودخل على عائشة ووجدها تشكو صداعاً في رأسها وتقول: (ورأساه! ورأساه! فقال: بل أنا والله! يا عائشة ورأساه!) ثم قال لها مهدئاً من روعها ومداعباً لها على ما به من شدة الألم: (وما ضرك يا عائش لو مت قبلي، فقمت إليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك، فقالت له وهي تداعبه -ولم تعلم أن هذا المرض هو الذي سينقله إلى ربه-: والله لكأني ولو قد فعلت- يعني: مت- لرجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك، قالت: فتبسم ﷺ ثم ازداد به الوجع، وبدأ يطوف على نسائه وهو يقول لهن: (أين أنا غداً؟! أين أنا غداً؟!) فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة ﵂ فأذن له، تأمل إلى مراعاته خواطر نسائه مع شدة مرضه، واستمر معه المرض ثلاثة عشر يوماً، وقيل أربعة عشر، والمرض يزداد عليه يوماً بعد يوم، زيادة في التشريف والتكريم، تقول عائشة ﵂: كنت كثيراً ما أسمعه في أيام مرضه يقول: (إن الله لم يقبض نبياً حتى يخيره، فسمعته وهو يحتضر يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة)، فعلمت أنه يخير فقلت: إذاً لا يختارنا، لقد اشتاق إلى لقاء ربه كما اشتاق ربه إلى لقائه، وفي أيام مرضه مر أبو بكر والعباس على مجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال لهم أبو بكر: ما يبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ بيننا، فدخل أبو بكر على النبي ﷺ فأخبره بذلك، فخرج إليهم معصوب الرأس يهادى بين علي والفضل تخط قدماه في الأرض، ثم صعد المنبر لآخر مرة في حياته، صعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فارتقى في سلم العبودية حتى وصل إلى سدرة المنتهى، يوم أن أسرى به ربه ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما خطرت به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم جُبت السماوات أو ما فوقهن بهم على منورة درية اللجم ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم صعد المنبر بأبي هو وأمي ليرد الحقوق، ويعلن للبشرية جمعاء: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، صعد المنبر أمام الناس فنظروا إليه ونظر إليهم، واشتد البكاء في المسجد، قام متوكئاً على خشبة المنبر -حتى المنبر يبكيه- وقال: (يا أيها الناس! من ضربته، من أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، من ضربت له جسداً هذا جسدي فليقتص منه اليوم، قبل ألا يكون درهم ولا دينار، فقام عكاشة بن محصن الأسدي أمام الناس قائلاً: يا رسول الله! أما إنك قد طلبت القصاص منك، فأنا أريد أن أقتص منك، وذلك أنك يوم كنت تسوي الصفوف يوم بدر طعنتني بعصاً في يدك في خاصرتي، وقد آلمتني، وأنت عرضت نفسك الآن للقصاص، فقام علي ﵁ فقال: أنا في القصاص فداء له)، كيف لا يكون له فداء وهو الذي قال بأبي هو وأمي: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين)؟ فدىً لك من يقصر عن فداك فما شهم إذاً إلا فداك أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواك إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى فقال ﷺ : (لا يا علي! بل يقتص مني، فأمر بالعصا التي كانت معه يوم بدر فأتي بها، ورفعها عكاشة في يده، واتجه نحو المنبر، وارتفع صوت البكاء في المسجد)، إنه موقف من أشد المواقف وأصعبها على أصحاب محمد، حبيبهم في مرض شديد، وصحابي سيقتص منه أمام الناس على منبره (فلما وصل عكاشة إلى المنبر ألقى العصا من يده، ثم ضم الجسم الشريف، ومرغ وجهه في وجه النبي ﷺ ، وبكى بكاءً شديداً وهو يقول: جسمي لجسمك فداء) فضج المسجد بالبكاء.

стр. 325

الوصايا التي أوصى بها الرسول وهو في مرض موته أوصى على منبره في آخر أيامه بعده وصايا، منها: (أوصيكم بالأنصار، فهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم). ثم حذر الأمة من اليهود والنصارى فقال: (ألا لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا قبري وثناً يعبد من دون الله). ثم أمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا يختلط على الناس دينهم. ثم أوصى الأمة بالصلاة، فهي صلتها بربها وقرة عينها فقال من منبره: (الصلاةَ وما ملكت أيمانكم، الصلاةَ وما ملكت أيمانكم) فكيف هي صلاتنا اليوم؟ وهل عملنا بالوصية أم ضيعناها؟ ثم نزل عن المنبر ولم يصعد عليه مرة أخرى. بكتك المنابر كلها بأبي أنت وأمي! رد الحقوق ورد المظالم وبدأ يستعد للقاء ربه، فدنت ساعة الرحيل، واشتد عليه الوجع، وزاد عليه الألم مضاعفة للأجر ورفعة للدرجات، وفي فجر يوم الإثنين الذي قبض فيه وبينما المسلمون يصلون صلاة الفجر إذ انكشف الستار الذي على بيت عائشة، ورأى الصحابة حبيبهم، رأوه متبسماً وجهه كأنه قطعة قمر، كيف لا يتبسم وصفوف المسلمين متراصة متكاملة في صلاة الفجر؟! قلت: آه! ثم آه! ثم آه! كيف لو رأى النبي صفوفنا في صلاة الفجر اليوم، نظر إلى أصحابه نظرة وداع أخيرة وما كشف ذلك الستار بعد ذلك اليوم، كاد الصحابة يفتنون في صلاتهم، ظنوا أن حبيبهم قد برأ من المرض وهو على وشك الخروج للصلاة معهم، فأشار إليهم متبسماً أن أكملوا صلاتكم، وأسدل الستار، وكانت آخر نظرة وآخر ابتسامة، وطفق الألم والوجع يزداد عليه صلوات ربي وسلامه عليه، وبدأ يتغشاه من الألم والكرب ما الله به عليم، ودخلت عليه فاطمة ﵂، فلما رأت ما حل بأبيها من الشدة صاحت وقالت: واكرب أبتاه! واكرب أبتاه! واكرب أبتاه! فقال لها: (لا كرب على أبيك بعد اليوم، فسارها فبكت، ثم سارها فضحكت، فسألتها عائشة عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ ، لكنها أخبرت بذلك بعد وفاته، سارها في الأولى فقال لها: إنه يقبض في مرضه هذا؛ فبكت، ثم سارها الثانية فقال: وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي ففرحت) ففرحت ﵂ وأرضاها، ستلحق بأبيها في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فكيف لا تفرح وقد بشرها بأنها سيدة نساء العالمين؟! ثم دعا بـ الحسن والحسين فقبلهما وذكرهما ووعظهما، ثم دعا أزواجه فوعظهن وذكرهن، ثم دنت لحظات الاحتضار، وأخذ الوجع يشتد ويزيد، كان يقول لـ عائشة: (لم أزل أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر). قلت: قاتل الله اليهود، فلقد سمموا نبينا، ومسلسل غدرهم ومكرهم لم ينته إلى اليوم، ثم أسندته عائشة إلى صدرها، وكانت تقول: من أعظم نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وقد جمع الله بين ريقي وريقه عند موته.

стр. 326

وفاته ﷺ وفي آخر لحظاته دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده السواك، فأخذته عائشة منه لعلمها أن حبيبها يحب السواك، تقول: فلينت له بريقي، ثم أعطيته إياه، فأخذ يستاك، ويضع يده في ركوة فيها ماء، ويمسح على وجهه ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت سكرات) تقول عائشة: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على النبي ﷺ ، وما إن فرغ من السواك حتى رفع يده مشيراً بسبابته، وشخص بصره نحو السقف، فلقد التفت حوله ملائكة الرحمن، لتشييعه إلى الملأ الأعلى للقاء ربه، فتحركت شفتاه، فلقد كان يخير في تلك اللحظة بين البقاء في الدنيا أو لقاء ربه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى! اللهم الرفيق الأعلى! اللهم الرفيق الأعلى! اللهم الرفيق الأعلى) قالها ثلاثاً ثم مالت يده، وهدأت أنفاسه، وسكت قلبه، وخرجت الروح إلى بارئها، مالت أفضل يد، وهدأت أزكى نفس، وسكت أعظم قلب، وخرجت أطهر وأزكى روح، فإنا لله وإنا إليه راجعون، لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، فعظم الله أجري وأجركم. اللهم أجرنا بمصيبتنا خيراً يا رب العالمين!

стр. 327

مشاعر تتدفق بعد وفاته ﷺ أظلمت المدينة على ساكنيها، عبر أنس عن هذه المصيبة بقوله: والله ما رأيت أجمل ولا أحلى من ذلك اليوم الذي دخل فيه النبي ﷺ المدينة، فقد أضاء فيها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا، وما إن تسرب النبأ الخادع والمصاب العظيم، وعلم الناس بالخبر، حتى طاشت عقولهم، وعمتهم الحيرة، وأقعدتهم الدهشة، وأظلمت الحياة في وجوههم. أما فاطمة فلما سمعت بالخبر بكت وقالت: واأبتاه! واأبتاه! أجاب رباً دعاه، واأبتاه! جنة الفردوس مأواه، واأبتاه! إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت ﵂ لـ أنس: يا أنس! كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟! قلت: والله ما طابت، ولكنا أرغمناها إرغاماً. أما عمر فقد استل سيفه، وقام يحلف للناس بأن النبي ﷺ ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران وأخذ يقول للناس: والله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجالٍ ونساء زعموا أنه قد مات، في تلك الساعات، وفي تلك اللحظات ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، فمنهم من خر مغشياً عليه، ومنهم من لم يستطع القيام، ومنهم من حبس لسانه فلم يستطع الكلام، ومنهم من أنكر موته من شدة هول الصدمة والمصيبة، إنها مصيبة عظمى، وخطب جلل، إنه فقدٌ وغياب سيد ولد آدم، خير من صلى وصام، وخير من عبد رب الأنام، لكن الله ثبت الأمة في شخص أبي بكر ﵁ خليفته وصاحبه في الغار. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 328

موقف أبي بكر الصديق بعد موت النبي ﷺ الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: أحبتي! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ماتقوا الله عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. عباد الله! ولئن أظهر الصديق ﵁ رباطة جأش وثباتاً وقوة أمام المسلمين، وذلك خرج عليهم ليؤكد نبأ وفاته ﷺ ، ولئن صرخ فيهم قائلاً: من كان يعبد محمداً -هكذا باسمه مجرداً- فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، إن كان قد ثبت أمام الناس فإنه لم يستطع أن يثبت أو يتمالك نفسه أمام ذلك الجسد الطاهر، وقد تمدد أمامه لا يستطيع حراكاً، فأكب عليه باكياً، وقبل ما بين عينيه مودعاً، قالت عائشة: أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنج، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فيمم نحو رسول الله ﷺ وهو مغطى، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة الأولى التي كتبت عليك فقد متها، -وفي رواية لـ أحمد: أنه ﵁ أتى رسول الله ﷺ من قبل رأسه، فأخذه بين يديه، فمس فاه وقبل جبهته، ثم قال: وانبياه! ثم رفع رأسه، ثم حدر فاه، وقبل جبهته ثم قال: واصفياه! ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: واخليلاه! مات رسول الله ﷺ ، ثم كفكف دموعه وربط الله على قلبه، وخرج على الناس وهو على حال لا يعلمها إلا الله، فقال: يا أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم قرأ عليهم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، قال ابن عباس: كأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية إلا لما تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس، فما أسمع نفراً من الناس إلا يتلوها، أما عمر فيقول: ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها حتى أهويت على الأرض، وعلمت أن النبي ﷺ قد مات، فرجعت السكينة إلى الناس، وهدأت أحوالهم، تذكروا رباً فوق سبع سماوات، وأنه حي قيوم لا يموت، والإنس والجن يموتون، نعم لقد مات محمد، لكنه معنا في كل اللحظات، معنا في صلاتنا، أليس هو الذي قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)؟ هو معنا في حجنا، في طوافنا وسعينا، أليس الذي هو قال: (خذوا عني مناسككم)؟ معنا بسنته وبهديه، معنا بسيرته، معنا بأخلاقه وأخباره، ولقد أمرنا الله بالسير على خطاه، واتباع سنته فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، بل لن نحب الله حتى نصدق في حبنا لنبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].

стр. 329

المطلوب منا بعد وفاته ﷺ المطلوب منا: الإكثار من الصلاة عليه، فمن صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً. والمطلوب منا: العمل بسنته وعدم التهاون بها، قال الله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. المطلوب منا: أن ننشر دعوته للناس في كل مجلس ومنتدى. المطلوب منا: أن نحبه حباً صادقاً، فلن نؤمن حتى يكون أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا وأموالنا والناس أجمعين. باختصار المطلوب منا: طاعته فيما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، مصداق ذلك قول الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، مات محمد ﷺ ، وواصلت الأمة مسيرتها في نصرة دينها، ونشر دعوتها، مات من مات وما تعطلت المسيرة ولن تتعطل، ولن تقف بموت أحد أو حياته. لئن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج وإن كنوز الغيب تخفي طلائعاً صابرة رغم المكائد تخرج مات ابن ياسين والرنتيسي وأبو الوليد وغيرهم من الأبطال أدوا الأمانة، ونالوا الشهادة، وساروا على طريق محمد ﷺ ، وعلى طريق أصحابه وطريق الأبطال، سبقونا إلى الجنة بإذن الله، وأنا وأنت ماذا قدمنا؟! ما هي اهتماماتنا؟! ما هي طموحاتنا؟ ما هي أهدافنا؟ هذا هو السؤال وعليكم الجواب، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨]. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم صل على محمد في الأولين، اللهم صل على محمد في الآخرين، اللهم صل على محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، اللهم اجز عنا محمداً خير ما جزيت نبياً عن أمته. اللهم لا تحرمنا رؤيته، واتباع سنته، ونصرة دعوته، أوردنا حوضه، واسقنا من يده، ولا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله يا رب العالمين! اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، اللهم إذا أردت بعبادك فتنة فخذنا إليك غير مفتونين. نسألك اللهم حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك يا رب العالمين! اللهم ارض عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في أوطاننا، أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم رد حكام المسلمين إلى الحق يا رب العالمين! قيض لهم بطانة صالحة تعينهم على الخير يا رب العالمين! اللهم وفقهم للعمل بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين، ول على المسلمين خيارهم، واكفهم شرارهم يا رب العالمين! اللهم ارحم المستضعفين في العراق وفي فلسطين، وفي الشيشان، وفي نيجيريا وفي تايلاند وفي كل مكان، اللهم ارحم المستضعفين في كل مكان، اللهم كن لهم عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً، فلقد قل الناصر وقل المعين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وصن أعراضهم، واحقن دماءهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين! اللهم أنزل على أسرانا في العراق وفي جونتانامو رحمة وتأييداً من عندك يا رب العالمين! اللهم عليك بكفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويعذبون عبادك، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم. اللهم أنزل عليهم بأسك ومقتك إله الحق، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز! عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 330

توبة صادقة الإنسان كثير الخطأ معرض للذنوب والهفوات والمعاصي والزلات، ولو آخذه الله بذلك لأهلكه، لكن من رحمته سبحانه أنه فتح باب التوبة على مصراعيه ودعا الناس إليه، ولا تنفع التوبة ما لم تكن توبة صادقة نصوحاً.

стр. 331

التوبة بداية حياة بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة بالنار. ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [طه:٨٢]. أنا وإياكم في مكان مبارك في ساعة مباركة في حضور مبارك في ليلة عنوان: توبة صادقة. التوبة بداية حياة ونهاية حياة، بداية مع الهداية ونهاية مع الغواية، التوبة منة وفضل من الله يمن بها على من يشاء من عباده فهو التواب الرحيم. التوبة امتحان للتائبين ليعرف الصادقون والكاذبون، التوبة ميلاد جديد وانطلاقة إلى عهد مديد، إنها حياة شعارها الحياة مع الله. المطلوب: هو الصدق مع الله، لذا أسميت المحاضرة: توبة صادقة. أحبتي! كثير هم الذين يتوبون، لكن قليل هم الذين يصدقون في توبتهم ويثبتون. كتبت المحاضرة على مدى أيام وليال طوال، تنقلت فيها من كتاب إلى كتاب، وسمعت أخباراً وأخباراً فاخترت من أخبار الماضي والحاضر طرزتها بالآيات والأحاديث والآثار، ضمنتها أبياتاً من الأشعار وأقوالاً للصالحين الأخيار. أردت من طرح الموضوع تثبيت التائبين وتذكير الغافلين. أردت أن أذكر الجميع أنه ما نزل ذنب إلا ببلاء، وما رفع إلا بتوبة، جعلت الحديث موجهاً للجميع ذكراناً وإناثا نساءً ورجالاً، فالتوبة وظيفة الجميع. فهيا معاً نركب قطار المستغفرين إلى ديار التائبين، وننضم إلى قوافل العائدات والعائدين، ونبدل الحال من حال إلى حال قبل نزول مفرق الجماعات وهاذم اللذات، فلا ندري أين تكون الدار غداً، إلى روضة من رياض الجنة أم إلى حفرة من حفر النار، ومن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، ومن كان مع الله كان الله معه، إن من صدق مع الله في توبته صدق الله معه ووفقه لحسن خاتمته. إن التوبة والنجاة بالاستغفار لا بالتمادي والاستهتار، وإنه من بذل الأسباب وصل إلى الأبواب. عناصر اللقاء: العنصر الأول: توبة كاذبة. العنصر الثاني: باختصار مع الذين خلفوا. العنصر الثالث: من ترك شيئاً لله. العنصر الذي يليه: لست فاتنة بل ظالمة. ثم أخيراً: اعتبروا يا أولي الأبصار!

стр. 332

توبة كاذبة قال منصور بن عمار: كان لي صديق مسرف على نفسه ثم تاب، وكنت أراه من العباد والقوام والصوام، أراه كثير العبادة والتهجد ففقدته أياماً، فقيل لي: هو مريض، فأتيت إلى داره فخرجت إلي ابنته فقالت: من تريد؟ قلت: قولي لأبيك فلان، فاستأذنت لي ثم دخلت فوجدته في وسط الدار وهو مضطجع على فراشه وقد اسود وجهه، وذرفت عيناه، وغلظت شفتاه، فقلت له وأنا خائف منه: يا أخي! أكثر من قول لا إله إلا الله، ففتح عينيه فنظر إلي بشدة ثم غشي عليه، فقلت له ثانياً: يا أخي! أكثر من قول لا إله إلا الله، ثم كررتها عليه ثالثاً, ففتح عينيه فقال: يا أخي منصور! هذه كلمة قد حيل بيني وبينها! فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قلت له: يا أخي! أين تلك الصلاة والصيام والتهجد والقيام، فقال: كان ذلك لغير الله، وكانت توبتي كاذبة، إنما كنت أفعل ذلك ليقال عني وأذكر به، وكنت أفعل ذلك رياءً للناس، فإذا خلوت إلى نفسي أغلقت الأبواب وأرخيت الستور وشربت الخمور وبارزت ربي بالمعاصي، ودمت على ذلك مدة، فأصابني المرض وأشرفت على الهلاك، فقلت لابنتي هذه: ناوليني المصحف، فقلت بعد أن أخذت المصحف: اللهم بحق كلامك في هذا المصحف العظيم إلا ما شفيتني ورفعت عني البلاء، وأنا أعاهدك ألا أعود إلى ذنب أبداً. ففرج الله عني، فلما شفيت عدت إلى ما كنت عليه من اللهو واللذات وأنساني الشيطان العهد الذي بيني وبين ربي، فبقيت على ذلك مدة من الزمن، فمرضت مرة ثانية أشرفت حينها على الهلاك والموت، فأمرت أهلي فأخرجوني إلى وسط الدار كعادتي ثم دعوت بالمصحف وقرأت فيه ثم رفعته وقلت: اللهم بحرمة ما في هذا المصحف الكريم من كلامك إلا ما فرجت عني ورفعت عني البلاء، فاستجاب الله مني وفرج عني، ثم عدت إلى ما كنت عليه من اللهو والضياع ما كأني عاهدت الله ألا أعود، فوقعت في هذا المرض الذي تراني فيه الآن، فأمرت أهلي فأخرجوني إلى وسط الدار كما تراني، ثم دعوت بالمصحف لأقرأ فيه فلم يتبين لي حرف واحد منه، فعلمت أن الله سبحانه قد غضب علي فرفعت رأسي إلى السماء وقلت: اللهم فرج عني يا جبار السماء والأرض، فسمعت كأن هاتفاً يقول: تتوب عن الذنوب إذا مرضت وترجع للذنوب إذا برأت فكم من كربة نجاك منها وكم كشف البلاء إذا بليت أما تخشى بأن تأتي المنايا وأنت على الخطايا قد لهوت قال منصور بن عمار: فوالله ما خرجت من عنده إلا وعيني تسكب العبرات، فما وصلت الباب إلا وقيل لي إنه قد مات. وحيل بينهم وبين ما يشتهون. نعم أحبتي! التوبة ليست نطقاً باللسان، إنما هي ندم بالقلب وعزم على عدم العودة إلى الماضي المرير، ومن شروط صحة التوبة أن تكون قبل معاينة أمور الآخرة، فمن باشره العذاب أو عاين الموت فقد فاته موسم القبول. والله ما صدق صادق فرد عن الأبواب، ولا أتى الباب مخلص فصد عن الباب، ورب الأرباب، إنما الشأن في صدق التوبة، لذلك قال الله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]. يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا واغفر لنا ربنا ذنباً جنيناه كم نطلب الله في ضر يحل بنا لما تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا لما وصلنا الشاطي عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة وما سقطنا لأن الحافظ الله فأين الشباب اليوم؟ أين الصادقون؟ أين الذين يتوبون ثم يستقيمون ويصدقون؟ إن الأمة اليوم في أمس الحاجة لشبابها وفتياتها الذين يعتزون بدينهم ويتمسكون بعقيدتهم ويفخرون بماضيهم، فوالله الذي لا إله إلا هو لا زال في أمتنا خير وفي شبابها خير، وفي فتياتها خير، بل حتى في أطفالها خير.

стр. 333

بيت يبنى على التقوى مع البداية أهمس لك همسة: كان هناك فتاة عابدة صوامة قوامة في عمر الورود والأزهار، من بنات هذا الجيل لا من بنات الأجيال الماضية، تقدم لها شاب فترددت فقيل لها: لماذا التردد ولماذا لا توافقين؟ قالت: أحب الصيام والقيام! فقيل لها: إن خدمة الزوج عبادة وقربة إلى الله، فأنت في خير وعبادة، فاستخارت ثم قطعت التردد بالموافقة، قالت: لكن بشرط واحد ليس لي شرط سواه، قالوا: وما هو؟ قالت: أن يأذن لي بصيام ثلاثة أيام من كل أسبوع، فهي تعلم أن صيام النافلة لا بد أن يكون بإذن زوجها، فأخبروه ففرح بالشرط ووافق, وفرحت هي بموافقته وزفت إليه، وبني بيت على تقوى من الله ورضوان. الله أكبر! نريد بيوتاً تبنى على صيام بالنهار وقيام بالليل، من مثل هذه البيوت يتخرج الرجال والأبطال. وإليك أنت أيضاً همسة أهمسها مع البداية. اعلم بارك الله فيك! أن كل الأبطال تخرجوا من مدرسة الليل، ففي الظلام تعلموا الإخلاص والإقدام، اعلم أنك لن تكون فارساً مغواراً بالنهار حتى تتعلم الرهبانية بالليل. أخبرت عن شاب نحيل الجسم، كثير الحياء، قليل الكلام، همه الإسلام والعمل للدين، لم يتجاوز السابعة والعشرين لكنه ذو رأي وقول سديد موفق -والتوفيق بيد الله- يقول أحد الشباب: رافقته مراراً في رحلات دعوية كم أصابنا فيها من التعب والإرهاق والمشقة والعناء, ومع هذا رأيت منه العجب العجاب؛ كان صاحب قيام ليل، وليس بأي قيام، بل قيام طويل تتعب منه الأقدام. أحبتي! كثير هم الذين يقومون لكن أين قيام من قيام، من وقف دقيقة ليس كمن وقف ساعة، يقول الشاب عن صاحب ذلك الجسم النحيل: كان يقوم في الليلة الواحدة بخمسة أجزاء من القرآن، وما تخلف عن ذلك ليلة واحدة مهما كانت الظروف ومهما كانت الأحوال. قلت: هكذا هم الصادقون: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]، هكذا هم الصادقون، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]، إن أمة تمتلك أمثال هؤلاء الفتيات والفتيان أمة لا تقهر ولا تغلب بإذن الله، ولكنها تمتحن وتبتلى حتى يأتي أمر الله، وحينها يفرح المؤمنون، وحينها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

стр. 334

باختصار مع الذين خلفوا إنه خبر توبة زكاها الله في القرآن، ثم أمرنا الله أن نكون منهم ومعهم، قال سبحانه: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨] ثم اسمع إلى هذا النداء العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]. جاء خبرهم عند البخاري مفصلاً وأنا أسوقه لكم باختصار: أمر النبي ﷺ أصحابه ليتأهبوا للغزو، وكان ذلك في غزوة تبوك، كان الحر شديداً والسفر بعيداً والعدو كثيراً وعنيداً. يقول كعب بن مالك راوي الحديث وأحد الثلاثة الذين خلفوا: والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت في تلك الغزوة، ولما انطلق النبي ﷺ ومن معه قلت: غداً ألحقهم، ولكن لم يقدر لي ذلك، ولقد هممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، ولكن لم يقدر لي ذلك، ولقد سأل النبي ﷺ عني وهو في القوم بتبوك فقال رجل: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفه، فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمت عنه إلا خيراً! فأين هم الذين يدافعون عن أعراض إخوانهم اليوم، يقول كعب: فلما بلغني أن النبي ﷺ توجه قافلاً -أي راجعاً- حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداً؟ فلما قيل إن النبي ﷺ قد حل بالمدينة قادماً زاح عني الباطل، وعلمت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت على أن أصدقه في الحديث. جاء المخلفون وكانوا بضعة وثمانين فطفقوا يعتذرون ويحلفون، فقبل منهم النبي ﷺ علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله. أحبتي! الله لا ينظر إلى المظاهر ولكن الله سيبتلي السرائر! قال: فلما جئته تبسم تبسم المغضب، فلما جلست بين يديه قال لي: ما خلفك؟! ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قلت: بلى! والله لقد علمت لئن حدثتك بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله. أحبتي! قد تأخذ ما عند فلان أو فلان بالكذب أو الافتراء، ولكن والله الذي لا إله إلا هو إنك لن تأخذ ما عند الله إلا إذا صدقت مع الله، قد تنصب على فلان وتضحك على فلان وتأخذ ما تشاء، ولكن لن ينجيك من الله إلا أن تصدق مع الله. قال كعب: والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال ﷺ : أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك! يقول كعب: فقمت فلامني من لامني، وقالوا لي: يسعك ما وسع غيرك ويكفيك استغفار النبي ﷺ لك، فقلت: هل قال مثل قولي أحد؟ فذكروا لي رجلين هما: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى النبي ﷺ عن كلامنا نحن الثلاثة، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لنا الأرض فلا هي الأرض التي نعرفها، بل حتى تنكرت لنا أنفسنا التي بين جنوبنا فلا هي بالأنفس التي نعرفها، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، أما صاحباي فقعدا في بيوتهما يبكيان، أما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج لأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد، كنت آتي النبي ﷺ وهو في مجلسه فأسلم عليه بعد صلاته وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه أسارقه النظر، فلما طال الأمر واشتد ذلك علي، تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، قلت: أنشدك بالله يا أبا قتادة هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت. فناشدته فسكت. فناشدته في الثالثة فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وخرجت أمشي في سوق المدينة، فإذا بنبطي من أهل الشام يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فأشار الناس إلي. فجاءني فدفع لي كتاباً من ملك غسان يقول فيه: لقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولن يجعلك الله بدار مضيعة أو هوان، إلحق بنا نواسك! فعلمت أن هذا من زيادة البلاء فتيممت به التنور ورميته فيه. يمتحن العبد على قدر إيمانه؛ إن كان في إيمانه شدة شدد عليه في البلاء وإن كان في إيمانه رقة خفف عنه في البلاء! يقول كعب: فعلمت أن هذا من زيادة البلاء فتيممت به التنور ورميته فيه، فلما مضت أربعون من الخمسين ليلة، جاءنا الأمر من النبي ﷺ أن نعتزل نساءنا، قلت: أأطلقها أم ماذا؟ قال: بل اعتزلها، فقلت لها: إلحقي بأهلك حتى يقضي الله في هذا الأمر، ولقد قيل لصاحبي مثل ما قيل لي، أما امرأة هلال بن أمية فجاءت للنبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه، فقال: لا. ولكن لا يقربنك، فقالت: والله الذي لا إله إلا هو ما به حركة إلى شيء ولا زال يبكي من أمره إلى يومه هذا. هكذا حال الصادقين! دموعهم حارة مدرارة بالليل والنهار! يقول كعب ﵁: فلبثت بعد عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى النبي ﷺ عن كلامنا، فلما صليت صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، وأنا على تلك الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت؛ إذا بصارخ يصرخ على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر! يا كعب بن مالك أبشر! فخررت ساجداً وعرفت أنه قد جاء الفرج، وأنه قد أذن النبي ﷺ بتوبة الله علينا، فذهب الناس يبشروني ويبشرون صاحبي هلالاً ومرارة، فلما جاء من يبشرني نزعت ثوبي فكسوته إياهما ببشارته، ووالله ما أملك غيرهما ,ثم استعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى النبي ﷺ يتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنئونني بالتوبة يقولون لي: لتهنك توبة الله عليك! لتهنك توبة الله عليك! فلما دخلت المسجد قام لي طلحة بن عبيد الله مهرولاً فصحافحني وهنأني، ووالله ما أنساها لـ طلحة. يقول كعب: فلما سلمت على النبي ﷺ قال لي ووجهه يبرق من السرور وكان إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر؛ قال: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك! قلت: أمن عندك يا رسول الله أم عند الله؟ قال: بل من عند الله! فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله! إنما نجاني الله بالصدق، وإن من صدق توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، ووالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني. تأمل أيها التائب، وتأملي أيتها التائبة في قول النبي ﷺ لـ كعب: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك). يا الله! ما أجمل التوبة! وما أجمل الرجوع إلى الله! التوبة ابتلاء وامتحان، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢]. أحبتي! صدق أقوام في توبتهم فصدق الله معهم فعفا عنهم وزكاهم. واسمع واسمعي معي بعضاً من آثار توبة الصادقين والصادقات: فمنهم من يحزن على اقتراف المعصية حزناً لا يفارقه حتى الموت، ومنهم من يهجر الناس ويعتزلهم ويضج بيته بالبكاء، ومنهم من يتمنى أن يكون تراباً حتى لا يحاسبه الله على ذنبه ومعاصيه، ومنهم من يمرغ خده بالتراب حتى يذوق طعم الذلة عل الله أن يرحمه على تلك الحال، ومنهم من يتعلق بأستار الكعبة مطرقاً خاشعاً يطلب العفو من الله، ومنهم من يجوب الصحراء هائماً على وجهه يعاهد الله ألا يرجع إلى بيته إلا وقد تاب وتاب عليه الله، ومنهم من يعتكف في بيت من بيوت الله يذكر الله ويتلو القرآن ويركع ويسجد والدموع تتزاحم في عينيه ندماً على ما فرط في جنب الله، ومنهم من يحس بآلام ورعشة وببكاء واضطراب كالحية يتغشاها الألم ويخر مغشياً عليه حياء من الله، ومنهم من يشهق شهقة يموت بعدها خوفاً ووجلاً من الله، ومنهم من بلغ من عبادة ربه أنه يوم مات كأنه جذع محترق من عبادة الله. أخي! أخية! لا غرابة فيما ذكرت وقلت، فالخوف من الله أرجف قلوب العصاة وكاد يخلعها من مكانها، فكم رعدت بروق الخوف في القلوب القاسية فذهبت عنها سحب الغفلة وأمطرت دموع الخشية، فصفا سماء القلب واستنار وطلعت عليه شمس النهار، وسبحان الذي قال عن التائبين: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. بذكرك يا مولى الورى نتنعم وقد خاب قوم عن سبيلك قد عموا إلهي تحملنا ذنوباً عظيمة أسأنا وقصرنا وجودك أعظم ألست الذي قربت قوماً فوفقوا ووفقتهم حتى أنابوا وأسلموا لك الحمد عاملنا بما أنت أهله فسامح وسلمنا فأنت المسلم

стр. 335

من ترك شيئاً لله هذا مبتلىً بالذنوب والمعاصي تركها من أجل الله فجاءه العوض من الله جل في علاه، كان مولعاً بالغناء محباً للطرب، ومما زاد حبه لهذه المعصية ذلك الصوت الجميل الذي وهبه الله له، صوت شجي خلاب يحرك المشاعر والأحاسيس، لم يكن يفكر في حرمة الغناء وعواقبه، كان تفكيره كيف يكون مشهوراً ويظهر أمام الناس، فسعى إلى شهرة الباطل وأخرج شريطاً غنائياً وأخذ يوزعه بين أهله وأصحابه وأقاربه. زاره يوما أحد أقاربه من مدينة بعيدة ومعه شاب صالح، وباتا عنده، فلما سمع ذلك الشاب الصالح عنه وعن أغانيه وعن صوته الجميل قال له: ليت هذا الصوت الجميل كان يرتفع ويصدح بالقرآن بدلاً من مزامير الشيطان، أما سمعت قول الله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦١ - ٦٥]. فأثرت تلك الكلمات والآيات فيه ووجدت قبولاً في قلبه، فلما جن الليل ونام النائمون استيقظ التائبون، يقول قريبه الذي كان يزوره: بينما نحن نائمون يغطينا ظلام الليل الدامس والسكون يملأ المكان استيقظت على صوت بكاء، فإذا بقريبي المغني ساجد لله في صلاته يشهق من البكاء ألماً وندماً على ما فرط في جنب الله. ففرحت لبكائه وندمه وأنه ترك الماضي بكل ما فيه، وأقبل على الله يرجو ما عنده فكان العوض من الله، عوضه الله خيراً مما ترك، أصبح يحب القرآن يغدو ويروح مع آياته، يترنم بالآيات بالليل والنهار، أخذ يتعلم علم القرآن وفن التلاوة حتى صار إماماً وقارئاً يشار إليه بالبنان لجمال صوته وخشوعه في صلاته. فسبحان مغير الأحوال! صدق في توبته فصدق الله معه، وترك من أجل الله فعوضه الله خيراً مما ترك، وأي عوض أجمل من القرآن؟! يا الله! ما أجمل التوبة! وما أجمل العودة إلى الله! ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]. قل للذي ألف الذنوب وأجرما وغدا على زلاته متندما لا تيأسن من الجليل فعندنا فضل ينيل التائبين تكرما يا معشر العاصين جودي واسع توبوا ودونكم المنى والمغنما لا تقنطوا فالذنب مغفور لكم إني الجدير بأن أجود وأرحما ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢].

стр. 336

متى يعظم الذنب ويكبر اعلم واعلمي: أن الذنوب الصغيرة تكبر وتعظم بأسباب، منها: الإصرار والمواظبة، لذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، قال محمد بن سيرين ﵀: والله لا أبكي على ذنب أذنبته ولكني أبكي على ذنب كنت أحسبه هيناً وهو عند الله عظيم. وتعظم الذنوب أيضاً باستصغارها، فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى، وكلما استصغره العبد كبر عند الله تعالى. جاء في الخبر: (إن المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه، وإن المنافق يرى ذنبه كذباب مر إلى أنفه فأطاره بيديه). أوحى الله إلى بعض أنبيائه: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى كبريائي وعظمة من عصيت. وتعظم الذنوب إذا فرح بها أصحابها وتبجحوا بها وبذكرها يظنون أن التمكن من الذنب نعمة، ما دروا أنه غفلة وشقاوة. يا حي يا قيوم برحمة نستغيث أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. تعظم الذنوب إذا تهاون أصحابها بستر الله عليهم وحلمه عنهم وإمهاله إياهم، ما درى أولئك أن الله يمهل ولا يهمل، وأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. تعظم الذنوب إذا جاهر بها أصحابها، فإن في ذلك كشفاً لستر الله الذي أسدله وتحريكاً لرغبة الشر في من أسمعه. والأعظم من ذلك: قلة الحياء مع الله، قال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، يبيت أحدهم على ذنب قد ستره الله عليه فيصبح فيكشف ستر الله ويتحدث بذنبه). قال بعضهم: لا تذنب فإن فعلت فلا ترغب غيرك بالذنب، فتكون كالمنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:٦٧]، الحمد لله الذي عافنا مما ابتلاهم به، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً.

стр. 337

لست فاتنة بل ظالمة أسوق إليك هذه القصة التي هي بعنوان: (لست فاتنة بل ظالمة): اختصرتها مع طولها ففيها من العبرة الشيء الكثير، اسمها فاتنة وهي كاسمها جريئة متحررة مثقفة في كل شيء إلا في الدين، الدين عندها أن تكون ذات قلب طيب، ولا عليها بعد ذلك أن تخالط من تشاء، تلبس ما تشاء، تفعل ما تشاء. جمعت ليلة صويحباتها في الكلية للاحتفال بعيد ميلادها، عيد ما أنزل الله به من سلطان ورثناه عن الكفار تشبهاً وتقليداً (ومن تشبه بقوم) سأترك البقية لكم! كانت في أجمل هيئة وأحسن مظهر، بدأت تدور بين صويحباتها تطلق الضحكات هنا وهناك تسألهن: أتدرين يا بنات ماذا ينقص حفلتنا هذه؟ فأجبنها إجابات وهي تقول: لا، ثم لا، وهي مصرة على سؤالها، ثم قالت مجيبة على سؤالها وهي تضحك: تنقصنا الشيخة علياء، فانطلقت موجات الضحك من كل مكان، ثم قالت أحداهن مدافعة: لماذا كل هذا الضحك؟ لماذا كل هذا الضحك والاستهزاء بـ علياء؟! أليست زميلتنا في الصف! أليست صديقتنا في الكلية! ألم تكن إلى عهد قريب رفيقة لنا في سهراتنا وحفلاتنا وهي الآن في محرابها مع صلواتها وقرآنها، إنها تبحث عن الآخرة ونحن عن ماذا نبحث؟! فتجاهلن سؤالها. قالت أخرى: لقد ذهبنا إليها -أي إلى علياء - لندعوها لعيد الميلاد ولكنها اعتذرت وأعطتنا محاضرة طويلة عريضة في الأخلاق والدين والعادات والاجتماعات. قالت فاتنة: مسكينة علياء! لقد كانت عاقلة متحررة قبل أن يصيبها هذا الهوس الديني الذي اختطفها من بيننا -قلت أنا: سبحان الله أصبح الدين هوساً وجنوناً- ثم تابعت فاتنة حديثها وهي تقول: فعلاً مسكينة علياء! لقد انقلبت بسرعة وتسممت أفكارها وتغيرت هيئتها، لقد أطالت ثيابها فأصبح منظرها ككبيرات السن لم تعد تؤمن بأن خير اللباس ما قل ودل، والأدهى من ذلك شعرها أصبح بضاعة محرمة مغطاة تحت ذلك السواد، مسكينة علياء! نسيت أن الله يهمه منا القلب وكل ما عدا ذلك شكليات. الله أكبر! أصبح الحجاب والتمسك بالدين شكليات، قاتل الله الشاشات والقنوات. ثم تابعت فاتنة حديثها عن علياء: إنها تخوفنا من النار وأن الله سيحرق به أجسادنا المكشوفة، إنها تنذرنا من شيء اسمه الموت، وآخر تسميه الحساب، بل اسمعوا يا بنات! إنها تحملنا مسئولية إغواء الشباب وإغراء الرجال، فقالت أحداهن: لقد قتلتها الهواجس والوساوس ونسيت أن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال، مسكينة علياء! أين ستجد فتى أحلامها، أين ستجد السعادة والأنس، لقد قتلت نفسها وهي في ريعان الشباب، ولا بد أن نصنع شيئاً لإنقاذها. مساكين! ما درين أنهن هن بحاجة إلى إنقاذ. فارتفعت الأصوات: لا بد من إنقاذها! إنها تقتل نفسها بطول العبادة وكثرة الصيام وقراءة القرآن ولزوم البيت، فلا أسواق ولا حفلات، ما هذا الفهم الخاطئ للدين، إن الحياة متعة وحرية، أما الموت فمالنا وله الآن، نعم سنموت عندما نشيخ ونهرم. إنه الأمل الطويل! ووالله ما حال بين الناس وبين الصدق في التوبة إلا طول الأمل، ومن أطال الأمل أساء العمل، قال الله تعالى عنهم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]. انتهى الاحتفال ودارت سنوات تخرجت فيها فاتنة وتخرجت علياء وثبتت على طريق الاستقامة والالتزام، فماذا حدث لـ فاتنة، وماذا حدث لـ علياء؟ تعالوا أحبتي أعطوني المسامع نتابع القصة من مكان آخر: في إحدى المستشفيات في الدور الرابع في غرفة من الغرف صوت أنين مريضة يملأ الغرفة، إنها في تلك الغرفة منذ عدة أشهر، ولقد أيس الأطباء من حالتها وأصبح صوت أنينها معتاداً مألوفاً في المستشفى ولا أحد يستطيع أن يفعل لها شيئاً، لقد تعودت الممرضات على سماع أنينها، أما الطبيبة المناوبة الجديدة في المستشفى فلم تستطع أن تتجاهل ذلك الصوت وذلك الأنين، فقلبها مليء بالرحمة، وهكذا الإيمان يملأ القلب رحمة وعطفاً على الآخرين. فأخذت بعض العقاقير والمهدئات ودخلت لتلك الغرفة، فتحت الباب فإذا بامرأة على السرير في شبه غيبوبة، جست نبضها فإذا هو ضعيف على وشك التوقف، أصغت إلى تنفسها فكان التنفس مضطرباً خافتاً، جلست بجانبها وأعطتها بعض المنعشات فأفاقت بعد قليل واستوت على سريرها، أدارت عينيها فيما حولها -المريضة- ثم ثبتت نظرها على وجه الطبيبة، ثم أخذت تفرك عينيها بيديها الضعيفتين، ثم زاد اضطرابها ثم قالت للطبيبة: أسألك بالله من أنت؟! فقالت: أنا الطبيبة يا أمي! فقالت المريضة: أنا لا أسألك عن مهنتك، أنا أسألك عن اسمك، أسألك بالله ألست أنت علياء؟ فقالت الطبيبة باستغراب: بلى أنا علياء، وفي لحظات إذا بالمريضة تأخذ برأس علياء تطوقه بذراعيها وتضمه إلى صدرها وتقبله وتجهش بالبكاء. زاد استغراب علياء وصعقت: من عساها تكون هذه المرأة؟ وهل بها مس من جنون؟! كيف عرفتني وأنا لم أقابلها من قبل ولم يسبق لي علاجها، بل هذه أول ليلة لي في هذا المستشفى كطبيبة مناوبة. فرجعت علياء برأسها إلى الوراء وأخذت تنظر إلى المريضة مشدوهة لا تدري ماذا تفعل، ثم قالت للمريضة: من أنت يا خالة؟ وكيف عرفت اسمي؟ وهل التقينا من قبل؟! فردت المريضة بصوت تخنقه العبرات: نعم يا علياء لقد التقينا مرات ومرات، إن اسمك وصورتك لم يفارقا خاطري خاصة عندما أصابني المرض قبل ثلاث سنوات، آه يا علياء، أنا التي أكلت لحمك واستهزأت بك أنا فاتنة يا علياء، أنا فاتنة يا علياء، ثم انفجرت بالبكاء والنحيب. صدمت علياء ولم تستطع الكلام ثم قالت وهي لا تصدق ما سمعت: أقسمت عليك بالله أأنت فاتنة؟! مستحيل فاتنة كانت كاسمها أصغر وأجمل وأنضر. فقالت فاتنة بصوت خافت متقطع: نعم، أنا التي كان يقال لها ذات يوم فاتنة، فأكبت عليها علياء تضمها إلى صدرها وتجهش بالبكاء المرير الأليم عليها. فلما هدأ البكاء أخذت فاتنة تروي قصة سبع سنين منذ أن افترقتا، قالت: تخرجت من البكالوريا وحاولت إكمال الدراسة، فلم أستطع، كنت لاهية متمردة على كل شيء، لم أكن أشك بالله، ولكني كنت أعتقد بأن كل ما له علي أن أكون طيبة القلب وكفى، تعرفت على شبان وفتيات وفتيان ثم ارتبطت برجل تعرفت عليه في الوظيفة أحبني وأحببته، لكننا كنا نعيش حياة غافلة بعيدة عن الله، ثم بعد زواجنا بسنوات رزقنا الله بطفلة صغيرة جميلة رائعة سميتها سوسن على اسم صاحبتي التي تعرفينها، ثم بدأت أشكو من آلام في بطني فقال الأطباء: إنها قرحة، فأخذت أتعالج ولكن دون فائدة، أخذت آلامي تزيد وهمومي تزيد، وبدلاً من أن أهرب إلى الله فررت إلى مزيد من الغفلة والضياع، ثم تدهورت صحتي وجاء التشخيص الجديد ليقول: بداية تورم خبيث في المعدة، وهكذا استحالت القرحة إلى سرطان، ثم أخذ السرطان يستفحل ويزيد إلى أن أقعدني هنا أصارع الألم وأنتظر الموت في أية لحظة، لم أر ابنتي منذ أربعة أشهر، عمرها الآن أربع سنوات وزوجي لم يأت لزيارتي منذ أسبوعين، لقد تعب من التردد علي كل يوم لعله ملني أو كرهني. فلما سمعت علياء قصتها لم تتمالك نفسها وانخرطت في بكاء شديد، ثم تمالكت نفسها وقامت إلى فاتنة تضمها إلى صدرها تواسيها وتخفف عنها: لا تجزعي يا فاتنة، لا تجزعي يا فاتنة لقد عرفتك شجاعة قوية، لا تقنطي من رحمة الله، لا تستسلمي لليأس، قد يكتب الله لك الشفاء وقد يكون هذا ابتلاء، فاستسلمي إلى قضاء الله وقدره واصبري فالصبر جميل والله مع الصابرين. هدأت فاتنة وغطت وجهها بكفيها وأخذت تقول: عفوك يا الله! عفوك يا الله، لم يبق لي سواك فهل تقبلني، رحماك يا الله! ليته الابتلاء ولكنه الانتقام، لكم تجاهلت تلك الآيات تقرأ على مسامعي، لكم تجاهلت كلام أمي الصالحة الحنون، إنه الانتقام للضحايا الذين فتنتهم وأغويتهم، يا الله! كم أغويت من شاب وكم أفسدت من فتاة، ثم أخذت تردد وتقول: اقترب مني يا موت فلطالما خدعتني أوهامي، لقد ظننت أنك لا تأخذ إلا الكبار والشيوخ وتترك الشباب، لقد خدعتني نفسي وغرني أملي. يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل ثم أخذت تسأل علياء: أصحيح يا علياء أن القبر مظلم! أصحيح أن القبر ضيق! فتجيب نفسها: نعم صحيح وعما قريب سأحمل إليه جسداً بارداً هامداً، هناك لن يكون معي أهل ولا أحباب، ولن يكون معي مال ولا ثياب، لن يكون هناك زوج ولا أصحاب. يا الله! كيف سأفارق صغيرتي سوسن أنا لا زلت صغيرة ولم أشبع من الحياة، ثم تلمست عينيها، وقالت: بكما أرى النور وكم أسقطت بنظراتي من شاب، أحقاً سيأكلكما الدود؟! وينهشكما التراب؟! أخذتها علياء بين ذراعيها وضمتها إلى صدرها وأخذت تقرأ عليها القرآن وتدعو لها بالشفاء، وأخذت تقول لها: كفى يا فاتنة لا تيأسي من رحمة الله ولا من شفاء الله. قالت فاتنة: أسألك بالله يا علياء: أيغفر الله لي وقد فعلت ما فعلت وأجرمت ما أجرمت؟ فقالت علياء بصوت واثق: وكيف لا يا فاتنة أليس الله واسع المغفرة؟ أليس الله تواباً رحيماً؟ ألم تسمعي قول الله وهو يخاطب العصاة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَف

стр. 338

اعتبروا يا أولي الأبصار كتب لي أحد التائبين قصة توبته ورجوعه إلى الله بعد ضياع ومعاناة استمرت سنوات، قال في سطوره وفي رسالته: لا أدري كيف أبدأ وكيف أعبر لك عن قصة الرجوع، أنا شاب أبلغ اليوم من العمر ستة وعشرين عاماً، أنا أكبر إخوتي وأسرتي فقيرة جداً، أما أصحابي فلا يصلون ولا يصومون، حياتنا بكل صراحة سهر وخمر ومخدرات، سبع سنوات على هذه الحال حتى مللنا من هذا الضياع، فبدأنا بطريق آخر من طرق الضياع وبدأنا رحلة جديدة من رحلات الغفلة، اقترح أحدنا أن نسافر لبلاد الكفار بحثاً عن المتعة والتغيير، ففعلنا وليتنا لم نفعل، هناك تعلمنا فنون الزنا والخنا والنصب والاحتيال، كنا نمكث في سفراتنا أشهراً طوالاً فإذا نفذت أموالنا اتصلنا على أهلنا ونحن في سكر شديد نطلب منهم أن يمدونا بالمال حتى نستطيع الرجوع، فإذا وصل المال مددنا فترة البقاء، وهكذا في كل مرة كان أحدنا يتصل على أهله للكذب والاحتيال. في مرة من المرات استأجرنا سيارة وذهبنا إلى أحد نوادي الضياع حيث الخمر والموسيقى والرقص كالأنعام، بل حياة الأنعام أفضل من هذه الحياة، وبينما نحن جلوس نتبادل الحديث ونتبادل كئوس الخمر إذ قال أحد أصحابنا: سوف أذهب إلى مكان قريب وأرجع إليكم بسرعة. فذهب وكان في حالة سكر شديد، مضت الساعات ولم يرجع، فخرجنا نبحث عنه وبعد بحث وجدناه وقد سقط وهوى بسيارته من مكان مرتفع ومات على أشنع حال! بكينا وحزنا على موته ورجعنا إلى ديارنا محملين بالأحزان، فما مضى شهران حتى عدنا إلى ما كنا عليه، يا ألله! كم هي قاسية قلوبنا، لم أكن أملك مالاً ولا دخلاً شهرياً، بل كنت أحتال وتحمل أهلي بسبب ذلك ديوناً كثيرة، بل كنت أقترض وأتحمل مصاريف السفر مع الأصحاب وأتحملها عنهم مع أنهم كانوا أكثر مني مالاً وأحسن حالاً، وكنت أظن أن هذا من الكرم والجود على الأصحاب والخلان. تراكمت الديون علي وساءت الأحوال وبدأ يتخلى عني الأصحاب، أي أصحاب هؤلاء، أصبحوا يسافرون ولا يخبروني بسفرهم وأنا الذي تحملت الديون من أجلهم، اكتشفت حينها أنهم أصحاب مصلحة وضياع -قلت أنا: اكتشاف متأخر! - فصاحبت غيرهم ولم يكونوا بأحسن حال منهم، جمعت أموالاً وسافرت أنا وإياهم مع ابن عم لي مع مجموعة من الأصحاب إلى بلد آسيوي مشهور بالمجون وفساد الأخلاق، بعد يومين من وصولنا قال ابن عمي إنه سوف يرجع، فلما سألته عن السبب قال: لقد رأيت في المنام أن الناس في هذه البلاد يحترقون وقد اشتعلت بهم النيران، وأتاني رجل شديد البياض فقال: ارجع قبل أن تحترق معهم، فرجع ابن عمي ورجعت معه، فمكثت في البيت بلا مال وبلا أصحاب، وأصابني من الهم والحزن والضيق ما الله به عليم. في يوم من الأيام حانت ساعة الانتقال فجاءتني أمي باكية وقالت: لماذا لا تصلي؟! لماذا لا ترجع إلى الله؟! وأعطتني شريطاً وأقسمت علي أن أسمعه، ثم ذهبت وتركتني. فبدأت أسمع الشريط فأحسست أني أنا المخاطب، كان الشريط يتكلم عن اللذين يغرقون في الذنوب والمعاصي، كان الشريط يتكلم عن أثر الصحبة في الاستقامة وأثرهم في الضياع، أخذت أبكي وأبكي وأبكي فقررت التوبة ومراجعة الحسابات. يقول صاحب الرسالة: أتعرف يا شيخ من هو صاحب الشريط؟ إنه أنت, وأنا أحبك حباً شديداً، وكان اسم الشريط: أحوال الغارقين، ثم أعطتني أمي شريطاً آخر اسمه: قوافل العائدين -قلت أنا: اللهم اجعلنا خيراً مما يقولون- وأحسن مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون -يقول: ها أنذا أكتب لك الرسالة وأنا أبكي بكاءً شديداً وأمي جالسة عندي تبكي معي وتدعو لك بالثبات حتى الممات وهي فرحة جداً بتوبتي، يا شيخ! إن قصتي أكبر وأعظم من هذا، ولكني ذكرتها لك باختصار. أما من أخباري الجديدة منذ أن بدأت الحياة الجديدة حياة التوبة والاستقامة، فأنا أنتقل من خير إلى خير، ومن نور إلى نور، لقد حصلت على وظيفة وأنا الذي كنت عاطلاً لسنوات، بل لست أملك شهادة كما يملك الغير، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء. وأزيدك خبراً من الأخبار ستفرح لي عندما أخبرك به: فزيادة على وظيفتي أنا الآن مؤذن في بيت من بيوت الله، أصدح بالأذان وأردد في اليوم مرات ومرات: الله أكبر ولا إله إلا الله، فادع لي بالثبات وإني والله لأدعو لأصحاب الماضي بالهداية والصلاح وأتمنى أن يعتبر بقصتي أولو الأبصار.

стр. 339

إن الله يغفر الذنوب جميعاً أحبتي! إن الذنوب والمعاصي باب كلنا ولجناه وبحر كلنا سبحنا فيه، ولا ينجو من ذلك إلا المعصومون ممن اصطفاهم الله واجتباهم من الأنبياء والرسل، أما أنا وأنت وأنت فكلنا كما قال النبي ﷺ : (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، وقال بأبي هو وأمي: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم)، رواه مسلم. فالوبال والهلاك هو الاستمرار على المعصية التي زينتها النفوس الضعيفة والشياطين الخبيثة، قال عمر بن عبد العزيز ﵀: يا أيها الناس! من ألم بذنب فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كل الهلاك في الإصرار عليها. أخي! أخية! لا بد من الندم والبكاء بسبب المعصية والإقلاع عنها في الحال، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ولن تطيب الحياة إلا بالعودة إلى الله والتمسك بالدين! كثير هم المترددون، كثير هم الذين يقولون: ذنوبنا كثيرة، معاصينا غزيرة، فهل يغفر الله لنا؟ أقول: نعم -وبأعلى الصوت- يغفر الله لكم إن تبتم وندمتم ورجعتم، بل ويفرح سبحانه بتوبتكم وعودتكم، بل يحب التوابين ويحب المتطهرين. تأمل وتأملي معي في هذه الآيات وهذه الكلمات النبويات: قال الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فالرحمة واسعة ونحن لا شيء، وهو أرحم الراحمين. تدبر وتدبري وتأمل وتأملي في قول الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، نعم يغفر الذنوب جميعاً، بل من كرمه ومنه وجوده يبدل السيئات إلى حسنات. قال سعيد بن المسيب في قوله تعالى: (فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥] قال: هو الرجل يذنب الذنب ثم يتوب، ثم يذنب الذنب ثم يتوب، فالباب مفتوح ويداه سبحانه مبسوطتان بالليل والنهار ليتوب مسيء الليل ويتوب مسيء النهار. قال الفضيل: قال الله: (بشر المذنبين بأنهم إن تابوا قبلت منهم، وحذر الصديقين أني إن وضعت عليهم عدلي عذبتهم). قال ﷺ في الحديث القدسي الصحيح: (إن الله قال: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له على ما كان منه ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئاً). واعلم رعاك الله واعلمي بارك الله فيك! أن نبي الهدى والرحمة قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). فلنسارع بارك الله في الجميع إلى التوبة والندم والرجوع إلى الله، سارعوا بارك الله فيكم قبل أن نصيح بأعلى الصوت: رباه ارجعون؛ رباه ارجعون؛ فلا يستجاب لنا، لكن الباب مفتوح ورحمة الرحمن واسعة. بل أبشر أيها التائب! وأبشري أيتها التائبة! بهذه الآيات العظيمة التي تستغفر الملائكة فيها للتائبين قال الله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩]. فالبدار البدار! والمسارعة المسارعة! فإن حياة النفوس في السمو ونجاتها في العلو. الله الله في التوبة والإنابة. الله الله في الثبات حتى الممات. الله الله في الصدق في التوبة مع الله. الله الله في الصدق في التوبة مع الاستقامة. واعلم أن باب الاستقامة هو المحراب فالخير كل الخير في ارتياد المساجد، وزاد المساجد هو خير زاد للانطلاق ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] فما جزاء خوفهم؟ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٨]. عمارة المساجد من الإيمان كما قال الله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]، وقال ﷺ : (من غدا إلى المسجد أو راح، بنى الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح وأحب البقاع إلى الله المساجد وأبغضها إلى الله الأسواق). قال الحسن بن علي ﵂: (من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثماني خصال: آيةً محكمة، وأخاً مستفاداً، وعلماً مستظرفاً، ورحمةً منتظرةً، وكلمةً تدله على هدى أو تردعه عن ردى، وترك الذنوب حياءً أو خشيةً). ولله در القائل: لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح اللهم ارحم عباداً غرهم طول إمهالك، وأطمعهم دوام إفضالك، ومدوا أيديهم إلى كرم نوالك، وتيقنوا أن لا غنىً لهم عن سؤالك. قولي وقل ولنردد: اللهم إن يكن الندم توبة إليك فإنا إليك من النادمين، وإن يكن الترك لمعصيتك إنابة إليك فإنا لك يا رب من المنيبين، وإن يكن الاستغفار حطة للذنوب فإنا لك من المستغفرين، اللهم فتقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا، ولا ترجعنا مرجع الخيبة من رحمتك فإنك أنت التواب الرحيم الجواد الكريم، يا غافر الذنب يا قابل التوب يا أرحم الراحمين. يا من له وجب الكمال بذاته بل كل غاية فوزهم لقياه سبحان من أحيا قلوب عباده بلوائح من فيض نور هداه من كان يعرف أنك الحق الذي بهر العقول فحسبه وكفاه مولاي جودك لم يدع لي مطلباً إلا وتممه إلى أقصاه اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. اللهم اقبل توبة التائبين واغفر ذنوب المذنبين. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً وتفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً يا أرحم الراحمين. اللهم وفقنا لتوبة نصوح قبل الموت وشهادة عند الموت ورحمة بعد الموت يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يجاهدون من أجل إعلاء كلمة دينك، اللهم انصرهم في كل مكان يا رب العالمين. اللهم ثبت إخواننا في العراق وفي فلسطين وأفغانستان وكل مكان، كن لهم عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً. واعلموا أنهم ينصرون بدعوة التائبين، فلنجدد التوبة وندعو لهم منيبين إلى الله راجعين. تقبل منا إنك أنت السميع العليم، آمنا في أوطاننا اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإلا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. أستغفر الله العظيم وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 340

حتى لا يلقى الطفل عند القمامة تمكنت العنصرية والجهل والفخر بالأحساب بين الناس، فغلت المهور، وعسر الزواج على الشباب؛ فكان ذلك سبباً في انتشار الزنا وارتفاع معدلاته، وإلقاء أطفال لا ذنب لهم في القمامات والطرقات، وعلى أبواب المساجد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 341

بشاعة جريمة الزنا وسد الطرق الموصلة إليه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة! جريمة الزنا من أعظم الجرائم وأبشعها وأفظعها، ضررها معلوم، تنتهك بالزنا الأعراض، وتضيع به الأنساب، وبه تنتشر الأمراض التي ما سمعنا بها في آبائنا الأولين، والقاعدة الشرعية تقول: إن الله إذا حرم شيئاً حرم كل ما يوصل إليه، فسد الله أبواب الزنا، فحرم الاختلاط، وحرم الخلوة بالمرأة، وحرم التبرج والسفور، بل حرم النظر إلى ما لا يرضي الله جل في علاه، وزيادة على هذا كله شرع أشد العقوبات لمن يرتكب هذه الجريمة العظيمة -أي: الزنا-: الرجم حتى الموت إن كان محصناً؛ لأن الجريمة بشعة، فكان الحد مناسباً لبشاعتها، الرجم حتى الموت. ومما لا يختلف فيه: أن الرجل بحاجة إلى المرأة، وأن المرأة بحاجة إلى الرجل، فطرة الرجل تسدها المرأة، وفطرة المرأة يسدها الرجل، غريزة موجودة في الذكور والإناث، إن لم تسد هذه الغريزة بما شرع الله، فسيلجأ الناس أو ضعاف الإيمان إلى سدها بالحرام.

стр. 342

الحكمة من تشريع الزواج فمن أجل ذلك شرع الله الزواج حين حرم الزنا، ثم سد الأبواب الموصلة إلى الفاحشة. شرع الله الزواج وهو سنة الأنبياء وسبيل المؤمنين، قال الله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]، وقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، وقال ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج)، فشرع الله الزواج لتلبية الحاجة في نفوس الرجال والنساء، فلا خلاف في مشروعية الزواج وفضله، بل نهى الله عن العضل، الذي هو: منع المرأة وحبسها عن الزواج فقال الله سبحانه: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٢] وعظم الله ذلك العقد بين الرجل والمرأة وسماه ميثاقاً غليظاً؛ لعظم شأنه وحرمته عند الله جل في علاه، فقال سبحانه: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢١] ولأهمية الزواج قدمه كثير من المحدثين والفقهاء على الجهاد؛ لأن الجهاد يحتاج إلى الرجال، ولا سبيل لإيجاد الرجال إلا عن طريق الزواج. ومن فوائد الزواج محاسنه: أنه من أسباب الغنى، وصد الفقر، كما قال الله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]. فبالزواج يحفظ النسل، وتصان الفروج، وتحفظ الأعراض، ويحصل الإحصان، ويأمن المجتمع من جريمة الزنا. عباد الله! معدلات الزنا في المجتمع في ارتفاع يوماً بعد يوم، ولقد اطلعت على تقارير الهيئات في ضبط المشاكل والخلوات فوجدت أكثرها لفتيات وشبان في شقق وفي سيارات، اذهب إلى المجمعات فسترى آلافاً مؤلفة من الفتيان والفتيات في أبهى حلة، وأحسن زينة، ماذا يريد هؤلاء؟! ولماذا خرجوا؟ بحثاً عن إشباع الغرائز، ولماذا ارتفع الزنا؟ وزادت معدلاته؟ اسمع رعاك الله! قبل أن أذكر لك الأسباب سأذكر نسبة أولاد السفاح، ففي المنطقة الشرقية في العام الماضي فقط، عام ١٤٢٤هـ عدد أولاد السفاح الذين وجدوا على أبواب المساجد وفي المزابل والقمامات ثمانية وأربعون طفلاً، فما ذنب هؤلاء؟ يقول أحدهم: خرج أبي لصلاة الفجر وفي طريقه إذا به يسمع صياح طفل صغير يصدر من مكان ما، ارتفع صياحه، وبحث أبي عن مصدر الصوت، فإذا به في القمامة قد لف بقطعة قماش، ورمي هناك، ما ذنب هذا الصغير؟ ومن أين أتى؟ أقول: إنها جريمة الزنا، الجريمة الشنيعة التي شرع الله أشد العقوبات لمرتكبيها من الرجال والنساء.

стр. 343

أسباب انتشار الزنا أسباب انتشار الزنا في زماننا عديدة من أهمها ما يلي: أولاً: القنوات والتبرج والسفور: إن إثارة الغرائز في كل مكان هو من أعظم أسباب انتشار الرذيلة، ففي البيوت شاشات وقنوات، ومجلات وأغان ماجنات، وفي دراسة أجريت على أكثر من خمسمائة فيلم يعرض على هذه الشاشات والقنوات، تبين أن (٧٠%) من موادها إثارة جنسية، ودعوة إلى الجريمة والسرقة ومفاسد الأخلاق، كيف لا يتأثر البنون والبنات بمثل هذا؟!! إن خرجنا إلى الشارع وجدنا نساء كاسيات عاريات في كل الطرقات! أين نذهب إذاً؟! وأين يفر الشباب من الفتن؟! شاشات وقنوات ملئت بها البيوت يشاهدها الصغير والكبير بلا حياء، وبلا رقيب ولا حسيب، وأغان صباحاً ومساءً تدعو إلى مثل هذه الأمور، والأطم والأعظم تأخير الزواج بأعذار واهية، فتارة يقول الأب: ابنتي صغيرة، والله الذي لا إله إلا هو إن اللائي ضبطن في الخلوات، أعمارهن في سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة، فأعمارهن لم تتجاوز العشرينات، أي صغيرة هذه؟!! والله لو تكلمت الصغيرة- وما ردها إلا الحياء- لقالت لأبيها: إن أمنيتي رجل صالح وبيت صغير، تأوي إلى ذلك الرجل، ويأوي إليها. اتصلت إحدى فتياتنا على أحد مشايخنا قائلة: انصحوا أبي، إنه يرد الخطاب عني، وأنا والله على خطر عظيم. تعتذر البيوت بصغر الفتيات، وتناسى هؤلاء أن أم المؤمنين عائشة تزوجت وهي ابنة تسع سنوات. ومن الأعذار الواهية قولهم: نريدها أن تكمل تعليمها، أقول: وهل التعليم أهم من الزواج؟! ولسنا ضد التعليم أصلاً، وما المانع من أن تتزوج وتكمل تعليمها؟! أمهات الجيل الماضي لا يقرأن ولا يكتبن وخرجن أجيالاً من أحسن الأجيال، ما ضرهن والله أنهن لا يقرأن ولا يكتبن. تقول إحداهن: كنت صغيرة في السن حين تقدم لي الخطاب، فردهم أبي بقوله: أريدها أن تكمل تعليمها، فلما تخرجت قال: أريدها أن تحصل على الوظيفة، ولا زال الخطاب يتقدمون وهو يردهم عني، حتى بلغت الثلاثين وبدأ الخطاب يقلون عني، وهو يردهم بأوهى الأعذار، بل ربما يتقدمون وأنا لا أعلم عنهم حتى بلغت الأربعين من العمر، فجاءته الساعة التي لا بد أن تأتي لكل واحد منا، في ساعات الاحتضار يتذكر الإنسان ما قدم وما أخر، وفي تلك اللحظة تذكر الأب ذلك الظلم الذي أوقعه على تلك الفتاة، فأخذ يعتذر إليها في آخر اللحظات، قالت: والله لن أسامحك! والله لن أسامحك! صويحباتي أمهات وجدات وأنا بين الجدران الأربعة، والله لن أسامحك! مت غير مغفور لك، والله لن أدعو لك، ولن أستغفر لك، وإذا وقفت أنا وأنت أمام الله فسأخاطبك أمام الله: حرمتني حقاً من حقوقي. والله الذي لا إله إلا هو إني لأعرف بيتاً من بيوت المسلمين فيه سبع فتيات تجاوزت أعمارهن الثلاثين، ولا يزال الأب يرد الخطاب طمعاً وجشعاً وظلماً وعدواناً، تارة صغيرة، وتارة أريد منها أن تكمل التعليم، أي تعليم هذا؟! ثانياً: العصبية الجاهلية للأنساب: ومن أعظم الأسباب التي تفشت بين الناس اليوم بين حضر وبدو أن هذا لا يزوج فلاناً! وهذا لا يقبل فلاناً، إنها الجاهلية بأم عينها؛ لأن الميزان في الإسلام: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فالناس عند الله سواسية كأسنان المشط، لا تقدمهم أحسابهم ولا أنسابهم، وفي الحديث: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه). اسمع الطامة العظمى! اتصلت بي إحداهن وهي طالبة في الكلية في السنوات الأولى، فقالت: نحن في خطر، تكلموا عن الخطر الذي يهددنا، الإباحية في كل مكان، نريد أن نعف أنفسنا بالزواج، ادع لي يا شيخ، قلت: عسى الله أن ييسر الأمور. ثم اتصلت بي أخرى بعد حين باكية قائلة: تقدم لي حافظ للقرآن، حافظ لآيات الله وكلامه، ذو خلق وأدب عظيم، يشهد له القاصي والداني، فرده أبي قائلاً: أنا من قبيلة كذا وكذا فلا أزوج هذا، بل قال لي: اقطعي الأحلام، والله لأزوجنك من قاطع طريق وشارب خمر، ولا أزوجك هذا، وهو حافظ للقرآن! قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. إن الله وضع ميزاناً هو ميزان التقوى، وهو ميزان التفاضل بين الناس، الناس عند الله سواسية، فلماذا نرد فلاناً وفلاناً؟ ما الضابط للرجل حين يتقدم؟ قال ﷺ : (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، يتقدم الشاب اليوم فلا يسأل عن خلقه ولا يسأل عن دينه، وإنما يقال له: ابن من؟ وممن؟ وما هي وظيفتك؟ ووضعنا الدين آخر الدرجات ثم قال ﵊: (إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) والفساد واقع في كل مكان. ثالثاً: غلاء المهور: من الأسباب التي عطلت الزواج وجعلته عقبة في وجوه الشباب: غلاء المهور، تفرض آلاف مؤلفة ما أنزل الله بها من سلطان، من أين للشباب بثلاثين وأربعين وخمسين ألفاً ورواتبهم لا تتجاوز الألف والألفين؟! والفتن في كل مكان تطارد الفتيات والفتيان، ثم توضع هذه العقبات والعراقيل. ثم ما المقصد من الزواج أصلاً؟ أليس المقصد حفظ الفتاة والشاب، وإنشاء أسرة مسلمة؟! اليوم لا تنشأ الأسرة المسلمة إلا بملايين الريالات؛ لأن الرجال لا يديرون الأمور، فتخلوا عن المسئولية وأعطوها للنساء. في زواج مضى كانت حفلة الزواج فيه قد كلفت أكثر من عشرة ملايين ريال! ثم باء هذا الزواج بالفشل بعد شهر واحد، فمن أين للشباب مئات الآلاف من الريالات؟ يريد خمسين ألفاً للمهر، وخمسين لإعداد عشة الزواج، من أين لهم بمثل هذا؟! كثير من الشباب لا يبني حياته إلا على ديون لسنوات طوال، أما قال النبي ﷺ كما في مسند أحمد وغيره: (أبركهن أيسرهن مئونة). وهل فتياتنا وبناتنا أحسن من أمهات المؤمنين؟! حين سئلت عائشة ﵂ عن صداقه ﷺ لنسائه -كما عند مسلم وغيره- فقالت: (ما زوج النبي ﷺ بناته ولا أصدق نساءه بأكثر من ثنتي عشرة أوقية ونشاً، قالت: أتدري ما النش؟ نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم) خمسمائة درهم لأمهات المؤمنين، وهن أطهر النساء وأعفهن، وأكرمهن عند الله جل في علاه، ولبناتنا نطالب بثلاثين وأربعين وخمسين ألفاً، من أين يأتي الشباب بمثل هذا؟ أيسرقون أم يلجئون إلى الزنا؟ نحن الذين دفعناهم إلى هذا، كم من شاب التزم وأراد تحصين فرجه فإذا بالأبواب مغلقة أمامه! وكان ذلك سبباً في انتكاسته، الكل يتحمل المسئولية؛ لأن الحلال في المجتمع بمئات الآلاف من الريالات، والحرام بأيسر الأموال! وجدت حالة إيدز اكتشفت في المنطقة الغربية لطالب في المرحلة المتوسطة، وبعد التتبع عثر على وكر من أوكار المتخلفين من الحج يقدم الزنا بعشرة ريالات، الحرام بعشرة ريالات في حين أن الحلال بمئات الآلاف من الريالات. اتقوا الله عباد الله! فما أنزل الله بهذا من سلطان. أحد الشباب يروي قصة زواجه، فيقول: حين عزمت على الزواج اخترت بيتاً صالحاً أعرفه -وهذا هو الأصل؛ لحديث: (تخيروا لنطفكم؛ فإن العرق دساس)، أي: ابحثوا عن الصلاح لا الحسب والنسب، فالضابط هو صلاح الرجل والمرأة- قال: فذهبت إلى أبيها في المسجد، وصليت بجانبه، فلما انتهى من صلاته فاتحته بالموضوع على تردد، هو يعرفني، قال: أنت ممن نرضى دينه وخلقه، جئنا بأهلك حتى نتعرف عليهم، جئته بعد أيام بأهلي، تعارف الأهل، وحصلت بينهم مودة وألفة، قال لي الأب: الأسبوع القادم إن شاء الله تأتي ومعك الشهود نعقد لك على فلانة، أردت أن يبين لي كم المهر؟ وما هي الشروط والضوابط؟ فلم يتكلم قال: الموعد الأسبوع القادم. يقول الشاب: كنت على الوظيفة منذ عشر سنوات، جمعت مبلغ عشرين ألف ريال -وهذا إنجاز في ظل هذه الظروف التي نمر بها الآن، أي: أن يجمع إنسان مبلغ عشرين ألف ريال- قلت: عشرين ألف أستحي أن أعطيه إياها؛ لأن السائد تنافس الناس على المظاهر والإسراف والتبذير، حتى أصبحنا إخواناً للشياطين الذين من أصلهم الإسراف والتبذير، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧] فاقترضت عشريناً أخرى حتى أصبح المبلغ أربعين ألف ريال. وقلت: الأربعون لا تكفي اليوم! فذهبت في اليوم المحدد وجاء الشيخ بعقد النكاح، وبدأت الدقائق تمر علي وأنا في حرج شديد، حتى حانت تلك الساعة التي قال فيها الشيخ: كم المهر؟ فسكت، فرددها علي، قلت: أربعين ألفاً، قال الأب: لا، فسقط قلبي بين يدي، قال الأب: خمسة آلاف تكفيها، واستعن بالباقي أنت وإياها على قضاء حوائجكما، فقمت فقبلت رأسه، وحق لمثل هذا أن يقبل رأسه، ومثله قليل. أعينوا الشباب وساعدوهم واحفظوا الفتيات والمجتمع، فالزنا في كل مكان، أولاد السفاح في كل مكان، على أبواب المساجد في المزابل والقمامات! اتقوا الله عباد الله! يسروا ولا تعسروا، اللهم من يسر على الشباب فيسر عليه، ومن عسر عليهم فرده إلى الحق يا رب العالمين! اللهم احفظ بيوتنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 344

من قصص السلف في تيسير المهور الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، ومن تقوى الله تيسير المهور، وتيسير أمر الشباب والفتيات، المقصد من الزواج بناء أسرة مسلمة نحفظ بها هذه المجتمعات من الوقوع في الفاحشة والرذيلة، ثبت في الصحيحين: أن النبي ﷺ زوج رجلاً فقيراً بما عنده من القرآن، فمن يسن هذه السنة الحسنة اليوم فينا الآن؟! أين من يزوج الصالح؟ أين من يبحث لابنته عن ذلك الشاب التقي النقي، فيعطيها ويسلمها إليه؟ ذكر في السير: أن مجلس سعيد بن المسيب يحضره عشرات، بل مئات من الشباب الصالحين، فانقطع شاب من الشباب عن الحضور يوماً، فلما حضر بعد أيام سأله سعيد: أين كنت يا أبا وداعة؟ قال: ماتت زوجتي، وانشغلت بدفنها وعزائها، فقال سعيد ﵀: هلا أخبرتنا حتى نعزيك ونواسيك؟! ثم قال له: هل نويت بأمر بعدها؟ أي: هل عزمت على زواج بعدها؟ قلت: ومن يزوجني، وأنا لا أملك إلا ثلاثة دراهم؟ قال سعيد: سبحان الله! ثلاثة دراهم لا تعف مسلماً، قلت: ومن يزوجني؟ قال: أنا، قلت: ابنة سعيد بن المسيب التي يخطبها الأمراء والوزراء ويردهم عنها، تدري لماذا؟ لأنه يريد لها صاحب الدين والخلق، ما نظر إلى الجاه ولا للحسب والنسب، يريد أن يعطي تلك الأمانة التي استرعاه الله إياها إلى يد أمينة، قال: أنا أزوجك، قلت: ابنة سعيد بن المسيب التي يخطبها الأمراء والوزراء فيردهم، قال: أنا أزوجك، فدعا من كان في ناحية المسجد، ثم قال: الحمد لله، وأثنى على الله، ثم قال: زوجنا فلاناً على فلانة بدرهمين، تم العقد، يقول: طرت من الفرح، ابنة سعيد! ذهبت إلى داري وأنا أطير من شدة الفرح، دخلت وكان الوقت ساعة مغيب الشمس، كنت صائماً، أخرجت خلاً وخبزاً أريد الإفطار، فإذا بطارق يطرق الباب، قلت: من؟ قال: سعيد، فجاء على بالي كل سعيد إلا سعيد بن المسيب -فما رئي منذ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، ما فاتته تكبيرة الإحرام أربعين سنة- فتحت الباب فإذا بـ سعيد بن المسيب قلت: لقد رجع في كلامه، قلت: لماذا أتيت كان حري بك أن تستدعيني وأنا آتيك؟! قال: مثلك يؤتى إليه، أنت إنسان زوجناك وخفت أن تبيت الليلة عزباً، ويحاسبني الله على عزوبيتك، فإذا بسواد من خلفه دفعها داخل الباب سقطت من حيائها، ثم قال: بارك الله لك وبارك عليك، هذه زوجك، أسأل الله أن يوفق ويصلح بينكما، ثم ذهب في طريقه، يقول: فنظرت إليها فإذا هي من أجمل النساء، والله ما رأت عيني أجمل منها، فصعدت إلى سطح المنزل، ناديت جيراني، قلت لهم: سعيد بن المسيب زوجني من ابنته، وقد أتى بها هذه الليلة، انزلوا عندها، وقال: سأذهب لأخبر أمي بالخبر، فذهبت إليها فقالت لي: وجهي من وجهك حرام، والله لا تقربنها إلا بعد ثلاثة أيام، حتى أزينها كما تزين العروس، وبعد ثلاثة أيام أدخلت عليها، والله ما رأت عيني أجمل منها، إن تكلمت أحسنت الكلام، وإن سكتت على أجمل مقام، مكثت معها شهراً كاملاً لم أر منها إلا صياماً وقياماً، وبعد شهر أردت الذهاب إلى مجلس سعيد، فقالت: إلى أين تذهب؟ قلت: إلى مجلس سعيد لطلب العلم، قالت: اجلس فإن علم سعيد كله عندي، ذهبت إلى مجلس سعيد بعد شهر، فلما رآني تبسم ولم يكلمني حتى انفض الجمع من المجلس، فلما انفض جئته وجلست بين يديه، فقال: كيف ضيفكم؟ قلت: على أحسن حال، قال: إن رأيت ما لا يعجبك فالعصا، ثم أعطاني عشرين ألف دينار، وقال: استعن أنت وإياها على قضاء حوائجكما. أين لنا بمثل سعيد اليوم؟! أين لنا بمثل هؤلاء؟! الزنا في كل مكان، والشاشات والقنوات عاثت فساداً في الأخلاق والأعراض، أعراضنا تنتهك، شبابنا لا يجدون ما يسد حاجتهم، وفتياتنا في الأسواق كاسيات عاريات، ونحن نقول: عشرات الآلاف من الريالات! اتقوا الله عباد الله! يسروا أمور الزواج، احفظوا المجتمع من الفواحش والمنكرات، ولن يكون هذا إلا إذا سرنا على المنهج الرباني والنبوي الصحيح، فما زوج بناته ولا تزوج أمهات المؤمنين بأكثر من خمسمائة درهم ﵊، فلماذا مثل هذا عباد الله؟! اللهم يسر للشباب وحصن فروجهم، واحفظ الفتيات وحصن فروجهن يا رب العالمين! اللهم من يسر على معسر فيسر عليه، ومن عسر عليه فرده إلى الحق يا رب العالمين! اللهم احفظ مجتمعاتنا من الفتن والفواحش والمنكرات ما ظهر منها وما بطن يا رب الأرض والسماوات! اللهم طهر بيوتنا من الشاشات والقنوات، اللهم احفظ نساءنا وأطفالنا! اللهم وسع على شباب المسلمين يا رب العالمين! اللهم حصن فروجهم، وغض أبصارهم، وثبتهم على الطاعة يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم ول علينا خيارنا، واكفنا شرارنا، اجمع شملنا، ووحد صفنا، وأصلح ولاة أمورنا، وانصرنا يا قوي يا عزيز على القوم الكافرين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمتك، اللهم فك أسرهم، وارفع الحصار عنهم يا رب العالمين! اللهم أمدهم بمدد من عندك، وجند من جندك يا حي يا قيوم! انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، قو عزائمهم، واربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم. اللهم من أرادنا وبلادنا وبلاد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره في تدميره، وكيده في نحره يا رب العالمين! اللهم عليك باليهود والنصارى المعتدين الظالمين، وعلى أعداء الملة ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم.

стр. 345

حوادث على الطريق لقد استعمل بعض الناس السيارة في أغراضه السيئة، والوصول إلى مآربه السافلة، فصار يفر بها إلى البراري ليقترف ما تهواه نفسه بعيداً عن أعين الناس، وبعيداً عن أيدي الإصلاح، والأدهى والأطم هو أن تجد أولئك الذين يستعملون هذه المركبة هذا الاستعمال السيء في أوساط المدن والشوارع العامة. إن السيارة نعمة من الله، ومن يقوم بمثل هذه الأعمال السيئة فإنه لا يشكر النعمة، وإنما يستهزئ بها، ويستغلها في غير موضعها، وقد تكون نهايته في سيارته! فهل سأل هذا المتهور نفسه على أي حال سيموت؟ وماذا عمل للقاء هذا اليوم؟

стр. 346

قبل البداية هذه تحية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم صغاراً وكباراً، وأهلاً بكم رجالاً ونساءً، وأهلاً بكم في محاضرة عنوانها: حوادث على الطريق. عناصر اللقاء ستكون كما يلي: بعد الحمد وقبل البداية تحية، ثم السيارة نعمة أم نقمة؟ ثم أرقام وإحصائيات، ثم ما هي الأسباب؟ ثم حوادث على الطريق. الحادث الأول: حادث قبل العيد. الحادث الثاني: من لم تعلمه المواعظ أدبته الحوادث. الحادث الثالث: في ذمة الله. الحادث الرابع: الملتقى الجنة. فقبل البداية هذه تحية: إذا طلعت شمس النهار فإنها أمارة تسليمي عليكم فسلموا سلام من الرحمن في كل ساعة وروح وريحان وفضل وأنعم على الصحب والإخوان والولد والألى رعاهم بإحسان فجادوا وأنعموا وسائر من للسنة المحضة اقتفى وما زاغ عنها فهو حق مقوم ولولاهم كانت ظلاماً بأهلها ولكنهم فيها بدور وأنجم أولئك أحبابي فحيا هلاً بهم وحيا هلاً بالطيبين وأنعموا أحبتي! إن نعم الله لا تعد ولا تحصى، فقد أسبغ علينا النعم ظاهرة وباطنة، فله الحمد كله، وله الشكر كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله.

стр. 347

السيارة نعمة أم نقمة ؟ إن هذه السيارات التي تنتقل بها من مكان إلى مكان في يسر وسهولة، نعمة من نعم الله علينا، قال : ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٥ - ٨]، قالوا: أي يخلق من الوسائل التي يركبها الناس في الجو والبر والبحر ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم. ومن هذه الوسائل السيارة، فمنافعها كثيرة، ومصالحها وفيرة، حتى صارت في هذا العصر من الضروريات بحيث لا يستغنى عنها في قضاء الحوائج وتحقيق المصالح، فالواجب علينا أن نشكر الله على هذه النعمة، ومن شكرنا له سبحانه ألا نستخدم هذه النعمة في أغراض سيئة أو نسيء استعمالها، أو نستعين بها على فعل المعاصي والذنوب. قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀: لقد استعمل بعض الناس هذه السيارة في أغراضه السيئة، والوصول إلى مآربه السافلة، فصار يفر بها إلى البراري ليقترف ما تهواه نفسه بعيداً عن الناس، وعن أيدي الإصلاح، ويخرج بها عن البلد ليضيع ما أوجب الله عليه من إقامة الصلاة في وقتها، فهل يصح أن يقال لمثل هذا: إنه شاكر لنعمة الله؟ وهل يصح أن نقول: إنه سالم من عقوبة الله؟ كلا، فهو لم يشكر نعمة الله، ولم يسلم من عقوبته. وتفكر وتأمل وقل لي بالله: السيارة نعمة أم نقمة؟ أحبتي! كم سمعنا عن أولئك الذين ماتوا في حوادث السيارات وهم سكارى، فبعضهم يسمع الغناء، وبعضهم كان سائراً إلى أماكن الخنا واللهو وما يكرهه الله تعالى. أحبتي! كم تسببت الحوادث في وفيات وإصابات وإعاقات؟! وكم خسرنا من شباب؟! وكم ترملت من نساء؟! وكم تيتم من أطفال؟! وكم تسبب متهور بسرعته وعدم مبالاته في فقد كثير من الأبرياء؟! وكم تسببت الحوادث في إعاقات مستديمة لكثير من الشباب والشيب؟! وكل ذلك بسبب الاستخدام الخاطئ للسيارة، ومخالفة الأنظمة التي وضعت لحماية المجتمع. يقول أحدهم: أصبت في حادث مرور منذ عشرين عاماً -بسبب السرعة الزائدة- بإصابة في ظهري أدت إلى شلل كامل، وهكذا انقلبت حياتي رأساً على عقب، وتاهت أحلامي، وضاعت طموحاتي، أقول: ومثله كثير، (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].

стр. 348

أرقام وإحصائيات واسمع بعضاً من الأرقام والإحصائيات حتى تعلم أن الأمر خطير: توجد إحصائيات لأعوام ماضية عن عدد الحوادث والمصابين والمتوفين في جميع أنحاء المملكة، وإليك بعض هذه الأرقام: في عام ١٤١٧هـ عدد الحوادث: (١٣٥٧٦٣). عدد الإصابات: (٢٥٨٧٠). عدد الوفيات: (٣١٣١). ولاحظ أن النسبة في ازدياد. في عام ١٤١٨هـ عدد الحوادث: (١٥٣٧٢٧). عدد الإصابات: (٢٨١٤٤). عدد الوفيات: (٣٤٧٠). وتأمل الزيادة عاماً بعد عام. في عام ١٤١٩هـ عدد الحوادث: (٢٦٤٣٢٦). عدد الإصابات: (٣١٠٥٩). عدد الوفيات: (٤٢٩٠). وتأمل في عام ١٤٢٠هـ عدد الحوادث: (٢٦٧٧٧٢). عدد الإصابات: (٣٢٣٦١). عدد الوفيات: (٤٨٤٨). والعدد في ازدياد، ولم نستطع أن نحصل على إحصائيات أكثر من هذا العام، لكن كم نفقد من الشباب والشيب، والأطفال والنساء، والصغار والكبار؟!

стр. 349

أسباب حوادث السيارات السرعة الجنونية وعدم المبالاة. مخالفة الأنظمة من قطع إشارات وغيرها. تسليم السيارة لصغار السن الذين هم دون سن الرشد، أولئك الذين لا يدركون قيمة السيارة ولا عظم المسئولية، وكم نرى صغاراً يجوبون الشوارع يمنة ويسرة مع أصحاب لهم، يملئون الشوارع بالتفاحيط والمخالفات، فأين هو الذي استرعاه الله رعية؟! ومن آفات العصر: التفحيط والتطعيس، وما أدراك ما التفحيط والتطعيس؟ فمن الأشياء التي ابتلي بها كثير من الشباب اليوم: التفحيط في الشوارع العامة أو التطعيس على الكثبان الرملية وفي البراري، ولا شك أن فيهما إتلافاً للمال الذي بين أيديهم -وهو السيارة- وإتلافاً للأبدان؛ لأنه كثيراً ما تقع الحوادث بسبب هذا التفحيط أو التطعيس، ويذهب الضحية السائق أو أحد الذين يركبون معه أو أحد المارة. وكم قتل من أبرياء بسبب هذه التصرفات التي تدل على عدم المسئولية وعدم المبالاة! وقد بين علماؤنا حفظهم الله حكم التفحيط والتطعيس، ومفاسدهما وأضرارهما على الفرد والمجتمع. فقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن حكم الصعود على الكثبان الرملية المرتفعة وهو ما يعرف بالتطعيس، وهل يعد آثماً من يشاهد ذلك؟ فأجاب حفظه الله ورعاه: أولاً: المشاهدة تنبني على الفعل، هل هو جائز أم لا؟ فنقول: خروج الشباب إلى البر على هذا الوجه ربما يفضي إلى المفاسد منها: تركهم للجماعات في المساجد، وبعدهم عن أهاليهم. ومنها: أن فيه إتلافاً للمال؛ لأن السيارات تتلف بهذا الاستعمال، وهو إجبار السيارات على أن تصعد على كثبان الرمل، وإذا تضررت كان في هذا إتلاف للمال، وإتلاف المال لغير مصلحة شرعية دينية أو دنيوية محرم؛ لأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال. إذاً فأين العقول السليمة من هذا؟ ثم يقول الشيخ ﵀: ثم إني أسمع كثيراً من الناس يشكون من هذه السيارات، حيث إنها تفسد الأرض والنبات، ومعلوم أنه إذا كثر تردد السيارات على أرض بعينها فإنها ستتلف، ويحصل في هذا ضرر على أهل المواشي. وإذا تبين أن مثل هذا العمل مضيعة للمال، وقد يكون سبباً لأمور محظورة، فإن تشجيعه والخروج للتفرج عليه محرم؛ لأنه إقرار للمحرم ومساعدة عليه، وقد قال سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. ويدلك أيضاً على أن هذا العمل سفه، أن مثل هؤلاء لا يمكن أن يقوموا بهذا العمل أمام شرفاء الناس ووجهائهم، لأنهم يستحون منهم، وفي الحكمة القديمة التي قال عنها النبي ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، (والحياء شعبة من الإيمان). أخي الشاب! يا من خلقك ربك فسواك، ورزقك وكفاك، وأطعمك وسقاك، ومن كل خير سألته أعطاك، ومع ذلك عصيت وما شكرت، وأذنبت وما استغفرت، وتنتقل من معصية إلى معصية، ومن ذنب إلى ذنب كأنك ستخلد في هذه الدنيا ولن تموت، وتبارز الله بالمعاصي والذنوب غافلاً ساهياً عن علام الغيوب، فياليت شعري متى تنتهي وتتوب؟ واسمع إلى هذا الخبر! يقول أحد ضحايا التفحيط: أنا شاب أبلغ من العمر ثلاثين سنة، وقد أمضيت منها تسع سنوات على كرسي الإعاقة بسبب التفحيط، حيث كنت أتباهى بمقدرتي وبراعتي في قيادة السيارة، وبينما كنت أفحط في يوم من الأيام أمام أحد المدارس سقطت سجارتي من مدخنة السيارة، فوقعت على قدمي وعندها اختل توازني، فاصطدمت سيارتي وحصل لي ما حصل. ولذلك أحذر الشباب من خطورة التفحيط الذي جنيتُ عاقبته إعاقة دائمة لي، وأحرقت زهرة شبابي ولم يبق لي إلا رحمة الله جل في علاه! ومثله كثير، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].

стр. 350

حوادث على الطريق نذكر حوادثاً على الطريق، والهدف من ذكرها: العبرة والموعظة، وإلا فالحوادث كثيرة، وقد سمعنا بالأمس القريب عن حادث شنيع، ذهب ضحيته مجموعة من الشباب، والسبب: عدم المبالاة، والسرعة الجنونية.

стр. 351

حادث قبل العيد إن نعمة العقل نعمة عظيمة يملكها كثير من الناس، ولا يستخدمها إلا القليل، وتعالوا بنا نسمع إلى هذه الحوادث! حادث قبل العيد، يقول صاحبنا: بدأت تنقضي أيام العشر الأواخر من رمضان، والعيد قاب قوسين أو أدنى، ولا أعرف أين سنذهب، وأنا أنتظر صديق الطفولة ولكن كالعادة، فالجزء الأكبر من وقتنا نقضيه في جولات بين الأسواق والتجمعات والشوارع، وحين استقريت على مقعد السيارة بجوار عبد الرحمن سألني: هل جهزت ثوباً جديداً لقد أقبل العيد؟ قلت له: لا، قال: ما رأيك أن نذهب إلى الخياط الآن، فسألته متعجباً وأنا أهز رأسي: بقيت ثلاثة أيام أو أربعة على العيد، فأين نجد الخياط الذي يسابق العيد ويختصر الأيام؟ فلم يجبني، وانطلق بالسيارة بسرعة جنونية وكأنه يسابق الزمن، حتى توقف أمام محل للخياطة الرجالية، وسلم صاحبي على الخياط بحرارة؛ لأنه يعرفه منذ زمن طويل، ثم قال له: نريد أن نفرح بالعيد، ونلبس الجديد، فضحك الرجل وأجاب: كم بقي على العيد يا عبد الرحمن؟ لماذا لم تأت مبكراً؟ فأجاب عبد الرحمن وهو يهز يده بحركة لها معنى: سنزيدك في الأجرة، لكن المهم أن تنتهي بعد غد، وأعاد الموعد مرة أخرى: بعد غد، وأنا أرقب المفاوضات الشاقة، وإذا بصاحبي يدفع جزءاً من الثمن وهو يردد ويؤكد: الموعد بعد غد، لا تنس الموعد. ثم انطلقنا بسيارتنا نجوب الشوارع بلا هدف -وهذا حال كثير من الشباب- حتى قبيل الفجر، وكأنه ليس رمضان، وكأنها ليست العشر الأواخر من ليالي رمضان! ونحن لاهون ساهون غافلون، ومضت الليلة كاملة ولم نذكر الله فيها ولا مرة واحدة، وربما إنها ليلة القدر. حياة لا طعم لها، وسعادة لا مذاق لها، ولجنا من المعاصي كل باب، وهتكنا منها كل حجاب، وحسبنا الأمر دون حساب، إظهاراً للسرور والسعادة، وضحكات تملأ المكان، ولكن في القلب هم وغم، والنفس تحلق بها حسرات، ويحيط بها نكد، دليل البعد عن الله. افترقنا قبيل الفجر يجمعنا الليل والسهر والعبث، ونلتقي على المعاصي، وتجمعنا الذنوب، ونوم طويل يمتد من الفجر حتى العصر، وصيام بلا صلاة، وصلاة بلا قلب، وساعة الصيام التي أستيقظ فيها قبل المغرب كأنها أيام أقطعها بالمكالمات الهاتفية العابثة، وبقراءة الصحف والمجلات، وغيري يختم القرآن مرات ومرات، وأنا أنتظر موعد أذان المغرب! حادثني بالهاتف أحد الأصدقاء وصوته متغير وقال: أما علمت أن عبد الرحمن مريض، قلت له: لا، مساء البارحة كان بصحة وعافية، وكنت أنا معه، فقال: إنه مريض، فأدرك صاحبك. انتهت المكالمة والأمر لا يعني لي شيئاً سوى معلومة غير صحيحة، والمؤذن يرفع أذان العشاء وإذا بالهاتف يناديني، رفعت السماعة وإذا هو الشقيق الأكبر لعبد الرحمن، قلت في نفسي: ماذا يريد؟ هل سيؤنبني على ما أفعله أنا وعبد الرحمن، أو أن أحداً أخبره بزلة من زلاتنا، أو سقطة من سقطاتنا، ولكن أتى صوته منهكاً مجهداً وعبراته تقطع الحديث. أخبرني بالخبر، وقال: عبد الرحمن مات! قال لي: عبد الرحمن مات! بهت ولم أصدق! لا زال أمامي أراه، وصوته يرن في أذني، كيف مات؟! قال لي: وهو منطلق إلى المنزل ليلة البارحة بسرعته الجنونية ارتطم بسيارة أخرى عند أحد التقاطعات، ثم حمل إلى المستشفى، ولكنه فارق الحياة ظهر هذا اليوم. أذني لا تصدق ما تسمع، لا أزال أراه أمامي، نعم أمامي، بل اليوم موعدنا لنذهب إلى السوق الفلاني، بل غداً موعد ثياب العيد، موعد ثياب العيد غداً. أيقظني أخو عبد الرحمن من غفوتي، وهز جوانحي، وأزال غشاوة كانت على عيني عندما قال: سنصلي عليه الظهر غداً أخبر زملاءك. انتهت المكالمة! تأكدت أن الأمر جد لا هزل فيه، وأن أيام عبد الرحمن قد انقضت، وآمنت بأن الأمر حق، وأن الموت حق، وأن موعدنا غداً هناك في المقبرة لا عند الخياط، لقد ألبس الكفن وترك ثوب العيد! تسمرت في مكاني، وأصبت بتشتت في ذهني، وبدوار في رأسي، وقررت أن أذهب إلى منزل عبد الرحمن لأستطلع الخبر وأستوضح الفاجعة، وعندما ركبت سيارتي فإذا شريط غناء في جهاز التسجيل، هذا الغناء الذي أفسد قلوبنا، وجعلها أقسى من الحجارة، أخرجت الشريط ورميته من السيارة، فانبعث صوت إمام الحرم من المذياع يعطر المكان بخشوعه وحلاوته، أنصتُّ بكل جوارحي، وأرهفت سمعي وكأن الدنيا انقلبت والقيامة قد قامت والناس تغيرت، أوقفت سيارتي على جانب الطريق، أستمع إلى القرآن وكأني أستمع إليه لأول مرة في حياتي. وعندما بدأ دعاء القنوت، كانت دمعتي أسرع من صوت الإمام، رفعت يدي أستقبل تلك الدموع، يا ألله ما أجمل الدعاء! ما أجمل الخضوع والخشوع واللجوء إلى الله! يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلِ ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النحلِ اغفر لعبد تاب من زلاته ما كان منه بالزمان الأولِ أخذ قلبي يردد صدى تلك العبارات، وبارقة أمل أقبلت خلف تلك الدموع، فأعلنت توبة صادقة، بدأتها بصحبة طيبة ورفقة صالحة. ودعنا عبد الرحمن في اليوم التالي، وانطلقت أنا في طريق الهداية مع رفقتي الصالحة، من كرهتهم بالأمس هم أحب الناس إلي اليوم، ومن تطاولت عليهم بالأمس هم أرفع الناس في عيني اليوم، ومن استهزأت بهم في الأمس هم أكرم الناس عندي اليوم! كنت على شفا جرف هار ولكن الله رحمني، وهدأت نفس مع الرفقة الصالحة، وأطلت سعادة لا أعرفها وانشراح في الصدر، وعلى وجهي سكينة ووقار، زينتها تلك اللحية التي بدأت تنمو وتكبر على وجهي. يا ألله! ما أجمل السنة! وما أجمل الاتباع! فاجأت الخياط بعد أسبوعين، وسألته عن ثوبي، سأل عن عبد الرحمن؟ قلت له: مات، أعاد الاسم مرة أخرى؟ قلت له: مات، بدأ يصف لي عبد الرحمن وسيارته وكلامه، قلت: نعم، هو، لقد مات، وعندما أراني ثوبه، بدأت أسترجع الذكريات، هل حقاً مات؟ ثوبي بجوار ثوبه، ومقعدي في السيارة بجوار مقعده، ولكن بقي لي أجل وعمر، لعلي أستدرك ما فات! حمدت الله على التوبة والرجوع والأوبة، ولكن بقي لنا إخوة كثير مثل عبد الرحمن يعيشون في غفلة، لا يزال على أعينهم غشاوة، ويعلو قلوبهم ران المعصية، فهل نتركهم يموتون كما مات عبد الرحمن؟! عبد الرحمن الذي كان يؤمل أن يلبس ثياب العيد ذهب ولبس الأكفان بدل الثوب الجديد! لا، لن نتركهم، لن نتركهم، كيف نتركهم وأمامهم قبر ونار وعذاب؟! كيف نتركهم وأمامهم أمور وأهوال صعاب؟! لن نتركهم وقد هدانا الله، فهناك كتاب وشريط، وبيننا وبينهم نصيحة صادقة.

стр. 352

من لم تعلمه المواعظ أدبته الحوادث يقول صاحبنا: كنت شاباً غافلاً عن الله، بعيداً عنه، غارقاً في لجج المعاصي والآثام، فلما أراد الله لي الهداية قدر لي حادثاً أعادني إلى رشدي وإلى صوابي، قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، وإليكم القصة: في يوم من الأيام وبعد أن قضينا أياماً جميلة في نزهة عائلية في مدينة الدمام، انطلقت بسيارتي عبر الطريق السريع بين الدمام والرياض، ومعي أخواتي الثلاث، وبدلاً من أن أدعو بدعاء السفر المأثور استفزني الشيطان بصوته، وأجلب علينا بخيله ورجله، وزين لنا سماع لهو الحديث المحرم، لأظل ساهياً غافلاً عن الله. لم أكن حينئذٍ أحرص على سماع إذاعة القرآن الكريم، أو الأشرطة الإسلامية النافعة للمشائخ والعلماء، لأن الحق والباطل لا يجتمعان في مكان أبداً، وكما قيل: حب القرآن وحب ألحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان وكانت إحدى أخواتي كانت صالحة مؤمنة -نحسبها والله حسيبها- ذاكرة لله، وحافظة لحدوده، طلبت مني أن أسكت صوت الباطل، وأستمع إلى صوت الحق، ولكن أنى لي أن أستجيب؟! فقد استحوذ علي الشيطان، وملك علي جوارحي وفؤادي، فأخذتني العزة بالإثم، ورفضت طلبها، وقد شاركني في ذلك أختاي الأخريتان، وكررت أختي المؤمنة طلبها، فازددنا عناداً، وإصراراً وأخذنا نسخر منها. فقلت لها: إن أعجبك الحال، وإلا أنزلتك على قارعة الطريق، فسكتت على مضض، وكرهت هذا العمل بقلبها بعد أن أنكرته بلسانها، وأدت ما عليها، والله سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها. وفجأة وبقدر من الله سبق انفجرت إحدى عجلات السيارة، ونحن نسير بسرعة شديدة، فانحرفت السيارة عن الطريق، وهوت في منحدر جانبي، فأصبحت رأساً على عقب، بعد أن انقلبت فينا عدة مرات، وأصبحنا في حال لا يعلمها إلا الله العلي العظيم. فاجتمع الناس حول سيارتنا المنكوبة، وقام أهل الخير بإخراجنا من بين الحطام والزجاج المتناثر، ولكن ما الذي حدث؟! لقد خرجنا جميعاً سالمين إلا من بعض الإصابات البسيطة، ما عدا أختي الصالحة! أختي الصابرة! أختي الطيبة! لقد أصيبت إصابات بالغة، وماتت من حينها. لقد ماتت أختي الحبيبة التي كنا نستهزئ بها، واختارها الله إلى جواره، وإني لأرجو أن تكون في عداد الشهداء الأبرار، وأسأل الله أن يرفع منزلتها ويعلي مكانتها في جنات النعيم. وأما أنا فقد بكيت على نفسي قبل أن أبكي على أختي، وانكشف عني الغطاء فأبصرت حقيقة نفسي، وما كنت فيه من الغفلة والضياع، وعلمت أن الله قد أراد بي خيراً، فكتب لي عمراً جديداً لأبدأ حياة جديدة ملؤها الإيمان والعمل الصالح. أما أختي الحبيبة فلا تكاد تغيب عن مخيلتي، ودائماً أراها وأتخيلها وأدرك دموع الحزن والندم، وكم وجهت لي من النصائح! وكم دعت لي من الدعوات! لقد كان موتها سبباً لاستيقاظي وانتباهي من غفلتي. أتذكر تلك الذنوب والمعاصي، وأتساءل في نفسي هل سيغفر الله لي؟ فأجد الجواب في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. فهذه نصيحتي للغافلين وللمدبرين والمعرضين عن الصراط المستقيم. أقول: من لم تعلمه المواعظ، أدبته الحوادث، وأفيقوا من غفلتكم، وخذوا العبرة من غيركم، قبل أن تكونوا لغيركم عبرة، قال سبحانه: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨].

стр. 353

في ذمة الله يقول عبد الله: في ضحى أحد الأيام ودرجة الحرارة عالية انطلقت أنا وزميل عمل لي إلى منطقة بعيدة في مهمة عمل، وكان صاحبي يتولى القيادة، وكنت بجانبه بين نائم ويقظان، وكنت أنبهه بالسرعة المحددة كلما تجاوز ذلك، وكنا نستمع إلى شريط لأحد المشايخ، وكان يتكلم فيه عن الجنة ونعيمها، وقبل وصولنا إلى تلك المنطقة حدث ما لم يكن على البال والحسبان، فانفجر الإطار الخلفي لسيارتنا من شدة الحرارة، وسبّب انفجاره صوتاً عالياً مما أربك صاحبي وأفقده السيطرة تماماً على السيارة، وأخذت السيارة تسير بنا كسفينة بلا ربان تتقاذفها الأمواج، وازداد الموقف شدة وسوءاً حين اتجهت سيارتنا إلى الطريق المعاكس، وأخذت تتجه نحو شاحنة أقبلت علينا، ولم يبق على الموت إلا لحظات، وحينها مرت بخاطري أمور وذكريات، فتذكرت أمي التي ودعتها في الصباح على أن أرجع إليها في المساء، وقلت في نفسي: كيف سيكون حالها وهي تتلقى الخبر؟ ومر بي شريط حياتي الماضية في لحظات، وأخذت أردد: بسم الله! لا إله إلا الله! الله أكبر! لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين! وأغمضت عيني بانتظار الاصطدام، ثم فتحت عيني فإذا بسيارتنا قد مرت من أمام الشاحنة التي لم يكن بيننا وبينها إلا خطوات، وسقطت سيارتنا في حفرة على جانب الطريق، وساد السيارة صمت قطعه أصوات الذين اجتمعوا حول سيارتنا، ثم نزلت من السيارة وأنا أردد: الحمد لله! الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات! الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء! والله ما كان بيننا وبين الموت إلا لحظات، وأما صاحبي فلم يستطع النزول من السيارة، وانكب على وجهه باكياً من شدة الموقف، وأنا أهدئ من روعه، وبينما نحن على هذه الحال أقبل علينا شيخان كبيران، تزينهما لحىً بيضاء وثياب قصيرة، وأخذوا يقبلوننا ويهنئوننا ويحمدون الله لنا بالسلامة، ثم قال أحدهم لنا كلمات، سأظل أذكرها ما حييت أبداً، قال: كنا خلفكم، ورأينا ما حدث لكم، ورأينا كيف مالت بكم السيارة يميناً ويساراً، ثم مرروركم أمام الشاحنة ونجاتكم من الموت بأعجوبة، لا أقول إلا أنكم كنتم في حفظ الله ورعايته، ولا بد أنكم صليتم الفجر في جماعة، فأنتم في ذمة الله! يقول عبد الله: فقلت في نفسي: الحمد لله، فأنا منذ سنوات طوال وأنا أحافظ على جميع الصلوات في المسجد، وفي صلاة الفجر، وكم أشعر بالأمن والأمان والراحة والاطمئنان، وكيف لا وهي حفظ من الله وضمان؟! وقد سألت صاحبي: أين صليت الفجر اليوم؟ فلم يستطع الإجابة، ثم توجه إلى خلف السيارة، فتوضأ ثم صلى، سبحان الله! سبحان الله! لم يبق على صلاة الظهر إلا القليل، وصاحبي لم يصل الصبح إلى الآن، فأي حياة هذه؟ وكيف سيكون حاله لو مات على هذه الحال؟! وفي ذمة من سيكون؟! إن صلاة الفجر تشتكو هجراً ومقاطعة من شباب المسلمين وشيبهم ونسائهم وأطفالهم. وإنك لتحزن أشد الحزن على حال الأمة وهي تمر بأحلك الظروف وأشد المواقف، وإلى الآن لم ترجع إلى ربها، وإلى الآن لم تراجع حساباتها! لي فيك يا ليل آهات أرددها أواه لو أجدت المحزون أواه أنى التفت إلى الإسلام في بلد وجدته كالطير مقصوص جناحاه قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٣]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٩]. يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم يا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضر يحل بنا لما تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا لما وصلنا إلى الشاطئ عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة وما سقطنا لأن الحافظ الله أبشر يا من حافظت على صلاة الفجر وباقي الصلوات في الجماعة فأنت في ذمة الله، كما قال رسول الله ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح) قال أهل العلم: في ذمة الله، أي: في حفظ الله ورعايته، وقالوا: إذا مات من يومه أو ليلته دخل الجنة، وقال ﷺ : (من صلى البردين دخل الجنة) والبردان: الصبح والعصر. أبشر يا من صلى الفجر وباقي الصلوات في المسجد بالنور التام يوم القيامة، قال ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) وما أدراك ما يوم القيامة؟ قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ [الحديد:١٢ - ١٣]-الذين من أعظم صفاتهم النوم والتخلف عن الصلوات- ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٣ - ١٧] أبشر يا من صلى الفجر بهذه البشارة العظيمة، جاء في الحديث المتفق عليه من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) اسمع الثمن؟ (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] واسمع من أخبارهم في جنات ربهم: فبينما هم في عيشهم وسرورهم وأرزاقهم تجري عليهم وتقسم إذا هم بنور ساطع أشرقت له بأقطارها الجنات لا يتوهم تجلى لهم رب السماوات جهرة فيضحك فوق العرش ثم يكلم سلام عليكم يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمه إذ يسلم يقول: سلوني ما اشتهيتم فكل ما تريدون عندي إنني أنا أرحم فقالوا جميعاً: نحن نسألك الرضا فأنت الذي تولي الجميل وترحم فيعطيهم هذا ويشهد جمعهم عليه تعالى الله فالله أكرم فيا بائعاً هذا ببخس معجل كأنك لا تدري بلى سوف تعلم فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.

стр. 354

رسالة إلى من آثر نومه على طاعة ربه وإليك رسالة يا من آثرت نومك على طاعة ربك أترضى أن تتصف بصفات المنافقين؟ قال ﷺ : (أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) رواه أحمد. وقال الله عن المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤٢ - ١٤٣] أترضى أن تكون مثلهم؟ أترضى أن تتصف بصفاتهم؟ أترضى أن تكون معهم؟ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]؟! أترضى أن تنضم إليهم؟ أترضى أيها المتخلف عن الصلوات أن تكون مثل هذا؟ سئل ﷺ عن رجل نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، قال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)، أترضى أن يكون هذا حالك كل يوم؟ واسمع رعاك الله إلى هذا الوعيد الشديد لمن ينام عن الصلاة، فجراً كانت أو عصراً أو أي صلاة، من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يكثر من القول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قال: فيقص عليهم ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع -وفي رواية- ملقىً على قفاه، وإذا آخر قائم عليه بصخرة يهوي بها على رأسه، فيثلغ بها رأسه، فيتدهده الحجر ههنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يعود رأسه كما كان، ثم يعود فيفعل به مثل ما فعل به في المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذا؟! قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا حتى على مثل التنور، - قال أحسب أنه كان يقول - فإذا فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا -أي: علت أصواتهم من شدة الألم- قال: قلت: سبحان الله ما هذا؟ فقالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول - أحمر مثل الدم، وإذا في النهر سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا بذلك السابح يسبح ما شاء، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه -أي: يفتح فمه- فيلقمه حجراً فينطلق يسبح، ثم يرجع وكلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق) وفي آخر الحديث قال: (قلت لهما: فإني قد رأيت الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور فهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا). فاتق الله يا من تنام عن الصلوات، واتق الله يا من تعاقر الزانيات والمومسات، واتق الله يا من تأكل أموال الربا. يا أيها اللاهي على أعلى وجل اتق الله الذي واستمع قولاً به ضرب المثل ودع الهزل وجانب من هزل قال سبحانه: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]، وقال عز من قائل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:٣٠ - ٣٢]. فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قريب ستندم أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم وبالسنة الغراء كن متمسكاً هي العروة الوثقى التي ليس تفصم وهيئ جواباً عندما تسمع الندا من الله يوم العرض ماذا أجبتم؟ ماذا أجبتم به رسلي لما أتوكم؟ فمن أجاب سواهم سوف يخزى ويندم وخذ من تقى الرحمن أعظم جنة ليوم به تبدو عياناً جهنم وينصب ذاك الجسر من فوق متنها فهاوٍ ومخدوش وناج مسلّم ويأتي إله العالمين لوعده فيفصل ما بين العباد ويحكم فيا ليت شعري كيف حالك عندما تطاير كتب العالمين وتقسم فبادر إذا ما دام في العمر فسحة وعدلك مقبول وصرفك قيم

стр. 355

اللقاء في الجنة اسمعي بارك الله فيك! خرج رجل من الصالحين ومعه زوجته، وكانت صائمة قائمة ولية من أولياء الله -نحسبها والله حسيبها- خرجوا يريدون العمرة وهكذا الأسفار، إما سفر لطاعة وإما سفر لمعصية. خرجوا شوقاً إلى الله، وشوقاً لبيت الله، واستجابة لأوامر الله. والغريب: كأنه ألقي في روعها أنها تموت، وأنها لن ترجع فودعت أطفالها، وقبلتهم وهي تبكي، وكتبت وصيتها، وودعت أقاربها، وعندما وصلوا إلى مكة طافوا وسعوا وقصروا، ودعوا وتضرعوا وسألوا الله خير الدنيا والآخرة. وفي طريق العودة كانت على موعد مع ملك الموت، فانفجر إطار السيارة، وخرجت السيارة عن مسارها، وانقلبت بهم مرات ومرات، وأصيبت المرأة في رأسها، وخرج زوجها من بين الحطام ولم يصب بأذى، ووقف عليها وهي في سكرات الموت تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة). فلما رأته قالت له بعد أن تبسمت في وجهه: عفا الله عنك، وبلغ أهلي السلام، وقل لهم: الملتقى الجنة، ثم فاضت روحها رحمها الله. إن الكل سيموت، ولكن على أي حال؟ قدر الله ماض على الصغير والكبير، لكن على أي حال؟! الأعمال بالخواتيم والمرء يختم له على ما عاش عليه، والتقينا هنا وسنفترق، وكل منا ينتظر منيته، منا من سيموت في أرض، ومنا من سيموت في بحر، ومنا من سيموت في سماء، ولكن على أي حال؟! وأين سيكون الملتقى؟! فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى إلى أوطاننا نعود ونسلم وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي أضحت لها الأعداء فينا تحكم
следующие страницы →