Полный текст (882 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
حادث قبل العيد
إن نعمة العقل نعمة عظيمة يملكها كثير من الناس، ولا يستخدمها إلا القليل، وتعالوا بنا نسمع إلى هذه الحوادث! حادث قبل العيد، يقول صاحبنا: بدأت تنقضي أيام العشر الأواخر من رمضان، والعيد قاب قوسين أو أدنى، ولا أعرف أين سنذهب، وأنا أنتظر صديق الطفولة ولكن كالعادة، فالجزء الأكبر من وقتنا نقضيه في جولات بين الأسواق والتجمعات والشوارع، وحين استقريت على مقعد السيارة بجوار عبد الرحمن سألني: هل جهزت ثوباً جديداً لقد أقبل العيد؟ قلت له: لا، قال: ما رأيك أن نذهب إلى الخياط الآن، فسألته متعجباً وأنا أهز رأسي: بقيت ثلاثة أيام أو أربعة على العيد، فأين نجد الخياط الذي يسابق العيد ويختصر الأيام؟ فلم يجبني، وانطلق بالسيارة بسرعة جنونية وكأنه يسابق الزمن، حتى توقف أمام محل للخياطة الرجالية، وسلم صاحبي على الخياط بحرارة؛ لأنه يعرفه منذ زمن طويل، ثم قال له: نريد أن نفرح بالعيد، ونلبس الجديد، فضحك الرجل وأجاب: كم بقي على العيد يا عبد الرحمن؟ لماذا لم تأت مبكراً؟ فأجاب عبد الرحمن وهو يهز يده بحركة لها معنى: سنزيدك في الأجرة، لكن المهم أن تنتهي بعد غد، وأعاد الموعد مرة أخرى: بعد غد، وأنا أرقب المفاوضات الشاقة، وإذا بصاحبي يدفع جزءاً من الثمن وهو يردد ويؤكد: الموعد بعد غد، لا تنس الموعد.
ثم انطلقنا بسيارتنا نجوب الشوارع بلا هدف -وهذا حال كثير من الشباب- حتى قبيل الفجر، وكأنه ليس رمضان، وكأنها ليست العشر الأواخر من ليالي رمضان! ونحن لاهون ساهون غافلون، ومضت الليلة كاملة ولم نذكر الله فيها ولا مرة واحدة، وربما إنها ليلة القدر.
حياة لا طعم لها، وسعادة لا مذاق لها، ولجنا من المعاصي كل باب، وهتكنا منها كل حجاب، وحسبنا الأمر دون حساب، إظهاراً للسرور والسعادة، وضحكات تملأ المكان، ولكن في القلب هم وغم، والنفس تحلق بها حسرات، ويحيط بها نكد، دليل البعد عن الله.
افترقنا قبيل الفجر يجمعنا الليل والسهر والعبث، ونلتقي على المعاصي، وتجمعنا الذنوب، ونوم طويل يمتد من الفجر حتى العصر، وصيام بلا صلاة، وصلاة بلا قلب، وساعة الصيام التي أستيقظ فيها قبل المغرب كأنها أيام أقطعها بالمكالمات الهاتفية العابثة، وبقراءة الصحف والمجلات، وغيري يختم القرآن مرات ومرات، وأنا أنتظر موعد أذان المغرب! حادثني بالهاتف أحد الأصدقاء وصوته متغير وقال: أما علمت أن عبد الرحمن مريض، قلت له: لا، مساء البارحة كان بصحة وعافية، وكنت أنا معه، فقال: إنه مريض، فأدرك صاحبك.
انتهت المكالمة والأمر لا يعني لي شيئاً سوى معلومة غير صحيحة، والمؤذن يرفع أذان العشاء وإذا بالهاتف يناديني، رفعت السماعة وإذا هو الشقيق الأكبر لعبد الرحمن، قلت في نفسي: ماذا يريد؟ هل سيؤنبني على ما أفعله أنا وعبد الرحمن، أو أن أحداً أخبره بزلة من زلاتنا، أو سقطة من سقطاتنا، ولكن أتى صوته منهكاً مجهداً وعبراته تقطع الحديث.
أخبرني بالخبر، وقال: عبد الرحمن مات! قال لي: عبد الرحمن مات! بهت ولم أصدق! لا زال أمامي أراه، وصوته يرن في أذني، كيف مات؟! قال لي: وهو منطلق إلى المنزل ليلة البارحة بسرعته الجنونية ارتطم بسيارة أخرى عند أحد التقاطعات، ثم حمل إلى المستشفى، ولكنه فارق الحياة ظهر هذا اليوم.
أذني لا تصدق ما تسمع، لا أزال أراه أمامي، نعم أمامي، بل اليوم موعدنا لنذهب إلى السوق الفلاني، بل غداً موعد ثياب العيد، موعد ثياب العيد غداً.
أيقظني أخو عبد الرحمن من غفوتي، وهز جوانحي، وأزال غشاوة كانت على عيني عندما قال: سنصلي عليه الظهر غداً أخبر زملاءك.
انتهت المكالمة! تأكدت أن الأمر جد لا هزل فيه، وأن أيام عبد الرحمن قد انقضت، وآمنت بأن الأمر حق، وأن الموت حق، وأن موعدنا غداً هناك في المقبرة لا عند الخياط، لقد ألبس الكفن وترك ثوب العيد! تسمرت في مكاني، وأصبت بتشتت في ذهني، وبدوار في رأسي، وقررت أن أذهب إلى منزل عبد الرحمن لأستطلع الخبر وأستوضح الفاجعة، وعندما ركبت سيارتي فإذا شريط غناء في جهاز التسجيل، هذا الغناء الذي أفسد قلوبنا، وجعلها أقسى من الحجارة، أخرجت الشريط ورميته من السيارة، فانبعث صوت إمام الحرم من المذياع يعطر المكان بخشوعه وحلاوته، أنصتُّ بكل جوارحي، وأرهفت سمعي وكأن الدنيا انقلبت والقيامة قد قامت والناس تغيرت، أوقفت سيارتي على جانب الطريق، أستمع إلى القرآن وكأني أستمع إليه لأول مرة في حياتي.
وعندما بدأ دعاء القنوت، كانت دمعتي أسرع من صوت الإمام، رفعت يدي أستقبل تلك الدموع، يا ألله ما أجمل الدعاء! ما أجمل الخضوع والخشوع واللجوء إلى الله! يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلِ ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النحلِ اغفر لعبد تاب من زلاته ما كان منه بالزمان الأولِ أخذ قلبي يردد صدى تلك العبارات، وبارقة أمل أقبلت خلف تلك الدموع، فأعلنت توبة صادقة، بدأتها بصحبة طيبة ورفقة صالحة.
ودعنا عبد الرحمن في اليوم التالي، وانطلقت أنا في طريق الهداية مع رفقتي الصالحة، من كرهتهم بالأمس هم أحب الناس إلي اليوم، ومن تطاولت عليهم بالأمس هم أرفع الناس في عيني اليوم، ومن استهزأت بهم في الأمس هم أكرم الناس عندي اليوم! كنت على شفا جرف هار ولكن الله رحمني، وهدأت نفس مع الرفقة الصالحة، وأطلت سعادة لا أعرفها وانشراح في الصدر، وعلى وجهي سكينة ووقار، زينتها تلك اللحية التي بدأت تنمو وتكبر على وجهي.
يا ألله! ما أجمل السنة! وما أجمل الاتباع! فاجأت الخياط بعد أسبوعين، وسألته عن ثوبي، سأل عن عبد الرحمن؟ قلت له: مات، أعاد الاسم مرة أخرى؟ قلت له: مات، بدأ يصف لي عبد الرحمن وسيارته وكلامه، قلت: نعم، هو، لقد مات، وعندما أراني ثوبه، بدأت أسترجع الذكريات، هل حقاً مات؟ ثوبي بجوار ثوبه، ومقعدي في السيارة بجوار مقعده، ولكن بقي لي أجل وعمر، لعلي أستدرك ما فات! حمدت الله على التوبة والرجوع والأوبة، ولكن بقي لنا إخوة كثير مثل عبد الرحمن يعيشون في غفلة، لا يزال على أعينهم غشاوة، ويعلو قلوبهم ران المعصية، فهل نتركهم يموتون كما مات عبد الرحمن؟! عبد الرحمن الذي كان يؤمل أن يلبس ثياب العيد ذهب ولبس الأكفان بدل الثوب الجديد! لا، لن نتركهم، لن نتركهم، كيف نتركهم وأمامهم قبر ونار وعذاب؟! كيف نتركهم وأمامهم أمور وأهوال صعاب؟! لن نتركهم وقد هدانا الله، فهناك كتاب وشريط، وبيننا وبينهم نصيحة صادقة.
стр. 352
من لم تعلمه المواعظ أدبته الحوادث
يقول صاحبنا: كنت شاباً غافلاً عن الله، بعيداً عنه، غارقاً في لجج المعاصي والآثام، فلما أراد الله لي الهداية قدر لي حادثاً أعادني إلى رشدي وإلى صوابي، قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، وإليكم القصة: في يوم من الأيام وبعد أن قضينا أياماً جميلة في نزهة عائلية في مدينة الدمام، انطلقت بسيارتي عبر الطريق السريع بين الدمام والرياض، ومعي أخواتي الثلاث، وبدلاً من أن أدعو بدعاء السفر المأثور استفزني الشيطان بصوته، وأجلب علينا بخيله ورجله، وزين لنا سماع لهو الحديث المحرم، لأظل ساهياً غافلاً عن الله.
لم أكن حينئذٍ أحرص على سماع إذاعة القرآن الكريم، أو الأشرطة الإسلامية النافعة للمشائخ والعلماء، لأن الحق والباطل لا يجتمعان في مكان أبداً، وكما قيل: حب القرآن وحب ألحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان وكانت إحدى أخواتي كانت صالحة مؤمنة -نحسبها والله حسيبها- ذاكرة لله، وحافظة لحدوده، طلبت مني أن أسكت صوت الباطل، وأستمع إلى صوت الحق، ولكن أنى لي أن أستجيب؟! فقد استحوذ علي الشيطان، وملك علي جوارحي وفؤادي، فأخذتني العزة بالإثم، ورفضت طلبها، وقد شاركني في ذلك أختاي الأخريتان، وكررت أختي المؤمنة طلبها، فازددنا عناداً، وإصراراً وأخذنا نسخر منها.
فقلت لها: إن أعجبك الحال، وإلا أنزلتك على قارعة الطريق، فسكتت على مضض، وكرهت هذا العمل بقلبها بعد أن أنكرته بلسانها، وأدت ما عليها، والله سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وفجأة وبقدر من الله سبق انفجرت إحدى عجلات السيارة، ونحن نسير بسرعة شديدة، فانحرفت السيارة عن الطريق، وهوت في منحدر جانبي، فأصبحت رأساً على عقب، بعد أن انقلبت فينا عدة مرات، وأصبحنا في حال لا يعلمها إلا الله العلي العظيم.
فاجتمع الناس حول سيارتنا المنكوبة، وقام أهل الخير بإخراجنا من بين الحطام والزجاج المتناثر، ولكن ما الذي حدث؟! لقد خرجنا جميعاً سالمين إلا من بعض الإصابات البسيطة، ما عدا أختي الصالحة! أختي الصابرة! أختي الطيبة! لقد أصيبت إصابات بالغة، وماتت من حينها.
لقد ماتت أختي الحبيبة التي كنا نستهزئ بها، واختارها الله إلى جواره، وإني لأرجو أن تكون في عداد الشهداء الأبرار، وأسأل الله أن يرفع منزلتها ويعلي مكانتها في جنات النعيم.
وأما أنا فقد بكيت على نفسي قبل أن أبكي على أختي، وانكشف عني الغطاء فأبصرت حقيقة نفسي، وما كنت فيه من الغفلة والضياع، وعلمت أن الله قد أراد بي خيراً، فكتب لي عمراً جديداً لأبدأ حياة جديدة ملؤها الإيمان والعمل الصالح.
أما أختي الحبيبة فلا تكاد تغيب عن مخيلتي، ودائماً أراها وأتخيلها وأدرك دموع الحزن والندم، وكم وجهت لي من النصائح! وكم دعت لي من الدعوات! لقد كان موتها سبباً لاستيقاظي وانتباهي من غفلتي.
أتذكر تلك الذنوب والمعاصي، وأتساءل في نفسي هل سيغفر الله لي؟ فأجد الجواب في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
فهذه نصيحتي للغافلين وللمدبرين والمعرضين عن الصراط المستقيم.
أقول: من لم تعلمه المواعظ، أدبته الحوادث، وأفيقوا من غفلتكم، وخذوا العبرة من غيركم، قبل أن تكونوا لغيركم عبرة، قال سبحانه: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨].
стр. 353
في ذمة الله
يقول عبد الله: في ضحى أحد الأيام ودرجة الحرارة عالية انطلقت أنا وزميل عمل لي إلى منطقة بعيدة في مهمة عمل، وكان صاحبي يتولى القيادة، وكنت بجانبه بين نائم ويقظان، وكنت أنبهه بالسرعة المحددة كلما تجاوز ذلك، وكنا نستمع إلى شريط لأحد المشايخ، وكان يتكلم فيه عن الجنة ونعيمها، وقبل وصولنا إلى تلك المنطقة حدث ما لم يكن على البال والحسبان، فانفجر الإطار الخلفي لسيارتنا من شدة الحرارة، وسبّب انفجاره صوتاً عالياً مما أربك صاحبي وأفقده السيطرة تماماً على السيارة، وأخذت السيارة تسير بنا كسفينة بلا ربان تتقاذفها الأمواج، وازداد الموقف شدة وسوءاً حين اتجهت سيارتنا إلى الطريق المعاكس، وأخذت تتجه نحو شاحنة أقبلت علينا، ولم يبق على الموت إلا لحظات، وحينها مرت بخاطري أمور وذكريات، فتذكرت أمي التي ودعتها في الصباح على أن أرجع إليها في المساء، وقلت في نفسي: كيف سيكون حالها وهي تتلقى الخبر؟ ومر بي شريط حياتي الماضية في لحظات، وأخذت أردد: بسم الله! لا إله إلا الله! الله أكبر! لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين! وأغمضت عيني بانتظار الاصطدام، ثم فتحت عيني فإذا بسيارتنا قد مرت من أمام الشاحنة التي لم يكن بيننا وبينها إلا خطوات، وسقطت سيارتنا في حفرة على جانب الطريق، وساد السيارة صمت قطعه أصوات الذين اجتمعوا حول سيارتنا، ثم نزلت من السيارة وأنا أردد: الحمد لله! الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات! الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء! والله ما كان بيننا وبين الموت إلا لحظات، وأما صاحبي فلم يستطع النزول من السيارة، وانكب على وجهه باكياً من شدة الموقف، وأنا أهدئ من روعه، وبينما نحن على هذه الحال أقبل علينا شيخان كبيران، تزينهما لحىً بيضاء وثياب قصيرة، وأخذوا يقبلوننا ويهنئوننا ويحمدون الله لنا بالسلامة، ثم قال أحدهم لنا كلمات، سأظل أذكرها ما حييت أبداً، قال: كنا خلفكم، ورأينا ما حدث لكم، ورأينا كيف مالت بكم السيارة يميناً ويساراً، ثم مرروركم أمام الشاحنة ونجاتكم من الموت بأعجوبة، لا أقول إلا أنكم كنتم في حفظ الله ورعايته، ولا بد أنكم صليتم الفجر في جماعة، فأنتم في ذمة الله! يقول عبد الله: فقلت في نفسي: الحمد لله، فأنا منذ سنوات طوال وأنا أحافظ على جميع الصلوات في المسجد، وفي صلاة الفجر، وكم أشعر بالأمن والأمان والراحة والاطمئنان، وكيف لا وهي حفظ من الله وضمان؟! وقد سألت صاحبي: أين صليت الفجر اليوم؟ فلم يستطع الإجابة، ثم توجه إلى خلف السيارة، فتوضأ ثم صلى، سبحان الله! سبحان الله! لم يبق على صلاة الظهر إلا القليل، وصاحبي لم يصل الصبح إلى الآن، فأي حياة هذه؟ وكيف سيكون حاله لو مات على هذه الحال؟! وفي ذمة من سيكون؟! إن صلاة الفجر تشتكو هجراً ومقاطعة من شباب المسلمين وشيبهم ونسائهم وأطفالهم.
وإنك لتحزن أشد الحزن على حال الأمة وهي تمر بأحلك الظروف وأشد المواقف، وإلى الآن لم ترجع إلى ربها، وإلى الآن لم تراجع حساباتها! لي فيك يا ليل آهات أرددها أواه لو أجدت المحزون أواه أنى التفت إلى الإسلام في بلد وجدته كالطير مقصوص جناحاه قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٣]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٩].
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم يا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضر يحل بنا لما تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا لما وصلنا إلى الشاطئ عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة وما سقطنا لأن الحافظ الله أبشر يا من حافظت على صلاة الفجر وباقي الصلوات في الجماعة فأنت في ذمة الله، كما قال رسول الله ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح) قال أهل العلم: في ذمة الله، أي: في حفظ الله ورعايته، وقالوا: إذا مات من يومه أو ليلته دخل الجنة، وقال ﷺ : (من صلى البردين دخل الجنة) والبردان: الصبح والعصر.
أبشر يا من صلى الفجر وباقي الصلوات في المسجد بالنور التام يوم القيامة، قال ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) وما أدراك ما يوم القيامة؟ قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ [الحديد:١٢ - ١٣]-الذين من أعظم صفاتهم النوم والتخلف عن الصلوات- ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٣ - ١٧] أبشر يا من صلى الفجر بهذه البشارة العظيمة، جاء في الحديث المتفق عليه من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) اسمع الثمن؟ (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] واسمع من أخبارهم في جنات ربهم: فبينما هم في عيشهم وسرورهم وأرزاقهم تجري عليهم وتقسم إذا هم بنور ساطع أشرقت له بأقطارها الجنات لا يتوهم تجلى لهم رب السماوات جهرة فيضحك فوق العرش ثم يكلم سلام عليكم يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمه إذ يسلم يقول: سلوني ما اشتهيتم فكل ما تريدون عندي إنني أنا أرحم فقالوا جميعاً: نحن نسألك الرضا فأنت الذي تولي الجميل وترحم فيعطيهم هذا ويشهد جمعهم عليه تعالى الله فالله أكرم فيا بائعاً هذا ببخس معجل كأنك لا تدري بلى سوف تعلم فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.
стр. 354
رسالة إلى من آثر نومه على طاعة ربه
وإليك رسالة يا من آثرت نومك على طاعة ربك أترضى أن تتصف بصفات المنافقين؟ قال ﷺ : (أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) رواه أحمد.
وقال الله عن المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤٢ - ١٤٣] أترضى أن تكون مثلهم؟ أترضى أن تتصف بصفاتهم؟ أترضى أن تكون معهم؟ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]؟! أترضى أن تنضم إليهم؟ أترضى أيها المتخلف عن الصلوات أن تكون مثل هذا؟ سئل ﷺ عن رجل نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، قال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)، أترضى أن يكون هذا حالك كل يوم؟ واسمع رعاك الله إلى هذا الوعيد الشديد لمن ينام عن الصلاة، فجراً كانت أو عصراً أو أي صلاة، من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يكثر من القول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قال: فيقص عليهم ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع -وفي رواية- ملقىً على قفاه، وإذا آخر قائم عليه بصخرة يهوي بها على رأسه، فيثلغ بها رأسه، فيتدهده الحجر ههنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يعود رأسه كما كان، ثم يعود فيفعل به مثل ما فعل به في المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذا؟! قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا حتى على مثل التنور، - قال أحسب أنه كان يقول - فإذا فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا -أي: علت أصواتهم من شدة الألم- قال: قلت: سبحان الله ما هذا؟ فقالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول - أحمر مثل الدم، وإذا في النهر سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا بذلك السابح يسبح ما شاء، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه -أي: يفتح فمه- فيلقمه حجراً فينطلق يسبح، ثم يرجع وكلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق) وفي آخر الحديث قال: (قلت لهما: فإني قد رأيت الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور فهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا).
فاتق الله يا من تنام عن الصلوات، واتق الله يا من تعاقر الزانيات والمومسات، واتق الله يا من تأكل أموال الربا.
يا أيها اللاهي على أعلى وجل اتق الله الذي واستمع قولاً به ضرب المثل ودع الهزل وجانب من هزل قال سبحانه: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]، وقال عز من قائل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:٣٠ - ٣٢].
فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قريب ستندم أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم وبالسنة الغراء كن متمسكاً هي العروة الوثقى التي ليس تفصم وهيئ جواباً عندما تسمع الندا من الله يوم العرض ماذا أجبتم؟ ماذا أجبتم به رسلي لما أتوكم؟ فمن أجاب سواهم سوف يخزى ويندم وخذ من تقى الرحمن أعظم جنة ليوم به تبدو عياناً جهنم وينصب ذاك الجسر من فوق متنها فهاوٍ ومخدوش وناج مسلّم ويأتي إله العالمين لوعده فيفصل ما بين العباد ويحكم فيا ليت شعري كيف حالك عندما تطاير كتب العالمين وتقسم فبادر إذا ما دام في العمر فسحة وعدلك مقبول وصرفك قيم
стр. 355
اللقاء في الجنة
اسمعي بارك الله فيك! خرج رجل من الصالحين ومعه زوجته، وكانت صائمة قائمة ولية من أولياء الله -نحسبها والله حسيبها- خرجوا يريدون العمرة وهكذا الأسفار، إما سفر لطاعة وإما سفر لمعصية.
خرجوا شوقاً إلى الله، وشوقاً لبيت الله، واستجابة لأوامر الله.
والغريب: كأنه ألقي في روعها أنها تموت، وأنها لن ترجع فودعت أطفالها، وقبلتهم وهي تبكي، وكتبت وصيتها، وودعت أقاربها، وعندما وصلوا إلى مكة طافوا وسعوا وقصروا، ودعوا وتضرعوا وسألوا الله خير الدنيا والآخرة.
وفي طريق العودة كانت على موعد مع ملك الموت، فانفجر إطار السيارة، وخرجت السيارة عن مسارها، وانقلبت بهم مرات ومرات، وأصيبت المرأة في رأسها، وخرج زوجها من بين الحطام ولم يصب بأذى، ووقف عليها وهي في سكرات الموت تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).
فلما رأته قالت له بعد أن تبسمت في وجهه: عفا الله عنك، وبلغ أهلي السلام، وقل لهم: الملتقى الجنة، ثم فاضت روحها رحمها الله.
إن الكل سيموت، ولكن على أي حال؟ قدر الله ماض على الصغير والكبير، لكن على أي حال؟! الأعمال بالخواتيم والمرء يختم له على ما عاش عليه، والتقينا هنا وسنفترق، وكل منا ينتظر منيته، منا من سيموت في أرض، ومنا من سيموت في بحر، ومنا من سيموت في سماء، ولكن على أي حال؟! وأين سيكون الملتقى؟! فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى إلى أوطاننا نعود ونسلم وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي أضحت لها الأعداء فينا تحكم
стр. 356
نداء أخير
يقول ﷺ : (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة) هذا نداء إلى كل من تولى قيادة السيارة، نقول له: عليك بالتؤدة والهدوء، والتأني وعدم التهور، ففي التأني السلامة، وفي العجلة الندامة.
فلا تسرع أخي ولا تتهور حتى لا تندم حينما لا ينفع الندم، وتذكر أن وراءك صبية صغار، وزوجة ضعيفة، وأم عجوز، وأب شيخ كبير، وكلهم ينتظرونك، فعليك أيها العاقل بالصبر والتفكر في العواقب، وتحمل الزحام، وتحمل التأخير عند الإشارات وغيرها، فلعل في تأخيرك ما يكون خيراً لك، وتذكر عندما تسرع أو تقطع إشارة أو غير ذلك وصار معك حادث ما سوف يترتب على ذلك من أضرار مادية وروحية.
стр. 357
حكم مخالفة أوامر المرور
السؤال
ما حكم مخالفة أنظمة المرور؟
الجواب
لقد وضعت هذه الأنظمة لضبط أعمال الناس وتحركاتهم ومنع الفوضى، وحتى يكون المجتمع آمناً ومستقراً فيعرف كل واحد من أفراده ما له وما عليه، وخاصة في هذا الزمن الذي ضعف فيه الوازع الديني عند كثير من الناس، ولا يردعهم إلا النظام، وهذا ما أفتى به علماؤنا الكرام.
يقول سماحة الشيخ ابن باز ﵀: لا يجوز لأي مسلم أن يخالف أنظمة الدولة في شأن المرور لما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى غيره، والدولة -وفقها الله- إنما وضعت ذلك حرصاً منها على مصلحة الجميع، ورفع الضرر عن المسلمين، فلا يجوز لأي أحد أن يخالف ذلك.
وللمسئولين الحق في عقوبة من يفعل ذلك وردعه هو وأمثاله؛ لأن الله سبحانه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وأكثر الخلق لا يردعهم وازع القرآن والسنة، وإنما يردعهم وازع السلطان بأنواع العقوبات، وما ذاك إلا لضعف الإيمان بالله واليوم الآخر، أو عدم ذلك بالنسبة إلى أكثر الخلق، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣].
стр. 358
وصية أخرى
التزم بحزام الأمان؛ فهو سبب بعد الله في تقليل وتخفيف الإصابة، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ولكن اعقلها وتوكل، ولا تغفل عن ذكر الله، فلقد قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وما أحوجنا على الطرقات -طويلة أو قصيرة- أن نكون على اتصال مع الله حتى يحفظنا الله في الروحة والغدوة.
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين وراقدين، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين.
اللهم اجعلنا من الذين هم على صلاتهم دائمون، ومن الذين هم على صلاتهم يحافظون.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وولاة أمورنا، ووفقهم لما فيه مصلحة البلاد والعباد.
قيض لهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير إذا فعلوه، وتذكرهم به إذا نسوه.
اجمع شملنا، أصلح ذات بيننا، وانصرنا يا قوي يا عزيز على القوم الكافرين.
نستغفر الله العظيم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 359
رجال الفلوجة
مهما تكاثر الأعداء وتجبروا فإن الله ناصر عباده ومعز جنده ومذل أعداءه، ولقد ذاق الصليب أمرّ الدروس في الفلوجة وسامه المجاهدون سوء العذاب.
стр. 360
دروس من الفلوجة
стр. 361
حرب صليبية
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة بالنار.
عباد الله! لا زالت الفلوجة المدينة الصغيرة تقاوم أقوى دولة بصورة أسطورية عظيمة رغم الأكاذيب الإعلامية الأمريكية، لا زالت الفلوجة تقاوم رغم أشنع الكوارث والجرائم الإنسانية وسط صمت العالم المخزي.
ألا فاحمل إلى الأنذال أبياتي وحي بها من الفلوجة الآتي أتيتكم حجيج أم به عجب من الإله تنزلت السماوات ورمحكم سلاح أم هو الصعق يزلزل جيش المجرم الآتي عباد الله! من بين آلاف الصور للإبادة الجماعية في الفلوجة والعراق سمح الجيش الأمريكي بنشر تلك الصور التي تصور ذلك الجندي الصليبي وهو يقتل المسلم في المسجد، سمحوا بذلك ليقولوا لنا: إنها حرب صليبية ولكنكم لا تفهمون! سمحوا بنشر تلك الصور ليقولوا لنا بكل وقاحة: إنها حرب صليبية ولكنكم لا تفهمون! قال سبحانه: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥].
والله إننا لفي حيرة مع بني جلدتنا أنصدقهم أم نصدق كلام الله؟! أنصدقهم وهم يقولون لنا: هؤلاء دعاة للحرية وللسلام، وهدفهم نشر العدل والاحترام لحقوق الإنسان، أي إنسان يقصدون؟ هل رأيتم صورة ذلك الشيخ الكبير الأعزل من السلاح وهو متكئ على حائط المسجد يقطر الدم من أنفه وقد فارق الحياة؟ هل رأيتم صور الأطفال تحت الأنقاض وتحت الدبابات؟ أرأيتم صور النساء وهن جرحى وثكلى وينادين: واإسلاماه واإسلاماه؟ دماء السم بالأنذال تجري يئن لها قلبي أنينا تئن ولا مجيب لها يلبي ولا حر بأرض الخائنينا عذارى تستباح إلى المنايا فيذبحها اليهود المعتدينا وطفل يستغيث فلا قلوب ترق ولا تحن له الحنينا وشيخ قد علاه من الخطوب وجوم أين قومي الأولينا فأين الدين يا أتباع قومي أما فيكم رجال صادقونا ألسنا إخوة في دين طه ألسنا المحسنين المؤمنينا أما لمحمد فيكم ذمام فآثرتم ولاء المشركينا ألا غوث وقد نزل الصليب بأرضكم ونزول الحاقدينا أليست هذه بغداد تحكي حكاية مجدكم مجد القرونا صروحكم هنا تاريخ عز تعيث به العلوج المفسدينا
стр. 362
إيقاظ روح التحدي في الأمة
عباد الله! لقد أيقظت الفلوجة الأمة وأشعلت فيها روح التحدي، وضربت مثلاً للصبر والاستبسال مهما كانت قوة العدو، والأهم أنها كشفت حقيقة الشعارات الزائفة عن الحرية وحقوق الإنسان، وفضحت المنافقين والخونة والعملاء، لقد علمتنا الفلوجة دروساً وأظهرت لنا حقائق وعبراً منها: إن الأمة لا زالت بخير ولا زالت كالجسد الواحد مهما حاولوا تفريقها بتقسيمها إلى ممالك ودويلات وإقامة الحدود بين شعوبها، فها هي شعوب العالم الإسلامي تنادي بالفلوجة وتردد اسمها، وتقنت لها مساجدها ويدعو لها شيبها وشبابها ونسائها وأطفالها، ها هي الأمة تردد: فلوجة يا درة الأحرار صبراً سيسحق صبرك النذل اللعينا رجالك لن يقوم لهم جبال رجال الحرب طاحنة طحونا إذا لاحت لهم سود المنايا تلقوها أسوداً ناصحينا وإن نهضوا فصوتهم يدوي فتحسب أن صوتهم المنونا وإن قاموا إلى الأعداء ولوا علوجاً صائحين مولولينا قال ربنا: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، وقال نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: (مثل المسلمين في توادهم وترابطهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
فلا تحزني يا فلوجة! فقلوبنا تبكي دماً، وإن أصوات الرجال وبكاء الأطفال واستغاثات النساء قد وصلت إلى مسامع الرجال والأبطال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧].
ومن الدروس والعبر التي علمتنا إياها فلوجة العز: أن الصليب قد تورط ورطة كبيرة ومعقدة جداً، ظنوا أن الخروج مثل الدخول، لقد أدخل المجاهدون الصليب في نفق لا عودة منه، وإن قبورهم قد حفرت لهم، بل ستترك جثثهم لتأكلها الكلاب، ظنوا أنهم إن دمروا الفلوجة دامت لهم العراق.
يا لهم من أغبياء حين ظنوا أن الفلوجة كالنجف وكربلاء، لقد انطلقت المقاومة من بعقوبة والرمادي والموصل وبيجن وكركوك وبغداد وسائر الأنحاء أقوى مما كانت عليه من قبل، ولئن احتاج عباد الصليب عشرين ألفاً من أعتى جنودهم لاقتحام مدينة فارغة فكم سيحتاجون من أتباع الباطل وجنود العهر واللواط كي يقفوا في وجه هذه الأمة، إذا ما قرر النائم منهم أن يستيقظ والغافل منهم أن ينتبه والعاصي منهم أن يتوب.
стр. 363
قناص الفلوجة
ولقد شهد شاهد منهم أنهم ما كانوا يظنون أنهم سيواجهون بمثل تلك القوة والشراسة -والحق ما شهدت به الأعداء- اسمع معي هذا الخبر والذي نشرته مجلة (النيويورك تايمز) في عددها الأخير بعنوان: (واحد من أصعب دروس المعركة): مائة وخمسون من المارينز من جنود البحرية في مواجهة قناص واحد، يقول الخبر: في يوم الأربعاء من الساعة الثامنة صباحاً قامت الطائرات مرتين بقصف ذلك المبنى الصغير المكون من ثلاثة طوابق الواقع على الطريق السريع بطلب من جنود المارينز، فألقت الطائرات قنبلتين زنة الواحدة خمسمائة رطل مع إطلاق المدفعية حوالي خمسة وثلاثين قذيفة، كما قامت الدبابات بإطلاق عشر قذائف بالإضافة إلى ثلاثين ألف طلقة من رشاشاتهم بواسطة جنودهم حتى لم يبق من المبنى سوى حطام ودخان، ومع ذلك بقي القناص يطلق عليهم النار بل أوقع فيهم مقتلة وعدد من الجنود قد سقطوا تحت رشاشه.
قناص واحد أبقى كتيبة كاملة دون حراك وليوم كامل، يقول قائد تلك الكتيبة: بينما نحن نحاول بجنون أن نجد مكانه، يجلس أحدهم في مكانه يأكل طعامه يتربص بنا برصاصاته، وقد جن جنوننا حتى نعرف من أين تأتي تلك الطلقات.
نسى القائد الجاهل أن الأرض تقاتل مع أهلها، ثم استعانوا بالطائرات لقصف المبنى الآخر المجاور ولمدة ساعتين، قنابل من الأرض وقنابل من السماء، وبعد أن هدأت قنابلهم فاجأهم القناص مرة أخرى وأوقع فيهم مقتلة، فقال قائدهم: لا أعرف أين هو ولكنه مدرب بشكل جيد.
قلت: هو يرمى بأمر الله القائل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، لكم أن تتخيلوا معركة بين واحد وبين ومائة وخمسين من الثامنة صباحاً وحتى الخامسة مساءً، ثم انسحب القناص المسلم المجاهد بعد أن لقنهم درساً من دروس القرآن، قال الله: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩].
شكراً لكم يا أبطال الفلوجة، شكراً لكم يا أبطال العراق والشيشان وفلسطين، فلقد رفعتم رءوسنا في زمن الذل والعار.
стр. 364
المنافقون وخطرهم على الأمة الإسلامية
ومن الدروس والعبر التي اتضحت وظهرت: أن الإعلام العربي إعلام خائن جبان، وأنه لا يستطيع أن يقول الحق، فليته اتقى الله وسكت ولكنه نطق بالباطل بل بالكفر والعياذ بالله! لقد تواطأ الإعلام العربي لدرجة غير مسبوقة، فانطلق كلاب الإعلام المرئي والمقروء والمسموع يفخمون ويضخمون ويعظمون الهالة الأمريكية، وتسارعت وسائل الإعلام لتبث تهديد الحكومة العميلة لشعبها وأنها ستسحقه كما تسحق الشعوب المسلمة في كل مكان، وما رأينا في وسائل الإعلام إلا تهديدات بوش ورامسفيلد وباقي قتلة الأطفال من الجنرالات الأمريكية والمسئولين الخونة من العراقيين، وفي المقابل لم نسمع من إعلامنا أنه نقل لنا أنات الأطفال وصيحات النساء وبكاء الشيوخ وهم يقصفون بعشرات الآلاف من القنابل المحرمة، لكنها محرمة علينا وحلال عليهم، بل بلغ الجبن إلى درجة أنه لم يتجاسر إعلامنا الجبان على إعلان أية خسائر للقوات الأمريكية إلا ما سمح له بذلك سيدهم الأمريكي، وهدفهم والله من هذا: إحباط معنويات الشارع المسلم، فلا يسمع إلا عن انتصارات الصليب حتى لا يتفاعل مع شعب العراق المسلم ومع المجاهدين.
عجيب أمرهم قتلوا بالفلوجة بزعمهم أكثر من ألف وخمسمائة من المجاهدين، أين صورهم؟ أين وثائقهم؟ أين أخبارهم الصحيحة؟ أين أخبارهم الموثقة؟ فليأتوا ببرهانهم إن كانوا صادقين.
على مدى عام ونصف لم يستطيعوا دخول الفلوجة، بل أذاقتهم الويل، فجمعوا لها أكثر من عشرين ألفاً وحاصروها براً وبحراً وسماءً، جاءوا ومعهم أذنابهم من القوات العراقية المرتدة التي سجلت أعظم خيانة لله ولرسوله، فأي خيانة أعظم من أن تقاتل مع المحتل لتدمير بلاد المسلمين وقتل الضعفاء والفقراء والمساكين؟ أما قال الله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢] وقال قبل هذا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]؟ عباد الله! لا تنطلين عليكم الحيلة؛ فإن المعركة تنقل لنا بالعدسة الأمريكية وبأيدي إعلامنا الكذاب الخائن الجبان، وسيتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا وسيرون العذاب الأليم.
بالأمس القريب نشرت جريدة الشرق الأوسط الخبيثة مقالات وتحليلات عن الأحداث هناك فقالت: لقد تسبب المتمردون -أي المجاهدون- بحرمان أهل الفلوجة من بيع الخمور وسماع الأغاني ومشاهدة الأفلام.
قبح الله أقلامهم ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة:٥٦ - ٥٧]، والله الذي لا إله إلا هو سيتبرأ منهم بوش وشارون وسيعلم أهل الإعلام الكاذب أي منقلب ينقلبون.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 365
كشف أهداف الحرب الأمريكية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد أحبتي! أوصيكم ثم نفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
عباد الله! لقد كشفت لنا الأيام الماضية أن الصليب لا يحمل مشروع حرية ولا ديمقراطية مزعومة، ولا جاء من أجل ذلك أصلاً، إنما جاء بطراً ورئاء الناس كما قال الله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٧ - ٤٨].
أما قال كبيرهم: إنها حرب صليبية! فدافع عنه إعلامنا وقال: إنها زلة لسان.
عجيب أن نجد من يدافع عنهم ولا نجد من يدافع عن حقوقنا، وما أخبار سجن أبو غريب عنا ببعيد، قال الله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة:٨ - ١٠].
стр. 366
سهولة الإيقاع بالعدو وهزيمته
أحبتي وما أعظم الدروس والعبر المستفادة من عراقنا وفلوجتنا الصامدة، ومن أعظمها: أن الوحش الكاسر مهما بلغت قوته ومهما بلغ تسلطه فليس من الصعب هزيمته وكسر أنفه وتمريغ وجهه في التراب، وها هي الفلوجة تلقنهم الدرس يوماً بعد يوم، قال الله: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩ - ٢٥١].
نعم.
إن مصدر عزنا وقوتنا هو قرآننا الذي يحاولون أن يحولوا بيننا وبينه، وشغلونا عن تلاوته والعمل بآياته بالغناء والخنا والزنا والربا، إنه الكتاب الذي أفحم الخطباء وأخرس العظماء وأسكت الشعراء وأدهش الأذكياء وتحدى العرب العرباء، تلاوته تذهب الأحزان، وتثير الأشجان، وترفع الشان، وتثقل الميزان، وتخسئ الشيطان، وتثبت الإيمان.
تباً لمن يقول بأننا سنهزم والقرآن بين أيدينا، وتباً لمن يدعونا للتشاؤم والقرآن بين ظهرانينا، هم يقاتلوننا بتوراتهم وأناجيلهم المحرفة، فلماذا يريدها بنو جلدتنا قومية وعلمانية.
بالقرآن سنهزمهم، ولقد أخبرنا الله بطرق هزيمتهم وشرح لنا نصوصهم ورسم لنا خططهم وحذرنا منهم, القرآن هو الذي فضح المنافقين وعراهم وأظهر مكنونهم وحذرنا أشد التحذير منهم، كيف لا وهم السبب في تراجعنا وذلنا ومن أسباب تسلط أعدائنا علينا! بالقرآن انتصرنا على التتار الجيش الذي لا يقهر والوحوش الذين لا ينتسبون إلى البشرية، انتصرنا عليهم بعد أن خاضوا بخيولهم في دماء المسلمين في المساجد كما يفعلون اليوم، وليس العجب أننا هزمناهم في عين جالوت وغيرها، ولكن العجب أننا أدخلناهم في الإسلام طواعية، ولبست نساؤهم اللباس الساتر، صنعنا هذا بالقرآن وسنصنعه مرة ثانية وثالثة، ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥].
стр. 367
وما النصر إلا من عند الله
المطلوب منا عباد الله! أن نرجع إلى الله وأن نعلم أن النصرة ليس بكثرة عددنا ولا بعظيم عدتنا ولا بمناصرة الملائكة لنا، ولكن النصر من عند الله كما قال الله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فلذلك أراد الله أن يبين لنا الأمر في غزوة بدر لما اشتدت الاستغاثة بالله فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، فمدهم بهذا العدد، ولكن عقب عليه ليخبرهم بأمر في غاية الأهمية، وهو أن هؤلاء الملائكة أمددناكم بها بشرى ولتطمئن قلوبكم بها فحسب، أما النصر فهو من عند الله، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦].
بل أكد الله لنا هذا الأمر في درس جلي في غزوة حنين فقال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة:٢٥]، فبين لنا ربنا أن النصر ليس بالكثرة، وزاد الأمر تأكيداً في سورة الأنفال فقال: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩].
تأمل معي كيف أطلق الله الكثرة ولم يقيدها بعدد، وتأمل جيداً وافتح قلبك وسمعك معاً لما ذكره الله في آخر الآية: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩]، فهل تظن أنه يهزم من كان الله معه وناصره؟! لا وألف لا، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، قد تسقط الفلوجة وينحاز المجاهدون ولكن أبداً أبداً لن تسقط لا إله إلا الله، قالها أعرابي ورددها في الصحراء فدخل بها الجنة فكيف بمن قاتل دونها وتحت لوائها ورايتها، وهذه كلمات إلى أمريكا ومن حالفها: الله معنا وناصرنا، الله مولانا، والله أكبر، فإن متنا أخذنا الله إلى جنته وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، يا أمريكا! نحن نقتل؟ نعم، نحن نكلم؟ نعم، نحن نبتلى؟ نعم، ولكننا لا نغلب والذي فطرنا ولا نغلب لا لشيء لأن الله معنا.
стр. 368
كلمة إلى عشاق الجنان
وهذه أيضا كلمات عرفان إلى من رفعوا في الفلوجة رءوسنا وفي العراق وفلسطين وكشمير والفلبين والشيشان وأفغانستان، إلى المجاهدين وصانعي المجد وراكبي صهوة العز، إلى عشاق الجنان ومخيم الرحمن: إذا اشتد بكم البلاء فتذكروا ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
وإذا جمع العدو عباد الدرهم والفروج فتذكروا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
وإذا رأيتم خيانة الخونة والعملاء فتذكروا: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٩].
وإذا خذلكم أهل الفتوى وأشباه العلماء وهم قاعدون عن واجبهم خفافاً وثقالاً فتذكروا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وتذكروا قول النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي منصورة على الحق لا يضرهم من خذلهم).
وإذا رأيتم جنود الشيطان قد أقبلوا بطائراتهم ودباباتهم فتذكروا قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].
واملئوا أرض المعركة بالتكبير فإن كانت أمريكا كبيرة فالله أكبر.
الله أكبر كبري يا أمتي واستبشري بالعز والسلطان الله أكبر أبشري يا أمتي واستبشري يا أمة الإحسان الله أكبر جلجلت يا أمتي فتكبكب الأعداء بالصلبان الله أكبر والجهاد طريقنا هذا سبيل العز في الفرقان لن نحن فجباهنا لا تنحني إلا لرب الخلق والأكوان كلا ولا أمريكا في طغيانها وجيوشها من أرذل الرومان سندق قوتها بعزة ربنا ونزلزل الطغيان بالإيمان وندمر البهتان بقوة بأسنا بالنار والتبشير كل أوان حتى تعود أمريكا لدارها والذل يصحبها بكل مكان هذا وربي وعدنا وجهادنا حتم علينا يطرد الوحيان أن نلحق الصلبان في أوطانهم فرض علينا ذاك فرض ثاني فلتعلم أمريكا أننا لا نسالم ولا ننهزم ولا نهادن حتى ونحن راقدون، بل سنكافح ونحن حفاة جائعون ونقاوم أعتى الطغاة، وأننا نستمتع بالموت في الجهاد استمتاعهم بالحياة، لقد أثبتت لهم فلوجتنا أن حياتنا شرف وموتنا فخر وخيارنا: إما النصر أو الشهادة، قال الله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩].
اللهم يا رب المسلمين الذين أورثتهم الكتاب واصطفيتهم على العالمين، اللهم يا رب المسلمين الذين اخترت لهم نبياً هو خير الخلق أجمعين، اللهم يا رب المسلمين الذين سماهم خليلك إبراهيم من قبل، اللهم يا رب المسلمين الذين يصلون على نبيك محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وعلى أنبيائك وعلى الذين يعظمون كتبك ويقاتلون أعدائك.
اللهم يا رب المسلمين الذين يوحدونك في الأرض كما يوحدك ملائكتك في السماء، ويعبدونك في الأرض كما تعبدك ملائكتك في السماء، اللهم يا رب المسلمين الذين يصلون إلى بيتك المعظم ويطوفون ببيتك الحرام، اللهم يا رب المسلمين الذين سالت دماؤهم دفاعاً عن دينك الذي ارتضيت لهم يا رب العالمين، اللهم يا رب المسلمين الذين تمزقت أشلاؤهم فداء لدين نبيك الذي ارتضيت على العالمين، اللهم يا رب المسلمين الذين يحمون المسجد الأقصى بيتك الذي هاجر إليه أنبيائك وأسريت إليه بخاتم الأنبياء والمرسلين، اللهم يا رب المسلمين الذين يحبونك أعظم مما يحبون أنفسهم وأموالهم وأولادهم، اللهم يا رب المسلمين الذين يتضرعون إليك بأكف العبيد ويتوسلون إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى بأنك أنت الله لا اله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، اللهم يا رب المسلمين يا من أنت مولانا والكافرين لا مولى لهم، اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم أيدهم في الفلوجة وفي كل مكان، اللهم أفرغ علينا وعليهم صبراً وثبت أقدامنا وأقدامهم وانصرنا وإياهم على القوم الكافرين، اللهم افتح لنا فتحاً مبيناً، اللهم امنح إخواننا أكتاف أعدائهم، اللهم مكنهم من رقابهم، اللهم ردهم عن بلادنا وبلاد المسلمين خائبين، اللهم اجعل تدبيرهم تدميراً عليهم ورد كيدهم في نحورهم، اللهم عجل بنصرك واجعلنا في جنبك وارزقنا الشهادة في سبيلك يا رب العالمين، اللهم عجل بنصرك واجعلنا في جنبك وارزقنا الشهادة في سبيلك مقبلين غير مدبرين، اللهم خذ من دمائنا حتى ترضى يا رب العالمين.
نسألك يا منزل الكتاب ويا مجري السحاب ويا هازم الأحزاب، يا من لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك، اللهم انصر إخواننا في العراق نصراً معجلاً، وارفع الذل عن أمة نبيك محمد ﷺ ، اللهم إنك معنا ترى مكاننا وتعرف منقلبنا ومثوانا وتعرف أننا قلة مستضعفون في الأرض يتخطفنا الناس ويتآمر علينا البعيد والقريب.
اللهم إن تهلك عصابة الفلوجة فلا تعبد في الأرض أبداً، اللهم هذه أمة الكفر والإلحاد قد انقضوا علينا بأسلحتهم وخيلهم ورجلهم وليس لنا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم ارحم ضعفنا واجبر كسرنا وتول أمرنا وردنا إليك رداً جميلاً وانصرنا نصراً عزيزاً، واشف صدور قوم مؤمنين يا رب المستضعفين والمساكين، ارحمنا رحمة من عندك تعز بها ذليلنا وتشفي بها مريضنا وتفك بها أسيرنا وتنصر بها المجاهدين.
اللهم أرنا في أعداء المسلمين عجائب قدرتك، اللهم إنهم لا يعجزونك، اللهم إنهم طغوا وبغوا ولقد طال يا رب ظلمهم وأنت لا تحب الظالمين، اللهم لقد زاد مكرهم وأنت خير الماكرين، اللهم كثر كيدهم وأنت ذو الكيد المتين، اللهم طال صبرنا، اللهم بأسك مرادنا اللهم فلا ترده عن القوم المجرمين، إلى من تكلنا؟ إلى عدو ملكته أمرنا أم إلى قريب يتجهمنا، إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي غير أن عافيتك أوسع لنا، نعوذ بنور وجهك من أن يحل علينا غضبك أو سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم أخرج اليهود والنصارى من بلاد المسلمين أذلة صاغرين مزقهم كل ممزق وشردهم في الأرض يتيهون فيها كما شردتهم من قبل، اللهم لا ترفع لهم راية ولا تحقق لهم غاية واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية، فرقهم دويلات صغيرة ومزقهم شذر مذر.
اللهم أنزل عليهم حجارة من السماء وائتهم بعذاب أليم وأخرج أبناءنا من بينهم سالمين، اللهم ارحم المسلمين الذين شهدوا بأن لا اله إلا الله، وارحم الرجال الذين انتهكت محارمهم والنساء اللاتي انتهكت أعراضهن والأطفال الذين اغتيل أهلوهم.
اللهم ليس لنا رب سواك فنرجوه، وليس لنا إله سواك فندعوه، لقد ضاقت علينا أنفسنا، اللهم لقد ضاقت علينا أنفسنا ونحن نعيش في ذل وهوان واشتقنا لنصرك ووعدك وتلهفنا لرفعة دينك وانقطعت أسباب النجاة وما انقطعت أسباب الرجاء فيك يا رب العالمين.
اللهم أذقنا رحمتك وخصنا بعفوك وواصلنا برحمة من عندك، وآتنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم رحمة من عندك تهدي بها ضالنا وتعيننا بها على أنفسنا وتوحد بها صفوفنا وتقوي بها عزائمنا.
اللهم أصابتنا فتن كثيرة جعلت الحليم منا حيراناً، وها هي تمر علينا سنين خداعات وما عدنا نعرف الحق من الباطل.
اللهم أرنا الحق حقاً وثبتنا عليه، وأرنا الباطل باطلاً وجنبنا طريقه، اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واسلك بنا سبيل النجاة حتى نلقاك ونحن لا نشرك بك شيئاً.
اللهم قد دعتك نملة صغيرة فاستجبت لها وأنت الذي كرمت بني آدم وحملتهم في البر والبحر فلا تردنا خائبين.
اللهم لا تردنا خائبين ارحم ذلنا وتقبل دعاءنا ولا تردنا محرومين يا رب العالمين، آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وول علينا خيارنا واكفنا أشرارنا، اجمع كلمتنا على الحق يا رب العالمين، قيض لأمتنا ولاة أمر صالحين مصلحين وعلماء ربانيين ودعاة مخلصين، رد الشباب والشيب إليك رداً جميلاً يا رب العالمين، لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا يا حي يا قيوم.
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
стр. 369
سلاح المؤمنة
إن الدعاء سلاح المؤمنة التي من طبعها الضعف، فتجبر ضعفها بهذا السلاح الذي لا يقوم له شيء.
لكن من المعلوم أن السلاح قوته بقوة ضاربه وضعفه بضعفه، فلابد للمسلم والمسلمة من البحث عن أسباب إجابة الدعاء والانتفاع به، وآدابه، حتى يتحقق النفع به، وإلا فلا يلومن المفرط إلا نفسه.
ومن يستغني عن الله طرفة عين؟! فلا ملجأ ولا منجى للعبيد منه إلا إليه سبحانه.
стр. 370
الدعاء وأثره
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ثم أما بعد: أخواتي المسلمات! السلام عليكن ورحمة الله وبركاته.
فهذا أول لقاء من لقاءات الدراسات النسائية، وموضوع درس هذه الليلة: هو الدعاء وأثره.
وسيتكون الموضوع من عدة نقاط: النقطة الأولى: البداية.
ثم: قبل الموضوع.
ثم: مقدمة للموضوع.
ثم: من دعاء النبي ﷺ .
ثم: من أقوال السلف.
ثم: من شروط الدعاء.
ثم: فن الثناء.
ثم: مسألة في الإبطاء في إجابة الدعاء.
ثم: من أدب الدعاء.
ثم: الافتقار إلى الله.
ثم: لا تيأسي من روح الله.
ثم: وقفة أخيرة.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ثم أما بعد: أخواتي المسلمات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فهذا أول لقاء في لقاءات الدراسات النسائية، وموضوع الدرس هذه الليلة: عن الدعاء وأثره.
وسيتكون الموضوع من عدة نقاط: النقطة الأولى: البداية.
ثم: قبل الموضوع.
ثم: مقدمة للموضوع.
ثم: من دعاء النبي ﷺ .
ثم: من أقوال السلف.
ثم: من شروط الدعاء.
ثم: فن الثناء.
ثم: مسألة في الإبطاء في إجابة الدعاء.
ثم: من أدب الدعاء.
ثم: الافتقار إلى الله.
ثم: لا تيأسي من روح الله.
ثم: وقفة أخيرة.
стр. 371
البداية
الحمد لله على جزيل إنعامه وإفضاله، والشكر له على جليل إحسانه ونواله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعالى في إلهيته وربوبيته، وتقدس في أحديته وصمديته، وتنزه في صفات كماله عن الكفء والنظير، وعز في سلطان قهره وكمال قدرته عن المنازع والمغالب والمعين والمشير، وجل في بقائه وديموميته وغناه وقيوميته عن المطعم والمجير، وصلى الله وسلم على البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين.
يا رب حمداً ليس غيرك يحمد يا من له كل الخلائق تصمد أبواب غيرك ربنا قد أوصدت ورأيت بابك واسعاً لا يوصد هو القائل ﷻ : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
اسمعي كيف سماهم ((عِبَادِي)) بأشرف الأسماء، فأضاف العباد إليه، ورد عليه مباشرة، أي: لم يقل: فقل لهم، وإنما تولى الجواب بنفسه، ليبين لهم أنه لا واسطة بينهم وبينه، وأن بابه مفتوح، وهو قريب ممن دعاه، حليم على من عصاه، غني عمن تناساه.
قال صاحب الظلال: إنها آية عجيبة، آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضا المطمئن، والثقة واليقين، لم يقل: أسمع الدعاء، إنما عجل بإجابة الدعاء: ((أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)).
стр. 372
قبل الموضوع
عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]).
وقال سبحانه عن إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم:٤٨ - ٤٩]، فسمى الدعاء: عبادة.
السؤال
ما هي العبادة؟ قال ابن القيم: هي غاية الحب مع غاية الذل والخضوع.
والعرب تقول طريق معبد: أي مذلل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعاً له لم تكن عابداً له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابداً له، حتى تكون محباً خاضعاً.
وقال ﵀: وسر الخلق، والأمر، والكتب، والشرائع، والثواب، والعقاب، في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]: وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين؛ فقوله تعالى: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ)): هي لله: ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) هي للعبد، فهذا معنى العبادة.
أما معنى الاستعانة: فهي الثقة بالله، والاعتماد عليه، فقد تثقين بالواحد من الناس لكنك لا تعتمدين عليه، وقد تعتمدين على أحد من الناس ولكنك لا تثقين به، وإنما اعتمدت عليه للحاجة إليه، قال سبحانه في هذا المعنى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٣].
وفي قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]: دليل على أننا نستعين بالله على عبادته.
فوالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا والناس أختي الحبيبة! في هذين الأصلين أي: العبادة والاستعانة على أقسام: أولها -وهو أجلها وأفضلها-: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه سبحانه أن يعينهم عليها ويوفقهم لها، وهذا أجل وأفضل ما يسأل فيه الرب ﵎ أي: الإعانة على مرضاته.
وهذا الذي علمه النبي ﷺ لحبه معاذ بن جبل ﵁ فقال: (يا معاذ! والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، والحديث صحيح.
فأنفع الدعاء أختي الحبيبة: طلب العون على مرضاة الله، وأفضل المواهب والعطايا: إسعاف الطالب بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضادها، فتأملي ذلك في كل الأدعية التي جاءت عن النبي ﷺ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
تأملي قوله ﷺ : (اللهم أصلح لي ديني)، وقوله: (ولا تجعل مصيبتي في ديني)، تأملي هذا الدعاء، استشعريه يا رعاك الله.
ثانيها: أهل الإعراض عن عبادة الله وعن الاستعانة به سبحانه، فلا عباده، ولا استعانة، وإن سأل أحدهم ربه أو استعان به فإنما ذلك لحظوظ وشهوات الدنيا، لا لمرضاة ربه وحقوقه عليه.
تأملي: أن الله يسأله أولياؤه وأعداؤه، ويمد هؤلاء وهؤلاء، فإبليس وهو أبغض أعدائه سأل حاجة فأعطاه إياها ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عوناً على مرضاته كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله، وطرده عنه، وهكذا من استعانت بالله على أمر وسألته إياه، ولم يكن عوناً على طاعة الله كان مبعداً لها عن مرضاته قاطعاً لها عنه ولا بد.
تأملي واعلمي أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه، بل يسأله العبد حاجة فيقضيها له وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤها له من هوانه عليه وسقوطه أو سقوطها من عينه، وتسأل الأمة حاجة فيمنعها الله ولا يجيبها لكرامتها ومحبته لها فيمنعها حماية وصيانة وحفظاً لا بخلاً، وهذا إنما يفعله بعبده وأمته لكرامتهما ومحبتهما، فيظنان بجهلهما أن الله لا يحبهما ويكرمهما، سيما عند قضائه حوائج غيرهما من الناس، فيساء الظن بالله والمعصوم من عصمه سبحانه.
فاحذري كل الحذر أن تسألي شيئاً معيناً خيريته وعاقبته مغيبة عنك، فإن كان لا بد من سؤاله فعلقي ذلك على شرط علمه تعالى فيه الخيرية، وقدمي بين يدي سؤالك: الاستخارة، ولكن لا تكن استخارة باللسان بلا معرفة، بل استخارة من لا علم له بمصالحه، ولا قدرة لها عليها، استخارة من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفاً، بل إن وكل إلى نفسه هلك كل الهلاك.
وتأملي قوله ﷺ : (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)، وقوله: (اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين).
стр. 373
مفهوم الدعاء وأقسامه
ما هو الدعاء؟ الدعاء لغة: مأخوذ من مادة: دعوا، والتي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك، ومن هذا الأصل: فالدعاء فيه معنى الرغبة إلى الله ، وهو واحد الأدعية، والفعل من ذلك: دعا يدعو، والمصدر: الدعاء والدعوة.
والدعاء اصطلاحاً: قال فيه الطيبي: هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له، وهذا تعريف يتناول دعاء العبادة كما جاء في فتح الباري.
وقال المناوي: هو لسان الافتقار لشرح الاضطرار، وهذا التعريف يتناول دعاء المسألة المتضمن لدعاء الثناء والعبادة.
أقسام الدعاء في القرآن: جاء لفظ الدعاء في القرآن متناولاً معنيين: الأول: دعاء العبادة، والثاني: دعاء المسألة.
فدعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي، كطلب كشف ما يضره ودفعه، وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود بحق كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية.
أما دعاء العبادة: فهو الذي يتضمن الثناء على الله بما هو أهله، ويكون مصحوباً بالخوف والرجاء.
والدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا أخرى، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان؛ فالعبد يدعو للنفع أو لدفع الضر دعاء مسألة، وهو كذلك يدعو خوفاً ورجاءً فيكون دعاء عبادة، وقد ورد المعنيان في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٥ - ٥٦].
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ [البقرة:١٨٦]: أعطيه إذا سألني، وقيل: أثيبه إذا عبدني.
قال ﷺ : (إن أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام)، وإسناده حسن، وقال ﷺ في حديث سلمان: (إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه بدعوة أن يردهما صفراً ليس فيهما شيء)، صححه الألباني ﵀، وقال ﷺ في حديث أبي هريرة: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب من قلب غافل لاه)، ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
стр. 374
من دعاء النبي ﷺ
عن شهر بن حوشب قال: قلت لـ أم سلمة ﵂: (يا أم المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك؟ قالت كان أكثر دعاءه: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).
وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (كان أكثر دعوة يدعو بها النبي ﷺ : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يدعو: رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر هداي إلي، وانصرني على من بغى علي، اللهم اجعلني لك شاكراً لك ذاكراً لك راهباً لك مطواعاً، إليك مخبتاً أو منيباً، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهدي قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي)، رواه أبو داود والترمذي والحديث صحيح.
من علامات إجابة الدعاء أختي الحبيبة: ما يحصل لنفس الداعية من انشراح في صدرها، وبهجة في فؤادها؛ لامتثالها أمر ربها ﵎، ولاشتغالها بذكره ودعائه، قال عمر: (والله إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء).
قال الطحاوي في شرح الطحاوية: والله يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات، ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر، وصار من أهل الحيم أ.
هـ، والحيم: الهلاك.
فالداعية الصادقة تقصد بدعائها تعظيم ربها ﵎، وتمجيده، ورجاء الأجر والمثوبة منه، مع الطمع بتحقيق ما وعد الله به من الاستجابة كلها، ودعوة الأمة المؤمنة لا ترد، والخير فيما يختاره الله، من تعجيل الإجابة، أو تعويضها بما هو أولى، أو ادخارها لها في الآخرة خيراً مما سألت.
والدعاء أختي الحبيبة! هو أقوى الأسباب لدفع المكروه، ودفع البلايا والمصائب.
وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات كما ذكر ابن القيم في الفوائد: أولاً: أن يكون الدعاء أقوى من البلاء، فيدفعه.
ثانياً: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكنه يخففه وإن كان ضعيفاً.
ثالثاً: أن يتقاوما؛ فيمنع كل واحد منهما صاحبه، قال ﷺ في حديث سلمان: (لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)، حسنه الألباني.
стр. 375
من فوائد الدعاء
فوائد الدعاء كثيرة أختي الحبيبة منها: أولاً: سرعة الفرج، وتفريج الكرب.
ثانياً: إلقاء الهم على الرب؛ لحسن الظن بالقرب.
ثالثاً: الدعاء سلاح يتقى به العدو وسوء القضاء.
رابعاً: يجلب المصالح، ويدفع المفاسد.
خامساً: يشغل الأمة بذنبها وعيبها عن عيب غيرها.
سادساً: مداومة الشعور بالضعف والحاجة، فلا تزال الأمة تدعو حتى تنال حاجتها.
سابعاً: أنه من أجل أنواع العبادة فيقصد لذاته، كما يقصد لقضاء الحاجة، أو لدفع المضرة.
ثامناً: يشعر العبد والأمة بأن الله معهما دائماً أينما كانا.
يقول الناظم: أتهزأ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما صنع الدعاء سهام لا تخطي ولكن لها أمد وللأمد انقضاء قال سهل التستري: شروط الدعاء سبعه: أولها: التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال.
стр. 376
من أقوال السلف ﵏
هذه طائفة من أقوال السلف ﵏.
قال ابن عطاء: إن للدعاء أركاناً، وأجنحة، وأسباباً، وأوقاتاً، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه نجح.
فأركانه: حضور القلب، والرأفة، والاستكانة، والخشوع بين يدي علام الغيوب.
وأجنحة الدعاء: الصدق مع الله، ومواقيته: الأسحار، وأسبابه: الصلاة على رسول الله ﷺ .
قيل لـ إبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟! قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، أما قال الله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢]، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، أما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، أما قال جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدوا شكرها، أما قال جل وعلا: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣]، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، أما قال ﵎: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، أما قال جل من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥]، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، أما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، أما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، أما قال سبحانه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس قال سبحانه: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١].
стр. 377
فن الدعاء
الثناء على الله: فن من الفنون، ولا يثنى على الله إلا بما أثنى به على نفسه في كتابه، أو في سنة نبيه ﷺ .
ندعوا الله ونثني عليه ﵎ بأسمائه وصفاته وآياته، فإذا حل الأمر الصعب، وادلهم الخطب، وعم الجدب، وأظلمت الأفق، وضاقت الطرق، وانشق بالمصائب الأفق، فالله المستعان، وإذا جاعت البطون، وأخطأت الظنون، وحلت المنون فالله المستعان، وإذا قست القلوب، وظهرت العيوب، وكثرت الذنوب فالله المستعان، وإذا فقد الولد، وقحط البلد، وضعف السند، فالله المستعان.
سبحان من انتشل ذا النون من الظلمات، ونجا نوحاً من الكربات، سبحان من أطفأ النار لإبراهيم، وجمد الماء للكليم، سبحان من على العرش استوى، سبحان من يسمع ويرى، سبحان الله العظيم، سبحان من لا يموت، سبحان من تكفل بالقوت، سبحان من وهب النور في الأبصار، وقصر بالموت الأعمار.
لا إله إلا الله ولا نعبد سواه، غالب فلا يقهر، أغنى وأقنى أضحك وأبكى، لا إله إلا الله عدد ما خطت الأقلام، وسجع الحمام، وهطل الغمام، وقوضت من منى الخيام.
لا إله إلا الله كلما برق الصباح، وهبت الرياح، وتعاقبت الأحزان والأفراح، عز فارتفع، خضع له كل شيء وركع، أعطى ومنع خفض ورفع، أعز وأذل سبحانه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
يهدي ضالاً، ويغني فقيراً، ويغفر ذنباً، ويستر عيباً، وينصر مظلوماً، ويقصم جباراً، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع يا من يرجى للشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قول كن أمنن فإن الخير عندك أجمع ما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أرفع ما لي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن رددت فأي باب أقرع ومن ذا الذي أدعو وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يمنع حاشاك لمجدك أن تقنظ عاصياً الفضل أجزل والمواهب أوسع
стр. 378
الإبطاء في إجابة الدعاء
أختي الحبيبة! قد يبتلي الله العبد فيبطئ عليه في الإجابة، وكذا الأمة المؤمنة قد تدعو فلا يستجاب لها، فتكرر الدعاء وتطول المدة ولا ترى أثراً للإجابة، فينبغي لها أن تعلم أن هذا من البلاء الذي يحتاج إلى صبر، ولا بد من معرفة أمور حتى ينقطع عنك وسوسة الشيطان: أولاً: ثبت بالبرهان أن الله مالك، وللمالك التصرف بالمنع والعطاء، فلا وجه للاعتراض عليه، إن أعطى فبرحمته وإن منع فبعدله ﵎.
ثانياً: أنه قد ثبتت حكمته بالأدلة القاطعة، فربما رأيت الشيء مصلحة والحق أن الحكمة لا تقتضيه، وقد يخفى وجه الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر يقصد بها المصلحة.
رجل ماتت زوجته وهي في حالة ولادة، فأنجبت له بنية صغيرة، فأشار إليه أحد المشائخ أن يتزوج في الحال، حتى يجد من يرعى بنيته الصغيرة، وكان يأمل بالزواج زيادة النسل والذرية، تزوج وقامت المؤمنة برعاية ابنته كما ينبغي، لكنها مرت عليها السنة والسنتين ولم تنجب، فاشتكى إلى شيخه، فقال له الشيخ: اصبر فإن لله حكمة، ومرت أربع وخمس وهو يشتكي إلى شيخه، وهو يقول له: اصبر فإن لله حكمة، حتى مرت سبع سنوات، فإذا بها قد حملت ثم ذهب إلى شيخه يبشره بذلك، فقال: إن لله حكمة إذا أعطى، وله حكمة إذا منع، منع منك الولد حتى تربي بنيتك الصغيرة؛ لأنها لو أنجبت لتشاغلت عن تربية تلك الصغيرة.
ولكنها حكمة أختي الحبيبة! لا يعلمها إلا الله ﵎.
من الأمور التي يجب أن تعرف: أنه قد يكون التأخير مصلحة والاستعجال مضرة، وقد قال ﷺ : (لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي).
ثالثاً: قد يكون امتناع الإجابة لآفة فيك، فابحثي عن هذه الأسباب لعلك تدركين بالمقصود.
ذكر إبراهيم الخواص رحمة الله عليه أنه خرج لإنكار المنكر فنبحه كلب له فمنعه أن يمضي، فعاد ودخل المسجد وصلى ثم خرج فبصبص الكلب له، فمضى وأنكر المنكر، فسئل عن تلك الحال؟ فقال: كان هناك منكر وكان عندي ذنب فمنعني الكلب، فلما عدت وتبت واستغفرت فكان ما رأيتم.
رابعاً: ينبغي أن تبحثي عن مقصودك بهذا الطلب! أي: ماذا تريدين عندما تسألين ربك؟ وما مقصودك؟ فإن سألت مالاً، أو جاهاً، أو سلطاناً، أو أي سؤال سألتيه، فما هي نيتك ومقصدك من هذا السؤال؟ أسألت المال للازدياد في طاعة الله؟ وهل أردت الجاه حتى تتقربي به إلى الله؟ أم ماذا المراد من السؤال؟ أما كان النبي ﷺ يستعيذ ويقول: أعوذ بك من صحة تلهيني، أو غنى يطغيني، أما قال نوح ﵇: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود:٤٧].
خامساً: ربما كان فقد ما فقدته سبباً للوقوف على باب الرحيم، واللجوء إليه، وربما كان حصول المراد سبباً للاشتغال به عن المسئول، فقد تكون هذه الحاجة التي أردتها سبباً لوقوفك بين يدي الله متضرعة، خاشعة، منيبة.
وكثير من الناس إذا قضى الله حوائجهم أعرضوا ونكصوا على أعقابهم، كما قال الله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا * قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٨٣ - ٨٤].
فالحق علم اشتغال كثير من الخلق عنه فأنزل عليهم عوارض تدفعهم إلى بابه ليستغيثوا به، فهذي من النعم في طي البلاء، أما البلاء المحض فهو اشتغالك عن الله ﵎، فأما ما يقيمك بين يديه ففيه عزك وجمالك.
حكي عن يحيى البكاء: أنه رأى ربه في المنام فقال: يا رب! كم أدعوك ولا تجيبني، فقال: يا يحيى! إني أحب أن أسمع صوتك.
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري عنه ﷺ : (ما من مسلم دعا الله تعالى إلا أجابه: فإما أن يعجلها وإما أن يؤخرها، وإما أن يدخرها له في الآخرة)، صححه الحاكم وإسناده جيد.
فإذا رأت الأمة يوم القيامة أن ما أجيبت فيه قد ذهب، وما لم تجب فيه قد بقي ثوابه، قالت: ليتك لم تجب لي دعوة قط!.
فافهمي هذه الأشياء، وسلمي قلبك من أن يختلج فيه ريب، أو استعجال، فالمنع لأمرين: إما لمصلحة وإما لذنب، وكل أدرى بحاله.
стр. 379
من آداب الدعاء
من آداب الدعاء: إذا وقعت في محنة يصعب الخلاص منها فليس لك إلا الدعاء واللجوء إلى الله، بعد أن تقدمي التوبة من الذنوب، فإن الزلل يوجب العقوبة، فإذا زال الزلل بالتوبة من الذنوب ارتفع السبب، فإذا تبت ودعوت ولم تري للإجابة أثراً فتفقدي أمرك، فربما كانت التوبة ما صحت لماذا؟ لأن شروط التوبة أختي الحبيبة! بعض الناس قد يقوم بأحدها، ولا يأتي بالأركان الباقية.
وأعظم شروط التوبة: الندم، والإقلاع، والعزم، فقد تعزمين أو تقلعين ولكنك لا تندمين، فالتوبة حينئذٍ ناقصة، وقد تندمين وتعزمين ولا تقلعين فالتوبة ناقصة أيضاً.
إذاً: فلا بد من اكتمال شروط التوبة، صححي التوبة ثم ادعي ولا تملي، فربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة، لا في إجابتها، فإذا جاء إبليس وقال: كم تدعين ولا ترين إجابة؟! فقولي: أنا أتعبد الله بالدعاء، وأنا موقنة أن الجواب حاصل، غير أنه ربما كان في تأخيره بعض المصالح، فهو يجيء في الوقت المناسب كما قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، ولو لم تحصل الإجابة حصل التعبد، والذل، والخضوع لله.
فإياك ثم إياك أن تسألي شيئاً إلا وتقرنيه بسؤال الخيرة، فرب مطلوب من الدنيا كان حصوله سبباً للهلاك، فإن كنا أمرنا بالمشاورة في أمور الدنيا، فكيف لا نسأل الله الخير في جميع أمورنا، وهو أعلم بما ينفعنا ويضرنا.
توسلي إلى الله به فقولي: يا محسناً! إلي قبل أن أطلبه، لا تخيب أملي فيك وأنا أطلبك، فبإنعامك المتقدم أتوسل إليك.
ومن آداب الدعاء: الافتقار إلى الله، بإعلان الحاجة، وبيان الذل والخضوع له سبحانه، قولي: يا رب! ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك، أمتك، وسائلتك، ومؤملتك لا ملجأ لها ولا منجى لها منك إلا إليك، أنت معاذها، وملاذها.
يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره يا من هو أرحم من الوالد بولده، والوالدة بولدها، من ذا الذي دعاك فرددته، وأتاك فطردته، يا قريباً ممن دعاه، يا حليماً على من عصاه، يا غنياً عمن تناساه، أنت القائل في الحديث القدسي على لسان نبيك ﷺ : (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ولا رجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة ولا أبالي).
يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى نياط عروقها في مخها والمخ في تلك العظام النحل اغفر لعبد تاب من زلاته ما كان منه في الزمان الأول اسمعي افتقار محمد ﷺ إلى مولاه في قوله: (إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي لا أبالي، ولكن رحمتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي سخطك أو ينزل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).
اسمعي نبي الله موسى ﵇ وهو يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، اسمعي نبي الله يعقوب ﵇ وهو يقول: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]، اسمعي نبي الله يوسف ﵇ وهو يقول: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣].
أما دعاه زكريا نداء خفياً فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٤ - ٦] فيأتيه
الجواب
﴿ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧].
اسمعي يا رعاك الله! عندما دعاه أيوب وناداه بقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] فقال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤].
ناداه ذا النون في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، فسمع نداءه من فوق سبع سماوات قال سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨].
رمي الخليل في النار فجاءه جبريل فقال: هل لك من حاجة؟ فقال: أما لك فلا، أما لله فنعم، فحسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠].
دخل موسى وهارون ﵉ على فرعون فقالا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٥ - ٤٦].
فليس أحب إلى الله من الدعاء والانكسار والخضوع والتذلل والإخبات والانطراح بين يديه والاستسلام له، فلله ما أحلى أن يقول العبد وكذا الأمة: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي وغناك وفقري، إليك هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي -أو- وإماؤك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك دمعه وعينه، وذل لك قلبه.
تأملي ولا تيأسي من روح الله، وإنما يظهر الإيمان عند الابتلاء، فهو يبالغ والأمة تبالغ في الدعاء، ولا ترى أثراً للإجابة ولا يتغير أملها ولا رجاؤها ولو قويت أسباب اليأس؛ لعلمها أن الحق أعلم بالمصالح، أو لأن المراد منها الصبر والإيمان، فإنه لم يحكم عليها بذلك إلا وهو يريد من قلبها التسليم؛ لينظر كيف تصبرين، أو يريد كثرة اللجوء والدعاء والإلحاح عليه.
فأما من تريد تعجيل الإجابة وتتذمر إن لم يستجب لها فتلك ضعيفة الإيمان، ترى أن لها حقاً في الإجابة، وكأنها تتقاضى أجرة العمل، أما سمعتي قصة يعقوب ﵇ بقي ثمانين سنة في البلاء ورجاؤه لم يتغير، فلما زيد في بلائه وضم إلى فقد يوسف فقد بنيامين لم يتغير أمله، وقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف:٨٣]، وقد كشف الله هذا المعنى في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، وقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، ومعلوم أن هذا لا يصدر من الرسل والمؤمنين إلا بعد طول البلاء، وقرب اليأس من الفرج، ومن هذا قوله ﷺ : (لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل، قيل له: وما يستعجل؟ قال: يقول دعوت فلم يستجب لي).
فإياك إياك! أن تستطيلي زمن البلاء، وتضجري من كثرة الدعاء، فإنك مبتلاة بالبلاء متعبدة بالصبر والدعاء، ولا تيأسي من روح الله وإن طال البلاء.
стр. 380
الرغبة والرهبة في الدعاء
تأملي في قوله ﵎: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، لما ذكر الله تفريج هموم الأنبياء وإجابة الدعوات وقضاء الحاجات، ذكر عنهم هذه الآية العظيمة وبين حالهم أنهم: ((كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)).
والرغبة: هي ثمرة الرجاء.
والفرق بين الرجاء والرغبة: أن الرجاء طمع والرغبة طلب، فإن العبد إذا رجا الشيء طلبه، فالرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق، والراغبة سريعة في فعل الخيرات، مجدة مجتهدة بلا وهن ولا كسل، مثال ذلك: الكل يرجوا ويطمع أن يدخل الجنة، لكن ما نيل المطالب بالتمني، هذا يرجو ولا يعمل فهو غير راغب، وهذا يرجو ويعمل فهو راغب، وكما قيل: الرغبة مفتاح الطلب.
والرهبة: هي الخوف والوجل والخشية، وكلها ألفاظ متقاربة، لكن الرهبة فيها معنى الإمعان في الهرب من المكروه، ولما كانت الرغبة هي العمل للحصول على ما يطمع به كانت الرهبة هي الهرب من المكروه الذي يخاف منه، قال سبحانه: ((وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ))، والخشوع: قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل وجمع القلب بين يديه.
قال الجنيد: الخشوع: تذلل القلوب لعلام الغيوب، فالخشوع غاية الافتقار والتذلل لله ﵎.
تأملي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الأبيات الجميلة وهو يقول: أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي والخير إن يأتي من عنده يأتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ولا عن النفس لي دفع المضرات والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي وهذي الحال حال الخلق أجمعهم وكلهم عنده عبد له آتي قال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.
وجماع الخشوع: التذلل للأمر والاستسلام لله ﵎.
فلا بد أن تحضري القلب وأنت بين يدي الله، فالله لا يستجيب من القلب اللاهي.
قيل: إن الحجاج رأى رجلاً أعمى عند الكعبة يدعو ربه ويقول: اللهم رد لي بصري، فجاء الحجاج من اليوم الثاني، فوجده في نفس المكان يدعو بنفس الدعاء، فقال له الحجاج: إن لم يرد لك بصرك غداً فسأقطع رقبتك، فجاءه في اليوم الثالث مبصراً، فقيل للحجاج: لم فعلت هذا؟! قال: وجدته يدعو بقلب لاهي، لكن لما كانت القضية حاجة واضطرار توجه إلى الله قلباً وقالباً.
الله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه بشرط ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
إن الدعاء هو السلاح الذي تملكينه، وهو السلاح الذي لا يرد، بشرط أن تحسني استعماله، فتدربي على استعماله، واختاري الأوقات المناسبة، تجردي من كل شيء، وقفي خاضعة ذليلة مخبتة إلى الله ﵎، أظهري الحاجة والافتقار، وتأدبي بالأدب الذي علمه لنا نبي الهدى والرحمة صلوات ربي وسلامه عليه، فإن المفلسة هي التي لا تعرف كيف تستخدم سلاح الدعاء.
نسأل الله ﵎ أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، وأن يجعل نساءنا مؤمنات تقيات نقيات خفيات.
اللهم استر عوراتهن وآمن روعاتهن واحفظهن من بين أيديهن ومن خلفهن وعن أيمانهن وشمائلهن.
اللهم من أرادهن بسوء فاجعل تدبيره تدميره، وكيده في نحره.
اللهم احفظهن من كل سوء ومكروه، ووفقهن لما تحب وترضى، واجعلهن هاديات مهديات برحمتك يا أرحم الراحمين.
هذا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 381
طول الأمل ضيع فلسطين
طول الأمل مرض قلبي خبيث وداء نفسي عضال، ينشأ عن حب الدنيا، وعن الجهل بحقيقة الدنيا والآخرة، ونسيان الموت والغفلة عنه، وحب الدنيا قد يودي بالمرء حتى يسلك به مسالك الشر فيجمع ويمنع، ويطمع ولا يقنع، ويأتي المعاصي من كل أبوابها، ويهتك لكل حرمة حجابها، ولا يفكر في حال المسلمين، ولا يدمي قلبه صراخ المستغيثين، وكم ضيعت اليوم للمسلمين من أرض! وكم هتكت لهم من حرمة، والآمنون منهم في سكرتهم يعمهون.
стр. 382
أمراض الأبدان وأمراض القلوب
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أخي المسلم! إن الأمراض التي تصيب الإنسان على نوعين: النوع الأول: أمراض تصيب الأبدان، ومنها نفر إلى الطبيب، فينظر الطبيب في الحال، وينظر في الأعراض، ويصف الدواء، وعلى المريض الأخذ بالأسباب، ومداومة أخذ العلاج حتى يبرأ بإذن الله.
النوع الثاني: أمراض تصيب القلوب وهي أشد فتكاً وأشد خطراً من الأمراض التي تصيب الأبدان؛ لأنها تؤدي إلى خسارة الدنيا وخسارة الآخرة؛ ولأنها لا تكتشف إلا عند ساعات الرحيل، وساعات الاحتضار، فأمراض القلوب من أشد الأمراض فتكاً بهذه الأمة.
ومرض الأمة اليوم قد وصفه النبي ﷺ منذ مئات السنين حين قال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قلنا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع من صدور أعدائكم المهابة، ويقذف في قلوبكم الوهن -وهذا هو المرض- قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
стр. 383
طول الأمل مرض أصيبت به الأمة
стр. 384
من طال أمله ساء عمله
ومن الأمراض التي ابتليت بها الأمة في أقصى الأرض وفي أدناها اليوم مرض طول الأمل، ومن أطال الأمل أساء العمل، والله يقول: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣].
فطول الأمل من أشد الأمراض فتكاً بالأمة اليوم، وقد كانت وصية السلف (احرص على الموت توهب لك الحياة) واليوم لا يبالي الناس أي حياة يحيونها، فالمهم عندهم أن يحيوا بأي حال من الأحوال، فيصبح المسلم ويمسي وهمه الدنيا وحطامها، ويغدو ويروح من أجل دنياه، وهذا واضح في صلاة الفجر عند المسلمين؛ فإنه إذا أذن المؤذن ونادى المنادي خرجت فئة قليلة تبتغي ما عند الله، وآلاف مؤلفة تغط في سبات عميق.
يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
стр. 385
حب الدنيا باعث على طول الأمل
لكل مرض أعراض تظهر على المريض، ولطول الأمل أعراض، منها: حب الدنيا، فإن المسكين إذا تعلق بالدنيا، وتعلق بشهواتها أصبح من الصعب عليه أن يفارقها، وإذا ذكر الموت عنده كره ذلك؛ لأنه يقطع عليه شهواته، ويقطع عليه لذاته، ويقطع عليه الاتصال بدنياه.
وقد علمنا ربنا حقيقة الدنيا فقال مشبهاً لها ومصححاً مفاهيم الناس حولها: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥] فهذه الحياة شبهت بالماء؛ لأن الماء لا يستقر على حالة واحدة، ولا يستقر في مكان واحد، ومن خاض في الماء أصابه البلل، ولذلك تقرأ سورة الكهف من الجمعة إلى الجمعة لأنها تصحح المفاهيم، وتصحح المعتقدات، وتربط الناس برب الأرض والسماوات؛ فقد قال الله في أوائل هذه السورة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٧ - ٨].
والحياة الحقيقية التي لابد من أن نحياها هي في الآخرة، ولذا قال في هذه السورة: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦].
يا عجباً للناس لو فكروا وحاسبوا أنفسهم أبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها إنما الدنيا لكم معبر لا فخر إلا فخر أهل التقى غداً إذا ضمهم المحشر ليعلمن الناس أن التقى والبر كان خير ما يدخر قال الله جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٥ - ٦].
فالتعلق بالدنيا هو من أسباب طول الأمل، فإذا أنس الإنسان إلى الدنيا تعلق بها وبما فيها، وإذا ذكر الموت كان ذكر الموت من أصعب الأشياء عليه؛ لأنه يقطع عليه لذاته وشهواته.
стр. 386
كيفية التعامل مع الدنيا
قد علمنا النبي ﷺ كيف يكون التعامل مع الدنيا، فقال-بأبي هو وأمي-: (ما لي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا إلا كمثل راكب استظل في ظل شجرة ساعة ثم راح وتركها).
وقال لـ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
والغريب هو الذي لا مال له، ولا وطن له، ولا أهل له، فهو يشتاق دائماً إلى لقاء أهله، والعودة إلى دياره ووطنه، هكذا حال الغريب، قال ابن القيم ﵀: وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي أضحت لها الأعداء فينا تحكم فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم وإن من صفات الغريب أنه لا يتطاول في البنيان، ومتاعه قليل، وزاده قليل، وأخذه من الدنيا قليل؛ لأنه على سفر، ولكن انظر في حالنا! وانظر إلى تطاول الناس في البنيان وقد قال أبو حامد الغزالي ﵀: والمقصد من البنيان جدران أربعة تضم الصغير والكبير، تحميهم من حر الصيف وبرد الشتاء، ومن أعين الناس.
واليوم تنفق الأموال في تزيين الجدران والسقوف.
قال الله جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٥ - ٦].
فالتعلق بالدنيا هو من أسباب طول الأمل، فإذا أنس الإنسان إلى الدنيا تعلق بها وبما فيها، وإذا ذكر الموت كان ذكر الموت من أصعب الأشياء عليه؛ لأنه يقطع عليه لذاته وشهواته.
стр. 387
حال النبي ﷺ مع الدنيا
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
إن نبينا الكريم قد عرضت عليه الدنيا بما فيها، ولكنه زهد فيها ورغب عنها.
يقول الحسن البصري: دخلت بيوت النبوة بعد وفاة النبي ﷺ بحين، دخلتها وهي على ما هي عليه لم تتغير، فرفعت يدي فلمست سقف المكان، ونظرت في جدرانها، ونظرت في أساسها، فإذا بجدرانها من الطين والجريد.
وقد دخل عليه عمر ﵁ وأرضاه وقد أثر الحصير في جنبه، فبكى عمر متأثراً وقال: بأبي أنت وأمي، أنت أحب البشر إلى الله وملوك فارس والروم تنعم بالديباج والحرير، فقال النبي ﷺ مصححاً لـ عمر مفهومه: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟!).
تقول عائشة ﵂: (كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في بيتنا نار، قال عروة: قلت: يا خالة! ما كان طعامكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء).
وما شبع آل محمد من خبز الشعير ثلاثة أيام متتالية، وخبزت فاطمة خبزاً في مرة من المرات فأتت إلى أبيها بكسرة خبز فأكلها وقال: (أما إنها أول طعام دخل بطن أبيك منذ ثلاثة أيام).
هكذا عاش من يريد ما عند الله ﵎، وقد خيره الله بين الملك والرسالة وبين العبودية والرسالة، فقد ورد: (أنه جاءه جبريل فقال: معي ملك الجبال، إن شئت أن يحول لك جبال مكة ذهباً وفضة فعل، وإن شئت جعلك الله ملكاً رسولاً، وإن شئت جعلك عبداً رسولاً) فاختار العبودية مع حمل الرسالة، وقال: (بل عبداً رسولاً، أشبع يوماً فأشكر الله، وأجوع يوماً فأحمد الله) فماذا غيرت الأمة وبدلت من بعده؟! يقول سعيد بن المسيب ﵀: لما هدمت بيوت النبوة ما رأيت باكياً في المسجد كما رأيت في ذلك اليوم، ليتهم أبقوها حتى تأتي الأمة من مشارق الأرض ومغاربها وترى كيف كانت حياة نبيها ﷺ .
وهو الذي علمنا وأمرنا بالاغتراب في هذه الحياة.
стр. 388
أسباب طول الأمل
من أعظم أسباب طول الأمل حب الدنيا، وهو المرض العضال الذي أعيا الأولين وأعيا الآخرين.
ومن أسباب طول الأمل: الجهل بحقيقة هذه الحياة، والحقيقة التي لابد من أن يعيها كل واحد منا: هي أننا في هذه الدنيا ضيوف، وأننا على وشك الرحيل طال الزمان أو قصر، فكم هي مدة هذه الضيافة؟ لا يعلم ذلك إلا الله جل في علاه قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢].
فالجهل من أعظم أسباب طول الأمل، فإن الشاب بجهله يعول على شبابه وعلى قوته، وتناسى المسكين أن أكثر من يموت هم الشباب.
وقد أرسلت إلي رسالة قال فيها كاتبها: خرجت في عصر هذا اليوم أهنئ جيراناً لي بمولود جديد وأعزي الآخرين في وفاة ابن من أبنائهم.
فقلت: هكذا سنة الحياة، أناس يحيون وأناس يموتون، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تغييراً.
ويا للعجب! ندفن الموتى ونودعهم ولا نعتبر، ونظن أن الموت قد كتب على الآخرين ولم يكتب علينا، يقول ثابت البناني: كنا إذا سرنا في جنازة لا نرى إلا باكياً متقنعاً، وكنا لا ندري من نعزي لكثرة الباكين.
وانظر إلى جنائزنا اليوم، فسترى الضاحكين والمبتسمين يمنة ويسرة، فإن لم يغير الموت طباعنا وسلوكنا ويجعلنا نستعد للقاء الله ﵎ فأي واعظ بعده يعظنا؟! فالشاب يعول على شبابه، وتناسى المسكين أن أكثر من يموت هم الشباب، وحين يموت شيخ واحد فانظر كم مات في زمن حياته من الشباب؟ وكم يموت من الشباب والأطفال والصغار والكبار، وهذا المسكين يعول على قوته، ويعول على صحته، ويسوف بقوله: غداً أستقيم، غداً أرتبط بالمساجد، إذا انتهيت من هذه السفرة، إذا انتهيت من بناء هذا البيت! ولا يزال المسكين يمني نفسه ويسوف ويؤخر حتى يأتيه الموت على حين غرة.
وقد اتفق أهل العلم قاطبة على أن الموت ليس له مكان معين ولا زمن معين ولا عمر معين ولا سبب معين، وإنما يأتي بغتة ونحن لا نشعر: هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب نشاهد ذا عين اليقين حقيقة وكأننا بما علمنا يقيناً نكذب إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرتجيه أقرب
стр. 389
قصر الأمل عند السلف
جلس ثلاثة يتحدثون عن طول الأمل، فقال أولهم: أما أنا فأملي قصير، فقال له صاحباه: وما قصره؟ فقال: والله ما رأيت الهلال إلا قلت: لا أدرك الهلال الذي بعده.
فقال صاحباه: تؤمل أن تعيش شهراً! والله إنه لأمل طويل.
فقيل للثاني: كيف أملك؟ قال: والله ما أدركت جمعة إلا قلت: لا أدرك الجمعة التي بعدها.
فقال صاحبه: تؤمل أن تعيش أسبوعاً كاملاً! والله إنه لأمل طويل.
فلما قال الثالث: إن أملكما طويل قالا له: وكيف أملك؟ فقال: والله ما أخذت نفساً إلا ظننت أني لا أرده.
لقد قال النبي ﷺ لـ ابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، فكان ابن عمر يحقق هذا واقعاً ملموساً في حياته فيقول: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لمرضك).
وقال علي ﵁: أخوف ما أخاف عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى، أما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا.
وكان حبيب الفارسي يقول لأهله: إذا مت اليوم فاذهبوا إلى فلان يغسلني، واذهبوا إلى فلان يكفنني، واصنعوا كذا اصنعوا كذا، فقيل لزوجته: رؤيا رآها؟ قالت: لا، في كل يوم يقول مثل هذا الكلام.
وكان صفوان بن سليم ﵀ لا يكاد يفارق المسجد أبداً، وإذا أراد الخروج من المسجد بكى، فقيل له: ما الذي يبكيك؟ قال: أخاف أن لا أرجع إليه مرة ثانية.
وكان آخر يقول: والله ما نمت نومة إلا ظننت أني لا أستيقظ بعدها أبداً.
قال سلمان الفارسي: عجبت من ثلاثة: مؤمل دنيا والموت يطلبه، وضاحك بملء فيه لا يدري أربه راض عنه أم ساخط عليه، وغافل ليس بمغفول عنه.
ومر شيخ الإسلام على مجموعة من الرجال والصبيان يضحكون ويغنون ومعهم معازف وآلات طرب فقال لهم: إن كان هذا طريق الجنة فأين هو طريق النار؟ إن علامات قصر الأمل تظهر في المبادرة إلى الأعمال، وفي المسارعة إلى الخيرات، وكم من مدع أنه قصير الأمل لكن الأفعال لا تصدق الأقوال.
فإن كنت صادقاً أنك قصير الأمل وأنك على استعداد وأنك تريد النجاة، فأين صليت الفجر اليوم؟! أفي صفوف النائمين، أم كنت في ذمة رب العالمين؟! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 390
لا تغفل عن الموت
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١].
عباد الله! اتصل أحد أقاربي بأهله ظهراً في الساعة الواحدة تماماً وقال لهم: إني قد استأذنت من العمل مبكراً فما هي مطالبكم؟ وما هي حاجاتكم؟ فأملوا عليه المطالب وقالوا: نريد كذا ونريد كذا ونريد كذا، فقال: ساعة واحدة وسأكون عندكم.
فمرت الساعة الأولى والساعة الثانية والثالثة، ثلاث ساعات متتاليات، ثم مرت الرابعة ولم يظهر له أثر، وقبيل المغرب بقليل اتصل متصل من المستشفى يقول لأهله: عظم الله أجركم في فلان.
حيث إنه في ساعة خروجه من مكان عمله ارتطمت سيارته بسيارة أخرى وفارق الحياة.
والسؤال الذي أسألك إياه: هل كان يظن حين رفع سماعة الهاتف أنها آخر مكالمة بينه وبينهم؟! وهل كانوا يظنون وهم يملون عليه المطالب أنها لن تصل؟! بل الذي يحملها هل كانوا يظنون أنه لن يصل؟! وهل خاطبت نفسك يوماً وأنت تخرج في الصباح وقلت: لعلي لا أرجع إلى البيت مرة ثانية؟ وهل خاطبت نفسك ليلاً فقلت: لعلها تكون آخر ليلة في الحياة؟ فكيف تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضر المقتني ولست بالمرتدع أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط بفوده فقد نعي ويحك يا نفس احرصي على ارتياد المخلص وطاوعي وأخلصي واستمعي النصح وعي واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى واخشي مفاجأة القضا وحاذري أن تخدعي وانتهجي سبل الهدى وادكري وشك الردى وأن مثواك غدا في قعر لحد بلقع من منا إذا أصبح حدث نفسه أنه لن يمسي، ومن منا إذا أمسى حدث نفسه أنه لن يصبح.
نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرتجيه أقرب جلس زيد بن عبد الرحمن مع نفر من أصحابه بينهم غافل لا يعلم بغفلته إلا الله، فقال -وكأنه يخاطبنا-: يا أبا فلان! الحال التي أنت عليها ترضاها للموت؟ قال: لا، قال: هل نويت أن تغير هذه الحال إلى حال ترضاها للموت؟ قال: ما اشتاقت نفسي بعد، قال: وهل تضمن أن لا يأتيك ملك الموت على هذه الحال؟ قال: لا، قال: وهل بعد هذه الدار دار فيها معتمل؟ قال: لا، قال: والله ما رأيت عاقلاً يرضى بهذه الحال! أليس هذا هو حال الكثير اليوم؟! تخلف عن الصلوات، واقتراف للمناهي والمحرمات، أعمارهم تنقضي أمام شاشات وقنوات، فمتى نعرف قيمة الأعمار وقيمة الأوقات؟ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩].
следующие страницы →