Полный текст (882 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
كيفية التعامل مع الدنيا
قد علمنا النبي ﷺ كيف يكون التعامل مع الدنيا، فقال-بأبي هو وأمي-: (ما لي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا إلا كمثل راكب استظل في ظل شجرة ساعة ثم راح وتركها).
وقال لـ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
والغريب هو الذي لا مال له، ولا وطن له، ولا أهل له، فهو يشتاق دائماً إلى لقاء أهله، والعودة إلى دياره ووطنه، هكذا حال الغريب، قال ابن القيم ﵀: وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي أضحت لها الأعداء فينا تحكم فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم وإن من صفات الغريب أنه لا يتطاول في البنيان، ومتاعه قليل، وزاده قليل، وأخذه من الدنيا قليل؛ لأنه على سفر، ولكن انظر في حالنا! وانظر إلى تطاول الناس في البنيان وقد قال أبو حامد الغزالي ﵀: والمقصد من البنيان جدران أربعة تضم الصغير والكبير، تحميهم من حر الصيف وبرد الشتاء، ومن أعين الناس.
واليوم تنفق الأموال في تزيين الجدران والسقوف.
قال الله جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٥ - ٦].
فالتعلق بالدنيا هو من أسباب طول الأمل، فإذا أنس الإنسان إلى الدنيا تعلق بها وبما فيها، وإذا ذكر الموت كان ذكر الموت من أصعب الأشياء عليه؛ لأنه يقطع عليه لذاته وشهواته.
стр. 387
حال النبي ﷺ مع الدنيا
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
إن نبينا الكريم قد عرضت عليه الدنيا بما فيها، ولكنه زهد فيها ورغب عنها.
يقول الحسن البصري: دخلت بيوت النبوة بعد وفاة النبي ﷺ بحين، دخلتها وهي على ما هي عليه لم تتغير، فرفعت يدي فلمست سقف المكان، ونظرت في جدرانها، ونظرت في أساسها، فإذا بجدرانها من الطين والجريد.
وقد دخل عليه عمر ﵁ وأرضاه وقد أثر الحصير في جنبه، فبكى عمر متأثراً وقال: بأبي أنت وأمي، أنت أحب البشر إلى الله وملوك فارس والروم تنعم بالديباج والحرير، فقال النبي ﷺ مصححاً لـ عمر مفهومه: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟!).
تقول عائشة ﵂: (كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في بيتنا نار، قال عروة: قلت: يا خالة! ما كان طعامكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء).
وما شبع آل محمد من خبز الشعير ثلاثة أيام متتالية، وخبزت فاطمة خبزاً في مرة من المرات فأتت إلى أبيها بكسرة خبز فأكلها وقال: (أما إنها أول طعام دخل بطن أبيك منذ ثلاثة أيام).
هكذا عاش من يريد ما عند الله ﵎، وقد خيره الله بين الملك والرسالة وبين العبودية والرسالة، فقد ورد: (أنه جاءه جبريل فقال: معي ملك الجبال، إن شئت أن يحول لك جبال مكة ذهباً وفضة فعل، وإن شئت جعلك الله ملكاً رسولاً، وإن شئت جعلك عبداً رسولاً) فاختار العبودية مع حمل الرسالة، وقال: (بل عبداً رسولاً، أشبع يوماً فأشكر الله، وأجوع يوماً فأحمد الله) فماذا غيرت الأمة وبدلت من بعده؟! يقول سعيد بن المسيب ﵀: لما هدمت بيوت النبوة ما رأيت باكياً في المسجد كما رأيت في ذلك اليوم، ليتهم أبقوها حتى تأتي الأمة من مشارق الأرض ومغاربها وترى كيف كانت حياة نبيها ﷺ .
وهو الذي علمنا وأمرنا بالاغتراب في هذه الحياة.
стр. 388
أسباب طول الأمل
من أعظم أسباب طول الأمل حب الدنيا، وهو المرض العضال الذي أعيا الأولين وأعيا الآخرين.
ومن أسباب طول الأمل: الجهل بحقيقة هذه الحياة، والحقيقة التي لابد من أن يعيها كل واحد منا: هي أننا في هذه الدنيا ضيوف، وأننا على وشك الرحيل طال الزمان أو قصر، فكم هي مدة هذه الضيافة؟ لا يعلم ذلك إلا الله جل في علاه قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢].
فالجهل من أعظم أسباب طول الأمل، فإن الشاب بجهله يعول على شبابه وعلى قوته، وتناسى المسكين أن أكثر من يموت هم الشباب.
وقد أرسلت إلي رسالة قال فيها كاتبها: خرجت في عصر هذا اليوم أهنئ جيراناً لي بمولود جديد وأعزي الآخرين في وفاة ابن من أبنائهم.
فقلت: هكذا سنة الحياة، أناس يحيون وأناس يموتون، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تغييراً.
ويا للعجب! ندفن الموتى ونودعهم ولا نعتبر، ونظن أن الموت قد كتب على الآخرين ولم يكتب علينا، يقول ثابت البناني: كنا إذا سرنا في جنازة لا نرى إلا باكياً متقنعاً، وكنا لا ندري من نعزي لكثرة الباكين.
وانظر إلى جنائزنا اليوم، فسترى الضاحكين والمبتسمين يمنة ويسرة، فإن لم يغير الموت طباعنا وسلوكنا ويجعلنا نستعد للقاء الله ﵎ فأي واعظ بعده يعظنا؟! فالشاب يعول على شبابه، وتناسى المسكين أن أكثر من يموت هم الشباب، وحين يموت شيخ واحد فانظر كم مات في زمن حياته من الشباب؟ وكم يموت من الشباب والأطفال والصغار والكبار، وهذا المسكين يعول على قوته، ويعول على صحته، ويسوف بقوله: غداً أستقيم، غداً أرتبط بالمساجد، إذا انتهيت من هذه السفرة، إذا انتهيت من بناء هذا البيت! ولا يزال المسكين يمني نفسه ويسوف ويؤخر حتى يأتيه الموت على حين غرة.
وقد اتفق أهل العلم قاطبة على أن الموت ليس له مكان معين ولا زمن معين ولا عمر معين ولا سبب معين، وإنما يأتي بغتة ونحن لا نشعر: هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب نشاهد ذا عين اليقين حقيقة وكأننا بما علمنا يقيناً نكذب إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرتجيه أقرب
стр. 389
قصر الأمل عند السلف
جلس ثلاثة يتحدثون عن طول الأمل، فقال أولهم: أما أنا فأملي قصير، فقال له صاحباه: وما قصره؟ فقال: والله ما رأيت الهلال إلا قلت: لا أدرك الهلال الذي بعده.
فقال صاحباه: تؤمل أن تعيش شهراً! والله إنه لأمل طويل.
فقيل للثاني: كيف أملك؟ قال: والله ما أدركت جمعة إلا قلت: لا أدرك الجمعة التي بعدها.
فقال صاحبه: تؤمل أن تعيش أسبوعاً كاملاً! والله إنه لأمل طويل.
فلما قال الثالث: إن أملكما طويل قالا له: وكيف أملك؟ فقال: والله ما أخذت نفساً إلا ظننت أني لا أرده.
لقد قال النبي ﷺ لـ ابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، فكان ابن عمر يحقق هذا واقعاً ملموساً في حياته فيقول: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لمرضك).
وقال علي ﵁: أخوف ما أخاف عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى، أما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا.
وكان حبيب الفارسي يقول لأهله: إذا مت اليوم فاذهبوا إلى فلان يغسلني، واذهبوا إلى فلان يكفنني، واصنعوا كذا اصنعوا كذا، فقيل لزوجته: رؤيا رآها؟ قالت: لا، في كل يوم يقول مثل هذا الكلام.
وكان صفوان بن سليم ﵀ لا يكاد يفارق المسجد أبداً، وإذا أراد الخروج من المسجد بكى، فقيل له: ما الذي يبكيك؟ قال: أخاف أن لا أرجع إليه مرة ثانية.
وكان آخر يقول: والله ما نمت نومة إلا ظننت أني لا أستيقظ بعدها أبداً.
قال سلمان الفارسي: عجبت من ثلاثة: مؤمل دنيا والموت يطلبه، وضاحك بملء فيه لا يدري أربه راض عنه أم ساخط عليه، وغافل ليس بمغفول عنه.
ومر شيخ الإسلام على مجموعة من الرجال والصبيان يضحكون ويغنون ومعهم معازف وآلات طرب فقال لهم: إن كان هذا طريق الجنة فأين هو طريق النار؟ إن علامات قصر الأمل تظهر في المبادرة إلى الأعمال، وفي المسارعة إلى الخيرات، وكم من مدع أنه قصير الأمل لكن الأفعال لا تصدق الأقوال.
فإن كنت صادقاً أنك قصير الأمل وأنك على استعداد وأنك تريد النجاة، فأين صليت الفجر اليوم؟! أفي صفوف النائمين، أم كنت في ذمة رب العالمين؟! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 390
لا تغفل عن الموت
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١].
عباد الله! اتصل أحد أقاربي بأهله ظهراً في الساعة الواحدة تماماً وقال لهم: إني قد استأذنت من العمل مبكراً فما هي مطالبكم؟ وما هي حاجاتكم؟ فأملوا عليه المطالب وقالوا: نريد كذا ونريد كذا ونريد كذا، فقال: ساعة واحدة وسأكون عندكم.
فمرت الساعة الأولى والساعة الثانية والثالثة، ثلاث ساعات متتاليات، ثم مرت الرابعة ولم يظهر له أثر، وقبيل المغرب بقليل اتصل متصل من المستشفى يقول لأهله: عظم الله أجركم في فلان.
حيث إنه في ساعة خروجه من مكان عمله ارتطمت سيارته بسيارة أخرى وفارق الحياة.
والسؤال الذي أسألك إياه: هل كان يظن حين رفع سماعة الهاتف أنها آخر مكالمة بينه وبينهم؟! وهل كانوا يظنون وهم يملون عليه المطالب أنها لن تصل؟! بل الذي يحملها هل كانوا يظنون أنه لن يصل؟! وهل خاطبت نفسك يوماً وأنت تخرج في الصباح وقلت: لعلي لا أرجع إلى البيت مرة ثانية؟ وهل خاطبت نفسك ليلاً فقلت: لعلها تكون آخر ليلة في الحياة؟ فكيف تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضر المقتني ولست بالمرتدع أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط بفوده فقد نعي ويحك يا نفس احرصي على ارتياد المخلص وطاوعي وأخلصي واستمعي النصح وعي واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى واخشي مفاجأة القضا وحاذري أن تخدعي وانتهجي سبل الهدى وادكري وشك الردى وأن مثواك غدا في قعر لحد بلقع من منا إذا أصبح حدث نفسه أنه لن يمسي، ومن منا إذا أمسى حدث نفسه أنه لن يصبح.
نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرتجيه أقرب جلس زيد بن عبد الرحمن مع نفر من أصحابه بينهم غافل لا يعلم بغفلته إلا الله، فقال -وكأنه يخاطبنا-: يا أبا فلان! الحال التي أنت عليها ترضاها للموت؟ قال: لا، قال: هل نويت أن تغير هذه الحال إلى حال ترضاها للموت؟ قال: ما اشتاقت نفسي بعد، قال: وهل تضمن أن لا يأتيك ملك الموت على هذه الحال؟ قال: لا، قال: وهل بعد هذه الدار دار فيها معتمل؟ قال: لا، قال: والله ما رأيت عاقلاً يرضى بهذه الحال! أليس هذا هو حال الكثير اليوم؟! تخلف عن الصلوات، واقتراف للمناهي والمحرمات، أعمارهم تنقضي أمام شاشات وقنوات، فمتى نعرف قيمة الأعمار وقيمة الأوقات؟ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩].
стр. 391
قيمة الوقت
إننا لن نعرف قيمة الأعمار إلا إذا انتهت الآجال وانقضت الأعمار، فينادي المنادون يومها بأعلى الصوت: ربنا ارجعنا نعمل صالحاً.
فلا يستجاب لهم، فقد حيل بينهم وبينما يشتهون.
وأنت يا ابن آدم ابن لحظات ثلاث: لحظة مضت بكل ما فيها، كتب فيها ما كتب إما لك وإما عليك، ولحظة قادمة لا تدري أتدركها أو لا تدركها، فأنت لست من أهلها، ولحظة تحياها فأنت ابن هذه اللحظة، فمتى ستتوب؟! ومتى ستنتظم في صفوف المصلين؟! ومتى ستكون من أهل القرآن؟! متى ستتعود على الصيام والقيام؟! يقول الحسن البصري: إن أقواماً غرتهم الحياة الدنيا فخرجوا منها بلا رصيد من الحسنات، يقولون: إننا نحسن الظن بالله.
قال: كذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، لكن ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون.
стр. 392
دفع الجهل بالآخرة بالعلم بها
فإذا علمنا أن السبب هو الجهل فإننا ندفعه بالعلم، أي: العلم بالآخرة قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١].
فالجهل يدفع بالعلم، وفي مجالس الصالحين ومجالس الذكر يدفع الجهل والغفلة التي يحياها كثير من الناس.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة ودخل أهل النار النار، جيء بالموت على صورة كبش أقرن أملح بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعرفه، هذا هو الموت، ثم ينادى بأهل النار: يا أهل النار! تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم نعرفه، هذا الموت، فيؤمر به فيذبح بين الجنة والنار) حتى الموت سوف يموت.
قال: (فيؤمر به فيذبح، ثم ينادى بأهل الجنة: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، وينادى بأهل النار: يا أهل النار! خلود فلا موت، ثم قرأ ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠])، فالجهل يدفع بالعلم، والشيء يدفع بضده.
أما حب الدنيا فهو المرض العضال الذي أعيا الأولين وأعيا الآخرين ولا علاج له إلا بالإيمان بالله وباليوم الآخر وتذكره، فقد قال الرسول ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة).
يقول الناظم عن الدنيا: وإن هدمت فزدها أنت هدماً وحصن أمر دينك ما استطعتا ولا تحزن على ما فات منها إذا ما أنت في أخراك فزتا أراك تحب دنيا ذات غدر أبت طلاقها العقلاء بتا وتطعمك الطعام وعن قليل ستطعم منك ما منها طعمتا تفر من الهجير وتتقيه فهلا من جهنم قد فررتا فإنك لا تطيق أهونها عذاباً ولو كنت الحديد بها لذبتا
стр. 393
موقف المسلمين اليوم تجاه قضايا أمتهم
فاتقوا الله عباد الله، فإن الذي يحدث في بلاد المسلمين يمنة ويسرة لابد له من وقفة ومراجعة حسابات، فهل يرضيك الذي يحدث لإخواننا في فلسطين؟! هل يرضيك ما يحدث هناك؟! تهدم بيوتهم، وأنا وأنت نصبح على طعام وشراب بين أهلينا وصغارنا، وهم يصبحون ويمسون على أصوات المدافع والدبابات.
وليس العجب -والله- ما يحدث هناك، فما يحدث هناك هو من فعل اليهود ولا عجب، لكن العجب هو الصمت المطبق على العالم بلا استنكار وبلا شجب وتنديد، والعجب غفلتنا عما يحدث لهم هناك، والعجب تفكك البنيان الذي كان في يوم من الأيام جسداً واحداً.
القدس بصوت الحزن تنادي: أيا عرب! أأنتم قول والعمل صعب المنال؟! أين عمر؟ أين صلاح الدين؟ أين هؤلاء الأبطال؟! أين من يحمي أغصان شجرة الزيتون من أفعال نجستها أسوأ الأفعال؟! أين من يحمي أطفالاً في حضون أمهاتهم ربما كانوا في الغد من سادة الأجيال؟! أين أنتم يا عرب القول؟! أين أنتم أم أنتم شعوب تخاف القتال؟! هل تفكك بنيان يشد بعضه بعضاً، أم سقط النسر من أعالي الجبال؟! إنه لا عجب مما يحدث هناك، لكن العجب من أحوال المسلمين التي لم تتغير ولم تتبدل.
أفيقوا يا رقود قبل أن ننادي بأعلى الصوت فلا يستجاب لنا، فإن السكوت عن مآسيهم إثم آخر تتحمله الأمة من أدناها إلى أقصاها، وإن السكوت وعدم الانفعال مع ما يحدث هناك إثم يتحمله الجميع بدون استثناء.
أليس ما يحدث هناك بسبب تقصيرنا نحن إن كنا نظن أننا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟! لكنها الغفلة وطول الأمل، وقد قال تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠].
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يردنا إليه رداً جميلاً.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين.
اللهم ارفع البلاء عن إخواننا في العراق وفي فلسطين وفي الشيشان وكشمير وفي الفلبين وأفغانستان.
اللهم رحماك بالشيوخ الركع، والأطفال الرضع، والبهائم الرتع، اللهم كن لهم عوناً وظهيراً، ومؤيداً ونصيراً.
اللهم قل الناصر وقل المعين، اللهم آثرهم ولا تؤثر عليهم، اللهم زدهم ولا تنقصهم، وأكرمهم ولا تهنهم يا رب العالمين.
اللهم انصر من نصرهم واخذل من خذلهم يا رب العالمين، اللهم انصر من نصرهم واخذل من خذلهم يا رب العالمين، اللهم انصر من نصرهم واخذل من خذلهم يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود الغاصبين، والنصارى الحاقدين، والوثنيين وأعداء الملة والدين، ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.
اللهم اشدد وطأتك عليهم فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز، اللهم رد الشباب والشيب إليك رداً جميلاً يا رب العالمين، اللهم رد الشباب والشيب إليك رداً جميلاً يا رب العالمين، اللهم طهر بيوتنا من الشاشات والقنوات، وأسواقنا من الفواحش والمنكرات، واملأ مساجدنا وبيوتك -يا رب العالمين- بالمصلين والمصليات.
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 394
غربة صائم
يعتبر شهر رمضان من أعظم الشهور منزلة عند الله تعالى، لما فيه من الخير والبركات والنفحات الإيمانية، فعلى المسلم أن يتعرض لهذه النفحات الإيمانية في هذا الشهر الكريم، والرابح من استغل هذا الشهر في طاعة الله ، والخاسر من ضيع وفرط في هذا الشهر الكريم.
стр. 395
غربة صائم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: معاشر الأحبة رجالاً ونساءً! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، أسأله سبحانه أن يفرج هم المهمومين، ويكشف كرب المكروبين، ويقضي الدين عن المدينين، وأن يدل الحيارى ويهدي الضالين، وأن يغفر للأحياء وللميتين.
أحبتي.
! أيام معدودة ونستقبل شهر رمضان، وعنوان لقاء هذه الليلة الطيبة المباركة: غربة صائم.
وسيتكون موضوع هذه الليلة من العناصر الآتية: وقفة قبل البداية.
شهر رمضان.
كتب عليكم الصيام.
المطلوب منك ومنك ومني.
بدأ غريباً وسيعود غريباً.
الغرباء مع الصيام.
ولك من أخبار النساء.
أنواع الصائمين.
هذا حالهم فما هو حالنا؟ نداء أخير.
стр. 396
وقفة قبل البداية
كنا في العام الماضي في مثل هذه الأيام نرقب شهر الصوم ونتحراه، ثم ماذا؟! عام كامل بأيامه ولياليه قد قوض خيامه، وطوى بساطه، وشد رحاله بما قدمنا فيه من خير أو شر، وصدق الله - ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً)) ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً)) -: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠].
قال ابن كثير ﵀: تمر بنا الأيام تترا، وإنما نساق إلى الآجال والعين تنظر.
إن الدقائق والثواني التي ذهبت من أعمارنا لن تعود، ولو أنفقنا جبال الأرض ذهباً وفضة.
واعلم أن الأنفاس معدودة والآجال محدودة، واعلم أن من أعظم نعم الله عليك أن مد في عمرك وجعلك تدرك هذا الشهر العظيم، فكم غيب الموت من صاحب، ووارى الثرى من حبيب، فتذكر من صام معنا العام الماضي وصلى العيد، ثم أين هو الآن بعد أن غيبه الموت؟!.
اجعل واجعلي لك من هذا الحديث نصيباً، قال ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: اغتنم حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك)، رواه الحاكم.
احرص رعاك الله! أن تكون من خيار الناس كما قال ﷺ وأخبر حين سئل: أي الناس خير؟ أي الناس خير؟ قال: (من طال عمره وحسن عمله).
إلهي ثكلت خواطر أنست بغيرك عدمت قلباً يحب سواك
стр. 397
شهر رمضان
قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]، جاء عند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة: (كان رسول الله ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان، فكان يقول لهم: قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خير تلك الليلة فقد حرم الخير).
قال ابن رجب: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان، فكيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟! كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران؟! كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان؟! من أين يشبه هذا الزمان زمان؟! قال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان.
قال يحيى بن كثير: كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلم مني رمضان متقبلاً فمرحباً بشهر طيب مبارك كريم.
في رمضان أنزل القرآن والكتب السماوية، في رمضان الشفاعة بالصيام والقرآن، في رمضان التراويح والتهجد، في رمضان التوبة وتكفير الذنوب، في رمضان تصفد الشياطين، في رمضان تغلق أبواب الجحيم وتفتح أبواب الجنان، في رمضان الجود والإحسان والعتق من النيران، في رمضان الصبر والشكر والدعاء، في رمضان مضاعفة الحسنات وليلة القدر، في رمضان الجهاد والانتصار فكيف لا يفرح المؤمن بشهر هذا بعض ما فيه؟! بين الجوانح في الأعماق سكناه فكيف أنت ومن في الناس ينساه وكيف أنت حبيباً كنت في صغري أسير حسن له جلت مزاياه ولم أزل في هواه ما نقضت له عهداً ولا محت الأيام ذكراه قد شاخ جسمي ولكن في محبته وما زال قلبي فتى في عشق معناه وفي كل عام لنا لقيا محببة يهتز كل كياني حين ألقاه بالعين والقلب والآذان أرقبه وكيف لا وأنا بالروح أحياه والليل تحلو به اللقيا وإن قصرت ساعاتها أحيالها وأحلاه فنوره يجعل الليل البهيم ضحى فما أجل وما أجلى محياه ألقاه شهراً ولكن في نهايته يمضي كطيف خيال قد لمحناه في موكب الطهر في رمضان الخير تجمعنا محبة الله لا مال ولا جاه من كل ذي خشية لله ذي ولع بالخير تعرفه دوماً بسيماه قد قدروا مواسم الخيرات فاستبقوا والاستباق هنا المحمود عقباه صاموه قاموه إيماناً ومحتسباً أحيوه طوعاً وما في الخير إكراه وكلهم بآيات القرآن مندمجاً كأنه الدم يسري في خلاياه فالأذن سامعة والعين دامعة والروح خاشعة والقلب أواه
стр. 398
كتب عليكم الصيام
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
قال ابن عثيمين ﵀: الحكمة من الصيام: ليس أن يمنع الإنسان نفسه عن الطعام والشراب والنكاح، ولكن كما قال الله: ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))، وما أشار إليه النبي ﷺ في قوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، ومعنى قوله ﵊: (من لم يدع قول الزور): هو كل قول محرم، أو العمل به أي بالزور، أي: كل فعل محرم، وقوله: (والجهل): أي العدوان على الناس وعدم الحلم.
стр. 399
المطلوب منك ومنكِ ومني
فالمطلوب منك ومنك ومني: تحقيق تقوى الله جل في علاه، فهي الغاية المنشودة والصفة المفقودة، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، وقال ﷺ : (اتق الله حيثما كنت)، والتقوى في أبسط معانيها: فعل المأمور وترك المحذور.
فهل ترانا حققنا هذا بصيامنا؟! أم نحن ممن بالنهار يتقيه وبالليل يعصيه؟! كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها ولا يرحم إلا أهلها ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير والمتكلمين بها كثير والعاملين بها قليل جعلني الله وإياكم من المتقين.
تقوى الله أكرم ما أسررت، وأزين ما أظهرت، وأفضل ما ادخرت، ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥].
وإليك موجزاً وبعضاً من أخبار المتقين: قال البخاري: ما اغتبت مسلماً منذ احتلمت.
وقال الشافعي: ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً، ولو أعلم أن الماء يفسد علي مروءتي ما شربته.
قيل لـ محمد بن الواسع: لم لا تتكئ؟! قال: إنما يتكئ الآمن وأنا لا زلت خائفاً.
وقرئ على عبد الله بن وهب: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]، فسقط مغشياً عليه.
وحج مسروق فما نام إلا ساجداً.
وقال أحدهم: ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله.
وقال أبو سليمان الداراني: كل يوم وأنا أنظر في المرآة هل اسود وجهي من الذنوب؟ هذا حالهم فكيف هو حالي وحالك؟! لبسنا الجديد، وأكلنا الثريد، ونسينا الوعيد، وأملنا الأمل البعيد! رحماك يا رب! لماذا تريد الحياة؟! لماذا تعشق العيش إذا لم تدمع عيناك من خشية الله جل في علاه؟! إذا لم تمدحه في السحر! إذا لم تزاحم بالركب في حلق الذكر! إذا لم تصم الهواجر، وتخفي الصدقات! هل العيش إلا هذا؟! هل العيش والسعادة إلا هذا؟! قالوا: إذا لم تستطع قيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
فهذه أخبارهم ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧].
стр. 400
بدأ غريباً وسيعود غريبا
قال ﷺ : (بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء)، إن الذي يقرأ ويسمع عن أخبار السلف وثلة من الخلف يعلم أن الدين يعيش غربة بين أهله، فمن سمع عن صيامهم وقيامهم وجهادهم أيقن أن الواقع اليوم يحتاج إلى مراجعة وتصحيح.
فتعالوا أحبتي! ننظر في بعض صور الغرباء في رمضان.
стр. 401
الغرباء مع الصيام
عن ابن عمر ﵄ قال: ما مات عمر حتى فرغ الصيام.
أما أمير البررة وقتيل الفجرة عثمان، قال أبو نعيم عنه: حظه من النهار الجوع والصيام، ومن الليل السجود والقيام، مبتل بالبلوى منعم بالنجوى.
وعن الزبير بن عبد الله عن جدته قالت: كان عثمان يصوم الدهر ويقوم الليل إلا هجعة من أوله ﵁.
قتلوه وقد كان صائماً والمصحف بين يديه والدموع على لحيته وخديه، حبيب محمد ووزير صدق ورابع خير من وطئ التراب.
أما أبو طلحة الأنصاري الذي قال عنه رسول الله ﷺ : (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل)، فعن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي ﷺ من أجل الغزو، فلما قبض النبي ﷺ لم أره يفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر.
أما حكيم الأمة وسيد القراء أبا الدرداء فقد قال: لقد كنت تاجراً قبل أن يبعث محمد ﷺ ، فلما بعث زاولت العبادة والتجارة فلم يجتمعا، فأخذت بالعبادة وتركت التجارة.
تقول عنه زوجه: لم تكن له حاجة في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار ما يفتر.
لله درهم!.
كرر علي حديثهم يا حادي فحديثهم يجلو الفؤاد الصابي أما من خبر الإمام القدوة المتعبد المتهجد عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين، فيكفيه قول النبي ﷺ فيه: (نعم العبد عبد الله)، قال عنه نافع: كان ابن عمر لا يصوم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضر.
وعن سعيد بن جابر قال: لما احتضر ابن عمر قال: ما آسى على شيء - يعني ما أحزن على شيء - من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت هنا، يعني الحجاج.
وإليك المزيد: عن رجاء بن حيوة عن أبي أمامة ﵁ قال: (أنشأ رسول الله ﷺ جيشاً فأتيته فقلت: يا رسول الله! ادع الله لي بالشهادة، فقال: اللهم سلمهم وغنمهم، فغزونا فسلمنا وغنمنا، حتى ذكر ذلك ثلاث مرات، قال ثم أتيته فقلت: يا رسول الله! إني أتيتك تترا - ثلاث مرات - أسألك أن تدعو لي بالشهادة فقلت: اللهم سلمهم وغنمهم، فسلمنا وغنمنا يا رسول الله! فمرني بعمل أدخل به الجنة، فقال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له، قال فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهاراً إلا إذا نزل بهم ضيف، فإذا رأوا الدخان نهاراً عرف أنه قد اعتراهم ضيف).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار حتى إنه ليضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة).
أما مسروق بن عبد الرحمن الذي كان في العلم معروق، وبالثناء موصوفٌ، ولعبادة الله معشوق، قال عنه الشعبي: غشيته يوماً - يعني زرته يوماً - غشيت مسروقاً في يوم صائم، وكانت عائشة قد تبنته فسمى ابنته عائشة، وكان لا يعصى ابنته شيئاً (لا يخالف ابنته من محبته إياها) قال: فنزلت إليه فقالت: يا أبتاه! أفطر واشرب، قال: ما أردتي يا بنية! قالت: الرفق، قال: يا بنية! إني طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
قال الله عنهم: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إن هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾ [الإنسان:١١ - ٢٢].
سعيكم مشكوراً إذ صبرتم على طاعتي، سعيكم مشكوراً إذ صبرتم على الأذى في سبيلي.
وهذا خبر أخير عن المبشر المحزون، والمستتر المخزون، تجرد من التلاد وشمر للجهاد وقدم العتاد للمعاد: العلاء بن زياد كان ربانياً تقياً قانتاً لله بكاءً من خشية الله، عن هشام بن حسان أنه قال: كان قوت العلاء بن زياد رغيفاً كل يوم، وكان يصوم حتى يخضر، ويصلي حتى يسقط، فدخل عليه أنس بن مالك والحسن فقالا له: إن الله تعالى لم يأمرك بهذا كله، فقال: إنما أنا عبد مملوك لا أدع من الاستكانة شيئاً إلا جئته.
قال له رجل: رأيت كأنك في الجنة، فقال له: ويحك أما وجد الشيطان أحداً يسخر به غيري وغيرك.
قال سلمة بن سعيد: رؤي العلاء بن زياد أنه من أهل الجنة، فمكث ثلاثاً لا ترقأ له دمعة ولا يكتحل بنوم ولا يذوق طعاماً، فأتاه الحسن فقال: أي أخي! أتقتل نفسك أن بشرت بالجنة؟ فازداد بكاءً، فلم يفارقه حتى أمسى وكان صائماً فطعم شيئاً من الطعام، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٧].
دعوه لا تلوموه دعوه فقد علم الذي لم تعلموه رأى علم الهدى فمشى إليه وطلب مطلباً لم تطلبوه أجاب دعاءه لما دعاه وقام بأمره وأضعتموه لنفسي ذاك من فطن لبيب تذوق مطعماً لم تطعموه قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً * وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٣ - ٦٥].
لله درهم! فكم علت بهم الهمم، وأي كلام يترجم فعلهم.
ولك من أخبار النساء الغرباء.
عن عبد الرحمن بن قاسم أن عائشة كانت تصوم الدهر، وعن عروة أن عائشة كانت تسرد الصيام، وقال القاسم: كانت تصوم الدهر فلا تفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر.
وقد بعث لها معاوية مرة بمائة ألف درهم، فقسمتها ولم تترك منها شيئاً، فقالت بريرة: أنت صائمة فهلا ابتعت لنا منها بدرهم لحماً؟ فقالت: لا تعنفيني، لو كنت أذكرتني لفعلت.
إنها الصديقة بنت الصديق، العتيقة بنت العتيق، حبيبة الحبيب، وأليفة القريب، المبرأة من العيوب ﵂ وأرضاها.
أما القوامة الصوامة حفصة بنت عمر ﵂ وعن أبيها وعن إخوتها وآل عمر وارثة الصحيفة، والجامعة للكتاب، فعن قيس بن زيد: (أن النبي ﷺ طلق حفصة فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شبع، فجاء النبي ﷺ فتجلببت، قال: قال لي جبريل ﵇: راجع حفصة فإنها صوامة قوامه، وإنها زوجتك في الجنة).
فأي شهادة أعظم من شهادة الله وجبريل لـ حفصة ﵂ وأرضاها، وأنعم بها من عبادة كانت سبباً لرجوع أم المؤمنين حفصة إلى رسولنا ﷺ لتبقى له زوجة في الجنة.
قال نافع: ماتت حفصة حتى ما تفطر.
وإليك المزيد.
عن سعيد بن عبد العزيز قال: ما بالشام ولا بالعراق أفضل من رحمة العابدة مولاة معاوية، دخل عليها نفر من القراء فكلموها لترفق بنفسها، فقالت: ما لي وللرفق بها، فإنما هي أيام مبادرة وأيام معدودة، فمن فاته اليوم شيء لم يدركه غداً، والله يا إخوتاه! لأصلين لله ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له أيام حياتي، ولأبكين له ما حملت الماء عيناي،
стр. 402
أنواع الصائمين
أخي أخية! من صام عن الطعام والشراب فصومه عادة، ومن صام عن الربا والحرام وأفطر على الحلال من الطعام فصومه عادة وعبادة، ومن صام عن الذنوب والعصيان وأفطر على طاعة الرحمن فإنه صائم رضا، ومن صام عن القبائح وأفطر على التوبة لعلام الغيوب فهو صائم تقى، ومن صام عن الغيبة والبهتان وأفطر على تلاوة القرآن فهو صائم رشيد، ومن صام عن المنكر وأفطر على الفكرة والاعتبار فهو صائم سعيد، ومن صام عن الرياء والانتقاص وأفطر على التواضع والإخلاص فهو صائم سالم، ومن صام عن خلاف النفس والهوى وأفطر على الشكر والرضا فهو صائم غانم، ومن صام عن قبيح أفعاله وأفطر على تقصير آماله فهو صائم مجاهد، ومن صام عن طول أمله وأفطر على تقريب أجله فهو صائم زاهد.
قال ابن القيم: الصوم لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار المقربين لرب العالمين، يكفيك قوله: (الصوم لي وأنا أجزي به).
يا قادماً للتقى في عينك الحب طال اشتياقي فكم يهفو لكم قلب صبرت عاماً أمني قرب عودتكم نفسي فهل يدنو لكم سرب قل هل طيفكم فاخضر عامرنا والله أكرمنا إذ جاءنا الخصب ففيكم يرتقي الأبرار منزلةً والخاملون كسالى زرعهم جدب قالوا في الصيام: الصوم: لذة الحرمان.
وقالوا: الصوم رجولة مستعلنة، وإرادة مستعلية.
وقالوا: رمضان شهر الحرية عما سوى الله، وفي الحرية تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية.
قالوا: رمضان شهر القوة، (فليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
قالوا: الصوم صبر وطاعة ونظام، أترون أمة من الأمم تتحلى بهذه الصفات ثم تجد سبيلها إلى الانهيار؟! صبر وطاعة ونظام، أترون جيشاً يتحلى بهذه الأخلاق القوية ثم يجد نفسه على عتبة الهزيمة؟! فلا تنسى وأنت تصوم رمضان أن الله يريد أن يجعلنا بالصيام مثال القوي الأمين.
فحذار حذار! أن ينسلخ عنك رمضان وأنت الضعيف الخائن.
أحبتي! لن يتسع المقام حتى نذكر حال الغرباء مع القيام ومع تلاوة القرآن، لن يتسع المقام لذكر أخبار الغرباء مع التضرع والدعاء والبذل والعطاء، ولن يتسع المقام لذكر بطولات الغرباء وصولاتهم وجولاتهم في ساحات الجهاد في رمضان، ولكن حسبنا ما سمعنا وذكرنا من أخبارهم، واللبيب بالإشارة يفهم.
стр. 403
عذراً رمضان
لقد كان رمضان شهر عبادة واجتهاد، وكذا كان حالهم قبل وبعد رمضان، فما هو حالنا؟! اسمع شيئاً من أخبارنا في بحث واستفسار وأسئلة طرحت على مئات من المجتمع رجالاً ونساءً موظفين وطلاباً عن حالهم وعن أوقاتهم في رمضان، فجاءت الاعترافات التي تؤكد لنا قوله ﷺ : (بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً فطوبى الغرباء).
فقائل يقول: أقضي الليل أمام شاشات التلفاز، أتابع القنوات الفضائية حتى طلوع الفجر مع بعض زملائي، وقائل: تحت أضواء الملاعب ضمن سلسلة المباريات المقامة في ليالي رمضان.
وقائل: على موائد البلوت والورقة في المجالس وعلى الأرصفة.
وقائل: أقضي الأوقات في التنزه في الحدائق تارة وفي الأسواق تارة.
أما أهل الوظائف فسهر بالليل ثم كسل وخمول طوال النهار، والنتيجة لوم وتوبيخ وخطابات إنذار، وآخر يقول: أنا أحسن من غيري حيث يتسنى لي النوم في المكتب، وآخر يقول: في رمضان يكثر غيابي وتكثر الخصميات.
وفي لقاءات مع بعض أئمة المساجد تحدث بعضهم مستبشرين بزيادة المصلين في رمضان، وإقبال الناس على الطاعة، وعبر آخرون عن حزنهم لحال المتخاذلين حتى في رمضان، وقال آخر: إنهم يزدادون في صلاة الفجر حتى يمتلئ المسجد، ولكنا لا نكاد نراهم في صلاة الظهر والعصر، فقد قلبوا ليلهم نهاراً، ونهارهم ليلاً.
وفي الأسواق اسمع الأخبار من رجال الهيئات.
أما في المقاهي فسئل أحد العاملين في أحد المقاهي عن الفرق بالنسبة لهم عن العمل في رمضان وفي غيره من سائر الشهور، فأجاب: إن العمل في رمضان يكون أكثر تعباً وإرهاقاً، حيث يكثر الزبائن ويزدحمون بمعدل الضعف عن غيره من الشهور، ويمضون ليلهم كله في المقاهي.
أما الأبناء فعلى الأرصفة والطرقات، صخب ولهو فتسأل نفسك أين الراعي عن الرعية؟! أما النساء فسهرات نسائية وانشغال في إعداد أصناف الحلويات والمشروبات والمأكولات، وأمهات يسهرن حتى الفجر في انتظار الأولاد الذين لا يعودون إلا في هذه الأوقات المتأخرة.
أما الأسواق والمجمعات فحدث ولا حرج فأين العبادة؟! أين الجد والاجتهاد؟ يقول أحدهم: أنام بعد الفجر ولا أستيقظ إلا بعد صلاة العصر، فالنوم عبادة! وآخر يقول: يوقظني والدي عند الإفطار وفي بعض الأحيان لا أفطر إلا قبيل صلاة العشاء.
ومع أحد الزبائن في إحدى المقاهي كانت هذه الأسئلة السريعة: منذ متى وأنت هنا؟ قال: من الساعة الثانية عشرة، إلى متى تجلس؟ قال: إلى وقت السحور، هل أنت موظف؟ قال: نعم أنا موظف حكومي، ألا تتأخر عن دوامك؟ قال: أتأخر قليلاً ثم أكمل النوم في المكتب.
هذا هو رمضان اليوم عند كثير من الفئات.
فيا خيبة الصائمين! ويا حسرة المفرطين!
стр. 404
نداء أخير
ويحنا ما غرنا! ويحنا ما أغفلنا! ويحنا ما أجهلنا! ويحنا لأي شيء خلقنا! أللجنة أم للنار؟! يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي! يا شموس التقوى والإيمان اطلعي وأشرقي! يا صحائف أعمال الصالحين ارتفعي وأبشري! يا قلوب الصائمين اخشعي وتضرعي! يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي! ويا عيون الساهرين لا تهجعي! ويا ذنوب التائبين اذهبي لا ترجعي! يا أرض الهوى ابلعي ماءك! ويا سماء النفوس أقلعي! يا خواطر العارفين ارتعي! يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي! قدمت في هذه الأيام موائد الإنعام للصوام، فما منكم إلا من دعي، ورمضان يناديكم ويقول: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢]، فطوبي لمن أجاب فأصاب، وويل لمن طرد عن الباب.
ألا يكفيك قوله: (الصوم لي وأنا أجزي به)؟!.
رباه عفوك إني للنور مدت يدايا وأبكي ويبكي دمعي ويبكي بكايا وحفنة من وعاء غرسه من دمايا ولا لغيرك دوى يا رب يوماً ندايا إليك أنت صباحي مصفداً في مسايا فاذكر إلهي ضياءك إني ظمآن ضل صدايا لم أدر من أي نبع أسقي حنين الركايا والشط لا ماء فيه يطفي اللظى في حشايا رحماك يا رب هذا إثمي وصادي تقايا وذاك دربي وهذا على الطريق عصايا رحماك يا رب إني وزورقي والخطايا في لجة ليس فيها من الضياء بقايا جفت وغاضت ولكن ما زلت أزجي رجايا غفرت أم لم فإني ما زلت أدعوك يا رب! فعجباً لمن عرفك ثم أحب غيرك! وعجباً لمن سمع مناديك ثم تأخر عنك! اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، وارزقنا صيامه وقيامه إيماناً واحتساباً يا ذا الجلال والإكرام! اللهم وفقنا فيه لفعل الطاعات، ووفقنا فيه لترك المعاصي والمنكرات، واجمع فيه شملنا ووحد فيه صفنا وأصلح فيه ولاة أمورنا وانصر فيه المجاهدين وسدد فيه الدعاة والعلماء الربانيين، ووفق فيه الشباب والشيب والنساء والإماء لتوبة نصوح واستقامة وثبات حتى الممات يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإلا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
أستغفر الله العظيم.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 405
قصة بطل
لقد كان خالد قبل الإسلام لا يذكر، فلما أسلم أعز الله به الإسلام، ورفع قدره وأعلى شأنه، فالإنسان يكون بالإسلام عزيزاً وبغيره حقيراً ذليلاً.
والإسلام بحاجة إلى النصرة من أبنائه، وذلك بالتمسك بتعاليمه وتطبيقه، فإذا نصرنا الله نصرنا الله على أعدائنا.
стр. 406
حاجة الأمة إلى الأبطال
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته كما قال: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، وأسأله سبحانه أن يفرج هم المهمومين، ويكشف كرب المكروبين، وأن يقضي الدين عن المدينين، وأن يدل الحيارى ويهدي الضالين، ويغفر للأحياء وللميتين.
نحن وإياكم في محاضرة بعنوان: قصة بطل، لأن حاجتنا للأبطال في هذه الأيام ماسة، فقد كثر الأبطال بالأقوال، وقل الأبطال بالأفعال.
فنحن بحاجة إلى ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، نحن بحاجة إلى أولئك الذين يعيشون لهدف وغاية هي: أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تكون كلمة الذين كفروا السفلى، أولئك الأبطال الذين ضحوا بكل غال ونفيس، أولئك الذين على أيديهم تتحقق البطولات، وعلى أيديهم يتغير الواقع، وعلى أيديهم تنهض الأمة من الحال التي تمر بنا في هذه الأيام إلى حال العز والمجد والتمكين.
إن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس، أمة معطاءة، أمة متجددة، مهما تكالب عليها الأعداء، واشتدت عليها الظروف، فقد قال ﷺ مبيناً فضل هذه الأمة: (أمتي كالمطر).
وقال عن هذه الأمة: (من أمتي سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، واستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً).
إنه والله لفضل عظيم، فأمة بهذه الفضائل، وبهذه المميزات لابد أن يكون فيها أبطال، أبطال أفعال لا أبطال أقوال.
стр. 407
خالد يصنعه الإسلام
تعالوا معاشر الأحبة! نقف وقفات، ونسطر سطوراً وآيات عن قصة رجل، إذا ذكر في المعارك فهو رجلها الأول، وإذا ذكر في التضحيات فهو أول المضحين، وإذا ذكر البذل والعطاء فهو سيد المواقف كلها.
إن كل مسلم في أدنى الأرض وأقصاها لا يخفى عليه هذا البطل، فلقد ارتبطت انتصارات الأمة ماضياً بهذا الاسم العظيم، إنه خالد وما أدراك ما خالد، مضى خالد ولكن اسمه بقي خالداً في حياة المسلمين، إنه خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، من خالد قبل الإسلام؟ لا شيء يذكر، فالذي صنع خالداًً هو الإسلام، والإسلام الذي صنع خالداً قادر على أن يصنع أمثاله، فالإسلام الذي أخرج مثل خالد قادر على أن يخرج أمثال خالد.
ملكنا هذه الدنيا قروناً وأخضعها جدود خالدونا وسطرنا صحائف من ضياء فما نسي الزمان وما نسينا بنينا حقبة في الأرض ملكاً يدعمه شباب طامحونا شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا تعهدهم فأنبتهم نباتاً كريماً طاب في الدنيا غصونا إذا شهدوا الوغى كانوا حماة يدكون المعاقل والحصونا شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينا وإن جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا ولم تشهدهم الأقداح يوماً وقد ملئوا نواديهم مجونا وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلى طابت لحونا فعلى أمثال أكتاف هؤلاء الشباب تنهض الأمة من الحال الذي تعيشه في هذه الأيام، حتى يتربى الأبطال فلابد أن يقرءوا سير الأبطال، حتى يتأثر الرجال، وأي سيرة أعظم من سيرة هذا البطل الذي صنعه الإسلام، إنه خالد؟ وما أدراك ما خالد، خالد الذي صال وجال ضد الإسلام يوماً، توقف مع نفسه وفكر، وقال في نفسه: والله لقد ظهر الحق واستقام النسب، وإن هذا الرجل لرسول.
لقد رأى أطناب الإسلام بدأت تضرب بقوة في شرق الجزيرة وفي غربها، وهكذا الحق يبدأ ضعيفاً، ثم يقوى شيئاً فشيئاً حتى يهلك الباطل.
سبحان الله! فكر خالد ونعمة العقل نعمة عظيمة يملكها الكثير، ولا يستعملها إلا القليل، فلو أن كل إنسان صالح أو طالح فكر في مصيره ومآله؛ لازداد الصالح في صلاحه، ولكان الطالح على غير الحال التي هو عليها.
ففكر خالد ودبر وقدر؛ فتبين له أن الحق واضح، فقال في نفسه: أما من رجل يصاحبني إلى المدينة حتى أظهر إسلامي، فالتقى رجلاً آخر فذاً من الأفذاذ، وبطلاً من الأبطال، إنه عثمان بن طلحة، فأخبره خالد بالخبر الذي يريده، فقال: وأنا معك يا خالد، فخرجا سوياً حتى إذا استويا خارج وادي مكة إذا بثالث من دواهي العرب يسير في طريقه أيضاً، فإذا هو داهية العرب عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، فقال لهما: إلى أين تذهبا؟ فبينا له الوجهة التي سينطلقا إليها، فقال: والله! هذا ما أردت.
стр. 408
خروج الثلاثة الدهاة إلى المدينة وإعلان إسلامهم
فهذه مكة قذفت بفلذات أكبادها ودواهي العرب: خالد وعثمان وعمرو بن العاص، فلما وصلوا المدينة دخلوا على النبي ﷺ فحيوه بتحية الإسلام والنبوة، فسر وجهه ﷺ ، فمد خالد يده قائلاً: أبايع على الإسلام بشرط أن تستغفر لي يا رسول الله! كل صدة صديتها عن سبيل الله، وتأمل هذه الكلمة، فإن خالداً سيعوض ما فات، سيعوض الماضي الذي جال وصال فيه ضد الإسلام، وهو الآن على أتم الاستعداد في أن يعطي كل غال ونفيس من أجل الإسلام.
قال: (استغفر لي يا رسول الله كل صدة صديتها عن سبيل الله، فقال له النبي ﷺ : أبشر يا خالد فإن الإسلام يجب ما قبله).
فالإسلام حياة جديدة شعارها الاستسلام لله، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
وقال له النبي ﷺ : (والله يا خالد! لقد رأيت لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير).
أيها الناس! إن نعمة العقل نعمة عظيمة، فلو أن كل إنسان فكر في نفسه، وفكر في حاله لتبين له أن بعد هذه الحياة موت، وبعد الموت قبراً، وبعد القبر نشوراً وحساباً، وبعد الحساب جنة أو ناراً، فصاحب العقل السليم يعمل حتى يفوز بجنة الله، وينجو من عذابه، وهكذا فعل خالد ومن معه.
стр. 409
خروج خالد إلى غزو الروم
ثم يبدأ خالد دوره بين صفوف المسلمين جندياً من الجند، ولم يستصغر الأدوار التي كان يقوم بها، فالأمة اليوم في أمس الحاجة إلى جهد كل واحد منا رجالاً ونساءً وأطفالاً، فجراحات المسلمين في الشرق والغرب وفي كل مكان.
لقد خرج خالد في جيش أرسله النبي ﷺ لملاقاة الروم الذين خانوا العهود والمواثيق، فهم الذين أرسل إليهم رسولاً فخانوا مواثيق الأرض كلها، وخانوا الأعراف كلها، فقتلوا ذلك الرسول الذي أرسله النبي ﷺ ، فأراد النبي ﷺ أن يريهم أن شوكة الإسلام ليست بالشوكة الهينة، وأن جند الإسلام على استعداد للتضحية من أجل دينهم، فأرسل قلة قليلة لا تتجاوز الثلاثة آلاف لكنها أرعبت الروم حين خروجها، فخرجت الروم في جحافل كثيرة تعدادها أكثر من مائة وعشرين ألفاً، فبالله عليك! ثلاثة آلاف ماذا سيصنعون أمام مائة وعشرين ألفاً؟ لكن أمة الإسلام أبداً لا تقاتل بالعدة والعتاد، مع أنها مطالبة بإعداد ذلك، ولكنها تستجلب النصر من السماء وليس من الأرض: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠]، ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٣]، ومثلها قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].
стр. 410
ترتيب النبي ﷺ للجيش والإمارة، ثم حكايته تفاصيل المعركة لأهل المدينة
جهز النبي ﷺ أمر ذلك الجيش ورتب الإمارة فيه فقال: (يحمل الراية أولاً زيد بن حارثة، فإن قتل فيحملها جعفر ﵁ وأرضاه، فإن قتل يحملها عبد الله بن رواحة)، رضي الله عن الجميع، (فكان كما قال النبي ﷺ ، فجلس النبي ﷺ في المدينة ينقل وقائع المعركة حية على الهواء وحياً، فقال وهو يصور لأصحابه)؛ لأن الأمة كلها متعلقة بذلك الجيش، فالأمة كلها تتبع أخبار الانتصارات هنا وهناك، أعني: الانتصارات في أرض المعارك لا في ميادين الملاعب.
دارت رحى معركة من أشد المعارك، فهناك قلة قليلة ثابتة أمام جحافل كثيرة؛ لكن الإيمان يصنع جبالاً رواسي أمام تيارات الكفر.
فقال النبي ﷺ وهو ينقل لأصحابه وقائع المعركة: (حمل الراية زيد ثم قتل، ثم حمل الراية جعفر ثم قتل، ثم حمل الراية عبد الله بن رواحة ثم قتل، ثم صمت النبي ﷺ ثم ظهرت على وجهه إشراقة فقال: ولقد رُفعوا إلي في الجنة، ثم صمت قليلاً، ثم قال: أما الآن فقد حمل الراية سيف من سيوف الله ولقد حمي الوطيس) وبعد أن سقط ثالث القادة عبد الله بن رواحة شهيداً -نحسبهم كذلك والله حسيبهم- أخذ الراية ثابت بن أقرم ﵁ وأرضاه ونادى بـ خالداً وقال: يا خالد! احمل الراية، لكن خالد يعرف قدر الرجال وينزل الناس منازلهم فقال: أنت أقدم مني هجرة، وأكبر مني سناً، وأنا لا أتقدم عليك، فقال ثابت: أما والله! إني ما حملتها إلا لك فأنت أدرى بفنون القتال.
فما عرفت الأرض فارساً كر وفر مثل خالد، ولم يعرف التاريخ منذ أول سطوره إلى آخره فارساً مغواراً كاراً فاراً كـ خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه.
стр. 411
خالد يلي إمارة الجيش
ثم نادى ثابت في المسلمين قائلاً: أترضون بـ خالد بن الوليد أميراً عليكم؟ قالوا: رضينا، فحمل الراية ﵁ وأرضاه وامتطى صهوة الجواد، ثم ذهب إلى أعلى مكان في أرض المعركة يتفقد أرض المعركة وينظرها يمنة ويسرة بعين ثاقبة، وبعقل وعبقرية عسكرية لم تعرف الحياة مثلها، ففكر خالد أن هذا الجيش القليل قد أبلى بلاء حسناً لكنه لا يستطيع أن يقاوم أكثر، ثم فكر وغير الميمنة والميسرة، وقلب مواضع القتال يمنة ويسرة، وغير وجوه الرجال في وجوه أولئك القوم، فظنوا أن مدداً قد جاءهم من المدينة، فرفع معنويات الرجال، وألقى الخوف والرعب في الفريق الآخر، ثم صمدوا وقاوموا وقاتلوا واستبسلوا، ثم بدهاء عسكري استطاع خالد أن يفتح فجوة في صفوف الكفار فأخذت فلول المسلمين مجموعة تلو مجموعة تخرج من أرض المعركة بأقل الخسائر، وكان خالد يظن أن الخروج من أرض المعركة بأقل الخسائر هو انتصار بحد ذاته، وهو كذلك بعد أن أبلى أولئك القوم بلاءً حسناً.
ومن شدة المعركة قال خالد: تكسر في يدي في تلك المعركة تسعة سيوف، ولم تصمد في يدي إلا صفيحة يمانية.
وصدق النبي ﷺ حين قال: (ولقد حمل الراية سيف من سيوف الله، ولقد حمى الوطيس).
ثم خرج خالد ومن معه من أرض المعركة بخطة عبقرية فذة تدرب إلى الآن في ميادين القتال، ولم يستطع الروم أن يتتبعوا ذلك الجيش الصغير.
وانتظرت المدينة قدوم ذلك الجيش، فالصغار والكبار ينتظرون رجوع ذلك الجيش، لكن بأي وجه استقبل الأطفال ذلك الجيش؟ لقد استقبلوا خالداً ومن معه في أزقة المدينة بالحجارة وهم يقولون لهم: تفرون من الموت في سبيل الله؟ فيرمونهم بالحجارة ويقولون لهم: يا فرار يا فرار! فالصغار يعيرون الكبار، فقال النبي ﷺ : (ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله).
ولو تأملنا الصورة بالأمس والصورة باليوم لرأينا عجباً، فبالأمس كان صغارنا يستقبلون الجيش ومن معه في أزقة المدينة، وكانوا يقولون لـ خالد ومن معه: إلى أين يا فرار؟! واليوم صغارنا، يستقبلون غانية ومطرباً بيده قيثار ولاعباً في صالة المطار بالورود والأزهار متار متار هذا زمان العار من طنجة إلى قندهار معتقل يعيش حالة احتضار أمتنا ليس لها قرار أمتنا ألعوبة باليمين واليسار نرجو صلاح الدين ندور في مأساتنا حتى أصابنا الدوار لكن لا خيار من موتنا فوق شغار السيف حتى يصير الشوك جل نار موقنون يا متار بحرقة المشوار فإن النصر مع الصبر والصراط فوق النار هذه باختصار قصيدة اعتذار عن أمة تعدادها مليار ليس لها قرار ثم يرجع خالد ظافراً من مؤتة، ومنتصراً انتصاراً عظيماً يوم أن خرج بجيشه من تلك المهلكة.
стр. 412
مشاركة خالد في فتح مكة
ثم بعد ذلك توجه مع النبي ﷺ إلى مكة فاتحاً، وأرسله النبي ﷺ إلى جهة من الجهات فاتحاً بجناح من المؤمنين، فدخل خالد ولم تستطع مكة أن تقاوم أهل الإيمان؛ لأنه إذا جاء الحق زهق الباطل، وكما قال الله جل في علاه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].
فمهما علا الباطل وظهر فسيأتي يوم ويظهر الحق بشرط أن ينتصر أهل الحق للحق، بشرط أن نأخذ الكتاب بقوة كما أمر يحيى ﵇: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢].
فدخل خالد فاتحاً فتذكر الأيام الماضية وهو يرى تلك الأصنام التي تعبد وتقدس وتمجد من دون الله ، أين نعمة العقل؟ آلهة لا تنفع ولا تضر ولا تملك لنفسها حياة ولا نشوراً، فتذكر خالد ذلك واسترجع وقال: كيف كنا نقول: يا عزى سبحانك؟! بل يا عزى كفرانك، لقد رأيت الله قد أهانك، فحمد الله أنه دخل مكة فاتحاً ولم يدخل الإسلام بعد فتح مكة، ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [الحديد:١٠].
стр. 413
النبي ﷺ يودع الدنيا بعد فتح مكة
ثم مرت بالإسلام فاجعة لم تمر عليه من قبل ولم تمر عليه من بعد، فاجعة فقد النبي ﷺ ، فهي مصيبة عظيمة ابتلي بها المؤمنون وهم في طور إنشاء الدولة المسلمة، فجعت تلك الدولة المسلمة الفتية بفقد نبيها ﷺ ، فمن حكمة الله جل في علاه أن هذا الدين لا يقوم على شخص النبي ﷺ ؛ لذلك اختاره الله لما بلغ الرسالة، وعلم الرجال كيف يحملون الأمانة، فحمل الرجال تلك الأمانة التي أشفقت منها السموات والأرض والجبال.
стр. 414
ردة العرب بعد موت النبي ﷺ
وبعد ذلك ارتدت العرب قاطبة عن دين الله ولم يبق على الإسلام إلا مكة والمدينة والطائف، ومرت بالمسلمين أزمة لا يعلمها إلا الله، وهي مصيبة فقد النبي ثم المصيبة الأخرى تجمع أولئك المرتدين على تلك الدولة الفتية، فتصدى لها أبو بكر ﵁ وأرضاه، ولكل زمن رجال.
فمن فضائل هذه الأمة: أن الله يبعث لها على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها.
فشاور أبو بكر الصحابة في أمر تلك الأزمة، فمنهم من رأى أن من الحكمة البقاء في المدينة حتى تنجلي الأزمة؛ لأن هناك جيشاً صغيراً أعده النبي ﷺ بقيادة شاب من الشباب في السابعة عشرة من عمره، وسبحان الله! قواد الجيوش شباب، وكتاب الوحي من الشباب، وكتاب السنة وحفاظها هم الشباب، وأهل المشورة هم الشباب، فأين الشباب اليوم عن هذا الدور العظيم؟! إن أمة الإسلام اليوم في أمس الحاجة إلى شبابها الذي تربى على تقوى من الله ورضوان.
لقد كان لـ أبي بكر نظرة في تلك الأزمة وهي: أنه لابد من الانتصار لهذا الدين مهما كان الثمن؛ لأن سنة الله لا تتغير ولا تتبدل، والله لا يحابي أحداً في سننه، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
فأشاروا على أبي بكر بالبقاء فقال: لا والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله! لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه، أينقص الدين وأنا حي؟! فنصر الله الدين بشخص أبي بكر ﵁ وأرضاه.
стр. 415
أبو بكر يجهز الجيوش
فبدأ يعد العدة، فقال: جيش أسامة يخرج، والبقية الباقية تستعد في المسجد للخروج لملاقاة المرتدين.
فخرج أبو بكر قائداً عليهم؛ حتى يعطي للأمر أهمية، وحتى يعلم المسلمون أن القضية قضية خطيرة ومهمة، فانتصر في أول اللقاءات، ثم رجع إلى المدينة وأعد العدة وأراد الخروج، فقال له علي وكبار الصحابة: نقول لك يا أبا بكر! كما قال النبي ﷺ يوم أحد: لا تفجعنا في نفسك يا أبا بكر! فلبث وجلس في المدينة مضطراً، لكنه عقد الألوية، وأرسل الرجال في أطناب كثيرة يمنة ويسرة، وكلم خالداً قبل أن يمضي قائلاً له: لقد سمعت النبي ﷺ يقول: (نعم العبد خالد بن الوليد، نعم أخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله سله الله على الكفار)، فخرج خالد وقد دوى في أذنه صدى هذه الكلمات العظيمة.
ولقد اجتمعت فلول المرتدين وقوي شأنها وردت من ردت من فلول المسلمين، وكان أكبر تجمع للمرتدين في أرض اليمامة وهم قوم مسيلمة الذي ادعى النبوة كاذباً عليه من الله ما يستحق، وكان قد جمع أكثر من أربعين ألف رجل، فتصدت له بعض جيوش المسلمين فردهم على أعقابهم، فقال أبو بكر: ليس لها إلا البطل خالد ﵁ وأرضاه، فالرجال يعرفون في الأزمات، قال الله جل في علاه: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١].
стр. 416
خالد يقود الجيش إلى اليمامة
وجه أبو بكر خالداً إلى أرض المعركة، فجمع خالد الجيوش، ووحد صفوفهم، وحثهم على التضحية والبذل والعطاء من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، فما خرج القوم إلا من أجل هذا الهدف، ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٨ - ٩].
وهل هم فقط؟ لا، ولكن لكل من سار على طريقهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
فدارت رحى معركة ضروس لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، فإن العرب إذا التقوا مع العرب كان اللقاء أخطر مما تتصور، فبدأت الأشلاء تتقطع، والرءوس تتطاير، والبطون تبقر، والدماء تسيل، فرأى خالد في هذه الحالة أن علامات الهزيمة بدأت تظهر على المسلمين فبحث عن السبب، فوجد السبب أن روح المسئولية بدأت تضعف في حياة الرجال، واليوم هذه الروح فقدت في حياة المسلمين، فمن يتصدى لآهات المسلمين هنا وهناك ويقول: أنا لها؟ ومن يتصدى لقوله ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)؟ ومن يقول: أنا لهذه الأزمات التي تمر على أمة الإسلام؟ لا يقوم بذلك إلا ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣].
فميز خالد الصفوف: فميز المهاجرين عن الأنصار، وميز أبناء كل أب وجعلهم تحت راية أبيهم، ثم قال لهم: اليوم نعرف من أين تأتي الهزيمة، فارتفعت معنويات الرجال، وصالوا وجالوا، وقتلوا وارتفعت الآيات والتكبيرات والتهليلات، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٤ - ٧].
فتمايز الرجال، وارتفعت التهليلات والتكبيرات وأقبلت ريح الجنة، فصال الرجال وجالوا، وكروا وفروا، وأثخنوا في العدو الجراح، وقطعوا الأشلاء، وبقروا البطون، وأسالوا الدماء، كل ذلك من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، فلجأ مسيلمة ومن معه إلى حديقة الموت، فارتفعت همم الشباب في التضحية والبذل والعطاء من أجل نصرة هذا الدين، فالناس في سباق إلى الله جل في علاه، فإن استطعت ألا يسبقك أحد إلى الله فافعل.
فقد قيل لأحدهم في ميدان المعركة: إنا نخاف أن نؤتى من قبلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم من قبلي.
وآخر يحفر حفرة حتى رجليه ويقول لقومه: والله لا أتكلم بكلمة حتى ألقى الله فأدلي إليه بحجتي، فلما دخل القوم إلى حديقة الموت وأغلقوا الأبواب ظنوا أنهم في معزل عن أولئك الرجال الأبطال، فقال خالد بن الوليد: أين أنت يا فتى الأنصار؟ يعني: البراء بن عازب ﵁ وأرضاه، وكان نحيل الجسم لكنه قوي الإيمان، وقد كانت أول عملية استشهادية حدثت في الأرض كانت في تلك المعركة، فقال لهم البراء: احملوني على الترس، وارفعوني بالرماح ثم القوني في حديقة القوم، فإما الشهادة، وإما النصر.
فرفعوه ورموه في الحديقة، فقاتل القوم وحيداً منفرداً حتى فتح الله على يديه وبجسده النحيف أكثر من ثمانين ضربة بسيف، وطعنة برمح.
وانطلقت فلول المسلمين تقتل في فلول المرتدين حتى أثخنوا فيهم الجراح، وعلم أولئك القوم أن خلف هذا الدين ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، فانفضت وانقشعت تلك الأزمة التي كادت أن تفني الدولة المسلمة.
стр. 417
الصديق يوجه الجيوش إلى فارس والروم
وبعد أن انتهى خالد من تلك المعركة انتقل إلى أرض معركة أخرى، فقد رأى أبو بكر أن فارس والروم بدأوا ينفشون ريشهم ويتعرضون لوفود المسلمين هنا وهناك، فكان لابد أن يعلموا أن لهذا الدين رجالاً، فأرسل الجيوش إلى العراق وإلى الشام، فأرسل أبا عبيدة وكبار الصحابة على رءوس كثير من الجيوش.
ولما وصل خالد إلى العراق بدأ يرسل الرسل، ويكتب الكتب إلى ملوكها وسلاطينها، وكان مما كتب لهم: من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فله ما لنا، وعليه ما علينا، وإلا فإني أتيتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون أنتم في الدنيا.
وهذا هو الفرق بيننا وبينهم، وصدق نبي الهدى والرحمة حين قال: (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: يا رسول الله! أو من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع من صدور أعداءكم المهابة، ويقذف في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
فهذا هو المرض الذي تعاني منه الأمة في هذه الأيام، فكان أبو بكر يرسل الرسل، ويرسل الجيوش ويقول لهم: احرصوا على الموت توهب لكم الحياة.
سبحان الله! لقد حرصوا على الموت فسادوا على مشارق الأرض ومغاربها، فبدأ خالد انتصاراته في العراق بدءاً بذات السلاسل، وانتهاء بالفرات في أعلى العراق.
وبدأت الروم تجمع فلولها فسمع أبو بكر بالخبر، فقال: ليس لها إلا خالد، والله! لأنسين الروم وساوس الشيطان بـ خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، فأرسل إليه يأمره بالتوجه من العراق إلى الشام، فقطع المسافة في مدة قصيرة على أرض لم يقطعها قبله إنس ولا جان، فالرجل على أتم الاستعداد للبذل والعطاء مهما كان الثمن، فما أحوجنا لمثل هؤلاء الأبطال.
فلما وصل خالد إلى الشام جمع الجيوش، ووحد الصفوف، وتلا عليهم القرآن، وذكرهم بالله وبالدار الآخرة، وذكرهم بفضل الشهداء عند الله جل في علاه، وما أعده الله لهم في جنات النعيم، وبين لهم أن الله اشترى وهم باعوا الأنفس والأموال على أن يكون الثمن الجنة، وما أعظمها من صفقة، وعد سابق وعهد صادق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦].
فذكرهم خالد بالله وقال لهم: هذا يوم من أيام الله أخلصوا فيه الجهاد لله، واطلبوا الله والدار الآخرة في جهادكم هذا، ثم نزع حب الإمارة من قلوب الرجال فقال: الإمارة بيننا وبينكم يتولاها كل رجل منا يوماً، فلقد ظنوا أن المعركة ستطول؛ لأن تعداد فلول الكفار أكثر من مائتين وأربعين ألفاً، وفي المقابل فئة قليلة لا تتجاوز الثلاثين أو الأربعين ألفاً لكن قلوبهم مليئة بالإيمان، ففي ليلة المعركة كانوا قياماً يقرأون سورة الأنفال، في ثبات واستعداد للبذل والتضحية، فهناك وعد من الله إذا تضرعوا واستغاثوا: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩].
فإذا كان الأعداء الآن عندهم قنابل ومدافع ودبابات فإن الله تعالى قد أيدنا بإسرافيل وميكائيل وجبرائيل، وأيدنا بملائكته تقاتل مع المؤمنين، فماذا تصنع أسلحتهم مع جنود الرحمن؟
стр. 418
ماهان يفاوض خالداً في شأن الحرب
لقد كان ماهان قائداً من قادة الكفار فلما رأى في وجوه أولئك الرجال البسالة والشراسة أراد أن يحقن الدماء فقال: هل من كلمة بيني وبين خالد حتى نحقن الدماء؟ فالتقى خالد مع ماهان، ودار بينهم هذا الحديث: قال ماهان: أخبرنا أنه ما أخرجكم من دياركم إلا الفقر والجوع والحاجة، فإن شئتم أعطيت كل واحد منكم طعاماً وشراباً وعشرة دنانير ذهب ودابة، ثم ترجعون إلى أرضكم وتعودون من السنة القابلة أعطيكم مثلها، فهو يريد أن يكسر عزة المؤمن، وأنى له أن يكسر العزة المستمدة من القرآن ومن النور النبوي؟! فقال له خالد: أما والله! ما أخرجنا الجوع ولا العطش ولا الفقر، ولكننا قوم نحب أن نشرب الدماء، ولقد أخبرنا أن دماء بني الأصفر من أطيب الدماء فمن أجل ذلك خرجنا، ثم كبر خالد ﵁ وكبر الرجال وبدأت السيوف تعمل في رقاب الكفار: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢].
وبدأت التضحيات والمآثر تظهر بين الرجال، فهذا رجل يقول لـ أبي عبيدة: يا أبا عبيدة! إني عزمت على الشهادة فهل من وصية أبلغها إلى رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو عبيدة: أقرئ النبي ﷺ مني السلام، وقل له: إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
قال الله جل في علاه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة:٥].
فأي قوة تستطيع أن تذل تلك الفئة المؤمنة التي تستمد العزة من القرآن؟! والله تعالى يواسي الأمة في كل حين وفي كل مكان إذا اشتدت بها الأزمات فيقول: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤١]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
وقال: ﴿ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣].
وقال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩].
وقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣].
فالرجال يعرفون عند الشدائد والمدلهمات، وهنا لك تظهر معادن الرجال، فما أحوج الأمة اليوم إلى ذلك.
ها هو الأقصى يلوك جراحه والمسلمون جموعهم آحاد يا ويلنا ماذا أصاب رجالنا أو مالنا سعد ولا مقداد فانتصر الرجال في معركة من أعظم المعارك، وأبلوا بلاء حسناً، فانتهت المعركة وحسمت في يوم واحد، فمن كان يظن أن هذه الفئة القليلة تستطيع أن تحسم المعركة في يوم واحد؟! فلقد بدأت المعركة من طلوع الشمس وما غابت الشمس إلا والمعركة قد حسمت، وصلى خالد في خيمة ماهان.
стр. 419
الحكمة من عزل عمر لخالد عن إمارة الجيش
إن النصر من عند الله، وليس من عند خالد، والأمة تمتلك أمثال خالد الكثير، وتخيل خالداً وهو في قمة انتصاراته فيرسل عمر بعد أن مات أبو بكر ﵁ وأرضاه برسالة إلى الشام يعزل فيها خالداً في أوج انتصاراته، فقال عمر فيما قال: ما عزلت خالداً عن سخطة ولا عن خيانة، ولكني رأيت الناس قد فتنوا بـ خالد، فأردت أن يعلم الناس أن النصر من عند الله الصانع وليس من عند خالد ولم يتوقف خالد يوم أن عزل عن خدمة الإسلام، فهو يخدم الإسلام أميراً وجندياً وفي أي مكان يوضع فيه، وهكذا رجال الإسلام فليس همهم المناصب ولا العطايا، وإنما همهم الله والدار الآخرة.
لقد خاض خالد سنوات طوالاً في أرض المعارك، فلو كشف عن جسده لرأيت كل موضع فيه ضربة بسيف أو طعنة برمح فلله در ذلك البطل، وقد طلب خالد الشهادة في مضانها هنا وهناك، وخاض أكثر من مائة معركة ولكن الله قضى على خالد أن يموت على فراشه، فلا نامت أعين الجبناء.
فمن أخبار خالد أنه كان يقول: والله ما ليلة بتها والسماء تظلني والأرض تقلني في سرية من المهاجرين في ليلة دافئة أحب إلي من ليلة أدخل فيها على عروس أو أبشر بغلام.
فانظر إلى الهمم، وقل لي: أين نحن من هؤلاء؟ كان إذا اشتدت المعركة وحمى الوطيس طأطأ برأسه إلى الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم ناجى الله ثم قال: والله! ما هو إلا الموت والجنة وما إلى المدينة من سبيل.
وقال فيما قال: شغلني الجهاد عن تعلم كثير من القرآن، فماذا شغل الشباب اليوم عن الآيات وتدبر القرآن؟ هل شغلهم الجهاد والإعداد والاستعداد أم شغلتهم القنوات والمباريات عن تدبر آيات الله؟ إن الأمة لن تنهض إلا على أكتاف الشباب، ولن تقوم للأمة قائمة ويتبدل الحال إلا على أكتاف الشباب.
والشباب المسلم هم الذين جعلوا خالداً ومن معه قدوة لهم وساروا على طريقهم فتشبهوا بهم، فإن التشبه بالصالحين فلاح.
فاليوم والظروف كما يعلم القاصي والداني من تآمر الكفار يمنة ويسرة على أن يطفئوا نور الله ولكن: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
إن الإسلام يصنع الرجال كأمثال خالد وكـ خطاب وغيرهما من الرجال، وسبحان الله يموت كل يوم العشرات بل المئات بل الألوف ولكن لا يعني موتهم شيئاً، ويموت واحد فتفجع الأمة في أدنى الأرض وأقصاها لفقده.
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعيرُ ولكن الرزية فقد فذ يموت بموته خلق كثير
стр. 420
خالد يودع الدنيا
ثم مات خالد، والله تعالى قد كتب الموت والفنا على كل مخلوقاته، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فاليوم والأزمة تشتد لابد من التفاؤل، ولابد من بث روح الانتصار، ورفع المعنويات بين أفراد الأمة، إنها سحابة صيف وستنقشع بإذن الله، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩].
نعم أيها الناس! إن هذا الدين سينتصر بعز عزيز أو بذل ذليل، لكن أين دوري ودورك؟ وأين دورك أنت أيتها الصالحة المؤمنة؟ فالإسلام اليوم في أمس الحاجة لجهد كل واحد منا، وإن أعظم ما نقدمه للإسلام اليوم أن ننتمي للإسلام حقيقة الانتماء، وأن نطبق الإسلام واقعاً ملموساً في حياتنا، وأن نحافظ على الصلوات، ونعمر المساجد، وننتهي عن المحرمات.
فقد كان من هدي النبي ﷺ التفاؤل في الأزمات، فما ضاقت إلا فُرجت، وبعد الليل فجر سواء طال الليل أو قصر.
متفائل واليأس بالمرصاد متفائل بالسبق دون جيادِ متفائل رغم القنوط يذيقنا جمر السياط وكثرة الجلاد متفائل بالغيث يسقي روضنا وسماؤنا شمس وصحو باد متفائل بالزرع يخرج شطأه رغم الجراد كمنجل الحصاد متفائل يا قوم رغم دموعكم إن السما تبكي فيحيا الوادي والبحر يبقى خيره أتضره يا قومنا سنارة الصياد فدعوا اليهود بمكرهم وذيولهم نمل يدب بغابة الآساد متفائل بشرى النبي قريبة فغداً سنسمع منطقاً لجماد حجر وأشجار هناك بقدسنا قسماً ستدعو مسلماً بجلاد يا مسلماً لله يا عبداً له خلفي يهوديُّ أخو الأحقاد فطهر تربنا من رجسه لا تبق دياراً من الإلحاد قسماً بمن أسرى بخير عباده وقضى بدائرة الفناء لعاد لتدور دائرة الزمان عليهم ويكون حقاً ما حكاه الهاد هذا يقيني وهو لي بل للصدى والكأس غامرة لغلة صاد فاجعل يقينك بالإله حقيقة واطمع بكفك صارماً لسداد وإذا قطعت الرأس من حياتهم لا تنس أذناباً بكل بلاد إن هذا الدين سينتصر بـ خالد وبغير خالد، فالأمة التي أخرجت خالداً قادرة على أن تخرج أمثال خالد، واليوم نرى تباشير الصباح قد ظهرت وأشرقت، فهاهم الشباب يعمرون المساجد، وهاهي الفتيات يتزين بزينة الإيمان، وهاهم الآباء في وسط هذه الأحداث يحثون الصغير والكبير على التمسك بهذا الدين.
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميمِ إن هذا الدين سيظهر بعز عزيز أو بذل ذليل، لكن ما هو الدور الذي ينبغي أن أقوم به أنا وأنت وأنت؟ ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ * وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٧ - ٨].
وقال جل في علاه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
стр. 421
قوافل العائدين
إن الله قد أمرنا بالتوبة إليه؛ لأنها طريق الفلاح في الدنيا والآخرة، وهي ليست خاصة بالمذنب بل هي عامة في حق جميع المؤمنين الذين يريدون الفوز في الدنيا والآخرة.
وإن أخبار التائبين منذ عهد آدم إلى وقتنا المعاصر يجب أن نأخذ العبرة منها، وأن نرغب في مثل أحوالهم، وأن نحرص على الاقتداء بهم في التوبة وصدق الرجوع إلى الله تعالى.
стр. 422
وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواننا على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يغفر ذنب المذنبين، وأن يقبل توبة التائبين، وأن يدل الحيارى، ويهدي الضالين، ويغفر للأحياء وللميتين، أمر الله بالتوبة فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، ووعد جلّ في علاه بالقبول فقال: ((وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)) [الشورى:٢٥]، ثم فتح الرحمن باب الرجاء فقال: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣].
وقد أخرج مسلم من حديث ابن عمر ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (يأيها الناس! توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة).
وأوحى الله إلى داود ﵇: (يا داود! لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقاً إليّ، ولتقطعت أوصالهم من محبتي، يا داود! هذه إرادتي في المدبرين عني، فكيف إرادتي في المقبلين علي؟!) يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع يا من يرجى للشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قول كن والخير كله عندك أجمع ما لي سواء فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري إليك أرفع ما لي سواء قرعي لبابك حيلة فلئن رددت فأي باب أقرع ومن ذا الذي أدعوه وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يمنع حاشاك أن تقنط من فضلك عاصياً الفضل أجزل والمواهب أوسع عنوان اللقاء: (قوافل العائدين) نعم قوافل العائدين، وسيتكون اللقاء من مقدمة وبداية وختام، وبينهما أخبار خمسة: الخبر الأول: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.
الخبر الثاني: سبحان مغير الأحوال.
الخبر الثالث: أترضى أن تكون مثل هذا.
الخبر الرابع: طريق المخدرات.
الخبر الخامس: هدايتي على يديك، ثم الختام.
فإلى أول الكلام.
стр. 423
دعوة إلى حضور مجالس العلم والحث على التوبة
روى البخاري ﵁ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم جل في علاه وهو أعلم بهم: ما يقولون عبادي؟ قال: فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويمجدونك ويحمدونك، فيقول جلّ في علاه: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيداً وتحميداً وأكثر تسبيحاً).
اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.
قال: فيقول جلّ في علاه: (وما يسألوني؟ قال: فيقولون: يسألونك الجنة، قال: فيقول: هل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد طلباً، وأعظم فيها رغبة -فأين المشمرون؟ أين المشمرون؟ - قال: فيقول: فمما يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: فيقول: هل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة -اللهم أجرنا من النار- قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم -فأبشروا يا أهل هذه المجالس! - قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، فيقول جلّ في علاه: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).
نعم أبشروا يا أهل هذه المجالس! فربكم ذو رحمة واسعة، وأسمع منادي الله ينادي: (ألا قد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وإني أشد شوقاً لهم، ألا من طلبني وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، من ذا الذي أقبل عليّ وما قبلته، من ذا الذي طرق بابي وما فتحته، من ذا الذي توكل علي وما كفيته، من ذا الذي دعاني وما أجبته، من ذا الذي سألني وما أعطيته، أهل ذكري أهل مجالستي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم أبداً من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب، من أقبل عليّ قبلته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته المزيد، ومن أراد رضاي أردت ما أريد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد، من صفا معي صافيته، من أوى إلي آويته، من فوض أمره إليّ كفيته، ومن باع نفسه مني اشتريته وجعلت الثمن جنتي ورضاي)، وعد صادق وعهد سابق ومن أوفى بعهده من الله فيا فرحة التائبين بمحبة الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].
فالهج بحمده واهتف بشكره، وقل: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوا لك بنعمتك عليّ، وأبو بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
قل: أنا الميت الذي أحييته فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد، وأنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الضال الذي هديته فلك الحمد، وأنا الجاهل الذي علمته فلك الحمد، وأنا الجائع الذي أطعمته فلك الحمد، لك الحمد كله، ولك الشكر كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، لا إله إلا أنت.
يا رب حمداً ليس غيرك يحمد يا من له كل الخلائق تصمد أبواب غيرك ربنا قد أوصدت ورأيت بابك واسع لا يوصد
стр. 424
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله
روي عن منصور بن عمار قال: خرجت ليلة وظننت أني قد أصبحت، وإذا عليّ ليل، فقعدت عند بابٍ صغير، فإذا بصوت شابٍ يبكي ويقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك وقد عصيتك حين عصيتك، وما أنا بنكالك جاهلاً، ولا لعقوبتك متعرضاً، ولا بنظرك مستخفاً، ولكن سولت لي نفسي، وغلبتني شقوتي، وغرني سترك المرخي عليّ، فالآن من عذابك من يستنقذني، وبحبل من أعتصم إن قطعت حبالك عني، واسوأتاه من أيام في معصية ربي، ويا ويلي كم أتوب وكم أعود، وقد حان لي أن أستحي من ربي.
قال منصور: فلما سمعت كلامه قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
قال: فسمعت صوتاً واضطراباً شديداً، ثم مضيت لحاجتي، فلما أصبحنا رجعت وإذا أنا بجنازة على الباب، وعجوز تذهب وتجيء، فقلت لها: من الميت؟ فقالت: لا تجدد عليّ أحزاني، قلت: إني رجل غريب، فقالت: هذا ولدي مر بنا البارحة رجلاً لا جزاه الله خيراً قرأ آية فيها ذكر النار فلم يزل ولدي يضطرب ويبكي حتى مات، قلت: إن لله وإنا إليه راجعون، هكذا والله صفة الخائفين يا ابن عمار! سبحان من وفق للتوبة أقواماً، وثبت على صراطها أقوماً.
يا من ليس لي منه مجير بعفوك من عذابك أستجير إن تعذبني فبعدلك وإن ترحمني فأنت به جدير إن علاج مشاكل الشباب والشيب، وأصحاب الهموم والغموم هو الفرار إلى الله بالانضمام إلى قوافل العائدين، نعم الانضمام إلى قوافل العائدين، العائدين إلى الله بعد طول غياب الذين أحرقتهم الذنوب والمعاصي الذين جربوا الحياة في الظلام ثم اكتشفوا النور الذين بدلوا ذل المعصية بعز الطاعة الذين انتصروا على النفس والهوى والشيطان وحزبه الذين آثروا الجنة على النار الذين ندموا على ما فرطوا في جنب الله، قال ﷺ : (الندم توبة).
وقال بعضهم: إن العبد ليذنب الذنب فلا يزال نادماً حتى يدخل الجنة، فيقول إبليس: ليتني لم أوقعه في الذنب.
وقال طلق بن حبيب: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين.
فليس عيباً أن تخطئ، ولكن كل العيب أن تصر على الخطأ، وأن تتمادى في الخطأ، وأن تنسى فضل الله عليك وأن تنسى رقابة الله لك.
стр. 425
قصة وعبرة
جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم فقال: يا إبراهيم! لقد أسرفت على نفسي بالذنوب والمعاصي، فقل لي في نفسي قولا بليغاً، قال: أعظك بخمس قال: هات الأولى، قال: الأولى: لا تأكل من رزق الله واعص الله، قال: كيف يا إبراهيم! وهو الذي يطعم ولا يُطعم؟! قال: عجباً لك تأكل من رزقه وتعصيه! قال: هات الثانية: قال: الثانية: لا تسكن في أرض الله واعص الله، قال: كيف يا إبراهيم الأرض أرضه والسماء سماؤه؟! قال: عجباً لك تأكل من رزقه وتسكن في أرضه وتعصيه! قال: هات الثالثة، قال: الثالثة: اذهب في مكان لا يراك فيه الله واعص الله، قال: أين يا إبراهيم! وهو الذي لا تأخذه سنة ولا نوم؟! قال: عجباً لك تأكل من رزقه وتسكن في أرضه وفي كل مكان يراك ثم تعصيه! قال: هات الرابعة، قال: الرابعة: إذا أتاك ملك الموت ليقبض الروح فقل له: إني لا أموت الآن، قال: من يستطيع يا إبراهيم؟! والله يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] قال: عجباً لك، تأكل من رزقه، وتسكن في أرضه، وفي كل مكان يراك، ولا تستطيع رد الموت إذا أتاك وتعصيه! قال: هات الخامسة، قال: الخامسة: إذا جاءك زبانية العذاب تأخذك إلى النار فخذ نفسك إلى الجنة، قال: من يستطيع هذا يا إبراهيم؟! قال: عجباً لك، تأكل من رزقه، وتسكن في أرضه، وفي كل مكان يراك، ولا تستطيع رد الموت إذا أتاك، ولا تملك لنفسك جنة ولا نار ثم تعصيه؟! قال: اسمع يا إبراهيم! أنا أستغفر الله وأتوب إليه، فأعلنها توبة وإنابة وفراراً إلى الله، وأعلنها رجعة وانضماماً إلى قوافل العائدين.
وأنت نعم أنت إياك أعني! يا من تأكل من رزقه، وتسكن في أرضه، وفي كل مكان يراك، ولا تستطيع رد الموت إذا أتاك، ولا تملك لنفسك جنة ولا ناراً! أما آن لك أن تتوب وتستغفر علام الغيوب؟! أما آن لك أن تنظم إلى قوافل العائدين؟! أما آن لما أنت فيه متأب وهل لك من بعد الغياب إياب تقضت بك الأعمار في غير طاعة سوى عمل ترجوه وهو سراب وليس للمرء سلامة دينه سوى عزلة فيها الجليس كتاب يعني: القرآن.
كتاب حوى العلوم بكلها وكل ما حوى من العلوم صواب ففيه الدواء لكل داء فاظفر به فوا الله ما عنه ينوب كتاب كتاب: أي: القرآن.
следующие страницы →