← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قوافل العائدين إن الله قد أمرنا بالتوبة إليه؛ لأنها طريق الفلاح في الدنيا والآخرة، وهي ليست خاصة بالمذنب بل هي عامة في حق جميع المؤمنين الذين يريدون الفوز في الدنيا والآخرة. وإن أخبار التائبين منذ عهد آدم إلى وقتنا المعاصر يجب أن نأخذ العبرة منها، وأن نرغب في مثل أحوالهم، وأن نحرص على الاقتداء بهم في التوبة وصدق الرجوع إلى الله تعالى.

стр. 422

وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواننا على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يغفر ذنب المذنبين، وأن يقبل توبة التائبين، وأن يدل الحيارى، ويهدي الضالين، ويغفر للأحياء وللميتين، أمر الله بالتوبة فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، ووعد جلّ في علاه بالقبول فقال: ((وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)) [الشورى:٢٥]، ثم فتح الرحمن باب الرجاء فقال: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]. وقد أخرج مسلم من حديث ابن عمر ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (يأيها الناس! توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة). وأوحى الله إلى داود ﵇: (يا داود! لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقاً إليّ، ولتقطعت أوصالهم من محبتي، يا داود! هذه إرادتي في المدبرين عني، فكيف إرادتي في المقبلين علي؟!) يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع يا من يرجى للشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قول كن والخير كله عندك أجمع ما لي سواء فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري إليك أرفع ما لي سواء قرعي لبابك حيلة فلئن رددت فأي باب أقرع ومن ذا الذي أدعوه وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يمنع حاشاك أن تقنط من فضلك عاصياً الفضل أجزل والمواهب أوسع عنوان اللقاء: (قوافل العائدين) نعم قوافل العائدين، وسيتكون اللقاء من مقدمة وبداية وختام، وبينهما أخبار خمسة: الخبر الأول: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب. الخبر الثاني: سبحان مغير الأحوال. الخبر الثالث: أترضى أن تكون مثل هذا. الخبر الرابع: طريق المخدرات. الخبر الخامس: هدايتي على يديك، ثم الختام. فإلى أول الكلام.

стр. 423

دعوة إلى حضور مجالس العلم والحث على التوبة روى البخاري ﵁ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم جل في علاه وهو أعلم بهم: ما يقولون عبادي؟ قال: فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويمجدونك ويحمدونك، فيقول جلّ في علاه: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيداً وتحميداً وأكثر تسبيحاً). اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين. قال: فيقول جلّ في علاه: (وما يسألوني؟ قال: فيقولون: يسألونك الجنة، قال: فيقول: هل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد طلباً، وأعظم فيها رغبة -فأين المشمرون؟ أين المشمرون؟ - قال: فيقول: فمما يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: فيقول: هل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة -اللهم أجرنا من النار- قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم -فأبشروا يا أهل هذه المجالس! - قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، فيقول جلّ في علاه: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم). نعم أبشروا يا أهل هذه المجالس! فربكم ذو رحمة واسعة، وأسمع منادي الله ينادي: (ألا قد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وإني أشد شوقاً لهم، ألا من طلبني وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، من ذا الذي أقبل عليّ وما قبلته، من ذا الذي طرق بابي وما فتحته، من ذا الذي توكل علي وما كفيته، من ذا الذي دعاني وما أجبته، من ذا الذي سألني وما أعطيته، أهل ذكري أهل مجالستي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم أبداً من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب، من أقبل عليّ قبلته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته المزيد، ومن أراد رضاي أردت ما أريد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد، من صفا معي صافيته، من أوى إلي آويته، من فوض أمره إليّ كفيته، ومن باع نفسه مني اشتريته وجعلت الثمن جنتي ورضاي)، وعد صادق وعهد سابق ومن أوفى بعهده من الله فيا فرحة التائبين بمحبة الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. فالهج بحمده واهتف بشكره، وقل: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوا لك بنعمتك عليّ، وأبو بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). قل: أنا الميت الذي أحييته فلك الحمد، وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد، وأنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الضال الذي هديته فلك الحمد، وأنا الجاهل الذي علمته فلك الحمد، وأنا الجائع الذي أطعمته فلك الحمد، لك الحمد كله، ولك الشكر كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، لا إله إلا أنت. يا رب حمداً ليس غيرك يحمد يا من له كل الخلائق تصمد أبواب غيرك ربنا قد أوصدت ورأيت بابك واسع لا يوصد

стр. 424

لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله روي عن منصور بن عمار قال: خرجت ليلة وظننت أني قد أصبحت، وإذا عليّ ليل، فقعدت عند بابٍ صغير، فإذا بصوت شابٍ يبكي ويقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك وقد عصيتك حين عصيتك، وما أنا بنكالك جاهلاً، ولا لعقوبتك متعرضاً، ولا بنظرك مستخفاً، ولكن سولت لي نفسي، وغلبتني شقوتي، وغرني سترك المرخي عليّ، فالآن من عذابك من يستنقذني، وبحبل من أعتصم إن قطعت حبالك عني، واسوأتاه من أيام في معصية ربي، ويا ويلي كم أتوب وكم أعود، وقد حان لي أن أستحي من ربي. قال منصور: فلما سمعت كلامه قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. قال: فسمعت صوتاً واضطراباً شديداً، ثم مضيت لحاجتي، فلما أصبحنا رجعت وإذا أنا بجنازة على الباب، وعجوز تذهب وتجيء، فقلت لها: من الميت؟ فقالت: لا تجدد عليّ أحزاني، قلت: إني رجل غريب، فقالت: هذا ولدي مر بنا البارحة رجلاً لا جزاه الله خيراً قرأ آية فيها ذكر النار فلم يزل ولدي يضطرب ويبكي حتى مات، قلت: إن لله وإنا إليه راجعون، هكذا والله صفة الخائفين يا ابن عمار! سبحان من وفق للتوبة أقواماً، وثبت على صراطها أقوماً. يا من ليس لي منه مجير بعفوك من عذابك أستجير إن تعذبني فبعدلك وإن ترحمني فأنت به جدير إن علاج مشاكل الشباب والشيب، وأصحاب الهموم والغموم هو الفرار إلى الله بالانضمام إلى قوافل العائدين، نعم الانضمام إلى قوافل العائدين، العائدين إلى الله بعد طول غياب الذين أحرقتهم الذنوب والمعاصي الذين جربوا الحياة في الظلام ثم اكتشفوا النور الذين بدلوا ذل المعصية بعز الطاعة الذين انتصروا على النفس والهوى والشيطان وحزبه الذين آثروا الجنة على النار الذين ندموا على ما فرطوا في جنب الله، قال ﷺ : (الندم توبة). وقال بعضهم: إن العبد ليذنب الذنب فلا يزال نادماً حتى يدخل الجنة، فيقول إبليس: ليتني لم أوقعه في الذنب. وقال طلق بن حبيب: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين. فليس عيباً أن تخطئ، ولكن كل العيب أن تصر على الخطأ، وأن تتمادى في الخطأ، وأن تنسى فضل الله عليك وأن تنسى رقابة الله لك.

стр. 425

قصة وعبرة جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم فقال: يا إبراهيم! لقد أسرفت على نفسي بالذنوب والمعاصي، فقل لي في نفسي قولا بليغاً، قال: أعظك بخمس قال: هات الأولى، قال: الأولى: لا تأكل من رزق الله واعص الله، قال: كيف يا إبراهيم! وهو الذي يطعم ولا يُطعم؟! قال: عجباً لك تأكل من رزقه وتعصيه! قال: هات الثانية: قال: الثانية: لا تسكن في أرض الله واعص الله، قال: كيف يا إبراهيم الأرض أرضه والسماء سماؤه؟! قال: عجباً لك تأكل من رزقه وتسكن في أرضه وتعصيه! قال: هات الثالثة، قال: الثالثة: اذهب في مكان لا يراك فيه الله واعص الله، قال: أين يا إبراهيم! وهو الذي لا تأخذه سنة ولا نوم؟! قال: عجباً لك تأكل من رزقه وتسكن في أرضه وفي كل مكان يراك ثم تعصيه! قال: هات الرابعة، قال: الرابعة: إذا أتاك ملك الموت ليقبض الروح فقل له: إني لا أموت الآن، قال: من يستطيع يا إبراهيم؟! والله يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] قال: عجباً لك، تأكل من رزقه، وتسكن في أرضه، وفي كل مكان يراك، ولا تستطيع رد الموت إذا أتاك وتعصيه! قال: هات الخامسة، قال: الخامسة: إذا جاءك زبانية العذاب تأخذك إلى النار فخذ نفسك إلى الجنة، قال: من يستطيع هذا يا إبراهيم؟! قال: عجباً لك، تأكل من رزقه، وتسكن في أرضه، وفي كل مكان يراك، ولا تستطيع رد الموت إذا أتاك، ولا تملك لنفسك جنة ولا نار ثم تعصيه؟! قال: اسمع يا إبراهيم! أنا أستغفر الله وأتوب إليه، فأعلنها توبة وإنابة وفراراً إلى الله، وأعلنها رجعة وانضماماً إلى قوافل العائدين. وأنت نعم أنت إياك أعني! يا من تأكل من رزقه، وتسكن في أرضه، وفي كل مكان يراك، ولا تستطيع رد الموت إذا أتاك، ولا تملك لنفسك جنة ولا ناراً! أما آن لك أن تتوب وتستغفر علام الغيوب؟! أما آن لك أن تنظم إلى قوافل العائدين؟! أما آن لما أنت فيه متأب وهل لك من بعد الغياب إياب تقضت بك الأعمار في غير طاعة سوى عمل ترجوه وهو سراب وليس للمرء سلامة دينه سوى عزلة فيها الجليس كتاب يعني: القرآن. كتاب حوى العلوم بكلها وكل ما حوى من العلوم صواب ففيه الدواء لكل داء فاظفر به فوا الله ما عنه ينوب كتاب كتاب: أي: القرآن.

стр. 426

أخبار العائدين تعال بنا نسمع إلى أخبار أصحاب تلك القوافل ماضياً وحاضراً، تعال بنا نأخذ العبرة من قصصهم قصص ممزوجة بالندم والدموع قصص مليئة بالصور والعبر يشكو أصحابها قبل الانضمام إلى قوافل العائدين من الهموم والغموم مآسي وآهات غرقوا في لجج المعاصي والمنكرات، فمن خمور ومخدرات وفواحش ومنكرات، وكانت النجاة بالفرار إلى الله، والانضمام إلى قوافل العائدين.

стр. 427

لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب عن أبي هشام الصوفي رحمة الله قال: أردت البصرة فجاءت إلى سفينة أركبها، وفيها رجل معه جارية، فقال لي الرجل: ليس ههنا موضع، فسألته الجارية إن يحملني ففعل، فلما سرنا دعا الرجل بالغداء فوضع، فقالت الجارية: أدع ذلك المسكين ليتغدى معنا، فجئت على أنني مسكين، فلما تغدينا قال: يا جارية! هات شرابك فشرب، وأمرها أن تسقيني فقالت: يرحمك الله إن للضيف حقاً، فتركني، فلما دب فيه الشراب، قال: يا جارية! هات عودك، وهات ما عندك، فأخذت العود وغنت، ثم التفت إليّ وقال: أتحسن مثل هذا؟ فقلت: عندي ما هو أحسن منه وخير منه، فقال: قل، قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:١ - ٩] وجعل الرجل يبكي حتى انتهيت إلى قوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠]. فقال: يا جارية! اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى، ثم ألقى ما معه من الشراب، وكسر العود، ثم دعاني فاعتنقني، وجعل يبكي ويقول: يا أخي! أترى أن الله يقبل توبتي، فقلت: نعم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، قلت: نعم، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥]. فتاب واستقام وتبدل حاله، وصحبته بعد ذلك أربعين سنة حتى مات، فرأيته في المنام فقلت له: إلى ما صرت؟ فقال: إلى الجنة، قلت: بماذا؟ قال: بقراءتك عليّ ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠]. فلا إله إلا الله كيف سيكون حالي وحالك إذا الصحف نشرت؟ و ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١١ - ١٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. فلا إله إلا الله إذا نطقت العينان وقالت: أنا للحرام نظرت، ولا إله إلا الله إذا نطقت الأذنان وقالت: أنا للأغاني وللحرام سمعت، ولا إله إلا الله إذا نطقت اليدان وقالت: أنا للربا والحرام أخذت، ولا إله إلا الله إذا نطقت الرجلان وقالت: أنا للحرام مشيت ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٤]. مثل لقلبك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وأضعفت حراً على رؤوس العباد تمور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا العشار تعطلت عن أهلها خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك أين نسير؟ فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور وإذا الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور حتى ننجو ونفوز ونفلح في ذلك اليوم لابد من الفرار إلى الله بالانضمام إلى قوافل العائدين، قال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].

стр. 428

سبحان مغير الأحوال قال الراوي: لقد تغير صاحبي، نعم تغيير ضحكاته الوقورة التي تصافح أذنيك كنسمات الفجر الندية، وكانت من قبل ضحكات ماجنة مستهترة تصك الآذان وتؤذي المشاعر، ونظراته الخجولة تنم عن طهر وصفاء، وكانت من قبل جريئة وقحة، وكلماته تخرج من فمه بحساب، وكانت من قبل يبعثرها هنا وهناك، فتصيب هذا وتجرح ذاك، ولا يعبئ بذلك ولا يهتم، ووجهه هادئ القسمات تزينه لحية وقورة تحيط به هالة من نور، وكانت ملامحه من قبل تعبر عن الانطلاق وعدم المبالاة والاهتمام، فنظرت إليه وأطلت النظر في وجهه ففهم ما يدور في خاطري، فقال: لعلك تريد أن تسأل ماذا غيرك؟ قلت: نعم هو ذاك، فصورتك التي أذكرها منذ سنوات تختلف عن صورتك الآن، فتنهد قائلاً: سبحان مغير الأحوال، قلت: لابد أن وراء ذلك قصة، قال: نعم، وسأقصها عليك، ثم التفت إلي قائلاً: كنت في سيارتي على طريق ساحلي، وعند أحد الجسور الموصلة إلى أحد الأحياء، فوجئت بصبي صغير يقطع من أمامي الطريق، فارتبكت واختلت عجلة القيادة من يدي ولم أشعر إلا وأنا في أعماق المياه، فرفعت رأسي إلى أعلى لأجد متنفساً ولكن الماء بدأ يغمر السيارة من جميع نواحيها، فمددت يدي لأفتح الباب فلم ينفتح، وهنا تأكدت أني هالك لا محالة، وفي لحظات لعلها ثواني مرت أمامي وفي ذهني صور سريعة متلاحقة، صور من حياتي الحافلة بكل أنواع العبث والمجون، وتمثل لي الماء شبحاً مخيفاً، وأحاطت بي الظلامات كثيفة، وأحسست أني أهوي إلى أغوار سحيقة مظلمة، فانتابني فزعاً شديداً، فصرخت بصوت مكتوم يا رب! يا رب! ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، ودرت حول نفسي، ماداً ذراعي أطلب النجاة لا من الموت الذي أصبح محققاً، بل من خطاياي التي حاصرتني وضيقت علي الخناق. وأحسست بقلبي يخفق بشدة، فانتفضت وبدأت أزيح من حولي تلك الأشباح المخيفة، وأستغفر ربي قبل أن ألقاه، وأحسست أن كل ما حولي يضغط عليّ، وكأنما استحالت المياه إلى جدران من الحديد، فقلت: إنها النهاية لا محالة، فنطقت بالشهادتين، وبدأت أستعد للموت، وحركت يدي فإذا بها تنفذ في فراغ، فراغ يمتد إلى خارج السيارة، وكالحال تذكرت إن زجاج السيارة الأمامي مكسور، شاء الله أن ينكسر في حادث منذ ثلاثة أيام، فقفزت منه دون تفكير، ودفعت بنفسي من خلال هذا الفراغ، وخرجت من أعماق الماء، فإذا الأضواء تغمرني، وإذا بي خارج السيارة، فنظرت فإذا بجمع من الناس يقفون على الشاطئ، وكانوا يتصايحون بأصوات لم أتبينها، ولما رأوني نزل اثنان منهم، وأخرجاني من الماء، فوقفت على الشاطئ ذاهلاً عما حولي، وغير مصدق أني نجوت من الموت، وأني الآن بين الأحياء. كنت أتخيل السيارة وهي غارقة في الماء، فأتخيلها تختنق وتموت وقد ماتت فعلاً، وهي الآن راقدة في نعشها أمامي، لقد تخلصت منها وخرجت، فخرجت مولوداً جديداً لا يمت إلى الماضي بسبب من الأسباب، وأحسست برغبة في الركض بعيداً عن هذا المكان، المكان الذي دفنت فيه الماضي الدنس، ومضيت إلى البيت إنساناً آخر غير الذي خرج قبل ساعات، فدخلت البيت، وكان أول ما وقع عليه بصري صور معلقة على الحائط لممثلات وراقصات ومغنيات، فاندفعت إلى الصور أمزقها، ثم ارتميت على سريري أبكي ولأول مرة أبكي. أحسست بالندم على ما فرطت في جنب الله، فأخذت الدموع تنساب في غزارة من عيني، وأخذ جسمي يهتز، وبينما أنا كذلك إذا بصوت لطالما سمعته وتجاهلته، إنه صوت الأذان يجلجل في الفضاء، وكأني أسمعه لأول مرة. وجلجلت الأذان في كل حي ولكن أين صوت من بلال؟ منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خالي يقول: فانتفضت واقفاً وتوضأت، وبعد أن أديت الصلاة أعلنت توبتي في المسجد، وجلست أبكي وأدعو الله أن يغفر لي خطيئتي، ومنذ ذلك الحين وأنا كما ترى، قلت: هنيئاً لك الدموع الحارة، وهنيئا لك الانضمام إلى قوافل العائدين. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]. وقال ﷺ : (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون). وقال عمر ﵁: التوبة النصوح أن يذنب العبد ثم يتوب فلا يعود فيه. وقال الحسن البصري: التوبة النصوح ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار بأن لا يعود. وقال يحيى بن معاذ: علامة التائب إسبال الدمعة، وحب الخلوة، والمحاسبة للنفس في كل همه. اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين الذين لا خوفاً عليهم ولا هم يحزنون.

стр. 429

أترضى أن تكون مثل هذا شاب صالح يقول: كان لي قريب بعيد، قربة النسب وأبعده الدين، وبحكم اطلاعي على دقائق حياته وتفاصيل أيامه تأكد لي أنه لا يصلي مطلقاً ومثله كثير، فنصحته مرات ومرات لعله يتعجل في إصلاح أمره، ويستقيم في صفوف المصلين، ولكنه كان يقدم ويؤخر، ويظن أن العمر طويل والحياة دائمة، هلك المسوفون، والمسوف الذي يقول: سأتوب وهو مصر على الذنب، وكم قلت له: كم ستعيش عشرين ثلاثين بل ثمانين ثم ماذا؟! لابد من الرحيل من دار الغرور، طالت بك الأيام أم قصرت عنك الليالي. وفي ليلة لم يتوقعها في ليل مظلم، استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله، فأطلق لقدميه تركض في أوحال المعصية، وأوزار الجريمة، فألهته الأماني، وغرته نسمة الحياة وبهجة الدنيا، ومثله كثير، ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٩] وفجأة على غير موعد نزل به نازل، وطرق بابه طارق، ولم يكن هذا الضيف ليزوره إلا هذه المرة فحسب، ولكنها زيارة ثقيلة مؤلمة، إنه الزائر الذي لا يرد، حاول أن يؤخره أن يؤجله فلم يستطع، أراد أن يتفاهم معه فلم يستطع، أراد أن يدفعه بالدواء والطبيب، بالمال والأولاد فلم يستطع حاول بكل الوسائل الدفاعية فلم يستطع ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤]. انتهى كل شي، هوت آمال عظام وأحلام كالجبال، حشرج الصدر، وضاقت الأنفاس، وغادرت الروح وأمامه أسئلة صعاب، وجنة ونار، هلك المسوفون. يقول الشاب: لم يكن هو أول من غادر الحياة بهذه السرعة من أسرتي، ولم يكن هو الشاب الوحيد الذي فقدناه، ولكن كان لحياته فجيعة ولموته عبرة، وكان يوم موته وتغسيله والصلاة عليه ثم دفنه يوماً مشهوداً غاب عن كثير وكنت أولهم، فكيف أصلي على من حرم الله ورسوله الصلاة عليه؟ لم أصل عليه طاعة وعبادة لله حتى تم كل شي. يقول الشاب: ثم اجتمعت وأقاربي في مجلس ضم الكثير منهم، وأكثرهم عالم بأمور الدنيا جاهل بأمور الدين، كما قال الله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، فقام أحدهم شاهراً سيفه، ومصوب سهمه، ورافعاً صوته باستغراب يملؤه الاستهزاء، وهو يسمع الجميع: أين أنت عن صلة الرحم والقيام بالواجب؟ فهاهو فلان قد مات ولم نر لك أثراً، ولم نعلم لك مكاناً! اتجهت نحوي العيون بالعتاب، وتحركت الأيدي تلوم والألسنة تقول: أين أنت عن واجب الصلاة والعزاء؟ وأضاف أحدهم مستهزأً تصلي وتصوم ولا تعرف حقوق القريب وواجبات الأسرة، وأخذ المجلس يتحدث ويقول وأنا لا أرد عليه. حتى إذا أفرغوا سهامهم وانتهوا، قلت للمتحدث الأول بصوت يسمعه الجميع: ما رأيك لو صليت صلاة المغرب أربع ركعات هل يجوز ذلك؟ سكت ولم يجب، وهو يحرك حاجبيه ويهز يده باستغباء عجيب، كررت وأعدت السؤال وطلبت الإجابة منه بصوت مسموع حتى يسمع المجلس، قال لي بعد تكرار السؤال عليه ثلاث مرات: لا يجوز، قلت له: أحسنت هذا أمر الله ورسوله، فنحن نطيع الله في هذا ونطيع رسوله ﷺ ، إن الكتاب والسنة يأمرانا أن لا نصلي على من مات وهو لا يصلي، وسماه كافراً، رفعت صوتي -والحق يعلو ولا يعلى عليه- وأنا أفرغ سهماً من كنانتي، هل أسمع كلام الله ورسوله وأطيع أمرهما؟ أم أسمع كلامك أنت وهراك. استدرت نحو المجلس وأنا أقول: أمرنا أن لا نصلي على من مات وهو تارك للصلاة، ولا نغسله، ولا ندفنه في مقابر المسلمين، ولهذا لم أصل عليه سمعاً وطاعة لله ورسوله، خيم الصمت على المجلس وأغمدت السيوف، فقد ظهر الأمر واضحاً جلياً، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]. يقول الشاب: مرت شهور فإذا كثير من شباب أسرتنا وقد سمع ورأى هذا الموقف يعيد حساباته، ويراجع أفعاله، ويخشى أن يمر عليه يوم لا يجد فيه من يصلي عليه، لقد كان هلاك هذا القريب رحمة لمن بعده، وعبرة لمن خلفه، ولا يزال يتردد في جنبات المسلمين قول الله : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، وقول المصطفى ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر). فقل لي بالله: كيف حال الشباب اليوم مع صلاتهم؟! حال عجيبة: قسم لا يصلي ولا يركع لا بليل ولا بنهار، وقسم يقدم ويؤخر، وقسم يصلي متى ما شاء وكيف ما شاء ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]، أما آن لهؤلاء أن ينتظموا في صفوف المصلين، وينضموا إلى قوافل العائدين. خل إدكار الأربع والمعهد المرتبع والضاعن المودع وخل عنه ودع واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحف ولم تزل معتكفاً على القبيح الشنع كم ليلة أودعتها مآثماً أبدعتها لشهوة أطعتها في مرتع ومضجع وكم خطىً حثثتها لخزية أحدثتها وتوبة نكثتها لملعب ومرتع وكم تجرأت على رب السموات العلى ولم تراقبه ولا صدقت فيما تدعي وكم غمطت بره وكم أمنت مكره وكم نبذت أمره نبذ الحذاء المرقع وكم ركضت باللعب وفهت عمداً بالكذب ولم تراقب ما يجب في عهده المتبع فالبس شعار الندم واسكب شآبيب الدم قبل زوال القدم وقبل سوء المصرع واخضع خضوع المعترف ولذ ملاذ المقترف واعص هواك وانحرف عنه انحراف المقلع إلى متى تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضر المقتني ولست بالمرتدع قال بعض الحكماء: تعرف توبة الرجل بأربعة أشياء: أولها: أن يمنع لسانه من فضول الكلام، من غيبة ونميمة وكذب. ثانيها: أن لا يحمل في قلبه حسداً ولا عداوة لأحد من المسلمين. ثالثها: أن يترك أصحاب السوء ولا يصاحب أحداً منهم. الرابع: أن يكون مستعدا للموت، نادماً على الذنب، مستغفراً لما سبق من ذنوبه، مجتهداً في طاعات ربه. يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ من تلك العروق النحل فاغفر لعبد تاب من زلاته ما كان منه في الزمان الأول

стр. 430

طريق المخدرات طريق غرق فيه كثير من الشباب إلا من رحم الله، يقول الشاب وهو يروي مأساته: بعد أن أنهيت دراستي الثانوية، عملت موظفاً في أحد الشركات التجارية، وقد فصلت من العمل لكثرة تغيبي وعدم انضباطي، ثم عملت بعدها أعمالاً مختلفة من بناء وتجارة وغيرها حتى استطعت أن أكون نفسي، وأجمع مبلغاً من المال، وفي أحد الأيام عرض علي أحد الشباب فكرة السفر إلى أحد الدول الآسيوية، وكان يروي لي مغامراته ومشاهداته، وكان يجاهر بالمعصية والعياذ بالله. يقول الشاب: كان صاحبي يحدثني عن المتع المحرمة، وكأنه يغريني بالسفر حتى عزمت عليه واستحوذني الشيطان، فكان صاحبي أول المرحبين، وتكفل بشراء تذكرة السفر على أن أتكفل أنا هناك ببقية المصاريف، وسافرنا هناك ورأينا جموعاً من الشباب ليس لهم هم إلا المتعة المحرمة، اليوم الأقصى يشتكي والشباب يغرق في أوحال المعاصي والمنكرات. هاهو الأقصى يلوك جراحة والمسلمون جموعهم أحاد يا ويلنا ماذا أصاب رجالنا؟ أو ما لنا سعد ولا مقداد يقول الشاب: رأينا هناك جموعاً من الشباب ليس لهم هم إلا المتعة المحرمة، فتعلمت من الشباب التدخين، وشرب الخمر، ثم الزنا، ثم تعاطي المخدرات، وخضنا في كل الوحول القذرة حتى بلغنا الحضيض، ثم عدنا وبعد فترة جمعنا مبلغاً آخر من المال ثم سافرنا إلى بلد آخر أشد فساداً وجربنا كل شيء. وفي إحدى الليالي رفض أحد الشباب إعطائي حقنة المخدرات المعهودة، فخرجت من الفندق، وقابلت مجموعة من المروجين فدعوني إلى مقرهم فذهبت معهم، وعرضوا عليّ أنواعاً كثيرة من المخدرات، وكنت أجهل بعضها ومدى تأثيرها على الجسم، وبعد تعاطي المخدرات والمسكرات، دعاني أحدهم إلى الغرفة المجاورة لممارسة الزنا، بعد أن أمرني بدفع الثمن مقدماً، وكنت في سكر شديد لا أدري ما أصنع، فقبلت العرض ولم أكن أدري أني أمشي برجلي إلى الهاوية. ثم بعد أيام عدنا من السفر ومارست حياتي الطبيعية، لكن شبح المخدرات كان يطاردني في كل مكان، وقد نصحني بعض المخلصين بالتوجه إلى المستشفى لتلقي العلاج، فوعدتهم بالذهاب ولم أذهب، وتوالت السفريات لممارسة تلك الأعمال المشينة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتي البائسة المتدهورة، حتى نفذت النقود فاحترفت السرقة من هنا وهناك، وتعلمت فنون النصب والاحتيال حتى أجمع لمتعتي المحرمة. وفجأة شعرت بوعكة صحية، فذهبت إلى المركز الصحي بحثاً عن العلاج، وبعد تحليل عينة من دمي أخبروني أني حامل لفيروس الإيدز، فضاقت الدنيا في وجهي، يا للهول! يا للمصيبة! لقد ذهبت تلك اللذات وانقضت تلك المسرات، فلم يبق إلا الآلام والحسرات، وا حسرتاه! على أصحاب لم ينفعوا، وا حسرتاه! على أحباب لم يشفعوا، يا حسرتاه! يوم طال السهر ولم أعد زاداً للحفر، يا حسرتاه! على عمر مضى وزمان ولى وانقضى ولم أتق فيه حر لظى، يا حسرتاه! إذا كشف الديوان بخطايا اللسان، وزلات الجنان، وقبيح العصيان، يا حسرتاه! إذا وضع الكتاب ونشر ما فيه من خطأ وصواب وعرض الشباب، يا حسرتاه! على صلاة أضعتها، وزكاة منعتها، وأيام أفطرتها، يا حسرتاه! على أوقات أهدرتها، يا حسرتاه! على ذنوب ارتكبتها، وفواحش اقترفتها، يا حسرتاه! يوم لم يلهج لساني بذكره، ولم تقم جوارحي بشكره، يا حسرتاه! يوم يفوز الصالحون بالدرجات، يا حسرتاه! يوم يهوي الظالمون في الدركات، قال سبحانه: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠]. يقول الشاب: لقد ذهبت تلك اللذات وانقضت تلك المسرات، فلم يبق إلا الآلام والحسرات، ولم يبق إلا الآثام والأوزار والتبعات. تفنى اللذات ممن ذاق صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار فهذه حكايتي باختصار، وكل ما أعرفه أني مصاب بمرض الإيدز، وأنا أنتظر الموت، وعلى الرغم من أني أسير إلى الموت سيراً سريعاً فلا بأس فقد أفقت من غفوتي وأفقت من غفلتي، وأنصح كل شاب عاقل بالالتزام بتعاليم الدين الحنيف، تلك التعاليم التي لطالما سمعناها ولم نتبعها، إنما أتبعنا النفس والهوى والشيطان، وقد خاب من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. أقول لإخواني الشباب: احذروا المخدرات والفواحش والمنكرات فإنها الهلاك الماحق، واحذروا من رفقة السوء فإنهم جنود إبليس اللعين. يقول: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، فلعلكم تقرءون هذه الكلمات وأنا تحت التراب، فاسألوا الله لي الرحمة، لعلكم تقرءون كلماتي وأنا تحت التراب، قد فارقت الروح الجسد وصعدت الروح إلى بارئها، فاللهم يا من وسعت رحمته كل شي ارحم عبدك الضعيف المسكين. يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن فبمن يلوذ ويستجير المجرم مالي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلم لو رأيت التائب رأيت جفناً مقروحاً تراه في الأسحار على باب الاعتذار مطروحاً، واسمع قول الإله يوحي فيما يوحي: توبوا إلى الله توبة نصوحاً، فالتائب مطعمه يسير وحزنه كثير ومزعجة مثير، وكأنه أسير قد رمي مجروحاً، ولسان حاله يردد توبوا إلى الله توبة نصوحاً، التائب أنحل بدنه الصيام وأتعب قدمه القيام وحلف بالعزم على هجر المنام، فبذل بدناً وروحاً وهو يردد توبوا إلى الله توبة نصوحاً، التائب الذل قد علاه والحزن قد وهاه، يذم نفسه وهواه، وبهذا صار ممدوحاً يردد ويعيد توبوا إلى الله توبة نصوحا، التائب يبكي جنايات الشباب التي بها قد اسود الكتاب، فإن من يأتي إلى الباب يجد الباب مفتوحاً، يردد ويقول قول الله: توبوا إلى الله توبة نصوحاً، اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها ونعوذ بك من المعصية وأسبابها.

стр. 431

هدايتي على يديه يقول الشاب: لم أكن قد بلغت الثلاثين حين أنجبت زوجتي أول أبنائي، فما زلت أذكر تلك الليلة، وكنت سهراناً مع الشلة في إحدى الشاليهات، وكانت سهرة حمراء بمعنى الكلمة كما يقولون، وأذكر ليلتها أني أضحكتهم كثيراً، فقد كنت أمتلك موهبة عجيبة في التقليد، وبإمكاني تغيير نبرة صوتي حتى تصبح قريبة من الشخص الذي أسخر منه، وكنت أسخر من هذا وذاك، ولم يسلم أحد مني حتى أصحابي صار بعضهم يتجنبني كي يسلم من لساني وتعليقاتي اللاذعة. وفي تلك الليلة سخرت من رجل أعمى رأيته يتسول في السوق، والأدهى أني وضعت رجلي أمامه ليتعثر، فتعثر وانطلقت ضحكتي التي دوت في السوق، ثم عدت إلى بيتي متأخراً، ووجدت زوجتي في انتظاري، وكانت في حالة يرثى لها. أين كنت يا راشد؟ قلت: في المريخ ساخراً عند أصحابي طبعاً، وكانت في حالة يرثى لها، قالت والعبرة تخنقها: راشد أنا متعبة جداً، والظاهر أن موعد ولادتي صار وشيكاً، وسقطت دمعة على جبينها، وأحسست أني أهملت زوجتي، وكان المفروض أن أهتم بها وأقلل من سهراتي، وخاصة وأنها في شهرها التاسع. قاست زوجتي ألام يوم وليلة في المستشفى حتى رأى طفلي النور، ولم أكن في المستشفى ساعتها، فتركت رقم هاتف المنزل وخرجت، ثم اتصلوا بي حتى تعلموني الخبر، ففعلوا فاتصلوا بي ليزفوا لي نبأ قدوم سالم. وحين وصلت المستشفى طلب مني أن أراجع الطبيبة، أي طبيبة؟ المهم الآن أن أرى ابني سالم، لابد من مراجعة الطبيبة فأجابتني موظفة الاستقبال بحزم، فصدمت حين عرفت أن ابني به تشوه شديد في عينيه وفي بصره، تذكرت المتسول قلت: سبحان الله! كما تدين تدان، ولم تحزن زوجتي فقد كانت مؤمنة بقضاء الله راضية، وطالما نصحتني، وطالما طلبت مني أن أكف عن تقليد الآخرين، كلا هي لا تسميه تقليداً بل غيبة ومعها كل الحق، ولم أكن أهتم بسالم كثيراً، فاعتبرته غير موجود في المنزل، وحين يشتد بكاه أهرب إلى الصالة لأنام فيها. وكانت زوجتي تهتم به كثيراً وتحبه، -لا تظنوا أني أكرهه، فأنا لا أكرهه لكني لم أستطع أن أحبه- أقامت زوجتي احتفالاً حين خطأ خطواته الأولى، وحين أكمل الثانية اكتشفنا أنه أعرج، وكان كلما زدت ابتعاداً عنه زادت زوجتي حباً وتعلقاً به، حتى بعد أن أنجبت عمراً وخالداً. ومرت السنوات وكنت لاه غافل، فقد غرتني الدنيا وما فيها، فكنت كاللعبة في يد رفقة السوء مع أني كنت أظن أني من يلعب عليهم، ولم تيأس زوجتي من إصلاحي، وكانت دائماً تدعو لي بالهداية، ولم تغضب من تصرفاتي الطائشة أو إهمالي لسالم واهتمامي بباقي إخوته، ثم كبر سالم ولم أمانع حين طلبت زوجتي تسجيله في أحد المدارس الخاصة بالمعاقين، ولم أكن أحس بمرور السنوات أمامي سواء ليل ونهار عمل ونوم طعام وسهر، حتى ذلك اليوم كان يوم الجمعة، استيقظت الساعة الحادي عشرة ظهراً، ما يزال الوقت مبكراً -أقول- لكن لا يهم، اغتسلت ولبست وتعطرت وهممت بالخروج. استوقفني منظر سالم، كان يبكي بحرقة، إنها المرة الأولى التي أرى فيها سالماً يبكي مذ كان طفلاً، أأخرج أم أرى مما يشكو سالم؟ قلت: لا كيف أتركه وهو في هذه الحالة، أهو الفضول أم الشفقة لا يهم، سألته لماذا تبكي يا سالم! حين سمع صوتي توقف، وبدأ يتحسس ما حوله، ما به يا ترى! اكتشفت أن ابني يهرب مني، الآن أحسست به، أين كنت منذ عشر سنوات؟ فتبعته وكان قد دخل غرفته ورفض أن يخبرني في البداية عن سبب بكائه، وتحت إصراري عرفت السبب؟! تأخر عليه شقيقه عمر الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد، اليوم الجمعة خاف سالم أن لا يجد مكاناً في الصف الأول، فنادى والدته لكن لا مجيب حينها. حينها وضعت يدي على فمه وكأني أطلب منه أن يكف عن حديثه، حينها بكيت، ولا أعلم ما الذي دفعني لأقول له: سالم! لا تحزن هل تعلم من سيرافقك اليوم إلى المسجد؟ أجاب سالم أكيد عمر، ليتني أعلم إلى أين ذهب؟ قلت: لا يا سالم! أنا من سيرافقك، استغرب سالم ولم يصدق، فظن أني أسخر منه، ثم عاد إلى بكائه فمسحت دموعه بيدي وأمسكت بيده، وأردت أن أوصله بالسيارة فرفض قائلاً: أبي المسجد قريب أريد أن أخطو إلى المسجد فإني احتسب كل خطوة أخطوها. يقول: لا أذكر متى آخر مرة دخلت فيها المسجد؟ ولا أذكر آخر مرة سجدت فيها لله سجدة، هي المرة الأولى التي أشعر فيها بالخوف والندم، الندم على ما فرطت طوال السنوات الماضية، مع أن المسجد كان مليئاً بالمصلين إلا أني وجدت لسالم مكاناً في الصف الأول، استمعنا لخطبة الجمعة معاً وصليت بجانبه. وبعد انتهاء الصلاة طلب مني سالم مصحفاً، فاستغربت كيف سيقرأ وهو أعمى؟ هذا ما تردد في نفسي ولم أصرح به خوفاً من جرح مشاعره، طلب مني أن أفتح له المصحف على سورة الكهف، نفذت ما طلب، ووضع المصحف أمامه وبدأ في قراءة السورة، يا الله! إنه يحفظ سورة الكهف كاملة وعن ظهر قلب. خجلت من نفسي، فأمسكت مصحفاً وأحسست برعشة في أوصالي، قرأت وقرأت ودعوت الله أن يغفر لي ويهديني، هذه المرة أنا الذي أبكى، بكيت حزناً وندماً على ما فرطت، ولم أشعر إلا بيد حنونة تمسح عني دموعي، لقد كان سالم يمسح دموعي ويهدئ من خاطري. عدنا إلى المنزل، وكانت زوجتي قلقة كثيراً على سالم، لكن قلقها تحول إلى دموع فرح حين علمت أني صليت الجمعة مع سالم. منذ ذلك اليوم لم تفتني صلاة الجماعة في المسجد، فقد هجرت رفقاء السوء وأصبحت في رفقة خيرة عرفتها في المسجد، ذقت طعم الإيمان، وعرفت منهم أشياء ألهتني عن الدنيا، ولم أفوت حلقة ذكر أو قيام، وختمت القرآن عدة مرات في شهر، وأنا نفس الشخص الذي هجرة لسنوات، ورطبت لساني بالذكر لعل الله يغفر لي غيبتي وسخريتي من الناس، وأحسست أني أكثر قرباً من أسرتي، فاختفت نظرات الخوف والشفقة التي كانت تطل من عيون زوجتي، والابتسامة ما عادت تفارق وجه ابني سالم، من يرى سالم يظنه ملك الدنيا وما فيها. حمدت الله كثيراً، وصليت له كثيراً على نعمه، وذات يوم قررت أنا وأصحابي أن نتجه إلى أحد المناطق البعيدة في برامج دعوية مع موسسة خيرية، فترددت في الذهاب واستخرت الله واستشرت زوجتي، فتوقعت أن ترفض لكن حدث العكس، ففرحت كثيراً بل شجعتني، وحين أخبرت سالماً عزمي على الذهاب أحاط جسمي بذراعيه الصغيرين فرحاً، ووالله لو كان طويل القامة مثلي لما توانى عن تقبيل رأسي. بعدها توكلت على الله، وقدمت طلب إجازة مفتوحة بدون مرتب، والحمد لله جاءت الموافقة بسرعة أسرع مما تصورت، فتغيبت عن البيت ثلاثة أشهر، وكنت خلال تلك الفترة أتصل كلما سنحت لي الفرصة بزوجتي، وأحدث أبنائي، لقد اشتقت لهم كثيراً، لكني اشتقت لسالم أكثر، وتمنيت سماع صوته، وهو الوحيد الذي لم يحدثني منذ سافرت، إما أن يكون في المدرسة أو في المسجد ساعة اتصالي بهم، وكلما أحدث زوجتي أطلب منها أن تبلغه سلامي وتقبله، وكانت تضحك حينما تسمعني أقول هذا الكلام، إلا آخر مرة هاتفتها فيها لم أسمع ضحكتها المتوقعة، وتغير صوتها وقالت لي: إن شاء الله. أخيراً عدت إلى المنزل، فطرقت الباب وتمنيت أن يفتح لي سالم الباب، لكن فوجئت بابني خالد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره، فحملته بين ذراعي وهو يصيح بابا بابا، انقبض صدري حين دخلت البيت، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم، وسعدت زوجتي بقدومي لكن هناك شي قد تغير فيها، فتأملتها جيداً إنها نظرات الحزن التي ما كانت تفارقها، عادت مرة ثانية إلى عينيها، سألتها ما بك؟ قالت: لا شيء، هكذا ردت، فجأة تذكرة من نسيته للحظات، قلت لها: أين سالم؟ خفضت رأسها ولم تجب، ولم أسمع حينها سوى صوت ابني خالد الذي ما يزال يرن في أذني حتى هذه اللحظة، قال: أبي إن سالم راح عند الله في الجنة. لم تتمالك زوجتي الموقف، فأجهشت بالبكاء وخرجت من الغرفة، فعرفت بعدها أن سالماً أصابته حمى قبل موعد مجيئي بأسبوعين، فأخذته زوجتي إلى المستشفى ولازمته يومين، وبعد ذلك فارقته الحمى حين فارقت روحه الجسد، وأحسست أن ما حدث ابتلاء واختبار من الله ، أجل إنه اختبار وأي اختبار، فصبرت على مصابي وحمدت الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وما زلت أحس بيده تمسح دموعي، وذراعه تحيطني. كم حزنت على سالم الأعمى الأعرج، لم يكن أعمى أنا من كنت أعمى حين انسقت وراء رفقة السوء، ولم يكن سالم أعرج لأنه استطاع أن يسلك طريق الإيمان رغم كل شيء، لا زلت أتذكر كلماته وهو يقول: إن الله ذو رحمة واسعة، سالم الذي امتنعت يوماً عن حبه اكتشفت أني أحبه أكثر من إخوانه، بكيت كثيراً وما زلت حزيناً، كيف لا أحزن وقد كانت هدايتي على يديه! اللهم تقبل سالم في رحمتك، اللهم إنا نسألك الثبات حتى الممات.

стр. 432

باب التوبة مفتوح أبشر أيها التائب! أبشر أيها العائد! أبشر أيها المنضم! إلى قوافل العائدين، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وقال جلّ في علاه فاتحاً أبواب الرحمة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، وقال جلّ في علاه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، وقال أعز من قائل: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وقال أرحم الراحمين: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] وقال: (يابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة ولا أبالي). أبشر أيها التائب! أبشر أيها العائد! أبشر أيها المنضم! إلى قوافل العائدين، قال ﷺ : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). أبشر أيها التائب! فإن الله يفرح بتوبة التائبين، أنين المذنبين أحب إليه من سجع المسبحين. يروى أن رجلاً سأل ابن مسعود عن ذنب ألم به، هل من توبة؟ فأعرض عنه ابن مسعود ثم التفت إليه، فرأى عينيه تذرفان، فقال له: إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق إلا باب التوبة، فإن عليه ملكاً موكل به لا يغلق، فاعمل ولا تيأس ولا تقنط من رحمة الله. قال عبد الرحمن بن أبي قاسم: تذاكرنا مع عبد الرحمن توبة الكافر، وقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] فقال: إني لأرجو أن يكون المسلم عند الله أحسن حالاً من الكافر، ولقد بلغني أن توبة المسلم كإسلام بعد إسلام. يروى أنه كان في بني إسرائيل شاب عبد الله تعالى عشرين سنة، ثم عصى الله عشرين سنة، ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك، فقال: اللهم أطعتك عشرين سنة، ثم عصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فناداه منادي أرحم الراحمين أحببتنا فأحببناك، تركتنا فتركناك، عصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥]. اعلم أن الذي حال بين الناس وبين التوبة، والصدق في التوبة هو: طول الأمل، ومن أطال الأمل أساء العمل، قال الله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]، وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٦] وقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦]. اعلم أن مما يعينك على تعجيل التوبة والإسراع فيها والمبادرة إليها هو: ذكر الموت وساعاته، نعم إن الموت قريب، إن العمر مهما طال فهو قصير، والدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، فاختر لنفسك النهاية التي تتمناها. فلا إله إلا الله كيف سيكون حالي وحالك عندما يقال فلان ابن فلان قد دنا أجله وحانت ساعة الرحيل، فصاح بأعلى الصوت رباه ارجعون! رباه ارجعون! رباه ارجعون! وآخر: صاح بأعلى صوته: وا طرباه وا طرباه! غداً نلقى الأحبة، محمد وصحبه فاختر الحال التي تريدها رعاك الله! لما حضرت حسان بن أبي سنان الوفاة قيل له: كيف تجدك؟ قال: بخير إن نجوت من النار، قيل له: فما تشتهي؟ قال: ليلة طويلة أصليها كلها. ودخل المزني على الشافعي ﵀ في مرضه الذي مات فيه، فقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت عن الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، ولكأس المنية شارباً، وعلى ربي وارداً، ولا أدري روحي صارة إلى الحنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها، ثم أنشد: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة وتكرما فاعلم رعاك الله! أن الآمال تطوى، والأموال تفنى، والأبدان تحت التراب تبلى، واعلم رعاك الله! أن الأيام والليالي تبليان كل جديد، وتقربان كل بعيد، وتأتيان بكل موعود ووعيد، فانتبه رعاك الله! وانتبه من رفقة الهجوع، وافزع إلى الله بالتضرع والخشوع، وقل: آن الأوان للانضمام إلى قوافل العائدين. قالوا: من رزق أربعاً لم يحرم أربعاً: من رزق الدعاء لم يحرم الإجابة، وربكم يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. ومن رزق الاستغفار لم يحرم المغفرة، وربكم يقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠] ومن رزق الشكر لم يحرم المزيد، وربكم يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] ومن رزق التوبة لم يحرم القبول، وربكم يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى:٢٥]. وختاماً: اعلم أن الحياة بدون الله سراب، وأن القلب لا يصلح إلا بالله جلا وعلا، فإذا أقبل على الله تعالى اجتمع وانضم بعضه إلى بعض، ووجد نفسه وسلمت فطرته ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]. إلى كم تعصي وتتمرد وأقبح من قبيح كأنك تتعبد يا ناصع الثوب والقلب أسود ما هذا الأمل ولست بمخلد أما تخاف من أوعد وتهدد يا من شاب وما تاب أين البكا؟! أين الحذر من أليم العقاب، قل: ما أحلم الله ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني تمر ساعات أيامي بلا ندم ولا بكاء ولا خوف ولا حزن أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني يا زلة كتبت في غفلة ذهبت يا حسرة بقيت في القلب تحرقني دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتذكير والحزن دع عنك عذلي يا من كنت تعذلني لو كنت تدري ما بي كنت تعذرني دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهلا عسى عبرة منها تخلصني اكتب قصة الرجوع بقلم الندم والدموع، واسع بها على قدم الخضوع إلى باب الخشوع، وأتبعها بالعطش والجوع، واسئل الرحمة فرب سؤال مسموع، وقل ونادي في الأسحار والناس نيام يا أكرم من أمله المؤملون! يا رجاء الخائفين! يا أمل المذنبين! إن طردتني فإلى من أذهب؟ يا رحيم بمن عصاه! يا حليم على من تناساه! يا من شيمته الصفح! عصيتك جاهلاً يا ذا المعالي ففرج ما ترى من سوء حالي إلى من يهرب المخلوق إلا إلى مولاه يا مولى الموالي فالله در أقوام تركوا فأصابوا، وسمعوا منادي الله يدعوا فأجابوا، وحضروا مشاهد التقى فما غابوا، واعتذروا مع التحقيق ثم تابوا، ثم قصدوا باب مولاهم فما ردوا ولا خابوا. اللهم سر بنا في سرب النجاة، ووفقنا للتوبة والإنابة، وافتح لأدعيتنا الإجابة. يا من إذا سأله المضطر أجابه، اللهم تب علينا توبة نصوحة لا ننقض عهدها أبداً، واحفظنا بذلك لنكون بها من جملة السعداء. اللهم اقبل توبة التائبين، واغفر ذنب المذنبين، واقبل الشباب والشيب في قوافل العائدين. اللهم ألهمنا القيام بحقك، وبارك لنا في الحلال من رزقك، ولا تفضحنا بين خلقك، يا خير من دعاه داع! وأفضل من رجاه راج، يا قاضي الحاجات! يا رفيع الدرجات! يا مجيب الدعوات! يا رب الأرض والعرش والسماوات! هب لنا ما سألنك، وحقق رجاءنا في ما تمنيناه، يا من يملك حوائج السائلين! ويعلم ضمائر الصامتين، أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك يا أرحم الراحمين! اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه الأخيار، عدد ما طار طير وطار، وعدد ما استغفر المستغفرون في الأسحار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 433

لبيك اللهم لبيك حج بيت الله ركن من أركان الإسلام الخمسة، أوجبه الله على من استطاع إليه سبيلاً، وجعل بيته الحرام مهوى أفئدة المؤمنين أينما كانوا، لا يمل منه زائر، ولا يترك الشوق إليه مؤمن.

стр. 434

فضل بيت الله الحرام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. سبحان من جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمناً! يترددون إليه ويرجعون عنه ثم لا يرون أنهم قضوا منه وطراً، أضاف الله تعالى ذلك البيت إلى نفسه، ونسبه إليه بقوله لخليله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] فتعلقت قلوب المحبين ببيت محبوبهم، فكلما ذكر لهم ذلك البيت الحرام حنوا إليه، وكلما تذكروا بعدهم عنه أنوا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧]. بيت بنته يد التقوى وشيده أبو النبيين للأجيال يرفعه أمجاده في كتاب الدهر حافلة ثوب الجلال عليه الرب يخلعه تدرعت بسياج الدين حرمته والله من عبث الباغين يمنعه أولاه بالحج تشريفاً وتكرمةً حتى غدت موئل التقديس أربعه وكعبة الروح للتوحيد شاهدة كالشمس تسطع نوراً وهي منبعه بيت خلق من الحجر، وأضيف إلى الله فأصبح محط أفئدة البشر، بيت من ذكره نسي مزاره، وهجر دياره، بيت من صبر عنه فقلبه أقسى من الحجارة. حج قوم من العباد، فجعلت عابدة منهم تقول: أين بيت ربي؟ أين بيت ربي؟ فكانوا يصبرونها قائلين: الآن ترينه، فلما لاح البيت قالوا: هذا بيت ربك، فأسرعت مهرولة إلى البيت وهي تقول: بيت ربي! بيت ربي! حتى وضعت جبهتها على البيت باكية فما رفعت إلا وهي ميتة! قتلها شوقها إلى بيت ربها: الطائفون الراكعون لربهم خفقت قلوبهم وضج لسان تتزاحم الأقدام في ساحاته وترق بين ظلاله الأبدان وكيف لا يحبونه وهو بيت ربهم؟ وقد أخبر الله أن فيه آيات: كالحجر الأسود وما أدراك ما الحجر؟ إنه من الجنة، فكيف يكون في الأرض شيء من الجنة ثم لا نشتاق إليه؟! وكيف يكون في الأرض شيء من الجنة ثم لا نذرف الدموع عنده وحواليه. ! قال ﷺ : (الحجر الأسود من الجنة). وقال أيضاً بأبي هو وأمي: (إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطاً) وهو حديث صحيح. وعن ابن عمر ﵄ قال: (استقبل رسول الله ﷺ الحجر واستلمه، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، فالتفت فإذا عمر يبكي، فقال النبي ﷺ : يا عمر! ههنا تسكب العبرات)، وأقول أنا: هنيئاً للحجر تلك القبلات من أطهر فم وأغلى بشر، ثم قال ﷺ : (والله! ليبعثنه الله يوم القيامة - يعني: الحجر - له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استقبله بحق). فكم سكبت عند الحجر من عبرات؟! وكم رفعت عنده ومن حوله من طلبات ودعوات؟! وكم سمعت هناك من آهات وزفرات؟! وتتجلى صور التوحيد: يوم أن يقف الحاج خلف المقام بعد الطواف ليصلي ركعتين، فيقرأ في الركعة الأولى بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١ - ٢] فيعلن الموحد رفضه لأي عبودية سوى الله، ثم يجدد الولاء في الركعة الثانية فيقرأ بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والتي تتضمن التوحيد الخالص لله . إنه التوحيد: يوم أن يلقى الصفا قائلاً: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] ثم يردد في دعائه: الحمد لله وحده، أنجز وعده، وصدق عبده، وهزم الأحزاب وحده. إنه التوحيد: يوم أن يردد الحاج في يوم عرفة خير الدعاء. فمن مكة انطلق محمد ﷺ يدعو إلى التوحيد، ويضحي هو وأصحابه من أجل التوحيد، ومن هناك ومن تلك المشاعر والبقاع ودع محمد ﷺ أمته وهو يردد معهم: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

стр. 435

بيان بعض ما يتعلق بحجة الوداع وقد كانت حجة الوداع أول حجة حجها النبي ﷺ بعد هجرته وآخر حجة في حياته؛ ولذا سميت بحجة الوداع؛ لأنه ﷺ ودع فيها المسلمين وهو يقول لهم: (خذوا عني مناسككم) فهو سيد المرسلين ومعلم التوحيد الذي ورثه من الأنبياء قبله، ثم بين لهم الحقيقة التي لا بد منها وهي: أن مصير كل إنسان كائن من كان هو الموت، فقال لتلك الجموع التي التفت من حوله: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) أي: لعلي لا أحج معكم بعد عامي هذا. ثم ينزل عليه ﷺ في عشية عرفة قوله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فيبكي عمر ﵁ عند نزولها ويقول: وهل بعد التمام إلا النقصان؟! ثم في أواسط أيام التشريق ينزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه قوله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، وعندها يعلم العارفون من الصحابة أن منيته ﷺ قد اقتربت، وأن نفسه قد نعيت إليه، وأنه يودع أمته.

стр. 436

بعض الدروس المستفادة من حجة الوداع ولذلك أطلق النبي ﷺ للأمة في تلك الأيام وصايا وثوابت ومسلمات ليتنا تدارسناها من حين إلى حين، ومن تلك العبارات والكلمات: قوله ﷺ : (يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد). فأين الأمة اليوم من هذا الدرس العظيم، وقد تفرقت واختلفت بين قومية ووطنية؟! فقتلتها العصبية القبلية، والعادات الجاهلية؛ لأن التفاخر بالأنساب والألوان والأجناس باطل؛ فكلنا لآدم، وآدم من تراب، ألا تراهم في الحج بلباس واحد ونداء واحد؟! وقال: (أيها الناس! لا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض؛ فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده أبداً: كتاب الله وسنتي، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. يا أيها الناس! إن لنسائكم عليكم حقاً، ولكم عليهن حقاً، إنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيراً، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد). فأين دعاة التحرر والمطالبون بحقوق المرأة من هذه الكلمات والعبارات؟ أين أنت -يا أمة الله- حتى تعرفي قدرك وقيمتك في هذا الدين؟ فأنت عزيزة مكرمة. ودع نبي الأمة أمته في تلك المواقف والمشاعر بعد أن أوصى الحاضر بتبليغ الغائب، ودع الأمة وقد أتم الله به الدين وأقام به الملة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. نسينا في ودادكم كل غال فأنتم اليوم أغلى ما لدينا تسلى الناس في الدنيا وإنا لعمر الله بعدكم ما سلينا ولما نلقكم ولكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا

стр. 437

بعض الأحاديث المشوقة إلى حج بيت الله الحرام وسأسوق بعضاً من الأحاديث التي شوقنا بها النبي ﷺ إلى الحج إلى بيت الله الحرام فقال: (تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له). وقال ﷺ : (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه). ولما سألته عائشة قائلة: (نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال لها: لكن أفضل الجهاد حج مبرور). وقال ﷺ : (ثلاثة في ضمان الله أي: في حفظه ورعايته -: رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله - فأبشروا يا عمار المساجد -، ورجل خرج غازياً في سبيل الله - فأبشروا أيها المجاهدون -، ورجل خرج حاجاً) فأبشروا يا حجاج بيت الله! فلما سمع الصادقون هذه الأخبار والآثار انطلقوا ملبين مجيبين: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

стр. 438

من أخبار المشتاقين إلى بيت الله الحرام وإليك بعضاً من أخبار الملبين والمشتاقين: قال الجريري: (أحرم أنس بن مالك من ذات عرق، فما سمعناه متكلماً إلا بذكر الله ، فقيل له، فقال: يا ابن أخي! هذا هو الإحرام) فكيف لو رأى اشتغال الحجيج اليوم بالقيل والقال وكثرة السؤال، بل بالتدخين والغناء في أحب البقاع إلى الله؟! وحج مسروق فما نام إلا ساجداً. فلله درهم! عرفوا قيمة الزمان وحرمة المكان. ووقف مطرف بن الشخير وبكر بن عبد الله المزني في عرفات فقال أحدهما: ما أحلى هذا الجمع، لولا أني فيهم! وقال الآخر: اللهم لا تردهم من أجلي. رحم الله العابدين، فعلى كثرة علمهم وخوفهم وجهادهم كانوا لا يرون أنفسهم شيئاً. وفي زحام منى اصطدم رجل بـ سالم بن عبد الله بن عمر، فقال له الرجل: ما أراك إلا رجل سوء، فقال سالم: (والله! ما عرفني إلا أنت) فأين الذين يزكون أنفسهم؟! وهذا الأوزاعي الذي كان بعلم الله واعياً يقول عنه ضمرة بن ربيعة: حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومائة فما رأيته مضطجعاً في المحمل في ليل ولا نهار؛ بل كان يصلي فإذا غلبه النوم استند إلى القتب. وروى سليمان بن أيوب فقال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: شهدت ثمانين موقفاً في عرفة، وكان في كل موقف يقول: اللهم لا تجعل هذا آخر عهدي بك وببيتك، فوقف مرة ولم يقل ذلك، فقيل له: لمَ لم تقل؟ قال: استحييت من ربي، فمات من سنته. كرر علي حديثهم يا حادي فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي قال مالك: أحرم علي بن الحسين، فلما أراد أن يلبي قالها فأغمي عليه وسقط من ناقته وهشم رأسه. فلله درهم! كم امتلأت قلوبهم خشية ورهبة من ربهم، فلسان حالهم: إليك إلهي قد أتيت ملبياً فبارك إلهي حجتي ودعائيا قصدتك مضطراً وجئتك باكياً وحاشاك ربي أن ترد بكائيا كفاني فخراً أنني لك عابد فيا فرحي إن صرت عبداً مواليا أتيت بلا زاد وجودك مطعمي وما خاب من يهفو لجودك ساعيا إليك إلهي قد حضرت مؤملاً خلاص فؤادي من ذنوبي ملبيا ونقلت الأخبار عن الحافظ البرزالي صاحب التاريخ والمعجم الكبير: أنه كان إذا قرأ الحديث فمر به حديث ابن عباس في قصة الرجل الذي كان مع النبي ﷺ فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال النبي ﷺ : (لا تغطوا رأسه، وكفنوه بإحرامه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، أنه كان إذا قرأ هذا الحديث بكى بكاءً شديداً ورق قلبه، فمات ﵀ محرماً في مكة. روح دعاها للوصال حبيبها فسعت إليه تطيعه وتجيبه يا مدعي صدق المحبة هكذا فعل الحبيب إذا دعاه حبيبه وأقول: قولوا لمن لم يكن صادقاً: لا يتعنى ولا يتعب نفسه. ألف ابن القيم ﵀ كتابه: (مفتاح دار السعادة) بمكة، يقول في مقدمة الكتاب: وكان هذا من بعض النزول والتحف التي فتح الله بها علي حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقائي نفسي ببابه مسكيناً ذليلاً، وتعرضي لنفحاته في بيته وحوله بكرة وأصيلاً، فما خاب من أنزل به حوائجه، وعلق به آماله. إن الله تفضل عليكم في جمعكم هذا؛ فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، فادفعوا باسم الله مغفوراً لكم، فسبحان الله كم ترفع في ذلك اليوم من الدعوات! وكم ترفع فيه من الطلبات! وكم تغفر فيه من الذنوب والزلات، اللهم نحن عبيدك فأعتقنا من النار. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا رب أولى بذا كرماً فقد شبنا في الرق فأعتقنا من النار قال ابن المبارك: جئت إلى سفيان عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع؟ فقال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم. فما أعظم حسن ظنهم بربهم! وهو أرحم الراحمين. ووقف أحد الخائفين بعرفه فمنعه الحياء من الدعاء، فقيل له: لم لا تدعو؟ فسكت، فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب، فبسط يديه ووقع ميتاً. وكان أبو عبيدة الخواص إذا غلب عليه الشوق في ذلك الموقف قال: واشوقاه! إلى من يراني ولا أراه. فهنيئاً لمن رزقه الله الوقوف بعرفة بجوار قوم يجأرون إلى الله بقلوب محترقة ودموع منسكبة، فكم فيهم من خائف أزعجه الخوف وأقلقه! وكم فيهم من محب ألهبه الشوق وأحرقه! وكم فيهم من تائب نصح لله في التوبة وصدقه! وكم فيهم من هارب لجأ إلى باب الله وطرقه! وكم فيهم من مستوجب للنار أنقذه الله فأعتقه! وكم فيهم من أسير للأوزار فكه الله وأطلقه! وكم فيهم من راجٍ أحسن الظن بالله فوفقه! سبحان من لو سجدنا بالعيون له على حمى الشوك والمحمى من الإبر لم نبلغ العشر من معشار نعمته ولا العشير ولا عشراً من العشر هو الرفيع فلا الأبصار تدركه سبحانه من مليك نافذ القدر سبحان من هو أنسي إذ خلوت به في جوف ليلي وفي الظلماء والسحر فكم من ليلة باتوا فيها على الجوع حتى كادوا يهلكون! وكم من ليلة طاردتهم السباع في الغابات وفارقهم لذيذ المنام، وكم من ليلة أحاط بهم الخوف من كل مكان؛ فقطاع الطرق يعترضون المسافرين في كل وادٍ وفي كل مكان: رب ليل بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه يقول الحاج عثمان: توقفنا للمبيت ليلة قريباً من إحدى الغابات، فلدغتني حية فبدأ سمها يسري في جسمي، وأصابتني حمى شديدة وألم عظيم وحتى شممت رائحة الموت تسري في عروقي، فكان أصحابي يذهبون للعمل وكنت أمكث تحت ظل الشجرة إلى أن يأتوا آخر النهار، وكان الشيطان يوسوس لي: أما كان الأولى أن تبقى في أرضك بدل أن تكلف نفسك ما لا تطيق؟! ألم يفرض الله الحج على المستطيع فقط؟! قال: فأثرت هذه الوساوس في نفسي وبدأت أثقل وأضعف وكدت أرجع إلى أرضي وداري، فلما جاء أصحابي نظر أحدهم إلى وجهي وسألني عن حالي، فالتفت عنه ومسحت دمعة غلبتني، فكأنه أحس بما فيني فقال: قم فتوضأ وصل ولن تجد إلا خيراً بإذن الله؛ أما قال الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٥ - ٤٦]، قال: فقمت فتوضأت وصليت، فانشرح صدري وأذهب الله عني الحزن، يقول: كان الشوق للوصول إلى بيت الله الحرام قد ملأ قلوبنا، وخفف عنا آلام السفر ومشاق الطريق ومخاطره، وقد مات ثلاثة منا في الطريق وكان آخرهم لما ركبنا السفينة إلى جدة، قال لنا في وصيته: إذا وصلتما إلى المسجد الحرام فأخبرا الله تعالى أني مشتاق للقائه، واسألاه أن يجمعنا ووالدتي في الجنة مع النبي ﷺ . يقول الحاج عثمان: لما مات صاحبنا الثالث نزلني هم شديد وغم عظيم، وكان ذلك أشد ما لاقيت في رحلتي فقد كان أكثرنا صبراً وقوة، فخشيت أن أموت قبل أن أنعم بالوصول إلى المسجد الحرام، فكنت أحسب الأيام والساعات على أحر من الجمر. إذا برقت نحو الحجاز سحابة دعا الشوق مني برقها المتيامن فلما وصلنا إلى جدة مرضت مرضاً شديداً، وخشيت أن أموت قبل أصل إلى بيت الله الحرام، فأوصيت صاحبي إذا أنا مت أن يكفنني في إحرامي، وأن يقربني قدر المستطاع إلى مكة، عل الله أن يضاعف لي الأجر ويتقبلني في الصالحين. فيوشك أن يحول الموت بيني وبين جوار بيتك والطواف فكم من سائل لك ربي رغباً ورهباً بين منتعل وحافي أتاك الراغبون إليك شعثاً يسوقون المقلدة الصواف قال: فمكثنا في جدة أياماً حتى خف عني المرض، ثم واصلنا المسير على الأقدام، فكانت أنفاسي تتسارع والفرح يملأ وجهي، والشوق يهزني ويشدني إلى أن وصلنا إلى المسجد الحرام، فسكت الحاج عثمان وهو يكفف عبراته وهو يتذكر تلك الذكريات، ثم واصل الحديث قائلاً: أقسم بالله العظيم أني لم أر ولم أشعر بلذة في حياتي كتلك التي ملأت علي قلبي لما رأيت الكعبة المشرفة! يقول: فلما رأيت الكعبة سجدت لله شكراً، وأخذت أبكي من شدة الرهبة والهيبة كما يبكي الأطفال، فما أشرفه من بيت! وأعظمه من مكان! ثم تذكرت أصحابي الذين ماتوا في الطريق ولم يصلوا فأخذت أدعو لهم، وحمدت الله أن بلغني الوصول، وسألت الله ألا يحرمني ولا يحرمهم الأجر، وأن يجمعنا بهم في مقعد صدق عن مليك مقتدر. يقول: فمكثنا في مكة إلى موسم الحج، فحججنا ثم رجعنا إلى بلادنا بعد أن استمرت رحلتنا أكثر من سنتين، يقول: وها أنا الآن أقص لكم خبر تلك الرحلة التي مضى عليها أكثر من خمسين سنة، الله أكبر! فقد سمعوا منادي الله إذ يقول: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧]، وسمعوا منادي الله يناديهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] فخرجوا مسرعين وهم يرددون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. ناداهم مناد الله قائلاً: يا غافلاً عني! أنا الداعي، يا متخلفاً عن زيارتي! أنا ألقى الطائف والساعي، يا مشغولاً عن قصدي لو عرفت اطلاعي، أنا أقمت خليلي يدعو إلى سبيلي: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] أما والذي حج المحبون بيته ولبوا له عند المهل وأحرموا وقد كشفوا تلك الرءوس تواضعاً لعزة من تعنوا الوجوه وتسلم يهلون بالبيداء لبيك ربنا لك الملك والحمد الذي أنت تعلم دعاهم فلبوه رضاً ومحبةً فلما دعوه كان أقرب منهم تراهم على الرمضاء شعثاً رءوسهم وغبراً وهم فيها أسر وأنعم وقد فارقوا الأوطان والأهل رغبة ولم يثنهم لذاتهم والتنعم يسيرون من أقطارها وفجاجها رجالاً وركباناً ولله أسلموا

стр. 439

أهمية المسارعة إلى حج بيت الله الحرام نقرأ ونسمع عن أولئك الذين بذلوا كل غالٍ ونفيس للوصول إلى بيت الحرام، ثم نرى من حال كثير من المسلمين اليوم ممن تحققت فيهم الشروط الشرعية الموجبة لحج بيت الله الحرام، ومع ذلك فهم يسوفون ويتباطئون، أفلا يتذكرون قول النبي ﷺ : (من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة). أتدرون من المحروم؟ إن المحروم هو من جاء وصفه في حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (إن الله يقول: إن عبداً صححت له جسمه، وأوسعت عليه في المعيشة، يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم) وتأمل في قوله: (لا يفد إلي) فلم يقل: إلى بيتي؛ لأن الحج هو الرحلة إلى الله، فكيف لا يكون محروماً من لا يرحل إلى الله: لبيك قد لبيت لك لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك ما خاب عبد سألك لبيك إن الحمد لك لولاك يا رب هلك لبيك إن الحمد لك اللهم! هاهم ضيوفك بين يديك وفدوا إليك شعثاً غبراً، وقفوا وقوف الراجين، ونفروا نفور المؤملين، وباتوا مبيت الخاشعين، وضحوا تضحية الشاكرين، ورموا رمي المعاهدين، وتحللوا تحلل المبتهجين، وطافوا طواف المودعين، فتقبل منهم ربنا، فأنت وحدك الغفور البر الرحيم. اللهم اجعل حجنا وحجهم مبروراً، وسعينا وسعيهم مشكوراً، وذنبنا وذنبهم مغفوراً. اللهم من أرادوا الحج فيسر لهم السبل يا رب العالمين! ومن حرم ذلك فاكتب له الأجر يا بر! يا رحيم! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا يا بر! يا رحيم! اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا! من الراشدين. اللهم اجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء دينك، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، اللهم صن أعراضهم، واحقن دماءهم، وفك أسرانا وأسراهم، وثبت حجتهم يا رب العالمين! اللهم اكبت عدوك وعدوهم؛ فإنهم لا يعجزونك يا قوي! يا عزيز! ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 440

لم يتجاوز عددهم العشرين الصلاة هي الركن الأعظم من أركان الإسلام، أمر الله بها النبيين والمرسلين وأتباعهم، فمن حافظ عليها فقد فاز بنعمة من الله ورضوان وهدي إلى سبيل الرشاد، ومن ضيعها خسر الدنيا والآخرة ومأواه جهنم ولبئس المهاد. ولكن المؤسف اليوم أن كثيراً من أبناء الأمة ضيعوا الصلاة وتهاونوا فيها، فكيف ترجو أمة النصر وهذا حالها؟ فالنصر لا يأتي إلا لمن تمسك بدين الله وأقام شرائعه وأدى فرائضه.

стр. 441

العلاج الحقيقي لمشاكلنا إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة! جاءني أحد الشباب منذ فترة وبدأ يعرض عليّ مشاكله وهي من أكثر مشاكل الشباب، فقال: أشكو من كثرة الهموم والغموم، ومن قلة التوفيق في كل شأن من شئون حياتي، فما طرقت باباً إلا وجدته مؤصداً مغلقاً، وما أقدمت على مشروع إلا باء بالفشل، وزيادة على هذا هناك وجع يلازمني في بطني، وقد عرضت نفسي على الأطباء، وتنقلت من مكان إلى مكان طلباً للعلاج فلم أجده، فقلت له مستعيناً بالله: إن المريض إذا مرض يذهب إلى الطبيب، والطبيب ينظر في أعراض المرض، ثم يبدأ بتشخيص المرض، فإذا اكتشف المرض نصح بالدواء، والمطلوب من المريض حين يُعطى الدواء أن يحافظ عليه بكميته المحددة وفي وقته المحدد. وقلت له أيضاً: إن المطلوب منك أن تحافظ على الدواء، فقال: لا توص حريصاً، فلقد تعبت وأنا أبحث عن العلاج والدواء، فهمومي كثيرة، ومشاكلي كثيرة، وآلامي التي أقضت مضجعي -فلا أهنأ بطعام ولا بشراب ولا بمنام- كثيرة، فقلت له: إن العلاج موجود، ولكن المطلوب منك أن تحافظ على العلاج وتداوم عليه، قال: وما هو؟ فقلت: خمس صلوات في اليوم والليلة، من أداهن حيث ينادى بهن - أي: في المساجد - كن له نوراً وضياءً وبرهاناً يوم القيامة، ومن ضيعهن ضيعه الله يوم القيامة، قال : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] وأي هدىً أعظم من المحافظة على الصلوات! ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. فهذا هو العلاج الحقيقي لذلك الشاب، وعلاج مشاكل كل واحد منا: أن يطرق باب الطبيب خمس مرات، وأن يرتمي بين يديه فيرفع إليه الحاجات والمسائل، وأن يبتهل إليه بالدعاء والتضرع، فوالله! لن تحل مشاكلنا ولن تكشف همومنا ولن تتبدل أحوالنا إلا إذا استقمنا في الصلوات؛ فإن حالنا للأسف مع الصلوات يبكي العين، ويدمي القلب، ويقطع الجبين.

стр. 442

أقسام المسلمين مع الصلاة إنقسم المسلمون مع صلاتهم إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يصلي ولا يركع ولا يسجد لا بليل ولا نهار، وأسماؤهم: عبد الله وعبد الرحمن، وكذبوا والله! إذ لو كانوا عبيداً لله لما خالفوا أوامر الله، قال : ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]، ووالله! إنا لنعرف كثيراً ممن منَّ الله عليهم بالاستقامة والهداية، فسألناهم عن أحوالهم في الصلوات، فكثير منهم يقول: مرت علي سنوات لم أسجد فيها ولم أركع، سنوات لم يسجدوا لله فيها ولم يركعوا! فأي حياة هذه؟! والله! لن يستقيم حال الإنسان إلا إذا استقام على صلاته، ووالله! إنك يا عبد الله! لن تتقرب إلى الله بقربة أعظم من المحافظة على الصلوات، قال ﷺ : (سددوا وقاربوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) فوالله! لن ينفعك صوم ولا حج ولا زكاة ولا أي نوع من الأعمال إلا إذا صلح أمر الصلاة، فإن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة عن صلاته: إن استقامت وصلحت نظر الله في باقي الأعمال، وإلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. وهناك قسم: لا يركع ولا يسجد وهم كثير، وقد امتلأت بهم البيوت وانتشروا في الطرقات، وتراهم في المجمعات -في أوقات الصلوات- يغدون ويروحون وكأن الأمر لا يعنيهم! وقسم آخر: وهم أيضاً كثير، يقدمون ويؤخرون، وينامون ويتكاسلون، ويلعبون ويلهون، إن استيقظ أحدهم من نومه صلى، إن انتهى من لعبه صلى، وإن انتهى من أكله وشربه صلى، وتناسوا أن الله قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]، وتناسوا أيضاً قول الله تعالى: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩]، وتناسوا قوله أيضاً: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]. ولو أنك يا عبد الله، موظف في شركة من الشركات أو مؤسسة من المؤسسات، ودوامها يبدأ من الساعة السابعة صباحاً، فأتيت اليوم الأول بعد عشرين دقيقة من مرور الوقت واستقبلك الرئيس، فإنه سيغض الطرف عنك، فإن جئتهم في اليوم الثاني كذلك فسيخاطبك ويقول لك: إن نظام المؤسسة ودوامها يبدأ من الساعة السابعة لا من السابعة والنصف، ثم إن تكرر منك التأخر ستعطى إنذاراً شفهياً أو خطياً، فإذا تكرر منك التخلف والتأخر فلا مكان لك في تلك المؤسسة، فهذه مؤسسة وشركة من الشركات، فكيف بالذين يتأخرون عن طاعة رب الأرض والسماوات مرات ومرات! قال ﷺ : (ولا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله). إذاً فالناس في الصلاة على أقسام: قسم لا يركع ولا يسجد، وقسم يقدم ويؤخر، ويتهاون ويتكاسل وهم كثير، ولا ينطلقون إلى المساجد إلا إذا سمعوا الإقامة أو مضى من الصلاة ركعة أو ركعتين، وتناسوا أن الله قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]. وقسم ثالث: وهم قلة قليلة -وأنا أعني ما أقول- مقارنة بتعداد هذه الأمة، أمة المليار أو يزيد، فإن أردت أن تشهد هذه القلة فاشهدها في صلاة الفجر، فإنك سترى العجب العجاب، وستعرف أن آلافاً مؤلفة بل ملايين تغط في سبات عميق، وقلة قليلة هي التي انتصرت على فرشها وشهواتها وانطلقت تجيب منادي الله، وحين ينطلق أذان الفجر فاخرج إلى الشارع، حتى تعرف مقدار المأساة؛ فإنك لا تكاد ترى سيارة تتحرك، ولا تكاد ترى إنساناً يسير، ولا تكاد تسمع أصواتاً في البيوت، ثم ادخل إلى المسجد فسترى آباءً وكباراً في السن، وقلة قليلة من الشباب الذين هداهم الله، والبقية الباقية تغط في سبات عميق! ثم اخرج بعد صلاة الفجر بساعة، وانظر إلى الناس وقد ملئوا الطرقات والتقاطعات، وانتشروا في مناكب الأرض يطلبون الدنيا، ولا كأن الله قبلها بساعة ناداهم مناديه: الصلاة خير من النوم! وواقع حال كثير من الناس يقول: النوم خير من الصلاة! فأسألك بالله العظيم هل صليت الفجر اليوم في صفوف المصلين أم اتصفت بصفات المنافقين؟ وأليس أثقل الصلوات عليهم صلاة الفجر وصلاة العشاء؟ وأليست طائفة من هذه الأمة قد اتصفت بالنفاق في مشارق الأرض ومغاربها؟ فهل تريد أن تعرف مقدار المأساة؟ اسمع بارك الله فيك!

стр. 443

الصلاة نور وعلاج للهموم والغموم إن الصلاة نور، وأنت لن تستطيع أن تسير في الظلمات، وكثير يتخبطون ويشكون من الهموم والغموم، ومآسي الشباب في كل مكان كثيرة، وعلاجهم: ادخلوا بيوت الرحمن، وانضبطوا في صفوف المصلين. وقد التقيت بثلاثة من الشباب على إحدى الطرق الشمالية في ساعة متأخرة من الليل، فتوقفت وركب الثلاثة، وقلت: أين تريدون؟ قالوا: نريد الدمام، ودار بيني وبينهم هذا الحديث: قلت: ماذا تريدون من هناك؟ قالوا: نبحث عن وظائف. ولا عيب أن الإنسان يسعى في طلب الرزق، لكن العيب كل العيب أن تخرجنا الدنيا ولا نخرج لأوامر الله جل في علاه، نخرج لقضاء حوائجنا ولأكلنا وشربنا ومنادي الله ينادينا: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ثم نتهاون في الاستجابة لنداء الله!! فقلت لهم: ما هي الشهادات والمؤهلات التي تحملونها؟ فقال الذي بجواري: أنا عندي شهادة ثاني متوسط، وقال الذي خلفه: أنا عندي أول متوسط، وقال الثالث: أنا لم أكمل السنة الخامسة الابتدائية. فقلت: ما شاء الله على هذه المؤهلات، لكن ليست هي المؤهلات للحصول على الرزق، فإن الأمر لله من قبل ومن بعد، قال : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢] فنحن نعرف أصحاب شهادات عالية لم يجدوا وظائف ولا مرتبات، ونعرف من لا يقرأ ولا يكتب أنعم الله عليه وصب عليه من البركات، والسر: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢]. وقد جاء أحدهم إلى أحد الصالحين يشكو ارتفاع الأسعار ويقول: غلت الأسعار، وارتفعت الأثمان للمطاعم والمشارب، وهكذا هو حالنا: نتأثر بارتفاع الأسعار يمنة ويسرة، ولا نتأثر بأحوال المسلمين! ونخاف على ما يسد جوعنا ويملأ بطوننا، ولا نخاف من تقرير مصيرنا إما إلى جنة وإما إلى نار! فقال الصالح: والله! ما أبالي لو أن حبة الشعير بدينار؛ علي أن أعبده كما أمرني وعليه أن يرزقني كما وعدني: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]. ثم قلت لهم: هذه هي الشهادات والمؤهلات! اصدقوني كيف أنتم مع صلواتكم؟ فقال الذي بجواري: أقول لك الصدق أم أكذب عليك؟ فقلت: إن كذبت أنت تكذب على نفسك، ولا يضرني كذبك: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨]. فقال: أنا لا أصلي! قلت: كافر. قال: لا. قلت: بلى، فالنبي ﷺ يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) فكم هناك من الكفار من أبناء المسلمين الذين لا يركعون ولا يسجدون؟! وحدث ولا حرج. ثم قلت للثاني: وأنت؟! فقال: أنا خير منه. قلت: وكيف؟ قال: أنا أصلي من الجمعة إلى الجمعة! قلت: وأنت مثله. ثم قلت للثالث: وأنت؟! قال: أنا أفضل منهما. قلت: كيف؟ قال: أنا أصلي في اليوم صلاتين! فقلت: هذا دين جديد: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] وهذا هو الواقع، شئنا أم أبينا، فطلابنا لا يصلون، بل جاءني سؤال من الطلاب يقول فيه: ما حكم الذي يصلي بدون وضوء؟! قلت: هذا كفر ومن نواقض الإسلام؛ لأنه استهزاء بالدين، فهل يخفى عليه أو على كثير من أمثاله أنه لا صلاة لمن لا طهور له؟! وهل يخفى عليه أن عمود الدين هي الصلاة؟!

стр. 444

واقع كثير من بناتنا اليوم مع الصلاة سبق أن ذكرنا واقع الأولاد مع الصلاة، واسمع إلى واقع البنات بارك الله فيك: تقول إحدى قريباتي التي تعمل مدرسة في إحدى المدارس: خرجت من غرفة المدرسات فإذا بطالبتين بجانب الغرفة تتبادلان الحديث، فإذا إحداهما تقول للأخرى: لماذا لا تصلين معنا في المصلى؟ قالت: أنا حتى في البيت لا أصلي! وأهلي كذلك لا يصلون! ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين:٤]. والله! لو أن القلوب سليمة لتقطعت ألماً من الحرمان ولكنها سكرى بحب حياتها الدنيا وسوف تفيق بعد زمان فقل لي بربك متى ستنضم إلى صفوف المصلين؟ ومتى ستكون من الذين هم على صلاتهم دائمون؟ ومتى ستكون من الذين هم على صلاتهم يحافظون؟ ومتى ستستقيم وتعلم أن أعظم أمور الدين بعد توحيد الله المحافظة على الصلوات والمسارعة إلى المساجد والمحافظة على تكبيرات الإحرام؟ نفعنا الله بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 445

المحافظة على الصلاة من صفات المتقين الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن من صفات المتقين: أنهم على صلاتهم يحافظون، واعلم أنك لن تستطيع أن تواجه متقلبات الحياة إلا إذا انضممت واستقمت في صفوف المصلين، قال الله جل في علاه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٢]، أي المصلين؟ هل هم الذين يصلون من الجمعة إلى الجمعة، أو هم الذين يصلون في اليوم صلاتين، أو هم الذين يقدمون ويؤخرون؟ الجواب كلا، بل هم: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣]. ثم أثمرت صلواتهم خشية وأخلاقاً في حياتهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج:٢٧ - ٢٨] فمن أين أتت الخشية؟ أتت من المحافظة على الصلوات: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج:٣٢] فكيف أدوا الأمانات وحفظوا الحقوق؟ أدوها عندما حافظوا على الصلوات، وكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج:٢٩ - ٣٠]، وحصنوا الفروج وغضوا الأبصار لأنهم من: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣] فإذا حصلت المداومة والمحافظة فإن النتيجة هي: ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٥].

стр. 446

الصلاة من أعظم القربات فوالله! لن تتقرب إلى الله بقربة أعظم من المحافظة على الصلوات، يقول أنس ﵁: (بينما كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ دخل علينا رجل لا نعرفه، قال: أين هو ابن عبد المطلب؟ قلنا: ذلك الأبيض الأمهق) -أي: أنه ﷺ أبيض مشرب بحمرة، إذا تبسم كأن وجهه فلقة القمر- قال: (فجاءه وقال: يا ابن عبد المطلب! إني سائلك ومشدد عليك السؤال، وكان متكئاً فجلس، قال: يا محمد! من الذي رفع السماء؟ قال: الله، قال: يا محمد! ومن الذي بسط الأرض؟ قال: الله، قال: ومن الذي نصب الجبال يا محمد؟ قال: الله، قال: أسألك بالذي رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ فاحمر وجهه ﷺ وقال: اللهم نعم، قال: أسألك بالذي رفع وبسط ونصب وأرسلك إلينا رسولاً، آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، قال: آلله أمرك أن تأمرنا بالصيام؟ قال: اللهم نعم، قال: آلله أمرك أن تأمرنا بأداء الزكاة؟ قال: اللهم نعم، قال: آلله أمرك أن تأمرنا بحج بيت الله الحرام؟ قال: اللهم نعم، قال: والذي بعثك بالحق! والذي رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، وأرسلك إلينا رسولاً! لأحافظن على الصلاة، ولأصومن رمضان، وأعطي الزكاة، وأحج البيت، ولا أزيد على ذلك، فلما انطلق قال النبي ﷺ : إن صدق دخل الجنة). أي: إن صدق فيما قال، وحافظ على الصلوات، وصام رمضان، وأدى الزكاة، وحج بيت الله الحرام دخل الجنة. فتأمل بارك الله فيك، وتأمل رعاك الله! أن الزكاة قد تسقط في بعض الأحوال؛ وذلك في حالة عدم ما يستوجب الزكاة، ويسقط الصيام بالأعذار، كما قال : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، والحج يكون على من استطاع إليه سبيلاً، لكن قل لي بالله العظيم: هل تسقط الصلاة في أي حال من الأحوال؟! الجواب لا، وعلى هذا فمن حافظ على صلاته دخل الجنة، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (كان حقاً على الله لمن لقيه وهو يحافظ على هذه الصلوات أن يدخله الجنة) أي: حق على الله لمن لقيه وهو محافظ على هذه الصلوات أن يدخله الجنة، قال أبو ذر: (وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق، فأعادها في الثالثة، فقال ﷺ : على رغم أنف أبي ذر). فهذه خمس صلوات، من أداهن حيث ينادى بهن كن له نوراً وضياءً وبرهاناً يوم القيامة، ومن ضيعهن فلا يلومن إلا نفسه.

стр. 447

خطر ترك الصلاة والتهاون بها إن هذا الحديث خطير، والقضية مهمة؛ فأبناؤنا يموتون على غير صلوات، بل حتى الشيب تهاونوا في أدائها، بل لقد مات رجل في السبعين من عمره منذ فترة ماضية فسألوني: هل نصلي عليه أم لا؟ فقلت: ولماذا لا تصلون عليه؟ قالوا: ما سجد لله سجدة من قبل!! ومات أحد الشباب في مقتبل العمر فلما بدءوا بتغسيله انقلبت بشرته من البياض الشديد إلى السواد الشديد، فخاف المغسلون وخرجوا من مكان التغسيل، فإذا بالأب في خارج المغتسل يدخن، فقالوا: هل الميت ميتكم؟! قال: نعم، قالوا: ما خبر هذا؟ قال الأب: لم يكن من المصلين, فقالوا: خذوه أنتم وغسلوه وكفنوه، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:٣٣]. والعكس بالعكس: فقد مات أحد الأخيار في مقتبل العمر، وهو من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ومن المسابقين إلى الصفوف الأولى، وما تخلف عن الفجر يوماً، وهو ممن يدعو ويعظ بالموعظة والذكرى الحسنة. يقول أحد مشايخنا: أنا كنت ممن غسله وكفنه، فلما بدأنا بتغسيله وبدأنا بإعداد المسك والكافور، قال: والله الذي لا إله إلا هو! لقد فاحت رائحة المسك منه قبل أن نضع المسك عليه، فقلت لصاحبي: هل تشم؟ قال: هذا فضل الله يؤتيه من يشاء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا﴾ [فصلت:٣٠]، ويقول شيخنا: فلما كفناه وذهبنا به إلى المقبرة، وكنت ممن أنزله في قبره، يقول: والله الذي لا إله إلا هو! إننا عندما أنزلناه إنه لما أنزلوه أخذ من بين أيدينا، وحمل من بين أيدينا والله! ما حملناه، ثم وسد في التراب والله! ما وسدناه، ثم وجه إلى القبلة والله! ما وجهناه، ثم كشفت عن وجهه فإذا هو يضحك، يقول الشيخ: والله! لولا أني أنا الذي غسلته وكفنته ما كنت أظن أنه قد مات. فاتقوا الله عباد الله! وحافظوا على أوامره، وانتهوا عن الفواحش والمنكرات، واعلموا أن المحافظة على الصلوات ضمان بخاتمة حسنة، قال ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله) أي: في حفظ الله ورعايته. وقال بعض أهل العلم: معناه: أنه إذا مات من يومه دخل الجنة، ثم ليعلم المسلم أنه مسئول عن أهل بيته، قال ﷺ : (مرو أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر). فاصنعوا لنا أبطالاً، واصنعوا لنا رجالاً، واصنعوا لنا أمهات عابدات. لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح وصناعة الأبطال علم علمه أولو الصلاح من لم يلقن أصله من أهله فقد النجاح لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم اجعلنا من الذين هم على صلاتهم دائمون، ومن الذين هم على صلاتهم يحافظون، ومن الذين هم في صلاتهم خاشعون، اللهم اجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم اصلح لنا الشباب والشيب، واحفظ نساءنا وأطفالنا يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اجعلنا من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون فيك لومة لائم يا رب العالمين. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 448

لنا في غزوة مؤتة عبر غزوة مؤتة من أعظم الغزوات التي هدد بها المسلمون كيان الدولة الرومانية وحلفاءها من العرب المتنصرة. أظهر المسلمون فيها قوة ورباطة جأش، رغم قلتهم مقابل أعداد العدو الهائلة والكبيرة جداً، وقد أظهر قادة الجيش الثلاثة الذين عينهم رسول الله شجاعة عظيمة حتى استشهدوا ﵃. ثم تمكن خالد بن الوليد بعد أن حمل اللواء من زرع الخوف في قلوب الأعداء، ثم انسحب بالجيش انسحاباً حكيماً بعد أن ألحق بالعدو خسائر كبيرة في الأرواح والأموال، وعادوا إلى المدينة كراراً لا فراراً.

стр. 449

سبب غزوة مؤتة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! انبثق نور الإسلام من مكة ليحطم الجاهلية بكل ما فيها إلا ما وافق الإسلام، وقام محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه بحمل راية الدعوة والجهاد، والتف حوله الرجال يفدون دينهم بكل غال ونفيس، وما هي إلا سنوات قليلة مليئة بالصبر والتضحيات إلا والإسلام قد ضرب أطنابه هنا وهناك، وانتشر أبطال الإسلام يبلغون دعوة الله رافعين شعار لا إله إلا الله، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ فدانت لهم الأرض، ونشروا العدل والمساواة، وقدموا من أجل ذلك التضحيات، وسطروا البطولات، كانوا كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ثم تبدل الحال وتفكك البنيان، وركنت الأمة للدعة والشهوات، وضيعت أوقاتها بل أعمارها أمام الشاشات والقنوات، ومع نهاية هذا العام وبداية آخر أردت أن أرفع الهمم، وأذكر الأحفاد بما صنع الأجداد، أردت أن أذكر مع بداية العام الجديد بماضينا المجيد، فهيا معاً نفتح صفحات التاريخ؛ لنرى ماذا صنع الرجال؟ روى الواقدي بسنده عن عمر بن الحكم قال: بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال له أين تريد؟ فقال له: إنه يريد الشام، فقال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، أنا رسول رسول الله ﷺ ، فأمر به فأوثقه، ثم قدمه فضرب عنقه، مخالفاً بذلك كل الأعراف والقوانين؛ لأن الرسل لا تقتل، فلما بلغ الخبر النبي ﷺ اشتد ذلك عليه، وزاد الأمر عندما قامت مجموعة من العرب المتنصرة بقتل بعثة سنية دخلت أرض الشام تدعو العرب إلى الإسلام، فقتلوا جميع أفراد البعثة غدراً وعدواناً، وكان عددهم أربعة عشر رجلاً، فرأى النبي ﷺ أنه لابد من تأديب هؤلاء الغادرين ليعلموا أن لهذا الدين رجالاً يذودون عنه وعن أعراضهم، فاستنفر القائد الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه ثلاثة آلاف من خيرة أصحابه، وعين ثلاثة يتولون قيادة الجيش بالترتيب، وهم: زيد بن حارثة ثم جعفر ثم عبد الله بن رواحة، فخرج الجيش لتأديب أعداء الله، وليعلم أولئك المعتدون أن للإسلام رجالاً يدافعون عن دينهم وأعراضهم.

стр. 450

ثلاثة آلاف في مواجهة مائتي ألف ودع المسلمون جيشهم وهم يدعون لهم قائلين: دفع الله عنكم، وردكم صالحين غانمين، خرج الجيش بسرية وكتمان، ولكن الطابور الخامس من اليهود والمنافقين أرسلوا الأخبار إلى إخوانهم في الكفر والنفاق بخروج جيش المسلمين، فحشدوا مائة ألف من مرتزقة العرب المتنصرة، ومائة ألف من الرومان. لك أن تتخيل ثلاثة آلاف من الرجال يواجهون مائتي ألف من الكفار. إن اشتباك ثلاثة آلاف في معركة حاسمة مع مائتي ألف يمثل أعظم مخاطرة ومغامرة في تاريخ الحروب. فتشاور الرجال قبل لقاء العدو، وكان القرار هو مواجهة الأعداء مهما كانت النتائج، فكلا الأمرين: النصر أو الشهادة يمثل فوزاً للمسلم المجاهد في سبيل الله، أما التراجع دون لقاء العدو فليس من شيم الأبطال، أو الرجال، ولا مجال للتراجع عند طلاب الجنان، ولسان حالهم: سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا قال عبد الله بن رواحة مشجعاً الناس وداعياً إلى عدم التردد في القتال: يا قوم! إن الذي تكرهون هو الذي من أجله خرجتم، إما النصر وإما الشهادة، ونحن لا نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، لا نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أعزنا وأكرمنا الله به، والله! لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، ويوم أحد فرس واحد، فانطلقوا بنا فإنما هي إحدى الحسنين، إما ظفر عليهم فذلك الذي وعدنا نبينا وليس لوعده خلف، وإما الشهادة فلنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان. فأثرت تلك الكلمات البليغة في نفوس الجيش، واشتاقت القلوب والأرواح لجنة الرحمن، وانطلقوا وهم يرددون: أرواحنا يارب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا وعلى أرض مؤتة في بلاد الشام التقى الجيشان، فريق مسلم لا يتجاوز الثلاثة آلاف وفريق كافر تعداده أكثر من مائتي ألف من الكفار. وضع قادة الجيش في حسابهم أن الجيش الروماني قد يلجأ إلى أسلوب التطويق فعددهم يسمح بذلك، فحينها إما أن يباد الجيش عن بكرة أبيه وإما أن يجبروا على الاستسلام. في حساب المقاييس الحربية العادية ليس من الصعب على مائتي ألف مقاتل مجهزين أحسن تجهيز، ومسلحين بأحسن سلاح أن يقوموا بتطويق ثلاثة آلاف وإبادتهم عن آخرهم، ولن يستغرق ذلك إلا ساعات معدودات.

стр. 451

إقدام الجيش الإسلامي على أكبر مغامرة حربية عرفها التاريخ تأمل -رعاك الله- عدد وعدة الجيش الكافر فمعهم خمسون ألف فارس، يتبعهم مائة وخمسون ألف مقاتل من المشاة، يتسربلون بأحسن الدروع، ويلبسون أحسن الخوذات، فمن أجل ذلك ومراعاة لكل الاعتبارات انحاز زيد ﵁ بجيشه الصغير إلى قرية يقال لها: مؤتة، وعسكر فيها ليجنب جيشه الصغير خطر التطويق والإبادة، فتحصن المسلمون في قرية مؤتة، وقام زيد بتعبئة الجيش وتقسيمه. وأخذت جيوش الرومان والعرب المتنصرة تتدفق على مؤتة في زهو وخيلاء وغرور كأنها أمواج بحر متلاطم، وجيش المسلمين الصغير المرابط في مؤتة كأنه جزيرة صغيرة مهددة بالغرق، وكانت الحالة بالنسبة للمسلمين حالة مخيفة مفزعة تثير الخوف والرعب، وتزيغ منها العقول والأبصار. ومن أبو هريرة ﵁ ممن حضر معركة مؤتة، فعبر عن هذه الحقيقة المفزعة وهذا الموقف الحرج بقوله: فرأى المسلمون المشركين ومعهم ما لا قبل لهم به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، وقد شهدت ذلك فبرق بصري، وخشع سمعي، فقال ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة! مالك كأنك ترى جموعاً كثيرة؟ قلت: نعم، ما رأيت مثل هذه الجموع من قبل، قال ثابت: لم تشهدنا يوم بدر، إننا لم ننصر من كثرة. ولا لوم على أبي هريرة لأنه بشر، ولقد كان على كل جندي مسلم أن يقاتل في مؤتة سبعين من جنود الجيش الروماني، فما بالكم برجل مقابل سبعين؟ أسألك بالله العظيم! أما كان بوسعهم الرجوع دونما قتال بعدما علموا بجموع الرومان؟ نعم، لكن طلاب الجنان لا يتراجعون فإما نصر وإما شهادة، لقد أقدم الجيش الإسلامي الصغير في مؤتة على أكبر مغامرة حربية عرفها التاريخ دونما جدال. ففي القوانين والأعراف العسكرية بين الأمم الأخرى يعتبر ما أقدم عليه قادة جيش المسلمين في ذلك اليوم ضرباً من الانتحار، وتعاقب عليه القوانين العسكرية، أما عند طلاب الجنان فالحال يختلف، فالموت في سبيل الله غاية ما يتمنى المسلم الصادق، فقد اشترى الله منهم الأنفس والأموال، وقد باعوها على أن يكون الثمن الجنة، فبهذه الروح ومن هذا المنطلق ثبت المسلمون بجيشهم الصغير، إنها مغامرة عظيمة لم يشهد التاريخ مثلها! لقد كانت نتيجة المعركة مضمونة للرومان، وهي: النصر الساحق بإبادة الجيش المسلم إبادة كاملة، وذلك حسب المقاييس والمفاهيم العسكرية العادية، لكن الإيمان صنع عجباً عجاباً! فتدفقت كتائب الرومان بحديدها وفرسانها كأمواج البحر الهادر، فصمد أمامها المسلمون وعددهم لا يتجاوز الثلاثة آلاف، وأكثرهم بلا دروع!

стр. 452

الإيمان يحول دون الهزائم المتوقعة إن الإيمان وصحة العقيدة والاستبسال في سبيل الله يعكس المفاهيم، ويقلب المقاييس، ويكسر القيود والأغلال، وكثرة العدد، ووفرة السلاح، والتكنولوجيا العسكرية ليست هي التي تصنع النصر المؤزر والساحق، وإن عدم توافر كل ذلك ليس هو الذي يصنع الهزائم. اسمع رعاك الله! إن الذي يصنع النصر حقيقة ويصنع الصمود الذي يحول دون الهزائم الماحقة هو الإيمان والثقة بالله جل في علاه، والاعتماد على الله، وتشرب القلوب عقيدة القرآن المشرقة لا عقيدة ماركس ولينين المظلمة. استمرت المعركة سبعة أيام وكانوا يتوقعون أنها ستستمر ساعات، ولم يتوقع الرومان أن المعركة ستكون على هذا المستوى من الصمود والثبات والشراسة والضراوة! ثبت المسلمون على مشارف مؤتة، بل قاموا بهجوم معاكس أتوا فيه بالعجائب، وصرعوا عدة مئات من أفراد الجيش الروماني وأتباعه، بعد أن صعقوهم بالهجمات، وأثخنوا فيهم الجراح، بل بدأت جموع الرومان مع كثرتها تركن إلى الفرار والهروب من أرض المعركة لهول ما رأوا من القلة المسلمة، وحاولوا اقتحام مواقع المسلمين لتطويقهم فما استطاعوا! إن أي عاقل وأي منصف سيدرك ذلك المستوى الرفيع من الشجاعة والبطولة والتضحية والفداء والإيمان العميق الذي كان عليه المسلمون، خاصة عندما يعلم أنهم ثلاثة آلاف محارب، وقد استمروا يخوضون المعركة بصبر وشجاعة وضراوة خلال سبعة أيام ضد جيش قوامه مائتا ألف مقاتل، دون أن يتمكن ذلك الجيش من تسجيل أي نصر يذكر على المسلمين في أرض المعركة!

стр. 453

استشهاد زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة ثبت زيد القائد العام، ثم استشهد بعد ستة أيام من القتال، بعد أن مزقته رماح الرومان وهو مقبل كالأسد الهصور، ثم استلم جعفر الراية فصار يقاتل وهو على فرس له شقراء، والمسلمون خلفه يقاتلون بضراوة واستماتة لا مثيل لها! ممتثلين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦]، وكانوا يقاتلون وهم يرددون قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤]. اقتحم جعفر صفوف الرومان، ولكثرة الزحام وشدة الالتحام نزل عن فرسه ثم عقرها استعداداً للموت في سبيل الله، وقطعاً لباب الهروب من أرض المعركة، فكان أول من عقر خيله في الإسلام أثناء القتال، وبعد أن ترجل على أرض المعركة، أحاطت به الرومان من كل جهة وهو يقاتلهم قتالاً شديداً، وراية الرسول ﷺ في يده، وبينما هو كذلك تمكن أحد فرسان الرومان من قطع يده التي يحمل بها اللواء، فحملها باليد الثانية فقطعت، فأظهر القائد الشاب بطولة فذة لا مثيل لها، فبعد أن فقد كلتا يديه، احتضن اللواء بعضديه حفاظاً عليه ليظل مرفوعاً ولا يقع أرضاً، فتنهار لوقوعه معنويات المسلمين، فبقاء اللواء مرفوعاً ساعة القتال له أثر فعال في نفوس المحاربين من حيث الثبات والصمود.

стр. 454

استشهاد جعفر وتولي عبد الله بن رواحة القيادة وبعد استبسال جعفر وثباته وصموده الرائع، سقط شهيداً بعد أن تناوشته سيوف الرومان وهو يحتضن اللواء في إصرار وتصميم، فصعدت الروح لتأخذ مكانها بين الصديقين والشهداء. قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين بعد أن فقد ذراعيه، فأثابه الله جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء. واستمر القتال بضراوة، وسارع عبد الله بن رواحة لقيادة الجيش وحمل اللواء، فوجد في نفسه تردداً لكثرة الحشود الرومانية الهائلة، فعاتب نفسه وخاطبها شعراً: أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعة أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه ما لي أراك تكرهين الجنه لطالما قد كنت مطمئنه هل أنت إلا مضغة في شنه ونزل عن فرسه ولواء النبي ﷺ بيده، فقاتل مقبلاً غير مدبر حتى قتل، لاحقاً بزميليه اللذين سبقاه إلى الشهادة، لحقهما وهو يردد: يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد لقيتِ وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت لقد عانى الرومان الأهوال من المسلمين، وصنع بهم المسلمون مقتلة عظيمة، وكان من قتلى الرومان القائد العام لقوات العرب المتنصرة، واسمه مالك بن زافلة، قتله قائد ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذري ﵁ وأرضاه.

стр. 455

تولي خالد بن الوليد القيادة ظل المسلمون صامدون يقارعون ويقاومون، يضربون أعظم الأمثال في التضحية والثبات، غير أن مصرع القادة الثلاثة، وبقاء الجيش دونما قائد رجح كفة الرومان، وأحدث خللاً واضطراباً في صفوف المسلمين، وأخذ بعضهم ينهزم لاسيما مع سقوط الراية، وبدأت تظهر عليهم علامات الهزيمة، لكن ثابت بن أرقم أحد فرسان الأنصار أنقذ الموقف ورفع اللواء، وصاح: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجل منكم يحمل اللواء ويقود الجيش، فرشحوه فاعتذر، وقال: ما أنا بفاعل، وبلغ الموقف خطورة لا تحتمل، فقد فقدوا قادة الجيش، وبدت علامات الفوضى والاضطراب تظهر، ولم يكن هناك من تتجه الأنظار إليه لإنقاذ الموقف سوى المحارب الشهير والبطل المغوار خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، الذي لم يمض على دخوله في الإسلام سوى ثلاثة أشهر فقط. اسمع يا حديث الاستقامة! لم يمض على دخول خالد في الإسلام سوى ثلاثة أشهر فقط، فصاح ثابت بن أرقم بـ خالد: خذ اللواء يا أبا سليمان! خذ اللواء يا أبا سليمان! فقال خالد: لا آخذه، فصاح ثابت بن أرقم بـ خالد: خذ اللواء يا أبا سليمان! فقال خالد: لا آخذه، أنت أحق به؛ لأنك أقدم إسلاماً وأكبر سناً، والرجال تعرف قدر الرجال، فقال ثابت: خذه يا خالد! فو الله ما أخذته إلا لك، فأنت أعلم مني بفنون القتال، فأيده كبار الجيش، وطلبوا من خالد تولي القيادة، والنظر في الموقف المتدهور الذي سيؤدي إلى إبادة الجيش إن لم يتدارك الأمر، فحمل الراية خالد وأصبح قائداً عاماً للجيش. هذه الأحداث في أرض المعركة، فكيف كانت حالة أهل المدينة؟ هذا ما سنعرفه في الخطبة الثانية. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعني وإياكم بهدي المصطفى الأمين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 456

نزول الوحي على رسول الله في شأن جيش المسلمين في مؤتة الحمد لله العزيز القهار، مكور الليل على النهار، ينصر من يشاء ويعز من يشاء، يخلق ما يشاء ويختار، هو القائل جل في علاه: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠]. ذكر المؤرخون وأصحاب السير والحديث أن الله تعالى كشف لرسوله المسافة الفاصلة بين المدينة ومكان المعركة، حتى صار ينظر عياناً إلى ما حدث هناك من قتال ضارٍ عنيف. فقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم الخبر، فقال ﷺ : (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه ﷺ تذرفان، ثم سكت ثم قال: ولقد رفعوا إلى في الجنة) يعني: القادة الثلاثة، ثم قال: (ولقد حمل الراية الآن سيف من سيوف الله، ولقد حمي الوطيس حتى فتح الله عليهم). اجتمعت المدينة حول نبيها تتابع أخبار المعركة حية على الهواء وحياً، واليوم اجتمع المسلمون حول الشاشات والقنوات لمتابعة المسلسلات والمباريات حية على الهواء، فسبحان الله! فرق شاسع بين الأمس واليوم. لقد كان اختيار خالد بن الوليد قائداً للجيش في تلك الساعات الحرجة اختياراً موفقاً، فهو فارس شجاع وبطل مغوار، وداهية في القيادة العسكرية هجوماً ودفاعاً، ولقد أثبت خالد في ذلك اليوم تلك البطولات الفذة، حين قاد أول معركة بعد إسلامه. لقد حمي الوطيس، وبدأت تتطاير الرءوس، وتتقطع الأعضاء والأشلاء، وتسيل الدماء في كل بقعة كالأنهار. روى البخاري عن خالد ﵁ أنه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية.

стр. 457

خطة خالد بن الوليد لإخراج الجيش بأقل الخسائر عباد الله! إن للقوى البشرية حدوداً، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولقد رأى خالد بخبرته وحنكته أن جيشه الصغير قد أبلى بلاء حسناً، وكبد العدو الخسائر في الأموال والأرواح، ولقنهم درساً لن ينسوه، فكان لابد من خطة لإخراج الجيش من أرض المعركة بأقل الخسائر. فقام خالد أثناء الليل بتبديل كلي للميمنة والميسرة والقلب، فبدل مواقع الرجال؛ وهدفه من ذلك أن يجعل الرومان يعتقدون أن جيشاً جديداً يشارك في القتال، فرسم هذه الخطة للإيهام والخداع والتضليل، فما كاد يطلع الصباح حتى وجد الرومان أنفسهم أمام جيش جديد ما كانوا يعرفونه منذ ستة أيام من القتال، فظنوا أن مدداً كبيراً قد جاء للمسلمين أثناء الليل؛ فدب الخوف في قلوبهم، وبينما هم في دهشتهم إذا بغبار يسد الأفق من خلف ظهر الجيش المسلم، وما هي إلا لحظات وجيزة حتى دوت وارتفعت في أرض مؤتة أصوات التهليل والتكبير، ثم انشق الغبار عن كتائب من الفرسان تتبع إحداها الأخرى في ترتيب وإحكام راكضة نحو المسلمين، وحوافر خيلها وأصوات فرسانها تصم آذان الرومان بالتهليل والتكبير، ولإدخال مزيد من الرعب في قلوب الرومان اهتز معسكر المسلمين المواجه للرومان في أرض المعركة بالتكبير والتهليل، الله أكبر، لا إله إلا الله، أي قوة تقف أمام التكبير والتهليل؟! وكل ذلك تم بتخطيط محكم من القائد المظفر خالد ﵁. أيقن الرومان أن كل ما رأوه من تغيير كامل في الميمنة والميسرة والقلب، وتدفق تلك الكتائب التي أقبلت من خلف الجيش، إنما هو مدد كبير جاء من المدينة لمساندة المسلمين؛ ليستمروا في خوض المعركة حتى النصر؛ فدب الرعب في نفوسهم، وساد فيهم الهرج والمرج، ولسان حالهم: إذا كان ثلاثة آلاف قد فعلوا الأفاعيل، وظلوا يقاتلون مائتي ألف منذ ستة أيام، فماذا عسى أن يصنعوا بهم بعد وصول هذا المدد الكبير؟! وأدرك خالد بحاسة القائد الماهر المحنك ما أصاب الرومان وحلفائهم من خوف ورعب نتيجة الخطة البارعة، فاغتنمها فرصة فأمر جيشه بالهجوم، فكبر معهم خالد وكبروا واكتسحوا الرومان بهجوم صاعق كاسح، فمالت أسياف المسلمين على الرقاب، ومالت صفوفهم على خطوط الرومان الأمامية، فتملك الرعب الرومان واضطربت صفوفهم، فركبهم المسلمون وأحدثوا فيهم مقتلة عظيمة، وصفها المؤرخون بأنها مذبحة بكل المعاني. قال ابن سعد في طبقاته وهو يروي قصة انتصار خالد على الرومان بعد توليه القيادة: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة ثالث القادة، وطاعن حتى قتل، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ثم حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط، حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا، واستمر خالد وجيشه يطاردون الرومان في أرض المعركة حتى أثخنوهم جراحاً. ثم اغتنم خالد فرصة ارتباك الجيوش الرومانية واضطرابها، فأصدر أوامره إلى قادة الفرق والكتائب في جيشه بالارتداد بالجيش جنوباً كما هو متفق عليه حينما وضعوا خطة الانسحاب ليلاً، فأخذ الجيش الصغير يغادر ميدان المعركة بكل هدوء وثقة وانضباط، وأشرف خالد على عملية الانسحاب، فكان يجول بفرسه بين الكتائب ليظل النظام سائداً أثناء الانسحاب، ولتظل روح الجند والقادة ومعنوياتهم عالية فلا يدركهم خوف واضطراب، فتمت عملية الانسحاب كما أراد القائد البطل على أدق نظام ودونما أي خسارة، وأصبح الجيش الروماني شبه مشلول يسوده الذهول؛ لما لقيه على أيدي المسلمين من هجوم كاسح قام به خالد ومن معه بعد نجاح الحيلة العسكرية وخدعته الحربية الباهرة، وأصدر قادة الرومان أوامرهم إلى كافة الكتائب بألا يتعقبوا أحداً من المسلمين بعد انسحابهم؛ لأنهم ظنوا أن الانسحاب إنما هو مكيدة حربية لإيقاع الجيش الروماني في كمائن العرب إذا ما تتبع الجيش المنسحب، وهم يعرفون أنه لا أحد يجيد الكر والفر والكمائن ويحكمها مثل العرب، فخافوا من تتبع المسلمين. والمسلمون رغم قلة عددهم أنزلوا بالرومان خسارة كبيرة، وحملوهم ذلاً وعاراً، ولسان حال الرومان: هذا قبل وصول المدد، فكيف وقد وصلهم مدد؟!

стр. 458

وصول الجيش الإسلامي إلى المدينة وصل خالد بجيشه إلى المدينة دون أن يتعرض لأي خطر في الطريق، فكيف استقبلت المدينة الجيش وقد وصلت إليهم الأخبار أن المسلمين قد فروا وانهزموا من أرض المعركة؟ استاء أهل المدينة لذلك، فما كاد خالد يصل بجيشه إلى ضواحي المدينة حتى قابلتهم مظاهرة كبيرة تندد بالجيش، وكان المتظاهرون يصيحون بالجيش: يا فرار! يا فرار! فررتم من الموت في سبيل الله؟! ويحثون في وجوه الجند والقادة التراب. وأما النساء فلم يفتحن لأزواجهن الأبواب، وأغلقن الأبواب دونهم قائلات لهم: أما كان لكم أن تموتوا مع أصحابكم؟! أما الأطفال فقد استقبلوا خالداً ومن معه في أزقة المدينة بالحجارة والتراب قائلين لهم: يا فرار! يا فرار! ولأن النبي ﷺ يعلم بالأخبار الصحيحة مقدار التضحيات والبطولات التي قام بها الجيش المسلم، فقام مدافعاً عن الجيش وأفراده قائلاً: (ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله). فأنقذ خالد جيشه من فناء محقق بخطة عسكرية بارعة، وألحق بالرومان أبشع هزيمة، وألحق بهم شر مقتلة وهزيمة، وحملهم الخزي والعار. هذه أخبارهم فما هي أخبارنا؟! هذه تضحياتهم فأين تضحياتنا؟! هذه بطولاتهم فأين بطولاتنا؟! هذه أخبار شيبهم وشبابهم فما هي أخبار شبابنا وشيبنا؟! هذه أخبار نسائهم فما هي أخبار نسائنا؟! هذه أخبار أطفالهم فما هي أخبار أطفالنا؟! ما الفرق بين الأمس واليوم؟ اسمعه بارك الله فيك! بالأمس كان صغارنا يستقبلون خالداً ومن معه في أزقة المدينة بالحجارة، كانوا يقولون لـ خالد ومن معه: إلى أين يا فرار؟ واليوم صغارنا يستقبلون غانية ومطرباً بيده قيتار، ولاعباً في صالة المطار بالورود والأزهار! ملكنا هذه الدنيا قروناً وأخضعها جدود خالدونا وسطرنا صحائف من ضياء فما نسي الزمان ولا نسينا بنينا حقبة في الأرض ملكاً يدعمه شباب طامحونا شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا تعهدهم فأنبتهم نباتاً كريماً طاب في الدنيا غصونا إذا شهدوا الوغى كانوا كماة يدكون المعاقل والحصونا وإن جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينا ولم تشهدهم الأقداح يوماً وقد ملئت نواديهم مجونا وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغت لحونا ترى هل يرجع الماضي؟ فإني أذوب لذلك الماضي حنينا لقد استطاعوا أن يسطروا تلك البطولات، وأن يصنعوا تلك الانتصارات؛ لما حققوا الإيمان والتقوى والإحسان، فلما ضعف ذلك في حياتنا ذهبت الأمجاد والانتصارات، وإنما ضعف الإيمان بسبب كثرة الذنوب والمعاصي والآثام. ماذا صنعت بنا وبشبابنا وبفتياتنا الشاشات والقنوات؟ كم أفسدت! كم دمرت! لا حياة لمن تنادي. أردت في بداية العام أن أذكر الأحفاد بما صنع الأجداد، أردت أن أذكر الرجال بما صنع الأبطال. أقول وأردد بأعلى الصوت: إن كانوا قد استطاعوا، فنحن أيضاً نستطيع، فالمنبع واحد والمصدر واحد، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون. وهذه دعوتنا نصرخ بها مرة ثانية وثالثة، وقد رفعناها منذ أيام: فلنطهر بيوتنا من الشاشات والقنوات، لماذا نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! فمن الشجاع الذي سينتصر اليوم لربه ولدينه؟ من الذي سيغير المنكر انتصاراً لأمته ولعقيدته؟ من الذي سينطلق الآن ويستجيب لنداء الإيمان الذي حطمته الأطباق والقنوات؟ من الذي سيرقى اليوم على سطح البيت ويزيل ذلك الطبق، ويأتي به في ساحة المسجد، ويكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر؟ لقد استجاب نفر وانتصروا لدينهم، وتلك أطباقهم في صرح المسجد، أسأل الله لهم الثبات، وليبشروا بالخير، فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً مما ترك. هذا عام قد انتهى وهذا عام جديد، فلنطو الماضي بكل ما فيه، ولنفتح صفحة جديدة شعارها: لا إله إلا الله، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ونحن في انتظار الأبطال الذين سيغيرون المنكر في بيوتهم، ويأتون بالأطباق فيكونون قدوة للآخرين، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. اللهم! إنا نسألك مع نهاية عام وبداية عام أن تعيدنا إليك عوداً حميداً جميلاً يارب العالمين. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسمين، ودمر الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين. اللهم! طهر بلادنا وبلاد المسلمين من الكفر والشرك والبدع والخرافات والضلالات. اللهم! آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم! أصلح ولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين، اللهم! هيئ لهم بطانة صالحة تعينهم على الخير إذا فعلوه، وتذكرهم به إذا نسوه. يا حي يا قيوم! يا بديع السموات والأرضين! اللهم! طهر بيوتنا من الفواحش والمنكرات، ومن الأغاني الماجنات، واحفظ شبابنا وشيبنا، وعف نساءنا وأطفالنا يا رب العالمين. اللهم! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا يا حي يا قيوم. اللهم! انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك الموحدين، اللهم! من انتصر على نفسه وأزال الدش من بيته فأبدله بذلك خيراً يا حي يا قيوم، اللهم! من انتصر لأجلك ولأجل دينك فانصره في الدنيا والآخرة يا رب العالمين، وأبدله خيراً مما ترك يا حي يا قيوم. اللهم! أصلح شيبنا وشبابنا، واحفظ نساءنا وأطفالنا يا رب العالمين. اللهم! من أقام هذا المسجد فاجزه خير الجزاء يا رب العالمين، اللهم! بارك لهم في أموالهم، وبارك لهم في أزواجهم، وبارك لهم في ذرياتهم، وارحم موتانا وموتاهم يا حي يا قيوم. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 459

مفرق الجماعات الموت أقرب إلى المرء من شراك نعله، وهو هاذم اللذات ومفرق الجماعات، وقد أدرك ذلك من هم خير منا ممن كانوا يعملون للآخرة في كل أوقاتهم، ولهذا يجب علينا أن نتذكر الموت ونعمل لما بعده.

стр. 460

أسباب قسوة القلب أحبتي! قسوة القلب مرض عظيم ابتلينا به في هذا الزمان، فأصبحنا نسمع القرآن ولا نتأثر، وندفن موتانا ولا نعتبر، ونسمع المواعظ والعبر ولا نتذكر، والسبب قسوة القلب. وما من داء إلا وقد أنزل الله له دواء، فدواء قسوة القلب -يا رعاك الله- هو مداومة النظر في كتاب الله بتدبر وتفكر، فإن هذا الكتاب لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله. ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] كم فيه من المواعظ والعبر، كم فيه من الآيات والسور؟ لكن كما قال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]. موعظة بليغة وكلام موجز وعظنا به النبي ﷺ ، أجمع أهل العلم على أن هذه الموعظة من أبلغ مواعظه ﷺ . لقد أبلغ في الموعظة وأوجز في الكلام، كلام يسير ولكنه يحملُ معاني كثيرة، ولا عجب فإنه ﷺ قد أُوتي جوامع الكلم، يقول الكلام القليل فيه من المعاني الشيء الكثير. فمن مواعظه البليغة صلوات ربي وسلامه عليه قوله: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات). نعم أيها الغالي! يوم أن غفلنا عن الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والسؤال وشدته، ويوم القيامة وكرباته، والصراط وحدته؛ يوم أن غفلنا عن هذه الأشياء قست القلوب -يا رعاك الله- فأصبحت كالحجارة بل هي أشد قسوة. لذلك قال بأبي هو وأمي: (أكثروا من ذكر هادم اللذات). ما ذُكر الموت في قوي إلا ضعفه، وما ذُكر في عزيزٍ إلا أذله، وما ذُكر في كثير إلا قلله، الموت: هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حُط ذا عن نعشه ذاك يركبُ نشاهد ذا عين اليقين حقيقة وكأنا بما علمنا يقيناً نكذبُ إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا كل يوم واعظ الموت يندبُ نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعلّ الردى مما نرتجيهِ أقربُ الموت كما قال أهل العلم: مفارقة الروح الجسد والحيلولة بينهما، انتقالٌ من حال إلى حال، وانتقالٌ من دار إلى دار. سمّى الله الموت مصيبة، كما قال جل في علاه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة:١٠٦]. لكن المصيبة الأعظم من الموت -يا رعاك الله- الغفلة عن الموت عدم تذكر الموت عدم الاستعداد للموت، أعظم من مصيبة الموت يا رعاك الله. لذلك قال أهل التفاسير في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢] قالوا: يعني أكثركم للموت ذكراً؛ لأنه من كان للموت ذاكراً كان للموت مستعداً. قال أبو علي الدقداق: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاث: أكرم بتعجيل التوبة، ونشاط في العبادة، وقناعة في القلب، ومن نسي الموت عوقب بثلاث: تسويف التوبة، وكسل في العبادة، وعدم قناعة القلب. إذاً مما يرقق القلوب التفكير في الموت وفي أحواله وفي القبر وظلماته. لذلك قال بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه: (ألا إني قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة). يوم غفل الناس عن الآخرة قست القلوب وعُطّلت الصلوات، وارتُكبت المحرمات، وتكاسل الناس في فعل الطاعات. فيا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل قل لي بالله العظيم قل لي يا رعاك الله هل تفكرت يوماً وأنت تخرج في الصباح أنك لن ترجع إلى بيتك مرة ثانية؟! هل تفكرت أن اليوم قد يكون آخر يوم لك في الحياة؟! إذا أتاك ملك الموت في هذا اليوم فهل أنت راضٍ عن نفسك؟! لا تغفل يا رعاك الله! ممن أعرفهم اتصل على أهله في الواحدة ظهراً قال لهم: لقد استأذنت من العمل مبكراً فما هي طلباتكم؟ قالوا: نريد كذا ونريد كذا ونريد كذا، قال: ساعة واحدة وأكون عندكم. مرت ساعة مرت ساعتان ومرت ثلاث ولم يظهر له أثر، اتصل متصل قُبيل المغرب بقليل يقول: عظم الله أجركم في فلان، في الساعة التي خرج فيها من مكان عمله ارتطمت سيارته بسيارة أخرى وانتقل من هذه الحياة إلى حياة ثانية. قل لي بالله العظيم: هل كان يظن يوم اتصل على أهله أنه لن يصل إليهم؟! هل كانوا هم يظنون يوم أملوا عليه الطلبات أن الطلبات لن تصل؟! بل الذي يحمل الطلبات لن يصل؟! كان أحد الصالحين يقوم في هزيعِ الليل الأخير، يرقى أعلى مكان في قريته، ثم ينادي بأعلى الصوت: الرحيل الرحيل الرحيل كل يوم يكرر هذه الكلمات القليلة: الرحيل الرحيل الرحيل حتى جاء يوم وانقطع ذلك الصوت. فقال أمير القرية: أين فلان؟ قالوا: مات. قال: لا زال يذكر الناس بالموت حتى مات هو. نعم. كان يذكرهم بالموت فأتاه الموت، لكن على أي حال أتاه؟! لا زال يلهج بالرحيل وذكره حتى أناخ ببابه الجمّال فأتاه متيقظاً متشمراً لم تلهه الآمال قال أحدهم لصاحبٍ له وكانت حاله سيئة: أبا فلان! الحال التي أنت عليها أترضاها للموت؟! قال: لا والله. قال: وهل نويت أن تغير هذه الحال إلى حال ترضاها للموت؟! قال: ما اشتاقت نفسي إلى هذا بعد، قال: وهل بعد هذه الدار دار معتمل؟! قال: لا والله. قال: وهل تظن أن لا يأتيك ملك الموت وأنت على هذه الحال؟! قال: لا والله. قال: والله ما رأيت عاقلاً يرضى بهذه الحال! ستنقلك المنايا من ديارك ويبدلك الردى داراً بدارك وتترك ما عنيت به زماناً وتُنقل من غناك إلى افتقارك وفي عينيك دود القبر يرعى وترعى عينُ غيرك في ديارك نعم أيها الغالي! لا تغفل عن الموت، فلقد أجمع أهل العلم على أن الموت ليس له مكان معين، ولا زمن معين، ولا سبب معين، ولا عمر معين، يأتيكم بغتة وأنتم لا تشعرون ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨] ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] يعني ذلك ما كنت منه تفر وذلك ما كنت منه تهرب. طال الزمان أو قصر لابد أن يأتي الموت. والناس عند الموت على حالين يا رعاك الله. إما محب للقاء الله فيحب الله لقاءه، وإما كارهٌ للقاء الله فيكره الله لقاءه. قالت عائشة: (يا رسول الله! كلنا يكره الموت، قال: لا يا عائشة ليس ذاك، لكن هو العبد الصالح تأتيه ملائكة الرحمن تبشره بروح وريحان، ورب راض غير غضبان، فيفرح بلقاء الله، فيفرح الله بلقائه). أما العبد العاصي أما العبد الغافل أما الذي تناسى الموت وسكراته، فتأتيه ملائكة الرحمن، تبشره بسخط وعذاب من الله، فيكره لقاء الله فيكره الله لقاءه. قال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: أشترط عليكم شروطاً ثلاثة لمن أراد أن يجلس في مجلسي، شروط ليتنا اشترطناها في مجالسنا اليوم، قال: إذا جلستم في مجلسي فأنا أشترط عليكم شروطاً ثلاثة: أولها: لا تتكلموا في الدنيا. ثانيها: لا تغتابوا أحداً في مجلسي. ثالثها: لا تمزحوا عندي أبداً. فكانوا يتذاكرون الموت وسكراته، والقبر وظلماته، حتى إذا انفضوا كانوا كمن قام عن جنازة. لا عجب! في آخر اللحظات ودع وهو يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، سيأتي اليوم الذي ستُمدد فيه على فراشك تريد أن تودع الصغير فلا تستطيع تريد أن تودع الكبير فلا تستطيع وحيل بينهم وبين ما يشتهون. ليت شعري كيف يكون الحال في تلك الساعة، يوم تشخص العينان وتبرد الأطراف واليدان، وتلتف الساقان، تريد أن تتكلم فلا تستطيع، تريد أن تقول فلا تستطيع ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢١].
следующие страницы →