Полный текст (882 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
نزول الوحي على رسول الله في شأن جيش المسلمين في مؤتة
الحمد لله العزيز القهار، مكور الليل على النهار، ينصر من يشاء ويعز من يشاء، يخلق ما يشاء ويختار، هو القائل جل في علاه: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠].
ذكر المؤرخون وأصحاب السير والحديث أن الله تعالى كشف لرسوله المسافة الفاصلة بين المدينة ومكان المعركة، حتى صار ينظر عياناً إلى ما حدث هناك من قتال ضارٍ عنيف.
فقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم الخبر، فقال ﷺ : (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه ﷺ تذرفان، ثم سكت ثم قال: ولقد رفعوا إلى في الجنة) يعني: القادة الثلاثة، ثم قال: (ولقد حمل الراية الآن سيف من سيوف الله، ولقد حمي الوطيس حتى فتح الله عليهم).
اجتمعت المدينة حول نبيها تتابع أخبار المعركة حية على الهواء وحياً، واليوم اجتمع المسلمون حول الشاشات والقنوات لمتابعة المسلسلات والمباريات حية على الهواء، فسبحان الله! فرق شاسع بين الأمس واليوم.
لقد كان اختيار خالد بن الوليد قائداً للجيش في تلك الساعات الحرجة اختياراً موفقاً، فهو فارس شجاع وبطل مغوار، وداهية في القيادة العسكرية هجوماً ودفاعاً، ولقد أثبت خالد في ذلك اليوم تلك البطولات الفذة، حين قاد أول معركة بعد إسلامه.
لقد حمي الوطيس، وبدأت تتطاير الرءوس، وتتقطع الأعضاء والأشلاء، وتسيل الدماء في كل بقعة كالأنهار.
روى البخاري عن خالد ﵁ أنه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية.
стр. 457
خطة خالد بن الوليد لإخراج الجيش بأقل الخسائر
عباد الله! إن للقوى البشرية حدوداً، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولقد رأى خالد بخبرته وحنكته أن جيشه الصغير قد أبلى بلاء حسناً، وكبد العدو الخسائر في الأموال والأرواح، ولقنهم درساً لن ينسوه، فكان لابد من خطة لإخراج الجيش من أرض المعركة بأقل الخسائر.
فقام خالد أثناء الليل بتبديل كلي للميمنة والميسرة والقلب، فبدل مواقع الرجال؛ وهدفه من ذلك أن يجعل الرومان يعتقدون أن جيشاً جديداً يشارك في القتال، فرسم هذه الخطة للإيهام والخداع والتضليل، فما كاد يطلع الصباح حتى وجد الرومان أنفسهم أمام جيش جديد ما كانوا يعرفونه منذ ستة أيام من القتال، فظنوا أن مدداً كبيراً قد جاء للمسلمين أثناء الليل؛ فدب الخوف في قلوبهم، وبينما هم في دهشتهم إذا بغبار يسد الأفق من خلف ظهر الجيش المسلم، وما هي إلا لحظات وجيزة حتى دوت وارتفعت في أرض مؤتة أصوات التهليل والتكبير، ثم انشق الغبار عن كتائب من الفرسان تتبع إحداها الأخرى في ترتيب وإحكام راكضة نحو المسلمين، وحوافر خيلها وأصوات فرسانها تصم آذان الرومان بالتهليل والتكبير، ولإدخال مزيد من الرعب في قلوب الرومان اهتز معسكر المسلمين المواجه للرومان في أرض المعركة بالتكبير والتهليل، الله أكبر، لا إله إلا الله، أي قوة تقف أمام التكبير والتهليل؟! وكل ذلك تم بتخطيط محكم من القائد المظفر خالد ﵁.
أيقن الرومان أن كل ما رأوه من تغيير كامل في الميمنة والميسرة والقلب، وتدفق تلك الكتائب التي أقبلت من خلف الجيش، إنما هو مدد كبير جاء من المدينة لمساندة المسلمين؛ ليستمروا في خوض المعركة حتى النصر؛ فدب الرعب في نفوسهم، وساد فيهم الهرج والمرج، ولسان حالهم: إذا كان ثلاثة آلاف قد فعلوا الأفاعيل، وظلوا يقاتلون مائتي ألف منذ ستة أيام، فماذا عسى أن يصنعوا بهم بعد وصول هذا المدد الكبير؟! وأدرك خالد بحاسة القائد الماهر المحنك ما أصاب الرومان وحلفائهم من خوف ورعب نتيجة الخطة البارعة، فاغتنمها فرصة فأمر جيشه بالهجوم، فكبر معهم خالد وكبروا واكتسحوا الرومان بهجوم صاعق كاسح، فمالت أسياف المسلمين على الرقاب، ومالت صفوفهم على خطوط الرومان الأمامية، فتملك الرعب الرومان واضطربت صفوفهم، فركبهم المسلمون وأحدثوا فيهم مقتلة عظيمة، وصفها المؤرخون بأنها مذبحة بكل المعاني.
قال ابن سعد في طبقاته وهو يروي قصة انتصار خالد على الرومان بعد توليه القيادة: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة ثالث القادة، وطاعن حتى قتل، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ثم حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط، حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا، واستمر خالد وجيشه يطاردون الرومان في أرض المعركة حتى أثخنوهم جراحاً.
ثم اغتنم خالد فرصة ارتباك الجيوش الرومانية واضطرابها، فأصدر أوامره إلى قادة الفرق والكتائب في جيشه بالارتداد بالجيش جنوباً كما هو متفق عليه حينما وضعوا خطة الانسحاب ليلاً، فأخذ الجيش الصغير يغادر ميدان المعركة بكل هدوء وثقة وانضباط، وأشرف خالد على عملية الانسحاب، فكان يجول بفرسه بين الكتائب ليظل النظام سائداً أثناء الانسحاب، ولتظل روح الجند والقادة ومعنوياتهم عالية فلا يدركهم خوف واضطراب، فتمت عملية الانسحاب كما أراد القائد البطل على أدق نظام ودونما أي خسارة، وأصبح الجيش الروماني شبه مشلول يسوده الذهول؛ لما لقيه على أيدي المسلمين من هجوم كاسح قام به خالد ومن معه بعد نجاح الحيلة العسكرية وخدعته الحربية الباهرة، وأصدر قادة الرومان أوامرهم إلى كافة الكتائب بألا يتعقبوا أحداً من المسلمين بعد انسحابهم؛ لأنهم ظنوا أن الانسحاب إنما هو مكيدة حربية لإيقاع الجيش الروماني في كمائن العرب إذا ما تتبع الجيش المنسحب، وهم يعرفون أنه لا أحد يجيد الكر والفر والكمائن ويحكمها مثل العرب، فخافوا من تتبع المسلمين.
والمسلمون رغم قلة عددهم أنزلوا بالرومان خسارة كبيرة، وحملوهم ذلاً وعاراً، ولسان حال الرومان: هذا قبل وصول المدد، فكيف وقد وصلهم مدد؟!
стр. 458
وصول الجيش الإسلامي إلى المدينة
وصل خالد بجيشه إلى المدينة دون أن يتعرض لأي خطر في الطريق، فكيف استقبلت المدينة الجيش وقد وصلت إليهم الأخبار أن المسلمين قد فروا وانهزموا من أرض المعركة؟ استاء أهل المدينة لذلك، فما كاد خالد يصل بجيشه إلى ضواحي المدينة حتى قابلتهم مظاهرة كبيرة تندد بالجيش، وكان المتظاهرون يصيحون بالجيش: يا فرار! يا فرار! فررتم من الموت في سبيل الله؟! ويحثون في وجوه الجند والقادة التراب.
وأما النساء فلم يفتحن لأزواجهن الأبواب، وأغلقن الأبواب دونهم قائلات لهم: أما كان لكم أن تموتوا مع أصحابكم؟! أما الأطفال فقد استقبلوا خالداً ومن معه في أزقة المدينة بالحجارة والتراب قائلين لهم: يا فرار! يا فرار! ولأن النبي ﷺ يعلم بالأخبار الصحيحة مقدار التضحيات والبطولات التي قام بها الجيش المسلم، فقام مدافعاً عن الجيش وأفراده قائلاً: (ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله).
فأنقذ خالد جيشه من فناء محقق بخطة عسكرية بارعة، وألحق بالرومان أبشع هزيمة، وألحق بهم شر مقتلة وهزيمة، وحملهم الخزي والعار.
هذه أخبارهم فما هي أخبارنا؟! هذه تضحياتهم فأين تضحياتنا؟! هذه بطولاتهم فأين بطولاتنا؟! هذه أخبار شيبهم وشبابهم فما هي أخبار شبابنا وشيبنا؟! هذه أخبار نسائهم فما هي أخبار نسائنا؟! هذه أخبار أطفالهم فما هي أخبار أطفالنا؟! ما الفرق بين الأمس واليوم؟ اسمعه بارك الله فيك! بالأمس كان صغارنا يستقبلون خالداً ومن معه في أزقة المدينة بالحجارة، كانوا يقولون لـ خالد ومن معه: إلى أين يا فرار؟ واليوم صغارنا يستقبلون غانية ومطرباً بيده قيتار، ولاعباً في صالة المطار بالورود والأزهار! ملكنا هذه الدنيا قروناً وأخضعها جدود خالدونا وسطرنا صحائف من ضياء فما نسي الزمان ولا نسينا بنينا حقبة في الأرض ملكاً يدعمه شباب طامحونا شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا تعهدهم فأنبتهم نباتاً كريماً طاب في الدنيا غصونا إذا شهدوا الوغى كانوا كماة يدكون المعاقل والحصونا وإن جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينا ولم تشهدهم الأقداح يوماً وقد ملئت نواديهم مجونا وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغت لحونا ترى هل يرجع الماضي؟ فإني أذوب لذلك الماضي حنينا لقد استطاعوا أن يسطروا تلك البطولات، وأن يصنعوا تلك الانتصارات؛ لما حققوا الإيمان والتقوى والإحسان، فلما ضعف ذلك في حياتنا ذهبت الأمجاد والانتصارات، وإنما ضعف الإيمان بسبب كثرة الذنوب والمعاصي والآثام.
ماذا صنعت بنا وبشبابنا وبفتياتنا الشاشات والقنوات؟ كم أفسدت! كم دمرت! لا حياة لمن تنادي.
أردت في بداية العام أن أذكر الأحفاد بما صنع الأجداد، أردت أن أذكر الرجال بما صنع الأبطال.
أقول وأردد بأعلى الصوت: إن كانوا قد استطاعوا، فنحن أيضاً نستطيع، فالمنبع واحد والمصدر واحد، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون.
وهذه دعوتنا نصرخ بها مرة ثانية وثالثة، وقد رفعناها منذ أيام: فلنطهر بيوتنا من الشاشات والقنوات، لماذا نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! فمن الشجاع الذي سينتصر اليوم لربه ولدينه؟ من الذي سيغير المنكر انتصاراً لأمته ولعقيدته؟ من الذي سينطلق الآن ويستجيب لنداء الإيمان الذي حطمته الأطباق والقنوات؟ من الذي سيرقى اليوم على سطح البيت ويزيل ذلك الطبق، ويأتي به في ساحة المسجد، ويكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر؟ لقد استجاب نفر وانتصروا لدينهم، وتلك أطباقهم في صرح المسجد، أسأل الله لهم الثبات، وليبشروا بالخير، فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً مما ترك.
هذا عام قد انتهى وهذا عام جديد، فلنطو الماضي بكل ما فيه، ولنفتح صفحة جديدة شعارها: لا إله إلا الله، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ونحن في انتظار الأبطال الذين سيغيرون المنكر في بيوتهم، ويأتون بالأطباق فيكونون قدوة للآخرين، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.
اللهم! إنا نسألك مع نهاية عام وبداية عام أن تعيدنا إليك عوداً حميداً جميلاً يارب العالمين.
اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسمين، ودمر الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين.
اللهم! طهر بلادنا وبلاد المسلمين من الكفر والشرك والبدع والخرافات والضلالات.
اللهم! آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم! أصلح ولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين، اللهم! هيئ لهم بطانة صالحة تعينهم على الخير إذا فعلوه، وتذكرهم به إذا نسوه.
يا حي يا قيوم! يا بديع السموات والأرضين! اللهم! طهر بيوتنا من الفواحش والمنكرات، ومن الأغاني الماجنات، واحفظ شبابنا وشيبنا، وعف نساءنا وأطفالنا يا رب العالمين.
اللهم! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا يا حي يا قيوم.
اللهم! انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك الموحدين، اللهم! من انتصر على نفسه وأزال الدش من بيته فأبدله بذلك خيراً يا حي يا قيوم، اللهم! من انتصر لأجلك ولأجل دينك فانصره في الدنيا والآخرة يا رب العالمين، وأبدله خيراً مما ترك يا حي يا قيوم.
اللهم! أصلح شيبنا وشبابنا، واحفظ نساءنا وأطفالنا يا رب العالمين.
اللهم! من أقام هذا المسجد فاجزه خير الجزاء يا رب العالمين، اللهم! بارك لهم في أموالهم، وبارك لهم في أزواجهم، وبارك لهم في ذرياتهم، وارحم موتانا وموتاهم يا حي يا قيوم.
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 459
مفرق الجماعات
الموت أقرب إلى المرء من شراك نعله، وهو هاذم اللذات ومفرق الجماعات، وقد أدرك ذلك من هم خير منا ممن كانوا يعملون للآخرة في كل أوقاتهم، ولهذا يجب علينا أن نتذكر الموت ونعمل لما بعده.
стр. 460
أسباب قسوة القلب
أحبتي! قسوة القلب مرض عظيم ابتلينا به في هذا الزمان، فأصبحنا نسمع القرآن ولا نتأثر، وندفن موتانا ولا نعتبر، ونسمع المواعظ والعبر ولا نتذكر، والسبب قسوة القلب.
وما من داء إلا وقد أنزل الله له دواء، فدواء قسوة القلب -يا رعاك الله- هو مداومة النظر في كتاب الله بتدبر وتفكر، فإن هذا الكتاب لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله.
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] كم فيه من المواعظ والعبر، كم فيه من الآيات والسور؟ لكن كما قال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤].
موعظة بليغة وكلام موجز وعظنا به النبي ﷺ ، أجمع أهل العلم على أن هذه الموعظة من أبلغ مواعظه ﷺ .
لقد أبلغ في الموعظة وأوجز في الكلام، كلام يسير ولكنه يحملُ معاني كثيرة، ولا عجب فإنه ﷺ قد أُوتي جوامع الكلم، يقول الكلام القليل فيه من المعاني الشيء الكثير.
فمن مواعظه البليغة صلوات ربي وسلامه عليه قوله: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات).
نعم أيها الغالي! يوم أن غفلنا عن الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والسؤال وشدته، ويوم القيامة وكرباته، والصراط وحدته؛ يوم أن غفلنا عن هذه الأشياء قست القلوب -يا رعاك الله- فأصبحت كالحجارة بل هي أشد قسوة.
لذلك قال بأبي هو وأمي: (أكثروا من ذكر هادم اللذات).
ما ذُكر الموت في قوي إلا ضعفه، وما ذُكر في عزيزٍ إلا أذله، وما ذُكر في كثير إلا قلله، الموت: هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حُط ذا عن نعشه ذاك يركبُ نشاهد ذا عين اليقين حقيقة وكأنا بما علمنا يقيناً نكذبُ إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا كل يوم واعظ الموت يندبُ نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعلّ الردى مما نرتجيهِ أقربُ الموت كما قال أهل العلم: مفارقة الروح الجسد والحيلولة بينهما، انتقالٌ من حال إلى حال، وانتقالٌ من دار إلى دار.
سمّى الله الموت مصيبة، كما قال جل في علاه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة:١٠٦].
لكن المصيبة الأعظم من الموت -يا رعاك الله- الغفلة عن الموت عدم تذكر الموت عدم الاستعداد للموت، أعظم من مصيبة الموت يا رعاك الله.
لذلك قال أهل التفاسير في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢] قالوا: يعني أكثركم للموت ذكراً؛ لأنه من كان للموت ذاكراً كان للموت مستعداً.
قال أبو علي الدقداق: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاث: أكرم بتعجيل التوبة، ونشاط في العبادة، وقناعة في القلب، ومن نسي الموت عوقب بثلاث: تسويف التوبة، وكسل في العبادة، وعدم قناعة القلب.
إذاً مما يرقق القلوب التفكير في الموت وفي أحواله وفي القبر وظلماته.
لذلك قال بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه: (ألا إني قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة).
يوم غفل الناس عن الآخرة قست القلوب وعُطّلت الصلوات، وارتُكبت المحرمات، وتكاسل الناس في فعل الطاعات.
فيا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل قل لي بالله العظيم قل لي يا رعاك الله هل تفكرت يوماً وأنت تخرج في الصباح أنك لن ترجع إلى بيتك مرة ثانية؟! هل تفكرت أن اليوم قد يكون آخر يوم لك في الحياة؟! إذا أتاك ملك الموت في هذا اليوم فهل أنت راضٍ عن نفسك؟! لا تغفل يا رعاك الله! ممن أعرفهم اتصل على أهله في الواحدة ظهراً قال لهم: لقد استأذنت من العمل مبكراً فما هي طلباتكم؟ قالوا: نريد كذا ونريد كذا ونريد كذا، قال: ساعة واحدة وأكون عندكم.
مرت ساعة مرت ساعتان ومرت ثلاث ولم يظهر له أثر، اتصل متصل قُبيل المغرب بقليل يقول: عظم الله أجركم في فلان، في الساعة التي خرج فيها من مكان عمله ارتطمت سيارته بسيارة أخرى وانتقل من هذه الحياة إلى حياة ثانية.
قل لي بالله العظيم: هل كان يظن يوم اتصل على أهله أنه لن يصل إليهم؟! هل كانوا هم يظنون يوم أملوا عليه الطلبات أن الطلبات لن تصل؟! بل الذي يحمل الطلبات لن يصل؟! كان أحد الصالحين يقوم في هزيعِ الليل الأخير، يرقى أعلى مكان في قريته، ثم ينادي بأعلى الصوت: الرحيل الرحيل الرحيل كل يوم يكرر هذه الكلمات القليلة: الرحيل الرحيل الرحيل حتى جاء يوم وانقطع ذلك الصوت.
فقال أمير القرية: أين فلان؟ قالوا: مات.
قال: لا زال يذكر الناس بالموت حتى مات هو.
نعم.
كان يذكرهم بالموت فأتاه الموت، لكن على أي حال أتاه؟! لا زال يلهج بالرحيل وذكره حتى أناخ ببابه الجمّال فأتاه متيقظاً متشمراً لم تلهه الآمال قال أحدهم لصاحبٍ له وكانت حاله سيئة: أبا فلان! الحال التي أنت عليها أترضاها للموت؟! قال: لا والله.
قال: وهل نويت أن تغير هذه الحال إلى حال ترضاها للموت؟! قال: ما اشتاقت نفسي إلى هذا بعد، قال: وهل بعد هذه الدار دار معتمل؟! قال: لا والله.
قال: وهل تظن أن لا يأتيك ملك الموت وأنت على هذه الحال؟! قال: لا والله.
قال: والله ما رأيت عاقلاً يرضى بهذه الحال! ستنقلك المنايا من ديارك ويبدلك الردى داراً بدارك وتترك ما عنيت به زماناً وتُنقل من غناك إلى افتقارك وفي عينيك دود القبر يرعى وترعى عينُ غيرك في ديارك نعم أيها الغالي! لا تغفل عن الموت، فلقد أجمع أهل العلم على أن الموت ليس له مكان معين، ولا زمن معين، ولا سبب معين، ولا عمر معين، يأتيكم بغتة وأنتم لا تشعرون ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨] ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] يعني ذلك ما كنت منه تفر وذلك ما كنت منه تهرب.
طال الزمان أو قصر لابد أن يأتي الموت.
والناس عند الموت على حالين يا رعاك الله.
إما محب للقاء الله فيحب الله لقاءه، وإما كارهٌ للقاء الله فيكره الله لقاءه.
قالت عائشة: (يا رسول الله! كلنا يكره الموت، قال: لا يا عائشة ليس ذاك، لكن هو العبد الصالح تأتيه ملائكة الرحمن تبشره بروح وريحان، ورب راض غير غضبان، فيفرح بلقاء الله، فيفرح الله بلقائه).
أما العبد العاصي أما العبد الغافل أما الذي تناسى الموت وسكراته، فتأتيه ملائكة الرحمن، تبشره بسخط وعذاب من الله، فيكره لقاء الله فيكره الله لقاءه.
قال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: أشترط عليكم شروطاً ثلاثة لمن أراد أن يجلس في مجلسي، شروط ليتنا اشترطناها في مجالسنا اليوم، قال: إذا جلستم في مجلسي فأنا أشترط عليكم شروطاً ثلاثة: أولها: لا تتكلموا في الدنيا.
ثانيها: لا تغتابوا أحداً في مجلسي.
ثالثها: لا تمزحوا عندي أبداً.
فكانوا يتذاكرون الموت وسكراته، والقبر وظلماته، حتى إذا انفضوا كانوا كمن قام عن جنازة.
لا عجب! في آخر اللحظات ودع وهو يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، سيأتي اليوم الذي ستُمدد فيه على فراشك تريد أن تودع الصغير فلا تستطيع تريد أن تودع الكبير فلا تستطيع وحيل بينهم وبين ما يشتهون.
ليت شعري كيف يكون الحال في تلك الساعة، يوم تشخص العينان وتبرد الأطراف واليدان، وتلتف الساقان، تريد أن تتكلم فلا تستطيع، تريد أن تقول فلا تستطيع ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢١].
стр. 461
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا
فاتقوا الله عباد الله ابكوا على أنفسكم قبل أن يُبكى عليكم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، احملوا أنفسكم على الطاعات قبل أن تحملوا على الرقاب، استعدوا للموت قبل أن ينادي بأعلى الصوت رباه ارجعون فلا يستجاب لنا لساعة تجلس تحاسب فيها نفسك خير من أيام وساعات تهدر فيها الأعمار.
هذه الأيام مطايا أين العدة قبل المنايا؟ أين الأنفة من دار الأذايا؟ أين العزائم أرضيتم بالدنايا؟ إن بلية الهوى لا تشبه البلايا وإن قضية الزمان لا كالقضايا يا مستورين ستكشف الخفايا إن ملك الموت لا يقبل الوساطة ولا يأخذ الهدايا أيها الشاب! ستُسأل عن شبابك أيها الشيخ تأهب لعتابك أيها الكهل تدبر أمرك قبل سد بابك يا مريض القلب قف بباب الطبيب يا منحوس الحظ اشك فوات النصيب بالجناب قليلاً وقف على الباب طويلاً واستدرك العمر قبل رحيله وأنت بداء التفريط عليلاً يا من نذرُ الموت عليه تدور يا من هو مستأنس في المنازل والدور لو تفكرت في القبر المحفور وما فيه من الدواهي والأمور كانت عينُ العين منك تدور يا مظلم القلب وما في القلب نور الباطن خراب والظاهر معمور إنما ينظر للبواطن لا للظهور يا من كلما زاد عمره زاد إثمه يا من يدور في المعاصي فكره وهمه يا قليل العقل وقد رق عظمه يا قليل العِبَر وقد تيقن أن القبر عمّا قليل يضمه كيف نعظ من مات قلبه لا عقله وجسمه نعم أيها الغالي! لابد من الرحيل طال الزمان أو قصر، سيأتي ذلك اليوم الذي ستودع فيه الحياة، لكن قل لي بالله كيف سيكون الحال عند ساعات الرحيل؟!
стр. 462
إنك ميت وأنهم ميتون
стр. 463
موت النبي ﷺ
الذي أخر الناس عن التوبة والصدق والاستعداد للآخرة طول الأمل، ولقد قال الله عنهم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣].
الكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
الكل سيموت لأن الله قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ولأن الله قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
مات الحبيب الذي كان يقول في آخر لحظات الحياة: (ألا لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
من وصاياه في ساعات احتضاره وفي ساعات وداعه، أنه كان يقول: (الصلاة وما ملكت أيمانكم).
صعد المنبر آخر ما صعد فقال: (من أخذت منه مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، من سببت له عرضاً فهذا عرضي فليقتص منه، من ضربت له جسداً فهذا جسدي فليقتص منه؛ إن رجلاً خيره الله بين ما عنده وبين زينة الدنيا فاختار ما عند الله؛ فبكى الصديق ﵁ وأرضاه، فقالوا: ما الذي يبكي هذا الشيخ الكبير؟!) لقد علم أنها آخر ساعات الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه في آخر ساعات احتضاره أخذ يضع يده في ركوة من الماء ويمسح على وجهه، ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات إن للموت لسكرات اللهم هون علي الموت وسكراته اللهم هون علي الموت وسكراته فلما رأت فاطمة شدة البلاء على أبيها أخذت تقول: واكرب أبتاه واكرب أبتاه واكرب أبتاه فأخذ يقول لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم لا كرب يا فاطمة على أبيك بعد اليوم، ثم أخذ يشخص ببصره إلى السماء ويرفع بيده السبابة وهو يناجي ربه ويقول: اللهم اغفر لي اللهم ارحمني اللهم تب علي اللهم الرفيق الأعلى اللهم الرفيق الأعلى اللهم الرفيق الأعلى).
ثم سكتت الأنفاس الطاهرة، وتوقف القلب الكبير؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] لأن الله قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
فلما فارقت الروح الحياة وسكت ذلك الجسد الطاهر الشريف أخذت فاطمة تقول: واأبتاه واأبتاه أجاب رباً دعاه واأبتاه أجاب رباً دعاه واأبتاه جنة الفردوس مأواه واأبتاه إلى جبريل ننعاه فلما دُفن، قالت فاطمة لـ أنس: أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟! يقول أنس: فقلت في نفسي: والله ما طابت، ولكننا ألجمناها إلجاماً.
مات الحبيب لأن الله قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] الكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت.
стр. 464
موت أبي بكر الصديق ﵁
ثم يموت الصديق ﵁ وأرضاه خليفة الحبيب، وفي ساعات احتضاره وكانت ساعات احتضاره بليل أخذ يقول لـ عائشة: في أي يوم نحن؟ قالت: يوم الإثنين.
قال: في أي يوم قبض النبي ﷺ ؟ قالت: يوم الإثنين، ولقد رأى النبي ﷺ مراراً في منامه، سألوه في أيام مرضه: عرضت نفسك على الطبيب؟ قال: نعم قالوا: ماذا قال؟ قال: قال إني فعال لما أريد فلما اشتدت عليه السكرات، ورأت عائشة سكرات الموت على أبيها، أخذت تستشهد ببيت تقول فيه: أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاقت بها الصدر فقال: يا عائش! لا تقولي ذلك، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
نعم أيها الغالي! ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨].
أوصى أبو بكر عمر وصية في آخر حياته ليتنا فهمناها، قال: يا عمر إن لله حقاً بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل.
مات الصديق لأن الله قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] الكل سيموت إلا ذو العزة الجبروت.
стр. 465
موت عمر بن الخطاب ﵁
ثم يموت الفاروق ﵁ وأرضاه وهو يصلي الفجر، هل لسبب شرعي ضُيعت صلاة الفجر؟! أم بسبب المكوث ساعات وساعات أمام الشاشات والقنوات؟ طعن وهو يقرأ قوله جل في علاه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦].
نعم أيها الغالي! طعن شهيد المحراب، فلما أفاق كانت أول كلمة قالها: أصلى الناس؟ اسمع -يا رعاك الله- أول كلمة تلفظ بها عمر يوم أفاق من غيبوبته، قال: أصلى الناس؟ ثم رأى الدم ينزف منه نزفاً، تيقن أن الموت قد اقترب، كان هناك شغل يشغله وهم يهمه، قال يا عبد الله بن عمر اذهب إلى عائشة أم المؤمنين وقل لها: يقرئك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست أميراً للمؤمنين بعد اليوم قل لها: يبلّغك عمر السلام ويستأذنك أن يُدفن مع صاحبيه.
يريد أن يكون رفيق النبي ﷺ حتى في الممات.
فذهب عبد الله بن عمر وطرق الباب على عائشة وقال لها: يقرئك عمر السلام، ويقول لك: أتأذنين له أن يدفن مع صاحبيه؟ فقالت الصديقة بنت الصديق: والله إني كنت أريده لنفسي، ووالله لأوثرن عمر على نفسي فلما رجع عبد الله بن عمر ورآه عمر قد أقبل، قال: أجلسوني، فقال: ما الخطب يا عبد الله بن عمر؟ قال: أبشر يا أمير المؤمنين فقد رضيت.
فتهلل وجه عمر ﵁ وأرضاه لأن القضية كانت تشغله وتهمه.
ما كان يوصي بمال ولا بعيال ولا بحلال، القضية قضية مرافقة في الدنيا وفي الآخرة.
فقال عمر: إن أنا مت فغسلوني وكفنوني ثم احملوني واطرقوا عليها الباب، وقولوا: يستأذن عمر مرة ثانية، فإن أذنت وإلا فخذوني إلى مقابر المسلمين.
فلما حانت ساعة الاحتضار وبدأت تتنزل عليه كربات الموت، أخذ عبد الله بن عمر رأسه ووضعه على فخذه، فقال عمر: ضع وجهي على التراب علّ الله أن يرحم عمر، ليتني خرجت منها كفافاً لا لي ولا علي، وددت أن أمي لم تلدني ليتني كنت ورقة تعضد من هو؟! عمر الصوام القوّام يقول: وددتُ أني خرجتُ منها كفافاً لا لي ولا علي.
مات عمر مات عمر لأن الله قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] الكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت.
стр. 466
موت عثمان ﵁
ثم يموت عثمان ﵁ وأرضاه، يموت وقد رأى في منامه في تلك الليلة النبي ﷺ يقول له: تفطر عندنا غداً، فأصبح صائماً ﵁ وأرضاه، تسلقوا عليه البيت وطعنوه وهو يقرأ القرآن، فتدفقت تلك الدماء على لحيته الطاهرة، ثم أخذ يدعوا ويقول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين اللهم اجمع شمل أمة محمد اللهم اجمع شمل أمة محمد.
عثمان وما أدراك ما عثمان؟! تلك اللحية التي لطالما تبللت بالدموع من خشية الله، تلك اللحية التي لطالما تبللت بكاء وخشية من الله جلّ في علاه.
عثمان الذي إذا ذكرت الجنة والنار يبكي، وإذا ذُكر القبر يبكي بكاءً شديداً، فإذا قيل له: لا تبكي للجنة والنار كبكائك للقبر؟! قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (القبر أول منازل الآخرة) إذا كان الذي فيه هيناً فما بعده أهون، وإن كان الذي فيه شديداً فما بعده أشد.
مات عثمان قارئ القرآن الذي قال عنه النبي ﷺ : (ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم) عثمان الذي نفس بأمواله كربات المسلمين، عثمان الذي كان أباً للأرامل والفقراء والمساكين.
مات لأن الله قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] الكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت.
стр. 467
موت علي ﵁
وبعد ساعات الفجر تحلو دقائق الاستغفار فخرج علي مستغفراً ربه بعد قيام الليل منطلقاً إلى صلاة الفجر، فيطعن وهو في طريقه إلى المسجد.
شتان بين خواتيم وخواتيم، شتان بين من يقتل وهو يسير إلى المسجد، وشتان بين من يسير إلى معصية الله.
ثم يوم علم علي أنها النهاية قال: أبقوه، فإن أنا بقيت قتلت أو عفوت، وإن أنا مت فاقتلوه وعجلوه فإني مخاصمه عند ربي جل في علاه؛ ولم يتلفظ بعدها بكلمة إلا قول: لا إله إلا الله لا إله إلا الله لا إله إلا الله حتى فارق الحياة.
علي المجاهد العنيد والمقاتل الصنديد يموت وهو يسير إلى صلاة الفجر.
مات لأن الله قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] الكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت.
стр. 468
موت أبي هريرة ﵁
مات أبو هريرة راوي الحديث والمرافق للنبي ﷺ في روحته وجيئته.
ماذا يقول في ساعات الاحتضار؟! يقول: آه من قلة الزاد وطول الطريق، راوي الحديث ناقل السنة وناقل العلم الشرعي للأمة، يقول: آه من قلة الزاد وطول الطريق.
فماذا يقول المفرطون أمثالنا؟! ماذا يقول المقصرون أمثالنا؟! ماذا يقول المذنبون والمضيّعون؟! مات أبو هريرة لأن الله قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] الكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت.
стр. 469
موت معاذ بن جبل ﵁
ثم يموت أعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ ﵁ وأرضاه، كانت ساعة احتضاره بليل، فقال لابنه: أصبحنا؟ قال: ليس بعد.
ثم سأله مرة ثانية: أصبحنا؟ قال: ليس بعد، ثم سأله مرة ثالثة قال: أصبحنا؟ قال: نعم، قال: أعوذ بالله من ليلة صبيحتها إلى النار أعوذ بالله من ليلة صبيحتها إلى النار ثم أخذ يدعو ربه ويناجيه ويقول: اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك، وأنا الآن أرجوك، اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك وأنا الآن أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لطول البقاء، ولا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لصيام الهواجر، وقيام الليل، ومجالسة العلماء.
انظر على ماذا يبكون انظر على ماذا يتحسرون، ونحن: النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها مات لأن الله قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] الكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت.
امرأة من الصالحات أُلقي في روعها أنها تموت، فقالت لزوجها: أريد أن أذهب إلى مكة، أريد أن أرى بيت الله جلّ في علاه، ودّعت الصغير والكبير كأنها تودعهم لآخر مرة، طافت وسعت ودعت وتضرعت، ثم في طريق العودة انقلبت السيارة وأصيبت في رأسها إصابة بالغة، فنزل زوجها ومددها على جانب الطريق فإذا هي رافعة إصبعها السبابة تتشهد وتقول: لا إله إلا الله، أقرئ أهلي مني السلام وقل لهم الملتقى الجنة.
ماتت لأن الله قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ولأن الكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت.
стр. 470
خاتمة السوء
شتان بين موت الصالحين وبين موت أهل السفور وأهل الفجور.
شاب من الشباب أعرفه تمام المعرفة، فيه من الحياء شيء قليل لا يكفي لأن يردعه عن الحرام، فكم مررنا على بيت ذلك الشاب والشباب عنده مجتمعون في لهو وضياع للأوقات والأعمار.
كنت أمر عليهم في أوقات الصلاة وأقول: يا شباب! لله حق فأدوا حق الله ثم اصنعوا ما تشاءون، عل الله أن يتدارككم برحمته.
كانوا لا يستجيبون، ثم جاءت الأخبار أنهم قد نووا السفر إلى بلاد الكفار، حيث يحارب الله بالمعاصي، ذكرناهم خوفناهم ولكن تمكن منهم الشيطان وزين لهم أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جارٌ لكم، ذهبوا ورجعوا بعد ثلاثة أيام يحملونه في تابوت، ما الخبر؟ ما القصة؟ ما الخطب؟ أكثروا من اللهو والضياع والمعاصي فأصابته نوبة قلبية وخر ميتاً في مكانه، ذهبوا وهم يسيرون جميعاً على الأقدام ورجعوا وهم يحملونه على أكتافهم، هل كان يظن يوم أن سافر أنها آخر سفرة يسافرها في حياته.
وقفتُ على قبره تذكرتُ الأيام الماضية، وكم ذكرناهم وكم قلنا لهم ولكن لا تحبون الناصحين، كم قلنا لهم وكم وعظناهم، ولكن إنّا لله وإنا إليه راجعون.
أهكذا يموت الشباب؟! قلت في نفسي: ما جاء من أرض جهاد حتى نكون به من الفرحين، ما جاء من أرض علاج حتى نكون عليه من المشفقين، ما جاء من أرض يطلب فيها العلم حتى نكون به من المباهين.
الكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت.
فاتقوا الله عباد الله اتقوا الله عباد الله فالعمر مهما طال فهو قصير، والدنيا مهما عظمت فهي حقيرة.
أكثروا من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات، ومؤتم البنين والبنات، زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة، أكثروا من مجالس الذكر فإنها تحيي القلوب.
فإذا قسا القلب فلابد من الإكثار من ذكر الله، وتذكر الآخرة وتذكر الموت، وتذكر النهاية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ١٩].
اللهم اجعل خير عمرنا آخره، وخير عملنا خواتيمه، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم أطل أعمارنا، وأصلح أعمالنا.
اللهم امنن علينا بتوبة نصوح قبل الموت، وشهادة عند الموت، ورحمة بعد الموت يا رب العالمين! لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، بها نحيا وبها نلقى الله.
اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله.
اللهم هون علينا الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والسؤال وشدته، والقبر وضمته، ويوم القيامة وكرباته.
اللهم عاملنا بما أنت أهله، ولا تعاملنا بما نحن أهله، إنك أنت أهل التقوى وأهل المغفرة.
اللهم اغفر ذنبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا.
اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، وأصلح ذات بيننا، وانصرنا يا قوي يا عزيز! على القوم الكافرين.
أستغفر الله العظيم، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 471
نجاة أهل الصدق
الصدق منزلة عظيمة ومرتبة عالية، فهي أدنى من مرتبة النبوة وأعلى من مرتبة الشهداء، وإن أمراً بهذه المنزلة جدير بأن يتنافس فيه المتنافسون، ويتسابق إليه المتسابقون.
ولا يمكن أن يصل إلى تلك المنزلة الرفيعة إلاّ من عرف حقيقتها حق المعرفة، فالصدق ليس محصوراً في الأقوال فحسب، بل يتعدى ذلك، فمفهوم الصدق أوسع وأشمل مما يظنه كثير من الناس.
стр. 472
الحث على الصدق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
معاشر الأحبة! منذ فترة مضت مر بي هذا الموقف ولعله موقف يتكرر هنا وهناك: في ضحى أحد الأيام بينما أنا على طريق الدمام الساحلي متجهاً إلى مدينة الخبر، إذا برجل على جانب الطريق يشير إلي باستحياء، فاستحيت أنا وتوقفت، فقال: أنا ليلة البارحة أطلت السهر واستيقظت متأخراً فما وجدت من يوصلني إلى مكان وظيفتي، قلت: أين تعمل؟ قال: أنا أعمل في ميناء الدمام، قلت: الأمر هين وأنت على طريقي.
ركب الرجل، ثم دار بيني وبينه هذا الحديث: قال: ماذا سأقول لرئيسي الآن؟ كيف سأبرر له تأخري؟ قلت: الأمر هين، قل له كما قلت لي تماماً، أطلت السهر، واستيقظت متأخراً، ولم تجد أحداً يوصلك إلى مكان الوظيفة، قال: لن يقبل مني.
قلت: مصيبة! نتحدث بالصدق ونقول الحقيقة ثم لا يقبل منا! وهذا هو واقعنا اليوم، فنكذب ونلفق بالأيمان الكاذبة حتى نعد من الصادقين، وإن صدقنا وقلنا الحق لم يقبل منا، فماذا نفعل؟ أليست هذه من علامات آخر الزمان؟ قال النبي ﷺ : (إن من ورائكم أياماً خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة) هذه أشراط الساعة ظهرت فينا والله المستعان ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٨ - ١٩].
قلت -والحديث لا زال بيني وبينه مستمراً-: أنت تريد رضا من؟ إن أنت تحدثت بالصدق فسترضي الله ﵎، وإن أنت كذبت فستسخط الله ﵎، والنبي ﷺ يقول: (من ابتغى رضا الله في سخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن ابتغى رضا الناس في سخط الله سخط الله عليه، وأسخط الناس عليه).
لسان حال الصادق: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب من الذي يملك الضر والنفع؟ أليس هو الله؟! أنت تبتغي رضا من؟ رضا الله أم رضا المخلوق؟! أحبتي! كثير اليوم من يجامل، ويتنازل عن دينه، ويتنازل عن مبادئه، ويتنازل عن قيمه في سبيل عرض من الدنيا قليل، لما تنزل قول الحق ﵎: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] قال النبي ﷺ لجبريل: (أتضيع أمتي الصلاة؟) أتضيع أمة محمد الصلاة! تعجب بأبي هو وأمي، هل يعقل أن أمة محمد تنام وتتخلف عن الصلوات؟ فقال جبريل ﵇: (يا محمد! يأتي أقوام من أمتك يبيعون دينهم كله بعرض من الدنيا قليل) نسأل الله أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
هذا موقف يمر بي وبك في كثير من الأحيان، يمر بنا في متاجرنا في أماكن وظائفنا في شوارعنا في كل مكان، أصبح الكذب سمة بارزة في المجتمع، الجميع يكذب إلا من رحم الله ﵎، وقل أن نرى الصادقين.
стр. 473
عاقبة الصدق حميدة وعاقبة الكذب وخيمة
اعلم -بارك الله فيك- أن الصدق امتحان وابتلاء، ولكن عواقب الصدق دائماً حميدة، والكذب -والعياذ بالله- وبال وشر على صاحبه، وعواقبه دائماً وخيمة، وحبل الكذب قصير مهما طال، والبضاعة النادرة إذا قلت في الأسواق غلا ثمنها، وزاد طلب الناس عليها، والبضاعة التي نحتاجها اليوم بضاعة الصدق.
قال ابن القيم ﵀: من منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] منزلة الصادقين، المنزلة التي فرقت بين المؤمنين وبين المنافقين، المنزلة التي فرقت بين أهل النيران وبين أهل الجنان، الصدق الذي صرع الباطل وطرحه، من صال به لم ترد صولته، ومن جال به لم ترد جولته، وهو باب الدخول على الرحمن، قال الله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩]، وقال: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨]، مرتبة الصادقين أدنى من مرتبة النبوة وأعلى من مرتبة الشهداء، قال الله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩].
الصدق من مراتب الأنبياء كما قال الله عن أنبيائه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤١]، وقال عن إسماعيل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، وقال عن يوسف: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف:٤٦].
стр. 474
سبب بلوغ الصديق مرتبة الصدق
بلغ مرتبة الصدق من هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، لكن
السؤال
كيف بلغها؟ وكيف وصل إلى تلك المرتبة العالية؟ وصلها بالأفعال لا بالأقوال، والمواقف هي التي تبين طبيعة الرجال، أما في الرخاء فالجميع يدعي، لكن يأبى الله إلا أن يمتحن هذا ويمتحن ذاك، ليظهر كل إنسان على حقيقته، وهذه سنة ماضية في الأولين وسنة ماضية في اللاحقين: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] وما أقلهم! ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣] وما أكثرهم! ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣].
الصدق مرتبة رفيعة بلغها الصديق ﵁ وأرضاه بأفعاله، قالها وصدق الأقوال بالأفعال، والأفعال أبلغ أثراً من الأقوال، جاء أهل مكة إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه في أول البعثة يقولون له: إن صاحبك -يعنون محمداً ﷺ يدعي أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء، ثم رجع من ليلته.
القلوب التي لم ترض بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً لم تستطع أن تتصور هذا، فقالوا: يا أبا بكر! صاحبك يدعي أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء، ثم رجع من ليلته، فقال أبو بكر ﵁ وأرضاه: أوقد قال؟ قالوا: نعم، قال: صدق! بكل صراحة وبكل ثقة ويقين، وبلا أدنى تردد ولا ريب، وهذه من علامات الإيمان: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، ما عنده شك أن قدرة الله مطلقة، وأن علم الله مطلق، وأن الله على كل شيء قدير.
قالوا: إنه يقول: أسري به وعرج به في ليلة واحدة، والمطايا لا تقطع هذه المسافة إلا في شهور طويلة، ثم ترجع في شهور أطول بعد تعب وعناء، وصاحبك من ليلة واحدة أسري به ثم عرج به إلى السماء، قال: أوقد قال؟ قالوا: نعم، قال: صدق، نصدقه فيما هو أعظم من هذا، نصدقه في خبر السماء صباح مساء، أفلا نصدق أنه أسري به ثم عرج به إلى السماء؟! فـ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] فسمي أبو بكر من بعدها بـ الصديق، وجاء بالصدق وصدق به.
والمواقف التي تثبت أن الصديق أهل لهذه الكلمة كثيرة، يوم الهجرة يوم امتحان عظيم، فيه تغير مجرى حياة البشرية، وانتقلت قوة الإسلام من مكة إلى المدينة، ومن هناك انطلقت كتائب الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها؛ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، فكان يوم الهجرة يوماً عظيماً، والذي حدث أن النبي ﷺ أمر أصحابه بالهجرة، وبدءوا بالخروج آحاداً وفرادى وجماعات، وبقي -بأبي هو وأمي- ينتظر الأمر من السماء حتى يخرج إلى المدينة، وأبو بكر ﵁ وأرضاه- يعد العدة لمرافقة النبي ﷺ ، إنها رحلة من أخطر الرحلات، خرج النبي ﷺ وهو مطلوب حياً أو ميتاً، تخيل رجل تطلبه استخبارات الجزيرة كلها، رجل مطارد من القاصي والداني، من يأتي به حياً أو ميتاً فله مائة ناقة من أطيب أموال العرب، فمن الذي يجازف في مرافقته؟ وماذا تعني مرافقة هذا الرجل في تلك الرحلة الصعبة؟ تعني الموت، لا معنى لتلك الرحلة والمرافقة إلا الموت والهلاك.
فلما جاء النبي ﷺ إلى أبي بكر يخبره بأن الله قد أذن له بالهجرة؛ بكى الصديق ﵁ وأرضاه، وأخذ يقول للنبي ﷺ : الصحبة الصحبة، أسألك بالله الصحبة الصحبة! أتعي ماذا تعني الصحبة؟ أتعي ماذا تعني تلك المرافقة في تلك الرحلة؟ إنها الموت والهلاك، يقول عمر ﵁ وأرضاه: ما غبطت الصديق على شيء كيوم الهجرة.
فهو يوم غير الله فيه مجرى البشرية.
وفي طريق الهجرة أظهر الصديق العجب العجاب، أظهر من الصدق والتفاني في خدمة الدين ما الله به عليم، يقول النبي ﷺ عن أبي بكر: (تارة يسير عن يميني، وتارة عن شمالي، وتارة من أمامي، وتارة من خلفي، قلت: عجب أمرك يا أبا بكر! قال: يا رسول الله! أتذكر الرصد فأخاف عليك، إن أنا هلكت يهلك رجل واحد، وإن أنت تهلك تهلك البشرية كلها) استحق الصديق أن يكون ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
ثم المواقف تبين أن الصديق صادق في قوله وفي فعله، في الرخاء يدعي الجميع وصلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاك، دعاهم النبي ﷺ للنفقة، فقال عمر: والله لأتصدقن اليوم بصدقة ما تصدقها الصديق.
منافسة على الطاعات، ومسابقة إلى مرضاة رب الأرض والسماوات، لا كما هو الواقع اليوم، سباق على الدنيا وعلى حطامها، انقلبت الموازين، فبدلاً من أن نتسابق إلى مرضاة الله، بدأنا نتسابق على حطام الدنيا الفانية، يقول عمر: والله لأسبقن الصديق اليوم.
فأتى بنصف ماله، أتدري ماذا يعني نصف المال؟ أن تخرج نصف الرصيد الذي تملكه، وتنفقه بنفس طيبة راضية في سبيل الله، فجاء عمر إلى النبي ﷺ بنصف ماله، فقال له النبي ﷺ : (ماذا أبقيت لأهلك يا عمر؟ قال: أبقيت مثله) أي: أنفقت النصف وأبقيت النصف الآخر لأهلي.
ثم ظل عمر يترقب قدوم الصديق ﵁ وأرضاه، فجاء ووضع ماله كله في حضن النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله) فقال عمر: تباً لك يا عمر! مثلك ينافس الصديق؟ ما غيرته الخلافة وما غيرته الإمارة، بل زادته تواضعاً وبذلاً للناس ﵁ وأرضاه، يقول عمر: كنت أراه يصلي الفجر، ثم ينطلق من مصلاه مسرعاً، فقلت: إلى أين يذهب الصديق في مثل هذه الساعة، فتتبعته، فوجدته يدخل بيتاً من بيوت المسلمين، فيمكث فيه حيناً من الزمن، ثم يخرج، فقلت: سأرى ماذا يفعل الصديق في ذلك البيت؟ يقول عمر: فلما خرج الصديق دخلت البيت، فإذا فيه امرأة عمياء معها صبية صغار، قلت: من أنت يا أمة الله؟! قالت: عمياء حسيرة كسيرة، قلت: ومن هذا الرجل الذي يدخل عليكم؟ قالت: ما نعرفه، ما تدري أن هذا خليفة النبي ﷺ ! ما تدري أن هذا هو أمير المؤمنين وقائدهم ﵁ وأرضاه! قال عمر: وماذا يصنع عندكم؟ قالت: يحلب شاتنا، ويكنس دارنا، ويطعم صغارنا، ثم يمضي في سبيله! هذا الصديق ﵁ وأرضاه، ما غيرته الخلافة والإمارة على أمة محمد ﷺ ، فقال عمر: لأسبقن الصديق غداً، قال عمر: فجئتها مبكراً قبل أن يأتيها الصديق في ذلك اليوم، فقالت لي: لقد سبقك صاحبك! جاءها أبو بكر في ذلك اليوم قبل الوقت المعتاد الذي كان يأتيها فيه! فقال عمر: تباً لك يا عمر! مثلك ينافس الصديق؟! سخروا أنفسهم وسخروا أموالهم وسخروا أوقاتهم كلها لمرضاة الله ﵎، فقال الله عنهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣].
стр. 475
المواقف تبين حقيقة الرجال
المواقف هي التي تبين حقيقة الرجال، أعظم مصيبة مرت على الأمة هي وفاة النبي ﷺ ، ما ابتليت الأمة ببلاء، وما أصيبت بمصيبة أعظم من فقد النبي ﷺ ، لكن النبي ﷺ حين مات ترك رجالاً يعرفون قيمة المسئولية، يعرفون أنهم مسئولون عن هذا الدين، وأنهم سيبذلون كل غالٍ وكل نفيس من أجل نصرة هذا الدين، لما مات النبي ﷺ بدأت علامات النفاق وبدأت المصائب والآلام تهاجم المدينة الصغيرة من كل الجهات، ارتدت الجزيرة ولم يبق على الإسلام إلا مكة والمدينة، وبدأت الروم والفرس تتربص بالمسلمين الدوائر، فقيض الله للمرتدين أبا بكر ﵁ وأرضاه، فشاور القوم: ماذا تقولون في هذه الأوضاع؟ شتان بين حال الأمة بالأمس وحالها اليوم، في الأمس وجدت الأمة من ينصر دينها، ويصون أعراضها، ويحقن دماءها، ويحفظ مقدساتها في كل مكان، أين لنا بمثل أبي بكر وعمر ﵄؟! قال أبو بكر لمن معه: ما رأيكم؟ شاورهم في المرتدين، قالوا: هناك جيش صغير أخرجه النبي ﷺ لتأديب الروم بقيادة أسامة بن زيد الشاب الصغير ابن السابعة عشرة! اسمع يا ابن السابعة عشرة، قواد الجيوش من أبناء السابعة عشرة والثامنة عشرة، فماذا يقدم لنا أبناء السابعة عشرة والثامنة عشرة اليوم؟ بعث معاذ سفيراً إلى اليمن وهو ابن ثمان عشرة سنة، فماذا يقدم لنا الشباب اليوم؟ النبي ﷺ قبل موته بارك لذلك الجيش ودعا له بالخروج، ثم مات النبي ﷺ قبل أن يخرج الجيش، وارتد من ارتد، وجمع أبو بكر المهاجرين والأنصار يستشيرهم في الأمر، فقال عمر: نصبر على المرتدين ما داموا يقيمون الصلاة حتى تنجلي الأمور، وتذهب الأحزان، وتخف الآلام، ثم شاور عثمان وعلياً فقالا بمثل مقولة عمر ﵃ وأرضاهم، أما الصديق الملهم من ربه فكان له رأي آخر، قال: أما جيش أسامة فيمضي في طريقه، من يكون ابن قحافة حتى يخالف أمراً من أوامر رسول الله ﷺ ، والبقية الباقية من الرجال تجتمع في المسجد استعداداً للخروج لمقاتلة المرتدين، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه.
وقال مقولته التي لا زال التاريخ يشهد لها: أينقص الدين وأنا حي؟! فانظر إلى ديننا، وإلى بيوتنا وأسواقنا، وإلى كل مكان، من منا قال هذه المقولة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وبذل الغالي والنفيس من أجل نصرة هذا الدين؟ خرج جيش أسامة وخرج أبو بكر ﵁ بالرجال، فقاتلوا المرتدين، ومن أول معركة انتصر الصديق، وعاد للمدينة واستعد للخروج مرة ثانية، فأشاروا عليه بالبقاء، وقالوا: يا خليفة رسول الله! لا تفتنا في نفسك، فجهز الجيوش، وانطلقت الألوية، حتى فاءت الجزيرة ورجعت إلى دين الله أفواجاً، من الذي أعادها؟ أعادها الرجال، أعادها الذين صدقوا مع الله، فصدق الله معهم، بالمواقف يعرف الرجال، وفي الشدة يعرف الرجال لا في الرخاء.
تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبر النحل ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩].
стр. 476
مجالات الصدق
стр. 477
الصدق مع الله
أعظم مجالات الصدق: الصدق مع الله ﵎، لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، أسألك بالله العظيم: هل الصادق ينام عن الصلوات؟ أليس النوم وقت الصلاة من علامات المنافقين؟ أليس التخلف عن الصلوات والتكاسل في أداء الطاعات من صفات المنافقين والعياذ بالله؟ فأين صليت اليوم؟ وهل كنت صادقاً أم كنت من الكاذبين؟! ومن أعظم مجالات الصدق: أن نصدق مع أنفسنا، ومن صدق مع الله صدق مع نفسه.
ومن أعظم مجالات الصدق: أن نصدق مع الآخرين، وأن نحب للآخرين ما نحب لأنفسنا.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 478
الصدق في التوبة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: أحبتي! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، اتقوا الله عباد الله! اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.
أتدرون من الصادق؟ الصادق هو الذي يصدق في توبته وفي رجعته وإنابته إلى ربه ﵎، لذلك جاء في سياق سورة التوبة بعد أن ذكر الله أخبار الثلاثة الذين خلفوا: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]، ثم قال الله في الآية التي تليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] أي: كونوا مع الذين تابوا وصدقوا في توبتهم ورجعتهم وإنابتهم إلى ربهم ﵎.
كثير منا يتوب، ولكنه يكذب في توبته، ويتمادى في خطئه وزلته، وتناسى أن الله يمهل، وأنّ الله ليس بغافل عما يعمل الظالمون.
قال منصور بن عمار: كان لي صديق مسرفا على نفسه، ثم تاب، وكنت أراه كثير العبادة والتهجد، ففقدته أياماً، فقيل لي: هو مريض، فأتيت إلى داره، فخرجت إلي ابنته، فقالت: من تريد؟ قلت: قولي لأبيك: فلان، فاستأذنت لي، ثم دخلت، فوجدته في وسط الدار وهو مضطجع على فراشه، وقد اسود وجهه، وذرفت عيناه، وغلظت شفتاه، فقلت له وأنا خائف منه: يا أخي! أكثر من قول: لا إله إلا الله، ففتح عينيه فنظر إلى بشدة ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقلت له ثانية: أكثر من قول: لا إله إلا الله، ثم قلتها له ثالثة، ففتح عينيه وقال: يا أخي منصور! هذه كلمة قد حيل بيني وبينها، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قلت: يا أخي! أين تلك الصلاة؟ أين ذلك الصيام؟ أين التهجد والقيام؟ فقال: كان كل ذلك لغير الله، وكانت توبتي كاذبة، إنما كنت أفعل ذلك ليقال عني، وأذكر به، وكنت أفعل ذلك رياء للناس، فأبى الله إلا أن يطرحه، قال: فكنت إذا خلوت بنفسي أغلقت الأبواب، وأسدلت الستور، وشربت الخمور، وبارزت ربي بالمعاصي، ودمت على تلك مدة من الزمان، فأصابني مرض، وأشرفت على الهلاك، فقلت لابنتي هذه: ناوليني المصحف وأخرجوني إلى وسط الدار في الفناء، قال: فأخذوني إلى وسط الدار في الفناء، ومعي المصحف، فنظرت فيه وقرأت فيه، فقلت: اللهم بحق كلامك هذا في هذا القرآن العظيم إلا شفيتني، وأنا أعاهدك ألا أعود إلى الذنب مرة ثانية، ففرج الله عني، فلما شفيت عدت إلى ما كنت عليه من المعاصي والذنوب، وأنساني الشيطان العهد الذي بيني وبين ربي، فبقيت على ذلك مدة من الزمن، في شهوات ولذات ومعاص، أحارب رب الأرض والسماوات، فمرضت مرة ثانية مرضاً شديداً أشرفت فيه على الموت، فأمرت أهلي وقلت: أخرجوني إلى فناء الدار، وجيئوني بالمصحف، أفعل كما فعلت في المرة الأولى، فقرأت القرآن ثم رفعته إلى صدري وقلت: اللهم بحرمة هذا المصحف الكريم وكلامك إلا ما فرجت عني، قال: فاستجاب الله، لي وفرج عني، وعاهدت الله ألا أرجع إلى الذنب والعصيان مرة ثانية، لكني عدت وتناسيت وتغافلت، فوقعت في هذا المرض الذي تراني فيه الآن، فأمرت أهلي فأخرجوني إلى وسط الدار كعادتي وكما تراني، ثم قلت لهم: ائتوني بالمصحف لأقرأ فيه، فلما فتحت المصحف في هذه المرة، لم أر حرفاً واحداً من كلامه، فعلمت أن جبار السماوات والأرضين قد غضب علي، كم عاهدته وكم تبت وكذبت في توبتي، وكم وكم أمهلني وأعطاني من الفرص الواحدة تلو الأخرى! فعلمت أنه سبحانه قد غضب علي، فرفعت رأسي إلى السماء، وقلت: اللهم فرج عني، يا جبار الأرض والسماء، فسمعت كأن هاتفاً يقول: تتوب عن الذنوب إذا مرضت وترجع للذنوب إذا برئت فكم من كربة نجاك منها وكم كشف البلاء إذا بليت أما تخشى بأن تأتي المنايا وأنت على الخطايا قد دهمت قال منصور بن عمار: فو الله ما خرجت من عنده إلا وعيني تسكب العبرات، فما وصلت الباب إلا وقيل لي: إنه قد مات، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤].
لذلك قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].
يجب على الناس أن يتوبوا، ولكن ترك الذنوب أوجب، والدهر في مروره عجيب! ولكن غفلة الناس عنه أعجب، وكل ما ترتجي قريب، ولكن الموت دون ذلك أقرب.
اتقوا الله -عباد الله- وكونوا مع الصادقين.
стр. 479
الصدق طريق إلى الجنة
الصدق طريق الجنة، والكذب طريق النار، قال ﷺ : (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا زال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).
أيبتلي الصادق؟ نعم يبتلى.
أيخذل؟ لا والله.
توجد عقبات كثيرة تعترض الصادقين فيتجاوزونها؛ لأنهم علموا ما هو الثمن المترتب على الثبات والصدق مع رب العالمين قال الله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٤ - ١٥].
من هم؟ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٦].
ما هي صفتهم؟ ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].
اللهم اجعلنا منهم ومعهم، اللهم أدخلنا مدخل صدق، وأخرجنا مخرج صدق، واجعل لنا من لدنك سلطاناً نصيراً.
اللهم اجعلنا ممن يقولون الحق ولا يخافون فيك لومة لائم.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا -يا ربنا- من الراشدين، واحشرنا في زمرة الصادقين المخلصين المنيبين يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اغفر ذنوب المذنبين، واقبل توبة التائبين، وتحمل منا وتجاوز عنا يا أرحم الراحمين! عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم.
стр. 480
نشرة الأخبار
المآسي الموجودة في بلاد المسلمين لا تعد ولا تحصى، فقد طفحت على الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية، فما أكثر القتلى والمأسورين، وما أضعف الاقتصاد، وما أكثر ما ينفق على الرقص والغناء!
стр. 481
مؤامرة اليهود في إحراق المسجد الأقصى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله! إن ما يحدث في فلسطين على مرأى ومسمع من العالم كله، لمأساة إنسانية ذات أبعاد خطيرة لم نسمع بمثلها، حيث لم ير العالم شعباً كاملاً يعاني التهجير والنفي والاغتصاب للأملاك والأعراض مع القتل والأسر وسائر سلوك الأذى، ثم يظل قسم من هذا الشعب في وضع معيشة إجبارية خارج أرضه ووطنه، وقسم يعاني حياة ذليلة داخل أرضه ووطنه، حيث يتحكم اليهود والخونة بمصادر رزقهم، حتى اضطر كثير من العمالة الفلسطينية إلى ما هو أسوأ من أكل الميتة، ألا وهو العمل في بناء المستوطنات وتعمير القرى والبلدان التي يستولي عليها اليهود، مقابل لقمة عيش ممزوجة بمرارة الاضطرار، وحرارة العوز والافتقار.
والأعجب من هذا كله أن يفرض على هذا الشعب أن يحيا أعزل من السلاح، أعزل من كل سلاح يمكن أن يدافع به عن نفسه إلا سلاح الحجارة، فأي عصر حجري هذا الذي نعيشه! بأي حق وبأي عرف أو قانون يحرم شعب كامل من الدفاع عن دمه وعرضه وماله وأرضه، وإن دافع نسب إليه الإرهاب والتطرف.
لا تلمني إن مس عقلي ذهول أو تداعى تحملي واصطباري فدموع اليتامي عبر الحنايا سلبت في الخطوب كل وقار وجراح الأقصى تمزق صدري وعدو الإسلام يحتل داري أحبتي! في مثل هذه الأيام وقبل (٣٥) سنة، تم إحراق المسجد الأقصى بتواطؤ من السلطات الإسرائيلية، التي قامت بقطع المياه عن منطقة المسجد فور حصول الحريق، وحاولت منع المواطنين العرب وسيارات الإطفاء من القيام بإطفاء النار، وكاد الحريق يأتي على قبة المسجد المبارك، حيث استمات المسلمون الذين اندفعوا عبر النطاق الذي ضربته قوات الشرطة الإسرائيلية، وتمكنوا من إطفاء الحريق، ومع أنه استمات المسلمون في إطفاء الحريق إلا أن النار أتت على منبر المسجد، واشتعلت في سطح المسجد الجنوبي، وأتت على سقف ثلاث أروقة وجزء كبير من هذا القسم، وادعت إسرائيل أن التماساً كهربائياً كان السبب في الحريق، ولكن تقارير المهندسين العرب أوضحت بجلاء لا يدع مجالاً للشك أن الحريق تم بفعل أيد مجرمة، مع سبق الإصرار والتصميم.
مما اضطر الحكومة الإسرائيلية إلى الادعاء بأن شاباً أستراليا يدعى دنس مايكل ويبلغ من العمر (٢٨) سنة، كان قد دخل فلسطين المحتلة قبل (٤) أشهر من وقوع الحريق، هو الذي ارتكب هذه الجريمة، وزعمت حكومة الاحتلال أنها قبضت عليه وستقدمه للمحاكمة، ولكن لم يمض وقت طويل حتى أعلنت الحكومة الإسرائيلية أن دنس مايكل هذا مجنون، وأطلقت سراحه.
إنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة في سلسلة اعتداءاتهم على الأقصى وعلى شعب فلسطين، ولست اليوم أذكركم بحق الأقصى وبحق فلسطين وأهلها، ففضل الأقصى عظيم، وحق أهل فلسطين أعظم، لكن لماذا تجرأ علينا أحفاد القردة وعباد الصليب؟ ولماذا هذا الصمت المطبق من العالم أجمع ومن العالم الإسلامي خاصة؟ أما كانت لنا الصافنات الجياد نصول على الظالم المجرم فكانت لنا عزة المؤمنين نباهي بها هامة الأنجم فماذا دهانا لنرضى الهوان أناخ على القدس في مأتم يلوث بالرجس ساحاتها ويختال في ليلها المظلم
стр. 482
مآسي المسلمين
إذا أردتم أن تعرفوا سبب الاستسلام والهوان فتابعوا معي نشرة الأخبار التي سأقرؤها على مسامعكم، والتي تبين أحوال شعب الله المحتار، وقبل بداية النشرة سأقرأ عليكم أهم العناوين: مآس من فلسطين وآهات من السعودية وعجائب في مصر وآلام من أفغانستان ونظرة في سوق البورصة والأموال وماذا كان يحدث في العراق وما هي أخبار تونس والسودان وتطورات في الإمارات وخبر من الكويت وفي النشرة أخبار نسائية متفرقة وأخبار أخرى.
كانت هذه أهم العناوين فإلى تفاصيل النشرة التي سنبدؤها من فلسطين:
стр. 483
مآس من فلسطين
أفاد مراسلنا في فلسطين أنه وعلى مدى عام كامل سقط ١١٣٥ قتيلاً فلسطينياً منهم ٢٦٨ طفلاً دون سن الثامنة، و٥٦ فتاة وسيدة، وقتل ٣٥ فلسطينياً وفلسطينية على الأقل عند الحواجز الإسرائيلية برصاص الاحتلال، وبلغ عدد الجرحى على مدى عام ٢٩ ألف جريح من بينهم ٢١٠٠ أصيبوا بإعاقات دائمة، و٤٥٠ فقدوا بصرهم، كما قتل ١٥٠ طالباً وطالبة وهم في مدارسهم أو في محيطها.
وأفاد مراسلنا أنه جرى قصف لـ١٤٠ مدرسة، واقتحام ٢٩ أخرى، وتم تحويل ٩ مدارس إلى ثكنات عسكرية، والجدير بالذكر أنه تم هدم ٥٨٠ بيتاً فلسطينياً وتشريد أهله بصورة كاملة، وآلاف أخرى بشكل جزئي.
وذكر ناطق باسم الانتفاضة أن عدد العملاء الذين يتعاملون مع اليهود داخل فلسطين ٥٠ ألف عميل، أما من خارج فلسطين فحدث ولا حرج، ولقد انقطع الاتصال بيننا وبين مراسلنا ولم نستطع إكمال التقرير؛ فعذراً أحبتي!
стр. 484
مآس من السعودية
الخبر الثاني من السعودية: في استطلاع للرأي أجرته مجلة شباب السعودية حول أداء الشباب السعودي لصلاة الفجر في وقتها، شارك في الاستطلاع أربعة آلاف شاب، وإليكم النتيجة: ١٤% لا يصلون أبداً، ١٦% نادراً ما يصلونها، ٣٣% يصلونها أحيانا، ً و٣٥% فقط يصلونها دائماً، ضياع ما بعده ضياع، وصدق الذي قال: إذا أردنا النصر فلنصل الفجر.
стр. 485
مآس من الكويت
وفي خبر آخر من مكان آخر، ذكرت وكالة الأنباء السرية أنه يوجد في الكويت أكثر من ٣٧ كنيسة غير مرخصة، وغيرها عشرات في السر، كما ذكرت الوكالة أن صنم بوذا يعبد في الكويت في أكثر من ثلاثمائة موقع تقريباً، العجيب أنهم يقولون: إنها بلاد إسلام وتوحيد!
стр. 486
مآس من مصر
أما من مصر فقد جاءنا الخبر التالي: كشف بحث ميداني أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاءات في مصر، أن المصريين ينفقون على الحج سنوياً ثلاثة مليارات دولار، وفي المقابل ينفقون أربعة مليارات على التدخين سنوياً.
فعذراً يا فقراء فلسطين! فاصل قصير ونتابع معكم بقية النشرة.
أهلاً بكم أحبتي مرة ثانية، ونتابع معكم نشرة الأخبار لشعب الله المحتار.
стр. 487
مآس من العراق
وخبرنا الآتي من العراق، قال ناطق رسمي من الحكومة العراقية الأمريكية المؤقتة: إن الولايات المتحدة ربحت من الحصار على العراق واستمراره (٣٠٠ مليار دولار) في حين مات خلال الحصار من الأطفال والشيوخ الكبار أكثر من مليون ونصف، فلتربح أمريكا ولتمت الشعوب، ولتحيا الديمقراطية المزعومة.
كما سجل تقرير للأمم المتحدة فرق الله شملها، أن المسئولين العراقيين الهالكين من حزب البعث أنفقوا ٢٤ مليار دولار لاستيراد أنواع فاخرة من الخمور، وغيرها من السلع الترفيهية.
стр. 488
مآس من الأردن
ومما يجدر بالذكر: أنه يوجد في الأردن في عمان ٦٠٠ بارة لتقديم الخمور ومشتقاتها، خمور ومسكرات، والشعوب لا تجد لقمة عيش ولا دواء.
стр. 489
مآس من قطر
فاصل إعلاني قصير ثم أتابع معكم عفواً أحبتي أطلنا عليكم بالفاصل الإعلاني، لكن الخبر التالي من قطر وأبو ظبي.
ذكرت قناة فضائية أن قطر أنفقت (٥٠ مليون دولار) لاستضافة مؤتمر الدوحة عام (٢٠٠١) وذلك للترويج لدورها الاقتصادي والسياسي والسياحي في المنطقة، وكان ممن حضر المؤتمر وفد من إسرائيل الشقيقة، وكان هدف المؤتمر تشجيع سياحة الرقص والغناء ثم الخمور وتوابعها.
أما في أبو ظبي فقد بلغت تكلفة المبنى الجديد للسفارة الأمريكية ٤٣ مليون دولار، وسيتكون المبنى من خمسة طوابق على مساحة (١٠ آلاف متر مربع).
ولقد امتنع مراسلنا عن التعليق على الخبر ونمتنع عنه نحن كذلك.
стр. 490
أحوال الطقس
وقفة سريعة مع أحوال الطقس ثم نتابع معكم نشرة الأخبار التي لا زال فيها الكثير من الأخبار عن شعب الله المحتار.
أما الطقس في موسكو فشديد البرودة مع سقوط طائرات، وتحطم مروحيات في الشيشان، مع توقع لهطول أمطار غزيرة ومقاومة عنيفة.
أما في الصين فرياح عاتية وتدمير للممتلكات مع توقع هدوء نسبي ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢].
أما في الهند وباكستان فهدوء عجيب لعله الهدوء الذي يسبق العاصفة.
هذا ما عندنا الآن، وعودة إلى الاستديو لمتابعة نشرة الأخبار مع الزملاء فإلى هناك.
стр. 491
الأخبار الاقتصادية
أهلا بكم أحبتي مجدداً ونتابع معكم الأخبار.
إليكم أحبتي بعض الأخبار المالية والاقتصادية: حسب إحصائية البنك الدولي يعيش ٣٧% من سكان العالم الإسلامي تحت خط الفقر، وهذه النسبة تعادل ٥٠٤ مليون من سكان الأرض.
ففي السودان يقول الخبراء: إن معدل الفقر يصل إلى ٩٠% من السكان، منهم ٦٠% يعيشون على حد الكفاف.
وفي المغرب تقيم أكثر من (٤٥٠ ألف) عائلة في مساكن عشوائية من الخشب والصفيح، ٢٥% منهم في العاصمة الدار البيضاء، وأفادت إحصاءات أخيرة أن ١٩% من سكان المغرب يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم.
أما في أندونيسيا أكثر الدول الإسلامية تعداداً للسكان، حيث يبلغ سكانها ٢٣٠ مليون نسمة، يعيش أكثر من ١٢٠ مليون منهم تحت خط الفقر.
قد تتساءل معي كيف هذا وبلاد المسلمين من أغنى البلاد؟ نعم من أغنى البلاد بكل الثروات، فاسمع بارك الله فيك! ذكرت مصادر رفضت ذكر اسمها أن حجم الأموال العربية في دول السوق الأوروبية المشتركة أكثر من (٦٥٠ مليار) دولار، وفي الولايات المتحدة -قطع الله دابرها- بلغت الأموال العربية (٩٧٥ مليار) دولار، وإن حجم الأموال العربية ناهيك عن الإسلامية في داخل البلاد العربية وخارجها (٢٢٧٥ مليار) دولار.
وقد أوضحت مصالح الزكاة أن زكاة الأموال العربية بلغت (٥٦ مليار) دولار، ولقد سئل أحد المسئولين: لو وجهت تلك الزكاة وصرفت في مصارفها فهل ستبقى مشكلة اقتصادية أو فقر في العالم الإسلامي؟ ولقد رفض المسئولون في مصلحة الزكاة الإجابة على هذا السؤال.
لكن التقرير التالي قد يبين بعضاً من أسباب الفقر والعوز في بلاد المسلمين، قال الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦].
ذكرت مصادر مالية أنه بلغ إجمالي الأرباح التي حققتها البنوك المحلية للعام الماضي (٨١٦٠ مليون) ريال، مقابل (٧٥٩٩) في العام الذي قبله بزيادة مقدارها ٧% عن العام الذي قبله.
كما أفادت جهات مسئولة أنه قد تم التعاقد مع مزيد من البنوك الخارجية لزيادة الاستثمارات والمعاملات الربوية ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩].
أما على صعيد المشاريع والأعمال الإنشائية: فلقد ذكر مراسلونا أن تكلفة مشاريع الترفيه في بلاد شعب الله المحتار في السنوات القليلة القادمة بنحو عشرة بلايين دولار، ستشمل هذه المشاريع بناء ١٥٩ فندقاً من فئتي الأربع والخمسة نجوم، منها ٤٥ فندقاً جديداً في الإمارات، وسيحرص المهندسون على إقامة أحدث المراقص والبارات فيها لجذب أكبر عدد من السياح العرب والأجانب.
стр. 492
السفر والترحال إلى البلاد الكافرة
أما أخبار السفر والترحال فبعد هذا الفاصل القصير فابقوا معنا.
أهلا بكم مرة أخرى ونواصل معكم باقي أخبار شعب الله المحتار.
أفادت دراسة نشرت في دبي أن سكان الدول الخليجية الست ينفقون ضعف ما ينفقه الأوروبيون في رحلاتهم إلى الخارج، وأنهم أنفقوا (٢٧ مليار دولار) في العام الماضي على السياحة وتضييع الأوقات.
وأوضحت دراسة أعدتها مجموعة ورد فراذل ماني كار أن سكان الخليج سجلوا رقماً قياسياً بإقامة ٧٠% من المسافرين منهم في فنادق فاخرة، بمعدل ٢٠ ليلة للشخص الواحد.
ومن ناحية أخرى أفادت مصادرنا أن وزراء السياحة العرب قرروا وبإجماع إعمار لبنان لاستقبال السياح العرب بدل أن تهدر الثروات في البلاد الأوروبية، ونعم الرأي، فلبنان منكم وإليكم.
стр. 493
أخبار نسائية
أما الآن فمع زميلي الآخر وطائفة من الأخبار النسائية.
أهلاً بكم أحبتي مع هذه الطائفة من الأخبار النسائية والتي أبدؤها من الإمارات.
ذكرت إحدى مصممات الأزياء في الإمارات المتحدة: أن تكلفة فستان الزفاف قد يصل إلى (٥٠ ألف دولار) لليلة الواحدة.
عذراً يا عرائس فلسطين! كما ذكر مصدر آخر أنه خلال صيف العام الماضي قدر ما أنفقته النساء الخليجيات على شراء ملابس السهرات والإكسسوارات ومواد التجميل بـ (٣٠٠ مليون دولار)، كما أفاد المصدر نفسه أن أكثرهن لسن بجميلات.
وذكرت إحدى الصحف المحلية: أنه بلغت مبيعات العطور النسوية في السعودية بليون ريال، ومع هذا لا زلنا نشم روائح كريهة تنبعث من الكاسيات العاريات في الأسواق والمجمعات.
نكتفي بهذا القدر من الأخبار النسائية ونتابع معكم مزيداً من أخبار النساء في نشرة أخبار الساعة الثانية ليلاً فاسهروا معنا.
عفواً: لقد نسيت أن أقرأ عليكم هذا الخبر النسائي، والذي مفاده أن هناك (٦٠٠٠ امرأة) أذربيجانية يقبعن في سجون الإمارات، و (١٠ آلاف) أخريات في سجون باكستان.
وقد ذكر شاهد عيان أن أولئك النسوة غادرن بلدهن بغرض العمل، وعند الوصول خدعن وأجبرن على ممارسة الدعارة، وقال الشاهد أيضاً: إنه رأى كثيرات من جنسيات متعددة في تلك الديار.
وعودة إلى زميلي ونشرة الأخبار.
стр. 494
مؤشرات البورصة
أتابع معكم نشرة الأخبار، ومع مؤشرات البورصة لأسعار المغنين العرب والراقصات.
ذكرت إحصائيات إلى أن مؤشرات بورصة الأسعار للمغنين العرب سجلت ارتفاعاً ملحوظاً، وإليكم بعضاً من هذه المؤشرات التي تبين لكم كم بلغت تكلفة وعائدات المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات.
ذكرت المؤشرات ما يلي: يحصل ابن عبده على ٤٠% من دخل الحفلة الواحدة، ويتراوح سعر التذكرة ما بين ٤٥٠ إلى ٧٥٠ جنيهاً، ومما يجدر الإشارة إليه أن الحضور بالآلاف.
وقال ناطق باسم اللجنة المنظمة: إنهم قد يضطرون إلى إقامة الحفلات في ملاعب كرة القدم إذا وافقت الجهات المسئولة، وذلك للإقبال الكثير على الحفلات الغنائية.
стр. 495
خبر عاجل
عفواً أحبتي! جاءنا هذا الخبر العاجل: أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها لن ترضخ لمطالب الأسرى الفلسطينيين ولا المعتقلين، ولن تأبه بالعرب مهما كانت الضغوط الدولية، واعتبرت أن أي تدخل في ذلك يعد من التدخل في أمور إسرائيل الداخلية.
مما يجدر الإشارة إليه أنه يقبع في سجون الاحتلال آلاف من الفلسطينيين، يفتقرون إلى أبسط الحقوق والواجبات، وقد أضرب هؤلاء الأسرى عن الطعام منذ ١٣ يوماً، على أمل أن يلتفت العالم إلى قضيتهم.
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
следующие страницы →