← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الأخبار الاقتصادية أهلا بكم أحبتي مجدداً ونتابع معكم الأخبار. إليكم أحبتي بعض الأخبار المالية والاقتصادية: حسب إحصائية البنك الدولي يعيش ٣٧% من سكان العالم الإسلامي تحت خط الفقر، وهذه النسبة تعادل ٥٠٤ مليون من سكان الأرض. ففي السودان يقول الخبراء: إن معدل الفقر يصل إلى ٩٠% من السكان، منهم ٦٠% يعيشون على حد الكفاف. وفي المغرب تقيم أكثر من (٤٥٠ ألف) عائلة في مساكن عشوائية من الخشب والصفيح، ٢٥% منهم في العاصمة الدار البيضاء، وأفادت إحصاءات أخيرة أن ١٩% من سكان المغرب يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم. أما في أندونيسيا أكثر الدول الإسلامية تعداداً للسكان، حيث يبلغ سكانها ٢٣٠ مليون نسمة، يعيش أكثر من ١٢٠ مليون منهم تحت خط الفقر. قد تتساءل معي كيف هذا وبلاد المسلمين من أغنى البلاد؟ نعم من أغنى البلاد بكل الثروات، فاسمع بارك الله فيك! ذكرت مصادر رفضت ذكر اسمها أن حجم الأموال العربية في دول السوق الأوروبية المشتركة أكثر من (٦٥٠ مليار) دولار، وفي الولايات المتحدة -قطع الله دابرها- بلغت الأموال العربية (٩٧٥ مليار) دولار، وإن حجم الأموال العربية ناهيك عن الإسلامية في داخل البلاد العربية وخارجها (٢٢٧٥ مليار) دولار. وقد أوضحت مصالح الزكاة أن زكاة الأموال العربية بلغت (٥٦ مليار) دولار، ولقد سئل أحد المسئولين: لو وجهت تلك الزكاة وصرفت في مصارفها فهل ستبقى مشكلة اقتصادية أو فقر في العالم الإسلامي؟ ولقد رفض المسئولون في مصلحة الزكاة الإجابة على هذا السؤال. لكن التقرير التالي قد يبين بعضاً من أسباب الفقر والعوز في بلاد المسلمين، قال الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]. ذكرت مصادر مالية أنه بلغ إجمالي الأرباح التي حققتها البنوك المحلية للعام الماضي (٨١٦٠ مليون) ريال، مقابل (٧٥٩٩) في العام الذي قبله بزيادة مقدارها ٧% عن العام الذي قبله. كما أفادت جهات مسئولة أنه قد تم التعاقد مع مزيد من البنوك الخارجية لزيادة الاستثمارات والمعاملات الربوية ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]. أما على صعيد المشاريع والأعمال الإنشائية: فلقد ذكر مراسلونا أن تكلفة مشاريع الترفيه في بلاد شعب الله المحتار في السنوات القليلة القادمة بنحو عشرة بلايين دولار، ستشمل هذه المشاريع بناء ١٥٩ فندقاً من فئتي الأربع والخمسة نجوم، منها ٤٥ فندقاً جديداً في الإمارات، وسيحرص المهندسون على إقامة أحدث المراقص والبارات فيها لجذب أكبر عدد من السياح العرب والأجانب.

стр. 492

السفر والترحال إلى البلاد الكافرة أما أخبار السفر والترحال فبعد هذا الفاصل القصير فابقوا معنا. أهلا بكم مرة أخرى ونواصل معكم باقي أخبار شعب الله المحتار. أفادت دراسة نشرت في دبي أن سكان الدول الخليجية الست ينفقون ضعف ما ينفقه الأوروبيون في رحلاتهم إلى الخارج، وأنهم أنفقوا (٢٧ مليار دولار) في العام الماضي على السياحة وتضييع الأوقات. وأوضحت دراسة أعدتها مجموعة ورد فراذل ماني كار أن سكان الخليج سجلوا رقماً قياسياً بإقامة ٧٠% من المسافرين منهم في فنادق فاخرة، بمعدل ٢٠ ليلة للشخص الواحد. ومن ناحية أخرى أفادت مصادرنا أن وزراء السياحة العرب قرروا وبإجماع إعمار لبنان لاستقبال السياح العرب بدل أن تهدر الثروات في البلاد الأوروبية، ونعم الرأي، فلبنان منكم وإليكم.

стр. 493

أخبار نسائية أما الآن فمع زميلي الآخر وطائفة من الأخبار النسائية. أهلاً بكم أحبتي مع هذه الطائفة من الأخبار النسائية والتي أبدؤها من الإمارات. ذكرت إحدى مصممات الأزياء في الإمارات المتحدة: أن تكلفة فستان الزفاف قد يصل إلى (٥٠ ألف دولار) لليلة الواحدة. عذراً يا عرائس فلسطين! كما ذكر مصدر آخر أنه خلال صيف العام الماضي قدر ما أنفقته النساء الخليجيات على شراء ملابس السهرات والإكسسوارات ومواد التجميل بـ (٣٠٠ مليون دولار)، كما أفاد المصدر نفسه أن أكثرهن لسن بجميلات. وذكرت إحدى الصحف المحلية: أنه بلغت مبيعات العطور النسوية في السعودية بليون ريال، ومع هذا لا زلنا نشم روائح كريهة تنبعث من الكاسيات العاريات في الأسواق والمجمعات. نكتفي بهذا القدر من الأخبار النسائية ونتابع معكم مزيداً من أخبار النساء في نشرة أخبار الساعة الثانية ليلاً فاسهروا معنا. عفواً: لقد نسيت أن أقرأ عليكم هذا الخبر النسائي، والذي مفاده أن هناك (٦٠٠٠ امرأة) أذربيجانية يقبعن في سجون الإمارات، و (١٠ آلاف) أخريات في سجون باكستان. وقد ذكر شاهد عيان أن أولئك النسوة غادرن بلدهن بغرض العمل، وعند الوصول خدعن وأجبرن على ممارسة الدعارة، وقال الشاهد أيضاً: إنه رأى كثيرات من جنسيات متعددة في تلك الديار. وعودة إلى زميلي ونشرة الأخبار.

стр. 494

مؤشرات البورصة أتابع معكم نشرة الأخبار، ومع مؤشرات البورصة لأسعار المغنين العرب والراقصات. ذكرت إحصائيات إلى أن مؤشرات بورصة الأسعار للمغنين العرب سجلت ارتفاعاً ملحوظاً، وإليكم بعضاً من هذه المؤشرات التي تبين لكم كم بلغت تكلفة وعائدات المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات. ذكرت المؤشرات ما يلي: يحصل ابن عبده على ٤٠% من دخل الحفلة الواحدة، ويتراوح سعر التذكرة ما بين ٤٥٠ إلى ٧٥٠ جنيهاً، ومما يجدر الإشارة إليه أن الحضور بالآلاف. وقال ناطق باسم اللجنة المنظمة: إنهم قد يضطرون إلى إقامة الحفلات في ملاعب كرة القدم إذا وافقت الجهات المسئولة، وذلك للإقبال الكثير على الحفلات الغنائية.

стр. 495

خبر عاجل عفواً أحبتي! جاءنا هذا الخبر العاجل: أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها لن ترضخ لمطالب الأسرى الفلسطينيين ولا المعتقلين، ولن تأبه بالعرب مهما كانت الضغوط الدولية، واعتبرت أن أي تدخل في ذلك يعد من التدخل في أمور إسرائيل الداخلية. مما يجدر الإشارة إليه أنه يقبع في سجون الاحتلال آلاف من الفلسطينيين، يفتقرون إلى أبسط الحقوق والواجبات، وقد أضرب هؤلاء الأسرى عن الطعام منذ ١٣ يوماً، على أمل أن يلتفت العالم إلى قضيتهم. لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي

стр. 496

أسعار البورصة للفنانين وعودة إلى مؤشرات البورصة للفنانين والفنانات والراقصين والراقصات: أشارت أسعار البورصة إلى أن الفنانة بنت غولي تتقاضى (١٠٠ ألف دولار) على الحفلة الواحدة، أما ابن شاكر والساهر فيتقاضى كل منهم (٦٠ ألف دولار) في الليلة الواحدة. كما ذكرت المؤشرات إلى زيادة في دخل المسماة أصالة وهي بعيدة عن الأصالة، فقد زاد دخلها إلى (٣٠ ألف دولار) للحفلة. أما بنت سعيد فقد سجلت انخفاضاً ملحوظاً في عائدات حفلاتها، إذ بلغ دخلها في الليلة الواحدة (١٥ ألف دولار) فقط مسكينة، كبر سنها وقل زبائنها. ومن ناحية أخرى فلم يحيي ابن دياب إلا حفلة واحدة بـ (٣٠ ألف دولار)، ثم اعتذر عن باقي الحفلات لوعكة صحية في الحبال الصوتية، أخرسه الله وأخرس أمثاله. أما على صعيد الرقص وهز الأوساط فقد بلغ متوسط دخل الرقاصة إلى (٣٦ ألف دولار) شهرياً، مما حدا بكثير من الأسر الفقيرة إلى توجيه بناتهم إلى هذه الوظيفة المغرية الشريفة، خاصة بعد نشرت إحدى الصحف أن الرقاصة بنت عبده تقاضت (٢٥ ألف جنيه) عن كل فقرة من الرقص مدتها ٣٠ دقيقة، وكل رقصة وأنتم بخير. أحبتي! هناك الكثير الكثير من الأخبار عن شعب الله المحتار، ولكني لن أستطيع أن أقرأها عليكم، وأظن أن فيما ذكرنا كفاية لمعرفة أسباب الذل والهوان التي تعيشه أمتنا، كيف نهنأ وكيف نرتاح وجراح الأقصى ملأت الصدور، والنداءات ملأت الآذان. أسال الله أن يردنا إليه رداً جميلاً. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 497

أسباب ضياع بلاد المسلمين الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه. عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. أحبتي! ضاعت فلسطين وضاعت كثير من بلاد المسلمين بسبب لهونا وغفلتنا، فما منا من أحد إلا وهو مسئول عن العمر فيما يفنيه، وعن الشباب فيما يبليه. أحبتي! إن واقع الأسر والبيوت مرير أليم، فما أن تحين ساعة الغروب حتى تتحلق أسرنا أمام الشاشات والقنوات، تتحلق أمام التلفاز تتعلم من دروسه التطبيقية حتى ساعات الليل الأخير. نريد أن تحيا بيوتنا وأسرنا التي دمرها ذلك الجهاز الذي اغتال فينا الحياء، فقتل الفضيلة وأبعد وألهى عن الدين، وبلد أحاسيسنا، وخدر قلوبنا. عباد الله! أما للسبات من آخر! أما للقلوب من صحوة! أما للعقول من وثبة! ماذا حل بنا؟ وأين ذهبت عزتنا ووحدتنا، ألم يخبرنا ربنا بأن كان عليه نصر المؤمنين؟ ألم يعدنا ربنا بأن جند الله هم الغالبون؟ وما الذي حدث ولماذا تأخر النصر علينا؟ الذي حدث أننا حاربناه فخذلنا، نعم وبألم في القلب لا يعلمه غير الذي خلق، أقول: حاربناه وتباهينا بمحاربته، ووالينا أعداء الله من اليهود والنصارى، فانتكسنا ثم انتكبنا على موائد الاستسلام. ما كان للهامات أن تنحني لو كان فيها عزة المسلم لقد استبدل كثير منا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وبدل أن نرفع شعار الإسلام رفعنا شعارات القومية العربية والقبلية، فتفكك البنيان، وسقط النصر من أعلى مكان، وقد بات واضحاً لكل ذي عقل ولب، أن لا خير في شرق ولا غرب، ولا خير في رأسمالية ولا اشتراكية، ولن تعود لنا عزتنا إلا برفع شعار هذا الدين الذي رضيه الله لنا رب العالمين، فأتم علينا نعمته، فنحمده سبحانه نحمده، وبالدين تقر العيون وتطمئن القلوب ويتحقق النصر وتصان الأعراض. وحينها سيفرح الأقصى بعودته إلى حوزة المسلمين، وما ذلك على الله بعزيز ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٤ - ٧].

стр. 498

عهد ووعد عهد ووعد: لن ننسى فلسطين ولن نتخلى عن أقصانا: يا قدس يا محراب يا مسجد يا درة الأكوان يا فرقد سفوحك الخضرا ربوع المنى وتربك الياقوت والعسجد أقدام عيسى باركت أرضها وفي سماها قد سرى أحمد أبعد وجه مشرق بالتقى يطل وجه كالح أسود لا والله، لا زال عندنا رجال لا يعرفون يأساً ولا يرضون ذلاً، وهم على درب محمد سائرون. الذي نعرفه أن التمكين لدين الله قادم قادم بنا أو بغيرنا ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]. متفائلون مستبشرون، فعلامات الخير بادية، ومؤشرات الإيمان ظاهرة، فشبابنا بدءوا يعودون ويتسابقون إلى بيوت الله بوجوه تشع بالنور كأنها أقمار، سلاحهم القرآن، ولباسهم التقوى والإيمان، فبارك اللهم في شبابنا وفي ديننا ونسائنا وأطفالنا. فيا أيها المسجد الجريح سلام لك عهد على المدى لن نخونه إن علت راية الرسول ودوت دعوة الله وهي فينا سجينه أنت فينا الدماء حتى تروى صخرة القدس والقباب الحزينه متفائلون مستبشرون رغم الأخبار الماضية، فشمس العزة لا بد ساطعة، وسيبزغ الفجر، وسيلوح الضياء، وسيظهر الخيط الأبيض ويتميز من الأسود، وسيبتسم الصباح قائلاً: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الموحدين. اللهم احفظ أقصانا ومقدساتنا من دنس اليهود الغاصبين، وامنن علينا بصلاة فيه يا رب العالمين! اللهم كن مع أسرانا في فلسطين، وكن معهم في غوانتنامو، وكل مكان يا رب العالمين! كن لهم عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً، اللهم انصر من نصرهم واخذل من خذلهم، اللهم من سعى في فكاكهم ففك رقبتهم من النار، اللهم من خذلهم فاخذله يا جبار، اللهم من سعى في فكاك أسرانا ففك رقبته من النار، اللهم من خذلهم وتخلى عنهم فاخذله وتخل عنه يا جبار! اللهم أخرج الصليب من عراقنا أذلة صاغرين، لا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية، ولا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، أخرجهم منها أذلة صاغرين، انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، انصر من نصرهم اخذل من خذلهم، قو عزائمهم، اربط على قلوبهم وثبت الأقدام. آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 499

نعم الله علينا إن لله على العباد نعماً عظيمة، ومن هذه النعم نعمة الأمن، فلا يقوم الدين والإيمان إلاّ في ظل الأمن والأمان، ولا تقوم أمور الدنيا والمعاش إلاّ في حال وجود الأمن، فالأمن نعمة لا يستغني عنها الفرد ولا المجتمع إلا من افتقدها كالمرضى والأرقى. ومن نعم الله أيضاً على العباد: نعمة الابتلاء، فإذا أحبّ الله عبداً ابتلاه وأصاب منه، وذلك مشروط بأن يصبر العبد ويحتسب ذلك عند الله تعالى.

стр. 500

نعمة الأمن والأمان وأثرها في المجتمعات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! نعم الله تعالى في الكون لا تعد ولا تحصى، قال جل شأنه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، وإذا كان الإنسان لا يعرف نعمة الله عليه فكيف له أن يقوم بشكرها؟! ولقد أخبرنا الله ﵎ أن الإنسان محاط بنعم لو أفنى عمره كله في عدها لما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فنعم الله أكثر من أن يحصيها العباد فضلاً عن أن يقوموا بشكرها. عباد الله! لن أحصي عليكم النعم، ولن أعدها عليكم، ولكني سأذكر نفسي وإياكم بنعم ثلاث ألفها الناس وتعودوها، فلذلك لم يعرفوا قيمتها، ولم يؤدوا شكرها، لكن من فقد هذه النعم فإنه يعرف قيمتها ومعناها. عباد الله! إنّ ما يحدث في بلادنا هنا وهناك من مواجهات، وتفجيرات، وقتال، وزعزعة للأمن، وترويع للآمنين لا نقبله، ولا يقره عاقل بأي حال من الأحوال، والمستفيد الوحيد من ذلك هم أعداء الله وأعداء الدين، الذين يسعون لزعزعة أمن هذا البلد خاصة وسائر بلاد المسلمين، والمتضرر من ذلك هم أهل هذا البلد الكريم الذين بدءوا يفقدون نعمة الأمن والأمان. فهذه أول النعم التي أردت أن أذكِّر نفسي وإياكم بفضلها وعظيم شأنها، فالأمن نعمة عظيمة من نعم الله ﵎، والله يمتنّ بها على من يشاء من عباده، حيث يشعر فيها الإنسان بلذة الدنيا والنعم التي فيها، فالخائف لا يذوق طعم النعمة لا في مال، ولا في صحة، ولا في غير ذلك، ولهذا كان الأمن نعمة عظيمة، وكان الخوف بلاء عظيماً، والأمن هو طمأنينة في النفس، يقابله الخوف، قال الراغب الأصفهاني: أصل الأمن طمأنينة النفس، وزوال الخوف. عباد الله! إن الإنسان لا يشعر بحقيقة الأمن إلا عندما يخاف ويشتد خوفه، فكلما كان خوفه أكثر كان شعوره بالأمن حينما يأمن أعمق وأقوى، ومن عرف الشيء ثم فقده فإنه يعرف قيمته، وإبراهيم ﵊ لما عرف قيمة الأمن دعا ربه أن يجعل البلد الذي ترك فيه ابنه وزوجه آمناً مطمئناً: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة:١٢٦]، فطلب نعمة الأمن أولاً، فاستجاب الله دعوة إبراهيم، ولهذا امتنّ الله على قريش بهذه النعمة التي كفروها بعدم إيمانهم واستجابتهم للنبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧]، فلما كفروا نعمة الله أبدلهم بالأمن خوفاً. واستمع إلى حال موسى ﵊ عندما كان خائفاً حينما قتل الرجل خطأ، فخرج خائفاً، ثم أنعم الله عليه بالأمن، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:١٨ - ٢٠]، وما أقل الناصحين اليوم! ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢١ - ٢٥]. فحالة موسى ﵇ عندما أصبح في المدينة خائفاً أيضاً، وعندما خرج من المدينة خائفاً يترقب تمثل حالة الإنسان الخائف الفزع الذي يريد الهروب من بطش الظالمين، وعندها توجه إلى ربه أن ينجيه من القوم الظالمين. يقول صاحب (الظلال): ولفظ (يترقب) يصور هيئة القلِق المتوجِّس الذي يتوقع الشر في كل لحظة، والتعبير يصور هيئة القلق بهذا اللفظ، كما أنه يضخمها بكلمتي: (في المدينة)، فالمدينة عادة موطن للأمن والطمأنينة، فإذا انقلبت المدينة إلى مكان خوف وذعر، فأي نعمة أمن نتكلم عنها! عباد الله! تلك هي صورة من صور الخوف والفزع الذي ينتاب الإنسان المؤمن الهارب من الظالمين، وهذه الصور كثيرة جداً، فتأمل في خروج النبي ﷺ مهاجراً إلى المدينة هارباً من الظالمين، فأوى إلى الجبال وهم يطاردونه من كل الجهات، فالجبال تحبنا ونحبها كما قال ﷺ : (أُحد جبل يحبنا ونحبه)، وأوى فتية الكهف إلى الكهف في الجبل لما خافوا على دينهم، فهيأ الله لهم من أمرهم رشداً، وهيأ الله لهم من أمرهم مرفقاً. عباد الله! إن نعمة الأمن نعمة عظيمة لا تقدر بثمن، بل كل النعم تفقد طعمها ومعناها إذا فُقد الأمن والأمان، وتأمل قول الله تعالى عن موسى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥]، فكان أول ما أعطاه إياه أن هدأ من روعه، وهذا أهم شيء يعطاه الخائف، فلا حاجة للطعام ولا للشراب إذا وجد الخوف والفزع، فإن أهم ما يحتاجه الإنسان في ذلك الموقف هو الأمن والأمان. قال صاحب (الظلال): لقد كان موسى في حاجة إلى الأمن كما كان في حاجة إلى الطعام والشراب، ولكن حاجة النفس إلى الأمن كانت أشد من حاجة جسمه إلى الطعام والشراب، فتأمل في قول الشيخ الوقور له: (لا تخف) فجعل أول لفظ يعقِّب فيه على قصة موسى وخبره بالأمن والأمان، ليلقي في قلبه الطمأنينة، ويشعره بالأمان. عباد الله! ذكر الله لنا في القرآن أخباراً وقصصاً عن قرى وأقوام كانت آمنة مطمئنة، ثم تبدل أمنها خوفاً؛ بسبب تكبرهم وتجبرهم على أمر الله، وبسبب ذنوبهم ومعاصيهم وكفرهم بأنعم الله. وضرب الله لأهل مكة الأمثال، وذكر امتنانه عليهم بالأمن والأمان، فالحرم آمن، ومن دخله كان آمناً، إلا أن الله أبدل أمنهم خوفاً بسبب كفرهم، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢]، فهذا المثل يراد به أهل مكة وكل من امتن الله عليهم بالأمن والأمان، قال سبحانه: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]. قال ابن كثير: وهذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمناً لا يخاف، فبدلوا نعمة الله كفراً. وكذلك ذكر الله تعالى عن أصحاب الحجر أنهم كانوا يعيشون في أمن وأمان قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٠ - ٨٢]، فالأمن نعمة عظيمة من نعم الله ﵎، فانظروا كيف يكون حال الإنسان لو أنه عاش في خوف وهلع، فإنه لا يحس بطعم الحياة ولا بلذتها؛ لهذا قال النبي ﷺ : (من أصبح آمناً في سربه) تأمل كيف بدأ بنعمة الأمن قبل كل النعم (من أصبح آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجة. قيل لأحد الحكماء: ما النعيم؟ قال: الأمن، فإني رأيت الخائف لا يهنأ بعيش، قيل: زدنا؟ قال: العافية، فإني رأيت المريض لا يهنأ بعيش، قيل: زدنا؟ قال: الشباب فإني رأيت الهرم لا يهنأ بعيش. والسؤال الذي يطرح نفسه عباد الله! هو: ما هو سبب ذهاب الأمن والأمان؟ و الجواب إن سب ذلك الظلم والطغيان والتكبر ع

стр. 501

نعمة الصحة والعافية والغنى عباد الله! ومن النعم العظيمة التي لم يعرف الناس قدرها وقيمتها نعمة الصحة والعافية، فنعمة الصحة والعافية نعمة عظيمة على الإنسان، ولكن الناس لطول إلفهم للصحة والعافية لا يعرفون قيمة هذه النعمة، وقد قيل في المثل: الصحة تاج على رءوس الأصحاء، ولا يعرفها إلا المرضى، فالإنسان المريض يكون ضعيفاً ولا يستطيع القيام بأمور الحياة على الوجه المطلوب، وأما الإنسان القوي فإنه يقوم بمهامه خير قيام، ولهذا امتدح الله ورسوله القوة، فقد جاء على لسان ابنة شعيب عن موسى ﵇ قولها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، وكما قال الله عن طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، وقال النبي ﷺ : (المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، رواه مسلم. فالصحة عباد الله! نعمة عظيمة يجب على الإنسان أن يحس بها، وأن يقوم بشكرها، فالإنسان لو أصيب بأدنى مرض فإنه لا يجد طعم الحياة، إذا قد يتمنى بعضُ المرضى الموت؛ لشدة الآلام التي يجدونها، لكن كما أن المرض عباد الله! ابتلاء عظيم يمتحن الله به الناس، فإن فيه من النعم العظيمة ما الله به عليم، إذا علم المرء أن هذا من البلاء وصبر واحتسب -أي: صبر على المرض- نال الأجر العظيم، ففي المرض حط للذنوب، وتكفير للسيئات، والله تعالى إذا أحب عبده المؤمن فإنه يبتليه بشتى الابتلاءات، وإذا صبر فإن له أجراً عظيماً، فقد روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة). عباد الله! لقد ابتلى الله تعالى أيوب ﵊ بالمرض، فقال الله عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، ثم بسبب صبره وأوبته إلى الله امتن الله عليه بالصحة والعافية، قال الله عنه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤]، فتأمل قول: (وذكرى للعابدين)، ولقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، وقال أيضاً صلوات ربي وسلامه عليه: (إن أول ما يسأل عنه العبد من النعم يوم القيامة أن يقال له: ألم نُصحَّ جسمك، ونرويك من الماء البارد). وأخرج ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال: رءوس النعم ثلاثة: أولها نعمة الإسلام التي لا تتم النعم إلا بها، فاحمد الله على هذه النعمة العظيمة. والثانية: نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها. والثالثة: نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها. وزدتُ أنا رابعة وقد ذكرتها قبلاً، وهي: نعمة الأمن والأمان، فلا تطيب كل هذه النعم إلا بها. اللهم! عافنا في أبداننا، وأسماعنا، وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، ولا تجعل مصيبتنا يا ربنا! في ديننا، واحفظ علينا أمننا وأماننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 502

نعمة الابتلاء وأثرها

стр. 503

الابتلاء نعمة عظيمة الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم! صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. أحبتي! من النعم العظيمة التي لا يعرف الناس قيمتها، بل قد يستغرب البعض إذا ذكرتها: نعمة الابتلاء، فالابتلاء نعمة عظيمة يمنّ الله بها على عباده المؤمنين خاصة، فالمؤمن ينظر إلى الابتلاء على أنه نعمة عظيمة، فكلما كان الإنسان إلى الله أقرب فإنه ينزل عليه من البلاء ما يكفر به ذنوبه، ويرفع درجاته؛ حتى يكون عند الله من المقربين، فالابتلاء عباد الله! نعمة عظيمة إذا تلقاها العبد المؤمن بالصبر والاحتساب عند الله تعالى، وينظر إليها على أنها من محب لمحبوبه، فالله يحب عبده المؤمن حباً عظيماً، ومع هذا فإنه قد ينزل عليه من البلاء ما لا تطيقه عادة البشر. والابتلاء معناه: الاختبار، قال الراغب الأصفهاني: بلوته: أي اختبرته، فكأني: أخلقته من كثرة اختباري له، قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] أي: نعلم حقيقة ما عملتم، الله ينزل على العباد هذه الابتلاءات من خوف، وجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات؛ يختبرهم بذلك، فمن صبر واحتسب كان له الأجر العظيم، ومن لم يصبر كان له العذاب المقيم، قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].

стр. 504

فوائد الابتلاء في الدنيا والآخرة عباد الله! إنّ في الابتلاء فائدة عظيمة تعود على المؤمن في أمور دينه ودنياه: أما في دينه: فتقوى عقيدته، وتقوى صلته بالله ﵎، وذلك أن الرضا بالبلاء يجعل المؤمن متصلاً بالله ﵎، فهو متصل بربه في السراء والضراء، وفي جميع الأحوال. وأما في دنياه: فإنه يعتاد أن يتلقى المصائب بصبر واحتمال، وبالتالي فإن الأمر يكون بالنسبة له سيان، أي: سواء أكان في السراء أو في الضراء، فإنه يتلقى المصائب بالرضا، فتتحول حياته إلى عطاء وبذل دائم، فلا يعرف الجزع ولا القنوط ولا اليأس؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن). قال صاحب (الظلال) في بيان الابتلاء: ولا بد من تربية النفوس بالبلاء، ولا بد من امتحان التصميم على المعركة مع الباطل بالمخاوف والشدائد، ولا بد من الابتلاء ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فالشدائد تربي، والشدائد وتخرج الرجال، تخرج مكنون القوى، ومذخور الطاقات، وتخرج من النفوس والقلوب أشياء ما كان ليعلمها المرء لولا الشدة والامتحان، ولن يعرف ذلك إلا تحت مطارق الشدائد. انتهى كلامه ﵀.

стр. 505

فوائد الابتلاء بالفقر عباد الله! إنّ الابتلاءات والمحن نعم عظيمة على المؤمن، تتربى فيها النفوس على الصبر، فيقوى بذلك الإيمان، فالفقر ابتلاء من الله، فإذا صبر الفقير واحتسب كان الفقر له نعمة عظيمة من الله. فمن فوائد الفقر: أن الفقير أقل حساباً يوم القيامة من الغني، ولهذا فإن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)، وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: (اطلعتُ في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء). وقد ذكرنا في الخطبة الأولى أن المرض ابتلاء من الله وامتحان، فإذا صبر المريض على ذلك واحتسب كان المرض له نعمة عظيمة، فالمرض تكفير للذنوب، وحط للخطايا، قال ﷺ : (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)، رواه مسلم. إذاً عباد الله! فكل مصيبة تصيب المؤمن فإنها تكون نعمة عليه إذا صبر واحتسب، وتكون نعمة عليه لو أنه نظر في أمور أخرى منها: أنها لم تكن في دينه، وأنها لم تكن أعظم مما كانت. أخرج ابن أبي الدنيا عن شريح قال: ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان لله فيها ثلاث نعم: أنها لم تكن في دينه، وأنها لم تكن أعظم مما كانت، وأنها لا بد كائنة مهما كان. وعن عبد الله بن المبارك عن سفيان قال: كان يقال: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة، ويعد الرخاء مصيبة. ذكر الإمام الغزالي ﵀ كلاماً طويلاً في بيان نعمة الله في الابتلاء حيث يقول: في كل فقر ومرض وخوف وبلاء في الدنيا خمسة أمور ينبغي أن يفرح العاقل بها، ويشكر عليها: أولها: أن هناك مصائب وأمراض أكبر من هذه، فليشكر إذ لم تكن أعظم مما هي عليه. الثانية: أنه كان يمكن أن تكون هذه المصيبته في دينه، قال رجل لـ سهل رضي الله تعالى عنه: دخل اللص في بيتي وسرق متاعي، فقال سهل: اشكر الله تعالى، كيف لو دخل الشيطان إلى قلبك، وسرق التوحيد وأفسده، ماذا كنت تصنع؟ وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما ابتليتُ ببلاء إلا كان لله تعالى عليّ فيه أربع نِعَم: إذ لم تكن في ديني، وإذ لم تكن أعظم مما كانت، وإذ لم أُحرم الرضا بتلك المصيبة، وأني أرجو الثواب عليها من الله. ولعل قائلاً يقول: كيف أفرح وأنا أرى جماعة ممن زادت معصيتهم على معصيتي ومع ذلك لم يصابوا بمثل ما أصبت به، وقد يكونون كفاراً؟! فأقول: اعلم بارك الله فيك أن الكافر والعاصي قد خُبِّئ لهم ما هو أكثر، وإنما أمهلهم الله حتى يستكثروا من الإثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨]. قال الغزالي: الثالثة من نعم البلاء أنه ما من عقوبة إلا كان يتصور أن تؤخر إلى الآخرة، ومصائب الدنيا يتسلى عنها بأسباب أخرى تهون المصيبة فيخف وقعها، وأما مصيبة الآخرة فتدوم، وإن لم تدم فلا سبيل إلى تخفيفها بالتسلي، ومن عُجِّلت عقوبته في الدنيا فلا يعاقب مرة ثانية، فالله أكرم من أن يعاقب العبد مرتين. قال ﷺ فيما أخرجه الترمذي وابن ماجة: (إن العبد إذا أذنب ذنباً، فأصابته شدة أو بلاء في الدنيا، فالله أكرم من أن يعذبه ثانية). الرابعة من نعم البلاء: أن هذه المصيبة والبلية كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب، وكان لا بد من وصولها إليه، ووقوعها عليه، وقد وصلت ووقع الفراغ، واستراح من بعضها أو جميعها، وهذه نعمة من نعم الله. الخامسة من نعم الابتلاءات: أن ثوابها أكبر منها، فإن مصائب الدنيا طريق إلى ثواب الآخرة، كما يكون الدواء الكريه نعمة في حق المريض، فمن عرف هذه الأمور تُصوِّر منه أن يشكر على البلايا، ومن لم يعرف هذه النعم في البلاء لم يتصور منه الشكر، إنما الشكر يتبع معرفة النعم بالضرورة، ومن لم يؤمن بأن ثواب المصيبة أكبر من المصيبة لم يتصور منه الشكر على المصيبة أصلاً.

стр. 506

البلاء نعمة إذا صبر واحتسب العبد عباد الله إنّ في الابتلاء نعم عظيمة إذا رافقها صبر واحتساب، لكن لا يفهم من هذا أن الابتلاء أفضل من العافية، بل العافية أفضل من البلاء، وذلك أن النبي ﷺ كان يستعيذ في دعائه من بلاء الدنيا وبلاء الآخرة، روى أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (مر النبي ﷺ على رجل وهو يقول: اللهم إني أسألك الصبر! فقال ﷺ : قد سألت البلاء، فاسأل الله العافية). وأخرج ابن أبي الدنيا عن مطرف بن عبد الله قال: لئن أُعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر. وقال ﷺ : (يا عباس يا عم النبي! أكثر الدعاء بالعافية). وخير ما سألتم الله عباد الله! هو العفو والعافية، فالبلاء أجره عظيم، إلا أن العافية أحب إلى نفس المؤمن، فلعل الإنسان لا يستطيع الصبر على البلاء. اعلم -رعاك الله، وبارك فيك- أن مفاتيح السعادة ثلاثة: إذا أنعم الله على العبد شكر، وإذا ابتلاه صبر، وإذا أذنب استغفر، واعلم - بارك الله فيك- أن الله قد يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب والآلام، ووالله الذي لا إله لا هو! إن امتحان النعم أشد من امتحان المصائب والآلام، وذلك أن النعم تلهي وتطغي وتنسي إلا من رحم الله، قال الله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا * قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٨٣ - ٨٤]. فتأمل أخي! نعمة الأمن والأمان، وتأمل ما يحدث لإخواننا في فلسطين والشيشان، وفي العراق وفي كل مكان، وتأمل نعمة العافية، فهناك مرضى وجرحى لا يجدون من يواسيهم أو يدفع عنهم ذلك الألم، تأمل ولعل الله تعالى أنهم قد أحبهم فابتلاهم، وهو ينظر في أحوالنا وأوضاعنا وماذا نصنع لإخواننا هؤلاء. اللهم أنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللهم احفظنا في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا، واستر عوراتنا، وآمن روعاتنا. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم هيئ لهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير إذا فعلوه وتذكرهم به إذا نسوه. اللهم احفظ علينا أمننا وأماننا، اللهم من أرادنا وبلادنا وبلاد المسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، اللهم انصرهم في فلسطين والشيشان وفي العراق وأفغانستان، اللهم انصرهم في كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنهم قلة فكثرهم، حفاة فاحملهم، اللهم سدد رأيهم ورميهم، اللهم كن معهم ولا تكن عليهم، اللهم إنهم خائفون فأمنهم، اللهم إنهم مظلومون فانتصر لهم يا رب العالمين! اللهم اقلب أرض الفلوجة على الكفار ناراً، واجعل سماءها شهباً وإعصاراً، اللهم سلط عليهم ما خرج من الأرض، وما نزل من السماء. اللهم اشدد وطأتك على اليهود والنصارى المعتدين، واشدد وطأتك على المنافقين وعلى من عاون الظالمين يا قيوم السماوات والأرضين! اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج المؤمنين من بينهم سالمين. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 507

همم تناطح السحاب الهمة العالية ركيزة أساسية للنجاح في الدنيا والفوز في الآخرة، والناس يختلفون في ذلك اختلافاً كبيراً، فينبغي لشباب الأمة أن يكونوا من أصحاب الهمم العالية حتى يحققوا النجاح.

стр. 508

حال الناس في الأهداف والوسائل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! يختلف الناس في مطالبهم في أهدافهم في غاياتهم، وهم كذلك يختلفون في أمر آخر، يختلفون في الهمم التي توصلهم إلى تلك الأهداف وتلك المقاصد وتلك المطالب، فهم يختلفون في المطالب والمقاصد، ويختلفون في الهمم التي توصلهم إلى أهدافهم، فمن الناس من يتكلم عن أهداف عالية ومقاصد سامية، ولكن أفعالهم لا تصدق أقوالهم، قال أهل العلم: هذا متمنٍ مغرور، فما نيل المطالب بالتمني. وآخرون لا يتكلمون ولكن أفعالهم تدل على أنهم أصحاب همم عالية، إذا ناداهم منادي الله لبوا وأجابوا وما ترددوا ولا تكاسلوا ولا تهاونوا. ومن يخطب الحوراء لم يغها المهر. فالناس تتفاوت في غاياتها وأهدافها، وتتفاوت في هممها التي توصلها إلى تلك الأهداف.

стр. 509

صور مختلفة للهمم عند الناس لاحظ الفرق بين همة هذا وهمة ذاك، أعرابي يعترض النبي ﷺ في طريقه فيقول: (يا محمد! أعطني من مال الله الذي أعطاك، فإنه ليس بمالك ولا بمال أبيك)، وتخيل همة ربيعة بن كعب الأسلمي وهو يأتي إلى النبي ﷺ بوضوئه ليلة، ثم يقول له النبي ﷺ : (اسأل ما تريد، قال: أتمنى رفقتك في الجنة يا رسول الله!) فشتان بين من يطلب الجنة ومن يطلب توافه الأمور. جاءت غنائم للنبي ﷺ فأخذ يوزعها بين أهل الصفة وبين المحتاجين، وأبو هريرة يرقب المنظر وهو من أهل الصفة لا يجد مكاناً يؤويه ولا لباساً يواريه ولا طعاماً يملأ بطنه، فقال له النبي ﷺ وهو أعلم بحاجته: (يا أبا هريرة أما تسألني من هذه الغنائم التي يسألني إياها الناس؟ فقال: يا رسول الله! أنا أسألك سؤالاً واحداً، فقال له ﷺ : وما هو؟ فقال: أن تعلمني مما علمك الله). أهل الدنيا وأهل الهمم الدنية يطلبون ما يواري جلودهم وما يملئون به بطونهم، أما أهل الهمم العالية فلا يرضون بدون الله ﵎، قال: أنا أسألك أن تعلمني مما علمك الله، فقال ﷺ : (أوَ غير ذلك؟ قال: هو ذاك)، يعلم أن الله يرفع أهل العلم درجات، يعلم أنه ما تقرب متقرب إلى الله بأفضل من طلب العلم الذي يوصله إلى أعالي الدرجات. فبالعلم يعبد الله ويوحد، بالعلم يقدس الله ويمجد، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] طريق الجنة طريق العلم (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة). قال أبو هريرة ﵁: (فأخذ نمرة كانت على ظهري فوضعها بيني وبينه، حتى أني أرى دبيب النمل عليها، ثم أخذ يحدثني ويحدثني ويحدثني حتى قال: صرها إليك، فصررتها فأصبحت لا أسقط حرفاً واحداً من كلامه)، راوي الحديث الأول من؟ أبو هريرة ﵁ وأرضاه، ناقل السنة الصحيحة هو أبو هريرة ﵁ وأرضاه. أهل الدنيا يطلبون الدنيا وأهل الهمم العالية يطلبون ما عند الله تبارك في علاه. أبو هريرة ﵁ في آخر حياته يبكي ويقول: آه من قلة الزاد وطول السفر، روى أكثر من ستة آلاف حديث عن الرسول ﷺ ثم يشكو قلة الزاد وطول السفر.

стр. 510

تفاوت الهمم، وأثر ذلك في طلب الجنة وطلب الدنيا يقول ابن القيم ﵀: ووالله ما أعظم الهمم وما أشد تفاوتها، فهمم معلقة بالعرش، وهمم تدور حول الحش. جاءت مجموعة من الشباب إلى النبي ﷺ ، كل منهم يطلب حاجته، هذا يريد شفاعة، وهذا يطلب مالاً، وهذا يريد قضاء حاجة، والنبي ﷺ يقضي حوائجهم، إلا واحداً منهم قال للنبي ﷺ : أنا أريدك في أمر بيني وبينك، فلما انتهى النبي ﷺ من قضاء حوائج هؤلاء الشباب التفت إلى صاحب الهمة العالية، فقال: وما شأنك أنت؟ قال: أنا لا أريد مالاً ولا أريد حاجة من حوائج الدنيا، أنا أريد طلباً واحداً، فقال ﷺ : وما هو؟ قال: أريد مرافقتك في الجنة -فدلّه على الطريق- فقال ﷺ : أعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك ما سجدت لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة). إن الهمم هي التي تحرك الرجال، لاحظ الفرق بين فلان وفلان، لماذا يستطيع هذا أن يترك فراشه في البرد القارس والبرد الشديد وينطلق ملبياً لنداء الله؟ ما الذي دفعه حتى ترك شهوته وفراشه مجيباً نداء ربه ﵎، في حين لم يستطع فلان أن يتحرك من مكانه وهو يسمع منادي الله ينادي: الصلاة خير من النوم! بل هو يعلم أن تخلفه عن الصلاة يجعله في عداد المنافقين. ما الذي يجعل فلاناً من الناس لا يقبل على درهم حرام؟ ويجعل فلاناً آخر لا يبالي أمن حلال أم حرام يأكل؟ ما الذي دفع هذا وما الذي أوقع ذاك؟ ما الذي ردع هذا وجعل ذاك يقع في الحرام؟ إنها الهمم العالية التي لا ترضى بدون الجنة ثمناً. لذلك قال ابن الجوزي ﵀: إن العمر غال، فلا تقبل للعمر ثمناً إلا الجنة الناس على نوعين لا ثالث لهما: منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة، يعرف هؤلاء كما يعرف أولئك، فالأفعال أبلغ أثراً من الأقوال. قال أحد المربيين لأحد أبنائه: إياك ثم إياك أن يكون همك المأكل والمشرب والمسكن والمنكح، فهذا هم النفس، فأين هم القلب، إن همك ما أهمك، فليكن همك الله والدار الآخرة.

стр. 511

همة عمر بن عبد العزيز سئلوا عن عمر بن عبد العزيز الذي بلغ بهمته العالية مبلغ الرجال حتى عد خامس الخلفاء الراشدين في خلافة قصيرة لم تتجاوز السنتين والخمسة أشهر وأياماً معدودة، ولكنه حقق فيها من الإنجازات ما الله به عليم، كيف استطاع؟ تساءلوا فيما بينهم: كيف استطاع ابن عبد العزيز عمر أن يحقق ما حقق؟ فقالوا: والله ما خطا خطوة إلا ونيته لله. جعل الحياة وقفاً لله ﵎، فحقق في فترة قصيرة ما لم يحققه أقوام في سنوات طوال. قبل أن يتولى الإمارة كان يقول لزوجه فاطمة: يا فاطمة إن لي نفساً تواقة تشتاق إلى الإمارة. فتولاها، فلما تولاها ارتفعت الهمم، فقال لها: يا فاطمة إن لي نفساً تواقة تشتاق للخلافة. فتولاها، فأصبح أميراً على المسلمين، أميراً على أكثر من أربعين بلداً من بلاد الإسلام والمسلمين، دانت مشارق الأرض ومغاربها تحت إمارته. فلما بلغ الخلافة ارتفعت الهمة فقال لها: يا فاطمة إن لي نفساً تواقة تشتاق إلى الجنة. فسعى من أجل الجنة وعمل من أجلها، ولما كان في ساعات احتضاره في نهار العيد أمر الناس بالخروج فخرجوا من عنده فسمعوا قارئاً يقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. لله دره، جعل الهم هماً واحداً، وكما قال النبي ﷺ : (من جعل الهموم هماً واحداً -يعني: هم الآخرة- كفاه الله هم الدنيا وهم الآخرة).

стр. 512

كيف ترتفع الهمم ؟

стр. 513

تحديد الهدف سبب لارتفاع الهمة قل لي واسألني: كيف ترتفع الهمم؟ أولاً: لا بد أن نحدد لحياتنا هدفاً، وأن نجعل لحياتنا قيمة، كثير من الناس حياتهم كالعدم، بل فقدهم أحسن من وجودهم، ماذا قدموا لأنفسهم، وماذا قدموا لدينهم، وماذا قدموا لأمتهم؟ يأكلون ويشربون ويتمتعون كما تأكل الأنعام، هذا همهم وهذه حياتهم. أما أصحاب الهمم العالية فلهم هدف ولهم مقصد، هدفهم أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، يحيون ويعيشون ويموتون من أجل هذا، فإذا تحدد الهدف وضح الطريق. واعلم يا صاحب الهمة العالية! أن في الطريق عقبات وزلات يتجاوزها صاحب الهمة العالية إذا عرف معنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. يقول ابن القيم: إن العبد المؤمن إذا وقف أمام الجبل وقال أزيحه يزيحه بإذن الله، إذا وقف صاحب الهمة العالية والإيمان الراسخ في القلب أمام جبل وقال: أزيله أزاله بإذن الله، إذا عرف معنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. واعلم -رعاك الله- أن لا شيء مستحيل في هذا الكون إلا أمران: الأمر الأول: تغيير الأمور الكونية، الله يأتي بالشمس من المشرق، فهل نستطيع أن نأتي بها من المغرب؟ مستحيل. الأمر الثاني: تغيير الأمور الشرعية، فدين الله لا يقبل التغيير ولا يقبل التبديل، الله فرض صلاة الظهر أربعاً فهل نستطيع أن نجعلها ثلاثاً أو خمساً؟ مستحيل. هذان هما المستحيلان فقط، أما ما دونهما فلا مستحيل. واعلم وأنت تسير في الطريق أن كلمة (مستحيل) لا توجد إلا في قاموس العاجزين، واعلم أن أسهل شيء يمكن تحقيقه هو الفشل. ولا بد أن تعرف أن للطريق عقبات تتجاوزها إذا عرفت معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ولكن حدد وأنت تسير في الطريق أنت تعمل من أجل من؟ هل العمل لله أم لغير الله؟ هل المقصد الآخرة أم المقصد الدنيا؟ هل الهدف جنة الرحمن أم الدنيا وما فيها؟ فحدد الطريق وحدد لمن تعمل.

стр. 514

الإقبال على الله سبب لرفع الهمة ترتفع الهمم أيضاً بالإقبال على كتاب الله. القرآن هو الذي صنع الجيل الأول، ونحن اليوم في بعد عن القرآن لا يعلمه إلا الله، ألهونا بالأغاني والشاشات والقنوات، هدفهم إبعادنا عن مصدر عزنا ومصدر قوتنا الذي قال عنه النبي ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي). دخل الاستعمار الجزائر وخيم على أهلها عشرات السنين، حتى إذا ظنوا أنهم تمكنوا من البلاد وأهلها، إذا بالرجال والنساء والأطفال يخرجون ويملئون الشوارع رافعين القرآن يرددون: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً من أين استمدوا القوة؟ ومن أين رجعت الروح؟ من القرآن، ترجع القوة وترجع الروح إذا رجعنا إلى كتاب الله ﵎، والأعداء أكبر همهم الآن إبعادنا عن هذا الكتاب العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]. اقرأ في آيات الجنة، اقرأ في آيات النار، ألا ترتفع الهمم؟ تأمل في قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٤٠ - ٧٠]. إن لم ترفع مثل هذه الآيات الهمم فما الذي يرفعها؟ إن لم تشتق النفوس إلى الجنة فما الذي يشوقها؟ إن لم تهرب النفوس من النار فماذا تفعل في هذه الآيات؟ ترفع الهمم آيات الجنة وآيات النار وتبردها بقلب سليم.

стр. 515

أخبار الرجال سبب لرفع الهمة ترفع الهمم بقراءة أخبار الرجال، لن أحدثك عن أقوياء ولا عن أصحاء، بل سأحدثك عن أصحاب عاهات من أهل الأعذار، ولكن أعذارهم لم تحل بينهم وبين الوصول إلى الله ﵎. كان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى من أهل الأعذار، ولكنه رأى النور بقلبه فسار في الطريق يلتمس له نوراً، جاء إلى النبي ﷺ يقول: بيتي بعيد والطريق كله هوام، وليس لي قائد يقودني إلى المسجد. لديه جميع الأعذار الشرعية ليصلي بالبيت، فقال ﷺ : (أتسمع النداء؟ فقال: نعم، فقال له ﷺ : لا أجد لك عذراً). فما تخلف الأعمى عن صلاة الجماعة، وما نام عن صلاة الفجر، فلماذا ينام المبصرون؟ ولماذا يتخلف الأقوياء؟ ولماذا يتكاسل الأصحاء؟ الأعمى يلبي النداء، ولكنه ليس بأعمى، الأعمى والله من تخلف عن أوامر الله وإن كان يسمع ويرى، الأعمى والله الذي صد عن طريق الله وهو يرى الناس يسلكون صراط الله المستقيم. هل تظن أن همة الأعمى وقفت إلى المحافظة على الصلوات، لا ورب الأرض والسماوات، لما جهز عمر ﵁ الجيوش للخروج إلى بلاد الشام تجهز الأعمى للخروج، وخرج لابساً عدة الحرب، فإذا بـ عمر ﵁ يقول له: إلى أين تذهب يا ابن أم مكتوم وأنت ممن عذرك الله؟ أما قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧]؟ فقال بهمة العالية: تحول بيني وبين الشهادة يا ابن الخطاب؟ فقال ﵁: ماذا تصنع معهم؟ فقال له: أكثر سواد المسلمين. فخرج مع من خرج، ولما صفت الصفوف، لم يقل: أصف في الصفوف الخلفية، واحموني من النبال وضرب الرماح، بل وقف في وسط المعركة بهمته العالية وبنيته الصادقة، ثم قال: أنا أحمل لكم الراية اليوم! وهل تدري معنى مسئولية حمل الراية؟ فالراية لا يحملها إلا الأبطال، لا يحمل الراية إلا من هو أهل لحمل الراية، وهل تدري ما قد كتب على هذه الراية؟ مكتوب عليها لا إله إلا الله. فوقف الأعمى وهو ليس أعمى، الأعمى والله أنا وأنت، حين عرف أصحاب الهمم العالية قيمة حياتهم، بذلوها من أجل الله تبارك تعالى، قال: أنا أكفيكم الراية، فحمل راية لا إله إلا الله في أرض المعركة، وهو يعلم أن الثمن غال، يعلم أنه مستهدف في أرض المعركة لإسقاط الراية، وما سقطت الراية من يد الأعمى؛ لأنه صاحب همة عالية، انتهت المعركة مع غروب ذلك اليوم، فبحثوا عن ابن أم مكتوم فإذا هو متبسم قد فارق الحياة يحتضن تلك الراية، وقد نصر الله المسلمين ذلك اليوم نصراً مؤزراً. لكن كيف خرج، خرج من أجل إعلاء هذه الراية، كيف يبعث؟ يبعث بين ملايين البشر الذين لا يحصيهم إلا الله وهو يرفع هذه الراية. أسألكم بالله في ذلك اليوم الذي سيجمع الله فيه الأولين والآخرين، كم هم الذين يحملون هذه الراية؟ وكم هم الذين عاشوا من أجلها؟ وكم الذين ضحوا في سبيلها؟ اللهم اجعلنا منهم ومعهم، اللهم انصرنا بالإسلام وانصر الإسلام بنا يا رب العالمين! نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 516

من شب على شيء شاب عليه الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: أحبتي! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله. اعلم أنه من شب على شيء شاب عليه، فمن شب على طاعة شاب على طاعة ومات على طاعة وبعث على طاعة بإذن الله، والأعمال بالخواتيم. هذا خبر رجل من الرجال تربى على طاعة الله، وأفنى عمره وشبابه في مرضاة الله، وبذل كل لحظة من حياته حتى مماته من أجل إرضاء الله ، منذ التاسعة والعاشرة وهو يحب الأذان، حُبب إليه رفع الأذان، كان يستأذن مؤذن المسجد -وهو طفل صغير- أن يرفع الأذان من حين إلى حين، فكان يؤذن له، حتى إذا بلغ الثانية عشرة والثالثة عشرة وقد اعتذر مؤذن المسجد، عُيَّن مكانه لحبه للأذان رغم صغر سنه. فالتزم بالأذان صغيراً، وشب على حب المسجد، فشب وهو يرفع الأذان ويردد في كل يوم: الله أكبر الله أكبر، بلغ مبلغ الرجال ولما يتخلف عن الأذان! أسألكم بالله وهو يداوم على الأذان كم مرة حافظ على تكبيرة الإحرام؟ كم جلس بين الأذان والإقامة يدعو الله ويتضرع إليه؟ وكم جلس يقرأ القرآن، وكم جلس في روضة من رياض الجنة؟ أصبح أباً وما تخلف عن رفع الأذان، وما منعته دنياه ولا تربيته لأبنائه عن رفع الأذان، والصدع بـ (لا إله إلا الله والله أكبر) حتى أصبح شيخاً كبيراً وما تخلف عن ذلك، يمسك الناس ويفطرون على أذانه، فهو من أغبط الناس وأحفظهم على الأذان. أصبح شيخاً كبيراً، ثقلت خطاه وهو يذهب إلى المسجد وما تخلف عن الأذان، شب أبناؤه وكبروا، وقد تربوا تحت ظله ورعايته يحبون المساجد كما كان أبوهم. وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه أراد أهله وأبناؤه بعد سنوات طوال أن ينتقلوا إلى دار بعيدة عن مسجده الذي تربى فيه وترعرع فيه وقضى أيام حياته فيه، فانتقلوا فأصبح من الصعب أن يلتزم بالأذان ذهاباً وإياباً خمس مرات، فقال لأبنائه: خذوني إلى المسجد صلاة الفجر ولا ترجعوا لي إلا بعد صلاة العشاء، واستمر على هذه الحال سنوات طوالاً، يمكث في بيت الله من صلاة الفجر حتى صلاة العشاء في قراءة قرآن وذكر وخدمة لبيت الله ﵎. حتى ثقلت خطاه وأقعده المرض في البيت، وأصبح من أهل الأعذار، فكان إذا سمع النداء يبكي ويتذكر كم مرة صدع بـ (لا إله إلا الله والله أكبر). وجاءت صلاة ظهر في أحد الأيام فأحس في نفسه خفة وقوة، وقال لأبنائه: خذوني إلى المسجد، فاغتسل وتطيب ولبس أحسن الثياب، ثم ذهب إلى المسجد مبكراً قبل رفع الأذان، واستأذن من المؤذن حتى يرفع الأذان في ذلك اليوم، فأذن له، فرفع الأذان بعد أن انقطع عنه لفترة طويلة، أخذ يردد: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، وهو يبكي، ويتذكر تلك الأيام الجميلة كم صدع بهذا النداء الخالد. فلما انتهى من أذانه ودعا بالمأثور رجع إلى الخلف يصلي لله ركعتين، صلى وركع وسجد ولم يرفع رأسه بعدها، ذهب إلى ربه وهو ساجد أمامه، عاش وهو يحب الأذان، ومات بعد أن صدع بالأذان، شب عليه وشاب عليه ومات عليه. هو يحب الأذان، ويحب الصلاة، ويحب المسجد، ويحب القرآن، ويحب الدعاء، ويحب التسبيح والتكبير والتهليل، فماذا نحب أنا وأنت؟ أحبا الله فأحبهم، وبذلوا أنفسهم في مرضاته فأحسن لهم الختام، بالهمم العالية، بالنيات الصادقة يصل المرء إلى ما يريد إليه. فيا أيها الشاب! اعمل فإنك في زمن القوة، أيها الشيخ الكبير! اعمل فأنت في زمن الإمهال، فالأعمار معلومة والآجال محدودة، وسينال كل منا زرع ما حصد، إما أن توصلك همتك العالية إلى أعلى الدرجات، أو تودي بك في الدركات. فاسألوا الله الهمة العالية، واطلبوا العون على مرضاته. يقول شيخ الإسلام: تأملت أجمل الدعاء وأنفع الدعاء، فوجدته طلب العون على مرضاته، فردد صباح مساء: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم أعط نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، إنك أنت وليها ومولاها. اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، اجعلنا يا ربنا من الراشدين. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتبعاه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم احفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! وول علينا خيارنا واكفنا شرارنا، ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق يا حي يا قيوم! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء دينك، انصرهم في الفلوجة وفلسطين، انصرهم في الشيشان وأفغانستان، انصرهم في السودان وفي كل مكان، انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، صن أعراضهم، واحقن دماءهم، وفك أسرانا وأسراهم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بالصليبيين المعتدين، وباليهود الغاصبين، وبالشيوعيين والوثنيين الآثمين. اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، وأرنا فيهم عجائب قدرتك وقوتك يا رب العالمين! اللهم اشف صدورنا بهزيمة الصليبيين، اللهم اشف صدورنا بقتلهم وتمكين المجاهدين يا رب العالمين! اللهم أخرجهم من العراق، ومن فلسطين، ومن بلاد المسلمين أذلة صاغرين، إنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز! عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

стр. 517

وصايا جبريل ﵇ هذه وصايا أوصى بها أمينُ السماء جبريلُ ﵇ أمينَ الأرض محمداً ﷺ ، وهي وصايا عظيمة جليلة، كل وصية منها تستوجب الوقوف عندها وقفات طويلات للتأمل والتدبر؛ لما حوته من المواعظ العظيمة، والعبر الجليلة، فما أحرانا أن نقف عند هذه الوصايا وقفة تأمل وتدبر، عسى الله أن يفتح قلوبنا لها، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

стр. 518

الاستعداد للموت فإنه آتٍ لا محالة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! روى الحاكم في مستدركه من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس). فهذه خمس وصايا أوصى بها أمينُ الوحي في السماء أمينَ الوحي في الأرض، وكل وصية من هذه الوصايا تحتاج إلى وقفة تفكّر وتأمل، فجبريل يذكر محمداً ﷺ ، ومحمد صلوات ربي وسلامه عليه يقوم بتذكير الأمة، والذكرى تنفع المؤمنين، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٦]. فهذه خمس وصايا: الوصية الأولى: (يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت)، وهذا مصداق قول الحق ﵎: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، ومصداق قول الحق ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فالكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. والموت فاذكره وما وراءه فما لأحد عنه براءْه وإنه للفيصل الذي بهِ يعرف ما للعبد عند ربهِ والقبر روضة من الجنانَ أو حفرة من حفر النيرانِ لذلك أوصانا نبينا ﷺ كما في حديث أبي هريرة فقال: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) أي: قاطع اللذات الذي يحول بين العبد وبين لذاته وشهواته. يقول ابن عمر: (كنت عاشر عشرة من الأنصار عند النبي ﷺ فقال رجل: من أكيس الناس يا رسول الله؟! فقال النبي ﷺ : أكيس الناس أكثرهم للموت ذكراً، وأشدهم له استعداداً، أولئك هم الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وشرف الآخرة)، وليست القضية قضية الموت فقط، لكن ليت شعري كيف ستكون الخواتيم؟ وليت شعري كيف سيختم لكل واحد منا أعلى طاعات أم على مخالفات ومنكرات؟ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، فمن عاش على الطاعة مات على طاعة، وبعث على طاعة بإذن الله، ومن شب على حب المعصية، شاب على حب المعصية، ومات عليها والعياذ بالله. فقضية ذكر الموت هي القضية التي تحيي القلوب، فما قست قلوب الناس اليوم، ولا غفل الناس إلا لما أغفلوا ذكر الموت وما وراءه. وما قست القلوب، وابتعدت عن ذكر علام الغيوب، وتهاونت في الطاعات، وتجرأت على المحرمات إلا لما غفلت عن ذكر الموت. وقد كان ذكر الموت هو مدار حديث الصالحين بالليل والنهار؛ لأنه الحقيقة التي لا بد منها، وهو الغائب الذي يوشك أن يطرق الباب بلا استئذان ولا مقدمات، فلا يعرف وزيراً، ولا يعرف ملكاً ولا أميراً، والكل عند الموت سواسية، فقد تفعل كل الأشياء باختيارك إلا الموت فلن يكون لك فيه خيار، فلا بد أن تموت؛ لأن الله قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فكل نفس ستموت إلا ذو العزة والجبروت. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل أنت مستعد للموت وما وراءه أم أنك ممن سينادي بأعلى صوته: رباه! ارجعون؟ فتريد أن تستدرك ولو لحظات مما فاتك، وتتمنى أنك كنت تصلي الفجر في جماعة، وتتمنى أنك كنت من الصائمين، وتتمنى أنك كنت من المتصدقين، وتتمنى أنك حفظت الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون، فالعمر واحد، والفرصة واحدة، ولقد أجمع أهل العلم على أن الموت ليس له وقت معين، ولا سبب معين، ولا مكان معين، بل يأتيكم بغتة وأنتم لا تشعرون. إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وحبل الردى مما نؤمل أقرب ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخرب فانظر -بارك الله فيك- فما من بيت إلا ودخله ملك الموت، فأخذ حبيباً أو قريباً وتخطانا إليهم، وسيأتي اليوم الذي يتخطاهم إلينا، وقد كان السلف ﵏ إذا ساروا في الجنائز ترى منهم العجب العجاب، يقول ثابت البناني: كنا إذا سرنا في الجنازة فلا ترى فينا إلا متقنعاً باكياً، وكنا لا ندري من نعزي لكثرة الباكين. وأما اليوم فضحك واستهزاء وتمثيل لمشاهد ومسلسلات عند المقابر، فالكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت، وعش العمر الذي تريده لكن اعلم أنه سينقضي عمرك طال الزمان أم قصر، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]، فهذه الوصية الأولى: (عش ما شئت فإنك ميت).

стр. 519

مفارقة الأحباب والأصحاب كائنة لا محالة الوصية الثانية: (أحبب من شئت فإنك مفارقه)، وكل وصية من هذه الوصايا مرتبطة بالتي قبلها، يقول الله جل في علاه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٤ - ١٧]. فـ (أحبب من شئت فإنك مفارقه)، فيا من تحب الزوجة! وطِّن نفسك على الفراق، ويا من تحب الصبية الصغار! وطِّن نفسك على الفراق، ويا من تحب الأصحاب والأحباب! وطِّن نفسك واستعد للفراق والانتقال من دار إلى دار. واعلم -بارك الله فيك- أن بعض المحبَّات قد تنقلب إلى عداوات يوم القيامة، فاعرف من تحب -بارك الله فيك-، وما أجمل المحبة في الله! وما أجمل العطاء في الله! وما أجمل البذل في الله! وما أجمل الاجتماع في الله ﵎! (أحبب من شئت فإنك مفارقه)، فبعض المحبات قد تنقلب إلى عداوات: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. وقوله: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، فاعرف من تحب. يمر أقاربي جنبات قبري كأن أقاربي لا يعرفوني وذو الميراث يقتسمون مالي ولا يألون إن جحدوا ديوني وقد أخذوا سهامهم وعاشوا فيا الله! ما اسرع ما نسوني احتضر أحد الصالحين فاجتمع أولاده من حوله، فاجتمعت الزوجة والأبناء والبنات، فقال للزوجة: ما يبكيك؟ قالت: أبكي ترملي من بعدك، وقال للأولاد: وأنتم ما يبكيكم؟ فقالوا: نبكي يتمنا من بعدك، فقال: تباً لكم! كلكم يبكي على دنياي، أما منكم من يبكي على آخرتي؟ أما منكم من يبكي عليّ إذا وُسَّدتُ التراب، وفارقني الأهل والأحباب؟! فاعرف من تحب بارك الله فيك، وهنيئاً لمن أحب القرآن، هنيئاً لمن أحب صيام الهواجر، هنيئاً لمن أحب الدعوة إلى الله، هنيئاً لمن أحب الإخوان في الله ومن أجل الله ﵎. بكى معاذ في ساعات احتضاره، وناجى ربه في تلك اللحظات، ثم قال: اللهم! إنك تعلم أني كنت أخافك، وأنا الآن أرجوك، اللهم! إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لطول البقاء، ولا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لصيام الهواجر، وقيام الليل، ومجالسة العلماء. فهم يحبون الدنيا من أجل هذا، فلأي شيء نحب الدنيا؟ ولماذا نحب البقاء؟ فـ (عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه)، فلا بد من الفراق، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٩ - ٣٠].

стр. 520

اعمل ما شئت فإنك مجزي به الوصية الثالثة: (واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به)، فيا من تعمل الصالحات أبشر! فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، ويا من تعمل السيئات لا تغتر بإمهال الله لك، ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣١ - ٣٢]. وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. وروى ﷺ عن الله تعالى: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيها لكم يوم القيامة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). إن أعمارنا صفحات نطويها يوماً بعد يوم، فنفتح صفحة الليل ثم نطويها، ونفتح صفحة النهار ثم نطويها، ثم نسطر فيها أعمالنا من خير أو شر، وكل ذلك يكتب، ثم تأتي آخر الصفحات ليختم للعبد على ما عاش عليه، والليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ووعيد، فهذا الكتاب أنت الذي كتبته، وسيخرج يوم القيامة حتى تقرأه أنت بنفسك، ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٥]، فماذا يسرك أن ترى في ذلك الكتاب؟ وماذا تحب أن ترى في ذلك الكتاب الذي كتبته أنت؟ أتحب أن ترى فيه أغاني ومسلسلات، ورقص وغناء، وربا وزنا، وفواحش ومنكرات؟ أم تريد أن ترى فيه ما يبيضّ به وجهك في ذلك اليوم العظيم، فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن الله قد أحصى كل شيء عدداً، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها، فلا تمنِّ نفسك بالرحمة إلا إذا أخذت بأسبابها، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ * فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٣٥ - ٤٥].

стр. 521

شرف المؤمن قيامه بالليل قوله: (واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل)، فيا الله ما أجمل تلك الساعات! وما أجمل تلك اللحظات عندما يخلو أولئك الصادقون مع رب الأرض والسموات في مدرسة الصدق والإخلاص! وفي مدرسة المجاهدة والتربية في ظلام الليل حيث لا يراهم إلا الله ﵎، وقد أثنى عليهم ربهم حين تركوا الفرش والنساء واللذات من أجل الوقوف بين يدي حبيبهم ﵎، فقال عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]، فلما أخفوا عبادتهم وقيامهم عن الناس أخفى الله ما أعد لهم من عظيم الأجر حين يلقونه ﵎، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٧ - ١٨]، أفمن صلى وقام كمن رقد ونام؟ أبداً لا يستوون. (واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل)، وتأمل بارك الله فيك الفرق بين الشرف في الحديث وبين الشرف اليوم، فاليوم انقلبت الموازين، وسميت الأشياء بغير أسمائها، فأصبحنا نسمع عن غناء شريف، وعن رقص شريف، وعن فن شريف، وعن فواحش شريفة، فغيروا الأسماء، وغيروا المسميات، فيا الله! فهذه أشراط الساعة قد ظهرت فينا كما قال ﷺ : (إن من ورائكم أياماً خداعات: يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وتتكلم فيها الرويبظة، وتسمى الأشياء بغير مسمياتها)، بل إنّ كثيراً من الناس يرى أن الشرف في الحسب والنسب، والنبي ﷺ يقول: (من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه)، والله يقول: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، ويقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، اللهم! اجعلنا منهم ومعهم. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 522

الاستعداد لرمضان، وقضاء ما فات الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم! صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: أحبتي! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله! ومن تقواه العمل بهذه الوصايا العظيمة التي أوصى بها جبريلُ -عليه من ربي السلام- نبينا ﷺ : (يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل). فهاهو رمضان قد أقبل، وهو شهر الصيام، وشهر القيام، وشهر العطايا، وشهر البذل، فإن كنا حقيقة نحب رمضان فلنستعد له قبل دخوله، والاستعداد لرمضان قبل دخوله ليس بالطعام والشراب كما يصنع كثير من الناس، ولكن وطِّن نفسك من الآن على قراءة القرآن، وقيام الليل، فمن هديه ﷺ في شعبان أنه كان يكثر من الصيام؛ استعداداً لاستقبال رمضان، قالت أم المؤمنين: (ما رأيته يتم صيام شهر غير رمضان كشعبان)، وهذا لكثرة ما كان يصوم في شعبان، والناس غافلون عن هذا الشهر العظيم، وما فيه من الأجر الكريم، وأن أعمال العباد تعرض على الله في هذا الشهر، فاتقوا الله عباد الله! واستعدوا للقاء رمضان قبل أن يدخل رمضان، أما ترون أننا قُبيل رمضان دائماً نمني أنفسنا بصيام وقيام وخَتمات للقرآن، فإذا دخل الشهر فشلت هذه المخططات، والسبب: أننا نريد أن نلزم أنفسنا بأشياء لم نتعودها قبل رمضان، فأين نحن من أولئك الذين كانوا يصومون على مدار العام، وأين نحن من أولئك الذين كانوا لا يتخلفون عن القيام، فاستعدوا للقاء رمضان قبل دخوله. ومما يجب التنبيه عليه: أنّ من كان عليه أيام من رمضان الماضي فالبدار البدار، والمسارعة المسارعة إلى قضاء هذه الأيام قبل أن يحل عليه رمضان، فإن تكاسل وتهاون فإنه يجب عليه القضاء بعد رمضان مع الإطعام، ويكون آثماً على التأخير بدون سبب، فسارعوا إلى قضاء ما فات.

стр. 523

عزّ المؤمن في استغنائه عن الناس والوصية الأخيرة من وصايا جبريل ﵇ وصية عظيمة نحتاجها اليوم، قال فيها: (واعلم أن عز المؤمن استغناؤه عن الناس)، ومعنى هذا أن يتعلق العبد بالله، كما جاء في حديث ابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، فلا يقِّدم للمخلوق سؤالاً، ولا يتقرب إلى المخلوق؛ فقد عزه استغناؤه عن الغير، فلا يحتاج إلا إلى الله ﵎، فتراه يأكل ويشرب من كده وتعبه وعرقه، واعلم أن سؤال الناس مذلة، وليس بعيب أن نعمل، لكن العيب كل العيب أن نكون عالة على الآخرين، فقد عمل الأنبياء، وما من نبي إلا ورعى الغنم، وعمل موسى ﵇ حتى يعف نفسه، وكان نبينا ﷺ يرعى الغنم لأهل مكة؛ حتى لا يحتاج إلى الآخرين، وهكذا كان العلماء الربانيون يتكسبون كي يعفوا أنفسهم، وكانوا لا يأخذون أعطيات ولا مداهنات الأمراء والوزراء؛ حتى تكون الكلمة قوية، وحتى يستطيعوا أن يصدعوا بالحق، فالاستغناء عن الغير عزّ. وقد دخل أحد الأمراء على عالم من العلماء وهو بين طلابه، مادّاً رجليه متبسطاً بين طلابه، فظن أنه بأُعطيته قد يستطيع أن يستحوذ على ذلك العالم، فلما جاء لم يقم له العالم للسلام عليه، بل سلم عليه وهو جالس؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وهدي محمد أولى بالاتباع من مداهنة المخلوقين، فظن ذلك الأمير أنه يستطيع أن يستحوذ على ذلك العالم بعطيته أو بماله، فأرسل إليه من يعطيه آلافاً مؤلفة من الدنانير، فقال العالم: ردها إليه، وأخبره أن من مدّ رجليه لا يمد يديه. والتقى أحد الأمراء مع أحد العلماء في بيت الله الحرام، فأراد هذا الأمير أن يتقرب إلى هذا العالم فقال له: هل لك من حاجة نقضيها لك؟ قال: والله! إني لأستحي أن أسألك وأنا في بيته، فتحين هذا الأمير خروج هذا العالم من بيت الله الحرام، فلما التقاه في الخارج قال: والآن ألك حاجة نقضيها؟ فقال العالم: أمن حوائج الدنيا هي أم من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا، قال: ما سألت الذي يملكها أأسألك أنت؟!! (واعلم أن عز المؤمن استغناؤه عن الغير)، ولن يكون ذلك إلا إذا تعلق بالله، وعرف كيف يطرق أبواب السماء، وعرف كيف يفتح أبواب السماء بالدعاء والسؤال والذل والمسكنة لرب الأرض والسماوات، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨]. يقول جبريل: (عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزُّه استغناؤه عن الغير). اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا! من الراشدين. اللهم إنا نعوذ من التوكل إلا عليك، ومن الوقوف إلا ببابك، ومن السؤال إلا منك يا رب العالمين! اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد سواك طرفة عين، يا رب الأرض والسموات!! اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، وارزقنا صيامه وقيامه إيماناً واحتساباً يا رب العالمين! ولا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا يا علي يا عظيم! وآمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! وانصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وقوِّ عزائمهم، واربط على قلوبهم، وثبت الأقدام، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين! وكُن لهم عوناً وظهيراً، ومؤيداً ونصيراً. اللهم اكبت عدوك وعدوهم فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز! اللهم عليك بالنصارى ومن ناصرهم، وبالشيوعيين ومن شايعهم، وباليهود ومن هاودهم، اللهم عليك بأعداء الملة والدين، فإنهم لا يخفون عليك، ولا يعجزونك يا عليم يا خبير! يا قوي يا عزيز! واجمع شملنا، ووحد صفنا، وأصلح ولاة أمورنا، وانصرنا -يا قوي يا عزيز! - على القوم الكافرين. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 524

وقفة الدنيا دار ممر، وكل من عليها فان، وكل سيلقى ربه، ويرى عمله، فالعاقل من استعد للحساب، وتاب إلى ربه وأناب، وسلك طريق أولي الألباب.

стр. 525

الدنيا دار ممر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! الشيء الذي لا بد ألا ننساه، أننا في هذه الدنيا ضيوف، وأننا نعيش في هذه الحياة من أجل الاستعداد للحياة الباقية، لا بد أن نعرف ونعي أن العمر مهما طال فهو قصير، وأن هذه الحياة مهما عظمت فهي حقيرة عند الله، ولا تساوي عند الله جناح بعوضة. لا بد أن نعرف -عباد الله- أن بعد هذه الحياة موت، كما قال الله جل في علاه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. لا بد أن نعرف -عباد الله- أن بعد الموت قبر، كما قال الله جل في علاه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]. لا بد أن نعرف ونعي أن بعد القبر بعث، وهو إحياء الموتى يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم، قال سبحانه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. حين علمنا هذا كله، فما المطلوب من الجميع؟ المطلوب ما قال الله جل في علاه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٨ - ٩]. فاستعدوا عباد الله! واحرصوا على الخواتيم، لأن النبي ﷺ قال: (يبعث كل عبد على ما مات عليه). وعن أبي رزين العقيلي قال: (قلت: يا رسول الله! كيف يعيد الله الخلق؟! وما آية ذلك في خلقه؟! قال: أما مررت بوادي قومك جدباً، ثم مررت به يهتز خضراً؟! قلت: نعم، قال: فتلك آية الله في خلقه)، حديث صحيح وهو موافق لنص التنزيل، قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧].

стр. 526

من دلائل قدرة الله على إحياء الموتى عباد الله! لقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، وفي سورة البقرة وحدها خمسة أمثلة على ذلك. المثال الأول: قال الله عن قوم موسى ﵊: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦]، فأحياهم الله بعد أن أخذتهم الصاعقة. المثال الثاني: في قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل في زمن موسى ﵊، فأمرهم أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها ليخبرهم بمن قتله، ففعلوا، فأحياه الله وأخبرهم بمن قتله، قال جل في علاه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٢ - ٧٣]. المثال الثالث: في قصة القوم: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٢٤٣]. قال وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي عن المنهال بن عمرو الأزدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ترجمان القرآن في قوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة:٢٤٣] قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون، قالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم: ﴿مُوتُوا﴾، فماتوا، فلما كان بعد دهر، مر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم، فأمره الله تعالى أن يقول: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً، وعصباً، وجلداً؛ فكان ذلك يحدث، وهو يشاهد، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح! إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تغمره، فقاموا أحياء ينظرون، قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، أحياهم وهم يقولون: (لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين). فكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، لهذا قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾، أي: فيما يريهم من الآيات الباهرة، والحجج القاطعة، والدلالات الدامغة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم. وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء القوم خرجوا فراراً من الوباء، وطلباً لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعاً في آن واحد. المثال الرابع لإحياء الموتى: في قصة الذي مر على قرية ميتة، فاستبعد أن يحييها الله، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال جل في علاه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]. واختلف المفسرون في هذا الذي مر، فقال علي: هو عزير، وهذا هو المشهور، وقالوا: هو الخضر، وقالوا: رجل من أهل الشام اسمه حزقيل بن بوار، قال مجاهد: هو رجل من بني إسرائيل، أما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها. المثال الخامس: في قصة إبراهيم الخليل ﵊ حين سأل الله أن يريه كيف يحي الموتى، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]. فهذه صور خمسة في كتاب الله في سورة البقرة، أخبرنا فيها المولى كيف يحيي الموتى، وكذلك سيحييهم للحشر بعد البعث.

стр. 527

الحشر والحساب إذا علمنا عباد الله! أن هناك بعثاً فاعلم -رعاك الله- أن هناك حشراً، وهو جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم، وسمى الله ذلك اليوم بيوم الجمع، قال جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣]، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]. فلا إله إلا الله! فلا إله إلا الله على يوم مثل هذا. تأمل في قدرة الله التي تحيط بالعباد، فالله لا يعجزه شيء، وحيثما هلك العباد، فإن الله قادر على الإتيان بهم، إن هلكوا في أجواء الفضاء، أو غاروا في أعماق الأرض، أو أكلتهم الطيور الجارحة، أو افترستهم الحيوانات المفترسة، أو ابتلعتهم الحيتان في البحار، قال سبحانه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. وكما أن قدرة الله محيطة بعباده يأتي بهم حيثما كانوا، فكذلك علمه محيط بهم، فلا يتخلف منهم أحد، ولا يضل منهم أحد، ولا يشذ منهم أحد، لقد أحصاهم خالقهم ﵎، وعدهم عداً، قال جل في علاه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]، وقال سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧]. أما القصد من الجمع -عباد الله- فهو للعرض والحساب، قال جل وعلا: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١]، وقال جل في علاه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦]، وقال جل في علاه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء نعم عباد الله! إنه العرض والحساب، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم:٥١]. عباد الله! أخبرنا ربنا جل وعلا عن مشهد الحساب والجزاء في يوم الحساب فقال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر:٦٩]. حسبك -عبد الله- أن تعلم أن القاضي والمحاسب في ذلك اليوم هو الحكم العدل قيوم السماوات والأرض، ليتبين لك عظم هذا المشهد وجلالته ومهابته، ولعل هذا الإشراق المذكور في الآية إنما يكون عندما يجيء الملك الجليل للقضاء بين العباد، قال سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقال: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢١ - ٣٠]. هو مجيء الله أعلم بكيفيته، نؤمن به، ونعلم أنه حق، ولا نؤوله، ولا نحرفه، ولا نكذب به، والآية تنص أيضاً على مجيء الملائكة، فهو موقف جليل، تحضره ملائكة الرحمن، ومعها كتب الأعمال، التي أحصت على الخلق أعمالهم، وتصرفاتهم، وأقوالهم، ليكون حجة على العباد، وهو كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. ويجاء في موقف القضاء والحساب بالرسل، ويسألون عن الأمانة التي حملهم الله إياها، وهي: إبلاغ الوحي إلى من أرسلوا إليهم، ويشهدون على أقوامهم وما عملوه معهم، ويقوم الأشهاد في ذلك اليوم العظيم، فيشهدون على الخلائق بما كان منهم. والأشهاد هم الملائكة الذين كانوا يسجلون على المرء أعماله، ويشهد أيضاً الأنبياء والعلماء، كما تشهد على العباد الأرض، والسماء، والأيام، والليالي، تأمل في قول الجبار جل في علاه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٥]. والله إنه لحساب شديد، فسيحاسب فيه الإنسان بالذرة. عباد الله! يؤتى بالعباد الذين عقد الحق ﵎ محكمته العظيمة لمحاسبتهم، ويقامون صفوفاً للعرض عليه، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف:٤٨]، ويؤتى بالمجرمين منهم، وهم الذين كذبوا الرسل، وتمردوا على ربهم، واستعلوا في الأرض بغير الحق، يؤتى بهم، مقرنين بالأصفاد، مسربلين بالقطران، قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٤٩ - ٥٠]. ولشدة الهول في ذلك الموقف العظيم، تجثو الأمم على الركب عندما يدعى الناس للحساب، لعظم ما يشاهدون، وما هم فيه واقعون، ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨ - ٢٩]. إنه مشهد جليل عظيم! نسأل الله أن ينجينا فيه بفضله ومنه وكرمه.

стр. 528

مفهوم الحساب وأنواعه معنى الحساب أن يوقف الحق ﵎ عباده بين يديه، ويعرفهم بأعمالهم التي عملوها، وأقوالهم التي قالوها، وما كانوا عليه في الدنيا، من إيمان، وكفر، واستقامة، وانحراف، وطاعة، وعصيان، وما يستحقونه على ما قدموه من إثابة وعقوبة، ثم يعطون الكتب، إما بالأيمان إن كانوا صالحين، وإما بالشمال إن كانوا طالحين. ويشمل الحساب ما يقوله الجبار لعباده، وما يقولونه له، وما يقيمه عليهم من حجج وبراهين، وشهادة الشهود، ووزن الأعمال. أما نوع الحساب: فعسير، ويسير، ومنه: حساب التكريم، والتوبيخ، ومنه: الفضل، والصفح، والعفو. والذي يتولى ذلك كله، هو: أكرم الأكرمين، وأسرع الحاسبين، وقيوم السماوات والأرضين. شعار محكمة ذلك اليوم: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فهو العدل سبحانه، لو عذب عباده جميعاً لم يكن ظالماً لهم؛ لأنهم عبيده، وملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء. أيا من ليس لي منه مجير بعفوك من عذابك أستجير أنا العبد المقر بكل ذنب وأنت الواحد المولى الغفور إن عذبتني فبسوء فعلي وإن تغفر فأنت به جدير أفر إليك منك وأين إلا إليك يفر منك المستجير ولكن الحق ﵎ يحاسبهم محاسبة عادلة، تليق بمحكمته، وعدله، وعظمته، وجلاله.

стр. 529

من قواعد الحساب يوم القيامة بين لنا سبحانه في كثير من النصوص جملة من القواعد التي تقوم عليها المحاكمة، فمنها: العدل التام الذي لا يشوبه الظلم، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧]. ومن قواعد تلك المحكمة: أن الله لا يؤاخذ أحداً بجريرة أحد، قال سبحانه: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨]، بل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]. ومن تلك القواعد أيضاً: إطلاع العباد على ما قدموه من أعمال، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. ومن قواعد المحاكمة في ذلك اليوم: إقامة الشهود على الكفرة والمنافقين والفجرة، قال الله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٤ - ٢٥]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 530

أسئلة يوم الحساب الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، اتقوا الله عباد الله! ومن تقوى الله الاستعداد للوقوف بين يدي الله جل في علاه. عماذا سيكون السؤال في ذلك اليوم الذي سيجمع الله فيه الأولين والآخرين؟! اسمع بارك الله فيك! اسمع السؤال وأعد الجواب بارك الله فيك! عن ابن مسعود ﵁ قال: قال ﷺ : (لا تزول -أي إلى الجنة أو إلى النار- قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم)، رواه الترمذي، وقال الألباني: ﵀ وإسناده حسن. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ٢١]. لا تظنن الأمر سهل عبد الله! بل في ذلك اليوم يشتد غضب الجبار ﷻ ، يشتد غضبه على من خلقه فعبد غيره، وعلى من رزقه فشكر غيره، وعلى من أسبغ عليه النعم ثم عصاه، عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر وهو يحكي عن النبي ﷺ وهو على المنبر في قول الله ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] أنه قال ﷺ : (يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض يده ويبسطها ويقول: أنا الملك، أنا الملك، قال ابن عمر: والله كأني أنظر إلى المنبر يتحرك من أسفله، والنبي ﷺ واقف عليه، وأنا أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟). فتأمل حال العصاة والمجرمين في ذلك اليوم! يوم يشتد غضب الجبار جل في علاه، قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤]، يطلبون رضا ربهم، فلا يستجاب لهم. فتأمل -عبد الله- موقفك غداً بين يدي العزيز القهار، والله إنها ساعة لا يخفى على الموقنين رهبتها، ولا على المتقين شدتها. اللهم يسر حسابنا، ويمن كتابنا، وثقل موازيننا، زحزحنا عن النار، وأدخلنا الجنة يا عزيز يا غفار. تذكر وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن غضب على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا فلما قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصا إلى النار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والموحدون بدار الخلد سكانا قال سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٥]. قال الزجاج: ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة للعنق. وقال ابن أدهم: كل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فإذا مات طويت، وإذا بعث نشرت، وقيل له: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا). وقال ابن عباس ﵁: معنى طائره: أي عمله. وقال الحسن: يقرأ الإنسان الكتاب أمياً كان أو غير أمي، يعرف القراءة أو لا يعرفها، ينطق ويقرأ في ذلك اليوم.
следующие страницы →