← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

من دلائل قدرة الله على إحياء الموتى عباد الله! لقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، وفي سورة البقرة وحدها خمسة أمثلة على ذلك. المثال الأول: قال الله عن قوم موسى ﵊: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦]، فأحياهم الله بعد أن أخذتهم الصاعقة. المثال الثاني: في قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل في زمن موسى ﵊، فأمرهم أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها ليخبرهم بمن قتله، ففعلوا، فأحياه الله وأخبرهم بمن قتله، قال جل في علاه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٢ - ٧٣]. المثال الثالث: في قصة القوم: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٢٤٣]. قال وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي عن المنهال بن عمرو الأزدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ترجمان القرآن في قوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة:٢٤٣] قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون، قالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم: ﴿مُوتُوا﴾، فماتوا، فلما كان بعد دهر، مر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم، فأمره الله تعالى أن يقول: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً، وعصباً، وجلداً؛ فكان ذلك يحدث، وهو يشاهد، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح! إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تغمره، فقاموا أحياء ينظرون، قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، أحياهم وهم يقولون: (لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين). فكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، لهذا قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾، أي: فيما يريهم من الآيات الباهرة، والحجج القاطعة، والدلالات الدامغة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم. وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء القوم خرجوا فراراً من الوباء، وطلباً لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعاً في آن واحد. المثال الرابع لإحياء الموتى: في قصة الذي مر على قرية ميتة، فاستبعد أن يحييها الله، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال جل في علاه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]. واختلف المفسرون في هذا الذي مر، فقال علي: هو عزير، وهذا هو المشهور، وقالوا: هو الخضر، وقالوا: رجل من أهل الشام اسمه حزقيل بن بوار، قال مجاهد: هو رجل من بني إسرائيل، أما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها. المثال الخامس: في قصة إبراهيم الخليل ﵊ حين سأل الله أن يريه كيف يحي الموتى، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]. فهذه صور خمسة في كتاب الله في سورة البقرة، أخبرنا فيها المولى كيف يحيي الموتى، وكذلك سيحييهم للحشر بعد البعث.

стр. 527

الحشر والحساب إذا علمنا عباد الله! أن هناك بعثاً فاعلم -رعاك الله- أن هناك حشراً، وهو جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم، وسمى الله ذلك اليوم بيوم الجمع، قال جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣]، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]. فلا إله إلا الله! فلا إله إلا الله على يوم مثل هذا. تأمل في قدرة الله التي تحيط بالعباد، فالله لا يعجزه شيء، وحيثما هلك العباد، فإن الله قادر على الإتيان بهم، إن هلكوا في أجواء الفضاء، أو غاروا في أعماق الأرض، أو أكلتهم الطيور الجارحة، أو افترستهم الحيوانات المفترسة، أو ابتلعتهم الحيتان في البحار، قال سبحانه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. وكما أن قدرة الله محيطة بعباده يأتي بهم حيثما كانوا، فكذلك علمه محيط بهم، فلا يتخلف منهم أحد، ولا يضل منهم أحد، ولا يشذ منهم أحد، لقد أحصاهم خالقهم ﵎، وعدهم عداً، قال جل في علاه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]، وقال سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧]. أما القصد من الجمع -عباد الله- فهو للعرض والحساب، قال جل وعلا: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١]، وقال جل في علاه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦]، وقال جل في علاه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء نعم عباد الله! إنه العرض والحساب، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم:٥١]. عباد الله! أخبرنا ربنا جل وعلا عن مشهد الحساب والجزاء في يوم الحساب فقال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر:٦٩]. حسبك -عبد الله- أن تعلم أن القاضي والمحاسب في ذلك اليوم هو الحكم العدل قيوم السماوات والأرض، ليتبين لك عظم هذا المشهد وجلالته ومهابته، ولعل هذا الإشراق المذكور في الآية إنما يكون عندما يجيء الملك الجليل للقضاء بين العباد، قال سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقال: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢١ - ٣٠]. هو مجيء الله أعلم بكيفيته، نؤمن به، ونعلم أنه حق، ولا نؤوله، ولا نحرفه، ولا نكذب به، والآية تنص أيضاً على مجيء الملائكة، فهو موقف جليل، تحضره ملائكة الرحمن، ومعها كتب الأعمال، التي أحصت على الخلق أعمالهم، وتصرفاتهم، وأقوالهم، ليكون حجة على العباد، وهو كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. ويجاء في موقف القضاء والحساب بالرسل، ويسألون عن الأمانة التي حملهم الله إياها، وهي: إبلاغ الوحي إلى من أرسلوا إليهم، ويشهدون على أقوامهم وما عملوه معهم، ويقوم الأشهاد في ذلك اليوم العظيم، فيشهدون على الخلائق بما كان منهم. والأشهاد هم الملائكة الذين كانوا يسجلون على المرء أعماله، ويشهد أيضاً الأنبياء والعلماء، كما تشهد على العباد الأرض، والسماء، والأيام، والليالي، تأمل في قول الجبار جل في علاه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٥]. والله إنه لحساب شديد، فسيحاسب فيه الإنسان بالذرة. عباد الله! يؤتى بالعباد الذين عقد الحق ﵎ محكمته العظيمة لمحاسبتهم، ويقامون صفوفاً للعرض عليه، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف:٤٨]، ويؤتى بالمجرمين منهم، وهم الذين كذبوا الرسل، وتمردوا على ربهم، واستعلوا في الأرض بغير الحق، يؤتى بهم، مقرنين بالأصفاد، مسربلين بالقطران، قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٤٩ - ٥٠]. ولشدة الهول في ذلك الموقف العظيم، تجثو الأمم على الركب عندما يدعى الناس للحساب، لعظم ما يشاهدون، وما هم فيه واقعون، ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨ - ٢٩]. إنه مشهد جليل عظيم! نسأل الله أن ينجينا فيه بفضله ومنه وكرمه.

стр. 528

مفهوم الحساب وأنواعه معنى الحساب أن يوقف الحق ﵎ عباده بين يديه، ويعرفهم بأعمالهم التي عملوها، وأقوالهم التي قالوها، وما كانوا عليه في الدنيا، من إيمان، وكفر، واستقامة، وانحراف، وطاعة، وعصيان، وما يستحقونه على ما قدموه من إثابة وعقوبة، ثم يعطون الكتب، إما بالأيمان إن كانوا صالحين، وإما بالشمال إن كانوا طالحين. ويشمل الحساب ما يقوله الجبار لعباده، وما يقولونه له، وما يقيمه عليهم من حجج وبراهين، وشهادة الشهود، ووزن الأعمال. أما نوع الحساب: فعسير، ويسير، ومنه: حساب التكريم، والتوبيخ، ومنه: الفضل، والصفح، والعفو. والذي يتولى ذلك كله، هو: أكرم الأكرمين، وأسرع الحاسبين، وقيوم السماوات والأرضين. شعار محكمة ذلك اليوم: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فهو العدل سبحانه، لو عذب عباده جميعاً لم يكن ظالماً لهم؛ لأنهم عبيده، وملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء. أيا من ليس لي منه مجير بعفوك من عذابك أستجير أنا العبد المقر بكل ذنب وأنت الواحد المولى الغفور إن عذبتني فبسوء فعلي وإن تغفر فأنت به جدير أفر إليك منك وأين إلا إليك يفر منك المستجير ولكن الحق ﵎ يحاسبهم محاسبة عادلة، تليق بمحكمته، وعدله، وعظمته، وجلاله.

стр. 529

من قواعد الحساب يوم القيامة بين لنا سبحانه في كثير من النصوص جملة من القواعد التي تقوم عليها المحاكمة، فمنها: العدل التام الذي لا يشوبه الظلم، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧]. ومن قواعد تلك المحكمة: أن الله لا يؤاخذ أحداً بجريرة أحد، قال سبحانه: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨]، بل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]. ومن تلك القواعد أيضاً: إطلاع العباد على ما قدموه من أعمال، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. ومن قواعد المحاكمة في ذلك اليوم: إقامة الشهود على الكفرة والمنافقين والفجرة، قال الله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٤ - ٢٥]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 530

أسئلة يوم الحساب الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، اتقوا الله عباد الله! ومن تقوى الله الاستعداد للوقوف بين يدي الله جل في علاه. عماذا سيكون السؤال في ذلك اليوم الذي سيجمع الله فيه الأولين والآخرين؟! اسمع بارك الله فيك! اسمع السؤال وأعد الجواب بارك الله فيك! عن ابن مسعود ﵁ قال: قال ﷺ : (لا تزول -أي إلى الجنة أو إلى النار- قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم)، رواه الترمذي، وقال الألباني: ﵀ وإسناده حسن. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ٢١]. لا تظنن الأمر سهل عبد الله! بل في ذلك اليوم يشتد غضب الجبار ﷻ ، يشتد غضبه على من خلقه فعبد غيره، وعلى من رزقه فشكر غيره، وعلى من أسبغ عليه النعم ثم عصاه، عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر وهو يحكي عن النبي ﷺ وهو على المنبر في قول الله ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] أنه قال ﷺ : (يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض يده ويبسطها ويقول: أنا الملك، أنا الملك، قال ابن عمر: والله كأني أنظر إلى المنبر يتحرك من أسفله، والنبي ﷺ واقف عليه، وأنا أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟). فتأمل حال العصاة والمجرمين في ذلك اليوم! يوم يشتد غضب الجبار جل في علاه، قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤]، يطلبون رضا ربهم، فلا يستجاب لهم. فتأمل -عبد الله- موقفك غداً بين يدي العزيز القهار، والله إنها ساعة لا يخفى على الموقنين رهبتها، ولا على المتقين شدتها. اللهم يسر حسابنا، ويمن كتابنا، وثقل موازيننا، زحزحنا عن النار، وأدخلنا الجنة يا عزيز يا غفار. تذكر وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن غضب على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا فلما قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصا إلى النار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والموحدون بدار الخلد سكانا قال سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٥]. قال الزجاج: ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة للعنق. وقال ابن أدهم: كل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فإذا مات طويت، وإذا بعث نشرت، وقيل له: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا). وقال ابن عباس ﵁: معنى طائره: أي عمله. وقال الحسن: يقرأ الإنسان الكتاب أمياً كان أو غير أمي، يعرف القراءة أو لا يعرفها، ينطق ويقرأ في ذلك اليوم.

стр. 531

الاستعداد ليوم الحساب تخيل نفسك إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، وقد نوديت باسمك على رءوس الخلائق، أين فلان بن فلان؟ أين فلان بن فلان؟ استعد للوقوف بين يدي الله، هلم إلى العرض على الله، وقد وكلت الملائكة بأخذك فقربتك إلى الله، لا يمنعها اشتباه الأسماء باسم أبيك، فإذا عرفت أنك المراد بالدعاء، وإذا قرع النداء قلبك، فعلمت أنك المطلوب، فارتعدت فرائصك، واضطربت جوارحك، وتغير لونك، وطار قلبك، تخطى بك الصفوف إلى ربك، للعرض عليه، والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم، وأنت في أيدي الملائكة قد طار قلبك، واشتد رعبك، لعلمك أين يراد بك. عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري. تخيل -عبد الله- نفسك واقفاً بين يدي ربك، في يدك صحيفة مخبرة بعملك، لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأة أسررتها، وأنت تقرأ ما فيها، بلسان كليل، وقلب منكسر حسير، والأهوال محدقة بك من بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكركها! وكم من سيئة قد كنت قد أخفيتها قد أظهرها وأبداها! وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص لك، فرده عليك في ذلك الموقف وأحبطه، بعد أن كان أملك منه عظيماً! فيا حسرة قلبك، ويا أسفك على ما فرطت فيه من طاعة ربك. عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك فقلت: يا رسول الله! أليس الله قد قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]؟ فقال ﷺ : يا عائشة! إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب) متفق عليه. ثم يبدأ الحساب، وتكشف الحقائق، وتظهر الفضائح. تذكر -عبد الله- أنك بين يدي الله موقوف، وأنك ستكلمه ليس بينك وبينه ترجمان، ستقف وستسأل عن القليل والكثير، عن الصغير والكبير، ستسأل عن العمر، عن الشباب، عن المال، عن كل نظرة، عن كل كلمة قلتها، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. ستسأل عن كل صلاة تخلفت عنها، وهل حفظت الصوم والزكاة، هل أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، هل دافعت عن أعراض المسلمين، ستسأل عن حقوق وواجبات، وأوامر ومنهيات، فمنهم من يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، ومنهم من يحاسب حساباً عسيراً ويدعو ثبوراً. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يدني المؤمن منه يوم القيامة فيضع عليه كنفه -أي يضع عليه ستره- فيقول: فلان! أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: إي نعم رب أعرف، حتى يقرره بذنوبه، حتى إذا رأى العبد أنه قد هلك، قال أرحم الراحمين: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)، فيعطى كتاب حسناته بيمينه، فهذا هو الحساب اليسير، أما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رءوس الخلائق: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]. حاسبوا أنفسكم عباد الله، واستعدوا للعرض أمام الله جل في علاه، إلى متى الغفلة عباد الله! ومنادي الله يناديكم: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]؟ اعلم -رعاك الله- أنه عند صرعة الموت، لا عثرة تقال، ولا توبة تنال. كان خليد العصري يقول: كلنا أيقن بالموت، وما نرى له مستعداً، وكلنا أيقن بالنار، وما نرى لها خائفاً، وكلنا قد أيقن بالجنة، وما نرى لها عاملاً. إلى متى الغفلة عبد الله؟! أين ندمك على ذنوبك؟! وأين حزنك على عيوبك؟! إلى متى تؤذي بالذنب نفسك؟! وتضيع يومك كما ضيعت أمسك؟ لا مع الصادقين لك قدم، ولا مع التائبين لك ندم، فهلا بسطت يداً سائلة، وهلا أجريت دموعاً سائلة، انتبه قبل أن تنادي: رباه ارجعون، فيقال: مات، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤]، انتبه قبل أن توقف أمام الله للعرض فتقول: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]. مر الحسن البصري على أقوام يضحكون، فقال: هل مررتم على الصراط؟ قالوا: لا، قال: أتدرون إلى الجنة يؤخذ بكم أم إلى النار؟ قالوا: لا، قال: فعلام الضحك؟! لا على الصراط مررتم، ولا إلى الجنة تؤخذون، ولا من النار تنجون، وتضحكون؟! ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]. فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]. أدوا الحقوق، وتحللوا من بعضكم، قبل ألا يكون درهم ولا دينار، أخلصوا أعمالكم لله، حافظوا على الصلوات، انتهوا عن الفواحش والمنكرات، توبوا إلى الله توبة نصوحاً. اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً قبل الموت، وشهادة عند الموت، ورحمة بعد الموت يا رب العالمين. اللهم استر في ذلك اليوم عوراتنا، وآمن فيه روعاتنا، وثقل فيه موازيننا، وزحزحنا فيه عن النار، وأدخلنا فيه الجنة يا رب العالمين. اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً يا رب العالمين. اللهم ارحم الشيب، وبارك في أعمارهم يا رب العالمين. اللهم احفظ نساءنا وأطفالنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وصن أعراضهم، واحقن دماءهم، وتقبل شهداءهم، وفك أسرانا وأسراهم. اللهم اكبت عدوك وعدونا من يهود ونصارى وحاقدين، وافضح المنافقين والمعتدين، يا عليم يا خبير، يا قوي يا عزيز، ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم لا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية، ولا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين أذلة صاغرين، يا قوي يا عزيز. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 532

يا تارك الصلاة الصلاة ركن من أركان الإسلام، ومن حافظ عليها حفظه الله، ومن ضيعها ضيعه الله، وقد ضيعها كثير من المسلمين وتهاونوا بأدائها، فضيعهم الله، وتواردت عليهم الهموم والغموم من كل جانب.

стр. 533

الصلاة علاج للأمراض والمشاكل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة! جاءني أحد الشباب منذ فترة ماضية وبدء يعرض مشاكله -وما هي أكثر مشاكل الشباب- قال: أشتكي من كثرة الهموم والغموم، أشتكي من قلة التوفيق في كل شأن من شئون حياتي، ما طرقت باباً إلا وجدته موصداً مغلقاً، ما أقدمت على مشروع إلا باء بالفشل، وزيادة على هذا وجع يلازمني في بطني، عرضت نفسي على الأطباء، تنقلت من مكان إلى مكان بحثاً عن العلاج ولم أجده. قلت له مستعيناً بالله: المريض إذا مرض يذهب إلى الطبيب، والطبيب ينظر في أعراض المرض ثم يبدأ بتشخيص المرض، فإذا اكتشف العلة واكتشف المرض نصح بالدواء، والمطلوب من المريض حين يعطى الدواء أن يحافظ عليه بكميته المحددة في وقته المحدد. قلت له أيضاً: المطلوب منك أن تحافظ على الدواء، قال: لا توص حريصاً، فلقد تعبت وأنا أبحث عن العلاج والدواء، همومي كثيرة مشاكلي كثيرة آلامي التي أقضت مضجعي فلا أهنأ بطعام ولا بشراب ولا بمنام. قلت: العلاج موجود، لكن المطلوب منك أنك تحافظ على العلاج وتداوم عليه، قال: وما هو؟ قلت: خمس صلوات في اليوم والليلة، (من أداهن حيث يُنادى بهن -يعني: في المساجد- كن له نوراً وضياءً وبرهاناً يوم القيامة، ومن ضيعهن ضيعه الله يوم القيامة). ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] وأي هدى أعظم من المحافظة على الصلوات ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. هذا هو العلاج، هذا هو علاج ذلك الشاب وعلاج مشاكل كل واحد منا، أن يطرق باب الطبيب خمس مرات، وأن يرتمي بين يديه ويرفع إليه الحاجات والمسائل، ويبتهل إليه بالدعاء والتضرع، والله لن تحل مشاكلنا، ولن تكشف همومنا، ولن تتبدل أحوالنا إلا إذا استقمنا في الصلوات.

стр. 534

أحوال الناس في الصلاة حالنا مع الصلوات يُبكي العين ويُدمي القلب ويُقطع الجبين، انقسم المسلمون مع صلاتهم إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يصلي ولا يركع ولا يسجد لا بالليل ولا بالنهار، أسماؤهم عبد الله وعبد الرحمن -كذبوا والله كذبوا والله- لو كانوا عبيداً لله ما خالفوا أوامر الله ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]. نعرف كثيراً ممن منَّ الله عليهم بالاستقامة والهداية، سألناهم عن أحوالهم في الصلوات، فكان كثير منهم يقول: مرت عليّ سنوات لم أسجد فيها ولم أركع. سنوات لم يسجدوا لله فيها ولم يركعوا، أي حياة هذه؟! والله لن يستقيم حال الإنسان إلا إذا استقام على صلاته، والله إنك لن تتقرب إلى الله بقربة أعظم من المحافظة على الصلوات، قال ﷺ : (اكلفوا من العمل ما تطيقون، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة). والله لن ينفعك صوم ولا حج ولا زكاة ولا أي نوع من الأعمال إلا إذا صلح أمر الصلاة؛ فأول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة عن صلاته، فإن استقامت وصلحت نظر الله في باقي الأعمال، وإلا ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. قسم لا يركع ولا يسجد -وهم كثير- امتلأت بهم البيوت وانتشروا في الطرقات، تراهم في المجمعات في أوقات الصلوات يغدون ويروحون كأن الأمر لا يعنيهم. قسم آخر: وهم أيضاً كثير، يُقدّمون ويؤخرون، ينامون ويتكاسلون، يلعبون ويلهون، إن استيقظ من نومه صلى، إن انتهى من لعبه صلى، إن انتهى من أكله وشربه صلى، تناسوا أن الله قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]. تناسوا أن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩]. تناسوا أن الله قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]. لو أنك موظف في شركة من الشركات أو مؤسسة من المؤسسات، ودوامها يبدأ في الساعة السابعة صباحاً، فإذا بك في اليوم الأول تأتي بعد عشرين دقيقة من مرور الوقت، ويستقبلك الرئيس فيغض الطرف عنك، فإن جئته في اليوم الثاني سيخاطبك ويقول لك: إن نظام المؤسسة ودوامها يبدأ في الساعة السابعة لا في الساعة السابعة والنصف، ثم إذا تكرر منك التأخر ستعطى إنذاراً شفهياً أو إنذاراً خطياً، فإذا تكرر منك التخلف والتأخر فلا مكان لك في تلك المؤسسة. هذه مؤسسة وشركة من الشركات، فكيف بالذين يتأخرون عن طاعة رب الأرض والسماوات مرات ومرات، قال ﷺ : (ولا زال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله) فقسم لا يركع ولا يسجد، وقسم يقدم ويؤخر ويتهاون ويتكاسل، وهم كثير لا ينطلقون إلى المساجد إلا إذ سمعوا الإقامة أو بعد ركعة أو ركعتين، تناسوا أن الله قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]. قسم ثالث: وهم قله قليلة، وأنا أعني أنهم قلة قليلة مقارنة إلى تعداد هذه الأمة أمة المليار أو ما يزيد. هل تريد أن تشهد هذه القلة؟ اشهدها في صلاة الفجر، اشهد صلاة الفجر مع الجماعة حتى ترى العجب العجاب، ترى أن آلافاً مؤلفة بل ملايين تغط في سبات عميق، وقلة قليلة هي التي انتصرت على فُرشها وشهواتها وانطلقت تجيب منادي الله. عندما ينطلق أذان الفجر في الرابعة وسبع دقائق، اخرج إلى الشارع حتى تعرف مقدار المأساة، فلا تكاد ترى سيارة تتحرك، لا تكاد ترى إنساناً يسير، لا تكاد تسمع أصواتاً في البيوت. اُدخل المسجد ترى آباءً وكباراً في السن وقلة قليلة من الشباب الذين هداهم الله، والبقية الباقية تغط في سُبات عميق، ثم اخرج بعد صلاة الفجر بساعة وانظر إلى الناس قد ملئوا الطرقات والتقاطعات، وانتشروا في مناكب الأرض يطلبون الدنيا، ما كأن الله قبلها بساعة ناداهم مناديه (الصلاة خير من النوم) وواقع حال كثير من الناس يقول: (النوم خير من الصلاة).

стр. 535

تضييع الصلاة من أسباب ضياع المسلمين أسألك بالله العظيم هل صليت الفجر اليوم في صفوف المصلين، أم اتصفت بصفات المنافقين، أليس أثقل الصلوات عليهم صلاة الفجر وصلاة العشاء؟ أليست هذه الأمة قد اتصفت بالنفاق في مشارق الأرض ومغاربها؟ هل تريد أن تعرف مقدار المأساة؟ اسمع بارك الله فيك. زرت ثانوية من الثانويات منذ أيام مضت، وكان تعداد المدرسة أكثر من ثمانمائة طالب في ريعان الشباب، أعمارهم تجاوزت الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين عاماً، رجال المفترض أن يغيروا الواقع ويبدلوا الحال، سألتهم بعد أخذ وعطاء: اصدقوني في سؤالي هذا: من منكم صلى الفجر في جماعة؟ كم تظن أنه أجاب من الثمانمائة؟ مائة مائتان أم ثلاث أم أربع مائة؟ والله الذي لا إله إلا هو لم يتجاوز عدد الذين صلوا صلاة الفجر في جماعة من أبناء المسلمين في مدرسة تعدادها ثمانمائة طالب عشرين طالباً فقط، وسبعمائة وثمانون بيتاً من بيوت المسلمين اتصفت بالنفاق. كيف يتغير الواقع أو يتبدل الحال وأمتنا قد ضيعت الصلوات! لما تنزّل قول الله جل في علاه على النبي ﷺ : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، يقول النبي ﷺ باكياً: (يا جبريل! تضيع أمتي الصلاة؟ يا جبريل تضيع أمتي الصلاة؟ قال: يا محمد! يأتي أقوام من أمتك يبيعون دينهم كله بعرض من الدنيا قليل). فضيعت الصلوات وارتكبت المحرمات، كيف يستقيم الحال؟ وكيف يتربى المجتمع على الفضيلة إن لم يحافظ على الصلوات؟ أليست الصلاة هي التي تنهانا عن الفواحش والمنكرات؟ يكفينا أمر رباني واحد حتى نعلم عظم قدر الصلاة عند الله، أما يكفيك أن تعلم من قدر الصلاة وعظم شأنها عند الله أنها فرضت من فوق سبع سماوات، ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:٧ - ١٠] أمره بخمسين صلاة، فما زال يخفف عنا حتى جُعلت خمس صلوات بأجر خمسين.

стр. 536

نموذج لحال أبنائنا مع الصلاة الصلاة نور، كيف تستطيع أن تسير في الظلمات؟ كثير يتخبطون كثير يشتكون من الهموم والغموم، علاجهم الانضمام إلى صفوف المصلين، مآسي الشباب في كل مكان وعلاجهم الدخول إلى بيوت الرحمن في صفوف المصلين. التقيت ثلاثة من الشباب على إحدى الخطوط الشمالية في ساعة متأخرة من الليل توقفت! ركب الثلاثة، قلت: أين تريدون؟ قالوا: نريد الدمام. دار بيني وبينهم هذا الحديث، فقلت: ماذا تريدون هناك؟ قالوا: نبحث عن وظائف. ولا عيب أن الإنسان يسعى في طلب رزقه؛ لكن العيب كل العيب أن تُخرجنا الدنيا ولا نخرج في أوامر الله جل في علاه، نخرج لقضاء حوائجنا ولأكلنا وشربنا ومنادي الله ينادينا: حي على الصلاة، حي على الفلاح! فنتهاون في الاستجابة لنداء الله. قلت: ماذا تريدون من هناك؟ قالوا: نبحث عن وظائف، قلت: لا عيب، فما هي شهاداتكم والمؤهلات التي تحملونها؟ فقال الذي بجانبي: أنا عندي شهادة ثاني متوسط، والثاني قال: أنا أول متوسط، والثالث قال: أنا لم أكمل الخامسة الابتدائية. قلت: ما شاء الله كان؛ لكن هذه ليست مؤهلات، الأمر لله من قبل ومن بعد ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢]. نعرف أصحاب شهادات لم يجدوا وظائف ولم يجدوا مرتبات، ونعرف من لا يقرأ ولا يكتب أنعم الله عليهم وصب عليهم من البركات، والسر ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]. جاء أحدهم إلى أحد الصالحين يشتكي ارتفاع الأسعار، وذلك حين غلت الأسعار وارتفعت الأثمان للمطاعم والمشارب! وهكذا هو حالنا، نتأثر بارتفاع الأسعار يمنة ويسره ولا نتأثر بأحوال المسلمين، نخاف على ما يسد جوعنا ويملأ بطوننا، ولا نخاف من تقرير مصيرنا إما إلى جنة وإما إلى نار. جاء أحدهم إلى أحد الصالحين يشتكي ارتفاع الأسعار والأثمان، فقال الرجل الصالح: والله ما أبالي لو أن حبة الشعير بدينار، عليّ أن أعبده كما أمرني وعليه أن يرزقني كما وعدني. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]. والسر؟ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]. قلت: هذه الشهادات وهذه المؤهلات، فأصدقوني كيف أنتم مع صلواتكم؟ فقال الذي بجانبي: أقول لك أم أكذب عليك؟ قلت: إن كذبت فإنما تكذب على نفسك ولا يضرني كذبك، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨]. قال: أنا لا أصلي. قلت: كافر! قال: لا. قلت: بلى، ففي الحديث (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، كم هم الكفار من أبناء المسلمين الذين لا يركعون ولا يسجدون، حدث ولا حرج. قلت للثاني: وأنت؟ قال: أنا خير منه. قلت: كيف؟ قال: أنا أصلي من الجمعة إلى الجمعة. قلت: أنت مثله. قلت: وأنت يا ثالثهم؟ قال: أنا أفضل منهم. قلت: كيف؟ قال: أنا أصلي في اليوم صلاتين. قلت: هذا دين جديد: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]. هذا هو الواقع هذا هو الواقع شئت أم أبيت، طلابنا لا يصلون، بل جاءني سؤال من الطلاب يقول السائل فيه: ما حكم الذي يصلي بدون وضوء؟ قلت: هذا كفر ومن نواقض الإسلام؛ لأنه استهزاء بالدين، هل يخفى عليه أو على كثير من أمثاله أنه لا صلاة لمن لا طهور له، هل يخفى عليه أن عمود الدين هي الصلاة. هذا واقع الأولاد فأسمع واقع البنات بارك الله فيك: تقول إحدى قريباتي وهي تعمل مُدرِّسة في مدرسة من المدارس: خرجت من غرفة المدرسات فإذا بطالبتين بجانب الغرفة تتبادلان الحديث، فإذا إحداهما تقول للأخرى: لماذا لا تصلين معنا في المصلى؟ قالت: أنا حتى في البيت لا أصلي، وأزيدك من الشعر بيتاً؛ أهلي كذلك لا يصلون! ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين:٤]. والله لو أن القلوب سليمة لتقطعت ألماً من الحرمان لكنها سكرى بحب حياتها الـ دنيا وسوف تفيق بعد زمان متى ستنضم إلى صفوف المصلين، وتكون من الذين هم على صلاتهم دائمون، وتكون من الذين هم على صلاتهم يحافظون؟ متى ستستقيم وتعلم أن أعظم أمور الدين بعد توحيد الله المحافظة على الصلوات، والمسارعة إلى المساجد، والمحافظة على تكبيرات الإحرام؟ نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 537

حال المتقين في الصلاة وثمارها الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقو الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]، واعلموا أن من صفات المتقين أنهم على صلاتهم يحافظون. كيف تستطيع أن تواجه متقلبات الحياة إلا إذا انضممت واستقمت في صفوف المصلين، قال الله جل في علاه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:١٩ - ٢١] إلا من؟ ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:٢٢]. أيُّ المصلين؟ الذين لا يصلون إلا من الجمعة إلى الجمعة؟ أو الذين يصلون صلاتين في اليوم؟ أو الذين يتقدمون ويتأخرون. الجواب ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣]، ثم أثمرت صلواتهم أخلاقاً وخشية في حياتهم ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج:٢٧ - ٢٨]. من أين أتت الخشية؟ أتت من المحافظة على الصلوات. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج:٣٢] كيف أدوا الأمانات وحفظوا الحقوق إلا عندما حافظوا على الصلوات. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج:٢٩ - ٣٠]. كيف حصنوا الفروج وغضوا الأبصار، إلا لأنهم من الذين هم على صلاتهم دائمون. فإذا جاءت المداومة وجاءت المحافظة فاسمع النتيجة بارك الله فيك: ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٥]، والله لن تتقرب إلى الله بقربة أعظم من المحافظة على الصلوات. يقول أنس: (بينما كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ دخل علينا رجل لا نعرفه، قال: أين هو ابن عبد المطلب؟ قلنا: ذلك الأبيض الأمهق، فجاءه وقال: يابن عبد المطلب! إني سائلك ومشدد عليك السؤال، وكان متكئاً فجلس، قال: يا محمد! من الذي رفع السماء؟ قال: الله، قال: يا محمد! ومن الذي بسط الأرض؟ قال: الله، قال: ومن الذي نصب الجبال يا محمد؟! قال: الله، قال: أسألك بالذي رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ فاحمر وجهه ﷺ وقال: اللهم نعم، قال: أسألك بالذي رفع وبسط ونصب وأرسلك إلينا رسولاً آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، قال: آلله أمرك أن تأمرنا بالصيام؟ قال: اللهم نعم، قال: آلله أمرك أن تأمرنا بالزكاة؟ قال: اللهم نعم، قال: آلله أمرك أن تأمرنا بحج بيت الله الحرام؟ قال: اللهم نعم، قال: والذي رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال وأرسلك إلينا رسولاً، لأحافظن على الصلاة، ولأصومن رمضان، وأعطي الزكاة، وأحج البيت، ولا أزيد على ذلك، فلما انطلق قال النبي ﷺ : إن صدق دخل الجنة). أي: إن صدق فيما قال، وحافظ على الصلوات، وصام رمضان، وأدى الزكاة، وحج بيت الله الحرام؛ دخل الجنة. تأمل بارك الله فيك فإن الزكاة قد تسقط عنك إذا لم يكن عندك مال، والصيام يسقط بالأعذار ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، والحج لمن استطاع إليه سبيلاً. لكن قل لي بالله العظيم هل تسقط الصلاة في أي حال من الأحوال؟! إذاً لو حافظ على صلاته دخل الجنة، في الحديث قال النبي ﷺ : (كان حقاً على الله من لقي الله وهو يحافظ على هذه الصلوات أن يدخله الجنة، قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قال: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، فأعادها في الثالثة، فقال ﷺ : رغم آنف أبي ذر). (خمس صلوات من أداهن حيث ينادى بهن، كن له نوراً وضياءً وبرهاناً يوم القيامة، ومن ضيعهن فلا يلومن إلا نفسه). أطلت عليكم لكن الحديث خطير، والقضية مهمة، أبناؤنا يموتون من غير صلوات، بل حتى الشيب تهاونوا في أدائها.

стр. 538

قصص وعبر مات رجل في السبعين من عمره منذ فترة وسألونا هل نصلي عليه أم لا نصلي؟ قلت: ولماذا لا تصلون عليه؟ قالوا: ما سجد لله سجدة من قبل. مات أحد الشباب في مقتبل العمر فلما غسلوه وبدءوا بتغسيله انقلبت بشرته من البياض الشديد إلى السواد الشديد، خاف المغسلون وخرجوا من مكان التغسيل، فإذا بالأب في خارج المغتسل يدخن، قالوا: هل الميت ميتكم؟ قال: نعم، قالوا: ما خبر هذا؟ قال الأب: لم يكن من المصلين، قلنا: خذوه أنتم غسلوه وكفنوه ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:٣٣]. والعكس بالعكس: مات أحد الأخيار في مقتبل العمر، وكان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر مسابقاً إلى الصفوف الأولى، ما تخلف عن الفجر يوماً، يدعو بالموعظة والذكرى الحسنة، يقول أحد مشايخنا: فلما مات كنت أنا الذي غسلته وكفنته، فلما بدأنا بتغسيله وبإعداد المسك والكافور، يقول: والله الذي لا إله إلا هو لقد فاحت رائحة المسك منه قبل أن نضع المسك عليه، قلت لصاحبي: هل تشم؟ قال: فضل الله يؤتيه من يشاء ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]. فلما كفناه وذهبنا به إلى المقبرة، يقول شيخنا: كنت ممن نزل إلى قبره! تخيل المنظر، الناس على شفير القبر، ثم ينزل إليهم الميت، يقول: والله الذي لا إله إلا هو إنهم أنزلوه فأخذ من بين أيدينا، وحمل من بين أيدينا، والله ما حملناه، ثم وسّد في التراب، والله ما وسدناه، ثم وجّه إلى القبلة، والله ما وجهناه، كشفت عن وجهه فإذا هو يضحك! يقول الشيخ: والله لولا أني أنا الذي غسلته وكفنته ما كنت أظن أنه قد مات. اتقوا الله عباد الله، وحافظوا على الصلوات، وانتهوا عن الفواحش والمنكرات. اتقوا الله ومن تقواه المحافظة على أوامره. هل تريد ضماناً لخاتمه حسنة، (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله) يعني: في حفظ الله ورعايته، زاد أهل العلم وقالوا: معناه أنه إذا مات من يومه دخل الجنة. (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر). اصنعوا لنا أبطالاً، اصنعوا لنا رجالاً، اصنعوا لنا أمهات عابدات: لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح وصناعة الأبطال علم علمه أولو الصلاح من لم يلقن أصله من أهله فقد النجاح لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح من خان حي الصلاة يخون حي على الكفاح اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. هل سنراك بعد هذا الكلام تسابق المصلين إلى الصفوف الأولى، أم ستستمر في التخلف مع المتخلفين، وقد أعذر من أنذر. اللهم اجعلنا من الذين هم على صلاتهم دائمون، ومن الذين هم على صلاتهم يحافظون، ومن الذين هم في صلاتهم خاشعون. اللهم اجعل خير أمرنا آخره، وخير عملنا خواتيمه، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم أصلح لنا الشباب والشيب، واحفظ نساءنا وأطفالنا يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم اجعلنا من الذي يأمرون وينهون، ولا يخافون فيك لومة لائم، يا رب العالمين! عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 539

يأجوج ومأجوج إن يأجوج ومأجوج أمتان من الناس يعيشون وراء السد الذي بناه ذو القرنين، وخروجهم يعتبر من علامات الساعة الكبرى، ويخرجون بعد موت الدجال الذي يقتله عيسى ﵇، فيفر الناس منهم إلى الجبال ويتحصنون في البيوت؛ وذلك من عظم هول ذلك، فيلجأ عيسى ومن معه من المؤمنين إلى الله بالدعاء وهم متحصنون في جبل الطور، فيرسل الله عليهم النغف فيموتون موتة واحدة.

стр. 540

خروج يأجوج ومأجوج إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! تكلمنا في الجمع الماضية عن علامات عظيمة من علامات الساعة وأشراطها، وتكلمنا عن ظهور المهدي عجل الله خروجه، ثم أتبعنا ذلك بفتنة عظيمة هي فتنة المسيح الدجال، وقلنا: إنه ما من نبي إلا حذر أمته من الدجال، وكان أشد الأنبياء تحذيراً منه هو نبينا ﷺ ؛ وذلك لأنه سيخرج في هذه الأمة، وستبلغ فتنته أمراً عظيماً حتى إن الرجل يأتي لينظر في أمره فلا يلبث أن يكون من أتباعه، لذلك قال النبي ﷺ : (من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه؛ مما يبعث به من الشبهات) أي: أنه يأتيه حتى يراه أو يرد بعض شبهاته فلا يلبث أن يكون من أتباعه، فالمطلوب: الحذر من الفتن والابتعاد عنها. وتأمل -بارك الله فيك- كيف يسقط الناس اليوم في الفتن وهي أقل من فتنة المسيح الدجال، فكيف بالذي بين يديه مثل الجنة والنار؟! ثم ذكرنا أن زواله ونهايته ستكون على يد عيسى ابن مريم ﵇ الذي سينزل بإذن الله ليكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم بشريعة محمد ﷺ ، واليوم نواصل وإياكم الحديث عن باقي هذه الأشراط والعلامات التي تبين قرب نهاية العالم واقتراب الساعة. والمقصد من ذكرها: تذكير الناس، وتنبيه الغافل منهم؛ حتى يزيد الصالح في صلاحه، ويتوقف العاصي عن تمرده وعصيانه.

стр. 541

وقت خروج يأجوج ومأجوج عباد الله! يمكث نبي الله عيسى في الأرض أربعين سنة، وفي رواية سبع سنوات، فكيف نجمع بين الروايتين؟ قال أهل العلم: عندما رفع عيسى من الأرض كان عمره ثلاثاً وثلاثين، وذلك عندما دُبرت المؤامرة لاغتياله، فرفعه الله من بين أيديهم وعمره حينها ثلاث وثلاثون سنة، ثم يرجع ويمكث سبع سنوات، فتلك أربعون سنة، ويتخلل هذه السنوات السبع فتنة عظيمة تعم الأرض كلها، وهي فتنة يأجوج ومأجوج، وخروجهم شر عظيم بينه النبي ﷺ ، فلقد فزع النبي ﷺ ذات يوم حتى خرج محمراً وجهه، محذراً من فتنة يأجوج ومأجوج. تروي لنا زينب بنت جحش ﵂ ذلك فتقول: (خرج رسول الله ﷺ يوماً فزعاً محمر الوجه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق بأصبعيه السبابة والإبهام، قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)، رواه البخاري ومسلم. وقد فسر الجمهور الخبث بأنه الفسوق والفجور، وقيل المراد: الزنا خاصة، وقيل: المعاصي مطلقاً، ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام، وإن كان هناك صالحون، فالصلاح وحده لا يكفي حتى يرد العذاب. فالمطلوب: هو الإصلاح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

стр. 542

حقيقة يأجوج ومأجوج إن كثرة الفساد مع قلة الإصلاح وقلة الآمرين بالمعروف علامة على خروج يأجوج ومأجوج، فمن هم يأجوج ومأجوج؟ هما أمتان من الناس تعيشان الآن وراء السد الذي بناه ذو القرنين، فإذا اقتربت الساعة خرجوا على الناس، فدورهم يأتي بعد خروج الدجال، ثم قتله على يد عيسى بن مريم ﵇، وهم أصحاب قوة لا تقاوم، وأعداد لا تحصر، فأذاهم شديد، وضررهم بالغ، ولا يد لأحد على مقاومتهم، فيفر الناس منهم إلى الجبال، أو يتحصنون في بيوتهم ويلوذون ويلجئون إلى الله بالدعاء والتضرع، ويصيب نبي الله عيسى ﵇ ما يصيب الناس من الهول والعنت، فيؤمر بأن يخرج بعباد الله إلى الطور، ويتحصن بعباد الله في جبل الطور، وهناك -أي على جبل الطور- يرغب إلى الله بالدعاء عليهم، فيستجيب الله له، فيرسل عليهم من السماء عذاباً وداءً فيفشو في أعناقهم، فيموتون موتة رجل واحد، ثم يطهر الله الأرض من نتنهم.

стр. 543

المواضع التي ورد فيها ذكر يأجوج ومأجوج لقد ورد ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن في موضعين: الموضع الأول: في سورة الأنبياء في قوله ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]، قال الشوكاني في فتح القدير: هما أمتان من الإنس، يخرجون على الناس بعد فتح السد، فتراهم من كل حدب ينسلون، أي: من كل المرتفعات يسرعون ويتفرقون في فجاج الأرض. والموضع الثاني: في سورة الكهف عند قوله ﵎ في قصة ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف:٩٣ - ٩٩]. قال السعدي ﵀: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف:٩٢ - ٩٣]، قال المفسرون: ذهب متوجهاً من المشرق قاصداً للشمال فوصل إلى ما بين السدين، وهما سدان كانا معروفين في ذلك الزمان، سدان من سلاسل الجبال المستطيلة يمنة ويسرة حتى تتصل بالبحر بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، ووجد من دون السدين ﴿قوماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٣]؛ لعجمة ألسنتهم، واستعجام أذهانهم، وقلة فهمهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به قولهم، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج، وهما أمتان عظيمتان من بني آدم، فقالوا: ﴿إنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف:٩٤] بالقتل والظلم وأخذ الأموال وغير ذلك، ﴿فهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف:٩٤] أي: نجعل لك عطاءً وجعلاً ((عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)) حائلاً يحول بيننا وبينهم، ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم على بنيان ذلك السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه، فأرادوا أن يبذلوا له أجرة ليفعل ذلك، وذكروا له السبب الداعي لذلك: وهو إفساد يأجوج ومأجوج في الأرض، فلم يكن ذو القرنين ذا طمع ولا رغبة في الدنيا، ولم يكن تاركاً لإصلاح أحوال الرعية بل قصده الإصلاح، فلذلك أجابهم لمطلبهم؛ لما فيه من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة على ذلك، وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم: ((مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ)) أي: مما تبذلون لي وتعطونني، وإنما أطلب منكم أن تعينونني بقوة أيديكم ((أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)) أي: سداً مانعاً من عبورهم إليكم، ((آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ)) أي: قطع الحديد، فأعطوه ذلك، ((حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ)) أي: الجبلين اللذين بينهما السد، ((قَالَ انفُخُوا)) أي: لإيقاد النار؛ لتشتد فتذيب النحاس، فلما ذاب النحاس الذي يريد أن يلصقه بين قطع الحديد ((قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)) أي: نحاساً مذاباً بالنار، فأفرغ عليه القطر، فاستحكم السد استحكاماً هائلاً وامتنع به من وراءه من الناس من ضرر يأجوج ومأجوج: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧] أي: يأجوج ومأجوج، أي: فمالهم استطاعة ولا قدرة على الصعود عليه؛ لارتفاعه، ولا على نقبه، لإحكامه وقوته، فلما فعل ذو القرنين هذا الفعل الجميل، وهذا الأثر الجليل، أضاف النعمة إلى موليها ومعطيها، فقال: ((هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي))، أي: منّ فضله وإحسانه علي، وهذه حال الخلفاء والصالحين إذا من الله عليهم بالنعم الجليلة ازداد شكرهم وإقرارهم واعترافهم بنعمة الله ﵎، كما قال سليمان ﵇ لما حضر عنده عرش ملكة سبأ مع البعد العظيم، وجاءه في وقت قصير قال: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠]. بخلاف أهل التجبر والتكبر والعلو في الأرض، فإن النعم الكبار تزيدهم أشراً وبطراً، كما قال قارون لما آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] فحلت عليه العقوبة، قال الله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١]، فلم ينسب النعم للمتفضل، ولم ينسب النعم للذي أعطى ومنع وخفض ورفع، فحلت عليه العقوبة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١]، ثم قال تعالى: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي)) أي: لخروج يأجوج ومأجوج ((جَعَلَهُ دَكَّاءَ)) أي: ذلك السد المحكم المتقن، دكه دكاً فانهدم واستوى هو والأرض سواء، ((وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)). ثم قال تعالى: ((وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ))، قال السعدي: يحتمل أن الضمير يعود إلى يأجوج ومأجوج، وأنهم إذا خرجوا على الناس من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها يموج بعضهم ببعض، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]، ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة، وأنهم يجتمعون في ذلك اليوم فيكثرون ويموج بعضهم ببعض من الأهوال والزلازل العظام، وكلا المعنيين صحيح. وتأمل معي هذا المشهد العظيم، حين يجمع الله الأولين والآخرين، وتدنو الشمس من رءوس العباد مقدار ميل قال الراوي: والله ما أدري ما الميل هل هو ميل المسافة أم ميل المكحلة؟ فاسمع بارك الله فيك حتى تعلم أن الأمر جد، وأن الأمر عظيم، فقد ثبت في الصحيحين: (إن الله تعالى ينادي يوم القيامة بآدم فيقول: يا آدم! فيقول: لبيك ربي وسعديك! فيقول: ابعث بعث النار، فيقول آدم: وما بعث النار؟ فيقول الله: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، قال ﷺ : فحينها يشيب الولدان، وحينها: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، ثم قال ﷺ : إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، قالوا: وأينا ذاك الواحد؟! قال: أبشروا: فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألفاً) فما أعظم هذا الموقف. تذكر وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا النار تزفر من غيظ ومن حنقٍ على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدي إلى النيران عطشانا المشركون غداً في النار تلتهبُ والمؤمنون بدار الخلد سكانا قال سبحانه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا * وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا * أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا * قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف:٩٩ - ١٠٦].

стр. 544

الحكمة من ذكر علامات الساعة عباد الله! المقصد والهدف حين نذكر هذه الأشراط وهذه العلامات: هو أن يستعد كل منا للقاء ربه قبل أن يصيح أحدنا بأعلى الصوت: رباه! ارجعون، فلا يستجاب له. واعلم! بارك الله فيك أن القيامة تطلق على ثلاثة معان: على القيامة الكبرى، وهي قيام الناس لرب العالمين. وعلى القيامة الوسطى، وهي موت أهل القرن الواحد، فقد جاء عن عائشة قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على النبي ﷺ سألوه عن الساعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم -أي: أصغر واحد فيهم- فقال: (إن يعش هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم عليكم قيامتكم) أي: بموتكم تقوم قيامتكم. ثم القيامة الصغرى، وهي موت الإنسان، فمن مات فقد قامت قيامته. اللهم اغفر ذنبنا، واستر عيبنا، واختم بالصالحات أعمالنا، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 545

أصل يأجوج ومأجوج الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. عباد الله! أما أصل يأجوج ومأجوج فهم من البشر من ذرية آدم وحواء، فعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنهم لو أرسلوا إلى الناس لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً) قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وفي مسند الإمام أحمد عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: (ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك)، قال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبو الترك، وقال: إنما سمي هؤلاء تركاً لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجرأة.

стр. 546

موطن يأجوج ومأجوج أما موطنهم فقد قيل -نسب لـ ابن عباس - إن السدين هما جبلا أرمينية وأذربيجان، وذكر بعض أحبار اليهود أن يأجوج ومأجوج في منتهى الشمال حتى لا يستطيع أحد غيرهم السكن فيه، وقيل -وهو الأصح-: هما بموضع في الأرض لا نعلمه، فيوم ذكر الله رحلة ذي القرنين ذكر الرحلة الأولى: إلى مغرب الشمس، والرحلة الثانية: إلى مطلع الشمس، فبين الله الجهات التي توجه إليها، لكن لما انطلق في الرحلة الثالثة جعلها الله مبهمة فقال، ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ)) في أي جهة؟ الله أعلم، ولعل في ذلك إشارة إلى أن مكان السد سيظل مجهولاً إلى ما شاء الله.

стр. 547

كيفية خروج يأجوج ومأجوج أما عن خروجهم: فهل ينهار السد ويتفتت ويسوى بالأرض كما هو ظاهر الآية: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ))، أم أنهم يقومون بمحاولات لفتحه فلا ينجحون حتى يأتي وعد الله؟ عند أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان من الغد، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى كادوا يرون شعاع الشمس، فقال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله فيحفرونه)، فعلى هذا فقوله تعالى: ((جَعَلَهُ دَكَّاءَ)) أي: أنه بمرور الوقت يفقد صلابته وتماسكه، فيستطيعون خرقه ويخرجون.

стр. 548

قصة خروج يأجوج ومأجوج لقد فتح من ردم يأجوج على زمن النبي ﷺ ولا زالوا يحفرون، فكلما زادت المنكرات والفواحش وقل الذي يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر حان وقت خروجهم. وبعد خروجهم ينطلقون انطلاق السهم من القوس، ويتساقطون من شعاب الجبال وقممها مسرعين، فهم من كل حدب ينسلون، فينقضون على فرائسهم وغنائمهم من الإنسان والحيوان والنبات والماء، ويراهم الناس فيرهبونهم ويفرون من أمامهم، ويتحصنون في الجبال والبيوت، ثم يتجهوا غرباً، يعني: يأجوج ومأجوج نحو بيت المقدس، وهناك نبي الله عيسى ﵇، وأصحابه فيتحصنون منهم بالطور، ولا يجرؤ أحد على مقاومتهم أو التصدي لهم، فيلجأ نبي الله وأصحابه إلى مناجاة الله ودعائه فيهلكهم. وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال، وساق الحديث، وفيه: (ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فاحرز -يعني: احفظ وحصن- عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر أواخرهم فيقولون: لقد كان في هذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه -أي: يحبسون- حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم -أي: من شدة الحاجة والفاقة التي تصيبهم- فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله يدعونه ويتجهون إليه بالدعاء، فيرسل الله عليهم النغف - أي: على يأجوج ومأجوج، والنغف: هو دود يكون في أنوف الغنم والإبل- في رقابهم فيصبحون فرسىً -أي: هلكى- كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل طيراً كأعناق البخت -يعني: أن أعناقها طويلة كأعناق الإبل- فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة -يعني: كالمرآة-، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل -أي: في اللبن - حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام -أي: الجماعات الكثيرة من الناس-، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن ومسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون كما تتهارج الحمير -أي: يجامع الرجل المرأة بحضرة الناس كالحمير والعياذ بالله- فعليهم تقوم الساعة) أي: على هؤلاء تقوم الساعة، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [إبراهيم:٥١]، فيجازي الله المحسن على إحسانه، ويجازي المسيء على إساءته. اسمع معي وتدبر قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦ - ١١٢].

стр. 549

ماذا أعددنا لما بعد يأجوج ومأجوج إن السؤال الذي يجب أن نسأل أنفسنا عنه هو: ماذا أعددنا لقيام الساعة؟ أنوم عن الصلوات! وربا وفواحش ومنكرات! وتضييع للأعمار أمام الشاشات والقنوات! (سأل رجل النبي ﷺ : متى الساعة؟ قال: ماذا أعددت لها؟ قال: أعددت لها حب الله ورسوله) فماذا أعددنا لها نحن؟ فاتقوا الله عباد الله! قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٤٨ - ٥٢]. إلامَ تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضر المقتني ولست بالمرتدع أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط بفوده فقد نعي ويحك يا نفس احرصي على ارتياد المخلصِ وطاوعي وأخلصي واستمعي النصح وعي واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى واخشي مفاجاة القضا وحاذري أن تخدعي واتبعي سبْل الهدى وادكري وقع الردى وأن مثواك غداً في قعر لحد بلقعِ اللهم استر في ذلك اليوم عوراتنا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]. اللهم أرنا الحق الحق وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل الباطل وارزقنا اجتنابه، اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وصن أعراضهم، واحقن دماءهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين! اللهم عليك بالنصارى المعتدين، واليهود الغاصبين، والشيوعيين وأعداء الملة والدين، اللهم اشدد وطأتك عليهم يا قوي يا عزيز! اللهم اشدد وطأتك عليهم وعلى أعوانهم يا قوي يا عزيز! إنهم لا يعجزونك ولا يخفون عليك، يا عليم يا خبير! عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥]!

стр. 550

يوم الفرار اليوم الآخر آت لا محالة، وكل امرئ محاسب فيه على كل صغيرة وكبيرة، ومن آمن به وما يقع فيه من الأهوال كان رادعاً له عن المعاصي والسيئات.

стр. 551

الإيمان باليوم الآخر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه أجمعين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من استن بسنته واهتدي بهديه إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيتها المؤمنة أيتها التقية النقية! حديثنا هو عن اليوم الآخر، اليوم الآخر الذي لا يوم بعده، ولا يوم مثله. إن الإيمان بالله واليوم الآخر ركن من أركان الإيمان وعقيدة من عقائد الإسلام الأساسية، فقضية الإيمان باليوم الآخر هي التي يقوم عليها بناء العقيدة بعد قضية التوحيد، واليوم الآخر وما فيه من الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل، ولا سبيل لمعرفتها إلا بالنص القرآني والسنة النبوية. وفي كتاب الله من ذكر اليوم الآخر وما فيه من الأهوال الشيء الكثير، فما تكاد تخلو صفحه من صفحات الكتاب الحكيم من صور ذلك اليوم أو موقف من مواقف ذلك اليوم العصيبة، فهو الذي لا يوم مثله ولا يوم قبله ولا بعده، إنه اليوم العقيم، قال سبحانه: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥]. ولأهمية هذا اليوم العظيم نجد أن الله تعالى كثيراً ما يربط الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٧٧]، وقال عز من قائل: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [الطلاق:٢].

стр. 552

أهمية الكلام عن اليوم الآخر لماذا هذا الموضوع؟ ولماذا الكلام عن اليوم الآخر؟ أقول: لأسباب عدة: أولها: الغفلة التي قد استحكمت على حياة كثير من الناس، وأصبحوا لا يبالون من حلال أم من حرام يأكلون، قال سبحانه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]. ثانياً: الانشغال بالدنيا وعمارتها أكثر من الانشغال بالاستعداد لليوم الآخر، قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. ثالثاً -وهو الأهم-: أن الإيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب هو الموجه الحقيقي والضابط الحقيقي لسلوك الإنسان، فهناك فرق بين سلوك من تؤمن بالله واليوم الآخر ومن لا تؤمن بالله واليوم الآخر، فإن من تعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الأعمال الصالحة هي زاد الآخرة، لن تنشغل بعمارة الدنيا عن الآخرة، أما قال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]. وقال ﷺ : (من جعل الهموم هماً واحداً -يعني: هم الآخرة- كفاه الله هم الدنيا وهم الآخرة) فهناك فرق بين سلوك من تؤمن بالله واليوم الآخر وسلوك ضعيفة الإيمان. قال صاحب الظلال: فالمصدق بيوم الدين يعمل وهو ناظر لميزان السماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدنيا. انتهى كلامه ﵀. فترى في المؤمنة بالله واليوم الآخر نظرة مختلفة للحياة، ترى فيها استقامة على الدين، ترى فيها سعة تصور وقوة إيمان، ترى فيها ثباتاً في الشدائد وصبراً على المصائب، فهي تعلم أن ما عند الله خير وأبقى، أما التي لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وما فيه من حساب وجزاء، فهي تحاول جاهدة أن تحقق مآربها في هذه الحياة، لاهثة وراء متعها، حريصة على جمعها، الدنيا أكبر همها ومبلغ علمها، تقيس الأمور بمنافعها ومصالحها الخاصة، لا تلتفت إلى بنيات جنسها إلا في حدود ما يحقق لها المصلحة، فتباً لها ولأمثالها!

стр. 553

دلائل اليوم الآخر أنكروا قضية الإيمان بالله واليوم الآخر، أنكروا قضية البعث والنشور، قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩]، قال سبحانه عنهم: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. لهذا أيتها المؤمنة! ركز القرآن على قضية الإيمان باليوم الآخر، وإثبات البعث والنشور والجزاء، وجاءت أدلة كثيرة على ذلك.

стр. 554

النشأة الأولى النشأة الأولى قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج:٥]، فمن قدر على خلق الإنسان في أطوار متعددة فإنه لا يعجز عن إعادته مرة أخرى، بل الإعادة أهون عليه من البدء. جاء رجل إلى النبي ﷺ وبيده عظمة بالية أكل الزمان عليها وشرب، فوضعها بين كفيه ثم فتها، ثم نفخها في الهواء وقال: يا محمد! ربك يحيي هذه بعد أن جعلتها هباء منثوراً؟ قال بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه: نعم، ويدخلك النار، فقال سبحانه عنه وعن أمثاله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٧ - ٧٩]. سبحانه جلت قدرته، وعلا سلطانه.

стр. 555

المشاهد الكونية المحسوسة من الأدلة أيضاً: المشاهد الكونية المحسوسة الدالة على إمكان البعث، قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧]. فإحياء الأرض الميتة بالمطر وظهور النبات فيها دليل على قدرة الخالق الباهرة على إحياء الموتى وقيام الساعة.

стр. 556

قدرة الله المتجلية في خلق ما هو أعظم ومن الأدلة أيضاً: قدرة الله المتجلية في خلق الأعظم، قال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨١ - ٨٢]. فخالق السماوات والأرض على عظمهما قادر على خلق الإنسان الصغير، كما قال ﵎: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].

стр. 557

الحكمة الإلهية من الأدلة أيضاً: الحكمة الإلهية، فالحكيم لا يترك الناس سدى، ولا يخلقهم عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون ولا يزجرون، قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. وقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٤٠]، بلى قادر؟ فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكن إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شي

стр. 558

أحوال الآخرة

стр. 559

النفخ في الصور ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. في حديث الصور من حديث أبي هريرة قال: (ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الصعق، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فإذا اجتمعوا أمواتاً جاء ملك الموت إلى الجبار، فقال: قد مات أهل السماء والأرض إلا من شئت، فيقول سبحانه وهو أعلم، من بقي؟ فيقول: يا رب! بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وبقيت أنا، فيقول الله : ليمت جبريل وميكائيل، فينطق العرش فيقول: أي رب، يموت جبريل وميكائيل؟ فيقول سبحانه: اسكت، إني كتبت الموت على من كل تحت عرشي، فيموتان، قال: ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار ﷻ ، فيقول: يا رب! قد مات جبريل وميكائيل، فيقول سبحانه وهو أعلم، من بقي؟ فيقول: يا رب! بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقيت أنا، فيقول: ليمت حملة العرش، فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يقول سبحانه: ليمت إسرافيل فيموت، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب! قد مات حملة عرشك، فيقول: وهو أعلم، من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا، فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيته فمت، فيموت. فإذا لم يبق إلا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فكان كما كان أولاً، طوى السماء كطي السجل للكتب، ثم قال: أنا الجبار أنا الجبار، لمن الملك اليوم، فلا يجيبه أحد، فيقول جل ثنائه وتقدست أسماؤه: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فينادي لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول سبحانه: لله الواحد القهار، بنفخة واحده يصعق من في السماوات ومن في الأرض، ويفني كل شيء إلا وجهه). إنها أهوال وشدائد في ذلك اليوم، الذي جاء ذكره في كتاب الله : ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]. إنه يوم يقول الله عنه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [المطففين:١٠ - ١٣]. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. قال الله عن أهواله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٥]. وقال الله عنه وعن أهواله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١ - ١٤]. أهوال وكرب وشدائد. ثم نفخة ثانية: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] يخرجون من القبور ينفضون من على رءوسهم التراب ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:٤٣] ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]. وقال سبحانه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١١ - ١١٢].

стр. 560

المشي إلى أرض المحشر فيسعون إلى محشرهم في سكون وخشوع لا تسمع منهم إلا صوت الأقدام والهمسات، ثم يقبض الجبار السماوات بيمينه، والأرضين بيده الأخرى فيقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ ذلك اليوم قال: (يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها ويقول: أنا الملك، ويقول عبد الله بن عمر: حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ رواه مسلم.

стр. 561

أرض المحشر أما أرض المحشر فأرض غير هذه الأرض، وأما سماؤها فسماء غير هذه السماء ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم:٤٨ - ٥١]. عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء مائلة إلى الحمرة، كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد) رواه مسلم. قرصة النقي: يعني كقرص الدقيق.

стр. 562

حال الناس في أرض المحشر أما حال الناس فحفاة عراة. عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً -يعني: غير مختونين- قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ﷺ : يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض). فالأمر شديد أخيه الأمر أشد مما تتصورين، فمن الناس في ذلك اليوم من يحشر على وجهه، كما قال سبحانه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧]. عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً قال: (يا رسول الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال ﷺ : أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة) قال قتادة: بلى وعزة ربنا، متفق عليه.

стр. 563

دنو الشمس من رءوس العباد ثم تزداد الأهوال وتزداد الكرب فتدنو الشمس من رءوس العباد، فيغرقون في عرقهم. عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل) قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين. قال: (فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً). أمة الله! تفكري وتدبري في الموقف وشدته، تفكري في ذل الخلق وانكسارهم في ذلك اليوم الطويل، الأبصار خاشعة، والقلوب وجلة، وأنا وأنت والجميع في انتظار، كيف تكون النهاية وكيف يكون المصير، تخيلي وتمثلي! مثل لقلبك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وأضعفت حراً على رءوس العباد تفور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا العشار تعطلت عن أهلها خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك أين نسير فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور وإذا الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه معذور هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور

стр. 564

الإتيان بجهنم لها تغيظ وزفير ثم تزداد الشدائد وتزداد الأهوال، فيؤتى بجهنم يسمع لها تغيظ وزفير، قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢١ - ٣٠]. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتي بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) رواه مسلم. قال سبحانه: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٢ - ١٤].

стр. 565

انتظار الحساب إنه اليوم الطويل إنه يوم مقداره خمسون ألف سنة إنه يوم الطامة ويوم الصاخة إنه يوم الحاقة ويوم القارعة إنه يوم الفرار ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. والناس على هذه الحال والموقف شديد والكرب العظيم ويطول الانتظار والكل ينتظر الحساب والوقوف بين يدي الملك الديان. ثم يأتي الفرج بعد شفاعة النبي ﷺ ، وفي حديث أبي هريرة في مسلم: (كنا في دعوة مع النبي ﷺ فقدمت إليه الذراع وكان يحبها، فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، أتدرون مم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فلا يغادر منهم أحداً، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي، فتدنو الشمس من رءوس العباد، فيغرق الناس في عرقهم كل على قدر عمله، فتزداد بهم الأهوال والشدائد، فينظر بعضهم إلى بعض فيقولون: ألا ترون ما نحن فيه ألا تدرون ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا ترون من يشفع لنا عند ربنا، فيقول بعضهم لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدمً فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأمر الملائكة أن تسجد لك، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباًً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن تلكم الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك لله عبداً شكوراً، أما ترى ما نحن فيه أما ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا، فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يإبراهيم أنت نبي الله وخليله، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا، فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت ثلاث كذبات، ثم يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى. فيذهبون إلى موسى فيقولون: يا موسى! أنت نبي الله وكليمه، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: أنت نبي الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله -ولا يذكر ذنباً- ثم يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد). تخيلي أمة الله! هذا حال الأنبياء، هذا حال أولو العزم من الرسل، يسألون الله السلام، فكيف سيكون حالي وحالك. (فيأتون محمداً -وفي رواية- فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت نبي الله وخاتم المرسلين، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أما ترى ما نحن فيه أما ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول الحبيب: أنا لها أنا لها، فينطلق إلى العرش ويخر أمام العرش ساجداً، فيفتح الله عليه من المحامد والثناء عليه ما لم يفتحه على أحد من قبل، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، وشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي أمتي). الحبيب لم ينسنا على شدة الموقف، على شدة الأهوال نادى بأعلى الصوت: أمتي أمتي أمتي فأين أمته من سنته سيرته ونصرته ونصرة دعوته ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. (فيقال: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي أمتي، فيقال: أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من الجنة، وهم شركاء للناس في سائر الأبواب يقول: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، وليأتين عليها يوم وهي كظيظ من الزحام).
следующие страницы →