Полный текст (882 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
أرض المحشر
أما أرض المحشر فأرض غير هذه الأرض، وأما سماؤها فسماء غير هذه السماء ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم:٤٨ - ٥١].
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء مائلة إلى الحمرة، كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد) رواه مسلم.
قرصة النقي: يعني كقرص الدقيق.
стр. 562
حال الناس في أرض المحشر
أما حال الناس فحفاة عراة.
عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً -يعني: غير مختونين- قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ﷺ : يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض).
فالأمر شديد أخيه الأمر أشد مما تتصورين، فمن الناس في ذلك اليوم من يحشر على وجهه، كما قال سبحانه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧].
عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً قال: (يا رسول الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال ﷺ : أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة) قال قتادة: بلى وعزة ربنا، متفق عليه.
стр. 563
دنو الشمس من رءوس العباد
ثم تزداد الأهوال وتزداد الكرب فتدنو الشمس من رءوس العباد، فيغرقون في عرقهم.
عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل) قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين.
قال: (فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً).
أمة الله! تفكري وتدبري في الموقف وشدته، تفكري في ذل الخلق وانكسارهم في ذلك اليوم الطويل، الأبصار خاشعة، والقلوب وجلة، وأنا وأنت والجميع في انتظار، كيف تكون النهاية وكيف يكون المصير، تخيلي وتمثلي! مثل لقلبك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وأضعفت حراً على رءوس العباد تفور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا العشار تعطلت عن أهلها خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك أين نسير فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور وإذا الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه معذور هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور
стр. 564
الإتيان بجهنم لها تغيظ وزفير
ثم تزداد الشدائد وتزداد الأهوال، فيؤتى بجهنم يسمع لها تغيظ وزفير، قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢١ - ٣٠].
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتي بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) رواه مسلم.
قال سبحانه: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٢ - ١٤].
стр. 565
انتظار الحساب
إنه اليوم الطويل إنه يوم مقداره خمسون ألف سنة إنه يوم الطامة ويوم الصاخة إنه يوم الحاقة ويوم القارعة إنه يوم الفرار ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
والناس على هذه الحال والموقف شديد والكرب العظيم ويطول الانتظار والكل ينتظر الحساب والوقوف بين يدي الملك الديان.
ثم يأتي الفرج بعد شفاعة النبي ﷺ ، وفي حديث أبي هريرة في مسلم: (كنا في دعوة مع النبي ﷺ فقدمت إليه الذراع وكان يحبها، فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، أتدرون مم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فلا يغادر منهم أحداً، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي، فتدنو الشمس من رءوس العباد، فيغرق الناس في عرقهم كل على قدر عمله، فتزداد بهم الأهوال والشدائد، فينظر بعضهم إلى بعض فيقولون: ألا ترون ما نحن فيه ألا تدرون ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا ترون من يشفع لنا عند ربنا، فيقول بعضهم لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدمً فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأمر الملائكة أن تسجد لك، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباًً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن تلكم الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح.
فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك لله عبداً شكوراً، أما ترى ما نحن فيه أما ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا، فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم.
فيأتون إبراهيم فيقولون: يإبراهيم أنت نبي الله وخليله، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا، فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت ثلاث كذبات، ثم يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى.
فيذهبون إلى موسى فيقولون: يا موسى! أنت نبي الله وكليمه، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى.
فيأتون عيسى فيقولون: أنت نبي الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله -ولا يذكر ذنباً- ثم يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد).
تخيلي أمة الله! هذا حال الأنبياء، هذا حال أولو العزم من الرسل، يسألون الله السلام، فكيف سيكون حالي وحالك.
(فيأتون محمداً -وفي رواية- فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت نبي الله وخاتم المرسلين، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أما ترى ما نحن فيه أما ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول الحبيب: أنا لها أنا لها، فينطلق إلى العرش ويخر أمام العرش ساجداً، فيفتح الله عليه من المحامد والثناء عليه ما لم يفتحه على أحد من قبل، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، وشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي أمتي).
الحبيب لم ينسنا على شدة الموقف، على شدة الأهوال نادى بأعلى الصوت: أمتي أمتي أمتي فأين أمته من سنته سيرته ونصرته ونصرة دعوته ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
(فيقال: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي أمتي، فيقال: أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من الجنة، وهم شركاء للناس في سائر الأبواب يقول: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، وليأتين عليها يوم وهي كظيظ من الزحام).
стр. 566
الحوض
أخيه! هل سمعت عن حوض النبي ﷺ ومن يرده ومن يصد عنه؟ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ترد عليّ أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله! أتعرفنا، قال: نعم، لكم سيما -يعني: علامة- ليست لأحد غيركم، تردون عليّ غراً محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب! هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟) رواه مسلم.
وقد اختلف العلماء متى يكون الورود على الحوض وأين؟ فقيل: قبل الصراط، وقيل: إنه يكون بعد الحساب والميزان والصراط.
أما وصف الحوض فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه -يعني: آنيته- كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبداً) متفق عليه.
اللهم لا تحرمنا فضلك، واجعلنا ممن يرد حوض نبيك، ويشربون من يده الطيبة المباركة شربة لا يظمئون بعدها أبداً.
стр. 567
الحساب
ثم يبدأ الحساب وتكشف الحقائق وتظهر الفضائح ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].
تذكري -أمة الله- أنك بين يدي الله موقوفة، وسيكلمك ربك ليس بينك وبينه ترجمان، تنظرين أيمن منك فلا ترين إلا ما قدمت، وتنظرين أشأم منك فلا ترين إلا ما قدمت، وتنظرين أمامك فلا ترين إلا النار، فاتقي النار ولو بشق تمرة.
ستقفين وستسألين عن القليل والكثير عن الصغير والكبير ستسألين عن العمر فيما أفنيته، وعن الشباب كيف قضيته، وعن المال من أين اكتسبته وفيما أنفقته، سيكون الحساب عسيراً وشديداً، إنه حساب بالذرة ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠].
إنه ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١].
فيه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
ستسألين أخيه عن صلاتك كيف أديتها وهل حفظتها، ستسألين عن الصوم والزكاة، ستسألين عن كل صغيرة وكبيرة، بل سوف تسألين عن كل كلمة قلتها وسمعتها، ستسألين عن كل حقوق وواجبات، وأوامر ومنهيات، فمنهم من يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً، ومنهم من يحاسب حساب عسيراً ويدعو ثبوراً.
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه -أي: ستره- فيقول: أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا، فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى العبد في نفسه ورأت الأمة في نفسها أنها قد هلكت، قال الله: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعط كتاب حسناته).
أما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رءوس الخلائق: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨].
أيتها المؤمنة! إنها محكمة شعارها ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، قاضيها الملك الديان الذي لا يظلم أحداً، سيشهد عليك سمعك وبصرك ولسانك، قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤].
فلا إله إلا الله كيف يكون الحال إذا شهدت العينان، وقالت: أنا إلى الحرام نظرت! ولا إله إلا الله إذا شهدت الأذنان وقالت: أنا إلى الحرام استمعت! ولا إله إلا الله إذا شهدت اليدان وقالت: أنا للحرام أخذت وبطشت! ولا إله إلا الله إذا شهدت الرجلان وقالت: أنا للحرام مشيت!
стр. 568
فرح المؤمن وندم الكافر عند أخذ الكتب يوم القيامة
لقد أنذر الله وحذر فقال: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠] ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].
أيتها المؤمنة! تخيلي الموقف وقد تطايرت الصحف والكتب، إلى أي الفريقين ستنتمين، إلى أصحاب اليمين أم إلى أصحاب الشمال، بأي يد ستأخذين الكتاب بالشمال أم باليمين، قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] النتيجة: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤].
وفي المقابل: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦].
الأمنية: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٧ - ٢٩].
النتيجة؟ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٧].
فإلى أي الفريقين تريدين أن تنضمي، إن كنت تريدين الفوز والنجاة إذاً لابد من العمل والصدق والإخلاص، والصبر والاحتساب، وإلا ستقولين: واحسرتى واشقوتي من يوم نشر كتابيه وا طول حزني إن أكن أوتيته بشماليه وإذا سئلت عن الخطأ ماذا يكون جوابيه وا حر قلبي أن يكون مع القلوب القاسيه
стр. 569
الصراط
لم ينته الموقف، ولم تنته الشدائد، ستؤمرين بعدها أن تعبري الصراط الذي بعده إما جنة وإما نار.
جاء في حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنه ذكر: (ويضرب جسر على متن جهنم، قال ﷺ : فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم اللهم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان، -نبت له شوك معكوف- قال: أرأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنه مثل شوك السعدان، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله -يعني: المهلك- ومنهم المخردل -يعني: المقطع بالكلاليب- ثم ينجو.
فمنهم من يعبره كطرف البصر، ومنهم كالبرق، ومنهم من يعبره كالريح، ومنهم من يعبره كأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس في نار جهنم، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يسحب سحباً).
فقولي لي بالله كيف سيكون العبور؟ قيل لأحد الصالحين وقد مات ورئي في المنام: ماذا صنع بك ربك؟ قال: وضعت قدماً على الصراط والقدم الأخرى في الجنة.
كيف ينهي ذلك اليوم، وكيف يكون المصير.
ينقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، قال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧١ - ٧٢].
والفريق الثاني: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٣ - ٧٥].
فريق في الجنة وفريق في السعير، ينادى أهل الجنة: أن خلود بلا موت، إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبداً، إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، إن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبداً.
ينادى أولئك: أن يا أهل النار خلود بلا موت ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٥].
فلك الخيار أن تختاري إلى أي الفريقين تريدين، لابد من الاستعداد لهذا اليوم -أخية- قبل أن نصيحي بأعلى الصوت: رباه ارجعون! فلا يستجاب لك.
стр. 570
مسئولية استشعار اليوم الآخر
إنها مسئولية عظيمة مسئولية اليوم الآخر، استشعار ذلك اليوم وما فيه من الشدائد والأهوال، لم يكن من فعله ﷺ ربط الناس بالدنيا، بل كان دائماً يذكرهم بالله واليوم الآخر، ما وعدهم بحطام الدنيا إنما ربطهم بالله وجنته.
ها هي سمية أم عمار تعذب وتضطهد فيمر عليها النبي ﷺ ويقول: (صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة).
يدخل على أصحابه يضحكون، فيقول لهم: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).
إذا اشتد الحر قال لهم: (إن أشد ما تجدون من حركم من سموم جهنم)، وإذا اشتد البرد قال لهم: (إن أشد ما تجدون من بردكم من زمهرير جهنم).
يربطهم دائماً بالله وباليوم الآخر، تأتي فاطمة ﵂ تطلب خادماً، فيقول لها: (ألا أدلك على ما هو خير من خادم؟ إذا أويت إلى فراشك فقولي: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، وقولي تمام المائة: الله أكبر، فذلك خير لك من خادم).
إنه البشير النذير والسراج المنير، الذي أرسله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.
وتعلم هذا الهدى أصحابه من بعده، قام عمر ليلة وافتتح قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ:١ - ٣] فما استطاع أن يتجاوزها حتى بزغ عليه الفجر وهو يبكي ويردد ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:١ - ٢].
ها هو الحسن البصري كما يقول عنه ابنه: أمسى أبي صائماً حتى حانت ساعة الإفطار، فأحضر له الطعام وقيل له: الطعام يرحمك الله، فاسترجع ثم قرأ قوله سبحانه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣] فبكى وأبكى حتى عافت نفسه الطعام، حتى أصبح صائماً لليوم الثاني لم يذق الطعام ولا الشراب، حتى حانت ساعة الإفطار وجئ له بالطعام، وقيل له: الطعام يرحمك الله، فاسترجع وبكى وقرأ قوله سبحانه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣] فبكى وأبكى حتى عافت نفسه الطعام، حتى أصبح صائماً لليوم الثالث على التوالي لم يذق الطعام ولا الشراب، حتى حانت ساعة الإفطار فذهب ابنه إلى ثابت البناني ويحيى البكاء فقال: أدركوا أبي ثلاثة أيام لم يذق الطعام ولا الشراب.
إنها مسئولية الآخرة التي حرمتهم لذة الطعام ولذة الشراب ولذة المنام فـ ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] حالهم يتضرعون إلى ربهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥].
فالمسئولية عظيمة، واليوم أشد مما تتصورين، فاستعدي أخيه، فخذي من دنياك لآخرتك، ومن صحتك لسقمك، ومن فراغك لشغلك، فإنك لا تدرين ماذا يكون اسمك غداً، ولا تدرين في أي مكان تنامين.
فاتقي الله أيتها المؤمنة! اتقي الله واستعدي للقاء الله ﵎.
وأستغفر الله العظيم، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 571
يوم ضيعنا الأمانة
خُلُق عظيم لو تخلق به المجتمع لساد الأمن والأمان، وعمت الثقة بين أفراده، إنه خلق الأمانة، ويقابله ويضاده خلق الخيانة الذي يُعد من أبرز صفات المنافقين كما أخبرنا بذلك الحبيب المصطفى.
إن الأمانة خلق داخلي يدفع الإنسان لأداء الواجب، وعدم التفريط فيه.
وهذا الخلق يربط العبد بالإيمان بعلاقة تلازمية، فعندما يقوى الإيمان ويرتفع منسوبه في قلب العبد يؤدي ذلك إلى حفظ الأمانة وأداء الحقوق، وبالمقابل فإنه إذا ضعف ضيعت الأمانة والحقوق.
стр. 572
سبب ضياع الثقة في المجتمع
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله! تولى عمر ﵁ وأرضاه القضاء في عهد أبي بكر، حيث استعان به أبو بكر ﵁ في أول خلافته على تولي القضاء، ومضى عام على تولي عمر هذه المسئولية، ثم جاء يقدم استقالته ويريد أن يعفى من القضاء، فقال له أبو بكر: أمن ثقل المسئولية يا عمر! أردت أن تتخلى عنها؟ قال: لا، ولكن مضى لي عام وأنا في القضاء لم ترفع لي قضية واحدة، ليس لي حاجة بين قوم مؤمنين عرف كل منهم ما له وما عليه.
فهو مجتمع يثق ببعضه البعض، ومجتمع يسعى أفراده إلى إصلاح ذات بينهم فيما بينهم، مجتمع يعرف الحقوق فيؤديها والشعار: الثقة فيما بينه البين.
ولاحظ الفرق! فانظر في محاكمنا اليوم وقد امتلأت بالشكاوى والقضايا حتى بين الأقارب، فساءت أخلاقنا، وساءت معاملاتنا، ولم يعد المجتمع يثق في بعضه البعض.
ومنذ أيام مضت جاءني أحدهم يشكو حاله، ويطلب الإعانة، ويقول: تراكمت علي الديون أكثر من ثمانين ألفاً، ووالله ليس لي فيها يد لا من قريب ولا من بعيد، وإنما أنا أتحملها عن الآخرين، فأين هم الآخرون حتى يؤدوا الحقوق ويحفظوا الأمانات؟! قال: وجاءني قريب من أقاربي فقال لي: أنا في أمسّ الحاجة لشراء سيارة، فقد مضى لي في الوظيفة فترة قصيرة، ومضى لي عن الزواج عهد قريب، فأحتاج إلى السيارة حاجة ضرورية، قلت: وماذا تريد مني؟ قال: تقدمت إلى إحدى الشركات طالباً الشراء بالتقسيط فأبوا وقالوا: إن مدة الخدمة التي خدمتها لا تكفي حتى نبيعك السيارة، قلت: وما الحل؟ قالوا: تصرّف، يقول لقريبه: فما وجدت الحل إلا أن تشتريها أنت باسمك وأنا أقوم بالسداد، يقول: فاشتريتها باسمي، وقام بسداد الشهر الأول والثاني، ثم اختفى عن الأنظار، فبحثت عنه في كل مكان ولم أجده، وتراكمت الأقساط المتأخرة حتى ساءت العلاقة بيني وبين تلك الشركة، ثم رفعوا علي دعوة في الحقوق وطالبوني بسداد القيمة كاملة، طالبوني بسداد ثمانين ألف ريال، وبحثت عنه فقالوا لي: لقد سافر إلى بلد بعيد، فكيف يستطيع السفر ويترك قريبه على هذه الحال؟! فهذه صورة واحدة وإلا فالصور كثيرة ومتعددة، بل قال لي أحدهم: قمت بكفالة من أعرفه تمام المعرفة، وبدأ يتأخر في السداد، والنظام يقول: يؤتى بالكفيل ليقوم بالسداد، ثم يطالب المكفول بسداد حقه، يقول: قمت بسداد ما تأخر عنه مرات ومرات، ثم لما طالبته بحقي قال: إن أباك رجل ميسور وهو يسدد عني، فهذا من أثق به، وأنا وإياه على علاقة طيبة منذ سنوات، يا إخوان! لقد فقدت الثقة فيما بيننا البين.
وجاء رجل يقترض من رجل فقال له: كم تريد؟ وما هي حاجتك؟ قال: حاجتي مبلغ كذا وكذا، قال: متى تستطيع سدادها وخذ الوقت الذي تريده؟ قال: أحتاج إلى ستة أشهر، قال: خذ تسعة أشهر، يقول: الآن مضت سنتان ولم أره من بعدها.
يا أخي! اذهب إليه وقل له: ظروفي لا تسمح، لماذا نهرب من بعضنا البعض؟ ولماذا يخون بعضنا بعضاً؟ لقد أصبحنا لا نثق ببعضنا البعض، وحتى القريب لا يثق في قريبه، فأين هي أخلاق المسلمين؟ إن الذي نعاني منه اليوم حقيقة هو افتقادنا لأخلاق المسلمين في تعاملاتنا، وفي بيعنا وشرائنا، وفي أخذنا وعطائنا، وهناك خلق عظيم لو تخلق به المجتمع لساد الأمن والأمان، وعمت الثقة بين أفراده، إنه خلق الأمانة، وهي ضده الخيانة التي هي من صفات المنافقين.
جاء من حديث أبي هريرة عند البخاري أن النبي ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث -وذكر منها:- إذا اؤتمن خان)، بل أمرنا الله وحثنا على أداء الأمانات فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] وذم الله بعض أهل الكتاب فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥]، فقد فقدنا الأمانة قبل الثقة فيما بيننا البين.
стр. 573
حفظ الحقوق وأداء الأمانات متعلق بقوة الإيمان
إن الإيمان كلما قوي في القلوب حفظت الحقوق، وأديت الأمانات، وكلما ضعف في قلوبنا ضيعت الأمانات، وضيعت الحقوق.
وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (اشترى رجل من رجل عقاراً، فالذي اشترى العقار كان يحفر في عقاره فوجد جرة من ذهب في العقار الذي اشتراه، فذهب بها إلى الرجل الذي اشترى منه العقار وأعطاه الجرة، فقال البائع: أنا بعتك العقار بكل ما فيه، فقال الرجل: وأنا اشتريت العقار ولم أشتر جرة الذهب، فتنازع الرجلان في جرة الذهب وكل يقول: جرة الذهب لك، فاختصما إلى القاضي، فتعجب القاضي من مثل هذه القضية، فقال لهذا: ألك غلام؟ قال: نعم، قال: وأنت، ألك جارية؟ قال: نعم، قال: زوجاهما وأنفقا عليهما).
وهذا يوم أن كان المجتمع يثق ببعضه البعض، ويوم أن كان المجتمع شعاره الصدق والأمانة، وأسألك بالله رويعي غنم في الصحراء ما الذي يدفعه لحفظ أمانته؟ أليس هو استشعار مراقبة الله ؟! أليس هذا هو الخلق الذي في داخله الذي يدفعه إلى مراقبة الله جل في علاه، فيرتاد بأغنامه أحسن المراعي ولا رقيب عليه إلا الله؟! واليوم الموظف يتأخر ويتكاسل ويتهاون، ولا يستطيع أي رئيس شركة أو مدير مؤسسة أن يراقب كل موظف في مكتبه، فالأمانة خلق داخلي يدفع الإنسان لأداء الواجب وعدم التفريط فيه.
فهذا رويعي غنم في الصحراء يحفظ أمانته، ويرعاها حق الرعاية، فرآه ابن عمر يرتاد بغنمه أحسن المراعي فقال له امتحاناً: بعنا من هذه الشياه، فقال رويعي الغنم: أنا مؤتمن ولا أستطيع التصرف، فقال له ابن عمر امتحاناً واختباراً: قل للمالك: أكلها الذئب، -والذئاب تعدو على الأغنام كما عدت الذئاب على يوسف ﵇ كما قال إخوة يوسف، فمن المعقول أن تعدوا الذئاب على الأغنام-، قال: قل للمالك: أكلها الذئب، فقال الأمين: وماذا أقول لله؟ إن كنت سأقول للراعي أكلها الذئب، فماذا سأقول لله حين أفرط في الأمانة؟ ماذا سأقول إذا وقفت بين يدي الله وختم على اللسان وأنطق اليدين والرجلين؟!! ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
فبكى ابن عمر، وأرسل إليه من يعتقه، وقال: كلمة أعتقتك في الدنيا، وأسأل الله أن تعتقك يوم أن تلقاه، قل معي وأنت تسمع مثل هذه الأخبار: أين نحن من هؤلاء؟ وجاء في الحديث: (اقترض رجل من رجل مبلغاً من المال، فقال له صاحب المال: جئني بكفيل، قال المقترض: كفى بالله كفيلاً، قال: رضيت، قال: ائتني بشهيد؟ قال: كفى بالله شهيداً، قال: رضيت.
فاتفقا على يوم لسداد ذلك المبلغ، وكان بينهما بحر، فهذا يقيم على تلك الضفة، وهذا يقيم في الجهة الأخرى، فلما حان وقت السداد خرج الذي له المال وخرج الذي عليه المال، وكل يريد أن يلتقي بصاحبه، فهذا ينتظر وذاك يريد الذهاب، فقدر الله في ذلك اليوم أن الجو كان عاصفاً، والسفن لا تسير في ذلك اليوم، فاحتار هذا وانتظر ذاك، فهذا يريد أن يؤدي الأمانة، فلما رأى أن الوقت قد تأخر وليس له حيلة في ركوب البحر رأى خشبة على شاطئ البحر فأخذها الذي عليه الدين ونقرها، وكتب رسالة ووضعها مع المال في تلك النقرة: لقد انتظرت حتى أجد سفينة أركب فيها إليك فلم أجد، هذا هو المال وهذه رسالتي، فطلبت مني كفيلاً فقلت لك: الله الكفيل، وطلبت مني شهيداً، فقلت: الشهيد الله، فالله يؤدي عني، وقذف الخشبة على أمواج البحر تتقاذفها الأمواج يمنة ويسرة.
وفي الضفة الأخرى للبحر انتظر الرجل، فأخذ ينظر في الأفق علّ سفينة تقبل من هنا أو من هناك فلم تقبل، فلما مل وطال عليه الانتظار أراد الذهاب فإذا بقطعة خشب تتقاذفها الأمواج، فقال في نفسه: لن أرجع إلى أهلي خالي اليدين، سآخذ هذه الخشبة أقطعها ثم أجففها، ثم تكون ناراً ووقوداً لي ولأهلي، فأخذها وهو لا يعلم أن الأمانة قد وضعت فيها، فلما ذهب إلى البيت وكسرها خرجت الرسالة من بين كسرات الخشبة، فقرأ الرسالة: انتظرت فلم أجد سفينة، وطلبت مني كفيل فقلت لك: الكفيل الله، وطلبت مني شهيد فقلت لك: الشهيد الله، فالله يؤدي أمانتي وهذا هو المبلغ، فأخذه ثم تعجب.
فحين صدقوا مع الله صدق الله معهم، ودارت أيام فجاء الذي عليه الدين والمبلغ معه كاملاً يريد سداده، فلما جاء إلى الرجل قال له: إن المبلغ عليك حلال وقد سدد الله عنك، وهذا المبلغ مني لك هدية، خذ المبلغ كاملاً لا أريده، فلقد سدد الله عنك.
فيوم كان شعارهم: أمانة، وصدق، وكانوا يثقون ببعضهم البعض، ويعطي كل إنسان ماله ولا يطالب إلا بحقه، كان هذا شأنهم.
قال القرطبي: الأمانة تعم جميع وظائف الدين، فكل ما افترض الله على العباد فهو أمانة، فالأعراض أمانة، والأموال أمانة، والأنفس أمانة، وأعظم الأمانات هو هذا الدين.
وقد كانوا يثقون في أنفسهم وفي بعضهم البعض حتى على الرقاب، فيكفل الرجل الرجل حتى على الرقبة ولا يهاب، تقول السير: جاء شابان إلى عمر ﵁ ومعهما رجل كبير يقتادانه من تلابيبه إلى عمر، فلما جاءا إلى عمر، قال: ما خطبكما؟ قالا: قتل أبانا، فنظر فيه عمر، قال: أصحيح ما يقولان؟ قال: نعم، أغضبني فضربته بصخرة على رأسه فسقط ميتاً، قال عمر: أما وقد اعترفت فلا بد من القصاص، النفس بالنفس، والعين بالعين، والأذن بالأذن، قال: يا أمير المؤمنين! لي صبية صغار يقيمون في الصحراء لا والي لهم ولا راعي، فأعطوني مهلة وفرصة كي أذهب إليهم وأخبرهم: أني لن أرجع إليهم بعد اليوم، وأدفعهم إلى من يقوم بكفالتهم، أو يقوم بسد حاجاتهم، فليس لهم بعدي إلا الله.
فقال عمر: لا نستطيع أن ندعك تذهب، فقال للغلامين: أتعفوان؟ قالا: لا، قتل أبانا، فقال عمر: لا نستطيع أن ندعك أن تذهب إلا أن تأتي بكفيل يكفلك، فمن أين يأتي بكفيل وهو لا يعرف أحداً؟ فنظر في وجوه الحاضرين وفيهم أبو ذر وقال: هذا يكفلني، والله ما رآه من قبل، وما تكلم معه قط من قبل، فقال عمر لـ أبي ذر: أتكفله؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين! أما وقد اختارني من بين هؤلاء القوم والله لا أخذله! فالمسلم أخو المسلم لا يخذله أبداً، حتى وإن كانت القضية تتعلق برقبته ونفسه.
فقال عمر: يا أبا ذر! إن لم يأت الرجل فأنت تعرف ماذا سيكون الجزاء؟ قال: أعلم يا أمير المؤمنين! قال الرجل: أمهلوني ثلاثة أيام ثم سآتي إليكم أسلم نفسي، فمضى اليوم الأول واليوم الثاني واليوم الثالث، وبدءوا يترقبون تلك الساعة التي وعد الرجل بالرجوع فيها، طال الانتظار على أبي ذر ﵁ وأرضاه، فلما أيس الناس من قدوم الرجل إذا بغبار يأتي من بعيد فلما أقبل إذا هو بالرجل يعتذر عن تأخره، فهلل الناس وكبروا.
فهذا رجل في الصحراء لا يعرف مكانه أحد! والقضية ليست قضية عشرة آلاف ريال، أو مائة ألف ريال، إن القضية قضية رقبة سيسددها في الحال.
فكبر الناس وهللوا وقال عمر للشابين: أتعفوان؟ قالا: عفونا.
وكيف لا يعفون والقضية ثقة وأمانة وصدق بين أفراد المجتمع؟! أما ترى عبد الله! أن هذا هو ما نحتاج إليه اليوم؟! أن تكون المعاملة والشعار فيما بيننا صدق وإخلاص، وصدق في البذل، وصدق في العطاء، صدق في كل شأن من شئون حياتنا، بلى والله! فهذا ما نحتاجه اليوم.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 574
أنواع الأمانات المطلوبة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: أحبتي! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، اتقوا الله عباد الله! قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]، ومن تقوى الله حفظ الأمانات، وأداء الحقوق، ومراعاة مشاعر الآخرين، وقد جاء ذكر الأمانة في القرآن على ثلاثة معانٍ: الأول: بمعنى الفرائض كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧].
الثاني: بمعنى الودائع كما قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].
الثالث: بمعنى العفة، كما قال الله عن موسى على لسان بنت شعيب: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، أي: قوي في بدنه، عفيف في معاملاته، وهذا ما نحتاجه اليوم، ولن يكون الرجل أميناً حتى تظهر فيه ثلاثة أمور: عفته عما ليس له، وتأدية ما عليه للآخرين، واهتمامه بحفظ حقوق الآخرين.
стр. 575
أمانة الدين
إن الموظف في الشركة إذا أعطوه سيارة يقودها لقضاء حوائج الشركة فإنها أمانة، ورأيت بأم عيني من يسيء استخدام تلك الأمانة ظاناً أنه ليس عليه رقيب.
أحبتي! إن البشر لا يستطيعون مراقبة البشر في كل شأن من شئونهم فإن لم نستشعر أن الحسيب هو الله فلن نؤدي الحقوق، ولن نحفظ أمانات، ومن أعظم ما استؤمنت أنا وأنت عليه: أمانة الدين، والتوحيد الذي لن ينجو يوم القيامة إلا من جاء به خالص لله.
فعند البخاري من حديث معاذ ﵁ قال: (بينما كنت أسير مع النبي ﷺ قال: يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم مضى، ثم قال بعد ساعة: يا معاذ! أتدري ما حق العباد على الله إن هم فعلوا؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه ألا يعذبهم)، وإن لم يعذبهم دخلوا الجنة.
ومن حقوق التوحيد: المحافظة على الصلوات، والقيام بالواجبات، والانتهاء عن المحرمات، وأسألك هنا سؤالاً: هل حافظت على الأمانة في فجر هذا اليوم أم كنت من المضيعين؟ هل صليت الفجر في جماعة المسلمين حفاظاً على أمانة الله التي استأمنك عليها أم كنت مع النائمين المضيعين؟ فاتقوا الله عباد الله! فالدين أعظم ما استؤمنا عليه، فإن حافظنا على ديننا وحفظنا حقوق ربنا فسنحافظ على حقوق الآخرين، فمن حافظ على الصلوات والأوامر، وترك المنهيات حفظ حقوق الآخرين.
فهذه كلمة إلى الذين يتصدرون المسئوليات ويتأمرون على المسلمين: اعلم -بارك الله فيك- أن المسئولية أمانة، وأنها يوم القيامة خزي وعار وندامة، فقد جاء أبو ذر إلى النبي ﷺ وقال يا رسول الله! استعملني على بعض أمورك، قال: (يا أبا ذر! أنت ضعيف، والمسئولية أمانة، وهي خزي وعار وندامة يوم القيامة) إلا أن يقوم بحقها كما قام يوسف حين قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].
فإلى أولئك الذين يتصدرون المسئوليات، ويترأسون على أبناء المسلمين: اتقوا الله في أبناء المسلمين، وأدوا الأمانة فيما استرعاكم الله، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.
стр. 576
أمانة الأسرار الزوجية
كذلك من الأمانات أمانة الأسرار الزوجية، وإن من أعظم الخيانة يوم القيامة كما قال ﷺ : (الرجل يفضي إلى زوجته وتفضي إليه، ثم يكشف سرها أو تكشف سره)، يقول: حدث بيني وبين فلانة كذا وكذا، فالبيوت أسرار، فاحفظ الأمانة، واحفظ الأسرار في البيوت.
وتقوم الساعة إذا ضيعت الأمانة، ففي الحديث قال أنس: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ دخل أعرابي فقال: يا محمد! متى الساعة؟ فسكت عنه النبي ﷺ قلنا -أي: الصحابة-: إما أنه كره سؤاله، أو أنه لم يسمع ماذا قال، فلما انتهى النبي ﷺ من حديثه، قال: أين السائل عن الساعة؟ قال الأعرابي: أنا يا رسول الله! قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وما ضياعها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله).
فاتقوا لله عباد الله! واعلموا أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم.
اتقوا الله عباد الله! واعلموا أن الإيمان هو الدافع لنا لحفظ الأمانات وأداء الحقوق، ولما ضعف الإيمان ضاعت الأمانات وضاعت الحقوق، فاستشعروا رقابة الله في كل مكان: في الصحاري، وفي البراري، وفي البحار، فإن استشعار رقابة الله هي الدافع الحقيقي لنا لحفظ الأمانات.
اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وصلاة خاشعة، وعلماً نافعاً، ورزقاً حلالاً واسعاً.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين! وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين! اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، وأصلح ولاة أمورنا وانصرنا يا قوي يا عزيز! على القوم الكافرين.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين! اللهم عليك بكفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويعذبون أولياءك، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم أنزل عليهم بأسك وبطشك إله الحق! إنهم لا يعجزونك.
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 577
رفيق الدرب
إن القلوب تحيا بالذكر وتطمئن به، فهي في الأصل دائمة الاضطراب والتردد، فإذا نزل عليها ذكر الله تعالى كان عليها برداً وسلاماً، وكان لها حصناً وأماناً، فتهدأ وتسكن وتستكين، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.
إن قلوبنا في أمس الحاجة إلى الذكرى والموعظة، فالموعظة تنفع المؤمنين
стр. 578
التفكر في اليوم الآخر والاستعداد لذلك
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: لقد كانت هذه المحاضرة عن الرفيق الذي كان يسير معي على الطريق ثم حاد عن الطريق إما لشهوة أو لشبهة، فلما أخبرت بأن العنوان حدث فيه بعض التغيير توقفت عن التحضير في آخر الصفحات؛ لعلي أن أستدرك الموضوع الجديد، ثم لا هذا أكملت ولا ذاك أدركت، فجئتكم الليلة ببضاعة مزجاة، وجئتكم بموضوع آخر، لكن والله الذي لا إله إلا هو! نحن في أمس الحاجة إلى مثل هذا الموضوع، وأردت أن يكون الموضوع في هذه الليلة حديث من القلب إلى القلب، وهو موعظة ذكرنا بها القرآن في مواضع عدة، وأعظم المواعظ مواعظ القرآن، وأعظم الكلمات كلمات القرآن، وأعظم الحروف حروف الرحمن جل في علاه، لذلك أردت أن يكون أول لقاء بيني وبين أهل عنيزة كلمات تنطلق من القرآن.
إن الحياة حقيقة هي حياة القلوب وليست حياة الأبدان، فالماء يحيي الأرض، وذكر الله يحيي القلوب، فقد رأيتم اليوم عندما نزل المطر كيف تغير واقع الأرض، ورأيتم كيف أن الأرض هشت وبشت فرحاً باستقبال الحياة، فكذلك القلوب لا تحيا إلا بذكر علام الغيوب، قال الله: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]، فهذا يدل على أمور عظيمة، ثم إن الله في سياق هذه الآيات قال: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧]، فنزول الماء، وإحياء الأرض دليل على قدرة الباري جل في علاه على إحياء الناس بعد موتهم، وبعثهم ونشرهم ثم حسابهم، ثم يتقرر المصير إما إلى الجنة أو إلى النار، وهي قضية لابد أن تشغل كل واحد منا، فمدار صفحات القرآن على هذه القضية، فما أرسل الله الرسل، ولا أنزل الكتب إلا ليتفكر الناس في ذلك اليوم العظيم، ذلك اليوم الذي سيتقرر فيه المصير والمآل.
إن القلوب إذا حييت استعدت للقاء علام الغيوب، وإذا نسيت غفلت وقست وابتعدت عن صراط الله المستقيم، قال الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]، واليوم الناس يشكون من هذا المرض العظيم، فيشكون من قسوة في قلوبهم، والسبب هو الابتعاد عن ذكر الله جل في علاه، والابتعاد عن النظر في كتاب الله جل في علاه، والابتعاد عما يذكرنا بلقاء الله جل في علاه، فترى مدار أحاديثنا في مجالسنا هو عن الدنيا وما فيها، ولما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة اشترط على جلسائه شروطاً ثلاثة، فقال: من أراد أن يجلس في مجلسي فأنا أشترط عليه شروطاً ثلاثة -وهذه الشروط ليت أنّا نشترطها في مجالسنا- فقال: أما الشرط الأول: ألا تتحدثوا في مجلسي عن الدنيا أبداً.
وأما الشرط الثاني: ألا تغتابوا عندي أحداً.
وأما الشرط الثالث: ألا تمدحوا في مجلسي أحداً.
وهذا لأن الإكثار من ذكر الدنيا يقسي القلوب، وغيبة الآخرين كبيرة من الكبائر، وكثرة المدح تميت القلب، وتنسيه ما أعد الله لأهل النعيم، وما أعد الله لأهل الجحيم، فهذه الشروط الثلاثة ليت أنّا نشترطها في مجالسنا، فبذكر الله تحيا القلوب كما تحيا الأرض إذا نزل عليها المطر، وتحيا القلوب أيضاً بذكر سير الأقوام الذين ساروا على ذلك الطريق، فقد أحيا الله بذكرهم أقواماً، فلله در أقوام بذكرهم يحيا أقوام! وتباً لأقوام بذكرهم يموت أقوام، فقد مضوا منذ مئات السنين ولا زالت المنابر تسطع بأسمائهم، وإذا ذُكروا قلنا: لا إله إلا الله، وإذا ذكرت أخبارهم تأدبنا بها واقتدينا بصنع أولئك الرجال، ووالله الذي لا إله إلا هو! لولا أن كتب السِّيَر نقلت لنا أخباراً صحيحة عن أولئك ما كنا نصدق أن أولئك بشر، فقد وصلوا إلى درجة عالية، وزكاهم الله ورضي عنهم وهم يسيرون على الأرض، ومنهم من قال له النبي ﷺ : (إن الله أخبرني أنه يحبك، وأنا ضمين بحبك)، ومنهم من اهتز له عرش الرحمن عند وفاته، ومنهم من غسلته الملائكة بين السماء والأرض، ومنهم من كلمه الله كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فما وصلوا إلى تلك الدرجات العالية إلا بقلوب حية معلقة بما عند الله جل في علاه، فإذا أستأنس أهل الدنيا بالدرهم والدينار استأنسوا بما عند الله جل في علاه، فيتردد على مسامعهم وهم يرون الناس يلهون في دنياهم: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦].
إن الإيمان هو الحياة الحقيقية، ولا حياة بدون إيمان، فما هو الدافع لي ولك أن نجلس في هذا المسجد أليس هو الإيمان؟ وما هو الدافع لي ولك على فعل الطاعات أليس هو الإيمان؟ وفي المقابل ما هو الرادع لي ولك عن فعل المعاصي والمنكرات أليس هو الإيمان؟ إنه إيمان بما أعد الله للطائعين، والإيمان بما أعد الله للعصاة والمخالفين.
إن الذي يجعل للحياة قيمة هو الإيمان، وبه يتفاوت الناس في دنياهم وأخراهم، لذلك كان إبراهيم ﵇ في إيمانه أمة، ورجح إيمان أبي بكر الصديق إيمان أمة، ولم يكن بأكثر القوم صلاة ولا قياماً، لكنه كان أكثرهم ثقة وتصديقاً بالله رب العالمين، لذلك كانت حياته غير حياة الآخرين، فالذي يجعل لحياتي وحياتك قيمة هو الإيمان، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢]، فتأمل في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، أما كان يأكل، ويشرب، ويلبس، ويغدو، ويروح؟ بلى، لكن ليست هذه هي الحياة، لذلك قال أحد المربين لأحد أبنائه: يا بني! لا يكن همك المأكل والمشرب والملبس والمنكح، فهذا هم النفس، فأين هم القلب؟ إن همك هو ما أهمك، فليكن همك الله والدار الآخرة، فمن جعل الهموم هماً واحداً -يعني: هم الآخرة- كفاه الله هم الدنيا وهم الآخرة، أتريد الدنيا؟ فأنا أدلك على الطريق حتى لا تخسر الدنيا والآخرة، (من أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله، وجعل غناه في صدره، وأتته الدنيا وهي راغمة)، والعكس بالعكس، (ومن أصبح والدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم الله له) فالذي يجعل لحياتي وحياتك قيمة هو أن يكون لها هدف، فإذا تحدد الهدف تحدد الطريق.
اعلم بارك الله فيك أن الطرق نوعان: النوع الأولى: طرق صعبة فيها مصاعب وآلام وامتحانات وابتلاءات، لكنها توصلك إلى المكان الذي تريد أن تصل إليه، والنوع الآخر: طرق معبدة مذللة فيها شهوات واستراحات وغير ذلك، لكنها لا توصلك إلى المكان الذي تريد أن تصل إليه، فلا شك أنك ستأخذ الطريق الصعب رغم صعوبته؛ لأنك تريد أن تصل، وهذا مصداق لقول النبي ﷺ : (حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره)، والحياة امتحان وابتلاء؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة، فالذي يحيي القلوب هو ذكر علام الغيوب، فالنظر في آياته، والتدبر في كلماته يحيي القلب، ومصيبتنا أننا لا نعرف القرآن إلا في رمضان، فبقدر ما تعطي القرآن القرآن يعطيك، وبقدر ما تقبل على كتاب الله يقبل الله عليك، وإذا أردت أن تعرف قيمتك عند الله فانظر إلى قيمة كلام الرحمن في صدرك، وفي حياتك، وفي كل شأن من شئون حياتك، فالمطلوب منا عند قراءة القرآن أن نفتح القلوب قبل أن نفتح الآذان، لذلك سيتردد على مسامعك الليلة آيات وآيات، فأسأل الله أن تجد هذه الآيات مكاناً في قلبي وفي قلبك، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم.
إن من أركان الإيمان، وعقائد الإسلام: الإيمان بالله وباليوم الآخر، والضابط الحقيقي لصفة الإنسان هو إيمانه بذلك اليوم، فلا يضبط سلوك البشر في دنياهم إلا إيمانهم بذلك اليوم الذي سيجمع الله فيه الأولين والآخرين؛ ليجزي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته، لذلك حين سأل أحدهم سفيان فقال: كم مضى من عمرك؟ قال: ستون سنة، قال: ستون سنة وأنت في سفر إلى الله، أوشكت أن تصل، قال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: أتعرف معناها؟ فإن معناها أنك لله عبد وأنك إليه راجع، قال سفيان: ومن علم أنه لله عبد فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول فماذا أعد للجواب؟ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١٠٩]، فالضابط الحقيقي لسلوك البشر كلهم أقصاهم وأدناهم هو الإيمان بالله وباليوم الآخر، فإذا كنت مدير شركة أو مؤسسة من المؤسسات فإنك لا تستطيع تراقب كل الموظفين، ولا تستطيع أن تراقب كل واحد في روحته ومجيئه، فما الذي يجعل هذا يبدع في عمله؟ وما الذي يجعل هذا يخلص في أدائه؟ وما الذي يجعل هذا يعطي الحقوق ويمتنع عن المظالم؟ إنه استشعاره باليوم الآخر، وإنه استشعار رقابة الله في كل مكان، كان ابن عمر في مرة من المرات في صحراء، فإذا براعي غنم يرعى أغنامه ويرتاد بها أحسن المراعي، فالمالك لا يراه، لكن الله جل في علاه يراه، وملك السماوات والأرض يراه في كل خطوة، وفي كل مكان يغدوه أو يروحه.
إن هذا الأمر ينقصنا اليوم وهو: أننا نستشعر الرقابة في كل مكان، وأن نستشعر أن الله يرانا في كل مكان، فهو يرى ما في السماء وما في الأرض، ﴿
стр. 579
الاهتمام والمشاركة في فعل الخير
يسر مؤسسة الوقف الإسلامي أن تدعوكم إلى دعم مشروع وقف الأرض والمقام بالمدينة المنورة، والذي يبعد (٣٠٠) متر فقط، ويتكون من اثني عشر طابقاً، وهو بكلفة إجمالية تصل إلى (٣٦) مليون ريال، ويصرف هذا المشروع على المطلقات والأرامل والأيتام، فهذا هو الزاد الذي ننجو به في ذلك اليوم، ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عند الله﴾ [البقرة:١١٠]، فبالصدقات نستظل في ظل العرش في ذلك اليوم، وبالصدقات نرى من الأجور ما الله به عليم.
فأدعو نفسي وإياكم إلى المشاركة في هذا الوقف، فإذا مات ابن آدم انقطع عمله، وستبقى هذه الصدقة الجارية تجر عليه الحسنات حتى يلقى الله.
وحساب الرقم: (٧٢٠٣) فرع (٢٧٩)، فلا تتأخروا في دعم إخوانكم ودعم مشاريع الخير، وقد كنا بالأمس نتذاكر الجمعيات الخيرية الباطلة في بلاد الكفر، وقد بلغت في إحدى الإحصائيات: مليوناً وخمسمائة جمعية، وكلها تحارب الإسلام والمسلمين، وشعارهم في رسائلهم: ادفع دولاراً لمحاربة الإسلام والمسلمين فيدفعون، وأنا أقول: ادفعوا لنصرة الإسلام ونصرة المسلمين، فالإسلام اليوم في أمس الحاجة لأبنائه وتكاتفهم مع بعضهم البعض، ولا يخفى عليكم ما يجري لإخواننا هنا وهناك، ولا يخفى عليكم الحصار الذي حوصرت به العراق وفلسطين والشيشان وكل بقاع المسلمين، فنريد أن نحيي قضية الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ونريد نحيي قضية: (المؤمن للمؤمن كالبنان أو كالبنيان وشبك بين أصبعيه)، فهل تظن أن الذي يجري هناك بسبب ذنوبهم هم؟ لا، بل هو بسبب تقصيري أنا وأنت، وبسبب ذنوبنا نحن، فإن نحن قصرنا ونحن جسد واحد ابتُليت قطعة من الجسد بالبلاء، فكل ما تستطيع أن تقدمه لهم فافعله، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وأبسط ما نستطيع أن نقدمه لهم هو أن ندعو لهم، العراق ليست بمأساتنا الأولى ولا بمأساتنا الآخرة: هاهو الأقصى يلوك جراحه والمسلمون جموعهم آحاد يا ويحنا ماذا أصاب رجالنا أَوَما لنا سعد ولا مقداد وربما قد حيل بيننا وبين أشياء لكننا نستطيع أن نفعل أشياء أخرى، فنستطيع أن نفعل بإذن الواحد الأحد بثبات الفرد أشياء كثيرة، فبثبات الفرد يغير الله مجرى أمم، وبثبات آحاد تثبت أمم وتثبت جماعات، فاثبت على صراط الله المستقيم، وأريدك أن تسعى إلى أن تكون مجاهد دعوة، وأريد منك أن تسعى إلى أن تصل إلى درجة تجاب فيها دعوتك حتى إذا قلت: يا رب! قال الله: لبيك وسعديك، فالأمة تنصر بأوليائها، فالمنتسبون إلى الدين كثير لكنهم لم يبلغوا رتبة الولاية، تلك الرتبة التي قال الله عنها في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، فلم نصل إلى تلك الرتبة؛ لأننا لم نصدق مع الله كما صدقوا، فقد وقف ابن الحضرمي على مياه الخليج وقد فرت سفن الروم، فقال لجيشه -وكان أبو هريرة في ذلك الجيش-: توضئوا، فتوضئوا وصلوا، ثم دعا وقال: يا حي يا قيوم، يا محيي يا مميت، يا ربنا يا رب كل شيء! ثم أمر جيشه وقال: خوضوا البحر، يقول أبو هريرة: والله! لقد خضناه فما ابتل حافر حصان لنا، فلما أرادوا الرجوع قال لهم: ارجعوا من حيث أتيتم، فرجعوا من نفس الطريق.
فلما سخّروا أنفسهم لله سخّر الله لهم كل شيء، كانوا هم قد استطاعوا فنحن أيضاً نستطيع، وإن كانوا قد فعلوا فنحن أيضاً سنفعل، لكن المطلوب مننا أن نصدق كما صدقوا، فقد جعلوا حياتهم وقفاً لله كما أمر الله.
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، اللهم انصر إخواننا في العراق وفلسطين والشيشان وكشمير والفلبين وأفغانستان والسودان والصين وإيران وفي كل مكان، اللهم كن لهم عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً، اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، اللهم اربط على قلوبهم، وأفرغ عليهم صبراً، وثبت الأقدام، اللهم سدد رأيهم ورميهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب الأنام! اللهم إنهم قلة فكثرهم، وحفاة فاحملهم، وجياع فأطعمهم، وخائفون فأمنهم، ومظلومون فانتصر لهم، اللهم مكن لهم دينهم الذي ارتضيت لهم، اللهم بدلهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونك لا يشركون بك شيئاً، وتكفل بأيتامهم، وصن أعراضهم، واحقن دمائهم، وأطعم جياعهم، واشف مرضاهم، وتقبل موتاهم، وتقبل شهدائهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين! اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اقلب أرض الفلوجة على الكفار ناراً، وسمائها شهباً وإعصاراً، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، لا تدع لهم قوة على الأرض إلا دمرتها، ولا قوة في البحر إلا أغرقتها، ولا قوة في السماء إلا أسقطتها، اللهم خالف بين كلمتهم، وشتت رأيهم ورميهم، وخالف بين قلوبهم، اللهم سلط عليهم ما خرج من الأرض، وما نزل من السماء، اللهم اجعل رقابهم غنيمة للمجاهدين يا رب العالمين! اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز! اللهم لا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية، ولا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية، اللهم أخرجهم منها أذلة صاغرين، اللهم عليك بهم وبمن عاونهم فإنهم لا يخفون عليك ولا يعجزونك يا قوي يا عزيز! اللهم إننا حيل بيننا وبينهم فلا تحرمنا أجرهم يا غفور يا رحيم! اللهم إننا ليس لدينا لهم إلا الدعاء فلا تردنا خائبين، اللهم يا رحمان السموات والأرضين! ارحم ضعفنا وضعفهم، وتقصيرنا وتقصيرهم، واجبر كسرنا وكسرهم، وأعز الإسلام والمسلمين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! وآمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير.
أستغفر الله العظيم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 580
الأسئلة
стр. 581
دور المهتدين والملتزمين بالدين تجاه إخوانهم الشباب الغارقين في الشهوات
السؤال
شاب يقول: أنتم تقولون لنا: التزموا وابتعدوا عن المحرمات، وأنتم لا تدرون أين نعيش وكيف نعيش! فأنتم في بُعد عنا أيها الملتزمون! فقد لعبت بنا الفضائيات والشبكات والمحرمات والشهوات، فأين أنتم منا؟ ولماذا لا تأتون إلينا؟ فهل من كلمة يا فضيلة الشيخ! لمن هداهم الله ؟
الجواب
هذا كلام له وعليه، فأما الإخوة الذين هداهم الله فإنهم مطالبون بأن يسعوا إلى هداية إخوانهم، وهذا واجب على كل من سلك طريق الاستقامة، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، لكن أنت أيها السائل! في المقابل إذا غرقت فإنك في يوم القيامة ستحاسب بنفسك وحيداً ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، فالله سيحاسبك عن أخطائك أنت، فإن لم يأتوك هم فاذهب أنت إليهم، فأنت مطالب كما هم مطالبون، فكلٌ مطالب بفكاك رقبته والفوز بالجنة، وفي المقابل كلنا مطالب بأن نتعاون على مثل هذا.
وأقول لمن هداهم الله: اتقوا الله في إخوانكم، فوالله! إن فيهم من الخير ما الله به عليم، ووالله! إن أكثرهم لا يحتاج إلا إلى دفعة خفيفة وتوجيه ميسر، بل إن أحدهم - والله يا إخوان! - يقول: كنت أجلس على شاشات الإنترنت الساعات الطوال التي تصل إلى ست أو سبع ساعات، فأجلس أحادث هذه وتلك ثم بعد ذلك خصومات معهن وسب وشتام ولعان وكلمات لا يعلم بها إلا الله، يقول: وفي مرة من المرات قبيل صلاة الفجر إذا بفتاة من الذين يدخلون على مثل هذه المواقع حتى ينشروا رسائل دعوية، فترسل من غير إظهار شخصيتها، فخاطبت أحد الشباب الذين اشتهروا في ذلك الموقع بتطاولهم هنا وهناك، فأرسلت له مقطع من شريط فقط وقالت له: أسألك بالله أن تسمع هذه المقدمة، ثم أغلقت وخرجت من الموقع، يقول: فقلت في نفسي ماذا أخسر لو سمعت هذه المقدمة، يقول: فسمعتها فجلست مكاني أفكر، ثم بدأت أبكي، ثم في اليوم الثاني أتانا من منطقته إلى الدمام، أي: أنه قطع أربعمائة كيلو ويقول: أنا أريد أن أغير مجرى حياتي، فلم تكلف دعوته شيئاً سوى دقائق معدودة غيرت مجرى حياته، وهو الآن يقيم ويرابط في المسجد ولا يخرج منه، فهو يأكل وينام ويصلي مع المصلين، يقول: سبحان الله! وجهه يستنير يوماً بعد يوم، وهذا كله بدعوة صادقة من فتاة أرسلتها إليه فتغير واقع حياته.
إن الشباب فيهم خير كثير، لكنهم يحتاجون إلى تذكير، فإذا إن كان ذلك الجيل الفريد يذكَّر فنحن من باب أولى نحتاج إلى أن يذكر بعضنا بعضاً.
لكن أقول لهذا: انتبه على نفسك، فإذا لم يأتوك هم فاذهب أنت إليهم، واسعَ إلى نجاة نفسك، فستسأل أنت يوم القيامة، ولا أسال أنا عنك لماذا أنت فعلت كذا؟
стр. 582
حكم دخول النساء الإنترنت من أجل الدعوة
السؤال
ما حكم دخول النساء الإنترنت من أجل الدعوة؟ الجوب: الإنترنت فيه خير كثير، لكن عندنا مصيبة وهي: أننا نسيء استخدام الوسائل، فبدلاً من أن تنفعنا تنقلب ضدنا، وأغلى ما أملك أنا وأنت هو الدين، فلا أخاطر بديني في أي حال من الأحوال، أحد الناس أعرفه كان صالحاً من الصالحين، لكنه توسع في قضية الانترنت، يقول: نقلت إلى منطقة نائية فأخذت الجهاز معي، فبدأت أتدرج شيئاً فشيئاً، والشيطان لا يأتيك ويقول لك: اعص الله من أول وهلة، بل يأتيك ويقول لك: ادعهم، وبيِّن لهم، فيدخل عليك من هذا المدخل، يقول: شيئاً فشيئاً وجدت نفسي أنحرف، ثم وجدت نفسي قد تركت الدعوة تماماً ودخلت إلى مواقع الرذيلة، والآن يقول: ماذا أصنع؟ فنقول له: لا تستسلم، فأنت الآن تغرق، فهل تريد أن تغرق إلى النهاية؟ فالمشكلة يا إخوان! أننا قد نصل إلى قمة الجبل، لكن لا نستطيع أن نمكث هناك فلابد أن ننزل بعض الشيء، لكن لو انحدرت من قمة الجبل شيئاً ثم راجعت الحسابات فإنك سترجع، لكن مشكلتنا أننا ننحدر فلا نراجع الحسابات، ثم يزيد الانحدار فلا نراجع الحسابات، ثم نصل إلى سفح الجبل فننظر إلى القمة وقد صارت بعيدة، ويمكن الرجوع فليس بمستحيل، ولكنه صعب، ولو أني تداركت الأمر من أول مرة لرجعت بسهولة، ففكر في كلامي هذا، ولا تخاطر بالدين، حتى ولو كان من باب الدعوة، فإن كانت الدعوة ستفتح عليك أبواباً من الشر فلا، وخاصة الفتيات فإنهن يدخلن بنية صادقة، لكن يتجرأ عليهن السفهاء وشيئاً فشياً تخسر أشياء كثيرة، والإنسان ليس مطالباً بإنقاذ الناس على حساب نفسه، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وقد كان من دعاء النبي ﷺ : (اللهم! أصلح لي ديني)، (اللهم! احفظني في ديني)، (اللهم! لا تجعل مصيبتي في ديني)، فأمر الدنيا يهون، لكن إذا صارت المصيبة في الدين فهي عظيمة، واسمع هذه القصة: كان هناك مؤذن يرقى المئذنة للأذان في بلاد مصر، وكان هناك مسلمون وأقباط، وقد نهى الله تعالى عن الالتفات والتكشف على بيوت الناس، فخالف الأوامر، وهذه هي مصيبتنا: مخالفة الأوامر، فالله يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وذلك حتى لا نهلك مع الهالكين، ويوم أحد دخل في النفس أثارة من دنيا، فقالوا: الغنيمة الغنيمة، وخالفوا أمر الوقوف على الجبل فانقلبت الموازين، وأما اليوم فالمخالفات في الأمة لا تعد ولا تحصى، فقيل لهذا المؤذن: لا تلتفت، فالتفت يوماً فإذا بنصرانية قبطية من أجمل النساء، فبدلاً من أن يرفع الأذان تمادى في النظر، ولو أنه غض بصره من أول مرة لأورثه الله إيماناً في قلبه، قيل للحسن: كيف نستعين على غض البصر؟ قال: أن تعلم أن نظر الله إليك أسرع من نظرك إلى المنظور إليه.
ويقول ابن عباس: إن الرجل تمر عليه المرأة وهو يريد أن ينظر إليها، فيمر عليه القوم فيغض البصر من أجلهم، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالله يعلم أن في قرارت نفسه أنه يريد أن ينظر إلى الحرام، فالرجل المؤذن بدلاً من أن يرفع الأذان تمادى في النظر، فنزل يطرق عليها الباب يطلبها لريبة، فقالت: لا أجيبك إلى ريبة، قال: أتزوجك؟ قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية كافرة وأبي لا يزوجني إياك، قال: أتنصر، قالت: إن فعلت قبلنا، فتنصر - والعياذ بالله- فوافقوا عليه، فبينما هو يمشي في ذلك اليوم زلت قدمه فسقط على رأسه ميتاً، فخسر الدنيا والآخرة.
إن مصيبة الدين مصيبة عظيمة، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الشورى:٤٥]، فاحفظ دينك بارك الله فيك، ﴿لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، ولا تورد نفسك المهالك والمخاطر، ولا تظلم نفسك فالعاصي ظلم نفسه؛ لأنه أوردها عذاب الله، فلنتق الله في الخلوات، فلا تظهر حقيقةُ الإيمان إلا في الخلوات، وأما بعضنا البعض فكلنا يتزين للآخر، لكن متى يظهر صدق إيماني وإيمانك؟! يظهر ذلك إذا خلونا بعيداً عن أعين الناس، (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، أسأل الله أن يصلح لنا السر والسريرة.
стр. 583
نصيحة لمن يتابعون القنوات الفضائية ويصوتون لبرامج أكاديمي (استار)
السؤال
هل من كلمة توجهونها إلى من يتابعون القنوات الفضائية وبخاصة من يتابعون ويصوتون في البرنامج الذي تذبح فيه الفضيلة وهو: استار أكاديمي، فقد علمنا أن بعض صغيرات السن، ومن يدرسن في المرحلة الابتدائية يتابعن هذا البرنامج، ويصوتن له عبر الاتصال، فهل من كلمة لمن قد ابتلي بمثل هذا، أو كلمة ينقلها إخوتنا وأخواتنا إلى من ابتلوا بمثل هذا البرنامج؟
الجواب
لم يستطيع لنا أعداؤنا بالمدفع والدبابة فقد واجهتهم الأمة في ذلك مع أنهم يفوقونها عدداً بمرات كثيرة، وبأعداد وفيرة، فعند المواجهة نحن الأقوياء، فعلموا أنه ليس هناك سلاح يفتك بنا مثل نشر الفاحشة والرذيلة، فأصبحت الأمة ثقافتها المسموعة غنائية، وثقافتها المرئية أفلام ومسلسلات، وثقافتها المقروءة لعب وكرة، حينها استطاعوا لنا، فقسموا العالم الإسلامي، واستعمروا الشعوب، واستولوا على الثروات، ونحن لا زلنا نغط أمام أكاديمي استار، والعجيب أن سبعين مليوناً يصوتون من العالم الإسلامي لأكاديمي استار! سبعون مليوناً يصوتون للذين ينشرون الفاحشة والرذيلة، وحين قالت الأمم المتحدة: صوتوا لوقف الحرب على أفغانستان قتلوا بعدها بعشرة أيام خمسين ألفاً، فهم يقولون: نريد تحرير الشعوب، فلماذا يقتلون الأبرياء؟! والأمر كما قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]، فلما علموا أنهم لا يستطيعون لنا بالمدفع والدبابة هاجمونا بالشاشات والقنوات، ونشْر الفواحش والرذيلة في المجتمعات، وظهرت النتائج واضحة في أوضاع البنين والبنات.
تقول إحداهن في استبيان: أقسم بالله العظيم إني وصلت إلى درجة أني كنت أتمنى أني أكون مكان إحدى هؤلاء الفتيات اللاتي يعرضن الرذيلة، ولكن الله أنقذني، فأين الغيرة يا إخوان؟! ولماذا ضاعت؟! ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، هل البيوت لا تدري أن الخطر واقع؟ بل يدرون ويرونه واضحاً ملموساً في سلوك الصغار والكبار، لكننا جبناء ليس عندنا قدرة على تغيير المنكر، أفلا يستطيع أحدنا أن ينتفض ويرقى السلم إلى سطح ذلك المنزل ويزيح ذلك الجهاز الذي دمر المعتقدات والأخلاق؟ والله! لولا حرمة المكان لذكرت لكم مآسي وآهات، لكن نسأل الله أن يعفو عنا وعنكم، فالمفسدة واقعة، والكل يعرف هذا، لكن ليس عندنا الدافع الإيماني الذي يدفعنا لفعل الطاعة، وليس عندنا الرادع الذي يردعنا عن فعل المعاصي والمنكرات، فما هي قيمة الحياة من غير إيمان؟ فما سيطرت علينا الشاشات والقنوات إلا لضعف إيماننا، وأما إذا قوي الإيمان فإننا سننتصر على هذه الأمور بسهولة.
إن الناس اليوم يعصون الله مع سبق الإصرار أي: يعصونه عمداً وهم يدرون، فقد التقيت بشاب في محطة من المحطات، وذلك أنى نزلت ومعي مجموعة من الشباب لأداء صلاة العصر، فقلت للشباب: هل أنتم متوضئون؟ وأما أنا فعلى وضوء، وسأذهب إلى الدكان أشتري بعض الحاجات، فدخلت ودخل شاب في مقتبل العمر في العشرينات، فنظرت في سيارته فإذا فيها نساء وأطفال، والطرق طويلة محفوفة بالمخاطر، فأنت على الطرق قصيرها وطويلها، أحوج ما تكون إلى حب الله لك، فكم هم الذين يموتون على الطرقات؟ إنهم بالمئات، بل بالآلاف المؤلفة، والإحصائيات كل يوم في زيادة، فأنت أحوج ما تكون إلى حفظ الله لك، (احفظ الله يحفظك)، فدخل الشاب في جهة تعرض فيها الأغاني، وبدأ ينتقي من هذا وذاك، وأنا أريد أكلمه لكني لم أجد عليه مدخلاً، فلم يكتف بالمعروض يا إخوان! فقال لراعي المحل: أليس عندكم المطرب الفلاني؟ فقمت أنا وقلت: هناك أحسن، قال: عندي خبر، أنا توقعت أن يقول لي: جزاك الله خيراً، وبارك الله فيك، لكن سدها في وجهي من كل الجهات، وقال لي: عندي خبر، أدري أن كلام الرحمن أحسن من كلام الشيطان، لكن إذا كنت أختار شيئاً فسأختار كلام الشيطان، فهذا عصيان مع سبق الإصرار والترصد، ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤]، قلت له: ستر الله عليك، وقد تقول: هذه معصية وهو تحت المشيئة: إن شاء الله عذبه وإن شاء رحمه، لكن أقول: أوصل بنا ضعف الإيمان إلى درجة أننا نكفر بالله مع سبق الإصرار؟! نسأل الله العفو والعافية.
وأحد الشباب يروي لي خبر قصته مع رئيسه فيقول: كلمني بالليل وقال لي: ائتني غداً إلى المطار؛ فإننا سنسافر إلى البلد الفلاني في مهمة عمل، فلا تتأخر فإن الحجز قد تمّ، والإجراءات قد انتهت، فقلت: مهمة عمل في تلك البلاد، وهي أيضاً بلاد مشهورة بالسحر والشعوذة والكهانة!! يقول: وفي الصباح كنت في المطار، فانتقلنا حتى وصلنا إلى تلك الديار، فلما أنهينا إجراءات السفر خرجنا من صالة المطار، فبدأ الرئيس يتكلم مع سواقي سيارات الأجرة ويسألهم عن أماكن السحرة والمشعوذين فقلت له: اتق الله، فما جئنا من أجل هذا، فقال: لا تتدخل، فقلت: كيف لا أتدخل ونحن لم نأت من أجل هذا! قال: لا تتدخل، قلت: يا شيخ! هذا كفر، قال: عندي خبر، أدري أنه كفر لكن أنا مضطر، فقلت: المضطر يدعو الذي قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، والمضطر يدعو الذي قال: ﴿َإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، والمضطر يدعو الذي قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، والمضطر يلجأ إلى الله، فالملوك والوزراء والرؤساء تقفل أبوابها في ساعات معينة وباب الرحمن مفتوح بالليل وبالنهار.
التقى أحدهم برجل في الحرم، فقال له: ادعُ فإني مضطر، قال: ادعه أنت فإنه يجيب المضطر، ولا بد حين ندعو الله أن نصدق معه، وأن ندعوه بقلوب حاضرة، فلا ندعوه باللسان والقلب في مكان آخر، فعظمة الإنسان وتحقيقه للعبودية تكون في لجوئه إلى الله تعالى.
وقد التقى أحد الأمراء بأحد علماء السلف في الحرم المكي يوماً فقال له: أما لك حاجة نقضيها لك؟ أي: أنه يريد أن يتقرب إلى هذا العالم، فقال العالم: أستحي أن أسألك وأنا في بيته، فانتظر الأمير حتى خرج العالم من الحرم، فقال له: سلني الآن، فقال: أسألك من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا، قال: لم أسأل ذلك ممن يملكه أفأسألك أنت؟ فعظمتنا تخلد إذا لجأنا إلى الله، لكن لابد أن ندعوه بقلب صادق.
إن الحجاج بن يوسف الثقفي على ما عنده من المساوئ لديه الكثير من الأخبار العظيمة، فهو الذي جزأ القرآن ثلاثين جزءاً وحزب القرآن، وقد رأى رجلاً أعمىً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يدعو ويقول: اللهم رد عليّ بصري! اللهم رد علي بصري! اللهم رد علي بصري! ثم وجده في اليوم الثاني في نفس المكان، وهو متعلق بأستار الكعبة ويدعو بنفس الدعاء، فقال له الحجاج: إذا لم يرد الله لك بصرك في الغد فسأقطع رقبتك، فلما جاءه في اليوم الثالث وجده مبصراً عند الكعبة، فقيل للحجاج: لماذا قلت له هذا؟ قال: وجدته يدعو بقلب ساهٍ، لكن عندما عرف أن الأمر فيه موت ألحّ، ودعا من قلبه.
فهكذا نريد ونحن ندعوه ونقول: يا رب! نريدها أن تخرج من صميم القلب لا من أطراف اللسان، قال النبي ﷺ : (لا تفضلوني على يونس بن متى)، قال بعض شراح الحديث: عندما كان يونس بن متى في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت قائلاً: إني جعلت بطنك له مسكناً، ولم أجعله لك طعاماً، فاستجاب الحوت للأوامر، ولما كان يونس ﵇ في بطن الحوت ظن أنه قد مات، فمس قدميه فإذا هي تتحرك، فعلم أنه حي، فقام يصلي، فسمع تسبيح الحوت والأسماك في قعر الأرض، فبدأ يسبح لله، وقام يصلي كعادته، ثم قال في دعائه لله: واتخذت لك مسجداً لم يتخذه أحداً من قبلي، فسبحان الله! يناجى وهو في بطن الحوت، وذلك في أدنى الدرجات تحت الأرض؛ في قاع البحر، وبلغ النبي ﷺ أعلى الدرجات في السماء، وذلك عند سدرة المنتهى، فمعنى قول النبي ﷺ (لا تفضلوني على يونس بن متى): أنه عندما كان يونس في بطن الحوت وأنا عند سدرة المنتهى لم أكن أقرب إلى الله منه، فالله قريب سميع مجيب.
فلا بد أن نعرف كيف نطرق الباب فقط، فهناك تستجاب الدعوات، وتقضى الحاجات، أسأل الله أن يتقبل دعائي ودعائكم، وأن يفرج همي وهمكم، وأن يعفو عن ذنبي وذنبكم.
стр. 584
الحث على صلاة الفجر في جماعة
السؤال
بعض الإخوة - مع قصر الليل هذه الأيام- يتهاونون في حضور صلاة الفجر مع جماعة المسلمين، ويتهاونون في أدائها في وقتها، فهل من كلمة تبيِّن كيف يفعل الإنسان حتى لا تفوته صلاة الفجر؟
الجواب
إذا أردت أن تعرف أن الله يحبك أم لا - وكلنا يريد أن يعرف إن كان الله يحبه أم لا، وتتفاوت درجات المحبة، فعلى قدر حبك أنت يحبك الله، وعلى قدر صدقك أنت مع الله يصدق الله معك - فإذا وُفِّقت لصلاة الفجر والناس نيام فاعلم أن الله يحبك، وإذا جلست في مصلاك والناس قد صلوا الفجر وانطلقوا إلى فرشهم وأنت جالس فاعلم أن الله يحبك أكثر منهم، وإذا ركعت أربعاً من الضحى فاعلم أن الله يحبك، وإذا حافظت على أربع قبل الظهر وأربع بعدها، وخشعت لله في صلاتك فاعلم أن الله يحبك، وإذا وفِّقت للدعوة والبذل والعطاء فاعلم أن الله يحبك، وإذا وقعت في المعصية فاعلم أن الله قد تخلى عنك، وإذا وقعت في المعصية فاعلم أن الله قد وكلك إلى نفسك.
واعلم أن الله يصرف عنك المأساة وأنت لا تشعر، ولو ترك ابن آدم إلى نفسه لوقع، فهذا نبي الله يوسف اعترف واستسلم وقال: ﴿وََإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٢ - ٣٣]، فقال الله: ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف:٣٤]، فلما كان مُخلَصاً صرفت عنه السوء والفحشاء، فإذا وفقت لصلاة الفجر فاعلم أن الله يحبك.
لقد قامت جارية تصلي من الليل فأيقظت سيدها فأبى الاستيقاظ، فكررت المحاولة فأبى الاستيقاظ، فتوضأت وأحسنت الوضوء وانطلقت تصلي، فقام قبيل الفجر بقليل، وليس من قام ساعة كمن قام ساعات، وليس من وقف عند الباب دقيقة كمن يقف عند الباب ساعة، فبحث عنها فوجدها في ناحية من نواحي البيت تصلي ساجدة تناجي ربها وتقول: اللهم! إني أسألك بحبك لي إلا غفرت لي، فلما انتهت من صلاتها قال لها سيدها: من أين عرفتِ أنه يحبك، أو كيف عرفت أنه يحبك؟ قالت: أما أَنامَك وأقامني بين يديه؟ أما وفقني للقيام وأنت تغط في سبات عميق؟ فلا يوقف بين يديه من إلا الذين يحبهم.
إن صلاة الفجر تشكو من زمن وليس من اليوم، فالوقت بدأ يتراجع، والصفوف تنقص، والمشكلة أننا في أزمات، وعند الأزمات لابد أن نصدق مع الله، فلن تنفرج الأزمات إلا إذا صدقنا مع الله، وما أجمل تلك العبارات التي أراها ملقاة ومعلقة في كثير من الأماكن: إذا أردنا النصر فلنصلِّ الفجر؛ لأن صلاة الفجر انتصار على النفس، وانتصار على الشهوات، وانتصار على الرغبات، وانتصار على الشيطان.
جاء عند الترمذي: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، إحداهن بالتراب)، وفي رواية: (أولاهن)، وفي رواية: (أخراهن)، وتأمل هذا الحديث: سئل النبي ﷺ عن رجل نام عن صلاة الفجر حتى أشرقت الشمس؟ فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه).
الآن بول الكلب وإلا بول الشيطان؟ بول الشيطان، فإذا استيقظ هذا الذي بال الشيطان على أذنيه أول شيء يسويه ما هو؟ يغسل أذنيه سبعاً إحداهن بالتراب.
إن مأساتنا مع الفجر مأساة كبيرة، فقد زرت مدرسة من أيام ماضية تعداد طلابها (٤٠٠) طالب، وقبلها بأيام زرت مدرسة تعدادها طلابها (٨٠٠)، بعد المقدمة والأخذ والعطاء قلت: اصدقوني القول: من منكم صلى الفجر اليوم في جماعة؟ وتعداد لطلاب (٤٠٠) فلم يتجاوزوا العشرين طالباً، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، والمدرسة التي قبلها عددهم مع المدرسين (٨٠٠)، فلم يتجاوزوا العشرين، أي: أن (٧٨٠) من بيوت المسلمين تعيش في غفلة، فالشيطان يبول على آذان أهلها في كل يوم، فكيف يتغير الواقع؟ وإذا أردت أن تعرف مقدار المأساة فاخرج إذا أذن الفجر إلى الشوارع فإنك لا تكاد ترى سيارة تتحرك، ولا تكاد ترى بشراً يسيرون في الطرقات، ثم مر بجانب البيوت فإنك لا تسمع صوتاً، وتدخل المسجد فتجد آباء وكبار في السن وقلة قليلة من الشباب الذين هداهم الله، ثم قم وأخرج بعد صلاة الفجر بساعة إلى الشوارع فسترى الزحام والأصوات من كل مكان، فسبحان الله! كيف ننتصر على أعدائنا ولم ننتصر على أنفسنا؟!! ﴿إن الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، وحتى الشباب الصالح لنا عليه مآخذ، فكثير منهم إلى الآن لم يصدق، فترى بعضهم يصلي سنة الفجر يومياً بعد الفجر، وترى كثيراً من الشباب الصالح تفوته الركعة والركعتان، وترى كثيراً من الشباب الصالح قد يصلي في الجماعات الثانية، وقد كان الجيل الأول يقولون: إذا رأيت الرجل تفوته تكبيرة الإحرام، فكيف إذا رأونا؟ فإذا لم نصدق في التربية فإن الواقع لا يتغير، والهداية إنما تأتي من الاتباع، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، والهداية ليست درجة واحدة، بل هي درجات، فكل من صَدق صُدق معه، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، والحديث يقول: (من صلى لله في جماعة أربعين يوم يدرك تكبيرة الإحرام كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، فما تريد أكثر من هذا؟ إذا جاءك صك براءة من النار، فهذا يعني أنك من أهل الجنة، وصك براءة من النفاق، وهذا يعني أنك ستسلم من الفتن، فنريد أن نصدق في الأربعين يوماً، فهذا سعيد بن المسيب لم تفته تكبيرة الإحرام أربعين سنة، وهذا ميمون بن مهران الأعمش يقول لبناته ساعة وفاته: على ماذا البكاء وأنا خمسون عاماً لم تفتني صلاة الجماعة؟! فنريد أنا وأنت أن نصدق في الأربعين يوماً فقط، فوالله الذي لا إله إلا هو! لو جرِّبت فإنك سترى الأثر العظيم بعد الأربعين.
يقول ابن القيم ﵀: وما حافظ عبد على عمل صالح أربعين يوماً إلا فُتح له باب هذا العمل.
وليس هناك أعظم من تكبيرة الإحرام، وقد قال لي أحد الشباب: دائماً وأنت تدندن على مسامعنا: تكبيرة الإحرام، تكبيرة الإحرام، فماذا؟ فأقول: وهل يصنع الأبطال إلا في الصفوف الأُوَل مع تكبيرات الإحرام، واعلم أن من أراد إدراك المفاخر لم يرضَ بالصف الآخر، ومن يطلب الحوراء لم يغلها المهر، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، فأهل الصفوف الأولى يُعرفون، فهم أهل همم عالية، يقول: دائماً وأنت تدندن علينا، فقلت له: لأن تكبيرة الإحرام تصنع رجالاً يعتمد عليهم، فالرجل يعرف من صلاته، فقد رأى عمر رجلاً يصلي مرةً صلاة عجيبة أُعجب فيها عمر صاحبُ الفراسة، فقال بعد أن انتهى الرجل من صلاته: ائتوني بهذا الرجل، فلما جاءه قال له عمر: نريد نستخدمك في بعض أمورنا، قال: يا أمير المؤمنين! أنا لا أصلح لجمع الصدقات والزكوات، وإنما أصلح للموت في سبيل الله، فقال عمر: من أجل هذا أردناك، فعينه قائداً على جيش من جيوشه، إنه النعمان بن المقرن ﵁ وأرضاه، فقد عرفه عمر من صلاته، فصلاتي أنا وأنت اليوم مثل صلاتي وصلاتك بالأمس، وصلاتنا غداً هي نفس الصلاة لم تتقدم ولم تتأخر، وقد بدأ الله صفات الفلاح بالصلاة وختمها بالصلاة فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:٩ - ١٠].
عبد الله! اصدق مع الله يصدق الله معك، وخذ بالأسباب التي تعينك على الاستيقاظ، والسهر منهي عنه أصلاً بعد صلاة العشاء، فعلى ماذا نسهر؟ فالصالحون قد يسهرون على مباحات لكن والله! ما ذبحنا إلا المباحات وما قتلنا إلا السهر أمام المباحات، فلا تظن أن الذنوب والمعاصي فقط هي التي تقسي القلب، بل إن المباحات والإفراط فيها تقسي القلوب أيضاً إذا زادت على حد الضرورة، فهي من الفضول، فاصدق في أخذ الأسباب، وبدل الساعة الواحدة ضع ثنتين، وأوصي فلاناً أن يوقظك، فوالله إني منذ أن حملت الجوال في جيبي منذ سنوات وأنا وأحد الإخوان كل واحد منا يتعاهد صاحبه، فالذي يقوم قبل يدق على صاحبه ولا يتوقف حتى يضغط الآخر أن الرقم مشغول، أي: أنه قد استيقظ، فلماذا لا نتواصى فيما بيننا، وما هي قيمة الهواتف والجوالات إذا لم نستخدمها في طاعة الله، فالصادق يُعرف، وإذا صدق العبد مع الله صدق الله معه، وإذا صدق في نيته صدق الله معه في تأييده ونصرته، فبعضهم يضع بدل المنبه منبهين، وأحدهم يقول فيما ذكره الشيخ المنجد في كتيب اسمه (شكاوى وحلول) أو لعله: (مشكلتك لها حل) ذكر مشكلة النوم عن صلاة الفجر فقال: كل مشكلة لها جانب علمي وجانب عملي، فالجانب العلمي: أننا نعرف الأجر المترتب على المحافظة، والأجر المترتب على التخلف، ثم قال: ولا بد من جانب عملي حتى نحل المشكلة، ثم ذكر النية الصادقة، والنوم المبكر، والوضوء، وذكر أذكار النوم، والنوم على الشق الأيمن، والاستعانة بالآخرين، ثم الأخذ بالأسباب، فأحدهم كان يضع المنبه في قدر، ثم يضع القدر في الدولاب، فإذا انطلق مع صلاة الفجر تصير ضجة كبيرة في الغرفة فيقوم من مكانه ويحط الكرسي، ثم ينزل القدر ويطفي الساعة، فيطير النوم، وهذه لم يذكرها الشيخ، ولكن أعرفها، وآخر يربط حبلاً في رجله ويرميه من الشباك فيمر عليه رجل شايب مع الفجر فيقوم بجر الحبل، والصادق يفعل عدة أسباب حتى يحافظ على صلاة الفجر، فالله الله يا إخوان! أن نجرب أربعين يوماً كما ذكرنا، وإياك أن يقول المؤذن: الله أكبر وتقول: سأذهب بعد قليل، وإياك أن تسمع المنادي ينادي وتقول: سأفعل هذا، أو سأفعل ذلك، وتذكّر قول الله: ﴿
стр. 585
ذنوبنا تفجرنا
تعد الذنوب والمعاصي من الأسباب الجالبة للفتن والشرور في الدنيا والآخرة، بل سبباً رئيسياً في هلاك الأمم والشعوب.
وإن المتأمل في حال الأمة اليوم وما وصلت إليه من الضعف والهوان، وتسلط بعضها على بعض، يدرك أن سبب ذلك كله يرجع إلى الذنوب والمعاصي، ولا مخرج لهذه الأمة مما هي فيه إلا بالرجوع لكتاب ربها وسنة نبيها محمد ﷺ .
стр. 586
كلام ابن عثيمين في آثار الذنوب على المجتمعات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله! في مثل هذه الظروف الخطيرة، والأحداث المتلاحقة التي تمر بها بلادنا وبلاد المسلمين، نحتاج إلى وقفة صادقة مع أنفسنا ومع الآخرين.
لا بد من عودة ودعوة؛ فنحن لا نحتاج إلى أن نقول: إن هذه الأفعال التي تحدث من تفجيرات ومواجهات أخطاء، فكلنا يعلم ذلك، ولا يقر ولا يرضى بذلك عاقل من العقلاء.
إن في مثل هذه الظروف نحتاج إلى كلام طبيب يرى الأعراض ويصف الدواء، ومن له الحق أن يتكلم في مثل هذه الظروف والأحوال، هل عامة الناس، أم العلماء؟ قال الله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، إن مسألة الأمن من أخطر المسائل التي تمس الأمة، لأنها تمس الجميع، لذا كان لا بد من الرجوع إلى العلماء الربانيين في مثل هذه الأمور الخطيرة، قال الله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣].
ومن أنا حتى أقول لكم: رأيي كذا وكذا؟ لذا قد اخترت لكم كلاماً نفيساً بديعاً لعالم رباني جليل ودَّع الأمة بعد أن ترك فيها أثراً سيستمر إلى يوم الدين، إنه محمد بن عثيمين عالم الأمة الرباني، العالم بأحوالها وأمراضها ودوائها، فهيَّا نستمع معاً لكلام العالم الرباني الجليل، والطبيب المتخصص، والعالم بالمرض والعلاج، قال ﵀: لقد قال الله مبيناً تمام قدرته وكمال حكمته وأن الأمر أمره، وأنه المدبر لعباده كيف يشاء من أمن وخوف ورخاء وشدة، وسعة وضيق، وقلة وكثرة، قال الله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] فلله تعالى في خلقه شئون، يمضي حكمه فيه على ما تقتضيه حكمته وفضله أحياناً، وعلى ما تقتضيه حكمته وعدله أحياناً أخرى، ولا يظلم ربك أحداً: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦].
أيها المسلمون! إننا نؤمن بالله وقدره، إن الإيمان بقدر الله هو أحد أركان الإيمان، إننا نؤمن أن ما يصيبنا من خير ورخاء فهو من نعمة الله علينا فيجب علينا أن نشكر مسديها وموليها بالرجوع إلى طاعته، وباجتناب ما نهى عنه، وفعل ما أمر به، إننا إذا قمنا بطاعة الله ونحن شاكرون لنعمه حينئذٍ نستحق ما وعدنا الله وتفضل به علينا من مزيد هذه النعمة، يقول الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، ويقول تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
ثم واصل كلامه ﵀ قائلاً: إننا في هذه المملكة نعيش -ولله الحمد- في أمن ورخاء، ولكن هذا الأمن والرخاء لن يدوم أبداً حتى نقوم بطاعة الله ، وحتى نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وحتى نعين من يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ لأن هؤلاء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر هم واجهة الأمة، هم الذين يذبون عنها أسباب العقاب والعذاب؛ فعلينا أن نناصرهم، وعلينا أن نكون في صفهم، وعلينا إذا أخطئوا أن نعرف الخطأ وأن نحذرهم منه، وأن نرشدهم إلى ما فيه الهداية، لا أن نجعل ما أخطئوا فيه سبباً لإزالتهم وإبعادهم عن هذا المنصب، إن هذا الدرب ليس بجيد.
وقال: إنما أصاب الناس من ضر وضيق مالي أو من ضر وضيق أمني -فردياً كان أو جماعياً- فبسبب معاصيهم وإهمالهم لأوامر الله ، ونسيانهم شريعة الله، والتماسهم الحكم بين الناس من غير شريعة الله الذي خلق الخلق وكان أرحم بهم من أمهاتهم وآبائهم، وكان أعلم بمصالحهم من أنفسهم، يقول الله مبيناً ذلك في كتابه حتى نحذر وحتى نتبين، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، ويقول تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] وما أصابنا من حسنة من الخيرات والنعم والأمن فإنه من الله، وهو الذي تفضل به أولاً وآخراً، وهو الذي تفضل علينا فقمنا بأسبابه، وهو الذي تفضل علينا فأسبغ علينا نعماءه.
وأما ما أصابنا من سيئات من قحط وخوف وغير ذلك مما يسوءنا فإن ذلك من أنفسنا، ونحن أسبابه، ونحن الذين ظلمنا أنفسنا وأوقعناها في الهلاك.
أيها الناس! إن كثيراً من الناس اليوم يعزون المصائب التي يصابون بها سواء كانت المصائب مالية، اقتصادية، أمنية، سياسية، يعزون هذه المصائب إلى أسباب مادية بحتة، أو إلى أسباب سياسية، أو أسباب مالية، أو أسباب حدودية، ولا شك أن هذا من قصور أفهامهم، وضعف إيمانهم، وغفلتهم عن تدبر كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
أيها المسلمون المؤمنون بالله ورسوله! الراضون بدين الله شرعاً ومنهاجاً! إن وراء هذه الأسباب أسباب شرعية لهذه المصائب أقوى وأعظم وأشد تأثيراً من الأسباب المادية، لكن قد تكون الأسباب المادية وسيلة لما تقتضيه الأسباب الشرعية من المصائب والعقوبات، قال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١].
стр. 587
عقوبة هذه الأمة ليست كعقوبة الأمم السابقة
أيها الناس! أيها المسلمون! يا أمة محمد ﷺ ، اشكروا نعمة الله عليكم بما أنعم به عليكم من هذه النعمة التي ستسمعونها يا أمة محمد! يا أفضل الأمم وأكرمها على الله ! إن الله لم يجعل عقوبة هذه الأمة على معاصيها وذنوبها كعقوبة الأمم السابقة بالهلاك العام المدمر كما حصل لعاد حين أهلكوا بالريح العاتية: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨].
ولم يجعلها كعقوبة ثمود الذين أخذتهم الصيحة والرجفة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:٦٧].
ولم تكن كعقوبة قوم لوط الذين أرسل الله عليهم حاصباً من السماء، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها.
أيها المسلمون! إن الله بحكمته ورحمته بهذه الأمة جعل عقوبتهم على ذنوبهم ومعاصيهم أن يسلط بعضهم على بعض، فيهلك بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، قال الله : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:٦٥ - ٦٦].
وقد أورد الحافظ ابن كثير في تفسيره أحاديث عديدة تتعلق بالآية الأولى، منها ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (لما نزلت هذه الآية: ((قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ)) [الأنعام:٦٥]، قال النبي ﷺ : أعوذ بوجهك الكريم! ((أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)) [الأنعام:٦٥]، قال النبي ﷺ : أعوذ بوجهك الكريم! ((أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)) [الأنعام:٦٥] قال النبي ﷺ : هذه أهون وأيسر).
وما أخرجه مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل ﷺ فصلى ركعتين فصلينا معه، فناجى ربه طويلاً، ثم قال: سألت ربي ثلاثا: سألته ألَّا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالسنة -أي: بالجدب كما حصل لآل فرعون- فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها).
وهذا هو واقعنا اليوم، يوم أن تركنا الجهاد وانشغلنا ببعضنا البعض فأصبح بأسنا بيننا شديد.
وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: وافيت رسول الله ﷺ في ليلة صلاها كلها، حتى كان مع الفجر فسلم ﷺ من صلاته، فقلت: يا رسول الله! لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها! قال رسول الله ﷺ : أجل إنها صلاة رغب ورهب، وقد سألت ربي فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي ألا يظهر علينا عدواً من غيرنا فأعطانيها -وانظر بارك الله فيك فإن الأمة تقاوم الأعداء الخارجيين بكل قوة، فهذه الفلوجة على ما فيها من الضعف تقاوم الأعداء بكل قوة وشراسة لكن بأسنا بيننا شديد - وسألت ربي ألا يلبسنا شيعاً ويذيق بعضنا بأس بعض فمنعنيها).
قال شيخنا ﵀: أيها المسلمون! إنكم تؤمنون بهذه الآيات، وتؤمنون بالأحاديث التي صحت عن النبي ﷺ ، فلماذا لا تفكرون فيها؟ ولماذا لا تعزون هذه المصائب التي تحصل إلى تقصير في دينكم حتى ترجعوا إلى ربكم، وتنقذوا أنفسكم من أسباب الهلاك المدمرة؟! فاتقوا الله عباد الله، وانظروا في أمركم، وتوبوا إلى ربكم، وصححوا إليه مسيرتكم، واعلموا أن هذه العقوبات التي تنزل بكم -أيها الأمة- وهذه الفتن التي تحل بكم إنما هي من أنفسكم وبذنوبكم، فأحدثوا لكل عقوبة توبة ورجوعاً إلى الله، واستعيذوا بالله من الفتن المادية التي تكون في النفوس بالقتل والجرح والتشريد، وفي الأموال بالنقص والدمار، والفتن الدينية والتي تكون في القلوب بالشبهات والشهوات التي تصد الأمة عن دين الله، وتبعدها عن نهج سلفها، وتعصف بها إلى الهاوية.
فإن فتن القلوب أعظم وأشد وأسوأ عاقبة من فتن الدنيا؛ لأن فتن الدنيا إذا وقعت لم يكن فيها خسارة إلا خسارة الدنيا، والدنيا سوف تزول عاجلاً أو آجلاً، أما فتن الدين فإن بها خسارة الدنيا والآخرة، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥].
اللهم إنا نسألك ونحن في انتظار فريضة من فرائضك أن تجعلنا من المعتبرين بآياتك، المتعظين عند نزول عقوباتك.
اللهم اجعلنا من المؤمنين حقاً الذين يعزون ما أصابهم من المصائب إلى أسبابه الحقيقية الشرعية التي بينتها في كتابك، وعلى لسان رسولك محمد ﷺ .
اللهم ارزق الأمة الإسلامية وولاتها رجوعاً إليك، رجوعاً حقيقياً في الظاهر والباطن، في القول والفعل حتى تصلح الأمة؛ لأن صلاح الولاة صلاح للأمة.
اللهم إنا نسألك أن تصلح ولاة أمور المسلمين، وأن ترزقهم الاعتبار بما وقع، وأن توفقهم لما تحب وترضى يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تبعد عنهم كل بطانة سوء إنك على كل شيء قدير، اللهم أبدلهم ببطانة خيِّرة تدلهم على الخير وتأمرهم به، وتحثهم عليه يا رب العالمين.
اللهم اجعلهم سلماً لأوليائك حرباً على أعدائك يا رب العالمين.
اللهم من كان من بطانة ولاة أمور المسلمين ليس ناصحاً لهم ولا لرعيتهم فأبعده عنهم، وأبدلهم خيراً منه يا رب العالمين يا ذا الجلال والإكرام.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 588
أثر الذنوب والمعاصي على الأفراد والمجتمعات
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد: أواصل معكم حديث الشيخ ﵀ حيث قال: يا عباد! اتقوا الله وإياكم والغفلة عن شريعة الله! إياكم والغفلة عن آيات الله! إياكم والغفلة عن تدبر كتاب الله! إياكم والغفلة عن معرفة سنة رسول الله ﷺ ! فإن في كتاب الله وسنة رسول الله سعادتكم في الدنيا والآخرة إن التزمتم بهما تصديقاً للأخبار وامتثالاً للأوامر.
عباد الله! إن من الناس من يشكون ويشككون في كون المعاصي سبباً للمصائب، وذلك لضعف إيمانهم وقلة تدبرهم لكتاب الله ، وإني أتلو على هذا وأمثاله قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٩].
قال بعض السلف: إذا رأيت الله ينعم على شخص ورأيت هذا الشخص متمادياً في معصيته فاعلم أن هذا من مكر الله به، وأنه داخل في قوله تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٢ - ١٨٣].
أيها المسلمون! يا عباد الله، والله إن المعاصي لتؤثر في أمن البلاد، وتؤثر في رخائها واقتصادها، وتؤثر في قلوب الشعوب، إن المعاصي لتوجب نفور الناس بعضهم عن بعض، إن المعاصي لتوجب أن يرى كل مسلم أخاه المسلم وكأنه على ملة أخرى غير ملة الإسلام، ولكن إذا كنا مصلحين لأنفسنا ولأهلنا ولجيراننا ولأهل حارتنا ولكل من نستطيع إصلاحه، وكنا نأتمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر، ونؤازر من يقوم بذلك بالحكمة والموعظة الحسنة فإنه بذلك يكون الاجتماع والائتلاف، يقول الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٤ - ١٠٥].
واسمع بارك الله فيك، اسمع كلام الرحمن! ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] إني أدعو نفسي وإياكم -يقول شيخنا ﵀ ولم يشهد هذه المصائب العظام- إني أدعو نفسي وإياكم -أيها الإخوة- إلى أن نتآلف في دين الله ، وأن نتكاتف على إقامة شريعة الله، وأن ينصح بعضنا بعضاً بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نجادل من يحتاج إلى المجادلة بالتي هي أحسن بالأسلوب والإقناع بالحجج الشرعية العقلية، وألا ندع أهل الباطل في باطلهم؛ لأن لهم حقاً علينا، وهو: أن نبين لهم الحق ونرغبهم فيه، وأن نبين لهم الباطل ونحذرهم منه.
أما أن نكون أمة متفرقة لا يلوي بعضنا على بعض، ولا يهتم بعضنا ببعض؛ فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
стр. 589
النظرة المادية والشرعية للمصائب
أيها المسلمون! إنني أكرر وأقول: إنه يجب علينا -ونحن ولله الحمد مسلمون مؤمنون- أن ننظر إلى الأحداث والمصائب نظرة شرعية مقرونة بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؛ لأننا لو نظرنا إليها نظرة مادية لكان غيرنا من الكفار أقوى منا من الناحية المادية وأعظم منا، وبها يتسلطون علينا ويستعبدوننا.
ولكننا إذا نظرنا إليها نظرة شرعية من زاوية الكتاب والسنة فإننا سوف نرجع عما كان سبباً لهذه المصائب، ونحن إذا رجعنا إلى الله، ونصرنا دين الله ، فإن الله يقول في كتابه وهو أصدق القائلين وأقدر الفاعلين: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠ - ٤١].
لم يقل: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا مسارح الفسق واللهو والمجون، ولكنه قال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
وتأمل يا أخي المسلم، كيف قال الله : ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] أكد هذا النصر بمؤكدات لفظية وهي القسم المقدر، واللام التي تدل على التوكيد، ونون التوكيد، وأكد ذلك بمؤكدات معنوية، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] فبقوته وعزته ينصر من ينصره.
وتأمل كيف ختم الآيتين بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] فإن الإنسان قد يقول بفكره الخاطئ: كيف ننتصر على هذه الأمم الكافرة وهي أقوى منا وأعتى منا؟ فبيَّن الله تعالى أن الأمر إلى الله وحده وأنه على كل شيء قدير.
ولا يخفى علينا جميعاً ما تحدثه الزلازل التي تكون بأمر الله بأن يقول للشيء كن فيكون، فيحدث من الدمار العظيم الشامل في لحظة واحدة ما لا تحدثه قوى هذه الأمم مجتمعة، يحدث في لحظات رب الأرض والسماوات من الدمار العظيم الشامل ما لا تحدثه قوى هذه الأمة إذا كانت مجتمعة.
والله لو نصرنا الله حق النصر لانتصرنا على كل عدو لنا في الأرض، لكن مع الأسف أن كثيراً منا كانوا أذيالاً لأعداء الله وأعداء رسوله، ينظرون ماذا يفعلون من المحادة لله ورسوله فيتبعونهم على ذلك، وربما يذهبون إلى بلادهم فيلقون بأفلاذ أكبادهم من الأولاد بنين وبنات، ومن أهل تلك الديار التي لا تسمع فيها إلا النواقيس، لا تسمع فيها أذاناً، لا تسمع فيها ذكراً لله ، لا ترى فيها إلا مسارح اللهو والمجون، فنسأل الله تعالى أن يرد ضال هذه الأمة إليه رداً جميلاً.
انتهى كلامه ﵀، قلت: إلى الله المشتكى! كيف لو نظر ابن عثيمين في ما أصابنا من الدمار والفرقة والشقاق! كيف لو رأى ابن عثيمين ما صنعت بنا أكاديميات استار!
стр. 590
المخرج من الكوارث والمصائب
عباد الله! كم يشتكي الناس اليوم من الهموم والغموم، وقلة البركة والتوفيق في كثير من الأمور، أما وعدنا الله أن لو حققنا تقواه أن ينزل علينا بركات السماوات والأرض؟! أما وعدنا إن نحن خالفناه أن ينزل علينا العقوبات؟ عباد الله! إلى متى الرقاد والنوم؟! إلى متى تستمر غفلتنا ويستمر لهونا وسط الألم الذي نعانيه؟! إلى متى يستمر ابتعادنا عن طريق عزنا ونصرنا؟! إلى متى ونحن نرى المعاصي ظاهرة في كل مكان: في المنازل في الأسواق في الجرائد في المجلات في الشاشات في المؤسسات في المعاملات بل قل: في كل جوانب حياتنا؟! حرب على الله! فكيف ننتصر إن كنا نحن الذين نحارب الله! وكيف سينصرنا الله ومعاصينا ظاهرة بارزة في كل مكان! ألم ندرك بعد ونتيقن أن ذلك هو سبب ذلنا وضعفنا وهواننا؟! إلى متى عباد الله ونحن نبارز جبار السماوات والأرضين بالمعاصي؟! أما نخاف، أما نخشى؟! هل تناسينا وعده ووعيده وعقابه؟! قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦].
أما آن أن نصحو من غفلتنا، أم أننا لن نصحو إلا عندما تأتي علينا الطامات والعقوبات التي بدأنا نرى نذرها تلوح في السماء، ونكون وقتها استحققناها بإعراضنا وقسوة قلوبنا! قال الله: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٣ - ٤٤].
ما الذي أهلك القرى والأمم السابقة؟ أليست الذنوب والمعاصي! ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].
стр. 591
العاصي يشارك في إضعاف وهزيمة الأمة
وأخيراً: أهمس لأولئك الذين يستهينون بالمنكرات والأوامر الشرعية صغيرة كانت أو كبيرة، وسط هذا الوسط المؤلم الخطير الذي تعيشه بلادنا وأمتنا أن ينتبهوا إلى أن معاصيهم ومنكراتهم لا تعود بالضرر عليهم فقط، بل يعود على الأمة بأكملها، فهم من أسباب الانهزام والتآكل والضعف، ومن المؤلم أنه على رغم الأحداث الأخيرة الخطيرة التي مرت بنا، فإن الكثير من المسلمين أفراداً ومجتمعات لا زالوا مصرين على الذنوب والابتعاد عن منهج الله، بل بعضهم يجاهر بمعاصيه في كل مكان.
والله إن هذه خيانة لله ولرسوله، والله إنها خيانة لله ولرسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧].
إن كل عاصٍ متخلف عن أوامر الله هو من أسباب ضعف الأمة، وكل مطيع سائر على الصراط المستقيم هو من أسباب نصرها.
من صلى الفجر اليوم في جماعة فهو من أنصار هذا الدين، فأسألك بالله العظيم هل كنت في صفوف الذين صلوا ودعوا وتضرعوا، أم كنت في صفوف المتخلفين؟! وهل كنت سبباً من أسباب قوة الأمة اليوم، أم من أسباب ضعفها؟! قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦].
إن الله لا يجامل أحداًَ، ولا يحابي أحداً، فليس بيننا وبين الله إلا هذا الدين، إن قمنا به ونصرناه فلقد وعدنا بالنصر والتمكين، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
فاتقوا الله عباد الله! فإنه ليس هناك عاقل يرضى بما يحدث في بلادنا وفي بلاد المسلمين، لكن قبل أن نُخطَّئ بعضنا البعض لا بد أن نراجع الحسابات، ولا بد على الراعي والرعية أن يتكاتفوا فيما بينهم لإنقاذ السفينة من الغرق، ولا بد على الراعي والرعية أن يتناصحوا فيما بينهم لإنقاذ السفينة من الغرق.
اللهم من أرادنا وبلادنا وبلاد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره في تدميره، وكيده في نحره يا رب العالمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم طهر بلادنا وبلاد المسلمين من الفواحش والمنكرات ما ظهر منها وما بطن يا رب الأرض والسماوات.
اللهم امنن علينا بتوبة نصوح يا رب العالمين، واغفر ذنب المذنبين، واقبل توبة التائبين، وردنا إليك رداً جميلا يا رب العالمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين، اللهم من حاد منهم عن الصواب فرده إلى الحق والصراط المستقيم يا رب العالمين، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق يا جبار السماوات والأرضين.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم أيدهم بتأييدك يا حي يا قيوم.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا، وقنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اجمع كلمة حكام المسلمين على الحق يا رب العالمين، وأصلح الراعي والرعية يا رحمان السماوات والأرضين.
اللهم اكبت عدوك وعدونا من اليهود والنصارى الذين يمكرون بنا مكر الليل والنهار، ندرأ بك اللهم في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم اجمع قلوبنا على الحق يا حي يا قيوم.
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 592
قعيد أحيا أمة
إن اليهود بمكرهم وخداعهم قد وقفوا ضد كل من يعارضهم في فسقهم وفسادهم عبر العصور والأزمان، فقتلوا الأنبياء وأثاروا القلاقل والفتن في كل زمان ومكان، ومازالوا يتوارثون هذا الحقد الدفين على أهل الإسلام والمسلمين، فسلكوا شتى الوسائل والمؤامرات من قتل وسفك وتشريد لأبناء المسلمين على أرض فلسطين، ويا للأسف! فقد صارت الأمة مكتوفة الأيدي عن نصرة إخوانها المسلمين!
стр. 593
جرائم اليهود عبر التاريخ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 594
اليهود أهل الفتن والقلاقل
عباد الله! إن جريمة اليهود الأخيرة حين اغتالوا شيخنا أحمد ياسين ليست بالجريمة الأولى، ولن تكون الأخيرة، فلقد واجه اليهود الإسلام بالعداء منذ اللحظة الأولى لقيام دولة الإسلام المجيد، فألبوا على الإسلام والمسلمين كل قوى الجزيرة العربية، وذهبوا يجمعون القبائل المتفرقة لحرب المسلمين، ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]، ولما غلبهم الإسلام بعز عزيز استمروا يكيدون له ببث المفتريات، وبالفت بين صفوف المسلمين وإثارة الفتن بينهم، وتأليب خصومهم عليهم، فاليهود هم الذين ألبوا الأحزاب على الدولة المسلمة الأولى في المدينة، فرد الله كيدهم في نحورهم.
واليهود هم الذين ألبوا العوام، وجمعوا الشراذم، وأطلقوا الشائعات في فتنة مقتل عثمان ﵁، وما تلاها من النكبات.
أليس الذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث النبي ﷺ في الروايات والسير يهودي منهم؟! قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]، كما حرفوا التوراة والإنجيل.
وفي عصرنا هذا، أليسوا هم الذين يقودون المعركة على الإسلام في كل شبر على وجه الأرض؟! أليسوا هم الذين يستخدمون الصليبية والوثنية في هذه الحرب الشاملة؟! أليسوا هم الذين يصنعون العملاء الذين يتسمون بأسماء المسلمين ويجعلونهم أبطالاً، ثم يشنون بهم حرباً صليبية صهيونية على كل جذر من جذور هذا الدين؟! وهل يغيب عنا وعن كل مسلم أنهم كانوا خلف إسقاط الخلافة الأخيرة، وكانوا وراء إثارة النعرات والانقلابات التي انتهت بإلغاء الخلافة وتقسيم بلاد المسلمين إلى دويلات؟! وهل يغيب عنا أن الذي فعل كل هذا هو أتاتورك اليهودي عليه لعنة الله؟! أليسوا هم الذين يقودون اليوم حملة التشويه ضد الإسلام وضد نبي الإسلام؟! فإن كانوا قد دبروا مؤامرة اغتيال الشيخ أحمد ياسين فلقد دبروا مؤامرات ومؤامرات لاغتيال نبينا ﷺ مرات ومرات.
стр. 595
اليهود قتلة الأنبياء
ولقد قاموا بقتل الأنبياء قبل ذلك وتآمروا على قتل عيسى ﵇، فأخزاهم الله حتى أصبح اسمهم: قتلة الأنبياء، ولقد وصفهم القرآن بهذه الجريمة الشنيعة فقال الله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة:٧٠]، وقال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١]، فلديهم جرأة عجيبة على الفتك بدعاة الحق للتخلص من معارضتهم لجرائمهم، ولوقوفهم في وجه أهوائهم حتى ولو كان هؤلاء الدعاة من أنبيائهم! فهاهو قاض من قضاتهم يقتل نبي الله حزقيال ﵇؛ لأنه نهاه عن منكرات فعلها.
ثم هاهو أحد ملوكهم يقال له: منسي يقتل نبي الله أشعيا بن أموص ﵇، ويأمر بنشره على جذع شجرة في سنة سبعمائة قبل الميلاد؛ لأنه كان ينصحه ويعظه بترك السيئات والموبقات.
وقاموا برجم نبي الله آرميا ﵇؛ لأنه أكثر من توبيخهم على منكرات أعمالهم وكبائر معاصيهم.
وقام ملك من ملوكهم يقال له: هيرودس بقتل نبي الله يحيى ﵇، فقد كان هذا الملك شريراً فاسقاً، وكانت له ابنة أخ يقال لها: هيروديا، وكانت بارعة الجمال، فأراد عمها الملك أن يتزوج بها مخالفاً بذلك كل الشرائع السماوية، وكانت البنت وأمها تريدان هذا الزواج، فانتشر بين الرجال والنساء، فلما علم يحيى ﵇ بذلك أعلن معارضته لهذا الزواج، وبين حرمة هذا الزواج في شرع الله، فلا يحل للعم أن يتزوج بابنة أخيه بأي حال من الأحوال، وهم يريدون أن ينتهكوا المحارم دون أن ينكر عليهم أحد، فحقدت أم الفتاة على يحيى وبيتت له مكيدة قتل، فزينت ابنتها هيروديا بأحسن زينتها وأدخلتها على عمها، فرقصت أمامه حتى ملكت مشاعره، فقال لها: تمني علي، فقالت له: أريد رأس يحيى بن زكريا في هذا الطبق، كما علمتها أمها الفاجرة، فاستجاب لطلبها وأمر برأس يحيى ﵇ فقتل، وقدم لها رأسه في طبق والدم ينزف منه! وكان ذلك في سنة ثلاثين ميلادية.
قال المؤرخون: وفي حادثة مقتل يحيى ﵇ قتل عدد كبير من العلماء ممن أنكر على ذلك الحاكم هذا العمل الشنيع، ثم قام هذا الملك أيضاً بقتل زكريا ﵇؛ لأنه دافع عن ابنه يحيى ﵉؛ ولأنه عارض ذلك الزواج الفاسد، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠].
стр. 596
محاولة اليهود قتل عيسى ﵇
ولم تنته مؤامراتهم ومحاولات اغتيال الأنبياء بعد تلك الحادثة، بل قاموا بعدها بسنوات ثلاث بمحاولة اغتيال عيسى ﵇ الذي فضح دسائسهم وتزييفهم لدينهم، فاجتمع عظماؤهم وأحبارهم فقالوا: إنا نخاف من عيسى أن يفسد علينا ديننا ويتبعه الناس، وهم يقصدون ذلك الدين المزيف الذي زيفوه وغيروه وبدلوه، فقال لهم رئيس كهنتهم يومئذٍ واسمه قيانا: لأن يموت رجل واحد خير من أن يذهب الشعب بأسره، فهم يريدون أن يموت نبي الله فداء لتزييفهم ومنكراتهم، فأفتى باستباحة قتل عيسى ﵇، فكشف الله أمرهم، وأنقذ نبيه من بين أيديهم، فخرج عيسى واختفى عن أعينهم ودخل القدس، وتلقاه أصحابه بقلوب النخل، فقال المسيح عيسى لأصحابه الحواريين: إن بعضكم ممن يأكل ويشرب معي يدل علي! الله أكبر! فالنفاق موجود من غابر الزمان، قاتل الله النفاق والمنافقين والخونة والخائنين، فدل على مكانه ذلك الخائن، فدخلوا إلى المكان الذي كان فيه عيسى ﵇، فألقى الله شبهه عليه، وغشى الله على أعينهم فلم يروا عيسى، وقاموا بقتل وصلب ذلك الذي دلهم وخان الأنبياء، فلما انكشف الأمر بعد الصلب أخفوا ذلك الأمر؛ لئلا يؤمن الناس بديانة عيسى ﵇، وحتى لا يتأكدوا من صدق نبوته ورسالته.
ومما يدل على أنهم لم يستطيعوا قتل عيسى ﵇ أو صلبه قول الله جل في علاه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا * فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٦١].
стр. 597
هجرة اليهود إلى المدينة المنورة قبل الإسلام وعداوتهم للنبي ﷺ
ثم بعد عيسى ﵇ كان من اليهود من اختار الهجرة إلى يثرب والمناطق الواقعة على طريق الشام، وسبب ذلك: ما يقرءون في كتبهم من البشائر بالنبي المنتظر الذي سيظهر الله به الدين، وكانوا يزعمون أنه لابد أن يكون هذا النبي المنتظر من بني إسرائيل، وأنهم سيكونون أول من يتبعه، وسيقاتلون العرب الوثنيين معه، وسيستعيدون ملك بني إسرائيل في الأرض، وهي أحلام وأوهام! ولما لم يأتِ هذا النبي الموعود به من بني إسرائيل وجاء من العرب أولاد إسماعيل ﵇ حسدوهم -والحسد خصلة متوارثة فيهم- فكفروا به، وكفر به عامة اليهود ولم يؤمن منهم إلا قليل، ولم يكن الباعث لمن كفر منهم أن قلوبهم لم تصدقه، كلا، فهم قد عرفوه بصفاته المذكورة عندهم، وإنما كفروا به بغياً وحسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، وقد أوضح الله ذلك في كتابه فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة:١٤٦ - ١٤٧].
تقول أم المؤمنين صفية ﵂ وأرضاها: (لما نزل النبي ﷺ المدينة ونزل بقباء غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر مغلسين -أي: في الصباح الباكر بعد الفجر-، قالت صفية: فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، فأتيا كالين كسلانين، قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت)، فقد تأكدا وهما من أحبار اليهود أنه هو الرسول المنتظر وتلك صفاته التي جاءت في كتبهم، لكنه الحقد الأسود، والحسد الذي ملأ قلوبهم، وهذه مشكلة إبليس يوم أن خلق الله آدم وشعر بالاستعلاء والاستكبار، فاليهود والشيطان سواء، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩].
стр. 598
نقض يهود بني قينقاع للعهد
ثم لما أقام النبي ﷺ في المدينة، أقام بينه وبينهم عهوداً ومواثيق وحسن جوار، فلم يزالوا ينقضون العهود والمواثيق، ويبرمون الخيانات، ويكيدون المكائد حتى نفد صبر النبي ﷺ وبدأ بإجلائهم من المدينة، وذلك بعد تجرئهم على نساء المسلمين، فبينما امرأة من المسلمات في سوق بني قينقاع تبيع قطعة ذهب لها، جلست إلى صائغٍ يهودي تشتري منه، وكانت محجبة الوجه، فجعل نفر منهم يستهزئون بها وبحجابها، ويطلبون منها أن تكشف وجهها وتأبى هي ذلك، فالعفيفة لا تكشف وجهها ولا تتخلى عن حجابها، فقد تخرج للسوق لحاجة لكنها لا تتخلى عن حيائها، فعمد الصائغ اليهودي إلى طرف ثوبها من الخلف وعقده إلى ظهرها وهي جالسة دون أن تشعر المرأة بما فعل ذلك اليهودي، فلما قامت انكشفت سوأتها فانطلقت من اليهود ضجة ضحك وسخرية بالمرأة المسلمة العفيفة الطاهرة، فلما أحست المرأة بما فعل الصائغ بها من مكر صاحت واستغاثت بالمسلمين لشرفها المهان في سوق يهود، رفعت صوتها وا إسلاماه! وا إسلاماه! وا إسلاماه! فوثب رجل من المسلمين -استجابة لتلك الصيحات- على الصائغ فقتله في الحال، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فغضب المسلمون لمكر يهود وخيانتهم، فنبذ رسول الله ﷺ عهدهم كما أمره الله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٨]، فدعا النبي ﷺ المسلمين إلى قتالهم، فحاصرهم في حصونهم خمس عشرة ليلة، وألقى الله في قلوبهم الرعب، ولم يستطيعوا أن يصمدوا لقتال المسلمين، وهكذا هم جبناء أذلاء يخافون من أطفال الحجارة، فكيف لو ملك أطفال الحجارة المدفع والدبابة؟! ولما طال عليهم الحصار نزلوا على حكم النبي ﷺ وأمكن الله نبيه منهم، فأراد النبي ﷺ قتل رجالهم، وسبي نسائهم، ومصادرة أموالهم لاعتدائهم على أعراض المسلمين، فتدخل رأس النفاق ابن سلول فقال: يا محمد! أحسن في موالي، وكانوا حلفاء له قبل الإسلام، وما زال المنافق يلح على النبي ﷺ حتى قال له النبي ﷺ كارهاً: (هم لك)، فأجلاهم النبي ﷺ من المدينة وخرجوا منها أذلة صاغرين.
نعم، فلقد تطاولوا على أعراض المسلمات فثارت ثائرة المسلمين، واليوم من يدافع عن أعراضنا في فلسطين وفي الشيشان وكشمير وهنا وهناك؟! يا ألله! فكم ارتفعت أصوات المسلمات والآهات فما وجدت آذاناً صاغية! أذكر إخوتي في كل أرض بأن القدس دنسها اليهود ويا عجباً إلى ما النوم عنها وقد لعبت بمسجدها القرود لئن كانت موانعنا قيود أما للقيد كسر يا أسود أما لليل من أجل قريب يحل مكانه فجر جديد وقال آخر: أحل الكفر بالإسلام ضيماً يطول عليه للدين النحيب فحق ضائع وحمىً مباحٌ وسيف قاطع ودم صبيب أمورٌ لو تأملهن طفل لطفل في عوارضه المشيب أتسبى المسلمات بكل ثغر وعيش المسلمين إذاً يطيب أما لله والإسلام حق يدافع عنه شبانٌ وشيب فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكمُ أجيبوا
стр. 599
مؤامرة اغتيال النبي ﷺ يهود بني النضير
عباد الله! وبعد إجلاء يهود بني قينقاع حاول يهود بني النضير اغتيال النبي ﷺ ، وكان قد انطلق إليهم في أمر بينه وبينهم، فلما جاءهم خلا بعضهم إلى بعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحال أبداًَ، فهل من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟! فانتدبوا رجلاً منهم فقال: أنا لذلك، فنهاهم عنه أحد أحبارهم وهو سلام بن مشكم وقال لهم: هو يعلم، أي: أن الوحي سيخبره وسيفضحكم، فلم يقبلوا منه، فلما صعد أشقاهم ليلقي الصخرة على النبي ﷺ نزل الوحي بالخبر، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وفضح المؤامرة، فانسحب النبي ﷺ من المكان، وشاع خبر مكيدتهم وضج المسلمون من ذلك، فتهيأ النبي ﷺ وأصحابه لقتالهم، فحاصرهم وأخرجهم من المدينة أذلة صاغرين.
стр. 600
دس اليهود السم في الشاة لقتل النبي ﷺ
ولم تنته مؤامراتهم ووسائل المكر والكيد ضد الإسلام ونبي الإسلام، فلما فشلت خططهم الماكرة لجئوا إلى أسلوب الضعفاء والجبناء فحاولوا دس السم للنبي ﷺ ، فقامت بذلك زينب بنت الحارث اليهودية، حيث قدمت للنبي ﷺ شاة مشوية قد دست فيها سماً، وكانت قد سألت: أي عضوٍ من الشاة أحب إلى محمد؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم، فلما وضعتها بين يدي النبي ﷺ تناول الذراع، فأكل منه قضمة فلم يسغها، وكانت معه بشر بن البراء، فأخذ منها كما أخذ النبي ﷺ ، فأما بشر فمضغها وأما النبي ﷺ فلفظها ثم قال: (إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم، ثم دعا بالمرأة اليهودية فاعترفت فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكاً استرحنا منه، وإن كان نبياً فسيخبره الوحي بذلك)، فتجاوز النبي ﷺ عنها، ومات بشر من أكلته التي أكل.
وقد روي أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه لأخت بشر بن البراء وكانت تكنى بـ أم بشر: (يا أم بشر! إن هذا الأوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر)؛ ولذلك رأى كثير من الصحابة أن النبي ﷺ قد مات شهيداً مع ما أكرمه الله من النبوة.
следующие страницы →