← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

محاولة اليهود قتل عيسى ﵇ ولم تنته مؤامراتهم ومحاولات اغتيال الأنبياء بعد تلك الحادثة، بل قاموا بعدها بسنوات ثلاث بمحاولة اغتيال عيسى ﵇ الذي فضح دسائسهم وتزييفهم لدينهم، فاجتمع عظماؤهم وأحبارهم فقالوا: إنا نخاف من عيسى أن يفسد علينا ديننا ويتبعه الناس، وهم يقصدون ذلك الدين المزيف الذي زيفوه وغيروه وبدلوه، فقال لهم رئيس كهنتهم يومئذٍ واسمه قيانا: لأن يموت رجل واحد خير من أن يذهب الشعب بأسره، فهم يريدون أن يموت نبي الله فداء لتزييفهم ومنكراتهم، فأفتى باستباحة قتل عيسى ﵇، فكشف الله أمرهم، وأنقذ نبيه من بين أيديهم، فخرج عيسى واختفى عن أعينهم ودخل القدس، وتلقاه أصحابه بقلوب النخل، فقال المسيح عيسى لأصحابه الحواريين: إن بعضكم ممن يأكل ويشرب معي يدل علي! الله أكبر! فالنفاق موجود من غابر الزمان، قاتل الله النفاق والمنافقين والخونة والخائنين، فدل على مكانه ذلك الخائن، فدخلوا إلى المكان الذي كان فيه عيسى ﵇، فألقى الله شبهه عليه، وغشى الله على أعينهم فلم يروا عيسى، وقاموا بقتل وصلب ذلك الذي دلهم وخان الأنبياء، فلما انكشف الأمر بعد الصلب أخفوا ذلك الأمر؛ لئلا يؤمن الناس بديانة عيسى ﵇، وحتى لا يتأكدوا من صدق نبوته ورسالته. ومما يدل على أنهم لم يستطيعوا قتل عيسى ﵇ أو صلبه قول الله جل في علاه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا * فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٦١].

стр. 597

هجرة اليهود إلى المدينة المنورة قبل الإسلام وعداوتهم للنبي ﷺ ثم بعد عيسى ﵇ كان من اليهود من اختار الهجرة إلى يثرب والمناطق الواقعة على طريق الشام، وسبب ذلك: ما يقرءون في كتبهم من البشائر بالنبي المنتظر الذي سيظهر الله به الدين، وكانوا يزعمون أنه لابد أن يكون هذا النبي المنتظر من بني إسرائيل، وأنهم سيكونون أول من يتبعه، وسيقاتلون العرب الوثنيين معه، وسيستعيدون ملك بني إسرائيل في الأرض، وهي أحلام وأوهام! ولما لم يأتِ هذا النبي الموعود به من بني إسرائيل وجاء من العرب أولاد إسماعيل ﵇ حسدوهم -والحسد خصلة متوارثة فيهم- فكفروا به، وكفر به عامة اليهود ولم يؤمن منهم إلا قليل، ولم يكن الباعث لمن كفر منهم أن قلوبهم لم تصدقه، كلا، فهم قد عرفوه بصفاته المذكورة عندهم، وإنما كفروا به بغياً وحسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، وقد أوضح الله ذلك في كتابه فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة:١٤٦ - ١٤٧]. تقول أم المؤمنين صفية ﵂ وأرضاها: (لما نزل النبي ﷺ المدينة ونزل بقباء غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر مغلسين -أي: في الصباح الباكر بعد الفجر-، قالت صفية: فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، فأتيا كالين كسلانين، قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت)، فقد تأكدا وهما من أحبار اليهود أنه هو الرسول المنتظر وتلك صفاته التي جاءت في كتبهم، لكنه الحقد الأسود، والحسد الذي ملأ قلوبهم، وهذه مشكلة إبليس يوم أن خلق الله آدم وشعر بالاستعلاء والاستكبار، فاليهود والشيطان سواء، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩].

стр. 598

نقض يهود بني قينقاع للعهد ثم لما أقام النبي ﷺ في المدينة، أقام بينه وبينهم عهوداً ومواثيق وحسن جوار، فلم يزالوا ينقضون العهود والمواثيق، ويبرمون الخيانات، ويكيدون المكائد حتى نفد صبر النبي ﷺ وبدأ بإجلائهم من المدينة، وذلك بعد تجرئهم على نساء المسلمين، فبينما امرأة من المسلمات في سوق بني قينقاع تبيع قطعة ذهب لها، جلست إلى صائغٍ يهودي تشتري منه، وكانت محجبة الوجه، فجعل نفر منهم يستهزئون بها وبحجابها، ويطلبون منها أن تكشف وجهها وتأبى هي ذلك، فالعفيفة لا تكشف وجهها ولا تتخلى عن حجابها، فقد تخرج للسوق لحاجة لكنها لا تتخلى عن حيائها، فعمد الصائغ اليهودي إلى طرف ثوبها من الخلف وعقده إلى ظهرها وهي جالسة دون أن تشعر المرأة بما فعل ذلك اليهودي، فلما قامت انكشفت سوأتها فانطلقت من اليهود ضجة ضحك وسخرية بالمرأة المسلمة العفيفة الطاهرة، فلما أحست المرأة بما فعل الصائغ بها من مكر صاحت واستغاثت بالمسلمين لشرفها المهان في سوق يهود، رفعت صوتها وا إسلاماه! وا إسلاماه! وا إسلاماه! فوثب رجل من المسلمين -استجابة لتلك الصيحات- على الصائغ فقتله في الحال، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فغضب المسلمون لمكر يهود وخيانتهم، فنبذ رسول الله ﷺ عهدهم كما أمره الله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٨]، فدعا النبي ﷺ المسلمين إلى قتالهم، فحاصرهم في حصونهم خمس عشرة ليلة، وألقى الله في قلوبهم الرعب، ولم يستطيعوا أن يصمدوا لقتال المسلمين، وهكذا هم جبناء أذلاء يخافون من أطفال الحجارة، فكيف لو ملك أطفال الحجارة المدفع والدبابة؟! ولما طال عليهم الحصار نزلوا على حكم النبي ﷺ وأمكن الله نبيه منهم، فأراد النبي ﷺ قتل رجالهم، وسبي نسائهم، ومصادرة أموالهم لاعتدائهم على أعراض المسلمين، فتدخل رأس النفاق ابن سلول فقال: يا محمد! أحسن في موالي، وكانوا حلفاء له قبل الإسلام، وما زال المنافق يلح على النبي ﷺ حتى قال له النبي ﷺ كارهاً: (هم لك)، فأجلاهم النبي ﷺ من المدينة وخرجوا منها أذلة صاغرين. نعم، فلقد تطاولوا على أعراض المسلمات فثارت ثائرة المسلمين، واليوم من يدافع عن أعراضنا في فلسطين وفي الشيشان وكشمير وهنا وهناك؟! يا ألله! فكم ارتفعت أصوات المسلمات والآهات فما وجدت آذاناً صاغية! أذكر إخوتي في كل أرض بأن القدس دنسها اليهود ويا عجباً إلى ما النوم عنها وقد لعبت بمسجدها القرود لئن كانت موانعنا قيود أما للقيد كسر يا أسود أما لليل من أجل قريب يحل مكانه فجر جديد وقال آخر: أحل الكفر بالإسلام ضيماً يطول عليه للدين النحيب فحق ضائع وحمىً مباحٌ وسيف قاطع ودم صبيب أمورٌ لو تأملهن طفل لطفل في عوارضه المشيب أتسبى المسلمات بكل ثغر وعيش المسلمين إذاً يطيب أما لله والإسلام حق يدافع عنه شبانٌ وشيب فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكمُ أجيبوا

стр. 599

مؤامرة اغتيال النبي ﷺ يهود بني النضير عباد الله! وبعد إجلاء يهود بني قينقاع حاول يهود بني النضير اغتيال النبي ﷺ ، وكان قد انطلق إليهم في أمر بينه وبينهم، فلما جاءهم خلا بعضهم إلى بعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحال أبداًَ، فهل من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟! فانتدبوا رجلاً منهم فقال: أنا لذلك، فنهاهم عنه أحد أحبارهم وهو سلام بن مشكم وقال لهم: هو يعلم، أي: أن الوحي سيخبره وسيفضحكم، فلم يقبلوا منه، فلما صعد أشقاهم ليلقي الصخرة على النبي ﷺ نزل الوحي بالخبر، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وفضح المؤامرة، فانسحب النبي ﷺ من المكان، وشاع خبر مكيدتهم وضج المسلمون من ذلك، فتهيأ النبي ﷺ وأصحابه لقتالهم، فحاصرهم وأخرجهم من المدينة أذلة صاغرين.

стр. 600

دس اليهود السم في الشاة لقتل النبي ﷺ ولم تنته مؤامراتهم ووسائل المكر والكيد ضد الإسلام ونبي الإسلام، فلما فشلت خططهم الماكرة لجئوا إلى أسلوب الضعفاء والجبناء فحاولوا دس السم للنبي ﷺ ، فقامت بذلك زينب بنت الحارث اليهودية، حيث قدمت للنبي ﷺ شاة مشوية قد دست فيها سماً، وكانت قد سألت: أي عضوٍ من الشاة أحب إلى محمد؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم، فلما وضعتها بين يدي النبي ﷺ تناول الذراع، فأكل منه قضمة فلم يسغها، وكانت معه بشر بن البراء، فأخذ منها كما أخذ النبي ﷺ ، فأما بشر فمضغها وأما النبي ﷺ فلفظها ثم قال: (إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم، ثم دعا بالمرأة اليهودية فاعترفت فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكاً استرحنا منه، وإن كان نبياً فسيخبره الوحي بذلك)، فتجاوز النبي ﷺ عنها، ومات بشر من أكلته التي أكل. وقد روي أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه لأخت بشر بن البراء وكانت تكنى بـ أم بشر: (يا أم بشر! إن هذا الأوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر)؛ ولذلك رأى كثير من الصحابة أن النبي ﷺ قد مات شهيداً مع ما أكرمه الله من النبوة.

стр. 601

سحر اليهود للنبي ﷺ ولم يكتفوا بالسم ومحاولات الاغتيال فقط، بل قام ساحر من سحرتهم واسمه لبيد بن الأعصم بعمل سحر للنبي ﷺ ، فقد جاء من حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ سحر حتى إنه كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات ليلة عند عائشة دعا ودعا، ثم قال: يا عائشة! أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه: أتاني رجلان -أي: ملكان على صفة رجلين- وهما جبريل وميكائيل، فقام أحدهما عند رأسي، وقام الآخر عند رجلي، فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب -أي: مسحور- قلت: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم) ثم إن الله أذهب هذا السحر عن جسده ﷺ بسر الدعاء والالتجاء إلى الله، ودله على مكان السحر. فإذا كانت تلك أفعالهم بالأنبياء والمرسلين فلا عجب مما يفعلونه بالشعوب والأمم بسبب حقدهم على البشرية أجمعين. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 602

عبر من حياة الشهيد أحمد ياسين الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. عباد الله! هذه الأحداث التي تتوالى هنا وهناك هي فرصة للمسلمين لتصحيح مسار الصراع، وتحويل مجراه إلى وجهته الحقيقية، فهو صراع دينيٌ منذ أن بدأ، ولكن من طرف واحد، وهو طرف الأعداء، فهم يقاتلوننا بتوراتهم وإنجيلهم، أما المتصدرون للصراع من بني جلدتنا فلقد أرادوها علمانية حتى النخاع، واستسلامية إلى ما تحت القاع. لكم الله يا رجال فلسطين! ولكن الله يا نساء فلسطين! ولكم الله يا أطفال فلسطين! أيا فلسطين من يهديك أفئدة ومن يعيد لك البيت الذي خربا شردت فوق رصيف الدمع باحثة عن الحنان ولكن ما وجدت أبا تلفتي تجدين في مبادئنا من يعبد الجنس أو يعبد الذهبا يا شام إن جراحي لا ضفاف لها فامسحي عن جبيني الحزن والتعبا أتيت من رحم الأحزان يا وطني أقبل الأرض والأمجاد والشهبا أنا قبيلة آلام بكاملها ومن دموعي سقيت الأرض والسحبا يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا وقبر خالد في حمص نلمسه فيرجف القبر من زواره غضبا يا رب حيٍ تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا يا ابن الوليد ألا سيف نؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا أدمت سياط حزيران ظهورهم فأدمنوها فباسوا كف من ضربا وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا؟ يا من يعاتب مذبوحاً على دمه ونفس شريانه ما أسهل العتبا من جرب الكي لا ينسى مواجعه ومن رأى السم لا يسقى كمن شربا حبل الفجيعة ملتفٌ على عنقي من ذا يعاتب مشنوقاً إذا اضطربا عباد الله! إن لم تحفزنا المصائب، وترفع هممنا الآلام والأحزان فما الذي يحركنا ويعلينا؟! يا له من دين لو أن له رجال، والله لولا أن الإسلام حق بذاته مؤيدٌ بتأييد الله، محفوظ بحفظه، لم تلق منه بقية تصارع قوى الشر في الأرض، التي ما تركت سبيلاً من المكر به إلا سلكته، ولا سبباً لإطفاء نوره إلا أخذت به، قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، ويقول: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، والله ما تعرض دين على مر السنين والعقود لمؤامرات ومخططات كما تعرض الإسلام، ولكن الله يقيض لهذا الدين رجالاً يحافظون عليه، ويدافعون عنه، ولا يضرهم من خالفهم أو خذلهم. إنها الهمم التي تصنع الرجال! أحمد ياسين شيخ مشلول على كرسي متنقل، مهدد بالقتل، ثم تأبى نفسه إلا أن يصلي الفجر في جماعة، فتباً للأصحاء والأقوياء الذين آثروا النوم على نداء رب العالمين، فلقد اتصفوا بصفات المنافقين وما أكثرهم، أحمد ياسين شيخ قعيد أيقض الأمة، ونال الشهادة فمتى يتحرك صحيح البدن قعيد الهمة؟! أحمد ياسين يا أول الأطهار! في زمن الرذيلة والبغاء يا راحلاً للخلد لا أرثيك أنت بل لنا الرثاء لن نقبل التعازي فيك، فلقد رفعت رءوسنا وعلمتنا دروساً في التضحية والفداء، أحمد ياسين قالوا: بأنك مقعد، فكيف قعدت على قلب كأنك مشهد، وكيف كسرت الحواجز بين البلاد والعباد؟ ألست بمقعد؟ ركبت إلينا سفينة نوح فأجريتها وعيون البرية تشهد، أحمد ياسين بتضحية العظماء أمثالك يأتي النصر، وبموت أمثالك تحيا الأمة، عشت مقعداً قائداً، ومت شهيداً رائداً، أياسين! ماذا تبقى من العمر حتى تموت؟ أسبعون عاماً آخر؟ تجاوزت في أمنيات الدعاء حدود البشر وسافرت عبر براق الشهادة عبر القمر وخلفت أبناء العروبة يستنكرون ويستصرخون كعادتنا نحن في الشجب لا نتأخر فسافر بعيداً بعيداً فنعم المرا كب ما قد ركبت ونعم السفر إن التخطيط لاغتيال الصادقين من العاملين والمجاهدين في سبيل الله مستمر ولن يتوقف، لقد قتلوا عمر ﵁ في محرابه، وقتلوا عثمان ﵁ وقرآنه بين يديه، وقتلوا علياً ﵁ وهو منطلق إلى مسجده، وهاهم يقتلون أحمد ياسين بعد أن صلى الفجر في جماعة، وفاز بذمة الله، فهنيئاً لك اللحاق بركب الصادقين! هم الرجال بأفياء الجهاد نموا وتحت سقف المعالي والمدى ولدوا جباههم ما انحنت إلا لخالقها وغير من أبدع الأكوان ما عبدوا الخاطبون من الغايات أكرمها والسابقون وغير الله ما قصدوا عباد الله! أمتنا ولودة، أمتنا معطاءة، أمتنا متجددة، فإن كانوا قد قتلوا أحمد ياسين فسيكون هناك ألف أحمد ياسين بإذن الله، فسر قوتنا في معتقدنا، في قرآننا، في تاريخنا، حتى في حجارتنا التي تنطلق من يد صغارنا. نبينا ﷺ يقول: (أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أو في آخره) هاهم أبناء المسلمين في كل مكان يرددون: خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود! فسر قوتنا في شبابنا، في شيبنا، في نسائنا وأطفالنا. سنعيد حياة العز ثانية وسوف نغلب من حادوا ومن كفروا وسوف نبني قصور المجد عالية قوامها السنة الغراء والصور وسوف نفخر بالقرآن في زمن شعوبه بالفسق والخنا افتخروا وسوف نرسم للإسلام خارطة حدودها العز والتمكين والظفر بصحوة ألبس القرآن فتيتها ثوب الشجاعة لا جبن ولا خور بتضحيات العظماء يأت النصر بإذن الله، وبموت الأبطال تحيا الأمة، فلا نامت أعين الجبناء. اللهم تقبل أحمد ياسين، اللهم تقبله في أعلى عليين، وأسكنه في جناتك جناتٍ النعيم، اللهم بلغه أعلى درجات الشهداء والصديقين، اللهم أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه يا رب العالمين! اللهم تقبل شهداءنا في كل مكان يا رب العالمين! اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، اللهم فك أسرانا وأسراهم في كل مكان يا حي يا قيوم! اللهم كن مع إخواننا في فلسطين والشيشان، وكشمير والفلبين والعراق وأفغانستان، كن لهم عوناً وظهيراً، ومؤيداً ونصيراً، اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، اللهم شتت شمل عدوك وعدوهم يا قوي! يا عزيز! اللهم عليك باليهود الغاصبين، والنصارى المعتدين، وأعداء الملة والدين، ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم لا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية، ولا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، وأخرجهم منها أذلة صاغرين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم أصلح الشباب والشيب، واحفظ النساء والأطفال يا رب العالمين! عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون؛ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر.

стр. 603

ابن مسعود والقرآن والصيف صنع القرآن العظيم رجالاً غيروا مجرى التاريخ، وسطروا فيه أروع الأحداث والأمثلة، ومن بين أولئك الرجال الأفذاذ عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁، فإنه كان من أعلم الصحابة بالقرآن الكريم بشهادة النبي ﷺ ، وكان مثالاً للعالم بالقرآن العامل به.

стр. 604

القرآن هو سر انتشار الإسلام في أصقاع الأرض إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة! بالأمس القريب كنت في وليمة غلام صغير أتم حفظ كتاب الله ﵎، وهذا والله لهو الشرف العظيم، فقد أتم حفظ كتاب الله ﵎ ولم يتجاوز الخامسة عشرة من العمر. والوليمة التي تقام لحافظ القرآن الصغير تسمى: حذاقة، من حذق الشيء، أي: مهر بالشيء، ويوم الوليمة يسمى يوم الحذاقة. ولما انتشر نور الإسلام يمنة ويسرة وتجاوز حدود هذه الجزيرة في غضون سنوات قصيرة بعد وفاة النبي ﷺ ؛ أخذت فارس والروم تتحدث: ما السر العجيب الذي غير حياة هؤلاء الأعراب؟! وما السر العجيب الذي نقل هؤلاء الأعراب الذين كانوا يتقاتلون ويتناحرون فيما بينهم إلى هذه الوحدة والتآلف؟! ما الذي غير حياتهم في سنوات قليلة؟! فوجدوا أن السر هو القرآن، وجدوا أن سر قوة هذه الأمة هو كتاب الله ﵎، هذا الكتاب الذي تكفل الله بحفظه من التحريف والتغيير والتبديل كما قال سبحانه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. فتعال معي في دقائق معدودة لننظر كيف صنع هذا القرآن الأبطال؟ وكيف صنع هذا القرآن أولئك الرجال؟ وكيف غير مجرى حياتهم رأساً على عقب، فنقلهم من الذل إلى العزة، ومن الضياع إلى التمكين، ومن الفرقة إلى الوحدة والاتحاد.

стр. 605

صناعة القرآن لابن مسعود ﵁ وسأحدثكم عن حبر من أحبار الأمة، وفذ من أفذاذها، فلا يذكر أهل القرآن إلا ذكر فيهم، إنه عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه. كان في منأى عن سماع آيات القرآن يوم أن جهر به النبي ﷺ في مكة، فقد كان رويعي غنم فقيراً معدماً يرعى الغنم لـ عقبة بن أبي معيط بقراريط قليلة. يروي خبر إسلامه وبداية عهده مع الإسلام حتى أصبح سادس ستة من الذين دخلوا في الإسلام فيقول: (كنت أرعى الغنم في يوم صائف شديد الحرارة، إذ أقبل علي رجلان يظهر على سيماهما الوقار، فجاءاني فقالا لي: اسقنا من هذه الشياه، قلت: أنا مؤتمن، قال: فأعجبهم كلامي، فقال لي أحدهما: أحضر لنا شاة صغيرة لم ينز عليها فحل، فقلت في نفسي: ومتى كانت الشياه الصغيرة التي لم ينز عليها الفحول تدر لبناً؟ فجئتهم بأصغر الشياه، قال: فوضع يده على الضرع، ثم أخذ يردد كلمات، فإذا بالضرع قد انتفخ، فذهب صاحبه فأتى بحجرة مقعرة، وبدأ الحليب يدر من ذلك الضرع، وأنا أقول: كيف حدث هذا؟! فشرب الرجل وشرب صاحبه، وشربت معهم حتى ارتوينا، قال: ثم وضع يده على الضرع مرة ثانية وقرأ بكلمات فعاد الضرع إلى ما كان عليه، فلما أراد أن ينصرف قلت له: علمني من هذه الكلمات التي قلتها، قال: إنك غليم معلم)، وهذان الرجلان هما: النبي ﷺ وصاحبه أبو بكر ﵁ وأرضاه، ورويعي الغنم هو ابن مسعود الذي شهد تلك المعجزة ومعجزات كثيرة بعدها، بل كان هو إحدى تلك المعجزات التي رباها النبي ﷺ . ومرت أيام قليلة، وخرج ابن مسعود من الظلمات إلى النور، وترك رعي الغنم، وأصبح خادماً لسيد البشر صلوات ربي وسلامه عليه، بل أصبح من المقربين من النبي ﷺ ، وما غدا النبي ﷺ إلا وابن مسعود معه، وما رجع من روحته إلا وابن مسعود معه، يحمل نعله، ويحمل عصاه، ويقدم له وضوءه، بل وصل إلى درجة من القرب من النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال له: (إذنك علي -يا ابن مسعود - أن ترفع الحجاب وتدخل). يقول أبو موسى الأشعري: كنا حيناً ما نرى ابن مسعود إلا من آل البيت. وقد علمه القرآن كيف تكون الشجاعة، وكيف يكون الصدع بالحق، فلما انتقلت الدعوة من السرية إلى الجهرية اجتمع أصحاب محمد ﷺ -وأكثرهم من الضعفاء- ومن بينهم ابن مسعود ﵁ وأرضاه، فقالوا فيما بينهم: ألا من رجل يخرج إلى نوادي مكة يجهر بالقرآن على مسمع وعلى مرأى من أكابر قريش؟ ألا من رجل شجاع يخرج ويصدع بالقرآن على مسامع أولئك الكفار؟ فقال ابن مسعود: أنا، قالوا: لا؛ فليست لك عشيرة تحميك، وإنا والله! نخشى عليك من بطش أولئك الكفار، فقال: والله! لا يصدع بالقرآن إلا أنا، فكان أول من صدع بالقرآن على مسمع من مكة كلها، فخرج إليهم في ناديهم، وقد اجتمع القوم كبراؤهم وساداتهم في ضحى أحد الأيام، فإذا برويعي الغنم يعتلي مكاناً قريباً منهم ثم يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤]، فإذا هم يسمعونه، فقال قائل منهم: ماذا يقرأ هذا الرجل؟! فقالوا: إنه يتلو الكلام الذي جاء به محمد ﷺ ، فقاموا إليه فأوجعوه ضرباً حتى أدموه ﵁ وأرضاه، ورجع إلى القوم، فلما رأوا حاله قالوا: هذا ما كنا نخشاه عليك يا ابن مسعود! قال: والله! لهم أهون في عيني مما كانوا من قبل، ولئن أردتم لأصدعن به مرة ثانية على مسمع ومرأى من الجميع، فلا التهديد ولا الضرب ولا الوعيد يحول بينهم وبين الصدوع بالحق، وهكذا رباهم القرآن. كان ابن مسعود ﵁ وأرضاه يتفجر علماً، كيف لا وهو أقرب الناس من النبي ﷺ ؟! فقد كان من أقرب الناس هدياً وسمتاً واتباعاً للنبي ﷺ ، حتى وصل إلى درجة من الرفعة لا يعلمها إلا الله، فقد بلغ به القرآن درجة عالية سامية. ففي مرة من المرات، وبينما عمر في عرفة إذ جاءه رجل من الكوفة فقال: يا أمير المؤمنين! جئتك من الكوفة، وفيها رجل يقرأ القرآن على الناس عن ظهر قلب، فانتفخت أوداج عمر، وغضب من هذا، فقال: من هو؟ قال: ذاك رجل يقال له: عبد الله بن مسعود، قال: فانفرجت أسارير عمر وتبسم في وجه الرجل، وقال له: (والله لا أعلم رجلاً على وجه الأرض أحق من ابن مسعود في هذا) أي: لا أعلم أحداً على وجه الأرض أحق من ابن مسعود أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب، ثم قال عمر للرجل: (أنا سأخبرك بخبر ابن مسعود: كنا ليلة أنا وأبو بكر عند النبي ﷺ ، فلما انتصف الليل خرجنا ومررنا بطريقنا على المسجد، فإذا برجل قائم يقرأ القرآن بصوت طري عذب مدي، فتوقف النبي ﷺ يستمع لقراءته، ولم نميز من كان ذلك الرجل، قال: ثم قال لنا النبي ﷺ : من سره أن يسمع القرآن غضاً طرياً كما نزل فليسمعه عن ابن أم عبد)، ﵁ وأرضاه، فما كان ذلك الذي يقرأ القرآن في ظلام الليل غضاً طرياً كما نزل إلا ابن مسعود ﵁ وأرضاه، فـ عمر يقول للرجل: أنا أخبرك بخبره: (سمعت النبي ﷺ يقول لنا في تلك الليلة: من سره أن يسمع القرآن غضاً طرياً كما نزل فليسمعه عن ابن أم عبد)، فمن الذي زكى تلاوته؟ إنه الذي ينزل عليه الوحي صلوات ربي وسلامه عليه، قال عمر: (ثم شرع ابن مسعود بالدعاء والنبي ﷺ يؤمن على دعائه ويقول: سل ابن مسعود تعط، سل ابن مسعود تعط)، قال: فلما أصبح الصباح قلت -يعني عمر - والله! لأذهبن أبشر ابن مسعود بذلك، وكيف لا والنبي ﷺ يؤمن على دعائه، ويقول: (سل ابن مسعود تعط)؟ قال: فلما أصبح الصباح غدوت إليه أبشره، فإذا بـ أبي بكر ﵁ قد سبقني إلى بشارته. وبلغ بقراءته القرآن أن النبي ﷺ كان يناديه من حين إلى حين ويقول له: (اقرأ علي القرآن يا ابن مسعود!)، وهذا يدل على أنه وصل إلى درجة عالية من إتقان القرآن والخشوع عند قراءته؛ لأن النبي الذي تنزل عليه القرآن كان يقول له: (اقرأ علي القرآن يا ابن مسعود! فكان يقول: أقرأه عليك وعليك أنزل يا رسول الله؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت من سورة النساء حتى إذا بلغت قوله ﵎: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢]، قال: حسبك يا ابن مسعود! قال: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان بأبي هو وأمي). ولك أن تتخيل ذلك الموقف والمشهد العظيم. بل بلغ من حب النبي ﷺ له أنه قال: (لو كنت مؤمراً أحداً عليكم من غير شورى لأمرت عليكم ابن مسعود)، فمن الذي صنع ابن مسعود؟ لقد صنعه القرآن، صنع ذلك الرجل كلام الله ﵎ حين قرأ القرآن ووعاه، وتدبر آياته وعمل بمقتضاه، فأحل حلاله، وحرم حرامه، يقول ابن مسعود عن نفسه: (أخذت من فم النبي ﷺ أكثر من سبعين سورة، وما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ومتى نزلت، ولماذا نزلت)، قال هذا هو العلم الحقيقي: (أخذت من فم النبي ﷺ أكثر من سبعين سورة)، مباشرة فماً لفم: (وما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ومتى نزلت، ولماذا نزلت، ولو كنت أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله على وجه الأرض تمتطى إليه المطايا لامتطيت إليه)، إنهم رجال صنعهم القرآن ورفع قيمتهم وجعل لهم شأناً، وقد تكفل الله بحفظه وبرعايته.

стр. 606

سر ورع ابن مسعود ﵁ وحرصه على وقته وقد كان ابن مسعود يخاف من الذنوب، وهذا سر ورعه، فكان يقول: (إن العبد المؤمن يرى الذنب الصغير كأنه الجبل يوشك أن يقع على رأسه، وإن العبد المنافق الذي تمرد على العصيان والنفاق ليرى الذنب الكبير كأنه ذبابة على أنفه قال بها هكذا). وكان لا يحب تضييع الأوقات، وهكذا شأن الرجال الأحبار، وشأن العلماء، فكان يقول: (والله! إني لأبغض الرجل أراه فارغاً لا يقضي أمراً من أمور الدنيا، أو من أمور الآخرة).

стр. 607

هكذا فلتكن الأماني وكان عند ابن مسعود أمنية تمناها وعاش من أجلها، وحققها بإذن الله، وقبل أن أذكر الأمنية أريد أن تسأل نفسك أنت: ما هي الأمنية التي تتمناها؟ وكن صادقاً مع نفسك، فلقد تمنى ابن مسعود أمراً فناله وحققه بإذن الله، وأنا أريدك أن تسأل نفسك الآن: ما هي الأمنية التي تتمناها؟ يقول ابن مسعود: (خرجنا مع النبي ﷺ يوم تبوك، فلما عسكر جيش المسلمين في تلك الليلة بتنا على أحسن حال، فاستيقظت في منتصف الليل، وكنت بجانب النبي ﷺ ، فإذا بفراش النبي ﷺ خالٍ من صاحبه، فحسست فراش صاحبيه أبي بكر وعمر فإذا هو خالٍ من أصحابه، فنظرت في آخر المعسكر فإذا بنار قد أوقدت، والمعسكر نيام، إلا من تلك النار التي هناك وأقوام في الحراسة، يقول: فانطلقت إلى النار، فلما جئت إلى النار إذا بالنبي ﷺ وأبي بكر وعمر قد حفروا قبراً وكفنوا شخصاً وأوشكوا على إنزاله في القبر، قلت: يا رسول الله! من هذا المكفن؟ قال: هذا أخوك عبد الله ذو البجادين المزني قد مات ليلة البارحة)، وهل تدري -بارك الله فيك- من هو عبد الله ذو البجادين؟ عبد الله ذو البجادين كان من أترف وأنعم شباب مكة، أسلم شاباً، وخرج مع النبي ﷺ وهو يريد أن يخرج من الظلمات إلى النور، فآذاه قومه، فما زاده ذلك إلا تمسكاً بدينه، حتى إنهم لم يجدوا حيلة معه إلا أن يجردوه من ثيابه ويحبسوه في وسط الدار حتى لا يفر من سجنه ومن داره، فما وجد إلا قطعة قماش ستر بها عورته وفر هارباً بدينه إلى النبي ﷺ ، فسمي بـ ذي البجادين. قال: (فلما أنزله النبي ﷺ في قبره قال: اللهم إني أمسيت عنه راضٍ فارض عنه)، يعني: عن عبد الله ذي البجادين. فاسمع الأمنية، وقل: أين هي أمانينا من تلك الأماني؟ يقول ابن مسعود: (فوالله ما تمنيت إلا أن أكون صاحب تلك الحفرة)، تلك هي أمنياتهم: أن يحققوا رضا الله ورضا رسوله، صدقوا مع الله، وصدقوا مع كلام الله ﵎، فصدق الله معهم، ورفع شأنهم، وشرح صدورهم، ويسر أمورهم، فحققوا في سنوات قليلة ما لم يحققه أقوام في عشرات بل في مئات السنين؛ إنهم رجال صنعهم القرآن، نفعنا الله بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 608

كيف يعرف الإنسان قدره عند ربه ؟ الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: أحبتي! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. خرج عمر مرة من المرات من المدينة يريد مكة للعمرة، وفي طريقه التقى بـ عمرو بن نافع واليه على مكة، فقال له عمر: من وليت على أهل الوادي؟ أي: من خلفت بعدك على إمارة أهل الوادي؟ يعني: على أهل مكة؟ قال: وليت عليهم ابن أبزى، قال عمر: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: تولي على أهل الوادي مولى من مواليكم؟! قال: أما والله! إنه عالم بكتاب الله وبالفرائض، فقال عمر: أما والله! إني قد سمعت نبيكم ﷺ يقول: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين). فـ ابن أبزى كان مولى من الموالي، وكان ابن مسعود رويعي غنم، فلم يؤت سعة من المال، ولا سعة في الجسم، ولا سعة في الجاه، ولم يكن حسبه ولا نسبه سبباً في رفعته عند الله ﵎، لكنه القرآن. إنه ابن الإسلام صنعة القرآن، فكيف أصبح عالماً، حبراً، زاهداً، مجاهداً في سبيل الله؟ لقد وصل إلى تلك الحال يوم أن قرأ القرآن، وتدبر آياته، وعمل بمقتضياته، وصل إلى تلك الحال يوم أن قرأ القرآن وعمل بآياته، وتدبر في مراد الله منه، وعمل بمقتضى كلام الله ﵎، فأسألك بالله العظيم: أين نحن من القرآن اليوم؟! أين نحن من قوله ﵎: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]؟! أين نحن من قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨]؟! أين نحن من قوله ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]؟! أين نحن من آيات الجنة وآيات النار؟! فإن لم تحرك تلك الآيات فينا المشاعر والأحاسيس فمن الذي يحركها؟! اعلم أن قيمتك عند ربك بقيمة كلام الله في حياتك، فإذا أردت أن تعرف قيمتك عند الله فانظر إلى قيمة كلام الله وأوامره ونواهيه في حياتك، وإذا أردت أن تعرف ماذا لك عند الله فانظر ماذا لله عندك في حياتك، فقيمتك بذلك القرآن الذي تقرأه وتعمل بمقتضاه. وانظر إلى ما صنع القرآن بـ ابن مسعود؟ فقد ارتقى شجرة يوماً فجاءت الريح فأطارت ثوبه وكشفت ساقيه، فإذا بالساقين دقيقتين نحيلتين، فلا سعة في المال ولا في الجاه ولا في الجسم، فقد كان كالعصفور الصغير، فضحك الصحابة لما كشفت الريح ساقي ابن مسعود ﵁ وأرضاه لدقتهما فقال النبي ﷺ : (تضحكون من دقة ساقي ابن مسعود؟! والله! لساقا ابن مسعود أثقل عند الله في الميزان من جبل أحد)، لماذا؟ هل ذلك لنسبه؟ أو لأنه ابن فلان، أو ابن فلان، أو من يملك من الأرصدة المالية كذا وكذا؟ إنما ذلك بما وعاه صدره من القرآن، وبنصره لدين الله ﵎. قال ﷺ : (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) فقيمة الناس عند الله بما وقر في قلوبهم من إيمان، يقول علي رضي الله تعالى عنه عن ابن مسعود: (لقد ملئ فقهاً وعلماً). ويقول أبو موسى: (لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم). ولما أرسل عمر سلمان والياً على العراق جعل ابن مسعود معيناً ومستشاراً له، قال لأهل العراق: (والله! إني آثرتكم على نفسي بـ ابن مسعود). وكان من كلام ابن مسعود قوله: (من كان متأسياً فليتأس بمن مات، فإن الحي تخشى عليه الفتنة).

стр. 609

صورة مشرقة في زمن الانحطاط فهذه بعض من أخبارهم، وبعض من تلك الصور التي سطروها، وبعض من آثار القرآن التي ظهرت عليهم يوم أن صدقوا مع الله ﵎، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، ونحن الآن في الإجازات الصيفية ينبغي أن يكون أعظم ما تملأ به الأوقات قراءة القرآن، فإن أشرف ما تملأ به الأوقات حفظ كتاب الله ﵎. واعلم أن القرآن الذي صنع الجيل الماضي والذي صنع ابن مسعود وأولئك الرجال لا يزال يصنع أبطالاً. وسأروي لك خبراً صغيراً عن شاب صغير في العاشرة من عمره، وكيف أثر القرآن على مسامعه، إنه طالب صغير في حلقة من حلقات القرآن، وكان يداوم على حفظ الكتاب يوماً بعد يوم، وكانت أمه بارك الله فيها هي التي تتعهده في البيت بالحفظ والمراجعة، فليت كل الأمهات كهذه الأم، فجاءها الصغير ابن العاشرة يوماً حزيناً منكسراً مهموماً مغموماً، فقالت الأم: صغيري! أنت صغير على الهموم والغموم، فقال لها: أماه! دعيني فوالله! إني مشغول، وانظر ماذا شغله، وقل: ما الذي شغل صغارنا اليوم؟ فما زالت الأم تلح عليه حتى يقول ما في نفسه، فقال لها: أماه! لقد قرأنا اليوم في الحلقة سورة الإنسان، فسمعت من أخبار الجنة العجب العجاب! يقول ابن العاشرة لأمه: أماه! سمعت من خبر الجنة اليوم العجب العجاب! يقول الله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان:١٢ - ١٤]، إلى أن بلغ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢]، ثم يقول الصغير لأمه: أماه! أسألك بالله! ما هو السعي الذي كانوا يسعونه حتى يقول الله لهم: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢]؟! إنها آية أوقفت الصغير وجعلته مهموماً مغموماً؛ يتدبر في كتاب الله ﵎.

стр. 610

أثر تدبر القرآن والعمل به في رفع راية الأمة يقول ابن عثيمين عن قوله ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ [البقرة:٢٢٣]: والله! لو أن القلوب سليمة لتفطرت من الخوف من لقاء الله ﵎. قال : ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢]، كان سعيكم مشكوراً إذ صبرتم على طاعتي، كان سعيكم مشكوراً إذ صبرتم على معصيتي، كان سعيكم مشكوراً إذ صبرتم على الأذى في سبيلي. إنه القرآن الذي صنع الجيل الأول، ولا يزال يصنع أجيالاً متتالية، فأمة تقرأ القرآن وتقيم الحلقات في المساجد وتبذل من أجل كتاب الله أمة لا تقهر بإذن الله ما دامت تحفظ كتاب الله وتقيم آياته. وما يمر به العالم الإسلامي اليوم خاصة سحابة صيف وستنقشع بإذن الله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]، فاشغلوا أوقاتكم بالقرآن، واحفظوا صغاركم في حلقات القرآن، وادعموا حلقات القرآن، وابذلوا من أجل إقامتها في المساجد وفي البيوت. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من خاصة أهل القرآن، اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وحفظنا إياه، وذكرنا منه ما نسيناه، وعلمنا منه ما جهلناه، وارزقنا تلاوته، وتدبر معناه، والعمل بمقتضاه، على الوجه الذي تحبه منا وترضاه، وارفعنا به الدرجات، وكفر عنا به الخطيئات، وألبسنا به الحلل، وأسكنا به الظلل، واجعله نوراً في وجوهنا، ونوراً في صدورنا، ونوراً في قبورنا، ونوراً وذخراً لنا يوم نلقاك يا رب الأرض والسماوات. اللهم اجعلنا من خاصة أهله يا رب العالمين! اللهم اجعله قائدنا إليك وإلى جناتك جنات النعيم. اللهم وفقنا لحفظه وإتمامه وإتقانه، ولا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا يا حي يا قيوم! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وبلادنا وبلاد المسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم طهر بلادنا وبلاد المسلمين من الفواحش والمنكرات، وادفع عنا الغلاء والربا والزنا والفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا! من الراشدين، واحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وادفع عنا شرور كل ذي شر يا رب العالمين. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا يا علي يا عظيم! اللهم اجعلنا من الذين هم على صلاتهم دائمون، واجعلنا من الذين هم على صلاتهم يحافظون، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم صل على محمد في الأولين، وصل على محمد في الآخرين، وصل على محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين. اللهم ارض عن صحابته أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر الصحابة أجمعين. اللهم اجمعنا بهم في جنات النعيم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم. ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 611

استجيبوا لربكم الاستجابة لله أمر يجب على كل مسلم أن يتمثله ويطبقه في جميع جوانب الحياة، فإن جزاء الرافضين للاستجابة عذاب أليم ونكال شديد يلقونه يوم الوعيد. والاستجابة لله تكون بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وتطبيق ما أمر على أكمل وجه -بحسب قدرة الإنسان- ولا تكون في الرخاء دون الشدة أو العكس، بل لابد أن تكون في الحالتين معاً؛ لأن هذه هي الاستجابة الحقيقية، وعند المكاره والشدائد يتبين المستجيب الحقيقي من غيره.

стр. 612

جزاء الذين رفضوا الاستجابة لله رب العالمين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر المسلمين! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين، وأسأله سبحانه أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن. عنوان هذا اللقاء المبارك في هذه الليلة المباركة: استجيبوا لربكم. وقد جاءت هذه الكلمات من رب الأرض والسماوات في سياق سورة الشورى، بل في آخر صفحة من صفحاتها، وهذه السورة مكية، ففيها وعد ووعيد، وفيها إنذار من رب العالمين، وفيها أوامر ونواهي، وقد توعد الله الذين خالفوا ولم يستجيبوا بعذاب أليم، ووعد الله أولئك الذين استجابوا لله والرسول بمغفرة ورضوان من رب العالمين. وحتى يكون لهذه الآية وقع في نفوسنا، وأثر على قلوبنا فتعالوا نسترجع الآيات التي قبلها، ثم ننظر لماذا قال الله جل وعلا: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى:٤٧]؟! قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤٤ - ٤٦]. ثم قال جل في علاه بعد هذه الموعظة القرآنية: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى:٤٧ - ٤٨]، فيقرر الرب ﵎ مخبراً عن نفسه في هذه الآية الكريمة: أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا راد لفضله، ولا معقب لحكمه، وأن من هداه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ثم أخبر عن الظالمين من كفرة وعصاة ومجرمين أنهم لما رأوا النار وعاينوها حقيقة تمنوا الرجعة إلى الدنيا فقالوا: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤٤] وهذا كما قال الله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٣٣]. إن أعظم المواعظ هي مواعظ القرآن، وأبلغ المواعظ هي مواعظ الرحمن جل في علاه الذي قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨]. وتأمل في قولهم لما عاينوا العذاب: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾، فإنهم يتمنون ولكن قد انتهى وقت الأمنيات، ثم قال الله: ((وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا)) أي: على النار والأهوال، ((خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ)) أي: لحقهم الذل والعار في ذلك اليوم؛ بسبب عصيانهم وتمردهم، وعدم استجابتهم لأوامر رب العالمين، ((يَنْظُرُونَ)) أي: إلى النار، ((مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ)) قال مجاهد: يعني: طرف ذليل حقير منكسر يسارقون النظر خوفاً من الوقوع بها، وهذا الذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة.

стр. 613

الخسارة الحقيقية ثم قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى:٤٥]، يظهر في ذلك اليوم مقدار الربح والخسارة، والخسارة الحقيقية في ذلك اليوم العظيم أن تخسر نفسك وأهلك، وأن تخسر أحبابك وأقاربك في ذلك اليوم العظيم، يوم يفرّق بينهم إما إلى جنات وإما إلى دركات العذاب المقيم حيث يخسرون لذاتهم وشهواتهم ويخسروا أنفسهم؛ لأنهم لم يستجيبوا لرب العالمين، ((أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ)) أي: دائم أبديٌ سرمديٌ، لا خروج لهم منه ولا محيص، وليس هناك من ينصرهم في ذلك الموقف، أو يكون لهم شفيعاً أو نصيراً، كما قال الله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤٦] فأين أصحابهم وشياطينهم لينصرونهم أو يعينوهم أو يخففوا عنهم؟ فليس لهم نجاة ولا خلاص من ذلك اليوم العظيم. وبعد أن ذكر الله تلك الأهوال والأمور العظام حذر منها وأمر بالاستعداد قبل فوات الأوان، فقال: ((اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ)) أي: لا دافع ولا مانع له، فهو يأتي كلمح البصر، كما قال جل في علاه: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]. فالأشقياء يومئذ يقولون: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١٠ - ١٣]، ﴿مَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨].

стр. 614

كيف تكون الاستجابة لله فاستجيبوا لربكم بتوحيده وعدم الإشراك به، استجيبوا لربكم بفعل أوامره وترك نواهيه، واستجيبوا لربكم بحب أوليائه ومعاداة أعدائه، واستجيبوا لربكم بحب رسوله وطاعة أوامره وترك نواهيه، واستجيبوا لربكم بالمحافظة على الصلوات، والمداومة على الطاعات، واستجيبوا لربكم بترك النواهي واجتناب المحرمات، فإن لم تستجيبوا: ((مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ)) أي: ليس لكم حصون تتحصنون بها، ولا مكان يستركم، فالله محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]. فالمقصود: استيجبوا لربكم قبل أن يأتي ذلك اليوم العظيم، وعليك يا محمد! -صلوات ربي وسلامه عليه- أن تحذر الناس وتبلغهم هذا الأمر العظيم، وتذكر لهم يوم القيامة وما فيه من الشدائد والأهوال، فإن أعرضوا فإنما عليك البلاغ، وهذا هو المطلوب من الرسل ومن أتباع الرسل ومن الدعاة المخلصين، قال الله عن رسوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٤]، ثم قال له: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]. ثم بين الله حال الإنسان عند النعم والرخاء والفرح، وحاله عند النقم والبلاء والشدة، فهناك أناس لا يعرفون الله إلا في الشدة، وأما في الرخاء فهم في لهو ولعب وضياع، كما قال الله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا * قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٨٣ - ٨٤].

стр. 615

جزاء الاستجابة لله تعالى قال الله تعالى: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، قال ابن القيم ﵀: ففي الاستجابة لله وللرسول حياة، وعلى قدر الاستجابة تكون هذه الحياة، فبعض الناس قد يأخذ بشيء ويترك شيئاً، فحياته على مقدار الشيء الذي يأخذه، وفيه من الموت بمقدار ما ترك من أوامر الله والتجرؤ على نواهيه، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] أي: بنور الله ﵎، وبوحي السماء الذي أنزله على أمين الوحي في الأرض، قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]. فالمطلوب مني ومنك بعد سماع المواعظ القرآنية: الاستجابة لله وللرسول، كما قال الله: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]. والمطلوب كما قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم:٤٣ - ٤٥]. والمطلوب كما قال الله: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢]. فها نحن ندعى إلى الاستجابة لأوامر الله قبل أن يحل ذلك اليوم العظيم، ولما دعي أولئك القوم وأمروا بالاستجابة أجابوا ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة وكان شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي فقال أبو طلحة لـ أنس: اخرج وانظر ما شأن هذا الذي ينادي، فإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال أبو طلحة: اخرج فأهرقها، قال: فأهرقتها حتى جرت بها سكك المدينة، فلما قرأت عليهم الآيات: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١]، فكانت إجابتهم أن قالوا وقد ذعنوا لله رب العالمين: انتهينا ربنا! انتهينا ربنا، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]. وليس للعبد ولا للأمة خيار غير الاستجابة لله وللرسول ﷺ . جاء عند مسلم (أنه لما تنزل قوله ﵎ في أواخر سورة البقرة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] جاء الصحابة، وجثوا على ركبهم عند النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! أمرنا بما نستطيع ففعلنا: أمرنا بالصلاة فصلينا، وأمرنا بالصيام فصمنا، وأمرنا بالجهاد والقتال في سبيل الله فجاهدنا، وأمرنا بالنفقة والبذل والعطاء فأعطينا، ولقد تنزلت آية لا طاقة لنا بها، من منا يستطيع ألا يحدث نفسه، أو يستطيع أن يكتم ما في داخله عن حديث نفسه؟ فقال لهم النبي ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين لما دعوا إلى الاستجابة لله وللرسول فقالوا: سمعنا وعصينا؟! ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، فلما ذلت لها أنفسهم، وقرت بها قلوبهم، تنزل قوله ﵎: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. فلما أيقنوا وتيقنوا واستجابوا لأمر ربهم ﵎، وذلت بها الأنفس والقلوب، نسخ الله تلك الآية بقوله ﵎: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦]، فليس للمؤمن والمؤمنة خيار إلا الاستجابة لأوامر الله وأوامر الرسول ﷺ ، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].

стр. 616

بين عبودية الرخاء وعبودية الشدة عبد الله! إن لله عبودية في الرخاء، ولله عبودية في الشدة، وينجح الكثير في تحقيق عبودية الرخاء، بينما يفشل الكثير في تحقيق عبودية الشدة، وهل الحياة إلا امتحان واختبار ليميز الخبيث من الطيب، وهل يظهر الطيب ويظهر الرجال والنساء الصادقون والصادقات إلا في مواقف الشدة والامتحان والاختبار والابتلاء؛ لذلك سنة الله ماضية في امتحان الأولين والآخرين؛ ليعلم الصادق من الكاذب. في مرة من المرات -حتى تعلم أن الأوامر كانت شديدة على أولئك الرجال والنساء فلم يتخلف منهم رجل واحد عن الاستجابة لأوامر الله وأوامر الرسول- ذهب النبي ﷺ إلى رجل من أولئك الرجال الصادقين المستجيبين لأوامر الله وأوامر الرسول قائلاً له: (اذهب إلى مكة وائتني برأس خالد الهذلي)، وهذا رجل من هذيل يجمع الناس من حوله حتى يقتل النبي ﷺ ، واجتمع من حوله نفر كثير، فلما سمع النبي ﷺ بخبره أرسل إليه رجلاً من الرجال الصادقين المستجيبين لأوامر الله وأوامر الرسول، فقال: (يا عبد الله بن أنيس اذهب إلى مكة وائتني برأس خالد الهذلي) فلم يعص هذا الجندي ولم يخالف وإنما قال: سمعاً وطاعة، لكن عندي سؤال، فقال النبي ﷺ : وما هو؟ قال: يا رسول الله! لا أعرف الرجل، فما رأيته قط، ولا سمعت به قط، فقال النبي ﷺ مبيناً له حال ذلك الرجل قال: (علامة الرجل أنك إذا رأيته تهابه) فلم يتردد المستجيب المؤمن الصادق مع صعوبة المهمة والتكليف، إنما قال: سمعاً وطاعة. فانظر كيف أن النبي لم يرسل كتيبة ولا أرسل جيشاً كاملاً، وإنما أرسل رجلاً واحداً؛ لأن الرجل منهم في ذلك الحين كان يعدل ألفاً، لأن الرجل من أولئك الرجال الصادقين كان يعدل ألفاً من الرجال. وخرج عبد الله بن أنيس وحيداً حتى وصل إلى منى حيث أقام خالد الهذلي معسكره، وهناك جاء -والحرب خدعة- وقال له: أنا جئت حتى أنضم إليك وإلى أولئك الذين يريدون أن يقتلوا محمداً صلوات ربي وسلامه عليه، فقربه منهم وأدناه، وبعدها بحين إذا به يسير هو وإياه بعيداً عن الخيام وعن أعين الناس؛ فانتهز الفرصة عبد الله بن أنيس واخترط سيفه فاجتز رقبة الرجل، ورجع يخبر النبي ﷺ أن المهمة قد تمت على أكمل وجه. والوحي كان قد سبقه إلى النبي ﷺ يبين أن الجندي قد قام بالمهمة على أكمل وجه، فما إن رآه النبي ﷺ حتى قال: (أفلح الوجه! خذ عصاتي توكأ عليها أعرفك بها يوم القيامة) وقليل هم المتوكئون! فلما مات عبد الله بن أنيس أمر بتلك العصا أن تدخل معه في كفنه، آية وعلامة على أنه أطاع الله وأطاع الرسول ﷺ . ومهما كانت الظروف والأحوال فلا بد من الاستجابة لأوامر الله ونواهيه ليس في الرخاء فقط، ولكن في الشدة تظهر معادن الرجال وحقيقة النساء، فالعبودية لا بد أن تحقق لله في الرخاء، ولا بد أن تحقق لله في الشدة.

стр. 617

استجابة أهل بيعة العقبة لله ورسوله تأملوا معي في بيعة العقبة وكيف تمت تلك البيعة، فقد تمت بنودها وشروطها على أن يكون الثمن الجنة إن استجابوا لله وللرسول، وحققوا بنود تلك البيعة. وقد تكلم العباس حين التقى مع وفد الأوس والخزرج فقال: يا معشر الأوس والخزرج! إن محمداً في منعة في قومه ولكنه أبى إلا أن يلحق بكم، فإن أردتم وظننتم أنكم ستوفون له ببيعته فأنتم وما أردتم، وإلا فدعوه فإنه في منعة من قومه، فقال أولئك الرجال الصادقون المستجيبون: انتهيت يا عم النبي ﷺ ؟! قال: انتهيت، فقالوا: يا رسول الله،! خذ لنفسك ولربك ما شئت وما أردت، فقرأ عليهم القرآن، ثم قرأ عليهم بنود تلك البيعة. فهذه البيعة نحن في أمس الحاجة اليوم إلى أن نجدد بنودها، ونحن في أمس الحاجة إلى أن نستجيب لبنود تلك البيعة، فوالله إن واقعنا اليوم في أمس الحاجة إلى تجديد تلك البيعة بكل ما فيها على أن نعلم أن الثمن الجنة. بايعوا على النصرة في العسر واليسر، وبايعوا على النفقة في المنشط والمكره، وبايعوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبايعوا على أن يقولوا كلمة الحق لا يخافون في الله لومة لائم، وبايعوا على أن يمنعوا النبي ﷺ مما يُمنع منهم إزرهم -أي: نساءهم-. فقال أبو الهيثم بن التيهان للنبي ﷺ بعد أن تلا عليهم بنود البيعة: يا رسول الله! بيننا وبين القوم -يعني: اليهود في المدينة- عهود ومواثيق إن نحن قطعناها من أجل الله ورسوله ثم أظهرك الله أترجع إلى قومك وتتركنا؟ فتبسم النبي ﷺ قائلاً: (بل الدم الدم! والهدم الهدم! أنا منكم وأنتم مني) قالوا: يا رسول الله! إن نحن وفينا بهذه البيعة، بكل ما فيها فماذا لنا؟ قال: لكم الجنة، قالوا: مد يدك نبايعك، فقام أصغر القوم أسعد بن زرارة يبين للقوم مدى خطورة هذه البيعة التي قد أقدموا عليها، فقال: يا قوم! أتدرون على ماذا تبايعون؟ أنتم تبايعون على عداوة القاصي والداني، وسترميكم العرب من قوس واحدة، وأنتم تبايعون على ضياع الأموال، وهدر الدماء، وانتهاك الأعراض، وعلى ترميل النساء، وتيتيم الأطفال، فهذه هي حقيقة البيعة التي تبايعون عليها، فإن كنتم صادقين فعز الدنيا وعز الآخرة، وإلا فذل الدنيا وخزي الآخرة. قالوا: انتهيت من كلامك يا أسعد! قال: نعم انتهيت، قالوا: يا رسول الله! مد يمينك نبايعك، فبايعوه على أن يكون لله وللرسول ما وعدوا ويكون لهم الثمن الجنة. ثم انظر وانظري مدى صدق هؤلاء القوم واستجابتهم لأوامر الله وأوامر الرسول، فبعد أن بايعوا وعانقوا النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله! إنا أهل حرب ورثناها كابراً عن كابر، وإن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا، فقال النبي ﷺ : لم نؤمر بعد، لكن هذا دليل على صدق استجابتهم وبيعتهم التي صدقها الله ﵎ حين قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:١٠]. ثم المواقف تبين مدى صدق هؤلاء الرجال قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١٨] ونظر الله إلى تلك القلوب الصادقة وإلى تلك القلوب المستجيبة رجالاً ونساءً فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨]، فرضي الله عنهم لما استجابوا لأوامره ونواهيه في الشدة والرخاء، وفي السراء والضراء. وكم نحن بحاجة إلى صادقين مستجيبين! وكم نحن بحاجة إلى صادقات مستجيبات لأوامر الله وأوامر الرسول في زمن تكالب علينا أعداؤنا من كل مكان! فنريد أن نحيي تلك البيعة، ونريد أن نحيي ذاك الثمن العظيم، ونريد أن تشتاق الأنفس إلى ما عند الله في جنات النعيم، ثم مرت الأيام والشهور ولحق النبي ﷺ بأولئك الذين بايعوا إلى المدينة.

стр. 618

استجابة الصحابة لله ورسوله يوم بدر وأحد ثم بدأت المناوشات بين معسكر الكفر وبين معسكر الإيمان، وبدأ الكر والفر يمنة ويسرة، فخرجت قافلة من قريش تريد الشام، فاعترضها النبي ﷺ بأصحابه ذهاباً، لكنها استطاعت أن تتجاوز ذلك الطريق، لكن تربص لها النبي ﷺ هو وأصحابه في طريق العودة، فعلمت قريش بالخبر، فخرجت بجندها وصناديدها وكبرائها وفرسانها بألف رجل مدججين بالسلاح، في حين خرج محمد ﷺ مع نفر من أصحابه لا يتجاوزون الثلاثمائة من الرجال بلا عدة وبلا عتاد أرادوا العير فإذا بهم يلاقون النفير. فالآن يظهر مدى الاستعداد، وتظهر مدى الاستجابة لله وللرسول، فقد بايعوا في الرخاء على أن يوفوا ويكون الثمن الجنة، والآن أصبح الموقف جللاً، والخطب عظيماً، وتغيرت الأحوال، وتبدلت الظروف، وتآمر المتآمرون، واجتمع الأعداء لاستئصال جذور الإسلام ومحاربة أهله، فماذا هم صانعون في مثل هذا الموقف العظيم؟! قال الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال:٥ - ٨]. فلما استجابوا واستعانوا بربهم قال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، فشاور النبي ﷺ أصحابه فالأمر شورى بينهم، فليس هو -بأبي وأمي- مستبداً برأيه، ولا طاغوتاً من الطواغيت. قال تعالى: ﴿أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، فقال: أشيروا علي أيها الناس؟! أشيروا علي أيها الناس؟! فأبدى المهاجرون رأيهم كـ أبي بكر وعمر إلى آخر أولئك الرجال. والمهاجرون لم يخرجوا إلا وعندهم الاستعداد للاستجابة في كل زمان، وفي كل مكان، فبدأ النبي ﷺ يكرر: أشيروا علي أيها الناس؟! لأن ثقل المعركة سيقع على كاهل الأنصار، فأراد النبي ﷺ أن يعرف رأي أولئك الرجال الذين بايعوه عند العقبة في تلك الليلة المباركة على النصرة داخل المدينة. فالآن هو خارج المدينة أمام جيش عرمرم، وهو في ظروف لم تكن على البال ولا في الحسبان، فشاورهم النبي ﷺ ، فتكلم المهاجرون وأحسنوا الكلام، فأراد النبي ﷺ رأي الأنصار، ثم قال: أشيروا علي أيها الناس؟! فتكلم سيد الأوس والخزرج سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن، قال: يا رسول الله! كأنك تعنينا؟ -اسمع بارك الله فيك كيف تكون الاستجابة لأوامر الله، وأوامر الرسول في الرخاء وفي الشدة، مهما تبدلت الأحوال ومهما تغيرت الظروف- يا رسول الله! لقد آمنا بك، واتبعناك وصدقناك، فخذ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، عاد من شئت وسالم من شئت، خذ من أموالنا ما شئت، واترك ما شئت، ووالله للذي أخذته أحب إلينا مما تركت، والله لو أمرتنا أن نرمي بأنفسنا من أعالي الجبال لرميناها، ما تخلف منا رجل واحد، والله لو خضت البحر لخضناه أمامك ما تخلف منا رجل واحد! ومن تلك الكلمات العظيمة التي قالها المستجيبون لله وللرسول قالوا: (والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون)، فهكذا تكون الاستجابة لله وللرسول في الرخاء والشدة مهما تغيرت الظروف والأحوال. (يا رسول الله! إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فتهلل وجهه ﷺ وقال: إن الله وعدني إحدى الطائفتين)، قال تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]. ففي المواقف يظهر الرجال، وفي المواقف تظهر النساء الصادقات المستجيبات لأوامر الله وأوامر الرسول، وفي مثل هذه الظروف التي نحياها اليوم نريد أن نرى مواقف الصادقين والصادقات، والمستجيبين والمستجيبات، ففي الرخاء الكل يدعي وأما في الشدة: فكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك فاشتدت الظروف والأحوال على أصحاب محمد صلوات ربي وسلامه عليه ورضي الله عنهم أجمعين، ومع هذا ما تخلف منهم رجل واحد، والأيام تبرهن على صدقهم، وعلى مدى استجابتهم، والأيام والليالي تبين على أنهم استجابوا لأوامر الله وأوامر الرسول ﷺ . فانتصروا في بدر، وذاقوا حلاوة الانتصار، فأراد الله أن يربيهم فأذاقهم طعم الهزيمة يوم أحد حتى يعرفوا أسباب تلك الهزيمة، فيتجنبوا تلك الأسباب التي لا بد أن يتذوقوها حتى يعرفوا مرارة الهزيمة وحلاوة الانتصار، فالذي حدث في أحد أنه انقلبت الموازين بعد أن خالفوا أوامر الله وأوامر الرسول، فلعدم استجابة واحدة لأوامر الله وأوامر الرسول انقلب الحال حتى كاد يقتل النبي ﷺ في ذلك اليوم العظيم. وتخيلوا عدم استجابة واحدة قلبت الموازين رأساً على عقب! فكم هي أعداد عدم الاستجابات اليوم؟! أما تداعى القوم علينا كما تتداعى الأكلة على القصعة من كل مكان ومن كل حدب وصوب؟ فقد أصبحنا اليوم عالماً مستضعفاً مستذلاً من جميع الأطراف ومن كل النواحي، ولو كان عندنا استجابة كما كانت عند أولئك الرجال والنساء لما تجرأ علينا أولئك القوم. لكن لا بد أن ننصف ونقول: لا زال هناك مستجيبون ومستجيبات، فلا بد أن ننصف ونقول: إنه لا زال هناك مستجيبون ومستجيبات لأوامر الله وأوامر الرسول ﷺ . وتخيل معي في يوم أحد ذلك اليوم العظيم قتل أكثر من سبعين من كبار الصحابة، بل قتل أسد الله حمزة ﵁ وأرضاه، وقتل سعد بن الربيع وأنس بن النضر، وقتل أولئك الرجال الأفذاذ، ورجعوا محملين بالهموم، نبيهم شج رأسه، وكسرت رباعيته، رجعوا وبهم غم لا يعلمه إلا الله ﵎، لكن الله قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧]. فالشاهد: أنهم رجعوا من المعركة في يوم السبت في النصف من شوال في السنة الثالثة من الهجرة بكل ما تحملوه من الهموم والغموم، وبما تحملوه من المصائب والآلام، فتخيلوا جروحاً تنزف، وأشلاءً تقطعت، وهذا فقد حبيباً! وهذا فقد قريباً! ثم الله يطالبهم في اليوم الثاني بالاستعداد للخروج مرة ثانية، فقد سمع النبي ﷺ أن أبا سفيان تراجع في كلامه وقال: على ما فعلنا بهم لكننا لم نخرج ولم نحقق ما خرجنا من أجله، فراودته نفسه بالرجوع لمهاجمة المدينة مرة ثانية. فأذن مؤذن النبي ﷺ بالاستعداد للخروج مرة ثانية، فالمعركة في يوم السبت وفي نهار الأحد أمروا بالاستعداد والخروج مرة ثانية، فكيف تكون استجابتهم مع ما تحملوه من هموم وغموم وجروح وآلام؟! وكانت الاستجابة كاملة في اليوم الثاني، قال النبي ﷺ : (لا يخرج معنا إلا من خرج في اليوم الأول)، فتحامل الرجال على أنفسهم وخرجوا استجابة لأوامر الله وأوامر الرسول، فسطر الله تلك الاستجابة في آيات عظيمة تقرأ حتى يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٢ - ١٧٥]. فانظر إلى صدق الاستجابة لأوامر الله وأوامر الرسول، فمن استجاب فإنما يستجيب لنفسه، ومن نكص على عقبيه فإنما ينكص على نفسه، و ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧]. ومن استجاب لأوامر الله وأوامر الرسول فهو المستفيد الأول من هذه الاستجابة، يستفيد منها في الدنيا، ويستفيد منها في الآخرة، فأما في دنياه فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]. وأما في الآخرة فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أ

стр. 619

الإسراء والمعراج وبدع رجب إن حادثة الإسراء كانت مواساة للنبي ﷺ ، وبالمقابل كانت فتنة للكافرين وامتحاناً لضعاف الإيمان، الذين لم يخالط الإيمان بشاشة قلوبهم، فكفر مثل هؤلاء ولم يعودوا إلى دائرة الإسلام حتى قتلوا مفتونين. وكذلك فإن هذه الحادثة العظيمة تأييد من الله للرسول ﷺ ، ومعجزة عظيمة تؤكد لجميع من آمن به، أنه مرسل من عند الله ، وأنه أفضل الأنبياء، وإمام المرسلين وقائدهم.

стр. 620

حسن المكافأة على حسن الصنيع إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! يقول أهل السير: إن الإسراء والمعراج كانا مكافأة ربانية على ما لاقاه النبي ﷺ من أفراح وأحزان، فلقد كان بعد حصار دام ثلاث سنوات في شعب أبي طالب، وما لاقى أثناءه من جوع وحرمان، ولقد كان بعد فقد الناصر الحميم وهو عمه أبو طالب، وفقد زوجته خديجة أم المؤمنين، ولقد كانت بعد خيبة الأمل في ثقيف وما ناله من سفهائها وصبيانها وعبيدها. فبعد هذه الآلام كافأ الحبيب حبيبه، فرفعه إليه، وقربه وأدناه، وخلع عليه من حلل الرضا ما أنساه كل ما لاقاه، وكل ما سيلاقيه، فيعتبر الإسراء لرسول الله ﷺ بعد رحلة الطائف وما عاناه أثناءها تعويضاً عظيماً، وجائزة قيمة على صبره. فتعال! رعاك الله نتأمل الموقفين، ونقارن بين الحالين: بين رحلة الطائف وبين رحلة الإسراء، فنلاحظ ما يلي: أنه ذهب إلى الطائف ماشياً بينما ذهب إلى بيت المقدس راكباً على البراق، وكان في صحبته إلى الطائف مولاه زيد بن حارثة، وصحبه جبريل ﵇ في رحلة الإسراء، وفي الطائف استقبله بنو عبد ياليل بالسخرية والاستهزاء، وأغروا به العبيد والسفهاء، وفي رحلة الإسراء استقبله الأنبياء والمرسلون، وحيوه أعظم تحية. وفي الطائف لم يجد من يأويه ليبلغ رسالة ربه، وفي الإسراء قدمه جبريل ليكون إماماً للأنبياء، وفي الطائف ضاقت به الأرض فلم يجد مكاناً يأوي إليه، وفي رحلة الإسراء استضافته السماء ليكون مقدماً بين أهلها، وليقف سكانها على علو شأنه عند ربه ، وفي الطائف لم يقر بنبوته أحد، وعاد منها كما دخلها، وفي رحلة الإسراء آمن به الأنبياء، وصدق رسالته أهل السماء، فجاءت رحلة الإسراء والمعراج تثبيتاً للنبي ﷺ لما قد لاقاه ولما سوف يلاقيه في طريق الدعوة إلى الله.

стр. 621

ذكر الإسراء في الكتاب والسنة والسير

стр. 622

وقت الإسراء بالنبي ﷺ عباد الله! لقد جاء ذكر الإسراء والمعراج في القرآن الكريم، وفي الأحاديث الصحيحة وفي كتب السيرة. قال القرطبي: ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام، فهو من المتواتر بهذا الوجه. وذكر القاسمي أنه رواه عشرون صحابياً. عباد الله! متى كان الإسراء؟ إن هذا أمر مهم لا بد من بيانه؛ للقضاء على البدع والخرافات التي انتشرت في رجب وفي غير رجب من الشهور. لقد اختلف العلماء في وقت الإسراء، فلا يعرف في الإسراء تاريخ محدد، ولكن أكثر أهل العلم على أنه بعد رحلة الطائف، ورحلة الطائف كانت في السنة العاشرة. وأيضاً: ليس هناك مصلحة في معرفة اليوم والشهر إلا عند المبتدعة الذين يفعلون في تلك الليلة من البدع ما لم ينزل الله به سلطاناً، ولو كان هناك مصلحة في معرفة الوقت والتاريخ لعرفه الصحابة؛ فهم أولى بذلك. وذكرت حادثة الإسراء لا لأنها وقعت في شهر رجب، وإنما ذكرتها لعظيم الفائدة، وحتى ننكر على المبتدعة ما يفعلونه في رجب وفي غير رجب.

стр. 623

بيان مفهوم الإسراء والمعراج أحبتي! ما معنى الإسراء؟ وما معنى المعراج؟ الإسراء: هو سير الليل، يقال: سريت مسرىً وأسريت إسراءً، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]. وأما المعراج: فهو السلم الذي يصعد عليه، قال ابن إسحاق: أخبرني من لا أتهمه عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج، ولم أر شيئاً قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه) أي: أن الميت في ساعة الاحتضار يمد عينيه إلى السماء يشاهد المعراج؛ حيث سيعرج بروحه إلى السماء، (وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا احتضر، فأصعدني فيه صاحبي -يعني: جبريل ﵇ حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء). فالأمر ليس كما يظنه كثير من الناس أنه ﷺ ركب البراق إلى بيت المقدس، ثم ركبه إلى السماء، بل لما وصل إلى بيت المقدس ربط البراق بباب المسجد ثم دخل، ثم صعد على المعراج إلى السماء، ولما عاد ركب البراق إلى مكة ثانية، فـ ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا)).

стр. 624

وقت صلاة النبي بالأنبياء في بيت المقدس عباد الله! متى صلى النبي ﷺ بالأنبياء هل ذلك حين ذهابه أو حين رجوعه؟ الظاهر من الأخبار: أنه صلى بهم بعد رجوعه من المعراج، فلما رجع من الحضرة الإلهية العظيمة هبط معه الأنبياء تكريماً له وتعظيماً، فهو قد التقاهم في السماء، وكان جبريل يعرفه بهم، فكان يقول: هذا فلان فيسلم عليه، فهذا إدريس! وهذا يوسف! وهذا هارون! وهذا موسى! وهذا عيسى! فلو كان اجتمع بهم قبل صعوده لما احتاج إلى التعرف إليهم مرة ثانية حين عرج به إلى السماء، ومما يدل على أنه صلى بهم حين عودته: أنه قال في الحديث: (فلما حانت الصلاة أممتهم) ولم يحن وقت صلاة حين ذاك إلا صلاة الفجر، فصلى الأنبياء خلف سيد الأنبياء والمرسلين، فعرف الأنبياء أن هذا هو إمام الأنبياء وأعظمهم، وإلا كيف يؤمهم في محلهم ودار إقامتهم؟! ثم ركب البراق وعاد إلى مكة. ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً

стр. 625

فضل المسجد الأقصى ومكانته في قلوب المسلمين قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] قال القاسمي: والأقصى بمعنى: الأبعد، سمي بذلك لبعده عن مكة، وفي قوله: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] أي: جوانبه، وذلك ببركات الدنيا والدين؛ لأن تلك الأرض المقدسة مقر الأنبياء، ومهبط وحيهم، ومنمى الزروع والثمار، واكتنفته البركة الإلهية من كل نواحيه، فبركته مضاعفة؛ لكونه في أرض مباركة، ولكونه من أعظم مساجد الله، وقد قيل في خصائص الأقصى: أنه متعبد الأنبياء السابقين، ومسرى خاتم النبيين، ومعراجه إلى السماوات العلى، والمشهد الأسمى. وهو بيت نوه الله به في الآيات المفصلة، وتليت فيه الكتب الأربعة، ومن أجل ذلك البيت أمسك الله الشمس ليوشع بن نون لكي لا تغرب ليتيسر فتحه على من وعدوا به. وهو قبلة الصلاة في الملتين، وفي صدر الإسلام بعد الهجرتين، وهو أولى القبلتين وثاني المسجدين، ولا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه. ومن فضائله: ما رواه أحمد والحاكم والنسائي وصححه الحاكم عن ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، وإني أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة، سأله حكماً يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد -يعني: بيت المقدس- إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه) قال النبي ﷺ : (ونحن نرجوا أن يكون الله قد أعطاه هذا)، قال العلامة أحمد شاكر: إسناده صحيح، وصححه العلامة الألباني ﵀. عباد الله! مما سبق يتبين لنا فضل المسجد الأقصى ومكانته في قلوب المسلمين، ولما استرجعه صلاح الدين من أيدي الصليبيين بدأ الإمام خطبة الجمعة فيه بقول الله تبارك الله وتعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]، فنسأل الله كما قطع دابر الذي احتلوه في المرة الأولى أن يقطع دابرهم في المرة الثانية، وأن يستعملنا في ذلك، وأن يمتعنا الله بالصلاة فيه، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 626

موقف الناس من خبر الإسراء عباد الله! لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج عزاءً وتثبيتاً للنبي ﷺ لما لاقاه ولما سوف يلاقيه في سبيل الدعوة إلى الله، فرجع النبي ﷺ من الإسراء وقد امتلأ قلبه ثقة ويقيناً، كيف لا والله يقول: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]، كما أنه كان امتحاناً وابتلاءً لمن أسلم وآمن، فلما أخبرهم النبي ﷺ بالخبر فما بين مصدق ومكذب، ولشدة الخبر ارتد بعض من آمن ولم يرسخ الإيمان في قلوبهم، ولم تخالط بشاشته القلوب. جاء عند البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠]، أي: امتحاناً وابتلاءً قال: هي رؤيا عين أريها النبي ﷺ ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم طعام الأثيم، أعاذنا الله وإياكم منها. وكانت الفتنة في تلك الحادثة ارتداد قوم كانوا قد أسلموا حين أخبرهم النبي ﷺ أنه قد أسري به، ثم عرج به إلى السماء، وجاء المستهزئون إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه فأخبروه بالخبر: إن صاحبك -يعنون محمداً- يدعي ليلة البارحة أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء، ثم عاد من ليلته، فقال الصديق ﵁ وأرضاه، أو قد قال؟ قالوا: نعم، قال: صدق، إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، إني أصدقه في خبر السماء يأتيه صباح مساء. فثبت من ثبت عن بينة، وارتد من ارتد عن بينة. والخلاصة: أن حادثة الإسراء كانت تطميناً ومواساة للنبي ﷺ ، وفتنة للكافرين، وامتحاناً لضعاف الإيمان الذين زلزل الحادث إيمانهم، فكفروا ولم يعودوا إلى دائرة الإسلام حتى قتلوا، فنسأل الله العفو والعافية. فالفتن امتحان وابتلاء قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣].

стр. 627

كيفية الإسراء بالنبي ﷺ عباد الله! كيف كان الإسراء؟ قال بعض العلماء: إن الإسراء كان رؤيا منامية، واستدلوا بقوله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء:٦٠]. وقال بعضهم: إن الإسراء كان بالروح والجسد، وأما المعراج فبالروح فقط. والذي عليه معظم السلف والخلف من أئمة الأمة وعلمائها أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد معاً، يقظة لا مناماً، يقول ابن حجر: وإلى هذا -يعني: الإسراء والمعراج بالروح والجسد- ذهب جمهور الأمة من العلماء المحدثين، والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ومثله قال ابن القيم في زاد المعاد، قال العلماء: وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس -يعني: أن الإسراء بالروح والجسد، يقظة لا مناماً- ويرتاح إليه القلب، إذ لو كان الإسراء والمعراج بالروح فقط، وكان المقصود رؤيا منامية لم يستبعد المشركون ذلك، ولم ينكروه على النبي ﷺ ، ولما كان في ذلك آية ولا معجزة، فـ ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا)).

стр. 628

الأحاديث الواردة في ذكر الإسراء والمعراج عباد الله! وأما الأحاديث الواردة في ذكر الإسراء والمعراج فكثيرة يطول ذكرها، وأتمها حديث أنس عند مسلم وملخص تلك الروايات أنه ﷺ أتاه جبريل بالبراق -وهو دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، وليس له أجنحة كما يظن كثير من الجهال- فركبه حتى أتى بيت المقدس، فصلى به ركعتين، ثم عرج به إلى السماء، فالتقى بالأنبياء، التقى بآدم وعيسى ويحيى وإدريس، ورأى إبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. ثم ذهب به إلى سدرة المنتهى، وإذا بورقها كآذان الفيلة، وثمارها كالقلال، فلما غشي السدرة ما غشَّى، هناك أوحى إليه ربه ما أوحى، فأمره بخمسين صلاة، -اسمع بارك الله فيك عظم قدر الصلاة حيث أنها شرعت في السماء- فلا يزال يأتي موسى فيرده إلى ربه: إسأل ربك التخفيف؟ حتى خفف الله على الأمة من خمسين إلى خمس صلوات، وهن بأجر خمسين فأين نحن من صلواتنا؟! ثم نزل ﷺ بصحبة جبريل إلى بيت المقدس، فنزل الأنبياء يشيعونه، فصلى بهم صلاة الصبح بالمسجد الأقصى، ثم ركب البراق الذي تركه مربوطاً بحلقة الباب، وعاد إلى مكة في صبيحة تلك الليلة، وقد ذهب عنه كل كرب وغم وحزن، وعاد أكثر ثقة وطمأنينة، فقد رأى بأم عينيه ما كان تلقاه وحياً، وليس من رأى كمن سمع. وجلس النبي ﷺ في المسجد الحرام وهو لا يدري كيف سيقابل قريشاً بهذا النبأ العظيم، فما زال جالساً حتى مر به أبو جهل، فسأله مستهزئاً: هل استفدت الليلة شيئاً يا محمد؟ فأجاب النبي ﷺ : نعم، أسري بي الليلة إلى بيت المقدس. قال أبو جهل: ثم أصبحت بين ظهرانينا! أسري بك في هذه الليلة ثم عدت من ليلتك؟! قال النبي ﷺ واثقاً: أن نعم، قال أبو جهل: أأخبر قومك بهذا؟! فقال النبي ﷺ واثقاً: نعم. فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي! هلموا فأقبلوا علي، فحدثهم النبي ﷺ فما بين مصدق ومكذب، وواضع يده على رأسه استعظاماً للخبر، وتعجباً منه، ثبت من ثبت عن بينة، وارتد من ارتد عن بينة. وجاء عند البخاري أن النبي ﷺ قال: (لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كرباً ما كربت مثله قط، قال: فرفعه الله لي أنظر إليه، لا يسألوني عن شيء إلا أخبرتهم به، وأخبرهم عن عير لهم، ومتى وصولها، وصدق في ذلك، ومع هذا ما زادهم إلا عناداً وتكذيباً). عباد الله! لقد كان الإسراء محنة قاسية للمؤمنين، واختباراً لصلابة إيمانهم، وثباتهم على عقيدتهم، لم يكن للعرب عهد بمثل هذه الخوارق، ولا ألفت نفوسهم سماع مثل هذه المعجزات التي تخالف ما تعودته نفوسهم من المحسوسات والماديات، إنهم يذهبون شهراً، ويعودون شهراً في رحلة الشام، فكيف يذهب محمد ويرجع في ليلة واحدة؟ بل في جزء من الليلة، فأخذ الشك يتسرب حتى إلى نفوس المؤمنين، وإن خبر السماء لأهون على نفوسهم من ذلك؛ لأن الذي يأتي بخبر السماء ملك من أهل السماء، وأهل السماء يقدرون على ما لا يقدر عليه أهل الأرض، ولهذا قالوا: والله إن العير شهراً من مكة إلى الشام مدبرة وشهراً مقبلة، أفيذهب محمد ويرجع في ليلة واحدة؟ لذلك قال أهل العلم: لم يكن الإسراء والمعراج مجرد خارقة من الخوارق أجراها الله لنبيه لتكون دليلاً على صدق ما ادعاه من النبوة، فإن صدقه ﷺ قد ذاع قبل هذا، ولا يحتاج إلى دليل أو إلى غيره.

стр. 629

دروس وعبر من رحلة الإسراء لقد اشتمل الإسراء على دروس وعبر أهمها: أولاً: إثبات القدرة الإلهية، وأنه لا يستعصي على قدرته شيء، لهذا قال: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا)) أي: تنزه عن كل نقص وعيب، إنها قدرة لا يقف أمامها حدود، ولا تعطل سيرها سدود، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]. ثانياً: هذه الرسالة عامة لجميع الأمم، فلقد وصل بيت المقدس وصلى فيه، ثم أم فيه الأنبياء وهو مهبط رسالاتهم ووحيهم، ولم يكن الاجتماع فيه لمجرد الاجتماع به، وإنما كان للإقرار بنبوته، وتفوقه عليهم في المكانة، وعلو قدره ومكانته عند ربه، وصلاته بهم اعترافاً منهم بحقه، ودعوة لأممهم لطاعته والاقتداء به، وإن تحول القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام دليل على أن أهل القبلتين لا بد لهم من اتباع قبلته. ثالثاً: الإسراء دليل على أن الأرض كلها دولة إسلامية، وأن الدولة الإسلامية ليس لها حدود تنتهي عنده، فنبي الإسلام ولد في مكة، وأسري به إلى بيت المقدس، وهاجر إلى المدينة، وهاجر أصحابه إلى الحبشة، فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده، قال الله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦]. وفي ذهابه إلى بيت المقدس وهو واقع في نطاق الإمبراطورية الرومانية إشارة إلى زوال تلك الإمبراطورية، وضمها إلى رقعة الدولة الإسلامية، ولقد تحقق ذلك مصداق قوله ﵎: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]. فمرت أعوام بعد وفاة النبي ﷺ وفتح بيت المقدس، وذلك في عهد عمر ﵁ واليوم: نساء سراييفو يتلفعن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصر أيا عمر الفاروق هل لك عودة فإن جيوش الروم ترغي وتزبد جيوشك في البلقان شدوا سروجهم ونحن في بيوتنا نلهو ونلعب اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 630

شهر رجب والبدع الواردة فيه الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه. عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. عباد الله! رجب شهر من الأشهر الحرم الأربعة، وهي ثلاثة متصلة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وواحد فرد هو شهر رجب، واختلف في سبب تسمية هذه الأشهر حرماً على أقوال: فقيل: لعظم حرمتها وحرمت الذنوب فيها، وقيل: سميت حرماً لتحريم القتال فيها، وكان ذلك معروفاً في الجاهلية، وقيل: إن سبب التحريم لأجل التمكن من الحج والعمرة، فيأمن الحجاج على أنفسهم ذهاباً وعودة. ومما يجب أن يعلم: أن رجب شهر كسائر الشهور يستحب فيه من الأعمال الصالحة ما يستحب في غيره من الشهور بلا تميز عن سائر الشهور، ولقد انتشرت بدع كثيرة لا بد من التنبيه عليها: أولها: صلاة الرغائب، وهي صلاة يصليها المبتدعة في أول خميس من شهر رجب بين المغرب والعشاء يصلون اثنتي عشرة ركعة، وهي ما أنزل الله بها من سلطان، قال الحافظ العراقي وغيره: حديثه موضوع لا أصل له. ثانيها: صلاة ليلة المعراج، وإحياؤها والاحتفال بها، قلنا: ليلة الإسراء والمعراج ليلة غير معروفة، فلم يعرفها الصحابة فكيف يعرفها من بعدهم؟! فيحيونها في ليلة السابع والعشرين مبتدعين ومغيرين في دين الله، وليلة المعراج لم يعرف لها وقت معين. ثالثها: تخصيص بعض الأيام بالصيام أو العمرة كالعمرة الرجبية، أو غيرها، وهذا أمر لم ينزل الله به سلطاناً، ولا دليل على ذلك. ومما انتشر بين الناس في جوالاتهم وفي رسائلهم: التهنئة بدخول شهر رجب، بقولهم: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان، قال أهل العلم: هذا حديث ضعيف، بل أنكره بعض أهل العلم. فعليكم عباد الله بسنة نبيكم وسنة الخلفاء المهديين من بعده، عضوا عليه بالنواجذ، ولقد قال ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). فاحذروا من البدع رعاكم الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وما وقع هؤلاء في بدعهم إلا لجهلهم بما أنزل الله ﵎، والجهل يدفع بالعلم ويصده، فتعلموا بارك الله فيكم أمور دينكم، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين. اللهم أقم علم الجهاد، واقمع على أهل الشرك والزيغ والعناد. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمتك، اللهم حرر أقصانا من أيدي اليهود، ورد العراق لنا رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم أخرج الكفرة الصليبيين من بلاد المسلمين أذلة صاغرين، اللهم لا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية، ولا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية. اللهم عليك بهم وبمن والاهم، يا رب العالمين! اللهم اشدد وطأتك على أمريكا وأعوانها، اللهم اشدد وطأتك على اليهود الغاصبين، والشيوعيين والمنافقين يا قيوم السماوات والأرضين! اللهم فك أسرانا في كوبا وفي كل مكان، وهيئ لهم من أمرهم رشداً، واجعل لهم من أمرهم مرفقاً، وثبتهم على طاعتك يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين! اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، لا خزايا ولا مفتونين. اللهم لا تؤاخذنا بالتقصير، واعف عنا الكثير، وتقبل منا اليسير، إنك يا مولانا! نعم المولى ونعم المصير. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم.

стр. 631

المهدي من أبرز علامات القيامة الكبرى ظهور المهدي المنتظر، وهو من آل رسول الله ﷺ ، اسمه كاسمه واسم أبيه كاسم أبيه. إنه يأتي ليملأ الأرض عدلاً ورحمة كما ملئت جوراً وظلماً. وقد دلت على ظهوره الكثير من الأحاديث، وقد ذكر في التوراة والإنجيل، وسيمكث سبع أو ثمان سنين، وسيعيش المسلمون في عهده في أمان وسعةٍ من الرزق.

стр. 632

ظهور المهدي حق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! إن عدالة السماء تقتضي أن يبعث الله ﵎ رجلاً للبشرية ليفصل في أمرها بحكمه بعدما استشرى في الأرض الفساد والظلم، وبعد تعاسة الإنسان. يأتي هذا الرجل بعد طول انتظار حلماً من الله ﵎ على عباده عسى أن يتوبوا، وإمهالاً لهم لا إهمالاً؛ ليميز الخبيث من الطيب، وليعلم المجاهدين من القاعدين، وليحيا من حيي عن بينة، وليهلك من هلك عن بينة. هذا الرجل هو المهدي المنتظر، وسيظهر المهدي في آخر الزمان، وسيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، وهو من آل بيت النبي ﷺ ، واسمه كاسمه واسم أبيه كاسم أبيه، ويؤيده الله وينصره على أعدائه أعداء الإسلام، ويعيش المسلمون في عهده في أمان وسعة من الرزق. وقد جاء ذكره في أكثر من ثمانين حديثاً تناقلها مئات الرواة وقد خرجها المهدي أبو داود والترمذي وأبو يعلى وابن ماجة والبزار والحاكم والطبراني، وأسانيد أحاديث هؤلاء بين ضعيف وحسن وصحيح. وكما ادعى النبوة أقوام فقد ادعى المهدية أقوام، وآية كذب هؤلاء أنهم قتلوا، ولو كانوا كما يدعون لانتصروا وملئوا الأرض عدلاً.

стр. 633

الأدلة على أن المهدي حق

стр. 634

المهدي في القرآن لقد جاءت الآيات تشير إلى ظهور المهدي، وجاءت السنة تبين ذلك، فأما القرآن فقد قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:١١٤]: أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية؛ قتلهم وأسرهم وسباهم، فذلك الخزي. وحكى القرطبي عن قتادة والسدي: الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي، وفتح عمورية ورومية والقسطنطينية وغير ذلك من مدنهم. وقال الشوكاني: أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنيطينية. وعن مقاتل بن سليمان في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١] قال: هو المهدي في آخر الزمان، وبعد خروجه تكون أمارات الساعة وقيامها.

стр. 635

المهدي في السنة إن أدلة خروج المهدي من السنة كثيرة كما ذكرت، منها: حديث علي ﵁ عند ابن ماجة وأحمد -وهو في صحيح الجامع- قال: قال رسول الله ﷺ : (المهدي منا آل البيت، يصلحه الله في ليلة). ومعنى (يصلحه الله في ليلة) أي: يتوب عليه، ويوفقه إلى طريق الرشاد والسداد، ويلهمه الصواب لمهمته العظيمة فيكون أهلاً لها. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المهدي مني -أي: من آل البيت- أجلى الجبهة -أي: واسع الجبهة-، منحسر الشعر، أقنى الأنف -أي: حاد الأنف، ليس بأفطس ولا معوج مع دقة أرنبته- يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين) قال الألباني: إسناده حسن. وجاء عند الحاكم في مستدركه من حديث أبي سعيد أيضاً: قال ﷺ : (يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، قال رجل: وما صحاحاً يا رسول الله؟ قال: أن يعطيه بين الناس بالسوية، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، ويعيش سبعاً أو ثمانياً). وعند أحمد والنسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى بن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها). وعن أم سلمة ﵂ قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة) رواه أبو داود والحاكم في مستدركه. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني أو من أهلي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي) رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وعن أبي أمامة ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ وذكر الدجال فقال: فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، قالت أم شريك: فأين العرب يا رسول الله يومئذ؟ قال ﷺ : هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي -رجل صالح-، فبينما إمامهم المهدي تقدم ليصلي بهم الصبح إذ نزل عيسى بن مريم وقت الصبح، فيرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقري ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم) يعني: المهدي. رواه الحاكم وابن ماجة وابن خزيمة وأبو نعيم واللفظ له. وهذا شرف عظيم لهذه الأمة أن يصلي عيسى نبي الله خلف رجل منها. وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان ﵇، والكافران: النمرود وبختنصر، وسيملكها خامس من أهل بيتي) أخرجه ابن الجوزي في تاريخه.
следующие страницы →