← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المهدي من أبرز علامات القيامة الكبرى ظهور المهدي المنتظر، وهو من آل رسول الله ﷺ ، اسمه كاسمه واسم أبيه كاسم أبيه. إنه يأتي ليملأ الأرض عدلاً ورحمة كما ملئت جوراً وظلماً. وقد دلت على ظهوره الكثير من الأحاديث، وقد ذكر في التوراة والإنجيل، وسيمكث سبع أو ثمان سنين، وسيعيش المسلمون في عهده في أمان وسعةٍ من الرزق.

стр. 632

ظهور المهدي حق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! إن عدالة السماء تقتضي أن يبعث الله ﵎ رجلاً للبشرية ليفصل في أمرها بحكمه بعدما استشرى في الأرض الفساد والظلم، وبعد تعاسة الإنسان. يأتي هذا الرجل بعد طول انتظار حلماً من الله ﵎ على عباده عسى أن يتوبوا، وإمهالاً لهم لا إهمالاً؛ ليميز الخبيث من الطيب، وليعلم المجاهدين من القاعدين، وليحيا من حيي عن بينة، وليهلك من هلك عن بينة. هذا الرجل هو المهدي المنتظر، وسيظهر المهدي في آخر الزمان، وسيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، وهو من آل بيت النبي ﷺ ، واسمه كاسمه واسم أبيه كاسم أبيه، ويؤيده الله وينصره على أعدائه أعداء الإسلام، ويعيش المسلمون في عهده في أمان وسعة من الرزق. وقد جاء ذكره في أكثر من ثمانين حديثاً تناقلها مئات الرواة وقد خرجها المهدي أبو داود والترمذي وأبو يعلى وابن ماجة والبزار والحاكم والطبراني، وأسانيد أحاديث هؤلاء بين ضعيف وحسن وصحيح. وكما ادعى النبوة أقوام فقد ادعى المهدية أقوام، وآية كذب هؤلاء أنهم قتلوا، ولو كانوا كما يدعون لانتصروا وملئوا الأرض عدلاً.

стр. 633

الأدلة على أن المهدي حق

стр. 634

المهدي في القرآن لقد جاءت الآيات تشير إلى ظهور المهدي، وجاءت السنة تبين ذلك، فأما القرآن فقد قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:١١٤]: أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية؛ قتلهم وأسرهم وسباهم، فذلك الخزي. وحكى القرطبي عن قتادة والسدي: الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي، وفتح عمورية ورومية والقسطنطينية وغير ذلك من مدنهم. وقال الشوكاني: أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنيطينية. وعن مقاتل بن سليمان في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١] قال: هو المهدي في آخر الزمان، وبعد خروجه تكون أمارات الساعة وقيامها.

стр. 635

المهدي في السنة إن أدلة خروج المهدي من السنة كثيرة كما ذكرت، منها: حديث علي ﵁ عند ابن ماجة وأحمد -وهو في صحيح الجامع- قال: قال رسول الله ﷺ : (المهدي منا آل البيت، يصلحه الله في ليلة). ومعنى (يصلحه الله في ليلة) أي: يتوب عليه، ويوفقه إلى طريق الرشاد والسداد، ويلهمه الصواب لمهمته العظيمة فيكون أهلاً لها. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المهدي مني -أي: من آل البيت- أجلى الجبهة -أي: واسع الجبهة-، منحسر الشعر، أقنى الأنف -أي: حاد الأنف، ليس بأفطس ولا معوج مع دقة أرنبته- يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين) قال الألباني: إسناده حسن. وجاء عند الحاكم في مستدركه من حديث أبي سعيد أيضاً: قال ﷺ : (يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، قال رجل: وما صحاحاً يا رسول الله؟ قال: أن يعطيه بين الناس بالسوية، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، ويعيش سبعاً أو ثمانياً). وعند أحمد والنسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى بن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها). وعن أم سلمة ﵂ قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة) رواه أبو داود والحاكم في مستدركه. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني أو من أهلي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي) رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وعن أبي أمامة ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ وذكر الدجال فقال: فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، قالت أم شريك: فأين العرب يا رسول الله يومئذ؟ قال ﷺ : هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي -رجل صالح-، فبينما إمامهم المهدي تقدم ليصلي بهم الصبح إذ نزل عيسى بن مريم وقت الصبح، فيرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقري ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم) يعني: المهدي. رواه الحاكم وابن ماجة وابن خزيمة وأبو نعيم واللفظ له. وهذا شرف عظيم لهذه الأمة أن يصلي عيسى نبي الله خلف رجل منها. وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان ﵇، والكافران: النمرود وبختنصر، وسيملكها خامس من أهل بيتي) أخرجه ابن الجوزي في تاريخه.

стр. 636

أقوال العلماء في المهدي عباد الله! أما أقوال العلماء في أن المهدي حق، فلقد قال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية: الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة. وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: وقد ورد ما يدل على أن المهدي من ذرية الحسن ﵁، كما رواه أبو داود وغيره. وقال الحافظ ابن كثير في نهاية البداية والنهاية: فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان، قال: وهو أحد الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وليس بالمنتظر الذي تزعم الروافض، وترتجي ظهوره من سرداب سامراء، فإن ذلك ما لا حقيقة له ولا عين ولا أثر. وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان: والمسلمون ينتظرون نزول عيسى ﵇ من السماء لكسر الصليب، وقتل الخنزير، وقتل أعدائه من اليهود وعباده من النصارى، وينتظرون خروج المهدي من أهل بيت النبوة يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.

стр. 637

المهدي في الكتب السابقة لقد جاء ذكر المهدي في كتب اليهود والنصارى! قال كعب الأحبار ﵁: إني لأجد المهدي مكتوباً في أسفار الأنبياء ليس في حكمه ظلم ولا عنت. وجاء في سفر التثنية الإصحاح الرابع، والخطاب لليهود: إذا كثرت ذريتكم، وعمرتم الأرض، وعلوتم العلو الأخير، وتعاظمت خطاياكم، وحاولتم إغاظة الرب؛ فإني أشهد عليكم هذه السماء، وأشهد عليكم هذه الأرض التي تعبرون إليها إلى نهر الأردن لعلكم تملكونها، إنكم لن تعيشوا طويلاً، بل سوف تهلكون، وبيد الفتى المنتظر. سبحان الله! وبنفس النعت (الفتى المنتظر)، ثم تأمل في قوله: وعلوتم العلو الأخير. قال سبحانه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٤ - ٧].

стр. 638

سبب تسميته بهذا الاسم عباد الله! لماذا سمي المهدي بهذا الاسم؟ هناك أقوال عدة منها: عن كعب الأحبار ﵁ قال: إنما سمي المهدي لأنه يهدى إلى أمر خفي، ويستخرج التوراة والإنجيل من بلد يقال لها: أنطاكية. وقال ابن الأثير: المهدي الذي قد هداه الله إلى الحق. وذكر السيوطي إنما سمي بالمهدي لأنه يهدى إلى جبل من جبال الشام يستخرج منه أسفار التوراة يحاجج بها اليهود، فيسلم على يديه جماعة منهم. إذاً: فـ المهدي اسم على مسمى، فهو رجل هداه الله للهدى، وثبته عليه، وأيده بجند من عنده، وسيهدي الأمة لطريق العزة والرشاد والتمكين، فأسأل الله أن يعجل بظهوره.

стр. 639

صفات المهدي مر بنا قوله ﷺ من حديث ابن مسعود: (المهدي فتى أجلى الجبهة -أي واسع الجبهة-، أقنى الأنف -أي: طويل الأنف مع دقة أرنبته-، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين). وعن أبي جعفر بن علي الباقر ﵄ قال: سئل الإمام علي ﵁ عن صفة المهدي فقال: هو شاب مربوع حسن الوجه، يسيل شعره على منكبيه، يعلو نور وجهه سواد شعره ولحيته ورأسه. وجاء في كتاب المسيح الدجال وأسرار الساعة للسفاريني: بأنه آدم -أي: أسمر- ضرب من الرجال -أي: نحيف ممشوط لا طويل ولا قصير- أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أزج -أي: حاجبه فيه تقويس مع طول طرفه-، أكحل العينين، واسع العينين، براق الثنايا أفرقها، منفرج الفخذين، وفي لسانه ثقل، وإذا أبطئ عليه ضرب فخذه الأيسر بيده اليمنى، وفي رواية: (ما بين ثلاثين وأربعين، خاشع لله خشوع النسر بجناحيه). وأما من يوطئ له ملكه فلقد جاء عند ابن ماجة عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : (يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع رايات سود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم، قال: ثم نسيت ما قال، ثم قال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج، فإنه المهدي). قال ابن كثير: المراد بالكنز المذكور كنز الكعبة، فيُقتل عنده، يأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان، فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق لا من سرداب سامراء كما يدعي ويزعم بعض الجهلة. قال ابن كثير: ويؤَيد بناسٍ من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويسترون أركانه، وتكون راياتهم سود، وهو زي الوقار؛ لأن راية النبي ﷺ كانت سوداء يقال لها: العقاب. عباد الله! إن خروج المهدي حدث عظيم، وعلامة من علامات الساعة الكبرى، وقبل حدوث مثل هذه الأحداث العظام تسبقها أمارات وعلامات تبين قرب وقوعها، وسأذكر بعضاً منها في الخطبة الثانية. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 640

علامات تسبق ظهور المهدي الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وكثير نعمه، وعفوه وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه أجمعين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من استن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم بمنك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين! أما بعد: عباد الله! فأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، ومن تقواه الاستعداد للقائه بالإيمان بآياته، واتباع كتابه، وطاعة رسوله ﷺ الذي أخبرنا عن الساعة، وعن علاماتها وأماراتها وأشراطها، ومنها خروج المهدي، وخروجه تسبقه أشراط وعلامات تبين قرب ظهوره. ولقد وردت آثار وتواردت أخبار عن علامات تسبق ظهور المهدي منها حرب وهرب وإدبار وفتن شداد، وكرب وبوار، وظلم وجور واعتداءات، فيظهر إذا امتلأت الأرض ظلماً وجوراً، وقد أوشكت. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (ذكر رسول الله ﷺ بلاء يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى عنه ساكنو السماء وساكنو الأرض، لا تدع الأرض من قطرها شيئاً إلا صبته مدراراً، ولا تدع الأرض من نباتها شيئاً إلا أخرجته، حتى يتمنى الأحياء الأموات لما يرون من الأمن والسعادة والبركة وعز الإسلام، يعيش في ذلك سبع سنين أو ثمان). وهو يظهر -بارك الله فيك- عند تجبر الملوك والطغاة. وعن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ويح هذه الأمة من ملوك الجبابرة! كيف يقتلون ويخيفون المطيعين إلا من أظهر طاعتهم؟!) فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه، ويفر منهم بدينه، فإذا أراد الله أن يعيد الإسلام عزيزاً قصم كل جبار عنيد، وهو القاهر على أن يصلح أمة بعد فسادها. ثم قال ﷺ : (يا حذيفة! لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي) تجري الملاحم على يديه، ويظهر الإسلام، ولا يخلف الله وعده، والله سريع الحساب. ومن العلامات التي تسبق ظهور المهدي: استحلال البيت، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يبايع لرجل بين الركن والمقام، ولن يستحل البيت إلا أهله). ومن العلامات أيضاً: أن يكون المسجد النبوي كالقصر الأبيض، قال ﷺ : (يوم الخلاص وما يوم الخلاص، قالوا: يا رسول الله! وما يوم الخلاص؟ قال: يجيء الدجال فيصعد على أحد فيطلع إلى المدينة ويقول لأصحابه: أترون هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد). فما رأيكم! كيف هو المسجد النبوي اليوم؟ سأترك الجواب لكم. ويسبق ظهوره أيضاً: انتشار الربا حتى يصبح أمراً معتاداً، فقد روى أبو داود وابن ماجة والحاكم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه غباره). عباد الله! إن انتشار الربا في العالم اليوم لأمر جلي لا يخفى على أحد، ولا ينكره إلا غبي، فأعمال البنوك والمصارف كلها تقوم على النظام الربوي اليهودي، وحتى الذين ينكرونها ويستنكرونها يضطرون للتعامل معها ولو بمس الغبار كما أخبر الصادق المصدوق، ومع أن الله يلعن ويحارب المرابي إلا أن العالم يغرق في الربا ويعلن الحرب على الله دون حياء؛ ولهذا فالعالم يئن من الشقاء والحروب والويلات والتعاسة، وصدق الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]. وقال ﷺ : (الربا سبعون باباً أدناها كوقع الرجل على أمه)، وفي رواية: (كالذي ينكح أمه)، ومع هذا الوعيد فلا زالت الأمة تغرق في الربا بلا حياء! ومن علامات ظهوره أيضاً: ضياع الأمانة، عن أبي هريرة ﵁: (أن أعرابياً سأل النبي ﷺ : متى الساعة؟ فقال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: يا رسول الله! وكيف إضاعتها؟ قال ﷺ : إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). فهذه أشراط الساعة وعلاماتها قد ظهرت فينا والله المستعان! قال الله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٨ - ١٩]. عباد الله! إن المهدي سيخرج ولكن متى؟ الله أعلم، وليس المطلوب من الأمة أن تركن وتقعد عن العمل، وتتكاسل أملاً في ظهوره يوم كذا من شهر كذا من عام كذا، ولكن عليها أن تعمل وأن توطئ الأمر لظهوره وخروجه، ونعد لذلك أنفسنا، ونعد له رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهؤلاء هم الغرباء الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، ووالله! إن العالم اليوم ليئن ويشتكي من الظلم والجور، ونداءات المظلومين تنادي: يا أيها الإنسان هل تبكي لما أبكاني أرأيت ماذا قد حصل في العالم الحيران اليأس يعصف بالأمل ويهز كل كياني ألا فليستيقن المستضعفون بأن الله سينصر دينه برجل من هذه الأمة، وليستبشروا فإن الفرج قريب، قال الله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]. ألا فليعلم أعداء الله أن الله سيتم نوره ولو كره المشركون، قال سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] ويقول: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الموحدين، اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل عبادك الموحدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق يا ذا الجلال والإكرام، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وصن أعراضهم، واحقن دماءهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وبلادنا بسوء وبلاد المسلمين فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا! من الراشدين. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، واحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال جل من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم ارض عن صحابته أجمعين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، واجعلنا معهم بمنك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تؤاخذنا بالتقصير، واعف عنا الكثير، وتقبل منا اليسير، إنك يا مولانا! نعم المولى ونعم النصير. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 641

أمر عجيب نعمة الهداية هي سر السعادة في الدنيا والآخرة، فصاحبها مرتاح البال، مطمئن القلب، فإذا أصابته سراء شكر، وإذا أصابته ضراء صبر، فهو على خير في كل حال من أحواله. وفاقد هذه النعمة لا قيمة له، والعجب كل العجب ممن يرجو الفوز والفلاح ولا يبذل الأسباب لذلك، ولنا في سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ممن سلك طريق الهدى والاستقامة خير قدوة في امتثال أسباب الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

стр. 642

نعمة الهداية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وحياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم كما جمعني وإياكم في هذا المكان أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. إن المقصد والهدف من هذا الاجتماع أن نسير أنا وإياكم يداً بيد كي ننجو من عذاب الله، ونفوز برحمته ﵎؛ لذا اخترت لكم حديثاً عن نعمة عظيمة الكل يتمناها، والكل يقول: ادعوا لي بهذه النعمة، وهذه النعمة التي سأحدثك عنها هي سر السعادة في الدنيا والآخرة، وصاحب هذه النعمة سعيد مرتاح البال، مطمئن القلب، إذا أصابته سراء شكر، وإذا أصابته مصيبة صبر، فهو على خير على كل حال من أحواله، وهذه النعمة تنفع صاحبها في الدنيا وعند الموت وبعد الموت، فأما في الحياة فحياة طيبة، وأما عند الموت فثبات من رب الأرض والسماوات، وأما بعد الموت فأمن وأمان، قال الله: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء:١٠٣]، أي: أصحاب هذه النعمة، ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٣ - ١٠٤]. والناس بدون هذه النعمة لا قيمة لهم، فهم أموات في صور الأحياء وإن أكلوا وإن شربوا، وإن غدوا وراحوا، فلعلك عرفت هذه النعمة، إنها نعمة الهداية، إنها الميلاد الجديد والحياة الجديدة، إن لكل واحد منا ميلادين: الميلاد الأول: هو يوم أن خرجنا من بطون أمهاتنا لا نعرف شيئاً، فخرجنا نبكي لا ندري ماذا يراد بنا في هذه الحياة: أنت الذي ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً وأما الميلاد الثاني وهو الأهم: فهو يوم أن يسلك العبد طريق الهداية والاستقامة، ويعلن التوبة والرجعة والإنابة إلى الله، يقول النبي ﷺ لـ كعب بن مالك يوم أن تنزل القرآن يعلن فيها توبة الله على أولئك الثلاثة الذين خُلِّفوا: (يا كعب! أبشر بخير يوم منذ ولدتك أمك)، فيوم التوبة ويوم سلوك طريق الاستقامة هو أعظم وأفضل يوم في الحياة، يوم أن يرجع العبد إلى الله، فيفرح الله ﵎ بذلك وهو الغني ﵎ عن عباده. أيها المسلمون! كلنا ذوو خطأ، وخير الخطائين التوابون، وليس عيباً أن نخطئ، لكن العيب كل العيب أننا نتمادى في الخطأ ونستمر فيه، وأنا أعرف وعلى يقين أن أمامك فتناً كثيرة، ومغريات كبيرة، لكن طريق الاستقامة واضح بيِّن، فقد سلكه الكثير فوجدوا فيه الراحة والسعادة والطمأنينة، فإن كانوا قد استطاعوا أن يسلكوا هذا الطريق فأنت أيضاً تستطيع أن تسلكه، فالفتن تواجههم كما تواجهك أنت، لكنهم عرفوا معنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وأنت كذلك تعرفها، وأنت من أهل هذه الكلمة العظيمة، فاسلك الطريق ففيه سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.

стр. 643

بذل السبب في الحصول على الحق إن المطلوب مني ومنك أن نبذل السبب حتى نحصل على ما نريد، والعجب كل العجب أننا نبذل الأسباب لكل شيء إلا لنعمة الهداية، وصدق من قال: ترجو السلامة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس وتأمل معي هذه المواقف وقل عجباً: عجيب أنك ترى ساعة في طاعة الله طويلة مملة، ثم في المقابل أنت تجلس تسعين دقيقة في ملعب كرة القدم، بل وتفرح إذا كان هناك وقتاً إضافياً. وعجيب أنك لا تستطيع أن تقرأ جزءاً واحداً من القرآن، ثم في المقابل أنت تقلب الجرائد والمجلات لساعات طويلة. عجيب أنك لا تستطيع أن تجلس ساعة واحدة في المسجد لخطبة أو محاضرة، ثم في المقابل أنت تجلس ساعات وساعات أمام الشاشات والقنوات. وعجيب أنك لا تستطيع أن تحفظ سورة من القرآن، ثم أنت في المقابل تحفظ القصائد وتحفظ الأشعار، بل حتى الأغاني والألحان. وعجيب أنك تريد أن تكون من أهل الجنة التي فيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، فماذا عملت لها حتى تكون من أهلها؟ فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا فلا زلت مصراً على ترك الصلوات، وارتكاب المعاصي والمنكرات، فنهارك نوم وكسل، وليلك غفلة وفشل. فتعال معي نصنع مقارنة بين شاب مستقيم وبين شاب آخر، ثم نقرر أيهما خير:

стр. 644

مقارنة الشباب بين شاب مستقيم وآخر غير مستقيم الشاب المستقيم طاهر القلب، سليم الصدر، يشع وجهه بالنور، وتكسوه لحية وهبها أحسن الخالقين إليه؛ كي تكون علامة فارقة وسمة تميزه عن غيره من الغافلين، وأما الآخر فخبيث النفس، ضيق الصدر، معتم الوجه، يسعى جاهداً لتغيير خلق الله، دائماً يبحث عن السعادة المزعومة فلا يجدها، فأيهما خير؟ والشاب المستقيم يلجأ إلى الله في كل حين مستيقناً قلبه قائلاً ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٥ - ٧]. والآخر يتوجه إلى غير الله من المخلوقات والجمادات، فيدعوها ويستعينها ويستهديها، ويوالي من حاد الله ورسوله، ويتبرأ من أهل الخير، وينعتهم كما نعتهم به أسياده من التزمت والرجعية والإرهاب والتطرف، فمثله كمثل الإمعة، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤]، فأيهما خير؟ والشاب المستقيم يزاحم إخوانه عند أبواب المساجد وبين أيدي العلماء، ويتعلم العلم النافع، ويتقرب إلى الله بحب الدعاة والعلماء، وأما الآخر فإنه يزاحم أقرانه عند أبواب المجمعات والأسواق والجسور المهلكة؛ بحثاً عن السعادة: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، فأيهما خير؟ والشاب المستقيم تسمعه يقول لإخوانه: جزاك الله خيراً، وزوجك بكراً، وبارك الله فيك، ولا تنسنا من صالح الدعاء، ورحمك الله ووالديك، وأما الآخر فلسانه دائماً يقذف بالشرر من اللعن والسباب ونابي الألفاظ، وأسماؤهم وأنعاتهم: أبو غضب وأبو عاصي والمحروم والمجرم وهلم جراً، والصفة تتبع الموصوف، فأيهما خير هذا أم ذاك؟ والشاب المستقيم منتج للمجتمع، فهو يفشي السلام، ويطعم الطعام، ويصل الأرحام، ويقيم حقوق الجيران، فهو لا يقف أمام مصالح المسلمين، فلا يسد باباً، ولا يعترض مرئاباً للسيارات، ويبتسم في كل حين من أثر السعادة التي غمرت قلبه، وانعكست على جوارحه، ويحافظ على أنظمة المرور من باب طاعة ولاة الأمور، وشعاره: اجعل المكان كما كان أو أحسن مما كان، لا يعرف معنى الفراغ، فهو كالنحلة لا يكل ولا يمل في العمل لهذا الدين، فهو كالنور والزهر والماء والهواء للمجتمع. وأما الآخر فهو أداة تخريب وهدم ودمار للمجتمع، فهو لا يفعل مما سبق ذكره، بل يملأ الشوارع تفحيطاً وتجديعاً، ومخالفة للأنظمة، وإضراراً بالآخرين، ولا يعرف معنى الوقت ولا معنى الحياة، ودائماً يردد: الحياة ملل في ملل، فهو كالحنظلة للمجتمع، وهو صفراً على الشمال، بل الشمال على الصفر له قيمة في بعض الأحيان. والشاب المستقيم أفضل من يبر بوالديه، ويحترم إخوانه، فيوقر الكبير، ويرحم الصغير، وأما الآخر فعباراته لوالديه: أف وآه، واللهم طولك يا روح، وكلمات كلها تجرح الوالدين، وهو أناني لا يحب إلا نفسه، ولا يقضي إلا حاجاته، فأيهما خير هذا أم ذاك؟ والشاب المستقيم قدوته النبي ﷺ ، والصحابة الأطهار، والعظماء الفاتحين، وأما الآخر فقدوته في هذه الدنيا اللاعب الفلاني، والمغني فلان، بل بعضهم قدوته من الكفار، نسأل الله العفو والعافية، فأيهما خير؟ والشاب المستقيم يكتم شهواته بالصيام، والصلاة والقيام، وخدمة الإخوان، وأما الآخر فيفتح شهواته بالإنترنت والفيديو والشوارع والأسواق وغير ذلك من أنواع المحرمات، فأيهما خير؟ والشاب المستقيم يذكر الله كثيراً، وهو مبارك أينما حل، ومبارك في زوجه وفي ماله وفي ولده، وأما الآخر فلا يذكر الله إلا قليلاً، وقد محقت بركة رزقه وبركة أولاده، بل حتى البركة في نفسه ووقته، فالله المستعان. لكن قل لي: أيهما خير هذا أم ذاك؟ والشاب المستقيم يحمل هم الأمة، فيدعو لها، ويعمل لنصرتها، وهو بعيد النظر في التفكير، ودقة في التحليل، ودائماً يفكر في معالي الأمور، وأما الآخر فيحمل هم بطنه وهم شهوته، ولا يدري من هو ولا إلى أين يسير، فمثله في الدنيا: مع الخيل يا شقراء، وحشر مع الناس عيد، وأكبر همه كل سافل وحقير. والشاب المستقيم إذا مات مات ميتة كريمة، فينطق لسانه بالشهادة، ويشع وجهه نوراً، ولعلك تشم منه رائحة المسك، وقد لا يتعفن، فهو يدعو الله أن يرزقه الشهادة في سبيل الله آناء الليل وأطراف النهار، (من طلب الشهادة بحق بلغه الله مرتبة الشهداء وإن مات على فراشه)، وأما الآخر إذا مات مات ميتة حقيرة، فتسحب روحه سحباً، وتقطع بها أحشاؤه، ولا يستطيع النطق بالشهادة، كالح الوجه، منتفخ ثقيل، لا يترحم عليه أقرانه في الدنيا، ولا يذكرونه بخير. وكم سمعنا عن شباب ماتوا في الحمامات، وبعضهم في أحضان المومسات على سكر ومخدرات، فأي الفريقين تريد؟ وأيهما خير هذا أم ذاك؟ وماذا تنتظر؟ وكثير من الشباب ينتظر مصيبة تحل على رأسه، وكثير من الشباب اغتر بإمهال الله له، فينتظر مصيبة تحل على رأسه أو قارعة تصيبه في أهله حتى يرجع إلى الله، وما يدريك لعلها إن حلت المصيبة أو القارعة أنها تكون القاضية.

стр. 645

قصة هداية شاب انحرف عن الطريق هذا شاب صغير يروي قصة الضياع، ثم يروي كيف اهتدى إلى طريق الاستقامة والهداية، يقول: لما بلغت الرابعة عشرة من عمري، وكنت في السنة الثانية من المرحلة المتوسطة، حدث حادث في حياتي كان سبباً في تعاستي وشقائي فترة من الزمن، فقد تعرفت على شلة من رفقاء السوء، وكانوا ينتظرون الفرصة المناسبة لإيقاعي في شباكهم، وجاءت الفرصة مناسبة أثناء فترة الامتحانات، فجاءوني بحبوب بيضاء منبهة، فكنت أسهر عدداً من الليالي المتوالية في المذاكرة دون أن يغلبني النعاس، وما كنت أشعر بحاجة إلى النوم، فانتهت الامتحانات ونجحت بتفوق، وبعد الامتحانات داومت على تعاطي هذه الحبوب البيضاء فأرهقني السهر وتعبت تعباً شديداً، فجاءني أولئك الشياطين وقدموا لي في هذه المرة حبوباً، لكن اختلفت الألوان، في المرة الأولى كانت الحبوب بيضاء، وفي المرة الثانية كانت الحبوب حمراء، قالوا لي: إنها تطرد عني السهر وتجلب لي النوم والراحة، ولم أكن أدرك حقيقة هذه اللعبة وهذا التآمر والمكر الخبيث من هؤلاء الشياطين: شياطين الإنس الذين هم أخطر من شياطين الجان. يقول: فأخذت أتعاطى هذه الحبوب مرات ومرات في اليوم، وبقيت على هذه الحال ثلاث سنوات تقريباً أو أكثر، ففشلت في دراستي وفي كل شأن من شئون حياتي، ولم أتمكن حتى من إتمام المرحلة المتوسطة من الدراسة بعد أن كنت من المتفوقين، فصرت أتنقل من مدرسة إلى مدرسة لعليّ أن أحصل على هذه الشهادة، ولكن دون جدوى! وبعد هذا الفشل الذريع الذي كان سببه هذه الحبوب وهذه المخدرات فكرت في الانتقال إلى مدينة أخرى حيث يقيم عمي وأبناء عمي في تلك المدينة لعلي أغير شيئاً من حياتي، وكان والدي قد اشترى سيارة جديدة، فأخذت السيارة في تلك الليلة دون علم والدي وتوجهت إلى تلك المدينة، وكنت أحمل في جيبي كمية كبيرة من هذه الحبوب الحمراء، وفي الطريق توقفت عند بعض الأصحاب، وفي تلك الليلة أسرفت في تناول هذه الحبوب حتى أصبحت في وضع يرثى له، لا أميز من الغادي ومن الرائح، وقبيل الفجر ركبت السيارة وأنا في حالة لا يعلمها إلا الله، وانطلقت مسرعاً في طريقي، وما هي إلا دقائق حتى غبت عن الدنيا، ولم أفق إلا وأنا في المستشفى في حالة سيئة، كسرت ساقي اليمنى، وأصبت بجروح بالغة بعد أن مكثت في غرفة الإنعاش ثمانياً وأربعين ساعة، فأخرجوني إلى الغرفة التالية، ثم بعد أن تعافيت وخرجت من المستشفى مكثت في البيت أياماً يداويني أهلي ويرعوني، ومن رحمة الله بي أن كتب لي حياة جديدة، ومنح لي فرصة جديدة؛ لعلي أن أتوب وأرجع وأقلع عما أنا فيه، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فنقلت من المستشفى إلى بيت والدي، وفي البيت كنت أتعاطى هذه الحبوب النكدة، وقد تسألني وتقول: من أين لك هذه الحبوب وأنت ترقد على فراش المرض؟ فأقول لك: كان أولئك الشياطين يأتون لزيارتي في البيت، فيعرضون علي بضاعتهم فأشتري منهم ما يكفيني لأيام، وبالرغم من حالتي السيئة بقيت على هذه الحال أياماً، وبعدها أحسست بتحسن بسيط. وكانت فكرة السفر إلى تلك الديار حيث يقيم عمي وأبناء عمي تراودني، فأنا أريد أن أغير الواقع وأن أرجع إلى ما كنت عليه، فخرجت يوماً بعكازي وأخذت أبحث عن سيارة تأخذني إلى تلك المدينة، فما توقف لي أحد، فذهبت إلى مواقف سيارات الأجرة واستأجرت سيارة أوصلتني إلى تلك المدينة، وهناك بادرت بالتسجيل في إحدى المدارس المتوسطة، فكبرت في السن ولا زلت في المرحلة المتوسطة، بعد جهود بذلها عمي وغيره تم قبولي في تلك المدرسة وحصلت على شهادة الكفاءة، لكني كنت مستمراً على تعاطي المسكرات والمخدرات حتى بدلت الحبوب المخدرة وبدأت بتعاطي الخمر في كل يوم! لقد انتقلت من حفرة إلى أخرى، وهكذا الذنوب تقود بأصحابها من ورطة إلى أخرى، فتركت الحبوب ولكني أصبحت مدمناً للخمر والعياذ بالله، وكنت أقوم في نفس الوقت بترويج تلك الحبوب الحمراء وبيعها بسعر مضاعف، لم أكن أدرك فداحة هذا الأمر، وأني أفسد الآخرين، وأني أجمع المال من طريق حرام -أسأل الله أن يتوب علي-. ثم بعد الخمر انتقلت إلى الحشيش وأدمنت عليه، وكنت أتعاطاه عن طريق التدخين، فكنت أذهب إلى المدرسة وأنا في حالة هستيرية فأرى الناس حولي كأنهم ذباب أو حشرات صغيرة، ولم أكن أتعرض لأحد؛ لأن الذي يتعاطى هذا البلاء يكون جباناً يخاف من كل شيء، بقيت على هذه الحال سنتين تقريباً، وكنت أقيم في غرفة في طرف المدينة حتى لا يراني عمي وأبناء عمي على تلك الحال. وفي يوم من الأيام جاءني اثنان من شياطين الإنس الذين أعرفهم، وكان أحدهما متزوجاً، فأوقفت سيارتي وركبت معهم وكان ذلك بعد صلاة العصر، فأخذنا ندور وندور في شوارع البلد بلا هدف ولا غاية ولا مقصد. وأمثال هؤلاء كثير يتجولون في الشوارع بلا هدف ولا غاية، وبعد جولة دامت ساعات أوقفوني عند سيارتي فركبتها وتوجهت إلى البيت، ولكني ظللت الطريق ولم أستطع أن أرجع إلى بيتي فقد كنت في حالة سكر شديد، ظللت مدة ساعتين أو أكثر أبحث عن البيت فلم أجده، وفي نهاية المطاف وبعد جهد جهيد وصلت إلى البيت، فلما رأيت البيت فرحت فرحاً شديداً، فلما هممت بالنزول من السيارة أحسست بألم شديد في قلبي، وبصعوبة بالغة نزلت ودخلت البيت، وفي تلك اللحظات تذكرت الموت، نعم تذكرت الموت كأنه أمامي شبح أسود يريد أن يهجم علي، ورأيت أشياء عجيبة أعجز عن وصفها الآن، فقمت مسرعاً من غير شعور ودخلت دورة المياه وتوضأت، سبحان الله! سنوات طوال وأنا لا أعرف الركوع والسجود، فدخلت دورة المياه وتوضأت، وبعد خروجي من الدورة عدت مرة ثانية وتوضأت، ثم أسرعت إلى إحدى الغرف وكبرت ودخلت في الصلاة، وتذكرت في تلك اللحظة أنني لم أصل ولم أركع ولم أسجد لله لسنوات طوال، وأتذكر أنني قرأت في الركعة الأولى الفاتحة وقل هو الله أحد، ولا أتذكر ما قرأته في الركعة الثانية، فالمهم أنني أديت تلك الصلاة بسرعة شديدة قبل أن أموت، ثم ألقيت بنفسي على الأرض على جنبي الأيسر واستسلمت انتظاراً للموت، وتذكرت في تلك اللحظات أنني سمعت أن الميت الأفضل أن يوضع على جنبه الأيمن فتحولت إلى الجنب الأيمن، وأنا أحس بأن شيئاً ما يهز كياني هزاً عنيفاً، ومرت في خاطري صور متلاحقة من سجل حياتي الحافل بالضياع والشهوات والمجون، وأيقنت أن روحي على وشك الخروج، ومرت لحظات كنت أنتظر فيها الموت، وفجأة حركت قدماي فتحركتا ففرحت بذلك فرحاً شديداً، وعلمت أنني لم أمت إلى الآن، لقد رأيت بصيصاً من الأمل يشع من بين تلك الظلمات الحالكة، فقمت مسرعاً وخرجت من البيت وركبت سيارتي وتوجهت إلى بيت عمي، فدفعت الباب ودخلت وسقطت مغشياً علي، لقد وجدتهم مجتمعين يتناولون طعام العشاء، فألقيت بنفسي بينهم، فقام عمي فزعاً، ثم لما أفقت سألني: ما بك؟ فقلت له: إن قلبي يؤلمني، فقام أحد أبناء عمي وأخذني إلى المستشفى، وفي الطريق أخبرته بحالي وأني قد أسرفت على نفسي في تعاطي ذلك البلاء، وطلبت منه أن يذهب بي إلى طبيب يعرفه، فذهب بي إلى إحدى المستشفيات الأهلية، فلما كشف علي الطبيب وجد حالتي في غاية السوء حيث بلغت نسبة الكحول في جسمي نسبة عالية، فامتنع عن علاجي، وقال: لا بد من حضور الشرطة، وبعد محاولات مستمرة وإلحاح شديد وإغراءات وافق على علاجي، فقام بعمل تخطيط للقلب، ثم بدأ بعلاجي. كان والدي قد أتى إلى تلك المدينة في ذلك اليوم لزيارة عمي ولزيارتي، فلما علم أني في المستشفى جاء ليزورني، فرأيته واقفاً على رأسي، فلما شم رائحتي الكريهة ضاق صدره وخرج ولم يتكلم، فأمضيت ليلة تحت العلاج، وفي غرفة الإنعاش وقبل خروجي نصحني الطبيب بالابتعاد عن المخدرات والمسكرات، وأخبرني بأن حالتي سيئة جداً وأني إذا استمريت على هذه الحال فستكون النهاية مؤلمة، فخرجت من المستشفى وأحسست بأني قد منحت حياة أخرى جديدة، وأن الله أراد بي خيراً، فكنت فيما بعد كلما شممت رائحة الحشيش أصابني مثل ما أصابني في تلك الليلة: ألم في قلبي، وضيق في التنفس، فيأتيني ذكر الموت في تلك اللحظات فأطفئ السيجارة، وأتذكر تلك اللحظات التي مررت بها وأنا في المستشفى، وكنت كلما نمت بالليل أشعر بأن أحداً يوقظني ويقول لي: قم واستيقظ وصل لله، فأتذكر الموت، وأتذكر الجنة والنار والقبر، كما كنت أتذكر اسمين من أصحابي لقيا حتفهما على حال لا يعلمها إلا الله، فكنت أخاف أن يكون مصيري كمصيرهما، فكنت أقوم آخر الليل فأصلي ركعتين، ولم أكن أعرف صلاة الوتر في ذلك الحين، ثم بدأت بعدها أحافظ على الصلوات المفروضة، وكنت كلما شممت رائحة الحشيش أو الدخان أتذكر الموت فأتركهما، وبقيت على هذه الحال أربعة أشهر أو أكثر حتى قيض الله لي أحد الشباب الصالحين، فالتقطني من بين أولئك الأشرار وأخذني معه إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، وبعدها رأيت حياة جديدة ورأيت نوراً بدأ يشع في قلبي، فبدأت أستشعر نعمة الهداية والإيمان، وعدت إلى الله وتبت إليه بعد أن أمهلني الله مرات ومرات. فنصيحتي للشباب أن يحذروا من شياطين الإنس ورفقاء السوء الذين كانوا سبباً في شقائي وتعاستي لسنوات طويلة، ولولا رأفة الله ورحمته حيث أنقذني من بين أيديهم لكنت من الخاسرين، فأسأل الله أن يتوب علي وعلى جميع المذنبين والعاصين إنه تواب رحيم. فهذه قصة ومثلها كثير، فإن كان الله أمهل هذا الشاب فكثيرون قد ماتوا في دورات المياه، وفي أحضان المومسات والفاجرات. فيا صاحب الخطايا أين الدموع الجارية ويا أسير المعاصي ابك على الذنوب الماضية ويا مبارزاً لله بالقبائح أتصبر على النار الهاوية ويا ناسياً ذنوبه والصحف للمنسي حاوية أسفاً لك إذا جاءك الموت وما أنبت واحسرة لك إذا دعيت إلى التوبة فما أجبت كيف تصنع إذا نودي بالرحيل وما تأهبت ألست الذي بارزت بالكبائر وما لله راقبت إن لسان حال الغافلين: قد مضى في اللهو عمري، وتناهى فيه أمري. شمر الأكياس وأنا واقف قد شيب أمري بان ربح الناس دوني وأنا قد بان خسري ليتني أقبل وعظي ليتني أسمع زجري كل يوم أنا رهن بين آثامي ووزري ل

стр. 646

قصص من ثبات الصحابة

стр. 647

قصة حبيب بن زيد مع مسيلمة الكذاب اسمع بارك الله فيك وأنت تتساقط أمام فتن وشهوات ومغريات اسمع كيف ثبت الشباب، واسمع بارك الله فيك هذا الخبر. في آخر فترات النبي ﷺ خرج كذابان يدعيان النبوة أحدهما بصنعاء، وهو الأسود بن كعب العنسي، وخرج الثاني باليمامة وهو مسيلمة الكذاب، وراح الكذابان يحرضان الناس على المؤمنين الذين استجابوا لله وللرسول، وفوجئ الرسول ﷺ يوماً بمبعوث بعثه مسيلمة بكتاب إلى النبي ﷺ يقول فيه: (من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك، أما بعد: فإني قد أشركت في الأمر معك، وإنا لنا نصف الأرض ولقريش نصفها الآخر، ولكن قريشاً قوم يعتدون)، فرد النبي ﷺ كتابه وكتب إليه كتاباً يقول فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد. فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين). فلقد ظن الكذاب أن النبوة ملكاً يريد أن يتقاسمه، فلما وصل إليه الكتاب ما زاده إلا ضلالاً وإضلالاً، ومضى ينشر إفكه وبهتانه، فرأى النبي ﷺ أن يبعث إليه رسالة ينهاه فيها عن حماقاته، وعن كذبه وافتراءاته، لكن من سيحمل هذه الرسالة إلى هذا المتكبر العاتي الجبار، فوقع الاختيار على أحد الشباب، ومن للمهمات العظام والمدلهمات إلا الشباب وقع الاختيار على حبيب بن زيد ﵁ وأرضاه، وهو شاب ملأ الإيمان قلبه، وهو على أتم الاستعداد للتضحية من أجل الله ورسوله، ومن أجل نصرة هذا الدين. ومن للمهمات العجيبة والمهمات العظيمة إلا الشباب يا شباب! لكن أين الشباب الذين تربوا على الوحي: كتاب وسنة، وتربوا على تقوى من الله ورضوان: شباب ذللوا سبل المعالي ما عرفوا سوى الإسلام دينا تعهدهم فأنبتهم نباتاً كريماً طاب في الدنيا غصونا إذا شهدوا الوغى كانوا كماة يدكون المعاقل والحصونا شباب لم تحطمه الليالي ولم يسل إلى الخصم العرينا وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغت لحونا فسافر حبيب ﵁ في هذه المهمة الخطيرة وهو فرح مسرور لاختيار النبي ﷺ له، وللثقة التي وكلت إليه، فلما وصل حبيب إلى مسيلمة الكذاب الذي لم يعرف المروءة ولا العروبة ولا الرجولة، جمع الكذاب قومه بعد أن قيد حبيباً بالقيود، وأنزلوا به صنوف العذاب والهوان، وأرادوا من ذلك أن يسلبوه الشجاعة والإقدام حتى يفتتن أمام الجميع ويعلن إيمانه بالكذاب، لكن أنى لهم ذلك، فقال مسيلمة لـ حبيب: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال حبيب: نعم أشهد أن محمداً رسول الله، فعلا الخزي والعار وجه مسيلمة، وعاد يسأل ويقول: وتشهد أني رسول الله؟ فأجاب حبيب بسخرية قاتلة: إني لا أسمع ما تقول، فاشتد غضب الكذاب، وعلم أن تعذيبه للشاب المؤمن لم يؤثر فيه، بل زاده ثباتاً وإيماناً فهاج كالثور المذبوح، ونادى الجلاد أن أحضر السيف، ثم راح يقطع جسد حبيب قطعة قطعة وعضواً عضواً، وكان كلما قطع منه قطعة قال له: أتشهد أني رسول الله، فيقول حبيب: لا أسمع شيئاً، ولا أشهد إلا أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلا زالوا يقطعونه عضواً عضواً، وفي كل مرة يرددون عليه: أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا زالوا يقطعونه عضواً عضواً وهو صابر محتسب حتى فارقت الروح الجسد. فأسألك بالله: أما كان باستطاعته أن يساير الكذاب ويظهر تصديقه به وهو معذور بهذا، لكنه الإيمان الذي صنع أولئك الشباب الأبطال، فقد ثبت وجسده يقطع قطعة قطعة، وثبت وهم يساومونه على دينه ومعتقده، وثبت لأنه يعلم أن الجنة غالية وأن السلعة غالية، فأنى لطالب الجنان أن يتنازل، وأنى لطالب الحور الحسان أن يتنازل.

стр. 648

قصة خباب في طريق الثبات لقد ثبت خبيب قبله حين طلبوه في التنعيم وسألوه: أتحب أن يكون محمداً مكانك وأنت بين أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمداً يشاك بشوكة، وأن جالس مطمئن بين أهلي، ثم رفع بصره إلى السماء منادياً ربه: اللهم! إنا قد بلغنا رسالة نبيك، اللهم! بلغ نبيك ما يفعل بنا، ثم رددها خالدة إلى أن يرث الله الأرض والسماء. ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب في الله كان مصرعي ولقد خيروني الكفر والموت دونه ولقد هطلت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذاري جحم نار ملفع فقد ثبتوا كالجبال أمام العذاب والهوان، وأنت تضعف أمام شاشات وقنوات، وأمام أغاني وملهيات، لكن صدق الله حين قال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:١٩ - ٢٤].

стр. 649

بذل أسباب الهداية تريد الهداية؟ ابذل أسبابها. تريد النجاة؟ خذ بأسباب النجاة. تريد الجنة؟ اعمل بعمل أهلها، وأول عربون في طريق الهداية والاستقامة ترك الذنوب والمعاصي. تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب للمحب مطيع ثم الخطوة التالية إعلان التوبة والندم والرجعة والإنابة إلى الله، ثم المحافظة على الصلوات، وإياك ثم إياك أن يناديك المنادي حي على الصلاة والصلاة خير من النوم وأنت تتخلف عن أوامر الله. ثم لا بد من أمر مهم وهو تغيير الصحبة، فسبب ضياع كثير من الشباب هم الشباب، وسبب هداية كثير من الشباب هم الشباب (والمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل). فلا تصحب أخ الفسق وإياك وإياه فكم من فاسقاً أردى مطيعاً حين آخاه فأنت تردد كل يوم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، فخذ بالأسباب، واعلم أن الأيام صفحات مطوية، فكل يوم نطوي صفحة، فنفتح صفحة الليل ثم نطويها، ونفتح صفحة النهار ثم نطويها حتى تأتي آخر الصفحات، ولا أدري أنا ولا أنت بماذا يختم لنا، لكن الذي أعرفه ويعرفه كل منا ﴿َأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران:١٨٢]، وأن من عاش على طاعة مات على طاعة، وبعث على طاعة بإذن الله، والعكس بالعكس، فمن شب على المعاصي شاب على المعاصي ومات على المعاصي وحشر على المعاصي والعياذ بالله. فانتبه قبل أن تنادي بأعلى الصوت: رباه ارجعون، فلا يستجاب لك. إن نعمة العقل نعمة عظيمة فاستخدمها فيما يعود عليك بنفع الدنيا ونفع الآخرة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا! من الراشدين. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم وفقنا لتوبة نصوح قبل الموت، اللهم وفق الشباب لخير الدنيا وخير الآخرة، يا رب الأرض والسماء يا رب العالمين! واجمع شملنا، ووحد صفنا، وأصلح ولاة أمورنا، وانصرنا يا قوي يا عزيز! على القوم الظالمين. أستغفر الله العظيم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 650

أهوال يوم القيامة الأرض بحاجة إلى الماء لكي تدب الحياة فيها، فكذلك القلوب بحاجة إلى الإيمان كحاجة الأرض إلى الماء؛ لأن الحياة هي الإيمان، والإيمان هو الحياة. وإن من أعظم أركان الإيمان الإيمان باليوم الآخر، ذلك اليوم الذي نحن بحاجة ماسة لتذكره وكثرة التفكير فيه، وكيف سيكون حالنا فيه، وهل سنكون من أصحاب الجنة أم من أصحاب السعير؟ والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.

стр. 651

الإيمان هو الحياة والحياة هي الإيمان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وبياكم وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين، وأسأله سبحانه أن يفرج هم المهمومين، ويكشف كرب المكروبين، ويقضي الدين عن المدينين، وأن يدل الحيارى ويهدي الضالين، ويغفر للأحياء وللميتين. فأنا وإياكم في ليلة مباركة، في مكان مبارك، في لقاء مبارك، أسأل الله أن يجعله حجة لنا لا حجة علينا. أحبتي! في زمن انشغال الناس بدنياهم اخترت لكم موضوعاً بعيداً عن مشاغل الحياة، وبعيداً عن مشاغل الدنيا، وأردت أن ننتقل من صخب الحياة إلى مكان آخر، وأردت أن تكون هذه الليلة موعظة قرآنية لحاجتنا للمواعظ، وأردت أن تكون هذه الليلة موعظة قرآنية بكل ما تعني الكلمة، بعيداً عن صخب الحياة وعن مشاغلها، فكلنا في أمس الحاجة إلى التذكير. فكما أن المطر يحيي الأرض فإن ذكر الله يحيي القلوب، والحياة الحقيقية وحياة السعادة والراحة والطمأنينة هي حياة القلوب، كما قال علام الغيوب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. ولا نجاة يوم القيامة إلا لأصحاب القلوب السليمة، والحياة المؤمنة المطمئنة الراضية بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً. إنك ترى -بارك الله فيك- شدة حاجة الأرض إلى المطر، وكيف أنه إذا انقطع المطر عن الأرض اصفرت وأقحطت وأجدبت، وتحولت بعد الحياة إلى موت، ثم يتنزل المطر عليها فيبدل حالها من حال إلى حال، من اصفرار إلى اخضرار، ومن جدب إلى زهور وثمار وإلى عطاء ونماء، وكذلك هي القلوب -بارك الله فيك- إذا تنزل عليها ذكر الله ﵎، قال جل في علاه: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧]. فحياة الأرض بالماء دليل على حياة القلوب بذكر الله ﵎، والحياة الحقيقية هي حياة القلوب كما قال الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. فإذا حييت القلوب استعدت للقاء علام الغيوب، وإذا حييت القلوب تعلقت بذكر علام الغيوب، وإذا غفلت نست وقست، والله يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]، فتعالوا نعطر المسامع في هذه الليلة المباركة بآيات من الذكر الحكيم، وبكلام من كلام سيد الأولين وسيد الآخرين. إن التدبر والتمعن والنظر في آيات الله الكونية والشرعية يحيي القلوب، ويحيي القلوب أيضاً الجلوس مع مثل هذه الوجوه التي ما جاءت إلا وهي تريد ما عند الله ﵎، وانظر كيف يعاملها الله بكرمه حين ينفض المجلس قائلاً لهم: (قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات، ما جمعكم إلا ذكري)، وشرف المجالس بشرف المذكور، ويكفي الذاكرين قوله جل في علاه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، فيكفي الذاكرين لله شرفاً أن الله يذكرهم. أحبتي! إن الحياة هي الإيمان والإيمان هو الحياة، ولا قيمة للحياة بلا إيمان، فالذي يجعل للحياة قيمة، والذي يجعل للحياة طعماً، والذي يجعل للحياة نبضاً؛ هو الإيمان، وعلى قدر قوة هذا الإيمان يكون للحياة قيمة ومعنى. والمشكلة التي نعاني منها اليوم هو ضعف الإيمان في قلوبنا، وقلة التعلق بالله وباليوم الآخر، وضعف الاتصال بيننا وبين الله ﵎، وما جاء القرآن إلا ليربطنا بالله ﵎، وما جاء القرآن إلا موعظة من رب العالمين.

стр. 652

أهمية الإيمان باليوم الآخر قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧]، فالإيمان هو الحياة، والحياة هي الإيمان، ومن أركان هذا الإيمان العظيم: الإيمان باليوم الآخر، ذلك اليوم الذي سيجمع الله فيه الأولين والآخرين؛ ولأهمية ذلك اليوم قدمه الله على أركان الإيمان في مواضع عدة، إشارة ودلالة على أهميته، قال الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٧٧]، وقال: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٢٣٢]، وما من صفحة من صفحات القرآن إلا وهي تذكر ذلك اليوم، لا تكاد صفحة من صفحات القرآن تخلو من ذكر ذلك اليوم وما فيه من الآيات والصور والعظات، وذلك إما تصريحاً وإما تلميحاً، قال الله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة:١ - ٣]، ثم قال في آخر السورة: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٤٠]، قال قتادة: بلى وعزته وجلاله، بلى قادر كما قال الله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]. فتأمل وتدبر وانظر ما من صفحة من صفحات القرآن إلا وهي تخبرنا عن ذلك اليوم العظيم، فتكرار تلك الصور دليل على أهمية وعظمة ذلك اليوم ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٥]، فهذه هي القضية التي لا بد أن تشغل كل واحد منا، قضية: من الشقي ومن السعيد، عن عبد الله بن مسعود أبي عبد الرحمن ﵁ قال: حدثنا النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم مثلها علقة، ثم مثلها مضغة، ثم يأتيه الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر أن يكتب أربع كلمات: عمله ورزقه وأجله وشقي أم سعيد)، فهذه أربع مسائل لا بد أن يتفكر كل منا فيها، ثم قال ابن مسعود في آخر الحديث: (والذي لا إله غيره إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، فلا بد أن يتفكر كل واحد منا في قضية المصير: إما إلى جنة وإما إلى نار. وتأمل في قوله ﵎: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:١ - ٥]. تقول فاطمة زوج عمر بن عبد العزيز ﵀: رأيت منه ليلة العجب العجاب! قام يصلي ثم قرأ القارعة، فما كاد يصل إلى قوله ﵎: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٤ - ٥] إلا خر مغشياً عليه، وأخذ يفحص في مكانه كما يفحص العصفور، حتى ظننت وقلت في نفسي: والله ليصبحن الناس ولا أمير لهم، تقول: ثم أفاق وبدأ يقرأ ويصلي حتى إذا بلغ قوله ﵎: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٤ - ٥]، فخر مغشياً عليه من شدة البكاء. فأسألك بالله العظيم! كم مرة يمر على مسامعنا هذا القول العظيم؟! وكم مرة قرعت القارعة مسامعنا؟ وكم مرة قرعت الصاخة آذاننا؟ وكم مرة مر على مسامعنا الطامة والصاخة وتلك الأسماء العظيمة التي سمَّى الله بها ذلك اليوم؟ إن لم تتأثر القلوب بالقرآن، إن لم تحيا القلوب بمواعظ القرآن، فالقضية تحتاج إلى مراجعة حسابات. ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:١ - ٤]، قال الحسن البصري: كيف أنت بأقوام وقفوا على أقدامهم خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة واحدة؟! كيف يكون حالهم؟! اليوم في وسط هذا الزحام يشتكي الناس من شدة الحر، ويشتكي الناس من شدة الأوضاع والأحوال، فكيف إذا جمع الله الأولين والآخرين على صعيد واحد؟!! وكيف إذا جمع الله أبناء آدم من لدن آدم حتى آخر من يكون على وجه الأرض؟ وكيف إذا جمعهم الله على صعيد واحد؟!

стр. 653

دلالات على عظمة يوم القيامة لقد سمى الله يوم القيامة يوماً عظيماً، قال الله: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]. وسماه الله يوماً ثقيلاً، ووصف الله حال الناس في ذلك اليوم وصفاً عجيباً فقال: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. ومن دلائل عظمة ذلك اليوم: أنها تتقطع فيه الأحساب والأنساب. ومن دلائل عظمة ذلك اليوم: أن الكافر يتمنى أن لو كان في ذلك اليوم تراباً. إنه يوم طويل، فكيف سيبدأ؟ وكيف سينتهي؟ وكيف سينقسم الناس؟ ومن دلائل عظمة ذلك اليوم أنه ما ترك القرآن شاردة ولا واردة إلا ذكرها وصورها عن ذلك اليوم العظيم. اسمع بارك الله فيك وتدبر وافتح القلب قبل أن تفتح الأذنين! قال جل في علاه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٣ - ١٨]، فلا إله إلا الله! كيف سيكون الحال إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور؟! إن يوم القيامة يبدأ بصيحة واحدة وينتهي بانقسام الناس إلى قسمين: فريق في الجنة وفريق في السعير، وقد جاء في حديث الصور الطويل: أن الله بعد أن ينفخ في الصور نفخة واحدة -أي: النفخة الأولى-: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، قال: (ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيسأله الجبار -وهو أعلم- من بقي؟ فيقول: بقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا، وبقيت أنت، وأنت الحي الذي لا يموت، فيقول الله ﵎: فليمت جبرائيل وميكائيل، فيصيح العرش قائلاً: يا رب يموت جبرائيل وميكائيل، فيقول الرب ﵎: إني كتبت الموت على كل من تحت عرشي، فيموت جبرائيل وميكائيل، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار ﵎ فيسأله -وهو أعلم-: من بقي؟ فيقول: بقي حملة العرش، وبقيت أنا، وبقيت أنت الحي الذي لا يموت، فيقول الجبار: فليمت حملة العرش، فيموتون، ثم يسأل الله ملك الموت ﵇: من بقي؟ فيقول: بقيت أنا، وبقيت أنت الحي الذي لا يموت، فيقول: أنت خلق من خلقي خلقتك لما ترى، فمت، فيموت ملك الموت، فلا يبقى كائن حي لا في السماء ولا في الأرض ثم ينادي الجبار ﷻ : لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، ثم يجيب نفسه ﵎ فيقول: لله الواحد القهار). فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، ثم ينفخ في الصور نفخة أخرى فيقوم من في السماوات ومن في الأرض، ويبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، فتأمل حالهم عند الخروج من القبور: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٦ - ٨]، فأما حال المجرمين: فحال ليس بعده حال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٤٨ - ٥٣]. وأما حال المتقين: ففي جنات ونهر ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]. يا ألله! كيف إذا خرج العباد من القبور ينفضون التراب عن رءوسهم! إنهم خرجوا لا يدرون إلى أين يذهب بهم، ولا يدرون كيف سيكون المصير! ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٢٠ - ٣٠] يا ألله! إنها أحوال وأهوال، تحصل في ذلك اليوم العظيم، فلا الأرض التي كانوا يعرفونها، ولا السماء التي كانوا يرونها ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٤٨ - ٥٢]. فمنهم من يحشر على قدميه، ومن يحشر على ركبتيه، ومنهم من يحشر على وجهه ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:٩٧] قال رجل: كيف يحشرون على وجوههم يا رسول الله؟ قال: (الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يحشرهم على وجوههم) وقال الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]. وقد سماه الله يوم التلاق، ففيه يلتقي العباد برب العباد ﵎، ويلتقي فيه الظالم مع المظلوم، ويلتقي فيه آدم مع آخر أبنائه في ذلك اليوم العظيم، وإذا جمعتهم أرض المحشر فلا يغادر الداعي منهم أحداً.

стр. 654

حديث الشفاعة روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في وليمة فقدمت إليه الذراع، فنهس منها نهسة واحدة، ثم قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، أتدرون مما ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فلا يغادر الداعي منهم أحداً، فيسمعون الداعي، ويبصرهم الناظر، ثم تدنو الشمس من رءوس العباد مقدار ميل -قال الراوي: لا أدري أميل المسافة أم ميل المكحلة-، قال: فيغرق الناس في عرقهم، فمنهم من يأخذه العرق إلى كعبيه، ومنهم من يأخذه العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه العرق إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، فبينما هم على تلك الحال من الشدائد والأهوال إذ قال بعضهم لبعض: ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا ترون ما قد غلبنا من الهم والغم؟ ألا ترون من يشفع لنا عند ربنا؟ فيقولون: أبوكم آدم، فيهرعون إلى آدم فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك جنته، أما ترى ما نحن فيه، أما ترى ما قد بلغنا من الهم والغم، فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني نهيت عن تلكم الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، فيتبرأ آدم أبو البشر من البشر فيزداد الهم والغم على الناس، فيقول لهم: اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، أما ترى ما نحن فيه، أما ترى ما قد بلغنا من الهم والغم، فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، فيزداد الهم والغم على الناس، فيقول لهم: اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله أما ترى ما نحن فيه؟ أما ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت ثلاث كذبات -ولو عددناها نحن لعددناها من صالح أعمالنا فهو كذبها في ذات الله جل في علاه وما كان كاذباً-، فيقول: نفسي نفسي نفسي، فيزداد الهم والغم على الناس، فيقول لهم إبراهيم: اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون له: أنت نبي الله وكليمه، أما ترى ما نحن فيه؟ أما ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، فيزداد الهم والغم على الناس-، فيقول لهم: اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: أنت نبي الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً)، فهل تدري من هؤلاء الذين ينادون بأعلى الصوت: نفسي، نفسي، نفسي إنهم المصطفى آدم، والشكور نوح، والخليل إبراهيم، والكليم موسى، وكلمة الله عيسى! فهؤلاء خير من صلى وصام، وهؤلاء خير من عبد الله وأطاعه، فإن كان هذا هو حالهم في ذلك اليوم فكيف يكون حالي وحالك؟! وكيف سيكون حال من ترك الصلاة؟! وكيف سيكون حال من أكل الربا؟! وكيف سيكون حال أولئك الذين حاربوا الله بالمعاصي؟! فإنهم ينادون: يا آدم! يا نوح! يا إبراهيم! يا موسى! يا عيسى! وكلهم يجيبون بأعلى الصوت: نفسي نفسي نفسي. (فيقول لهم عيسى اذهبوا إلى محمد، فيأتون فيقولون: يا محمد! أنت نبي الله، وخاتم المرسلين، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أما ترى ما نحن فيه؟ أما ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فأقول: أنا لها). يقول الحبيب: أنا لها، فأبشروا يا أمة محمد! فما تخلى عنا محمد ﷺ في ذلك الموقف. (فأقول: أنا لها، فأنطلق إلى العرش فأخر ساجداً، فيفتح الله علي من محامده ما لم يفتحه على بشر من قبلي، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي أمتي)، فما تخلى عنا الحبيب، فأين أمة محمد اليوم عن سنته؟ وأين أمة محمد عن نصرة دعوته؟ يا مدعي حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دين المحبينا مالي أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تهويناً وتدوينا خذها سماوية خيراً تفوز به أو اطَّرحها وخذ رجس الشياطينا (فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي أمتي، فيقال: يا محمد! أدخل من أمتك من ليس عليه حساب من الباب الأيمن من الجنة، وهم شركاء الناس في سائر الأبواب يقول -بأبي هو وأمي-: والذي نفسي بيده! إن ما بين المصراعين من مصارع الجنة كما بين مكة وهجر، وليأتين عليها يوم وهي كظيظ من الزحام!)، فيشفع الحبيب، ويأذن الله في الحساب. لا تظن أن الأمر بهذا قد انتهى، بل انتقل الناس من حال إلى حال، ومن أهوال إلى أهوال، فيبدأ العرض، ويبدأ الحساب: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف:٤٨] حفاة، عراة، غرلاً، قالت عائشة: (الرجال والنساء عراة ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال النبي ﷺ : يا عائشة! الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض). فكيف سيكون حالي وحالك ﴿إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢١ - ٢٣]، يؤتى بجهنم في ذلك الموقف لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها! ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢] تزفر زفرة فتصيح الخلائق بأعلى الصوت، ثم تزفر زفرة ثانية فتجثوا الأمم على الركب: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨ - ٢٩]. ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، وتقول: والله لأنتقمن اليوم ممن خلقته فعبد سواك، والله لأنتقمن اليوم ممن أكل رزقك وشكر سواك. ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣]. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]، فينادي الله في ذلك الموقف: (يا آدم! أخرج بعث النار، فيقول: يا رب! لبيك وسعديك والخير كله بيديك، وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، قال ﷺ : فذلك يوم ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]). فقل لي من الناجي في ذلك اليوم؟! وأين سيكون المصير؟! فيصف العباد صفوفاً متتالية متتابعة، والقلوب واجفة، والأبصار خاشعة، والكل ينتظر كيف سينتهي ذلك اليوم، فبينما هم وقوف على ذلك الحال إذ نادى المنادي: فلان بن فلان! استعد للوقوف بين يدي الله، فكيف سيكون حالي وحالك؟! فتأخذه الزبانية مطأطئ الرأس، راجف القلب، لا يدري إلى أين يؤخذ به، والخلائق كلها تنظر إليه، فعن ابن عمر ﵄ مرفوعاً: (يدني الله العبد منه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه -يعني ستره- ثم يقرره بذنوبه -إن كان تائباً عابداً منيباً لله قرره الله بذنوبه في ذلك اليوم- حتى إذا ظن العبد أنه هلك، قال أرحم الراحمين: إني قد سترتها لك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى كتابه بيمينه) فيخرج بين الخلائق صائحاً فرحاً مسروراً قائلاً بأعلى الصوت: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]، وأما إن كان عاصياً فاجراً محارباً لله بالمعاصي فيقرره الله بذنوبه، حتى يقر ويعترف بكل ذنب، فيشتد غضب الجبار عليه ﵎، فينادي زبانيته وملائكته: يا ملائكتي! خذوه، ومن عذابي أذيقوه، فلقد اشتد غضبي عليه، وقل حياؤه معي، فيربط بالسلاسل والأغلال، ويسحب على وجهه أمام الخلائق، وينادي بأعلى الصوت حسيراً كسيراً: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧]، والنتيجة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢]، وجريمته: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٣ - ٣٧]. فأسألك بالله العظيم أما أمرنا بالاستعداد لذلك اليوم؟ أما خلقنا من أجل تحقيق العبودية لله رب العالمين؟ أما قال الله: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]؟ فنفر من الناس علموا لماذا خلقوا، وحققوا العبودية لله رب العالمين، وأكثر الناس غفلوا عن هذا المقصد العظيم، ويذَكَّرون فلا يتذكرون، ويُوعظون فلا يتعظون. والله! إن الخسارة كل الخسارة إذا وقفنا في ذلك الي

стр. 655

سلسلة معركة بدر [١] أضر المسلمون بعد أن انتقلوا إلى المدينة اقتصاد قريش؛ وذلك لأنهم كانوا يعترضون قوافلهم التجارية الذاهبة إلى الشام، وعندما أراد المسلمون أن يعترضوا قافلة أبي سفيان فلتت القافلة، فاستحال الموقف من السطو على قافلة إلى معركة طاحنة قاتل المسلمون فيها بقوة العقيدة، مع كونهم كانوا قلة يواجهون قوة كبيرة مدججة بالسلاح. وقد قدم الرسول ﵊ وأصحابه شجاعة وتضحية وبسالة ليس لها مثيل، ووضعوا روابط النسب جانباً، وقاتلوا برابطة العقيدة دون غيرها، فأنعم بها من رابطة.

стр. 656

بين يدي غزوة بدر الكبرى الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: يقول الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، وقد أعد المسلمون لهم قوة أول ما قدموا المدينة، فبدءوا يناوشون قريشاً كقوة أخرى في المنطقة، وبدءوا يسيطرون على الوضع على طريق الشام، فتحكموا في ذهاب القوافل وفي قدومها، وأصبح للمسلمين قوة تفعل وتأمر وتنهى، فتهاجم وتصالح وتعادي، وأصبحت دولتهم قائمة، وزادت حدة المواجهات بينها وبين مكة، وأضر المسلمون قريشاً في تجارتهم، فحاولت قريش أن تؤلب القبائل في الجزيرة ضد المسلمين؛ وذلك أنهم استولوا على قافلتهم، وقتلوا من رجالهم في أول شهر رجب، فجاء القرآن يبين ألا حرج على هؤلاء، وأن ما تقوم به قريش أعظم مما فعله أولئك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فصد الناس عن دين الله أعظم فتنة تكون في الأرض. وسنبدأ بالحديث عن معركة بدر، وقد حدثت قبلها غزوات قادت إلى هذه المواجهة، ومن ذلك الخروج إلى قافلة كانت منطلقة إلى الشام، فقد خرج النبي ﷺ لملاقاتها لكن التوقيت اختلف هذه المرة، لكن القافلة سترجع مرة ثانية، وسيتربص بها النبي ﷺ وأصحابه حين عودتها. والحقيقة أن معركة بدر تاريخ؛ لأنها معركة حاسمة، وقد سمى الله ذلك اليوم بيوم الفرقان، ففيه انقلبت موازين الجزيرة رأساً على عقب، تغير في ذلك اليوم ميزان القوة في الأرض كلها وليس في تلك البقعة فقط، فتلك المواجهة كانت نقطة التحول والتغيير في مجرى البشرية كلها. فليس هناك معركة حاسمة كيوم بدر، تلك المعركة هي معركة العقيدة، انتصرت فيها العقيدة السليمة على العقيدة الباطلة، مع أن تلك العقيدة الباطلة في قواميس القوى الحربية تملك كل عوامل الانتصار، لكن الانتصار لا يكون للعقائد الباطلة، فالأمم لا تنتصر إلا بالعقائد، ولا تقاتل إلا من أجل العقائد. والآن يقاتلوننا رفعاً لتوراتهم وإنجيلهم، ونحن نضع القرآن خلف الصفوف، ووالله! لن ننتصر عليهم إلا إذا جعلنا القرآن والإسلام في المواجهة. فقد انتصرت العقيدة السليمة على العقيدة الفاسدة في ذلك اليوم، انتصرت لا إله إلا الله التي لا تقف لها قوة في الأرض ولا في السماء، بشرط: أن أهل هذا المعتقد يعرفون معناها ويقومون بمقتضاها، فإن قاموا بذلك فوالله لن تضرهم قلة، ولن تضرهم كثرة؛ ولذلك قال الله تعالى عن ذلك اليوم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣]. فقد كانت العقيدة هي السلاح الأول والأخير للمقاتلين، والمسلمون ما خرجوا أصلاً لقتال ولا تسلحوا بعدة القتال، فما أخذوا سيوفاً كافية، ولا أخذوا دروعاً، ولا أخذوا حتى زاداً يكفيهم للمواجهة، فلم يكن معهم سلاح ذلك اليوم إلا سلاح العقيدة، وكفى به سلاحاً. وهذا ليس معناه أن نهمل جانب إعداد السلاح، فالله تعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، وهل تظنون أننا سنمتلك قوة ذرية ونووية؟ لن نحصل على هذه القوة، ولن ننتصر بهذا السلاح، بل سننتصر بقول الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، وأسألكم بالله: إذا جاءت الملائكة ماذا تصنع أسلحتهم؟! ماذا تغني عنهم دباباتهم وطائراتهم وقنابلهم؟! فجبريل بجناح واحد يغطي مشرق الأرض ومغربها! بطرف جناح رفع قرى قوم لوط إلى عنان السماء، وجعل عاليها سافلها! ونحن نريد أن نعرف من سياق الحديث كيف جعل الله جبريل وميكائيل يقاتلون معهم؟ ونريد أن نعرف كيف استطاعوا أن يستغيثوا بالله فأنزل الملائكة معهم؟ ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٤ - ١٢٥]، فالذين نصرهم بالأمس قادر على نصرنا اليوم. وأذكر أني قرأت هذا الخبر عن المجاهدين في البوسنة، تقول إذاعات الصرب: إن كتيبة من المجاهدين هاجمت قرية من قراهم التي يتمركزون فيها، وقد أبيدت القرية من أولها إلى آخرها، وقضى المجاهدون على الصرب من أولهم إلى آخرهم، ودمروا أسلحتهم في ذلك الحصن الذي تحصنوا فيه. وتقول مصادرهم: إن عدد المجاهدين أكثر من خمسة آلاف، بينما تقول مصادرنا: إن عددهم خمسون مجاهداً، لكن إذا انطلقت التكبيرات من هنا وهناك حدث كما قال الله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢]، أي قوة تستطيع أن تقف أمام هذا؟! فهم يقولون: كان المجاهدون خمسة آلاف، والمصادر الصادقة تقول: لم يكونوا سوى خمسين مجاهداً، لكنهم انتصروا بالعقيدة، وأمدهم الله بنصر من السماء!

стр. 657

مقارنة بين قوة العقيدة والقوة المادية كان المشركون في يوم بدر أكثر عدداً من المسلمين، وكانوا أفضل في قضاياهم التنظيمية، فلقد أعدوا واستعدوا وخرجوا للقتال، بينما كان النبي ﷺ وأصحابه ثلاثمائة وأربعة عشر، يزيدون أو ينقصون، وعدد المشركين يتجاوز الألف، وكان مع المسلمين فرسان ومع المشركين مائة فرس! كان مع المسلمين سبعون بعيراً ومع الكفار سبعمائة بعير! الكفار تحصنوا بالدروع والسيوف، وكل وسائل الحرب، والمسلمون لا يملكون منها إلا القليل. كان المسلمون من قبائل شتى، وكانت قريش من قبيلة واحدة. فكيف انتصروا مع ذلك؟! إنه انتصار العقيدة، فلقد بدل الإسلام العقول والنفوس من حال إلى حال، فكان الرسول ﷺ القائد الأعلى مثالاً شخصياً رائعاً لأصحابه في التضحية والفداء، ونحن ما اجتمعنا إلا لمعرفة سيرته العطرة، أسأل الله أن يجمعنا به في جنات النعيم! تأمل أثر القائد وتأثيره على أولئك الجنود، فقد كان كل ثلاثة من المسلمين يوم بدر يتعاقبون على بعير فإذا كان دور النبي ﷺ في النزول عن البعير قال له صاحباه: ابق في مكانك، ونحن نمشي فيقول: (ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى منكما عن الأجر). أي: فأنا مثلكم آكل مما تأكلون، وأشرب مما تشربون. ولما نشب القتال خرج ثلاثة من رجالات المشركين يطلبون المبارزة، فخرج لهم ثلاثة من الأنصار، فارجع النبي ﷺ الثلاثة الأنصار وأخرج بني عمومته فقال: (قم يا حمزة! قم يا حارث! قم يا علي!) فما آثر أقاربه وجعلهم في الصفوف الأخيرة بل جعلهم في المقدمة. وروي أنه قال لهم: (قوموا قاتلوهم بحقكم الذي بعث الله به نبيكم، إنهم جاءوكم بباطلهم ليطفئوا نور الله) فلم يؤثر ذوي القربى بالراحة والاطمئنان، بل آثرهم بالنزال والطعان، فقدمهم في أول الصفوف.

стр. 658

تضحية وشجاعة وفداء

стр. 659

تضحية النبي ﵊ في غزوة بدر وفي معركة بدر كان ﷺ يضرب بنفسه أروع صور الشجاعة والقوة والتضحية والفداء، يقول علي: (لما كان يوم بدر، وحضر البأس، وحمي الوطيس؛ اتقينا بظهر النبي ﷺ ، وكان أقربنا إلى الكفار) فما جلس في الصفوف الأخيرة، ولا أمرهم بحمل السلاح دونه، بل كان أشد الناس بأساً، يقول علي: (كنا إذا حمي الوطيس لذنا بظهره، يدفع عنا الرجال) فهو أشجع الرجال في أرض المعارك، ولم يجلس بعد انهيار صفوف المشركين يشاهد انهزامهم، بل كان مع أصحابه يتابع المشركين ويقضي على الذين بقوا في أرض المعركة، ويجمع الغنائم مع أصحابه. وبالرغم من هذا كله ما آثر نفسه بالغنيمة بعد انتهاء المعركة، بل أخذ ما قسمه الله له ثم وزع الغنائم على جميع المقاتلين، فكان هو الأسوة والقدوة، وهو الذي كان له أكبر الأثر على أصحابه، قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]. فما تكلم فقط، وإنما قال وفعل، وشتان بين الأقوال والأعمال! فالموعظة لا تؤثر في نفوس الآخرين إلا إذا طبقتها أنت ورآها الناس عملاً وواقعاً ملموساً في حياتك.

стр. 660

تضحية الصحابة في غزوة بدر فهذه هي تضحية القائد الأعلى، أما الجنود فأمرهم عجب! فهم تربية القائد الأعلى ﷺ ، فأول ما قدم النبي ﷺ المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، فما هو أثر تلك المؤاخاة؟ اسمع بعضاً من أخبارها، وهذا ما نعرفه، وما لا نعرفه أعظم، فقد آخى النبي ﷺ بين سعد بن الربيع وبين عبد الرحمن بن عوف، فقال سعد بن الربيع لـ عبد الرحمن بن عوف: إني من أكثر الأنصار مالاً، فهذا مالي أشاطرك إياه، ولي زوجتان، فاختر منهما أحبهما إلى قلبك، فأطلقها فإذا انتهت عدتها تزوجتها أنت! أي إيثار أعظم من هذا الإيثار! وما هي الرابطة التي ربطتهم وجعلتهم كالجسد الواحد؟ إنها العقيدة، وهذا مثال واحد والأمثلة كثيرة. قبل اللقاء تكلم هاتف المهاجرين قائلاً: والذي بعثك بالحق! لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ما تخلف منا رجل واحد، ثم تكلم هاتف الأنصار وقال: امض -يا رسول الله- لما أردت، والله! لو أمرتنا أن نخوض البحر لخضناه معك ما تخلف منا أحد، هكذا كان المجاهدون في أرض المعركة! وفي ذلك اليوم التقى الآباء بالأبناء، والإخوة بالإخوة، فقطعت الأحساب والأنساب، ولم تبق إلا العقيدة، وهي الرابطة التي تربطنا حقيقة، لا الدم والنسب، بل رابطة الدين التي ضعفت اليوم، والتي لو رجعت قوية لانتصرنا على أعدائنا في أسرع وقت. ففي ذلك اليوم خالفت العقيدة بين هؤلاء ففصلت بينهم السيوف المحكمة في ذلك اليوم، فقد تسابق المسلمون إلى الشهادة، كل يريد أن يموت قبل صاحبه، ويتسابق الكفار إلى الفرار، ولسان حال المؤمنين: ركضاً إلى الله بغير زاد غير التقى وعمل المعاد والصبر على الله في الجهاد وكل عمل عرضة النفاد إلا التقى والبر والرشاد يقول لهم النبي ﷺ رافعاً شعار المعركة: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) فتتطاير الكلمات إلى مسامع الشباب، فيقول عمير بن الحمام: جنة عرضها السماوات والأرض! ما بيني وبينها يا رسول الله؟! قال: (بينك وبينها أن تقاتل القوم فتقتل) قال: ادع الله أن أكون من أهلها، قال (أنت من أهلها) وكان بيده تمرات فقذفهن وقال: بخ بخ! والله إنها لحياة طويلة إن بقيت حتى آكل هذه التمرات! رأى القوم الجنة رأي العين، فما إن دعاهم الداعي: ﴿سَابِقُوا﴾ [الحديد:٢١] إلا تسابقوا، وما سمعوا منادي: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران:١٣٣] إلا كانوا من المسارعين. أما الفريق الكافر فكان كل منهم يقدم صاحبه ليموت قبله، كما قال الله: ((وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ)) وقوله: ((حَيَاةٍ)) نكرة، يعني: أي نوع من الحياة، حياة عز، أو حياة ذل، المهم أن يتمتع كما تتمتع الأنعام، ويأكل كما تأكل الحيوانات، وبئس هذه الحياة! لضربة بالسيف على عز خير من حياة على ذل ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة:٩٦]، وأولئك يتسابقون على الشهادة والموت في سبيل الله، هكذا كان القائد الأعلى وهكذا كان الجنود: إيثار، وبذل، وتضحية ولو كان بهم خصاصة!

стр. 661

رابطة الدين والعقيدة أقوى من رابطة النسب آثر المسلمون العقيدة على الآباء والأبناء والإخوان والعشيرة والأموال، ففي ذلك اليوم قتل عمر خاله، وقتل أبو عبيدة أباه، وقتل مصعب أخاه، يوم جاء الفصل بين الأسرى، فشاورهم النبي ﷺ في التعامل مع هؤلاء الأسرى، وهم أبناء عمومة وأخوال وآباء وإخوان، فقال عمر: أعط فلاناً أباه، وأعط فلاناً أخاه، وأعط فلاناً قريبه، فنضرب أعناقهم حتى يعلم الناس أن ليس بيننا وبينهم مودة. فالمودة للذي ينتمي إلى هذه العقيدة، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، هذا هو سر قوتهم، آثروا العقيدة على كل شيء، على الآباء والأبناء، وعلى الأموال والعشيرة، فلم تقف أمامهم قوة. واليوم ضعف هذا الرابط، وأصبح الانتماء إلى القومية والقبيلة والوطنية إلى غير ذلك من المسميات، في حين أن بعضهم كان يقول لبعض: إني قد عزمت على الشهادة، فبماذا توصني؟ فيقول له: هنيئاً لك الشهادة؛ ولذلك حرام بن ملحان يوم أن طعن وهو لا يعلم، وخرج الرمح من صدره، وبدأ الدم يتدفق بين يديه، أخذ يمسح على وجهه ويقول: فزت ورب الكعبة! ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]. وخرج عمر يوماً يجمع خراج العراق، فوجد من الإبل ما لا يعد، فكان عمر يعد وغلامه يقول: هذا من فضل الله، فقال عمر: كذبت، الله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] وهذا مما يجمعون. (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه) فسيفرح أهل الطاعات بما قدموا، وسيستبشرون بما فعلوا في ذلك اليوم العظيم، فكيف بالذي قدم نفسه؟ فكيف بالذي قدم كل شيء في حياته وجعل الحياة وقفاً لله رب العالمين؟ كانت الأمهات والأخوات والزوجات -واسمعي أماه، واسمعي أختاه- حين يعلمن باستشهاد ذويهن يقلن: الحمد لله الذي أكرمهم وأكرمنا بالشهادة، وكانوا يقولون لمن يأتون: إن كنتم أتيتم معزين فلا مكان للعزاء، وإن كنتم أتيتم مهنئين فحيَّهلا ومرحباً بكم. وهكذا كان الرجال والنساء! والشاهد أن الكفة لم تكن متكافئة في ذلك اليوم، فئة قليلة مؤمنة، وفئة كثيرة كافرة، فانتصرت القلة على الكثرة بإذن الله الذي قال: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وقال: ((قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) بشرط حتى تنتصر (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٣] فأين هم بنو جلدتنا الذين يقولون: الكفة غير متكافئة؟ وأين هم الذين يقولون: الأمة اليوم ليس عندها استعداد حتى تواجه أعداءها؟ بل الأمة في كل زمان إذا تسلحت بسلاح الإيمان والتقوى والإحسان؛ قاتلت ملائكة الرحمن معهم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. بمثل هؤلاء الرجال، وبمثل هؤلاء النساء ننتصر بإذن الله. فقد انتصرت القلة على الكثرة بإذن الله، انتصر الحق على الباطل، وانتصر النور على الظلام، وإذا جاء الحق زهق الباطل، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨]. فالحق موجود اليوم يا إخوان! لكن أهل الحق لم يأخذوا بالحق كما ينبغي، ولم ينصروا الحق كما ينبغي، قال الله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].

стр. 662

النصر ثمرة الإخاء والتضحية وقال الله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣]؛ لأنهم كانوا إخوة في الله، يحب أحدهم لأخيه ما يحبه لنفسه، بل كانوا (كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً)، كانوا كالجسد السليم المعافى إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، بمثل هؤلاء ننتصر بإذن الله. كان التقاء الكفار والمسلمين في ذلك اليوم إيذاناً بمولد الدولة الإسلامية عملياً، فقاد المسلمون بعدها العالم كله إلى الخير والصلاح، وما علم العالم عدلاً وطمأنينة إلا حين استظل بظل الإسلام، واليوم انظر إلى الواقع والمرارة التي يعانيها العالم يمنة ويسرة، ففي كل مكان حروب طاحنة، ومجازر، واغتيالات، وآثام لا يعلمها إلا الله، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]. ولقد كان الانتصار في ذلك اليوم بالإسلام، ولن ننتصر بغير الإسلام، وتاريخنا أكبر دليل على ذلك، وصدق عمر حين قال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. كان العرب في الجاهلية متفرقين، فمن الذي وحدهم؟ إنه الإسلام، كانوا أعداء فمن الذي ألف بين قلوبهم؟ إنه الإسلام، كانوا على شفا حفرة من النار، فمن أنقذهم؟ إنه الإسلام، فالعرب المتفرقون المتقاتلون المتناحرون أصبحوا بالإسلام وحدة رصينة، ودولة عظيمة، وأمة متماسكة، وقوة ضاربة لا تتساوى مع أي قوة من قوى الأرض. أرسل ملك الروم إلى ملك الصين يستنصره على أولئك الرجال، فقال له ملك الصين: والله إن عندي قدرة أن أرسل إليك جيشاً أوله في الصين وآخره في منابت الزيتون، لكن هؤلاء الرجال لا يقوم أمامهم أحد، لا ينامون الليل، ولا يأكلون بالنهار، شعث رءوسهم، غبر أقدامهم، فمن يقف أمام هؤلاء؟! ثم قال: أنصحك أن تدفع لهم الجزية، وألا تخاطر بمن معك، فدفعوا الجزية للمسلمين عن يد وهم صاغرون، فسارت رايات العرب والمسلمين تفتح الدنيا، بل إن هذه الحضارة من أولها إلى آخرها لم يبنها غير المسلمين، فقد امتدت دولة الإسلام من سيبيريا شمالاً إلى المحيط جنوباً، ومن فرنسا غرباً إلى الصين شرقاً. ولك أن تتأمل في الرابط بين هذا كله، فهو الإسلام لا غيره. أبي الإسلام لا أب لي سواه إن افتخروا بقيس أو تميم كانوا ضعفاء فأصبحوا بالإسلام أقوياء، كانوا أعداء فأصبحوا بالإسلام إخوة كالجسد الواحد، بل كانوا مستعبدين فأصبحوا فاتحين، فكيف تبدل الحال من حال إلى حال؟! قال الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، وهكذا تبدل الحال، أصبحنا كالغثاء، فتداعت علينا الأمم من كل النواحي ومن كل الجهات، أعراضنا تنتهك ونحن في خلاف فيما بيننا، بل أصبحنا نحب الدنيا ونكره الموت، فما الفرق بيننا وبينهم؟ يقول أبو بكر موصياً أفراد جيوشه: احرصوا على الموت توهب لكم الحياة. ونحن أصبحنا نعشق تراث الأعداء، وتركنا تراث الآباء والأجداد، أصبحنا نستورد المبادئ من الشرق والغرب، وما أكاديمية (ستار) إلا من حثالة ما عندهم، أصبحنا ندرس الفسق ونقيم له أكاديميات يتعلم فيها البنين والبنات! ماذا صنع الأعداء يوم أن علموا أننا لا نظهر بالمدفعية والدبابة؟ لقد نشروا الفاحشة والتخلف والدياثة في مجتمعات المسلمين، فضاعت الغيرة على الأعراض، فماذا تنتظر من الديوثين؟! وماذا تنتظر من المخنثين، ومن البغايا، والزناة، والمخمورين، وأصحاب المخدرات؟! ماذا يصنع هؤلاء؟ هل عندهم القدرة على التضحية؟! هل عندهم الاستعداد للبذل والعطاء؟! هؤلاء طلاب دنيا، وليسوا بطلاب الجنان، فطلاب الجنان يعرفون بأنهم إذا نام الناس صفوا أقدامهم أمام الله، وإذا ضحك الناس بكوا وتضرعوا إلى رب الأرض والسماء، وإذا بخل الناس بأموالهم وأرواحهم بذلوا النفوس والأموال من أجل مرضاة الله جل في علاه. والله إن أولئك الذين يريدون إشاعة الفحشاء والتخنث في أبنائنا لا يقدمون إلا اليهود والنصارى، فهؤلاء لا مكان لهم إلا تحت الفرش وفي ظلام الليل في الغرف مع الشموع الحمراء، أما أهل ساحات الوغى فليسوا كذلك، فالذين ينصرون الدين، ويذودون عن الأعراض، ويحافظون على المقدسات، ليسوا بأمثال هؤلاء، ولن يقوم أمرنا إلا إذا رجعنا إلى الماضي، فكيف تستطيع أن تقيم البنيان من الأعلى؟! بل لا بد أن نرجع إلى الأساس: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:١٠٩]، فهل يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة؟ وهل يستوي الأحياء والأموات؟ هل يستوي الظل والحرور؟ أم هل يستوي السميع والبصير؟! أبداً لا يستوون. فقوة البنيان في أساسه، ووالله لن نستمد القوة إلا من الماضي، ولاحظ! أن أسماء أهل الماضي حية إلى اليوم، فلا زالت المنابر تلهج بذكر بلال ومصعب وملحان بن حرام وفلان وفلان. أما زعماء هذا الزمان فثلاثة أيام عزاء ثم تنطمس الأسماء وتنطمس الأخبار، أولئك عاشوا لدينهم فأحيا الدين أسماءهم، ونحن عشنا للدنيا فطمست الدنيا أسماءنا. قوم مضوا كانت الدنيا بهم نزهاً والدهر كالعيد والأوقات أوقات ماتوا وعشنا فهم عاشوا بموتهم ونحن في صور الأحياء أموات هل تظن أن اسم أحمد ياسين سيموت؟! أبداً والله لن يموت، فستتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل، والسبب: أنه نصر الله ورسوله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].

стр. 663

طريق النصر فنحن سدنا بالعقيدة، عقيدة الإسلام، عقيدة لا إله إلا الله، يوم أن عملنا للإسلام، وعشنا للإسلام، وضحينا للإسلام، وفدينا بأرواحنا الإسلام، فالإسلام معجزة الدنيا، وهو الدين الحقيقي عند الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. نحن على الحق فلماذا نقدم التنازلات؟! نحن على الحق فهل عندنا شك في ذلك؟! ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، أبداً والله، لكن يوم أن ضعف المعتقد وضعف الإيمان وصل بنا الحال إلى ما وصل، فما داموا يقاتلوننا انطلاقاً من توراتهم وإنجيلهم، فلماذا لا نهاجمهم بالإسلام؟! ولا تقل: إني أدافع عن الإسلام، فالإسلام لا يحتاج إلى من يدافع عنه؛ لأن الإسلام يدافع عنك أنت، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، وقال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]. فسينتصر الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل، شاء من شاء وأبى من أبى، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الدور الذي سأقوم به أنا وأنت حتى ننصر الإسلام؟ فلنقم للإسلام واقعاً ملموساً في حياتنا، أريد منك أن تطبق الإسلام وتجعله واقعاً ملموساً في حياتك، علماؤنا ودعاتنا في كل مكان يتكلمون عن صور الإسلام المشرقة، وعن إعجاز الإسلام، وإبداعات الإسلام، فأول سؤال يطرح من الكفار لهؤلاء العلماء: إن كان هذا هو الإسلام الذي تتكلمون عنه بهذه الصور المشرقة، فلماذا لا تطبقونه وتجعلونه واقعاً ملموساً في حياتكم؟! من الذي ظلم الإسلام اليوم؟! نحن الذين خالفنا التعاليم، وتركنا الأوامر، وتركنا الأهداف الحقيقية التي من أجلها خلقنا، وأصبحت حياتنا حياة لهو وطرب وغناء في الليل والنهار، وتناسينا أن الحياة ستنتهي ثم تموت أنت كما قال الله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤] يعني: أن هذا القرآن شرف لك ولقومك، وسوف تسألون: ماذا قدمتم لهذا الدين؟ ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، فستسأل ماذا قدمت لهذا الدين؟ نريد -أيها الأخوة- أن نحيي قضية الجسد الواحد: (إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) لا نريد عواطف أو دموعاً فقد شبعنا من هذا، بل نريد عملاً وواقعاً ملموساً، نريدك أن تحافظ على الصلوات، نريدك أن تنتهي عن الفواحش والمنكرات، من الذي أضعف الأمة اليوم؟ إنها الذنوب والمعاصي، فكل عاصٍ، وكل مخالف، وكل مرتكب لمعصية هو سبب من أسباب ضعف المسلمين. أنت السبب يوم أن تتخلف عن صلاة الفجر، أنت السبب يوم وضعت الدش في البيت، أنت السبب يا من تتعامل بالربا، أنت السبب يا من تزني وتأكل الحرام، أنت السبب في إضعاف المسلمين. إياك ثم إياك أن يؤتى الإسلام من قبلك! فانصر الدين بارك الله فيك! فهذه امرأة كاشفة عارية في فرنسا تقول: مررنا على مسجد من المساجد فاشتاقت نفسي إلى الصلاة. وسبحان الله! ففي قلوبهم الحنين إلى ديننا وإسلامنا، تقول: فلما أردت أن أدخل إذا بامرأة تقول لي: كيف تدخلين المسجد بهذه الثياب، تأدبي مع الله والبسي الحجاب ثم ادخلي بيت الله، تقول: فلامست كلماتها شيئاً في قلبي، ثم قالت لي: انصري الدين بارك الله فيك، انصري هذا الدين ولا تكوني سبباً في هدمه، فكل تاركة للحجاب، وكل عاصية، وكل مخالفة لأوامر الله، فإنها أيضاً سبب من أسباب ضعف المسلمين. من الذي أضعف الشباب؟ أليس هن الفتيات الكاشفات العاريات؟ من الذي دمر الشباب؟ أليس هو الغزل وتضييع الأوقات؟ أنت أيضاً سبب من أسباب ضعف المسلمين، فنريدك أن تربي الأجيال وتصنعي الأبطال. فوالله لن يخرج الزهاد ولا العباد ولا الأولياء إلا من أرحام النساء اللاتي تربين على فضل من الله ورضوان. هذه كلمات أردت أن أبثها وأبدأ بها الحديث عن تلك المعركة الحاسمة، والتي سمى الله يومها الذي وقعت فيه بـ: (يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال:٤١]. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ينفعني وإياكم بما نسمع وبما نقول، فنحن بالإسلام كل شيء، وبغير الإسلام نحن لا شيء. وأسأل الله أن يردنا إلى إسلامنا رداً عزيزاً حميداً، وأن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلهم سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، اللهم هيئ لهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير إذا فعلوه، وتذكرهم به إذا نسوه. اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، وأصلح ولاة أمورنا، وانصرنا -يا قوي يا عزيز- على القوم الكافرين. هذا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 664

سلسلة معركة بدر [٢] أراد المسلمون العير يوم بدر فأقبل النفير من قريش يريد مواجهة المسلمين واستئصال شأفتهم، لكن النبي القائد أخذ رأي الرجال المقاتلين، ثم انطلق بالجيش إلى بدر للقاء أعداء الله وأعداء عباده المسلمين، فانطلقوا وجلّ اعتمادهم على خالقهم، فذهبوا بعزيمة الرجال، وشجاعة الأبطال، ورباطة جأش الواثق من نصر ذي الجلال.

стр. 665

قدوم جيش المشركين إلى بدر سمعنا من أخبار معسكر الكفار، والانشقاق الذي حصل بينهم، فقد بدأ الشقاق والخلاف في الظهور بعد أن رجعت القافلة ونجت، لكنهم أخذوا بمشورة أبي جهل الذي قادهم إلى الهلاك حيث قال: والله لا نرجع حتى نشرب الخمور. وستأتي في آخر القصة مقارنة بين قول هؤلاء وقول أولئك، كيف أن النبي ﷺ بعد انتهاء المعركة طأطأ رأسه ورفع يديه إلى السماء مخاطباً ربه بالدعاء، وشاكراً له نعمة الانتصار، وأولئك يقولون: سنشرب الخمور، وسننحر الجزور، وستضرب علينا القينات، أليس هذا هو قولهم اليوم أيضاً؟! أليس هذا هو قول معسكر الكفر والشرك في هذه الأيام؟ بلى والله، فالكفر ملة واحدة لا تتغير ولا تتبدل، يتغير الناس لكن العلة واحدة، فمعسكر المشركين خرج بطراً ورئاء الناس، ومعسكر المسلمين خرج لنصرة الله ورسوله. وفي ظل الأحداث والمستجدات هنا وهناك، بلغ المسلمين خبر إفلات القافلة وأنه لا مجال لإدراك القافلة، ولكن الخبر الأهم: أن قريشاً تحركت بجيش كبير إلى بدر لحماية تلك القافلة، وهي الآن على مشارف بدر، وهذا الخبر أهم من الخبر الأول. مكة خرجت بجيش ضخم فيه كل الاستعدادات، واتجهت نحو بدر، فماذا سيصنع جيش المسلمين الصغير؟ المسلمون ما خرجوا لقتال أبداً، فكيف سيتصرف النبي ﷺ مع تغير الأحوال والظروف؟ الصادق على أتم الاستعداد للبذل والعطاء مهما تغيرت الظروف، فلله عبودية في الرخاء، ولله عبودية في الشدة، والكثير منا يحقق عبودية الرخاء، فإذا جاءت الشدة لم يثبت إلا القليل. ولذلك كان من سنن الله وحكمته أنه يبتلي الناس حتى يصلحهم، والله أعلم بالشاكرين، وحتى تقام الحجة على فلان وفلان كما قال تعالى (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، وما الذي يميز الناس؟ هل الرخاء يميز الناس؟! فكلٌ يدعي وصلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاك فالمواقف هي التي تربي الرجال، (فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١]، ومما لا شك فيه أن ترك جيش الكفر يجوس خلال الديار فيه إهانة للجيش المسلم، فإذا ترك ذلك الجيش يطوف بين القبائل يستعرض قوته العسكرية والاقتصادية، ويعلم الناس أن قافلته قد نجت؛ فسيكون فيه إضعاف لهيبة المسلمين، الذين بدءوا بدورهم في إرسال السرايا هنا وهناك لإظهار قوتهم، فإذا سكتوا عن قوة قريش هناك فمعناه ذهاب هيبة المسلمين. ثم في ذلك امتداد لفرض قريش سيطرتها العسكرية والاقتصادية على طول ذلك الطريق، فترك ذلك الجيش في استعراضاته الاستفزازية من مكة إلى بدر دون اشتباك مع جيش المدينة فيه إظهار ضعف المسلمين، فإن الفريق الكافر قد خرج إلى بدر وكذلك الفريق المسلم، فإذا تراجع الفريق المسلم إلى الوراء فسيكون أمراً لا ترضاه النفوس المؤمنة. فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى ولو تراجعوا أيضاً فقد تقول قريش وهي بجيشها وقادتها: ما دام أنهم تراجعوا فلماذا لا نهاجمهم في عقر دارهم؟ فلن يلبث المسلمون قليلاً إلا والمشركون على أسوار المدينة، وفي هذا إذلال للقوة المسلمة. ثم تغيرت الموازين بأمر من الله . فالمؤمنون يتربون بالمواقف، والذي يتحكم بالمواقف هو الله جل في علاه، يقلب الموازين، ويغير الأمور، وله مقاليد السماوات والأرض. يا إخوان! لقد استمرت الشيوعية سبعين سنة، وما كان أحد يظن أن الشيوعية ستسقط، فمن الذي أسقطها؟ إنهم الرجال على جبال أفغانستان، فقد كان المعسكر الصليبي يخاف أن يتجرأ على الشيوعية؛ ولذلك لم يسقطها الصليبيون، بل أسقطها أبطال الإسلام، أسقطها الشباب بتضحياتهم، وبدمائهم، ثم قطف الصليبيون الثمرة وتآمروا على المسلمين بعد أن حصل ما حصل. ولذلك لما تغيرت الظروف والأحوال اهتم النبي ﷺ بتلك التغيرات، وكانت رغبة النبي ﷺ قوية جداً في ملاقاة الجيش الكافر، لكنه لم يكن يريد أن يلزم الرجال بما لا طاقة لهم به.

стр. 666

وأمرهم شورى بينهم ثم هو ﷺ ما أخرجهم للقاء الكفار، بل أخرجهم لملاقاة القافلة التي يبلغ عدد جمالها ألفاً، ويحرسها أربعون رجلاً، فأخرج قوة تناسب ذلك الموقف، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، فالأمر مقدور عليه؛ ولذا لم يحرض المؤمنين في المدينة على الخروج أبداً ولم يلزم أحداً بذلك، بل ترك الأمر اختيارياً لمن أراد أن يخرج، وبالرغم من أنه نبي مرسل يأتيه الوحي من السماء والقائد الأعلى، فقد كان يستطيع أن يفصل في الموضوع برأيه، لكنها حرية الإسلام في إبداء الرأي، وسبحان الله! ما أسهل حقوق الإنسان في أي مكان؟ فأسهل حقوقه أن يبدي رأيه، وهذا الحق محروم منه العالم الإسلامي، فلا يستطيع الإنسان فيه أن يقول ما يريد، حتى إننا وصلنا إلى درجة أننا لو تكلمنا فيما بيننا يقال أحدنا: اسكت فللجدران آذان! وأقول: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فبالرغم من أنه نبي مرسل وهو القائد الأعلى لكنه لم يفصل في الأمر؛ لأن الله قال: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. واليوم تتخذ قرارات لا ندري عنها شيئاً، وهي قرارات تتعلق بمصير أمة! قرارات تتخذ والأمة لا تدري من يتخذ هذه القرارات! والنبي ﷺ لم ينفرد بالرأي ولا بالقرار، بل سارع إلى عقد مجلس عسكري كما يسمى في هذه الأيام، والمقصد منه تبادل الرأي مع قادة الجيش، فقد تغيرت الظروف، فالموقف الذي وقفه المسلمون كان خطيراً جداً. إذا: ً t لا عجب يوم أن صدقوا أن النبي ﷺ يقول لـ عمر: (يا عمر! وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر اطلاعة، وقال: اصنعوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟)؛ وذلك لشدة الموقف الذي وقفوه، فهي أول مواجهة بين المعسكرين، وقد سماه الله يوم الفرقان؛ فهو يوم فرق الله فيه بين عقيدة الكفر وعقيدة الإيمان، ويومها تعلم المسلمون كيفية استمداد أسباب النصر من السماء. فالجيش المسلم ما خرج للقتال، بل لأخذ قافلة فيها أربعون رجلاً وألف بعير، وبالإمكان السيطرة عليهم في أقل من ساعة، لكن الوضع تغير الآن، فبين لقادة الجيش أنهم خرجوا لأخذ العير، وهم الآن أمام النفير، فقد خرجتم تريدون القافلة، والآن أنتم أمام جيش لا يعلم به إلا الله! فمنذ أن بزغ نور الإسلام في الجزيرة لم تخرج القبائل ألف رجل مدججين بالسلاح عندهم كاملي عدة الحرب، ثم هناك دوافع تدفع المشركين للخروج، منها: حماية أموالهم، ثم الحقد الدفين الذي يحملونه على الإسلام والمسلمين، فليست العدة والعتاد من يحركهم فقط، بل يحركهم الحقد الدفين الذي يحملونه على الإسلام وأهله، ولا يحرك معسكر الباطل اليوم إلا الحقد على المسلمين. يا إخوان! في الفلوجة يقتلون الأطفال والنساء، فما ذنبهم وهم لم يحملوا السلاح أبداً؟ فكثير من الصحفيين وممن شاهدوا المعركة هناك يقولون: إن إصابات الأطفال والنساء في رءوسهم! رصاصات القناصة تقتنص الأطفال والنساء، فلو قصفوا قصفاً عشوائياً لقلنا: يموت الصغير ويموت الكبير، لكنهم يتعمدون الصغار والنساء! وقد طالبوا بهدنة؛ لأن معسكر الإسلام هناك أراهم أن المقاومة على أشدها، والرجال هناك لم يطالبوا بهدنة ولا بوقف قتال، بل قالوا: أعطونا وقتاً لإخراج الأطفال والنساء ثم اجعلوا المعركة بيننا وبينكم، يخرج الأطفال والنساء فقط ثم سترون كيف ستكون المعركة! وهكذا معسكر الإسلام في كل حين في الاستفادة من مثل هذه الدروس، فحين بدءوا الحصار حول الفلوجة، أجرى صحفي لقاءً مع أحد عامة أهل الفلوجة، يقول له: ماذا أعددتم لهذا الحصار؟ قال: أعددنا لهم لا إله إلا الله، محمد رسول الله! من أين استمدوا هذا الاستعداد؟! أليس من هذه الأسطر؟ أليس من دلك الماضي الذي نستمد منه القوة في كل حين وفي كل زمان. أبناء الإسلام عندهم أتم الاستعداد للدفاع عن دينهم، حتى عصاة المسلمين، فهم يملكون في قلوبهم من الغيرة على الإسلام ما يكفي للدفاع عن الأعراض، فماذا لو فتحت لهم الأبواب؟! قال الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٥ - ٦]، لكن هناك وعد رباني ((وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ)) لكن النفوس البشرية ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] لكن ليحق الله الحق، ويبطل الباطل، قال سبحانه: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٤٢] يعني القافلة، أنت هنا وهم هناك، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال:٤٢] لكنها المواعيد الربانية، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]. روى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناده عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: (إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة من الشام، فهل لكم أن نخرج إليها عسى الله أن ينفلكموها) قلنا: بلى، فلما سرنا يوماً أو يومين قال لنا النبي ﷺ بعدما تغيرت الظروف: (ما ترون في قتال قوم؟) قلنا: لا والله ما لنا طاقة لقتال العدو، ولكنا أردنا العير، ثم كررها عليهم: (ما ترون في قتال قوم) فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، لكنا نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. يقول أبو أيوب: فتمنينا معشر الأنصار أننا قلنا مثل هذه المقولة، ووالله لو قلناها لكان أحب إلينا من كل مال الدنيا، قال: فأنزل الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥]. وهذا ما حاك في نفوس فريق من المؤمنين؛ لأنهم كرهوا القتال، لكن الله قال: ((كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ))، نعم أحبتي! فالتطورات المفاجئة المتسارعة جعلت الموقف خطيراً جداً، ولا يلامون على مثل هذا ﵃، فهم أرادوا العير كما قال الله: ((وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ)) هذا ما أرادوه، وهذا ما خرجوا من أجله، لكنهم علموا أن الله وعدهم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما النفير، لكنها النفوس البشرية، ولقد قام رجال بدر بعمل خيالي في ذلك اليوم حتى قال النبي ﷺ لـ عمر: (ما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم؟) رواه الشيخان.

стр. 667

موقف المهاجرين من القتال في بدر ذكرت لكم أن الموقف تغير فجأة، فبدل العير وجدوا أنفسهم أمام النفير، ولم يرد القائد الأعلى أن ينفرد بالقرار، فعقد المجلس العسكري الاستشاري، وفي بداية المجلس وقبل أن يتكلم النبي ﷺ وقف قادة المهاجرين يبدون الاستعداد للقتال بعزم وبتصميم وإصرار، تكلم أبو بكر فأجاد، وتكلم عمر فأجاد، وقال المقداد: امض لما أراك الله فنحن معك، ووالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، لكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالله لو سرت بنا إلى برك الغماد ما تأخر منا رجل واحد، ويقال: إن برك الغماد: هو آخر مكان في المعمورة، وهذا الكلام يبين مدى الاستعداد والتصميم، ولذلك لا عجب أن يقول الله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ثم زكى الله الأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. بل وزكى الله كل من سار على طريقهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. وأقول: إن كانوا هم قد استطاعوا نصره الله ورسوله فنحن أيضاً نستطيع، وإذا هم فعلوا فنحن أيضاً نستطيع أن نفعل، أليس المعتقد واحداً؟ أليس المعبود واحداً؟ أليس النهر واحداً؟ بلى، لكنهم صدقوا، فالمطلوب منا أن نصدق مع الله. كن كالصحابة في زهد وفي ورع القوم هم ما لهم في الأرض أشباه عباد ليل إذا جنَّ الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه فيا رب ابعث لنا من مثلهم نفراً يجددون لنا مجداً أضعناه فإذا أقمنا العبودية بالليل كما أقاموها سنستطيع أن نكون فرساناً بالنهار، ووالله! لو صدقنا لفتحت الأبواب، ولن يستطيع أحد أن يغلقها، والله! لو صدقنا لفتحت لنا أبواب الجنان، لكننا نحتاج إلى صدق وعزيمة وتصميم وإصرار كما كانوا.

стр. 668

موقف الأنصار من القتال في بدر تقدم ذكر موقف المهاجرين والذين كانوا أقل من ثلث الجيش، فقد كانوا نحو ثلاث وثمانين رجلاً تقريباً، والنبي ﷺ يعرف أن المهاجرين ما خرجوا من ديارهم وتركوا أموالهم إلا وعندهم أتم الاستعداد ليعطوا ويبذلوا من أجل نصرة دينهم، لكن النبي ﷺ أراد أن يعرف من هذه المجلس موقف الأنصار، فإن ثقل المعركة سيقع على كواهلهم، فقد كانوا أكثر من مائتين وأربعين رجلاً. ثم هم في بيعة العقبة -التي تسمى بيعة الحرب- بايعوا على النصرة داخل المدينة، وهم الآن خارج المدينة، والنبي ﷺ لا يريد أن يلزمهم بشيء لم يتفق معهم عليه؛ ولذلك أعاد نفس الكلام بعد أن تكلم المهاجرون وقال: (أشيروا علي أيها الناس؟). فتكلم سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه حامل لواء كتيبة الأنصار في ذلك اليوم، وسيد الأوس والخزرج الذي اهتز له عرش الرحمن عند وفاته. يقول النبي ﷺ يوم مات سعد بن معاذ: (لقد نزل إلى الأرض سبعون ألف ملك يشيعون سعداً ما نزلوا إلى الأرض من قبل) لماذا يا إخوان؟! لأن الأرض تحبهم وكذلك أهل السماء، لماذا سخرت لهم البحار والجبال والأنهار؟ لأنهم سخروا الحياة لله، قال سعد: كأنك تعنينا يا رسول الله؟ قال: (أجل)، فأعلن القائد الأنصاري موافقة الأنصار المسبقة بدون تردد، وأعلن التصميم الصادق على ملاقاة جيش العدو مهما كانت النتائج، فقال مخاطباً النبي ﷺ : لقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك العهود والمواثيق، فامض بنا لما أردت يا رسول الله! فصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وعاد من شئت، وقارب من شئت -وانظر إلى عقيدة البراء والولاء في حياتهم- وخذ من أموالنا ما شئت، واترك ما شئت، ووالله للذي أخذته أحب إلينا مما تركت، والذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا البحر لخضناه أمامك ما تخلف منا رجل واحد، ووالله لو أمرتنا أن نرمي بأنفسنا من أعالي الجبال لرميناها ما تخلف منا رجل واحد، فامض لما أمرك الله، وما نكره أن تلقى بنا عدوك غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. ولاحظوا الفرق بين خروج هذا الجيش وخروج ذلك الجيش، فهذا يقول لله وللرسول: سمعاً وطاعة وبذلاً من أجل الدين، وأولئك يقولون: نشرب الخمور، وننحر الجزور، ونسمع الأغاني والألحان حتى تهابنا العرب كما قال الله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧]، ماذا يريدون اليوم؟ هل يريدون تحرير الشعوب كما يقولون؟! إذاً: لماذا يقتل الأطفال والنساء إن كان مقصدهم تحرير الشعوب وتحرير الأمم. فسر بنا على بركة الله، فتهلل وجهه ﷺ ، وكيف لا يتهلل وهو يرى أثر الإيمان، وأثر القرآن، وأثر الثقة بنصر الله جل في علاه؟! وكانت آخر ابتسامة أطلقها النبي ﷺ في حياته في صلاة الفجر، في يوم الإثنين، في اليوم الذي مات فيه النبي ﷺ ، فقد كشف الستار من بيت عائشة فإذا المسلمون في صلاة الفجر صفوف متراصون، فتبسم النبي ﷺ وأعطاهم آخر ابتسامة في ذلك اليوم. يقول الصحابة: حين رأيناه ظننا أنه سيخرج للصلاة معنا، وما رأينا وجهه أجمل من تلك اللحظة التي تبسم فيها، تبسم؛ لأن الأمة على الجادة، لأن الأمة تصلي الفجر، ولأن الأمة ما اتصفت بالنفاق، بل صفت أقدامها أمام الله جل في علاه، فكيف لا يتبسم إذاً؟! وهنا تهلل وجهه في ذلك اليوم حين رأى استعداد هؤلاء وهؤلاء لملاقاة الكفار مهما كانت النتائج، ومهما كانت الآثار، تغيرت الظروف لكن الرجال ما تغيروا! تغيرت الظروف لأنهم خرجوا يريدون العير، فإذا بهم أمام النفير، فإذا استعدادهم الذي أبدوه للقتال كان أعظم من استعدادهم للخروج للقافلة: امض لما أراد الله، فوالله ما يتخلف منا رجل واحد، ويوم أمرهم للخروج إلى القافلة تخلف من تخلف، لأنهم لم يخرجوا للدنيا، ويوم أن صارت المواجهة قتالاً وتغيرت الظروف والأحوال لم يتغير الرجال، فلماذا تغير رجال اليوم؟! لماذا تخلف الأبطال اليوم؟! ولقد صدق من قال: إذا أردنا النصر فلنصلي الفجر، فحتى ننتصر على الأعداء لا بد أن نربي الأبناء، وحتى ننتصر على الآخرين فلا بد أن ننتصر على أنفسنا أولاً، ننتصر على شهواتنا، ننتصر على رغباتنا، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، لا بد أن نقر ونعترف بذنوبنا وتقصيرنا. تقول للناس اليوم: توبوا، فيقولون: لماذا نتوب؟ والمنكرات في حياتهم في كل مكان، لكنهم لا يريدون الاعتراف بالذنب، والذي لا يعترف بالذنب لن يتوب، ولا بد أن نقر ونعترف أيضاً أن ما يحدث للمسلمين من مصائب هو بسبب تقصيرنا نحن، فإخواننا يقتلون صغاراً وكباراً ونحن نجلس أمام الشاشات نلهو ونلعب! أيتها المسلمة! لما مات النبي ﷺ قال أبو بكر لـ عمر: هيا بنا نزور أم أيمن، واسمعي بارك الله فيك! إلى الهم الذي تحمله المؤمنة الصادقة، لما جاءها أبو بكر وعمر قالا لها: يا أم أيمن! أما تدرين أن ما عند الله خيراً لرسوله؟ قالت: بلى، إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكنني أبكي لانقطاع الوحي من السماء، فالمرأة تحمل قضية وهماً، فأين هو همي وهمك؟! وماذا هو همك أنت اليوم؟! قال الناظم في ذلك: يا أم أيمن قد بكيت وإننا نلهو ونمجن دون معرفة الأدب لم تبصري وضع الحديث ولا الكذب لم تشهدي بعض المعازف والطرب لم تشهدي شرب الخمور ولا الزنا لم تلحظي ما قد أتانا من عطب لم تشهدي فرق الضلالة والهوى لولا مماتك لرأيت من العجب لم تشهدي فعل العدو وصحبهم ها نحن نجثو من يهود على الركب واحر قلبي من تمزق أمتي أضحت أمورك أمتي! مثل اللعب تالله ما عرف البكاء سراتنا ومع التباكي لا وشائج أو نسب بكت لانقطاع الوحي أما يبكيك ما يحدث هنا وهناك؟ أما يبكيك انتهاك الأعراض، وإراقة الدماء؟ فقد أصبحت دماؤنا أرخص الدماء على وجه الأرض، فهل هذا بذنوبهم أم بذنوبنا؟ وهل هو بتقصيرهم أم بتقصيرنا؟ ما تبسم صلاح الدين قط، ناهيك عن أن يضحك، فلما قيل له في ذلك قال: كيف أتبسم والأقصى في أيدي الصليبيين؟! ها هو الأقصى يلوك جراحه والمسلمون جموعهم آحاد يا ويحنا ماذا أصاب شبابنا أو ما لنا سعد ولا مقداد ولما طلب عمرو من عمر المدد أرسل له أربعة فقط، قال له: أرسلت لك أربعة من الرجال، الرجل منهم بألف! وأرسل المقداد يوماً إلى أبي عبيدة في الشام وقال له: سمعت النبي ﷺ يقول: (جيش فيه المقداد لا يهزم بإذن الله). هذا واحد يا إخوان! ونحن ليس عندنا أحد مثل هؤلاء، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فلا نريد عواطف أو دموعاً، بل نريد عملاً وامتثالاً لأوامر الله، نريد أن نصدق في أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، ونريد أن نصدق في توحيد صفوفنا لمواجهة الأعداء.

стр. 669

إصدار الأوامر النبوية في الانطلاق إلى القتال وبعد أن رأى النبي ﷺ استعداد هؤلاء وهؤلاء قال: (سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم) فتحرك الجيش تحفه رحمة الرحمن الرحيم. إذاً: فأمة الإسلام في أمس الحاجة إلى مراجعة الحسابات، فهذه الابتلاءات التي تنزل من هنا وهناك سببها: الذنوب والمعاصي، بذنبي أنا وأنت، ولا نقول: بذنب فلان أو فلان، أتريد أن تنصر الإسلام؟ إذاً فانصره في نفسك أولاً، فإن لم تكن معهم فلا تكن ضدهم فيؤتى الإسلام من قبلك أنت، ولا تكن سبباً في إضعاف المسلمين أو سبباً في إنزال العقوبة على المسلمين، أليست العقوبة إذا حلت تحل على هذا وذاك؟! فالله لا يريد منا الصلاح فقط، بل يريد منا أن نكون المصلحين، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧]. فما أكثر الأخبار عن الفساد في الأسواق، بل توجد الآن ثياب نسائية مكتوب عليها: أكاديمية (ستار)! وجعل البعض شعارها: تعرف علي بسرعة، وأنت في قلبي، وكذا! عبارات تدعو إلى الرذيلة، يقول النبي ﵊: (من رأى منكم منكراً فليغيره)، فمن رأى منكم هذه الثياب فلا يسكتنّ عنها حتى تبرأ الذمة أمام الله جل في علاه. هذا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 670

سلسلة معركة بدر [٣] ما إن نزل جيش المسلمين بالقرب من بدر حتى شرع النبي ﵊ في القيام بأعمال استكشافية حتى يؤمن المعسكر الإسلامي، فقام بهذه المهمة بنفسه، وهذا يدل على شجاعة وحنكة المصطفى ﷺ ، وتمت هذه المهمة على أكمل وجه، ثم بعث بعض أصحابه بعملية استكشافية أخرى؛ فنزل بدراً وهو يعلم أين يقع معسكر المشركين وكم يبلغ عددهم، فسبق إلى بدر وهدم الآبار على المشركين، ومنعهم من الوصول إلى الماء، وبالمقابل حصل نزاع في جيش المشركين بين قادتهم، ومن هنا بدأ نصر الله.
следующие страницы →