← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وأمرهم شورى بينهم ثم هو ﷺ ما أخرجهم للقاء الكفار، بل أخرجهم لملاقاة القافلة التي يبلغ عدد جمالها ألفاً، ويحرسها أربعون رجلاً، فأخرج قوة تناسب ذلك الموقف، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، فالأمر مقدور عليه؛ ولذا لم يحرض المؤمنين في المدينة على الخروج أبداً ولم يلزم أحداً بذلك، بل ترك الأمر اختيارياً لمن أراد أن يخرج، وبالرغم من أنه نبي مرسل يأتيه الوحي من السماء والقائد الأعلى، فقد كان يستطيع أن يفصل في الموضوع برأيه، لكنها حرية الإسلام في إبداء الرأي، وسبحان الله! ما أسهل حقوق الإنسان في أي مكان؟ فأسهل حقوقه أن يبدي رأيه، وهذا الحق محروم منه العالم الإسلامي، فلا يستطيع الإنسان فيه أن يقول ما يريد، حتى إننا وصلنا إلى درجة أننا لو تكلمنا فيما بيننا يقال أحدنا: اسكت فللجدران آذان! وأقول: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فبالرغم من أنه نبي مرسل وهو القائد الأعلى لكنه لم يفصل في الأمر؛ لأن الله قال: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. واليوم تتخذ قرارات لا ندري عنها شيئاً، وهي قرارات تتعلق بمصير أمة! قرارات تتخذ والأمة لا تدري من يتخذ هذه القرارات! والنبي ﷺ لم ينفرد بالرأي ولا بالقرار، بل سارع إلى عقد مجلس عسكري كما يسمى في هذه الأيام، والمقصد منه تبادل الرأي مع قادة الجيش، فقد تغيرت الظروف، فالموقف الذي وقفه المسلمون كان خطيراً جداً. إذا: ً t لا عجب يوم أن صدقوا أن النبي ﷺ يقول لـ عمر: (يا عمر! وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر اطلاعة، وقال: اصنعوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟)؛ وذلك لشدة الموقف الذي وقفوه، فهي أول مواجهة بين المعسكرين، وقد سماه الله يوم الفرقان؛ فهو يوم فرق الله فيه بين عقيدة الكفر وعقيدة الإيمان، ويومها تعلم المسلمون كيفية استمداد أسباب النصر من السماء. فالجيش المسلم ما خرج للقتال، بل لأخذ قافلة فيها أربعون رجلاً وألف بعير، وبالإمكان السيطرة عليهم في أقل من ساعة، لكن الوضع تغير الآن، فبين لقادة الجيش أنهم خرجوا لأخذ العير، وهم الآن أمام النفير، فقد خرجتم تريدون القافلة، والآن أنتم أمام جيش لا يعلم به إلا الله! فمنذ أن بزغ نور الإسلام في الجزيرة لم تخرج القبائل ألف رجل مدججين بالسلاح عندهم كاملي عدة الحرب، ثم هناك دوافع تدفع المشركين للخروج، منها: حماية أموالهم، ثم الحقد الدفين الذي يحملونه على الإسلام والمسلمين، فليست العدة والعتاد من يحركهم فقط، بل يحركهم الحقد الدفين الذي يحملونه على الإسلام وأهله، ولا يحرك معسكر الباطل اليوم إلا الحقد على المسلمين. يا إخوان! في الفلوجة يقتلون الأطفال والنساء، فما ذنبهم وهم لم يحملوا السلاح أبداً؟ فكثير من الصحفيين وممن شاهدوا المعركة هناك يقولون: إن إصابات الأطفال والنساء في رءوسهم! رصاصات القناصة تقتنص الأطفال والنساء، فلو قصفوا قصفاً عشوائياً لقلنا: يموت الصغير ويموت الكبير، لكنهم يتعمدون الصغار والنساء! وقد طالبوا بهدنة؛ لأن معسكر الإسلام هناك أراهم أن المقاومة على أشدها، والرجال هناك لم يطالبوا بهدنة ولا بوقف قتال، بل قالوا: أعطونا وقتاً لإخراج الأطفال والنساء ثم اجعلوا المعركة بيننا وبينكم، يخرج الأطفال والنساء فقط ثم سترون كيف ستكون المعركة! وهكذا معسكر الإسلام في كل حين في الاستفادة من مثل هذه الدروس، فحين بدءوا الحصار حول الفلوجة، أجرى صحفي لقاءً مع أحد عامة أهل الفلوجة، يقول له: ماذا أعددتم لهذا الحصار؟ قال: أعددنا لهم لا إله إلا الله، محمد رسول الله! من أين استمدوا هذا الاستعداد؟! أليس من هذه الأسطر؟ أليس من دلك الماضي الذي نستمد منه القوة في كل حين وفي كل زمان. أبناء الإسلام عندهم أتم الاستعداد للدفاع عن دينهم، حتى عصاة المسلمين، فهم يملكون في قلوبهم من الغيرة على الإسلام ما يكفي للدفاع عن الأعراض، فماذا لو فتحت لهم الأبواب؟! قال الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٥ - ٦]، لكن هناك وعد رباني ((وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ)) لكن النفوس البشرية ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] لكن ليحق الله الحق، ويبطل الباطل، قال سبحانه: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٤٢] يعني القافلة، أنت هنا وهم هناك، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال:٤٢] لكنها المواعيد الربانية، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]. روى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناده عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: (إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة من الشام، فهل لكم أن نخرج إليها عسى الله أن ينفلكموها) قلنا: بلى، فلما سرنا يوماً أو يومين قال لنا النبي ﷺ بعدما تغيرت الظروف: (ما ترون في قتال قوم؟) قلنا: لا والله ما لنا طاقة لقتال العدو، ولكنا أردنا العير، ثم كررها عليهم: (ما ترون في قتال قوم) فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، لكنا نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. يقول أبو أيوب: فتمنينا معشر الأنصار أننا قلنا مثل هذه المقولة، ووالله لو قلناها لكان أحب إلينا من كل مال الدنيا، قال: فأنزل الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥]. وهذا ما حاك في نفوس فريق من المؤمنين؛ لأنهم كرهوا القتال، لكن الله قال: ((كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ))، نعم أحبتي! فالتطورات المفاجئة المتسارعة جعلت الموقف خطيراً جداً، ولا يلامون على مثل هذا ﵃، فهم أرادوا العير كما قال الله: ((وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ)) هذا ما أرادوه، وهذا ما خرجوا من أجله، لكنهم علموا أن الله وعدهم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما النفير، لكنها النفوس البشرية، ولقد قام رجال بدر بعمل خيالي في ذلك اليوم حتى قال النبي ﷺ لـ عمر: (ما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم؟) رواه الشيخان.

стр. 667

موقف المهاجرين من القتال في بدر ذكرت لكم أن الموقف تغير فجأة، فبدل العير وجدوا أنفسهم أمام النفير، ولم يرد القائد الأعلى أن ينفرد بالقرار، فعقد المجلس العسكري الاستشاري، وفي بداية المجلس وقبل أن يتكلم النبي ﷺ وقف قادة المهاجرين يبدون الاستعداد للقتال بعزم وبتصميم وإصرار، تكلم أبو بكر فأجاد، وتكلم عمر فأجاد، وقال المقداد: امض لما أراك الله فنحن معك، ووالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، لكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالله لو سرت بنا إلى برك الغماد ما تأخر منا رجل واحد، ويقال: إن برك الغماد: هو آخر مكان في المعمورة، وهذا الكلام يبين مدى الاستعداد والتصميم، ولذلك لا عجب أن يقول الله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ثم زكى الله الأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. بل وزكى الله كل من سار على طريقهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. وأقول: إن كانوا هم قد استطاعوا نصره الله ورسوله فنحن أيضاً نستطيع، وإذا هم فعلوا فنحن أيضاً نستطيع أن نفعل، أليس المعتقد واحداً؟ أليس المعبود واحداً؟ أليس النهر واحداً؟ بلى، لكنهم صدقوا، فالمطلوب منا أن نصدق مع الله. كن كالصحابة في زهد وفي ورع القوم هم ما لهم في الأرض أشباه عباد ليل إذا جنَّ الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه فيا رب ابعث لنا من مثلهم نفراً يجددون لنا مجداً أضعناه فإذا أقمنا العبودية بالليل كما أقاموها سنستطيع أن نكون فرساناً بالنهار، ووالله! لو صدقنا لفتحت الأبواب، ولن يستطيع أحد أن يغلقها، والله! لو صدقنا لفتحت لنا أبواب الجنان، لكننا نحتاج إلى صدق وعزيمة وتصميم وإصرار كما كانوا.

стр. 668

موقف الأنصار من القتال في بدر تقدم ذكر موقف المهاجرين والذين كانوا أقل من ثلث الجيش، فقد كانوا نحو ثلاث وثمانين رجلاً تقريباً، والنبي ﷺ يعرف أن المهاجرين ما خرجوا من ديارهم وتركوا أموالهم إلا وعندهم أتم الاستعداد ليعطوا ويبذلوا من أجل نصرة دينهم، لكن النبي ﷺ أراد أن يعرف من هذه المجلس موقف الأنصار، فإن ثقل المعركة سيقع على كواهلهم، فقد كانوا أكثر من مائتين وأربعين رجلاً. ثم هم في بيعة العقبة -التي تسمى بيعة الحرب- بايعوا على النصرة داخل المدينة، وهم الآن خارج المدينة، والنبي ﷺ لا يريد أن يلزمهم بشيء لم يتفق معهم عليه؛ ولذلك أعاد نفس الكلام بعد أن تكلم المهاجرون وقال: (أشيروا علي أيها الناس؟). فتكلم سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه حامل لواء كتيبة الأنصار في ذلك اليوم، وسيد الأوس والخزرج الذي اهتز له عرش الرحمن عند وفاته. يقول النبي ﷺ يوم مات سعد بن معاذ: (لقد نزل إلى الأرض سبعون ألف ملك يشيعون سعداً ما نزلوا إلى الأرض من قبل) لماذا يا إخوان؟! لأن الأرض تحبهم وكذلك أهل السماء، لماذا سخرت لهم البحار والجبال والأنهار؟ لأنهم سخروا الحياة لله، قال سعد: كأنك تعنينا يا رسول الله؟ قال: (أجل)، فأعلن القائد الأنصاري موافقة الأنصار المسبقة بدون تردد، وأعلن التصميم الصادق على ملاقاة جيش العدو مهما كانت النتائج، فقال مخاطباً النبي ﷺ : لقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك العهود والمواثيق، فامض بنا لما أردت يا رسول الله! فصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وعاد من شئت، وقارب من شئت -وانظر إلى عقيدة البراء والولاء في حياتهم- وخذ من أموالنا ما شئت، واترك ما شئت، ووالله للذي أخذته أحب إلينا مما تركت، والذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا البحر لخضناه أمامك ما تخلف منا رجل واحد، ووالله لو أمرتنا أن نرمي بأنفسنا من أعالي الجبال لرميناها ما تخلف منا رجل واحد، فامض لما أمرك الله، وما نكره أن تلقى بنا عدوك غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. ولاحظوا الفرق بين خروج هذا الجيش وخروج ذلك الجيش، فهذا يقول لله وللرسول: سمعاً وطاعة وبذلاً من أجل الدين، وأولئك يقولون: نشرب الخمور، وننحر الجزور، ونسمع الأغاني والألحان حتى تهابنا العرب كما قال الله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧]، ماذا يريدون اليوم؟ هل يريدون تحرير الشعوب كما يقولون؟! إذاً: لماذا يقتل الأطفال والنساء إن كان مقصدهم تحرير الشعوب وتحرير الأمم. فسر بنا على بركة الله، فتهلل وجهه ﷺ ، وكيف لا يتهلل وهو يرى أثر الإيمان، وأثر القرآن، وأثر الثقة بنصر الله جل في علاه؟! وكانت آخر ابتسامة أطلقها النبي ﷺ في حياته في صلاة الفجر، في يوم الإثنين، في اليوم الذي مات فيه النبي ﷺ ، فقد كشف الستار من بيت عائشة فإذا المسلمون في صلاة الفجر صفوف متراصون، فتبسم النبي ﷺ وأعطاهم آخر ابتسامة في ذلك اليوم. يقول الصحابة: حين رأيناه ظننا أنه سيخرج للصلاة معنا، وما رأينا وجهه أجمل من تلك اللحظة التي تبسم فيها، تبسم؛ لأن الأمة على الجادة، لأن الأمة تصلي الفجر، ولأن الأمة ما اتصفت بالنفاق، بل صفت أقدامها أمام الله جل في علاه، فكيف لا يتبسم إذاً؟! وهنا تهلل وجهه في ذلك اليوم حين رأى استعداد هؤلاء وهؤلاء لملاقاة الكفار مهما كانت النتائج، ومهما كانت الآثار، تغيرت الظروف لكن الرجال ما تغيروا! تغيرت الظروف لأنهم خرجوا يريدون العير، فإذا بهم أمام النفير، فإذا استعدادهم الذي أبدوه للقتال كان أعظم من استعدادهم للخروج للقافلة: امض لما أراد الله، فوالله ما يتخلف منا رجل واحد، ويوم أمرهم للخروج إلى القافلة تخلف من تخلف، لأنهم لم يخرجوا للدنيا، ويوم أن صارت المواجهة قتالاً وتغيرت الظروف والأحوال لم يتغير الرجال، فلماذا تغير رجال اليوم؟! لماذا تخلف الأبطال اليوم؟! ولقد صدق من قال: إذا أردنا النصر فلنصلي الفجر، فحتى ننتصر على الأعداء لا بد أن نربي الأبناء، وحتى ننتصر على الآخرين فلا بد أن ننتصر على أنفسنا أولاً، ننتصر على شهواتنا، ننتصر على رغباتنا، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، لا بد أن نقر ونعترف بذنوبنا وتقصيرنا. تقول للناس اليوم: توبوا، فيقولون: لماذا نتوب؟ والمنكرات في حياتهم في كل مكان، لكنهم لا يريدون الاعتراف بالذنب، والذي لا يعترف بالذنب لن يتوب، ولا بد أن نقر ونعترف أيضاً أن ما يحدث للمسلمين من مصائب هو بسبب تقصيرنا نحن، فإخواننا يقتلون صغاراً وكباراً ونحن نجلس أمام الشاشات نلهو ونلعب! أيتها المسلمة! لما مات النبي ﷺ قال أبو بكر لـ عمر: هيا بنا نزور أم أيمن، واسمعي بارك الله فيك! إلى الهم الذي تحمله المؤمنة الصادقة، لما جاءها أبو بكر وعمر قالا لها: يا أم أيمن! أما تدرين أن ما عند الله خيراً لرسوله؟ قالت: بلى، إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكنني أبكي لانقطاع الوحي من السماء، فالمرأة تحمل قضية وهماً، فأين هو همي وهمك؟! وماذا هو همك أنت اليوم؟! قال الناظم في ذلك: يا أم أيمن قد بكيت وإننا نلهو ونمجن دون معرفة الأدب لم تبصري وضع الحديث ولا الكذب لم تشهدي بعض المعازف والطرب لم تشهدي شرب الخمور ولا الزنا لم تلحظي ما قد أتانا من عطب لم تشهدي فرق الضلالة والهوى لولا مماتك لرأيت من العجب لم تشهدي فعل العدو وصحبهم ها نحن نجثو من يهود على الركب واحر قلبي من تمزق أمتي أضحت أمورك أمتي! مثل اللعب تالله ما عرف البكاء سراتنا ومع التباكي لا وشائج أو نسب بكت لانقطاع الوحي أما يبكيك ما يحدث هنا وهناك؟ أما يبكيك انتهاك الأعراض، وإراقة الدماء؟ فقد أصبحت دماؤنا أرخص الدماء على وجه الأرض، فهل هذا بذنوبهم أم بذنوبنا؟ وهل هو بتقصيرهم أم بتقصيرنا؟ ما تبسم صلاح الدين قط، ناهيك عن أن يضحك، فلما قيل له في ذلك قال: كيف أتبسم والأقصى في أيدي الصليبيين؟! ها هو الأقصى يلوك جراحه والمسلمون جموعهم آحاد يا ويحنا ماذا أصاب شبابنا أو ما لنا سعد ولا مقداد ولما طلب عمرو من عمر المدد أرسل له أربعة فقط، قال له: أرسلت لك أربعة من الرجال، الرجل منهم بألف! وأرسل المقداد يوماً إلى أبي عبيدة في الشام وقال له: سمعت النبي ﷺ يقول: (جيش فيه المقداد لا يهزم بإذن الله). هذا واحد يا إخوان! ونحن ليس عندنا أحد مثل هؤلاء، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فلا نريد عواطف أو دموعاً، بل نريد عملاً وامتثالاً لأوامر الله، نريد أن نصدق في أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، ونريد أن نصدق في توحيد صفوفنا لمواجهة الأعداء.

стр. 669

إصدار الأوامر النبوية في الانطلاق إلى القتال وبعد أن رأى النبي ﷺ استعداد هؤلاء وهؤلاء قال: (سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم) فتحرك الجيش تحفه رحمة الرحمن الرحيم. إذاً: فأمة الإسلام في أمس الحاجة إلى مراجعة الحسابات، فهذه الابتلاءات التي تنزل من هنا وهناك سببها: الذنوب والمعاصي، بذنبي أنا وأنت، ولا نقول: بذنب فلان أو فلان، أتريد أن تنصر الإسلام؟ إذاً فانصره في نفسك أولاً، فإن لم تكن معهم فلا تكن ضدهم فيؤتى الإسلام من قبلك أنت، ولا تكن سبباً في إضعاف المسلمين أو سبباً في إنزال العقوبة على المسلمين، أليست العقوبة إذا حلت تحل على هذا وذاك؟! فالله لا يريد منا الصلاح فقط، بل يريد منا أن نكون المصلحين، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧]. فما أكثر الأخبار عن الفساد في الأسواق، بل توجد الآن ثياب نسائية مكتوب عليها: أكاديمية (ستار)! وجعل البعض شعارها: تعرف علي بسرعة، وأنت في قلبي، وكذا! عبارات تدعو إلى الرذيلة، يقول النبي ﵊: (من رأى منكم منكراً فليغيره)، فمن رأى منكم هذه الثياب فلا يسكتنّ عنها حتى تبرأ الذمة أمام الله جل في علاه. هذا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 670

سلسلة معركة بدر [٣] ما إن نزل جيش المسلمين بالقرب من بدر حتى شرع النبي ﵊ في القيام بأعمال استكشافية حتى يؤمن المعسكر الإسلامي، فقام بهذه المهمة بنفسه، وهذا يدل على شجاعة وحنكة المصطفى ﷺ ، وتمت هذه المهمة على أكمل وجه، ثم بعث بعض أصحابه بعملية استكشافية أخرى؛ فنزل بدراً وهو يعلم أين يقع معسكر المشركين وكم يبلغ عددهم، فسبق إلى بدر وهدم الآبار على المشركين، ومنعهم من الوصول إلى الماء، وبالمقابل حصل نزاع في جيش المشركين بين قادتهم، ومن هنا بدأ نصر الله.

стр. 671

الاستعدادات والتجهيزات التي قام بها الجيش الإسلامي قبل المعركة لا زال الحديث مستمراً، فإلى الآن لم تبدأ ساعة الصفر في المعركة، فأي معركة يجب أن تسبقها أحداث، وتسبقها مناوشات، وتسبقها محاولات واستخبارات. ففي بعض الأحيان تحاول الفرق أن تتجنب الحرب، ولذلك ما كانت جيوش المسلمين تفتح أي بلاد حتى تنذر أهلها، وتخبرهم أننا ما جئنا مدمرين، ولا جئنا غزاة، ولا جئنا من أجل شيء من الدنيا، ولكن أسلموا تسلموا، فما جئنا إلا لنبشر وندعو إلى هذا الدين، لكن إن حددت الأمور، ولم يكن هناك إلا المواجهة، فأبطال الإسلام على أتم الاستعداد للمواجهة مهما كانت الظروف، ومهما كانت الأحوال. ولك أن تتخيل ثلاثمائة رجل أجبرتهم الظروف على المواجهة، فما تخلف منهم رجل واحد بل قالوا: امض لما أمرك الله، فوالله لو أمرتنا أن نرمي بأنفسنا من أعالي الجبال لرميناها ما تخلف منا رجل واحد! بالرغم من أن التكاليف كانت شاقة على الرجال ومع هذا ما تخلف منهم رجل واحد، واليوم نجد التكاليف أيسر ما تكون، ومع هذا فالمتخلفون آلاف مؤلفة! نسأل الله ألا يجعلنا وإياكم من المتخلفين. أقول فلنتابع وإياكم موجز الأخبار قبل ساعة الصفر: من صفات القيادة الناجحة التواضع واليقظة، فأي قيادة حتى تستطيع أن تكسب أولئك الذين ينطوون تحت لوائها لا بد أن تكون قيادة متواضعة، وقد استطاع النبي ﷺ أن يكسب الأتباع ويؤثر عليهم قال الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فقد كان كواحد منهم، يتعاقب معهم على البعير، فإذا جاعوا جاع، وإذا شبعوا شبع، وإذا أكلوا أكل، وإذا جاهدوا جاهد معهم، وهكذا استطاع أن يؤثر عليهم، ولن نستطيع أن نؤثر على البشرية إلا إذا سرنا على نفس الخطى وعلى نفس الهدي. وكانت تلك القيادة يقظة تعمل كل ما فيه مصلحة للمسلمين، فتحفظهم من الشرور، وتسعى إلى كل ما فيه خير من أجل أن يقام دين الله.

стр. 672

استكشاف يقوم به النبي ﷺ بنفسه فما إن نزل القائد الأعلى بجيشه قرب بدر حتى قام هو بنفسه باستكشاف المنطقة، وما أرسل فلاناً ولا فلاناً، بل قام هو بنفسه ﷺ بعملية الاستكشاف لمعرفة أخبار العدو، محاولاً بنفسه التعرف على حقيقة جيش مكة، وتحديد مواقعه، مع العلم أن في هذا خطورة على القائد، فقد كان بإمكانه إرسال أي جندي من جنوده حتى يتتبع الأخبار، لكن لكي يريهم القائد أنه مثلهم في القيام بنفس الأدوار التي يقومون بها. وكان في ذلك خطورة، لكننا نتكلم عن أشجع الشجعان، يقول أهل المدينة: سمعنا صوتاً ذات ليلة فخفنا منه، فخرجنا فإذا بالنبي ﷺ راجع، قد سبقهم إلى الخروج للاطمئنان على أحوال المدينة، وكان قد خرج بفرس لـ أبي طلحة ليس عليها سرج، فلما اطمأن أن الوضع آمن، رجع وهو يقول لهم: (لن تراعوا، لن تراعوا) ما نام وترك الرعية، بل كان يسهر على راحتهم. خرج معه مرافقه أبو بكر ﵁ وأرضاه رفيق الغار ورفيق الدرب، فبينما هو ﷺ وصاحبه في الجولة الاستكشافية، وقف على رجل شيخ من العرب، فأحب النبي ﷺ أن يسأله عن أخبار جيش مكة، لكنه خاف أن يظنه من جيش المسلمين، فسأله عن الفريقين، فقال: (أخبرني عن جيش مكة؟ وأخبرني عن جيش المدينة؟) فقال له الشيخ: لا أخبرك حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له النبي ﷺ : (إذا أخبرتنا أخبرناك)، فإذا قلت لنا بمواقع هؤلاء ومواقع هؤلاء فسنخبرك ممن نحن؟ فقال الشيخ: أو ذاك؟ يعني: لا يوجد أخذ أو عطاء، قال النبي ﷺ (ذاك الذي سمعت)، فقال الشيخ: فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه قد خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني قد صدق فهم اليوم في الموقع الفلاني، وبلغني أن أهل مكة خرجوا في يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صادق فهم اليوم في موقع كذا وكذا، وصدق في قوله ذلك، ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ منكم﴾ [الأنفال:٤٢]، أي: مر الركب من جهة البحر، فلما فرغ الشيخ من خبره، قال: ممن أنتما؟ فقال بأبي هو وأمي: (نحن من ماء)، يعني: خلقنا من ماء، وصدق فهو لا يكذب ولا ينطق عن الهوى، ثم انصرف بعد أن عرف بالتحديد مواقع جيش الكفار. وهنا: يعطينا النبي ﷺ تشريعا عسكرياً حربياً شرعه النبي ﷺ ، فيجب الحصول على أخبار العدو بأي وسيلة من الوسائل حتى لو أدى الأمر إلى التمويه؛ لمعرفة أخبار الكفار. والكذب يجوز في مواطن ثلاثة ومنها: هذا الموطن، لكن النبي ﷺ لم يكذب قط لا مازحاً ولا جاداً، وإنما موه لأن القضية قضية حرب، وهو حريص على سلامة جيشه.

стр. 673

بعث الرسول ﵊ حملة استكشافية أخرى وعندما عاد إلى مقر القيادة بعث الاستخبارات من جديد ليتحسس الأخبار، فبعث ثلاثة: علياً والزبير وسعداً، الرجل منهم بألف رجل، بعث ثلاثة وكل واحد منهم يقول: الزاد عندي! فوجد هؤلاء الثلاثة - علي والزبير وسعد - غلامين لقريش يملأان الماء لجيش مكة، فأخذوهما إلى معسكر المسلمين، فاستجوبهما النبي ﷺ وسألهما عن مكان قريش، فقالا: هما وراء ذلك الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. قال: (كم القوم؟ قالا: كثير، فقال: كم ينحروا جزوراً في اليوم؟ قالا: ينحرون كل يوم ما بين تسع إلى عشر جزر، فقال النبي ﷺ : القوم ما بين تسعمائة إلى ألف) فهو قائد يعرف خطط الحرب من أولها إلى آخرها، ثم سأل الغلامين عن جيش مكة؟ فذكروا صناديد قريش وكبرائها، فذكروا له: عتبة وأخاه شيبة وأبا جهل وأبا البحتري بن هشام وأمية بن خلف والعباس عم النبي ﷺ وسهيل بن عمرو وغيرهم، فقال النبي ﷺ لما تأكد من قوة جيش العدو وأنه خرج بكامل عدته، وخرج بكبرائه وسادته: (هذه مكة قد ألقت إليكم بفلذات أكبادها) يعني: قادتها وصناديدها وسادتها، فقد جاءوا يحاربون الله ورسوله. والأمر شورى كما علمنا القرآن، وكما كان هدي النبي ﷺ ، فلا يوجد انفراد في أي قرار عن المسلمين، ولا ينفرد أحد منهم بقرار يمس مصلحة الأمة، قال الله: ﴿وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨].

стр. 674

الاستعدادات التي قام بها الجيش الإسلامي في أرض المعركة وفي السادس عشر من رمضان قبل المعركة بيوم، في السنة الثانية من الهجرة تحرك النبي ﷺ بجيشه ليسبق المشركين إلى مواقع الماء في بدر، ثم يحول بينهم وبين الاستيلاء على مواقع المياه. وأثناء التحرك حدثت حادثة تجلت فيها عظمة القيادة أكثر مما مضى، فالقيادة لا تتعصب للرأي، وإن رأت رأياً أصلح للمسلمين اتخذته استجابةً لأمر الله أن الأمر شورى بينهم، واليوم تجد أن الشورى في وادٍ ونحن في وادٍ آخر! فلما نزل النبي ﷺ بدراً، تكلم أحد القادة -وهو الحباب بن المنذر ﵁ وأرضاه- فقال: يا رسول الله! هذا المنزل الذي نزلته هل هو منزل أنزلكه الله إياه -ولاحظ الأدب، فالجندي كذلك يعرف كيف يتكلم مع القادة- فقال: يا رسول الله! المنزل هذا الذي نزلته الآن هل هو منزل أنزلكه الله إياه أم هو الرأي والحرب والمشورة؟ فقال النبي ﷺ : (لا، بل هو الرأي والحرب والمشورة) فقال: يا رسول الله! فإن هذا ليس بمنزل، فامض بالناس حتى نأتي آخر مواقع المياه وأول موقع لقريش عند الماء، ثم نهدم الآبار كلها، ثم نبني الحوض فنشرب ولا يشربون، حتى يهلك العدو عطشاً. والمقاتل يحتاج إلى إمداد وسقيا أثناء القتال، فنقطع عنهم المدد المائي. ولاحظوا الآن فهم يقولون: إن الفلوجة ستستسلم بعد أيام؛ لأنهم يحاصرونها من كل الجهات، وما دروا أن المدد يأتي من السماء! فهم يأخذون بالأسباب المادية، وهم مساكين لا يدرون أن للكون رباً يسيره، يقول الله في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي ما اعتصم بي عبدٌ من عبادي وكادته السماوات والأرض إلا جعلت له من بينها مخرجاً)، وأهل الفلوجة يقاتلون من أجل ماذا؟ أليس من أجل نصرة هذا الدين؟ فسيأتيهم الفرج ليس مني ولا منك، فنحن قد خذلناهم حتى بالدعاء، نسأل الله العفو والعافية، لكن لم يخذلهم رب الأرض والسماء. فقال: يا رسول الله! نغور المياه حتى نشرب ولا يشربون، فماذا قال النبي ﷺ ؟ قال: (نعم الرأي) أي: لقد أشرت بالرأي، فذهب الجيش حتى إذا أتى أقرب ماء من العدو نزل عليه، ثم أمر بالقلب -جمع قليب- فغمرت عملاً بمشورة الحباب، ثم بنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فملئ ماءً. إنها أمة القرآن التي قال الله عنها: ﴿وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، وقال الله لنبيه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. فالأمر في جيش المسلمين شورى ومحبة ومودة وثقة ويقين واستعداد، وانظر! ففي المقابل قريش ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، وهم إلى اليوم هكذا لا يتغيرون، ووالله ما أتينا من قبل قوتهم، ولكن بسبب ضعفنا وتفرقنا نحن، فلو اجتمعت كلمتنا وتوحدت صفوفنا فوالله الذي رفع السماء وبسط الأرض لن تقوم لهم قائمة على ما عندهم من العدة والعتاد. قال ابن عثيمين: يستطيع الله بلحظات أن يضرب زلزالاً يدمر من القوى ما لا تستطيع قواهم أن تفعله في سنوات، فبقوة جبار السماوات يضربهم بزلزال يسقط قواهم من أولها إلى آخرها حتى لو اجتمعوا.

стр. 675

الشقاق والنزاع في جيش قريش قبل معركة بدر عسكرت قريش بالعدوة القصوى من الوادي، وكانوا خبراء حرب، فبثوا سلاح الاستكشاف والاستخبارات حول جيش المدينة، فدار عمير بن وهب -الذي سيأتي خبر إسلامه- حول الجيش المسلم، وكان من شياطين قريش ومن أشد الناس عداوة للمسلمين، ولكن الله يهدي من يشاء، دار حول جيش المدينة ثم عاد ليخبرهم: بأن جيش محمد قرابة ثلاثمائة، يزيدون قليلاً أو ينقصون، ثم أخذ جولة ثانية خلف الجيش حتى يعرف إن كان هناك كمائن أو مدد سيأتيهم ثم رجع يطمئن جيش مكة: أن لا مدد أو كمائن، فلا وجود لأي كمين خلف جيش المدينة. وهذا عمل عسكري احترازي، ولا بد أن نعطي كل ذي حق حقه، حتى لو كان كافراً، فلابد أن نقول: فيه من الصفات كذا وكذا، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥٢]، لكنه عمل عسكري عمله ونصح به قادة مكة وحذرهم وهو يصف جيش النبي ﷺ حين قالوا له: ماذا رأيت؟ قال: رأيت البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، ثلاثمائة رجل كأنما يتطاير الشرر من أعينهم! وقوله: (نواضح يثرب)، يعني: الجمال، تحمل الموت الناقع، يعني: الموت المؤكد، ثم قال: قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، ووالله! ما أرى أن الرجل منهم يقتل قبل أن يقتل رجلاً منكم، فإن أصابوا منكم بعددهم فما قيمة البقاء؟! فسمعوا كلامه، وبدأت المعارضة من جديد، وبدأت الانشقاقات والخلافات، فهناك اتفاق ووفاق، وهنا خلافات وانشقاقات. وقد ذكرنا أن الأخنس بن شريك رجع في ثلاثمائة رجل لما علم أن القافلة قد نجت، فحقن دماء قومه، ثم بدأت معارضة ثانية ضد أبي جهل تدعو إلى إعادة الجيش إلى مكة دونما قتال، وكانت هذه المعارضة أكبر من المعارضة الأولى. ففي المعارضة الأولى قال الأخنس بن شريك لقومه: اجعلوا جبنها فيّ أنا أتحمل جبنها وارجعوا ولا تقاتلوا القوم، لكن هذه المعارضة كانت أقوى من التي قبلها، فقد قادها عتبة بن ربيعة سيد بني عبد شمس، يسانده حكيم بن حزام، وحكيم أسلم وحسن إسلامه، ومن مناقبه أنه الوحيد الذي ولد داخل الكعبة. فظهرت الخلافات قبل المعركة بيوم أو بعض يوم، فكيف ستكون معنويات جيش بدأت الخلافات فيه قبل ساعة الصفر؟ وقد دعت هذه المعارضة إلى عدم الاصطدام مع جيش المدينة، والموادعة والرجوع إلى مكة دونما قتال، ومشى حكيم بن حزام بين الجيش حتى يدعوهم إلى مثل هذا الأمر، وتأييد هذه المعارضة، فجاء حكيم إلى عتبة يعرض عليه الأمر -وكان عتبة أول قتيل بين الصفين- فقال: يا أبا الوليد! إنك كبير قريش، ورجل عاقل، وسيدها المطاع، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر، قال: وما ذاك؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي، يعني: تتكفل بديته، قال عتبة: قد فعلت، إذا كنت ضامناً بذلك، وهذا مصداق قول النبي ﷺ : (إن يفلحوا فبرأي صاحب الجمل الأحمر). فالنبي ﷺ يعرف عقول الرجال، ويعرف عقلية أبي جهل، ويعرف عقلية عتبة، قال عتبة لـ حكيم: ائت ابن الحنظلية، يعني: أبا جهل، فإني لا أخشى على الناس غيره، يعني: أنه متكبر متجبر، وكان قد ولى نفسه على الجيش من دون أن يختاروه، ثم قام عتبة خطيباً في الجيش داعياً للانسحاب دونما قتال فقال: يا معشر قريش! إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً، يا معشر قريش! إنكم ستلاقون آباءكم وإخوانكم وبني عمومتكم، ووالله لا أراك إلا ستنظر إلى وجه تكره أن تقتله، فارجعوا وخلوا بين محمد والعرب، فإن كفيتموه كفيتموه بغيركم، وإن ظهر فعزه عزكم. يعني: لماذا نتواجه مع الآباء والأبناء وبني الأعمام وبني الأخوال؟! فكلنا عشيرة واحدة، فارجعوا، وخلوا بين محمد وبين سائر العرب. فكانت هذه المحاولة من عتبة مصداق قول النبي ﷺ حينما رأى الجيش: (إن يكن في القوم من خير ففي راكب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا). وما أن سمع أبو جهل بدعوة عتبة حتى استشاط غضباً، وركبه الشيطان، ثم اتهم عتبة بالجبن والخوف على ابنه أبي حذيفة الذي أسلم، وهو من السابقين الأولين في الإسلام، فقال أبو جهل: والله ما منعه إلا الجبن وخوفه على ابنه، فقال لـ حكيم رسول عتبة: قد انتفخ -والله- سحره، يعني: انتفخت رئتيه، والعرب كانت تقول هذا لمن بلغ منه الخوف مبلغه، فقال: والله ما أراه إلا قد انتفخ سحره من الخوف والجبن من لقاء محمد وأصحابه، كلا والله لا نرجع، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بـ عتبة إلا أنه رأى أصحاب محمد أكلة الجزور وفيهم ابنه فخاف عليه، والله! لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. ثم تزايد غضب أبي جهل وجرد سيفه وضرب حصانه على عاتقه، فقال إيماء بن رحضة الغفاري: والله بئس الفأل هذا. ولما بلغ عتبة قول أبي جهل: انتفخ -والله- سحره، قال: سيعلم من ينتفخ سحره أنا أم هو؟ فما رأيكم في هؤلاء القادة الآن؟ قيادة الجيش بدأ بينها هذا الشقاق وهذا النزاع لأمر يريده الله، وتغلب الطيش على الحكمة والروية، فهدمت معارضة صاحب الجمل بسبب الطيش والتكبر والتجبر، فكان لا بد من الاصطدام بين جيش تغلب عليه الطمأنينة والاستقرار وأمرهم شورى، وبين فريق آخر بدأ المعركة بشقاق وخلافات، ولذلك بين الله لنا في سورة الأنفال كيف يكون النصر؟ وأنه يكون بالاتصال بالله، فلا بد أن تتصل القوة الأرضية بالقوة السماوية فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦]. فقد ذهبت ريحهم بسبب الخلافات ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال:٤٢]، ما الذي قاد أبا جهل إلى مثل هذا؟ إنه الحقد والكراهية لمحمد ولأصحابه، وهذا هو الذي يقودهم اليوم أيضاً، هذا هو الذي يقود اليهود والنصارى ضدنا، إنه الحقد والكراهية ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]. ما ذنب خمسين ألف في أفغانستان؟! وما ذنب مليون ونصف على مدى عشرة أعوام يقتلون؟! إنه الحقد على الإسلام وأهله، لكنهم لن يضروا أهل الإسلام لا من قريب ولا من بعيد. وكذلك كان أبو جهل من أشد الناس حقداً وعداوة على المسلمين وبغضاً للنبي ﷺ ، فلقد تميز من الغيظ لما خرج النبي ﷺ من مكة، وكان هو صاحب المشورة بقتل النبي ﷺ حيث قال: نجمع مائة من الشباب من شتى القبائل حتى يضيع دم محمد هدراً بين القبائل، ولا تستطيع بنو هاشم أن تطالب بدم محمد، فهو صاحب ذلك الرأي، فتخيل شعوره يوم أن خرج النبي ﷺ ووصل إلى المدينة، وتخيل تلك الفرصة التي ينتظرها عندما أخبر أن جيش المسلمين ثلاثمائة رجل فقط، وهو قد دبر ألف حيلة حتى ينتقم من المسلمين ويصب عليهم جام غضبه ﴿ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال:٤٢]، فقد كان يرى أنها فرصة ذهبية للفتك بالمسلمين خاصة لما علم بقلة عددهم، فقال: اليوم نفعل بهم الأفاعيل، وما درى أنهم سيفعلون به الأفاعيل، وستنقلب عليه الموازين، مع العلم أن أبا جهل يعلم في قرارة نفسه أن محمداً ﷺ على حق، لكنه الحقد الأسود.

стр. 676

من أخبار الدعوة قبل الهجرة وسأرجع بكم قليلاً إلى الوراء، وبالتحديد إلى الأيام التي كانت الدعوة في مكة في بدايتها، يوم أن أنزل الله على نبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢]، فهذه بداية الدعوة لماذا؟ ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٥ - ٦]، فكيف ستتحمل أعباء الدعوة إلا إذا كنت صادقاً في الليل؟ وكيف ستكون فارساً بالنهار قبل أن تكون فارساً بالليل؟ فعلى مدى سنة كاملة والنبي ﷺ يقوم الليل كله؛ فما جاء التخفيف إلا بعد سنة! وكانت خديجة تقوم معه، وكان الصحابة الذين أسلموا يقومون معه، ولما علم الله صدقهم أنزل التخفيف فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل:٢٠]، فقد كان يقوم الليل كله، ويقرأ القرآن، وإذا قرأ النبي ﷺ القرآن فلا أجمل من تلك القراءة، يقول أحد الصحابة: (صلى النبي ﷺ بنا العشاء ليلة وقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١]، يقول: والله الذي لا إله إلا هو ما سمعت أجمل صوتاً منه في تلك الليلة) فإذا قرأ القرآن الذي أنزل عليه فلك أن تتخيل كيف يكون وقع القرآن على النفوس! وفي بعض تلك الليالي التي كان النبي ﷺ في بيته يقوم الليل ويقرأ القرآن حدث أن ثلاثة من صناديد قريش وعظمائها جاءوا يتسللون في الليل من دون أن يعلم بهم أحد، وكل منهم جلس عند بيت النبي ﷺ ، فما الذي أجلسهم؟ لقد أجلسهم القرآن! واليوم أمة الإسلام تجلس على جلسات غنائية حتى مطلع الفجر، وكفرة قريش يجلسون حتى طلوع الفجر يستمعون القرآن، والله إنه أمر عجيب! فما قدرنا هذا الكلام حق قدره، فقد ظهر أثر القرآن على النفوس الكافرة، ولم يظهر على كثير من أبناء المسلمين اليوم! فالقرآن لا يدخل البيت الخرب، فإذا جاء القرآن إلى قلب المؤمن ووجد فيه خراباً خرج، فلا يجلس الحق مع الباطل في مكان واحد، ولا يجتمع الغناء وكلام الرحمن في قلب كما قال ابن القيم: حب الكتاب وحب ألحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان واليوم نحن أمة ألحان وأغان، حتى في حرب السبعين، يوم أن عبر المسلمون أقوى خطوط دفاعية في العالم، عبروها أول الأيام بالتكبير والتهليل، وما هي إلا أيام حتى انقلبت الموازين، وبدأت الإذاعات تقول: أم كلثوم وفلان وفلان يقيمون الحفلات الغنائية لانتصار المجاهدين! ويوم أن انتصر المسلمون في بدر وقف النبي ﷺ يثني على ربه، ويخاطب ربه بالدعاء، فما أقام حفلات غنائية كما قال أبو جهل: لننحرن الجزور، ونشرب الخمور، وتضرب لنا القينات، حتى تسمع بنا العرب قاطبة فتخافنا، إنما أثنى على ربه. ولما دخل مكة في ساعة الانتصار -وساعة الانتصار هي أعظم الساعات واللحظات- دخل على ناقته مطأطئ الرأس يخاطب ربه بالدعاء، وهكذا دخل المنتصر، فما دخل بطراً ولا رئاء الناس. جاء الأخنس بن شريك وأبو سفيان وأبو جهل يتسللون في ظلام الليل فيجتمعون من دون أن يعلم أي منهم بصاحبه، ويجلسون يستمعون إلى النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن، حتى إذا أقبل الفجر وخافوا أن يراهم الناس رجعوا، فجمعهم الطريق فسأل كل منهم الآخر: من أين أتيت؟ وكل يدري من أين أتى صاحبه، فتلاوموا، كيف تصدون الناس عن القرآن، ثم بالليل تجلسون تستمعون إليه؟! فتعاهدوا ألا يرجعوا إلى مثل هذا، والوعد والعهد عند العرب له معنى عظيم، ثم ينكثون العهد مرة ثانية، وفي الوقت المحدد أوى كل منهم إلى مكانه خلف بيت النبي ﷺ يستمعون القرآن مرة ثانية، فلما بزغ الصباح وتنفس الفجر جمعهم الطريق: ماذا بكم؟ ماذا بك يا أبا الحكم؟ وماذا بك يا أبا ثعلبة؟ وماذا بك يا أبا حنظلة؟! فقد أثر القرآن على تلك النفوس، وعلموا أن الكلام ليس بكلام بشر، ثم نكثوا العهد للمرة الثانية، فلما جاءت تلك الساعة التي يعرفون أن النبي ﷺ سيقوم فيها، إذا كل واحد منهم في مكانه في الوقت المحدد حتى إذا أصبح الصباح في اليوم الثالث ورأى بعضهم بعضاً تلاوموا نقضهم العهد والميثاق للمرة الثالثة، فما الذي جعلهم ينقضونه؟! إنه أثر القرآن، ثم تجد أن القرآن اليوم ليس له أثر في نفوسنا، وأن كلام الرحمن ليس له أثر في نفوس كثير من المؤمنين، ونحن لا نخاطب كفار اليوم، بل نخاطب المؤمنين الذين أنزل عليهم القرآن. سبحان الله! تعاهدوا ثلاث مرات، فإذا بهم ينكثون العهد والوعد في كل مرة، ولما أصبح الصباح وقد آوتهم منازلهم، خرج الأخنس بن شريك فذهب إلى أبي سفيان فقال: يا أبا حنظلة! أسألك بالله! الكلام الذي سمعته من محمد في ثلاث ليال ماذا تقول فيه؟ قال: والله ما سمعت مثله قط، عرفت بعضاً منه، ولم أعرف بعضاً منه، لكنني وجدت له أثراً في قلبي، من الذي يعترف بهذا الكلام؟ إنه أبو سفيان عابد الأوثان، فقال الأخنس: وأنا والله كذلك، فوالله! إن لهذا الكلام أثراً واضحاً في قلبي. ثم ذهب إلى أبي الحكم -وهو أبو جهل - فقال: يا أبا الحكم! الكلام الذي سمعته من محمد في ثلاث ليال، ماذا تقول فيه؟ قال: والله! إني لأعلم أنه حق، ما كذب محمد على بشر، فهل يعقل أن يكذب على الله؟! من الذي يقول هذا الكلام؟ إنه أبو جهل، يقول: ما كذب على البشر على مدى أربعين سنة، وهو الصادق الأمين، فقد أثر عليهم قبل الرسالة فكيف لا يؤثر عليهم بعد الرسالة، إذاً ما الخبر؟ قال أبو جهل للأخنس بن شريك: نحن وبنو عبد مناف تنافسنا الرئاسة، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، وأعطوا فأعطينا، وبذلوا فبذلنا، حتى تحاذينا نحن وإياهم الركب في الشرف والمنافسة، فإذا بهم يقولون: فينا نبي يأتيه الوحي من السماء، وأنى لنا بمثل هذا؟! والله لا نؤمن به ولا نصدقه. مع العلم أنه يدري أنه على حق، كما علم فرعون أن موسى على حق، ومع ذلك: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، ﴿قَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وهو أدرى الناس بكذبه، كما علم أبو جهل بصدق رسالة النبي ﷺ ، وكان أول المكذبين، والدافع: هو الحقد والكراهية وبغض المسلمين قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] لكن: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣]. والآن يقودون نفس الحملة من نفس المنطلق، وإلا فهم يعلمون في قرارات أنفسهم أننا على حق، وأن قرآننا حق، وديننا حق، ومعتقدنا حق، لكنها العداوة كما قال الله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى﴾ [البقرة:١٢٠]، فالكفر ملة واحدة لا تتغير ولا تتبدل، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، تغيظهم كثرة سواد المسلمين، وصحوة المسلمين، وصفوف المسلمين في الصلوات، وإقبال الشباب على الطاعات، هذا والله الذي يغيظهم، فكلما ظنوا أنهم تمكنوا من شباب المسلمين إذا بشباب المسلمين أفواج يملئون المساجد من جديد، فتجد عندهم الاستعداد والتضحية والبذل من أجل هذا الدين. - يقول أحدهم: كنت أعجب من ابن السادسة عشرة والسابعة عشرة على جبال أفغانستان بربطته الحمراء، لكن ما الذي يحركهم؟ إنه: المعتقد، حب الشهادة، فهو حب لا يستطيعون أن يطفئوه في الأمة، فحب الشهادة والموت من أجل دين الله، لا يستطيع أحد أن يطفئه في هذه الأمة، شاء من شاء وأبى من أبى، فليفعلوا ما يريدون، فوالله لن يموت حب الجهاد في الأمة، وحتى النساء فلن يموت حب الجهاد في أنفسهن. فقد خرجت امرأة تقول لـ أبي قدامة: مات أبي ومات أخي ومات زوجي في الجهاد، والله لو أن الله كتب الجهاد على النساء لخرجت مجاهدة في سبيل الله! ولا زالت نساؤنا يرددن مثل هذا الكلام، قال الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]. ولك أن تتخيل الثلاثة الكفار يتركون فرشهم في الليل، ويتسللون ويمكثون ساعات الليل كلها يستمعون إلى القرآن! فأين أثر القرآن اليوم في حياتنا؟! فنحن لا نستطيع أن نجد للقرآن أثراً والمعازف والألحان في كل مكان. فالقضية اليوم في حياتنا صارت قضية خوف، فعندنا الطاعات، ولكن في المقابل تجد قارئ القرآن يسمع الأغاني! يسمع كلام الرحمن وكلام الشيطان، فيجمع بين المتناقضات، فهو يطيع في ساعة، ويعصي في ساعة، فلن يستقيم الحال هكذا، وإنما يستقيم الحال إذا سرنا على طريق الطاعات، وتعبدنا الله بترك الفواحش والمنكرات، فمتى يكون هذا إذا لم نصدق الآن في شدة الظروف والأحوال؟ ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)

стр. 677

فتح مكة في رمضان لقد كان فتح مكة انتصاراً لأهل التوحيد بكل المقاييس، وما ذاك إلا لوجود رجال بذلوا أوقاتهم وأموالهم وأنفسهم لنصرة هذا الدين، لا كحال كثير من شباب اليوم ورجالهم، فهم شباب ورجال قذف الله في قلوبهم الوهن، إلا من رحم ربي وقليل ماهم، وما أصاب الأمة من ذل وهوان فهو بسبب هؤلاء الذين ما عرفوا لماذا خلقوا، أو عرفوا ولكنهم في غفلة عما خلقوا له!!

стр. 678

سبب غزوة مكة وفتحها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! في مثل هذه الأيام المباركة من رمضان دخل المسلمون بقيادة القائد الأعلى محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه مكة فاتحين منتصرين، يسبحون الله ويثنون عليه مكبرين، فبعد أن خانت مكة العهود والمواثيق لا بد من تأديب الخونة والكاذبين، لقد عقد النبي ﷺ يوم الحديبية صلحاً تاريخياً مع قريش، وقد التزم ﷺ بكل دقة متناهية ببنود هذا الصلح، فطبقه نصاً وروحاً، فبرهن عملياً على أصالة الأخلاق الإسلامية في الالتزام بمبدأ الوفاء، لكن إن خانوا العهود، وبدلوا المواثيق أفنرضى بالذل والهوان؟ أما قال الله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٨]؟ خانت قريش العهد فأمكن الله منهم، وسيمكن الله من جميع الخائنين. لقد كان من بنود الصلح الجائرة الظالمة: أنه من أتى المسلمين من الكفار مسلماً ردوه إلى قريش، ومن أتى من المسلمين إلى قريش مرتداً فلا ترده مكة إلى المسلمين، لقد أصاب المسلمين الهم والغم من ذلك، لكن الله جعل ذلك نصراً وفتحاً مبيناً للمسلمين، فما حاجة الإسلام للمرتدين؟ ولقد وفى لهم النبي ﷺ بذلك، فرد من أتاه من الرجال إلى مكة، ومن أولئك الرجال أبو بصير مسعر الحرب وقائد الثوار المسلمين، الذي أنشأ له قاعدة تضرب قوافل قريش والمشركين. ومن بنود ذلك الصلح أيضاً: ألا تعتدي قريش وحلفاؤها من كنانة على المسلمين وحلفائهم من خزاعة، وأن تضع الحرب أوزارها بينهم لعشر سنين إلى غير ذلك من البنود، فالتزم النبي ﷺ وحلفاؤه بالعهد، ووقفوا عند شرف الكلمة التي أعطوها، فهل التزمت قريش وحلفاؤها بالعهد والوعد، ووقفوا عند شرف الكلمة التي أعطوها؟ كلا، أقدمت كنانة بمساندة حلفائها القرشيين على جريمة من أبشع جرائم الغدر والمكر والخيانة، غدروا بأكثر من خمسة وعشرين من خزاعة، فقتلوهم داخل الحرم، ولم يمض على توقيع الصلح سنتان، قتلوهم وهم عزل من السلاح في حالة تهجد وتبتل ركعاً سجداً آمنين مستأمنين، فكان ذلك بمثابة نكث ونقض كامل لبنود صلح الحديبية، وعندما بلغ النبي ﷺ نبأ ذلك العمل الإجرامي المتمثل في الغدر بحلفائه الذين بموجب الصلح له ما لهم وعليه ما عليهم، لم يتعجل بأبي هو وأمي، بل أرسل إليهم مبعوثاً خاصاً يتضمن تخيير قريش الطرف المسئول عن تنفيذ بنود الصلح بين ثلاثة أمور: إما أن تدفع قريش وحلفاؤها من كنانة ديات القتلى من حلفاء المسلمين من خزاعة، فيستمر مفعول الصلح. وإما أن تتبرأ قريش من الغادرين من كنانة ليصفي النبي ﷺ الحساب معهم وحدهم، وينزل بهم العقاب الذي استحقوه لغدرهم بحلفائه. وإما السيف بينه وبينهم، بصفتهم مسئولين عن تنفيذ الصلح؛ ولأن الغدر تم بموافقتهم وتأييدهم، فتكبرت قريش وتجبرت، ورفضت دفع الديات، ورفضت أن تتبرأ من الغادرين، وأنها ترحب بالحرب وتفضلها، فجاهرت بخيانتها وتبجحت بها، فكان لا بد من نصرة المظلومين، والاستجابة لأمر الله الذي قال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٧١]؛ لذلك قرر النبي ﷺ الزحف على المشركين في مكة، فتحرك من المدينة في جيشه العظيم الذي بلغ عشرة آلاف مقاتل؛ لتأديب الخائنين الناكثين، فداهم مكة على حين غفلة من أهلها، وقد طمس الله عنهم أنباء الغزو الشامل من قبل، حتى وصلت طلائع الجيش النبوي إلى ضواحي مكة، فأسقط في أيدي زعمائها الذين رأوا ثمن الخيانة والغدر سيوفاً إسلامية تلمع وتحيط بهم من كل جانب، فلم يسعهم حين أحاطت بهم القوات المسلمة من كل الجهات إلا الاستسلام والتسليم.

стр. 679

أبو سفيان يخرج من مكة مستطلعاً أخبار المسلمين خرج أبو سفيان قائد مكة ليرى الخبر، فاستقبله العباس واستأمن له عند النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (ارجع إلى قومك ولك ولهم الأمان). فرجع أبو سفيان، وأخذت كتائب الجيش المسلم تتأهب لدخول مكة، وأخذت تمر أمام أبي سفيان وهو واقف ينظر ويتعجب، وكلما مرت به كتيبة كبرت: الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! فيسأل العباس: من هؤلاء؟ فيخبره عنهم، حتى أقبلت الكتيبة الخضراء التي يحمل رايتها سعد بن عبادة، وفيهم رسول الله ﷺ محاط بأصحابه، ورديفه شاب صغير هو أسامة بن زيد حبه وابن حبه، فمرت الكتيبة الخضراء وهم في الحديد لا يرى منهم إلا حدق العيون، وفيهم ألفا دارع، فانخلع قلب أبي سفيان، إنها كتيبة لم ير العرب مثلها بأساً وإقداماً، فقال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء طاقة، والله -يا أبا الفضل - لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً، قال العباس: يا أبا سفيان! إنها النبوة، وإنه نصر رب العالمين، قال: نعم، هي إذاً، فما أغنت عنا آلهتنا من شيء.

стр. 680

دخول النبي وأصحابه مكة فاتحين ثم انطلق أبو سفيان إلى أهل مكة، وأعلن لهم الأمان الذي منحه إياهم رسول الله ﷺ ، إلا من حمل سيفاً، أو تعرض لكتائب المسلمين، فدخلت الجيوش المسلمة مكة من جميع الجهات، واستسلمت مكة، فلم يكن هناك قتال ولا مقاومة إلا ما كان من جيش خالد بن الوليد حين التقى بسفهاء مكة وأوباشها، فرموا خالداً ومن معه بالنبال وعارضوه بالسيوف، فحمل عليهم خالد ومن معه حملة فرقت جمعهم، وهزمتهم شر هزيمة، دخل رسول الله ﷺ مكة من أعلاها، وضربت له قبة بالحجون فنزل فيها، واستراح من وعثاء السفر، استسلمت مكة للفاتح الرشيد، وألقت مقاليدها بين يديه، وانتهت مهمة القائد بهذا الاستسلام، ركب ناقته القصواء، وتوجه نحو البيت العتيق، ومن حوله المهاجرون والأنصار، يحيطون به من كل جانب، طاف بالبيت سبعاً مطأطئ الرأس، دموعه على خده، يخافت ربه بالحمد والثناء، طاف وهو يردد قول الله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] سقطت مكة معقل الكفر والوثنية، وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وأصدر القائد العام عفواً عن أولئك الذين طردوه، وصبوا صنوف العذاب عليه وعلى أصحابه، أولئك الذين حاصروه في الشعب وحرموه ومن معه من أبسط حقوق الإنسان، ألم يتآمروا على قتله، وأخرجوه من مسقط رأسه؟ أما قاتلوه يوم بدر وأحد، وحاصروه يوم الخندق حين تآمروا مع اليهود؟! هاهم اليوم بين يديه وهو قادر على أن يذيقهم العذاب ألواناً، فأعلنها عفواً وإحساناً؛ لأن الله أرسله رحمة للعالمين. أخي الحبيب! قف معي وتأمل بعد سماع خبر هذا الفتح العظيم في مثل هذه الأيام من هذا الشهر الكريم، عشر سنوات ما بين خروج النبي ﷺ مطارداً مطلوباً حياً أو ميتاً، وما بين دخوله منتصراً فاتحاً، كيف تحقق هذا النصر ومن الذي حققه؟! تحقق بالإيمان والصبر والثقة واليقين، تحقق بالأخلاق الإسلامية من وفاء وصدق وعفو عند التمكين، تحقق بالإعداد والاستعداد لمثل هذا الفتح العظيم، ولن ينتصر المسلمون اليوم على أعدائهم إلا بما انتصر به أسلافهم من قبل قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. أخي الحبيب! ما كان لتلك الانتصارات أن تتحقق لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، وما كان للنبي ﷺ أن يصنع ذلك بمفرده، لكن كما قال الله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٤] وهل كانت الكوكبة التي التفت حول النبي ﷺ إلا من الشباب، لكن أي شباب، شباب تربوا على تقوى من الله ورضوان. شباب ذللوا سبل المعالي ما عرفوا سوى الإسلام ديناً تعهدهم فأنبتهم نباتا كريما طاب في الدنيا غصونا إذا شهدوا الوغى كانوا كماة يدكون المعاقل والحصونا شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينا وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغت لحوناً نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 681

وقفة مع الشباب الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: أحبتي! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله! قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. عباد الله! إن نجاح الأمم يرجع إلى مقدار علو همم شبابها، وإلى مقدار آمالهم وأعمالهم. يا معشر الشباب! إن الشباب هو القوة، فالشمس لا تملأه النهار في آخره كما تملؤه في أوله، الشباب ثقة وإصرار وعزيمة، الشباب لا يكل ولا يتعب من التعب، كانت حكمة الشباب التي يعملون عليها: اطلب الموت توهب لك الحياة، والنفس إذا لم تخش الموت عاشت عزيزة، إن شجاعة الأسد هي التي جعلته لا يثمن كما تثمن الشاة للذبح، سيكتب التاريخ بأحرف من نور أولئك الشباب الذين التفوا حول نبيهم، ونصروا الإسلام بهمم عالية، وغيروا مجرى التاريخ بإيمانهم وعقيدتهم، هل تأملت معي المشهد حين دخل النبي ﷺ مكة فاتحاً؟! من الذي كان خلفه ورديفه على ناقته؟! إنه أسامة، حب رسول الله ﷺ وابن حبه، ما أجمله وأروعه من منظر والشاب الصغير خلف نبيه على بعيره، وذراعيه ملتفة حول النبي ﷺ ، كان ﷺ يقول لـ عائشة عن أسامة: (يا عائشة! أحبيه، فإني أحبه). وفي سن مبكرة لم تتجاوز العشرين أمر النبي ﷺ أسامة بن زيد على جيش بين أفراده وجنوده أبو بكر وعمر بن الخطاب، وسرت همهمة بين نفر من المسلمين تعاظمهم الأمر، واستكثروا على الفتى الشاب إمارة جيش فيه شيوخ الأنصار وكبار المهاجرين، فقال ﷺ : (إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا - يعني: أسامة ابنه- لمن أحب الناس إلي بعده، وإنه أهل للإمارة والإمارة أهل له)، أتدري أيها الشاب لماذا قال النبي ﷺ هذا؟ لأنه ﵁ على حداثة سنه كان مؤمناً صلباً، ومسلماً قوياً يحمل كل تبعات إيمانه ودينه في ولاء مكين، وعزيمة قاهرة جعلته قريباً من قلب النبي ﷺ ، وكبيراً في عينيه، هذا حال شباب الأمس، فما أخبار شباب اليوم؟ وللإنصاف ليس كلهم، لكن للأسف أكثرهم، شباب موسيقى وألحان، وشباب شاشات وقنوات، شباب مقاهي واستراحات، شباب في الأسواق والمجمعات؛ لانتهاك أعراض المسلمات، شباب (أكاديمي استار) برنامج الفجار، شباب كرة القدم بالليل والنهار، كرة القدم وما أدراك ما كرة القدم؟ كرة القدم أكلت عقول شبابنا ويهود تجتاح الحرم عجباً لآلاف الشباب وإنهم أهل الشيم دخل العدو بلادهم وضجيجها زرع الصمم أيسجل التاريخ أنا أمة مستهترة شهدت سقوط بلادها وعيونها فوق الكرة؟ بطولاتنا كانت في بدر والقادسية واليوم بطولاتنا في ملاعب الكرة، أين الذين يقولون: إما أن يحيا الإسلام عزيزاً أو لا خير في الحياة؟!

стр. 682

مصعب بن عمير يفتح المدينة بالقرآن أين من يقول للأعداء: لا وألف لا؟! إن لم يكن الشباب فمن يكون؟ لكن أي شباب؟! هاهو مصعب بن عمير يفتح المدينة بالقرآن، ويعدها ليوم الهجرة العظيم، لقد تحمل مصعب أخطر قضية، وقام بأصعب مهمة حين اختاره النبي ﷺ ليكون أول سفير له إلى أهل المدينة، تحمل ابن العشرين المسئولية، وحمل الأمانة على أكمل وجه، فانتاب نور الإيمان على يديه إلى سادات الأنصار؛ فأسلم على يديه أسيد بن حضير الذي تنزلت الملائكة لتلاوته القرآن، وأسلم على يديه سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن، جاء مصعب إلى المدينة وما فيها سوى اثني عشر مسلماً، وما مضت أشهر حتى دخل الإسلام في كل بيت من بيوت المدينة، لقد أثبت مصعب الذي غزا قلوب أهل المدينة بزهده وصدقه وإخلاصه أن الرسول ﷺ عرف كيف يختار. فمن الذي صنع مصعباً وأمثاله من الشباب؟ لقد صنعهم الإسلام، وإن الإسلام الذي صنعهم لقادر على أن يصنع أمثالهم، من هو مصعب قبل الإسلام؟ ومن هو مصعب بعد الإسلام؟ مصعب بن عمير غرة فتيان قريش، وأوضؤهم بهاءً وجمالاً وشباباً، يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون: كان أعطر أهل مكة، ولد في النعمة وغذي بها، وشب تحت خمائلها، لم يكن لفتيات مكة ونسائها حديثاً إلا مصعباً الذي لا يلبس إلا الحرير، ولا يجلس إلا على الوفير، الابن المدلل لأمه وأبيه، فلما دخل نور الإيمان في قلبه تبدلت الحال، وتغيرت الآمال، فأصبح الفتى المتأنق المتعطر لا يرى إلا مرتدياً أخشن الثياب، يأكل يوماً ويجوع أياماً، خرج يوماً على بعض المسلمين وهم جلوس حول النبي ﷺ ، فما إن رأوه حتى حنوا رءوسهم، وغضوا أبصارهم، وذرفت عيونهم دمعاً شجياً، ذلك أنهم رأوه يرتدي جلباباً مرقعاً بالياً، وتذكروا صورته الأولى قبل إسلامه حين كان ثيابه الديباج والحرير، فاسترجع النبي ﷺ ، ودار في صدره ما دار في صدور أصحابه، فقال: (لقد رأيت مصعباً هذا وما بمكة فتىً أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حباً لله ورسوله) سمعتم يا معشر الشباب والشيب! لماذا ترك مصعب هذا كله؟ تركه حباً لله ورسوله. أسألكم بالله وكل واحد منا يجيب نفسه بنفسه: هل نحن حقيقة نحب الله ورسوله؟ إن كان الجواب نعم، فهل آن أن نترك اللهو والضياع؟ أما آن أن نترك اللهو والضياع والمعاصي، ونستمع إلى نداء الرحمن الذي ملأ الآذان: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]؟ قل معي وردد: بلى آن! بلى آن! بلى آن. عباد الله! إذا لم نجد حلاوة الإيمان في رمضان فمتى إذاً؟! أما تعلم أيها الغالي أن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، بل ما وقر في القلب وصدقه اللسان، وعملت به الجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، يزيد بالطاعات والقربات إلى رب الأرض والسماوات، وينقص باللهو واللعب والغفلة والإعراض عن منهج الله ، ينقص الإيمان بمجالسة أهل الباطل المعرضين عن شرع الله، الساقطين في حفر الرذائل والشهوات، ينقص الإيمان بإطلاق الجوارح في المعاصي، وتلطيخ الأعضاء بالسيئات، وتسويد القلب بالذنوب، عين تنظر إلى الحرام، وأذن تستمع إلى الخنا، وقلب يرتع بالشهوات، ويد تبطش ظلماً، وفرج يقترف الفحشاء، وبطن يمتلئ بالآثام والحرام؟ رحماك يا رب وعفوك! رحماك يا رب وعفوك! يا صائماً عافت جوارحه الخنا أبشر برضوان من الديان عفو ومغفرة ومسكن جنة تأوي بها من مدخل الريان معاشر الأحبة! فتحت مكة، وتحققت الانتصارات بأمثال أولئك الشباب، فمن الذي سيفتح ويرد لنا أقصانا؟! ومن الذي سيصون أعراضنا في العراق؟! اللهم بارك لنا في الشباب والشيب، اللهم رد الشباب إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم اجعلهم هداة مهتدين، وزينهم بنور الإيمان يا رب العالمين، انصرهم بالإسلام وانصر الإسلام بهم يا سميع يا مجيب! اللهم يا غياث المستغيثين! ويا أمان الخائفين! ويا عون المؤمنين! ويا جار المستجيرين! يا ذا العظمة والسلطان! يا من قصمت القياصرة! وقهرت الجبابرة، وكسرت الأكاسرة، اللهم سلط على اليهود والأمريكان الريح القواصم، والبراكين والعواصف، واملأ قلوبهم بالرعب والخوف. اللهم اكسر شوكتهم، وأقض على قادتهم وساستهم، واجعل أموالهم وديارهم غنيمة للمسلمين في كل وقت وحين، يا منتقم يا جبار يا قهار! اللهم سلط عليهم ومن والاهم فتنة سوداء تمزق قوتهم، وتخطف أبصارهم، وتذهب عقولهم، وتنكس راياتهم، بقوتك يا قوي يا متين! يا ذا الجلال والإكرام والجاه والسلطان! اللهم أيقظ المسلمين من الغفلة والسبات، يا رب الأرض والسماوات! اللهم أيقظ في المسلمين الهمم والعزائم، ونبه منهم الغافل والنائم، وارفع قدرهم إن قل عددهم، واجعل الملائكة عوناً لهم، فأنت نعم المولى ونعم النصير! يا سامع كل نجوى! ويا منتهى كل شكوى! وكاشف كل بلوى، ويا من إليه المشتكى والمأوى! نشكو إليك ما يحدث لإخواننا في العراق وفي فلسطين وكشمير والفلبين والشيشان وأفغانستان والسودان، نشكو إليك ما يحدث لهم من اليهود والأمريكان، ومن والاهم من المنافقين والكفار. اللهم إن الأقصى والعراق تبكي منابرهم، وامتلأت بالموتى مقابرهم، وقل معينهم وناصرهم، اللهم كن لهم عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً، صن أعراضهم واحقن دماءهم يا رب العالمين! اللهم افتح للمجاهدين الأبواب، وأزل عنهم الصعاب، واصرف عنهم كيد الذئاب، وكل منافق وكذاب، فك أسرانا وأسراهم، ويسر لفكاكهم الأسباب. يا رب الأرباب! ويا مجري السحاب! لا خاب من دعاك، ولا خاب من رجاك، آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ول علينا خيارنا، واكفنا شرارنا يا رب العالمين! عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 683

كيف أستحي من الله ؟ إن الله مطلع على جميع أحوال الخلق، فعلى العبد أن يراقب الله في السر والعلن، وأن يتوكل عليه في جميع أموره، كما يجب عليه أن يؤدي الفرائض والواجبات، ويبتعد عن المعاصي والمحرمات.

стр. 684

وجوب التوكل والاعتماد على الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: عباد الله! قال الله جل في علاه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٧ - ٢٢٠] قال السعدي ﵀: وأعظم مساعد للعبد على القيام بما أُمر به الاعتماد على ربه، والاستعانة بمولاه على توفيقه للقيام بالمأمور، فلذلك أمر الله تعالى بالتوكل عليه، فقال سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء:٢١٧]. والتوكل هو: اعتماد القلب على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار، مع ثقته به وحسن ظنه بحصول مطلوبه؛ فإنه عزيز رحيم، فبعزته يقدر على إيصال الخير ودفع الشر عن عبده وأمته، وكل ذلك أيضاً برحمته.

стр. 685

عظم مرتبة الإحسان نبه الله ﵎ عباده عند فعل الأوامر وترك المنهيات إلى استحضار قربه، والنزول في منزلة الإحسان، فقال سبحانه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩] أي: يراك في هذه العبادة العظيمة -التي هي الصلاة- وقت قيامك وتقلبك، راكعاً وساجداً، وخص الصلاة بالذكر لفضلها وشرفها؛ ولأن من استحضر فيها قرب ربه ﵎ خشع وذل وأكملها، وبتكميلها يكمل سائر عمله، ويستعين بها على جميع أعماله وأموره. ثم قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢٢٠] أي: السميع لسائر الأصوات على اختلافها وتشتتها وتنوعها، العليم الذي أحاط بالظواهر والبواطن، والغيب والشهادة، فاستحضار العبد رؤية الله له في جميع أحواله، وسمعه لكل ما ينطق به، وعلمه بما ينطوي عليه قلبه من الهم والعزم والثبات والنيات يعينه على بلوغ مرتبة الإحسان.

стр. 686

تعريف المراقبة لله جاء في الحديث الصحيح عند مسلم من حديث عمر في وصف الإحسان، عندما سئل رسول الله ﷺ عن الإحسان، فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، أي: أن الله تعالى يراك ويعلم سرك ونجواك، ففي الصحراء يراك، وفي الجو أو في السماء يراك، وإن كنت وحيداً يراك، وفي جميع أحوالك يراك، كما قال : ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]. فالإحسان هو: استحضار عظمة الله ومراقبته في كل حال. إذاً فما هي المراقبة؟ قال ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة المراقبة وهي: دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله مطلع على عمله، ومن راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه. وقال أحدهم: والله! إني لأستحي أن ينظر الله في قلبي وفيه أحد سواه. وقال ذو النون: علامة المراقبة: إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عظم الله، وتصغير ما صغر الله. وقال إبراهيم الخواص: المراقبة: خلوص السر والعلانية لله ﵎. وقالوا: أعظم العبادات: مراقبة الله في سائر الأوقات.

стр. 687

أثر الإيمان والتعبد بأسماء الله وصفاته قال ابن القيم: والمراقبة هي: التعبد بأسمائه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير، فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة. فهيا معاً أحبتي! ننظر في معاني هذه الأسماء وهذه الصفات وبعضاً من آثارها: قال شيخ الإسلام ﵀: وفي كتاب الله ﵎ من ذكر أسمائه وصفاته أكثر من ذكر آيات الجنة والنار وآيات المعاد، وإن الآيات المتضمنة لأسمائه وصفاته أعظم قدراً من آيات المعاد.

стр. 688

أثر التعبد باسم الله: الرقيب ورد اسمه (الرقيب) في ثلاثة مواضع من كتابه العزيز: في سورة المائدة عند قوله تعالى وهو يخاطب عيسى يوم القيامة في ذلك المشهد العظيم، وفي ذلك الموقف الجسيم: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٨]، ثم بيَّن الله الناجين في ذلك اليوم بقوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩]. وجاء ذكر (الرقيب) في قوله تعالى في أول آية من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. قال ابن جرير في قوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)) أي: أن الله لم يزل عليكم رقيباً حفيظاً محصياً عليكم أعمالكم متفقداً أحوالكم. وجاء أيضاً ذكر (الرقيب) في سورة الأحزاب في قوله جل في علاه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب:٥٢]. قال ابن القيم في نونيته: وهو الرقيب على الخواطر واللوا حظ كيف بالأفعال والأركان فهو سبحانه رقيب على الأشياء بعلمه الذي وسع كل شيء، كما قال جل وعلا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، وهو يعلم ما كان وما سيكون، وما هو كائن لو كان كيف سيكون، وهو رقيب على الأشياء ببصره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو رقيب على الأشياء بسمعه المدرك لكل حركة وكلام، فأين أثر هذا في حياتنا، وفي تصرفاتنا، وفي معاملاتنا، وفي عبادتنا، وفي أخذنا وعطائنا!!

стр. 689

قصة إسلام عمير بن وهب، وما فيها من دروس وعبر جاء في السير أنه بعد معركة بدر وبعد أن عادت قريش تجر أذيال الهزيمة، وقد تلقت درساً لا تنساه من معسكر الإيمان: أن صفوان بن أمية وعمير بن وهب قعدا في الحجر، فأخذا يتذاكران أصحاب القليب، وكان صفوان بن أمية قد قتل أبوه وأخوه في يوم بدر، فقال عمير لـ صفوان: لولا صبية صغار لا أحد يرعاهم بعدي، وديون ركبتني لذهبت إلى المدينة وقتلت محمداً، فقال صفوان: دينك علي، وأنا أرعى صغارك على أن تقتل محمداً، فاتفقا على ذلك ولا ثالث معهما إلا الله، الذي يعلم السر وأخفى، فوصل عمير إلى المدينة متظاهراً بأنه جاء لدفع الفداء وفك أسر ابنه وهب الذي كان أسيراً عند المسلمين، فلما رآه عمر ﵁ وأرضاه، انطلق إلى النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: يا رسول الله! هذا عدو الله عمير بن وهب جاء متوشحاً سيفه، فقال النبي ﷺ : (أدخلوه عليّ، فجاء به عمر وهو آخذ بتلابيبه، فأوقفه عند النبي ﷺ ، فقال: دعه يا عمر! ثم قال: ادن يا عمير! فدنا عمير، ثم قال: أنعم صباحاً يا محمد! -وكانت هذه تحية أهل الجاهلية- فقال النبي ﷺ : قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير أكرمنا بالسلام تحية أهل الجنة: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤]، ثم قال النبي ﷺ : ما جاء بك يا عمير؟! قال: جئت أفدي أسيري هذا الذي في أيديكم فأحسنوا إليه، فقال النبي ﷺ : فما بال السيف في عنقك؟ قال: تباً لها وقبحها الله من أسياف، وهل أغنت عنا يوم بدر شيئاً؟ قال: اصدقني يا عمير! ما الذي جاء بك؟ قال: ما جئت إلا لذاك. فقال النبي ﷺ : بل لقد قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فتذاكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعيال أخاف عليهم الضياع لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بينك وبين ما أردت، فقال عمير متعجباً ومندهشاً: أشهد أنك لرسول الله، وقد كنا نكذبك بما تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وأما هذا الأمر فلم يحضره إلا أنا وصفوان ولا ثالث معنا إلا الله، والله! إني لأعلم أنه ما أتاك بهذا الخبر إلا الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق، فقال النبي ﷺ : فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، وأطلقوا أسيره). الله أكبر ولا إله إلا الله! وتدبر معي -أخي المسلم- قوله ﵎: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] فأين أثر هذه الآيات في حياتنا؟! بل أين أثر قوله ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٣٥]؟! قال الشاعر: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل: علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعةً ولا أن ما يخفى عليه يغيب ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب وأن غداً للناظرين قريب لقد أسلم عمير؟ عندما استشعر عظمة الله ومراقبته، وإحاطته بكل شيء، فهلا استشعرنا ذلك، واستشعرنا قوله ﵎: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]؟!

стр. 690

مفهوم اسم الله: الحفيظ، وأثر التعبد به ومن أسمائه ﵎ (الحفيظ) وهو: الذي حفظ خلقه وأحاط علمه بما أوجده، وحفظ أولياءه من وقوعهم في الذنوب والهلكات، ولطف بهم في الحركات والسكنات، وأحصى على العباد أعمالهم وجزاءها. ومعنى: (احفظ الله يحفظك) أي: احفظ حدود الله وحقوقه، وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا نتجاوزها، والمقصود: فعل الواجبات جميعاً وترك المحرمات جميعاً، وقد مدح الله عباده الذين يحفظون حدوده، فقال في معرض بيانه لصفات المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢]، فهؤلاء بشرهم بأن يحفظهم في دينهم ودنياهم، وفي أولاهم وأخراهم، إذا حفظوا أوامره وحدوده.

стр. 691

بيان عظم التوحيد ومن أعظم ما يجب على العباد حفظه من حقوق الله التوحيد، وهو: أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً. روى البخاري من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: (بينما كنت أسير مع النبي ﷺ ، إذ قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار ساعةًَ، ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق العباد على الله إن هم فعلوا؟ - أي: أتدري ما حقهم على الله إن هم عبدوه ولم يشركوا به شيئاً؟ - قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه ألا يعذبهم). فحق العباد على الله إن هم عبدوه ووحدوه ولم يشركوا به شيئاً: ألا يعذبهم، وإن لم يعذبهم أدخلهم جنته، فهذا هو الحق العظيم الذي أمر الله سبحانه عباده أن يحفظوه ويرعوه، ومن أجل حفظه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وكان الله رقيباً على الجميع، كما قال : ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨].

стр. 692

عظم قدر الصلاة وأهمية المحافظة عليها ومما أمرنا الله بحفظه وقد ضيعه كثير من الناس: حفظ الصلوات، وما أدراك ما الصلوات؟ قال سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وقال ممتدحاً عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] فمن حافظ على الصلوات وأداها بأركانها حفظه الله من نقمته وعذابه، وكانت له نجاة يوم القيامة، وهي من خير الأعمال، كما قال ﷺ : (اكلفوا من العلم ما تطيقون، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة). ووالله! لن تلقى الله بعمل بعد توحيده أعظم من المحافظة على الصلوات. قال ابن القيم ﵀: والصلاة مجلبة للرزق حافظة للصحة دافعة للأذى مطردة للأدواء مقوية للقلب مبيضة للوجه مفرحة للنفس مذهبة للكسل منشطة للجوارح ممدة للقوى شارحة للصدر مغذية للروح منورة للقلب حافظة للنعمة دافعة للنقمة جالبة للبركة مبعدة من الشيطان مقربة من الرحمن. وللصلاة تأثير عجيب في دفع الشرور ولا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً، فما استُدفعتْ شرور الدنيا وعذاب الآخرة بمثل الصلاة والمحافظة عليها؛ وسر ذلك: أن الصلاة صلة بالله جل في علاه، وعلى قدر صلة العبد بربه تفتح عليه من الخيرات أبوابها وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتأمل في قوله ﷺ كما في الحديث القدسي عن الله : (يا ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات أكفك آخره). ومن حفظ الله للمصلين: أن صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر. وأما من ضيعها فقد توعده الله بالهلاك والشر العظيم، فقال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] فكيف هي صلاتنا اليوم؟ وهل حفظناها؟ وهل راقبنا الله فيها؟ وهل تدبرنا قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩]؟ قل لي بالله العظيم: كم مرة تفوتك صلاة الجماعة؟ وكم مرة تفوتك تكبيرة الإحرام؟ وكم مرة تنام عن صلاة الفجر؟ والله! لن يستقيم الحال إلا إذا استقام العبد في أداء الصلاة، ووالله! لن يستقيم للعبد حال إلا إذا استقام في صفوف المصلين.

стр. 693

معنى اسم الله: السميع، وأثر التعبد به عباد الله! ومن أسمائه سبحانه: السميع، قال جل في علاه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧] أي: تسمع وتجيب، وقال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٨١]، وقال عن نفسه: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠] فهو سميع لأقوال عباده وحركات مخلوقاته، ويسمع السر وأخفى، كما قال : ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:١٠] فهو سميع ذو سمع بلا تكييف ولا تشبيه، وفي الحديث: (جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشتكي زوجها، فقالت: يا رسول الله! قال لي: أنت علي كظهر أمي، فقال لها النبي ﷺ مبيناً حكم الله في ذلك: والله! ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: -تشتكي وترفع شكواها إلى الله-: إن لي منه صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فقال لها: والله! ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: أكل مالي وأفنى شبابي، قال لها: والله! ما أراك إلا قد حرمت عليه. تقول عائشة: والله الذي لا إله إلا هو! ما بيني وبينها إلا ستار، وإني لأسمع بعضاً من كلامها ويخفى علي بعضه، فأنزل الله ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]). فرفعت إلى ربها شكواها، ونزل الدفاع عنها من ربها ﵎، فيا أخي! أسألك بالله العظيم: أين أثر هذا في حياتنا؟ وجاء في السير والآثار أن عمر سار يوماً ومعه أبو عبيدة، فلقيته امرأة في الطريق، فقالت: إيه يا عمر! لقد كنت تدعى عميراًَ تصارع الفتيان في أسواق عكاظ، ثم أصبحت تدعى عمراً، ثم ما لبثت حتى أصبحت أميراً للمؤمنين، فاتق الله يا عمر! واعلم أن الله سائلك عن الرعية كيف رعيتها؟ فبكى عمر بكاءً شديداً، فلام أبو عبيدة المرأة لقسوتها على عمر، فقال له عمر: (دعها يا أبا عبيدة! فهذه التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، فحري بـ عمر أن يسمع كلامها). فسبحان الذي يسمع دعاء الخلق وألفاظهم عند تفرقهم وعند اجتماعهم! ولا تختلف عليه اللهجات ولا اللغات، يعلم ما في قلب القائل قبل أن يقول، وقد يعجز القائل عن التعبير عن مراده، والله يعلم ذلك فيعطيه الذي في قلبه. وقد جاء اسمه السميع مقترناً بغيره من الأسماء، فجاء سميع عليم، وسميع بصير، وسميع قريب، وكلها تدل على الإحاطة بالمخلوقات، وأن الله محيط بها لا يفوته ولا يخفى عليه شيء منها، بل الجميع تحت سمعه وبصره وعلمه، وفي ذلك تنبيه للعاقل، وتذكير للغافل حتى يراقب نفسه وما يصدر عنها من أقوال وأفعال، ومتى آمن الناس بذلك وتذكروه فإن أحوالهم تتغير من القبيح إلى الحسن، ومن الشر إلى الخير، وإذا تناسوا ذلك فسدت أخلاقهم وأعمالهم.

стр. 694

معنى اسم الله: البصير، وأثر التعبد به ومن أسمائه: البصير، أي: له بصر يرى به سبحانه، فهو ذو البصيرة بالأشياء والخبير بها، يبصر كل شيء كبر أو صغر، فيبصر ما تحت الأرض، وما فوق السماء، وما في أعماق البحار، كما قال : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]. عباد الله! سأسوق إليكم بعضاً من الآثار والأخبار والتي كلنا يعرفها، لكن أين أثرها في حياتنا؟ سمع عمر ليلة عجوزاً تقول لبنيتها: امزجي اللبن بالماء، فقالت البنية: أما علمت يا أماه! أن أمير المؤمنين عمر نهى عن مزج اللبن بالماء؟ فقالت العجوز في لحظة غفلة: وأين عمر حتى يرانا؟ فقالت المؤمنة الصغيرة الصادقة الموقنة بنظر الله: إن كان عمر لا يرانا فرب عمر يرانا! إنها قصة يعرفها الصغار والكبار، ولكن أين أثرها في حياتنا، وفي معاملاتنا؟ وفي ليلة أخرى خرج عمر يتجول، فإذا بامرأة في ظلام الليل تردد هذه الأبيات: تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه فوالله! لولا الله لا شيء غيره لحرك من هذا السرير جوانبه ولكن تقوى الله عن ذاك صدني وحفظاً لبعلي أن تنال مراكبه لقد عظموا الله فراقبوه، واستحيوا من الله فهابوه، وأحبوا الله فأطاعوه، وكما قيل: إذا عظم الآمر عظمت الأوامر. وهذا خبر آخر وهو: أن ابن عمر مر على رويعي غنم في الصحراء، فقال له امتحاناً: بعنا من هذه الشياه، فقال: أنا مملوك ومؤتمن عليها، ولا يحق لي التصرف فيها، فقال ابن عمر ممتحناً أمانته: قل للمالك: أكلها الذئب، فقال رويعي الغنم بكل صدق وإيمان: وماذا أقول لله؟! أي: إن كنت قلت للمالك: أكلها الذئب، فماذا سأقول لله؟ ماذا سأقول إذا استنطق الله الجوارح والأركان، كما قال : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]؟ فبكى ابن عمر وأرسل إليه من يعتقه. وقال له: كلمة أعتقتك في الدنيا أسأل الله أن تعتقك يوم أن تلقاه. فهذه أخبار كلنا نعرفها وسمعنا بها مرات ومرات، لكن أيها الغالي! أين أثر هذا في حياتنا؟! عباد الله! إن هذه بعضاً من أسمائه وصفاته، فأين أثرها في حياتنا؟ وأين أثر الإيمان بها؟ وأين مرتبة الإحسان في حياتنا؟ إذا أردت أن تعرف مدى إيمانك فراقب نفسك في الخلوات، فإن الإيمان لا يظهر في صلاة ركعتين أو صيام نهار، بل يظهر في مجاهدة النفس والهوى، والله! ما صعد يوسف ﵇ ولا سعد إلا في مثل ذلك المقام، قال : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]، وقال النبي ﷺ مبيناً أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله). أتدري من الرجل؟ الرجل والله! من إذا خلا بما يحب من المحارم وقدر عليها تذكر وتفكر، وقال: الله يراني في كل مكان، فترك المعصية خوفاً وحياءً من الله ﵎، إذاً كيف يعصيه وهو يراه؟! والله! لن تنال ولاية الله حتى تكون معاملتك له خالصة، حتى تترك شهواتك، وتصبر على مكروهاتك، وتبذل نفسك في مرضاته. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 695

خطر التهاون بالمعاصي الحمد الله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: أحبتي! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. عباد الله! إن ما نراه اليوم من كثرة الفواحش والمنكرات، وما نلمسه من ضعف الوازع عن المحرمات، وما تأتي به الأخبار عن ضعف التربية وقلة المراقبة في الخلوات أمر خطير، فهذا يتساهل في النظر، وذاك يمارس عادات سيئة، وآخر يأكل الربا، وآخر يتمايل مع الغناء إلى غير ذلك. عباد الله! إن كثيراً من الناس وجودهم كالعدم، لم يتأملوا دلائل الوحدانية، ولم يقفوا عند أوامر الله ونواهيه، فهم كالأنعام بل هم أضل، إن وافق الشرع مرادهم قبلوه وإن لم يوافق تركوه، وإن حصلوا على الدرهم والدينار رضوا وأخذوه ولم يبالوا أمن حلال أم من حرام كسبوه، وإن سهلت عليهم الصلاة فعلوها وإن لم تسهل تركوها.

стр. 696

التفكر في العواقب فيه النجاة أحبتي! من تفكر في العواقب أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر. تمضي السنون وتنقضي الأيام والناس تلهو والأنام نيام والناس تسعى للحياة بغفلة لم يذكروا القرآن والإسلام والمال أصبح جمعه كتهجد وتمتع الشهوات صار قيام قد زين الشيطان كل رذيلة والناس تفعل ما تريد حرام يا نفسي! يكفي فالذنوب كثيرة إن الغرور يسبب الإجرام هل تعلم اليوم المحدد وقته الله يعلم وحده العلام ماذا تقول إذا حُملت جنازة ودفنت بالقبر الشديد ظلام هذا السؤال فهل علمت جوابه ماذا تجيب إذا نطقت كلام ماذا مصيرك إن روحك غرغرت جاء المفرط كي يقول ختام اليوم تفعل ما تشاء وتشتهي وغداً تموت وترفع الأقلام واعلم -بارك الله فيك- أنه لا يقطع الطريق إلا بالصبر والتسلية، وكما قيل: فإن تشكت فعللها المجرة من ضوء الصباح وعدها بالرواح ضحى حكي عن بشر الحافي أنه سار في طريق ومعه رجل، فعطش هذا الرجل، فقال له: نشرب من هذا البئر، فقال بشر: اصبر إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها، قال له: اصبر إلى البئر الأخرى، فما زال يعلله ويصبره، ثم قال: هكذا تنقطع الدنيا. وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. فدرب النفس على هذا الأصل وتلطف بها وعدها الجميل لتصبر على ما قد حملت. وكان بعض السلف يقول لنفسه: والله! ما أريد بمنعك من هذا الذي تحبين إلا الإشفاق عليك. وقال أبو يزيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله تعالى وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك. أي: أكرهتها على العمل حتى استقامت على أوامر الله برضاها. فمن هجر اللذات حصل على المنى ومن أكب على اللذات عض على اليد ففي قمع أهواء النفس اعتزازها وفي نيلها ما تشتهي ذل سرمد فالله الله في مراقبة الحق ، والله الله في الخلوات، البواطن، والله الله في الثبات، فإن عليكم من الله عين ناظرة، فلا تجعل الله أهون الناظرين إليك، بل قل: سبحان الله! الذي وصف نفسه بقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢٢٠]. فراقب العواقب تسلم، ولا تمل مع الهوى فتندم، فأين لذة المعاصي؟! وأين تعب الطاعات؟! لقد رحل كلٌ بما فيه، فياليت الذنوب إذا تخلت خلت. إن كنت تعتقد أن الله سبحانه لا يراك فما أعظم كفرك! وإن كنت تعصيه مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك! وما أقل حياءك! فاقبل الموعظة واعمل بالنصيحة؛ لأنه من أعرض عن الموعظة فقد رضي بالنار، كما قال : ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٤٩ - ٥١]. واعلم أنك ستقف بين يدي الله، فبأي لسان ستجيب، فأعد للسؤال جواباً وللجواب صواباً، فماذا أعددت للنجاة من عظيم عقاب الله ﵎ وأليم عذابه؟! واعلم أنه لا يندفع العذاب وتستجلب الرحمات إلا بحسن التوحيد وخندق الطاعات. اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك قول الحق في الرضا والغضب، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ونسألك اللهم لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء دينك، اللهم انصرهم في العراق، وفي الشيشان، وكشمير، والفلبين، وأفغانستان، وأيدهم في فلسطين وفي كل مكان. اللهم كن لهم عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً، صن أعراضهم، واحقن دمائهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين. اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزم الصليبيين وزلزلهم، ودمر اليهود الغاصبين وزلزلهم، واهزم المنافقين وأعداء الملة والدين، واشدد وطئتك عليهم، وأنزل عليهم بأسك ومقتك إله الحق، فإنهم لا يعجزونك يا قوي! يا عزيز! اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والفواحش والفتن ما ظهر منه وما بطن، ووفقنا لتوبة نصوح يا رب العالمين، وثبتا حتى الممات يا رب الأرض والسماوات. اللهم اجعلنا ممن يخشونك في السر وفي العلن، وفي الخلوات يا رب العالمين!

стр. 697

ماتت ومات معها الحياء خلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدراً وأكثرها نفعاً، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه لا إنسانية معه، ومن لا حياء فيه لا إيمان فيه، وإذا ذهب الحياء ذهب الدين كله.

стр. 698

مقدمة في الحياء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فيا أيتها الذكية! حياك الله وبياك، وسدد على طريق الحق خطاك، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحفظك من بين يديك ومن خلفك، وأن يعيذك من همزات الشياطين، وأن يقيك شرور النفس وسيئات الأعمال. ولن أخبرك بعنوان هذه الليلة، بل سأترك المجال لك أولاً قبل قراءة العناصر حتى تعرفي عنوان هذا اللقاء، فهو عن خصلة من خصال الإيمان، من اتصفت بها حسن إسلامها، وعلت أخلاقها، هل عرفتها؟ اسمعي المزيد: من اتصفت بها هجرت المعصية خجلاً من ربها، وأقبلت على طاعته بوازع الحب، إنها خصلة تبعدك عن فضائح الدنيا وفضائح الآخرة، فهل عرفتها؟ إنها أصل كل شعب الإيمان، لأنها تكسوك وقاراً واحتراماً، فهذه الخصلة دليل على كرم السجية وطيب النفس، بل هي صفة من صفات الأنبياء والصالحين والصالحات، فهل عرفتها؟ اسمعي المزيد أيضاً: إنها صفة جميلة في الرجال، ولكنها في النساء أجمل، كسبها يجعل القبيح جميلاً، وفقدها يجعل الجميل قبيحاً. صدقيني أيتها الغالية! إذا ذهبت هذه الخصلة من المرأة فباطن الأرض خير لها من ظاهرها، وأظنك قد عرفتها. قال الناظم في هذه الخصلة: إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستح فاصنع ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء عناصر الموضوع: - حياء في الحياة وبعد الممات. - الحياء لغة واصطلاحاً. - القرآن يحدثنا عن الحياء. - كلام جميل. - مظاهر الحياء. - كيف قتلوا الحياء. - أي حياء هذا؟ - أسئلة وفتاوى. - أعظم الحياء. - صور من حياتهن.

стр. 699

حياء في الحياة وبعد الممات وإليك هذه الصورة العظيمة من صور الحياء والعفاف، والتي تضربها لك سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فاسمعي فاطمة وهي تحاور أسماء بنت عميس وتقول لها: يا أسماء! إني لأستحي أن أخرج غداً على الرجال على هذا النعش، وكانت النعوش خشبة مصفحة يوضع عليها الميت ثم يطرح عليه الثوب فيصف حجم الجسم، فخشيت الزهراء ﵂ إذا هي ماتت أن تحمل على مثل هذه النعوش فيكون ذلك خدشاً في حيائها وحشمتها، قالت أسماء: أولا نصنع لك شيئاً رأيته في الحبشة؟ فصنعت لها النعش المغطى من جوانبه، والذي يشبه الصندوق، ثم طرحت عليه ثوباً، فكان لا يصف الجسم، فلما رأته فاطمة ﵂ قالت لـ أسماء: ما أحسن هذا وأجمله! سترك الله كما سترتني. قال ابن عبد البر: هي أول من غطي نعشها في الإسلام على تلك الصفة، الله أكبر! فهي تريد أن تعيش عفيفة وتموت عفيفة وتحشر إلى الله وهي عفيفة. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وستون شبعة - وفي رواية: بضع وسبعون شعبة - والحياء شعبة من الإيمان) رواه البخاري. وقال ﷺ أيضاً: (الحياء لا يأتي إلا بخير).

стр. 700

الحياء لغةً واصطلاحاً والحياء لغة: مصدر قولهم حيي، وهو مأخوذ من مادة حيي التي تدل على الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة، ويقال: استحيت بياء واحدة، وأصله استحييت، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة:٢٦]. وقال ﷺ : (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ومعناه: إذا لم تستحي من العيب ولم تخشي العار مما تفعلينه فافعلي ما تحدثك به النفس من حسن أو قبيح؛ لأن الحياء قد ذهب، فدل الحديث على أن الذي يردع الأمة عن مواقعة السوء هو الحياء، ويقال: رجل حيي، أي: ذو حياء، ويقال: امرأة حيية، والحياء جميل في الرجال ولكنه في النساء أحلى وأجمل. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (ما كان الفحش في شيء قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه). أما الحياء اصطلاحاً: فهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقيل: إنه خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الجلال، وقيل: بل هو انقباض النفس عن القبائح وتركها، وقيل: إنه خلق يبعث على ترك القبيح من الأقوال والأفعال والأخلاق، ويمتنع صاحبه عن التقصير في حق ذي الحق.

стр. 701

فوائد في الحياء فائدة: والحياء من صفات الله كما في الحديث: (إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً) ومعناه على هذا: المبالغ في الحياء، قال الفيروزأبادي: وأما حياء الرب ﵎ من عبده فنوع آخر لا تدركه ولا تكيفه العقول، فإنه حياء كرم وبر وجود، فالله تعالى كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً، ويستحيي سبحانه أن يعذب شعرةً شابت في الإسلام. فائدة أخرى: ومما يجب أن تعلمي أن الحياء لا يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ترك ذلك بحجة الحياء خور ومهانة. أخية! لو ضايقك فاجر وتعرض لك، فهل تسكتين؟ لا وألف لا، بل إنكارك دليل على العفة والحزم والثبات، وقد ثبت أنه ﷺ كان أشد حياء من العذراء في خدرها -وهو لنا قدوة- فكان إذا انتهكت حرمات الله لا يقوم دون غضبه شيء. تقول عائشة ﵂ عنه ﷺ : (ما رأيته غضب قط إلا أن تنتهك حرمات الله).

стр. 702

القرآن يحدثنا عن الحياء وإذا تصفحت القرآن فستجدين أنه يحدثنا عن الحياء، فقد قال سبحانه في سورة القصص مخبراً عن موسى لما سقى للمرأتين وجلس في الظل يستريح، قال سبحانه: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥]، قال صاحب الظلال: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة النظيفة حين تلقى الرجال على استحياء في غير تبذل ولا تبرج ولا تبجح ولا إغواء، جاءته لتحمل إليه رسالة في أقصر لفظ وأدله، يحكيه القرآن بقوله: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) فمع الحياء الإبانة والدقة والوضوح، لا التلجلج والتعذر والارتباك، -أقول: لكي لا يطمع الذي في قلبه مرض- وذلك من إيحاء الفطرة النظيفة السليمة المستقيمة، فالفتاة القويمة تستحي بفطرتها عند لقاء الرجال والحديث معهم، ولكنها تتحدث بوضوح وبالقدر المطلوب ولا تزيد. انتهى كلامه ﵀.

стр. 703

ماتت ومات الحياء معها وتأملي هذه القصة! فهي ليست في الأزمان الماضية، بل هي في الزمن القريب، فقد قالت فقد فتاة وهي تخبر عن والدتها: لا زلت أتذكر ذلك اليوم عندما أرادت أختي أن تتزوج وأصرت على والدتي أن تذهب معها إلى السوق، وقالت لها- يعني أختي تقول لوالدتي -: سنذهب إلى عدد محدود من المحلات، ولن نمكث سوى نصف ساعة أو تزيد قليلاً، وبعد إلحاح وإصرار وافقت أمي على تردد، وجاء ذلك اليوم الذي ذهبنا فيه، واحمر وجه أمي وهي امرأة كبيرة، وتثاقلت خطواتها وكأنها تساق إلى الموت، تفقدت عباءتها وكيف تسير، سال منها العرق واقشعر جلدها، ويبس لسانها، وأخذنا ما نراه بضحكة خافتة وابتسامة عريضة، لم يفتر لسانها طوال الطريق من الدعاء والتسبيح والتهليل، وعندما دخلنا إلى بائع الأقمشة سألته أختي: بكم هذا؟ فوجه الحديث نحو والدتي ومد يده نحوها بقطعة القماش، فخرجت والدتي وهربت من المحل وتبعتها أختي، فقالت أمي باكية: لا أقبل أن أحادث الرجال، أو أن يقتربوا مني، خرجت ولم تعد مرة أخرى، إنها المرة الأولى والأخيرة. رحمها الله! فقد ماتت ومات الحياء معها، ودفنت ودفن العفاف في قبرها، فما دخلت سوقاً ولا حادثت رجلاً أجنبياً، وما ضرها ذلك شيئاً، وما نقص من منزلتها قدراً، بل كانت ملء السمع والبصر، يقدرها الجميع، ويحبها الصغير والكبير، الكل يبحث عن رضاها، وتلبية حاجتها رحمها الله! فلم تفكر في حذاء أو فستان، ولم تعرف الموضة والأزياء، ولكنها نظرت بعيداً بعيداً فعمرت القبر وبنت الدار، كان وقتها صلاحاً وطاعة، وصياماً وعبادة، رحمها الله! فقد رحلت ورحل الحياء معها.

стр. 704

الحياء خاصة الإنسانية عن أنس قال: قال ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء)، قال ابن القيم ﵀: وخلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدراً وأكثرها نفعاً، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق- يعني الحياء- لم يكرم الضيف، ولم يوف بالوعد، ولم تؤد أمانة، ولم تقض لأحد حاجة، ولا تحرى المرء الجميل فآثره، والقبيح فتجنبه، ولولا الحياء لم تستر عورة، ولم يمتنع عن فاحشة، ولولا الحياء لم تفعل الواجبات وتترك المحرمات، ولم يرع لمخلوق حقاً، ولم يصل رحماً، ولم يبر والدين، فالحياء من خلق الصالحات، أما العاصيات فلا حياء لهن؛ لأن المعاصي تذهب الحياء، قال ابن القيم ﵀: من عقوبات المعاصي ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير، وذهابه -يعني ذهاب الحياء- ذهاب الخير أجمع، فقد جاء في الحديث الصحيح: (الحياء خير كله) والمقصود: أن الذنوب تضعف الحياء من العبد والأمة حتى ربما انسلخ منه بالكلية، وربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله، ولا باطلاعهم عليه، بل كثير وكثيرات يخبرن عن حالهن وقبيح أفعالهن، والحامل على ذلك ذهاب الحياء، قال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون) وإذا وصل العبد والأمة إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه وصلاحها مطمع. واعلمي أخية! أن لا حياء فيها فهي ميتة في الدنيا، وشقية في الآخرة، ومن استحت من الله عند معصيته استحى الله من عقوبتها يوم تلقاه، ومن لم تستحي من الله عند معصيته لم يستح الله من عقوبتها.

стр. 705

مظاهر الحياء قال ابن القيم: الحياء عشرة مظاهر: أولاً: حياء الجناية: فمنه حياء آدم ﵇ يوم فر هارباً في الجنة، قال له الله ﵎: (أفراراً مني يا آدم؟ قال: لا، يا رب! بل حياء منك). ثانياً: حياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة استحوا وقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ثالثاً: حياء الإجلال: وهو حياء المعرفة، وعلى حسب معرفة الأمة بربها يكون حياؤها منه. رابعاً: حياء الكرم: كحياء النبي ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب فأطالوا في الجلوس عنده، فقام واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا. خامساً: حياء الحشمة، كحياء المرأة عندما تسأل عن أمور خاصة بها. سادساً: حياء الاستحقار، كحياء الأمة من ربها حين تسأله حوائجها احتقاراً لشأن نفسها واستصغاراً لها، ولهذا الحياء سببان: أولهما: استعظام الأمة لذنوبها وخطاياها. ثانيها: استعظام المسئول ﵎. سابعاً: حياء المحبة، وهو حياء المحب من محبوبه. ثامناً: حياء العبودية: وهو حياء ممتزج بمحبة وخوف. تاسعاً: حياء الشرف والعزة، وهو حياء النفوس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء أو إحسان. عاشراً: حياء الأمة من نفسها، وهو حياء النفوس الشريفة العزيزة من رضاها لنفسها بالنقص، وقناعتها بالدون، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن التي تستحي من نفسها فهي أجدر بأن تستحي من غيرها.
следующие страницы →