← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فوائد في الحياء فائدة: والحياء من صفات الله كما في الحديث: (إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً) ومعناه على هذا: المبالغ في الحياء، قال الفيروزأبادي: وأما حياء الرب ﵎ من عبده فنوع آخر لا تدركه ولا تكيفه العقول، فإنه حياء كرم وبر وجود، فالله تعالى كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً، ويستحيي سبحانه أن يعذب شعرةً شابت في الإسلام. فائدة أخرى: ومما يجب أن تعلمي أن الحياء لا يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ترك ذلك بحجة الحياء خور ومهانة. أخية! لو ضايقك فاجر وتعرض لك، فهل تسكتين؟ لا وألف لا، بل إنكارك دليل على العفة والحزم والثبات، وقد ثبت أنه ﷺ كان أشد حياء من العذراء في خدرها -وهو لنا قدوة- فكان إذا انتهكت حرمات الله لا يقوم دون غضبه شيء. تقول عائشة ﵂ عنه ﷺ : (ما رأيته غضب قط إلا أن تنتهك حرمات الله).

стр. 702

القرآن يحدثنا عن الحياء وإذا تصفحت القرآن فستجدين أنه يحدثنا عن الحياء، فقد قال سبحانه في سورة القصص مخبراً عن موسى لما سقى للمرأتين وجلس في الظل يستريح، قال سبحانه: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥]، قال صاحب الظلال: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة النظيفة حين تلقى الرجال على استحياء في غير تبذل ولا تبرج ولا تبجح ولا إغواء، جاءته لتحمل إليه رسالة في أقصر لفظ وأدله، يحكيه القرآن بقوله: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) فمع الحياء الإبانة والدقة والوضوح، لا التلجلج والتعذر والارتباك، -أقول: لكي لا يطمع الذي في قلبه مرض- وذلك من إيحاء الفطرة النظيفة السليمة المستقيمة، فالفتاة القويمة تستحي بفطرتها عند لقاء الرجال والحديث معهم، ولكنها تتحدث بوضوح وبالقدر المطلوب ولا تزيد. انتهى كلامه ﵀.

стр. 703

ماتت ومات الحياء معها وتأملي هذه القصة! فهي ليست في الأزمان الماضية، بل هي في الزمن القريب، فقد قالت فقد فتاة وهي تخبر عن والدتها: لا زلت أتذكر ذلك اليوم عندما أرادت أختي أن تتزوج وأصرت على والدتي أن تذهب معها إلى السوق، وقالت لها- يعني أختي تقول لوالدتي -: سنذهب إلى عدد محدود من المحلات، ولن نمكث سوى نصف ساعة أو تزيد قليلاً، وبعد إلحاح وإصرار وافقت أمي على تردد، وجاء ذلك اليوم الذي ذهبنا فيه، واحمر وجه أمي وهي امرأة كبيرة، وتثاقلت خطواتها وكأنها تساق إلى الموت، تفقدت عباءتها وكيف تسير، سال منها العرق واقشعر جلدها، ويبس لسانها، وأخذنا ما نراه بضحكة خافتة وابتسامة عريضة، لم يفتر لسانها طوال الطريق من الدعاء والتسبيح والتهليل، وعندما دخلنا إلى بائع الأقمشة سألته أختي: بكم هذا؟ فوجه الحديث نحو والدتي ومد يده نحوها بقطعة القماش، فخرجت والدتي وهربت من المحل وتبعتها أختي، فقالت أمي باكية: لا أقبل أن أحادث الرجال، أو أن يقتربوا مني، خرجت ولم تعد مرة أخرى، إنها المرة الأولى والأخيرة. رحمها الله! فقد ماتت ومات الحياء معها، ودفنت ودفن العفاف في قبرها، فما دخلت سوقاً ولا حادثت رجلاً أجنبياً، وما ضرها ذلك شيئاً، وما نقص من منزلتها قدراً، بل كانت ملء السمع والبصر، يقدرها الجميع، ويحبها الصغير والكبير، الكل يبحث عن رضاها، وتلبية حاجتها رحمها الله! فلم تفكر في حذاء أو فستان، ولم تعرف الموضة والأزياء، ولكنها نظرت بعيداً بعيداً فعمرت القبر وبنت الدار، كان وقتها صلاحاً وطاعة، وصياماً وعبادة، رحمها الله! فقد رحلت ورحل الحياء معها.

стр. 704

الحياء خاصة الإنسانية عن أنس قال: قال ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء)، قال ابن القيم ﵀: وخلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدراً وأكثرها نفعاً، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق- يعني الحياء- لم يكرم الضيف، ولم يوف بالوعد، ولم تؤد أمانة، ولم تقض لأحد حاجة، ولا تحرى المرء الجميل فآثره، والقبيح فتجنبه، ولولا الحياء لم تستر عورة، ولم يمتنع عن فاحشة، ولولا الحياء لم تفعل الواجبات وتترك المحرمات، ولم يرع لمخلوق حقاً، ولم يصل رحماً، ولم يبر والدين، فالحياء من خلق الصالحات، أما العاصيات فلا حياء لهن؛ لأن المعاصي تذهب الحياء، قال ابن القيم ﵀: من عقوبات المعاصي ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير، وذهابه -يعني ذهاب الحياء- ذهاب الخير أجمع، فقد جاء في الحديث الصحيح: (الحياء خير كله) والمقصود: أن الذنوب تضعف الحياء من العبد والأمة حتى ربما انسلخ منه بالكلية، وربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله، ولا باطلاعهم عليه، بل كثير وكثيرات يخبرن عن حالهن وقبيح أفعالهن، والحامل على ذلك ذهاب الحياء، قال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون) وإذا وصل العبد والأمة إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه وصلاحها مطمع. واعلمي أخية! أن لا حياء فيها فهي ميتة في الدنيا، وشقية في الآخرة، ومن استحت من الله عند معصيته استحى الله من عقوبتها يوم تلقاه، ومن لم تستحي من الله عند معصيته لم يستح الله من عقوبتها.

стр. 705

مظاهر الحياء قال ابن القيم: الحياء عشرة مظاهر: أولاً: حياء الجناية: فمنه حياء آدم ﵇ يوم فر هارباً في الجنة، قال له الله ﵎: (أفراراً مني يا آدم؟ قال: لا، يا رب! بل حياء منك). ثانياً: حياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة استحوا وقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ثالثاً: حياء الإجلال: وهو حياء المعرفة، وعلى حسب معرفة الأمة بربها يكون حياؤها منه. رابعاً: حياء الكرم: كحياء النبي ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب فأطالوا في الجلوس عنده، فقام واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا. خامساً: حياء الحشمة، كحياء المرأة عندما تسأل عن أمور خاصة بها. سادساً: حياء الاستحقار، كحياء الأمة من ربها حين تسأله حوائجها احتقاراً لشأن نفسها واستصغاراً لها، ولهذا الحياء سببان: أولهما: استعظام الأمة لذنوبها وخطاياها. ثانيها: استعظام المسئول ﵎. سابعاً: حياء المحبة، وهو حياء المحب من محبوبه. ثامناً: حياء العبودية: وهو حياء ممتزج بمحبة وخوف. تاسعاً: حياء الشرف والعزة، وهو حياء النفوس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء أو إحسان. عاشراً: حياء الأمة من نفسها، وهو حياء النفوس الشريفة العزيزة من رضاها لنفسها بالنقص، وقناعتها بالدون، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن التي تستحي من نفسها فهي أجدر بأن تستحي من غيرها.

стр. 706

كيف قتلوا الحياء ؟ واعلمي أخية! أنهم لم يقتلوا الحياء مباشرة ومن أول طعنة، ولكنهم طعنوه مرات، ورسموا لتحقيق ذلك خطوات، فقالوا لها: لا تخلعي الحجاب، ولكن أخرجي العينين، حتى لا تسقطي في حفر الطريق. ثم قالوا لها: لا بأس بكشف الوجه واليدين، والدين يسر وليس بعسر، فحجاب المرأة الحقيقي في قلبها وليس في وجهها. ثم قالوا: لماذا هذا السواد فوق الثياب؟ لماذا لا تلبسين العباءة المزركشة والمزخرفة؟ ثم ماذا سيحدث لو تغيرت الألوان؟ ثم قالوا: إنك لا تستطيعين المشي في الطريق بحرية لأن الثوب ضيق من الأسفل، فاجعلي لثوبك فتحة من الأسفل. ثم قالوا: لماذا السواد أصلاً؟ البسي ملوناً، ولكن إياك والتبرج. ولم يزالوا بالحياء طعناً حتى قصرت الثياب، وخلع الحجاب، وفتحت الأبواب، وطار الشعر، واختلطت المرأة بالرجل باسم التطور والحضارة فإنا لله وإنا إليه راجعون! قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١].

стр. 707

أي حياء هذا ؟!! وإليك أيتها الغالية! بعض الصور التي نراها، والتي تبين أن الحياء قد رحل من بعض نساء المسلمين: -فتجد فتاة مسلمة في أحد المحلات ممسكة بملابس داخلية والبائع أمامها وهي تقول له: أريد أصغر من هذا، فأي حياء هذا؟!! - وأخرى تحجبت حجاباً براقاً وأرسلت خصلتين من مقدم شعرها ليراها من يراها وكأنها لا تدري، فأي حياء هذا؟!! - يلاحظ الجميع تحت العباءة البنطال الضيق والواسع أحياناً، وكلما تحركت ظهر ما تخفيه، أي حياء هذا؟!! - تمر من جانب الرجال وقد أفرغت نصف زجاجة عطر على ثيابها قبل أن تخرج، أي حياء هذا؟!! - يمر عليها الشباب فيقولون لها كلمة إعجاب وهي فرحة بذلك، وما علمت المسكينة أن هؤلاء هم شباب بانكوك، وشباب الإيدز والهربس، فلا يريد أحدهم منها إلا جسدها، ولو أرادها مصونة عفيفة لطرق البيت من بابه، ثم هي تتبسم، أي حياء هذا؟!! - في مكان العمل حيث الاختلاط يأتيها زميلها في العمل ويجلس على طاولتها ويسأل عن أخبارها، ثم هي تذهب إلى مكتبه وتجلس على طاولته وتسأل عن أخباره، أي حياء هذا؟!! أفيقي أخية! وقولي: دعوني فإني أريد حيائي دعوني دعوني فإني أبية! أنا لست ألعوبة في أياديكم. تريدون أن تعبثوا بشبابي. تريدون أن أخلع حيائي. وأخرج ألقى قطيع الذئاب وبعض الكلاب. فتنهشني وأنا حية. أفيقي أخية! يريدون هدم صروح الفضيلة. يريدون قفل المعاني الجميلة. يريدون وأدك والنفس حية. قولي بعالي الصوت: اخرسوا أيها الأدعياء. فأنا لست أقبل هذا الهراء. أنا لست أقبل غير تعاليم ديني ففيها النجاة وفيها الحياة. وفيها السعادة حتى الممات. أفيقي أخية! عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت). وقال عمر ﵁: من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه. وقيل لـ عمر بن عبد العزيز: إذا ذهب الحياء ذهب نصف الدين، قال: لا، بل إذا ذهب الحياء ذهب الدين كله.

стр. 708

أسئلة وفتاوى

стр. 709

حكم الاختلاط في العمل وغيره السؤال الأول: هل يجوز للفتاة العمل في مكان مختلط مع الرجال، علماً بأنه يوجد غيرها من الفتيات في نفس المكان؟ أجاب شيخنا محمد بن عثيمين حفظه الله ومد في عمره: الذي أراه أنه لا يجوز الاختلاط بين الرجال والنساء في عمل حكومي، أو في قطاع خاص، أو في مدارس حكومية أو أهلية؛ لأن الاختلاط يحصل فيه مفاسد كثيرة، ولو لم يكن فيه إلا زوال الحياء -تأملي الكلام- من المرأة، وزوال الهيبة من الرجال؛ لأنه إذا اختلط الرجال والنساء أصبح لا هيبة عند الرجال من النساء، ولا حياء عند النساء من الرجال.

стр. 710

حكم النظر إلى النساء، والنساء إلى الرجال في التلفاز وغيره السؤال الثاني: ما حكم النظر إلى النساء في التلفاز؟ وما حكم النظر للمرأة الأجنبية بالنسبة للرجل، والنظر للرجل بالنسبة للمرأة أثناء مشاهدة التلفاز؟ أجابت اللجنة الدائمة: لا يجوز؛ لأن الغالب على من يظهر في التلفاز من النساء التبرج وكشف العورة، ومن الرجال من يكون مثال الزينة والجمال، وذلك مثار فتنة وفساد في أكثر الأحيان.

стр. 711

حكم الكلام مع الأجنبي وتساهل الرجال والنساء في ذلك السؤال الثالث: هناك تساهل من بعض الناس في الكلام مع المرأة الأجنبية، فمثلاً: إذا جاء رجل إلى بيت صديقه ولم يجده تقوم الزوجة بالتكلم مع هذا الرجل القادم أي: صديق زوجها، وتفتح له المجلس، وتضع القهوة له، فهل هذا يجوز، علماً أنه لا يوجد في البيت سوى هذه الزوجة؟ أجاب الشيخ ابن جبرين حفظه الله ومد في عمره: لا يجوز للمرأة أن تأذن لأجنبي في بيت زوجها حال غيبته ولو كان صديقاً لزوجها، ولو كان أميناً أو موثوقاً، فإن في هذا خلوة بامرأة أجنبية، وقد ورد في الحديث: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، كما يحرم على الرجل أن يطلب من امرأة صديقه أن تدخله وأن تقوم بخدمته، ولو وثق من نفسه بالأمانة والديانة؛ مخافة أن يوسوس له الشيطان، ويدخل بينهما، ويجب على الزوج أن يحذر امرأته من إدخال أحد الأجانب في البيت، ولو كان من أقاربه؛ لقوله ﷺ : (إياكم والدخول على النساء، قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) والحمو: هو أخو الزوج أو قريبه؛ فغيره بطريق الأولى.

стр. 712

حكم مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية السؤال الأخير: ما حكم مصافحة غير المحارم؟ فإنه يلجأ بعض الرجال إلى مصافحة بعض النساء القريبات وهن لسن محارم له، ولكن لأنهم قرابة أو جيران، فما حكم ذلك؟ وهل يكفي أن تضع المرأة على يدها قطعة قماش بغرض التستر؟ أجابت اللجنة الدائمة: لا يجوز للرجل أن يصافح امرأة أجنبية منه، ولو وضعت خرقة على يدها عند المصافحة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].

стр. 713

أعظم الحياء إن أعظم الحياء هو الحياء من الله، ويتولد ذلك من التقلب في نعمه، فتستحي الأمة أن تستعين بتلك النعم على معصيته، وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي قال ﷺ : (استحيوا من الله حق الحياء، قال: قلنا: يا رسول الله! إنا نستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما وحى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء). أيتها الغالية! حتى تكوني صاحبة حياء فلا بد أن تحفظي الرأس وما وعى، يعني: لا نظر إلى محرم، ولا سماع إلى محرم، ولا كلام في محرم، ولا تفكير في محرم. ولا بد أن تحفظي البطن وما حوى: يعني: لا تأكلي ولا تدخلي البطن إلا حلالاً، ومن ذلك: حفظ الفرج عن الحرام، وصاحبة الحياء ترغب فيما عند الله، وتعمل في رضاه، ولا تلهيها الحياة الدنيا عن الحياة الآخرة. قال أحد السلف: إني لأستحيي أن ينظر الله في قلبي وفيه أحد سواه، وقال آخر: خف من الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك، قال سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]. وجاء في الأثر: يقول الله تعالى: يا ابن آدم! إنك إذا استحييت مني أنسيت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة. وجاء في أثر آخر: يقول الرب : ما أنصفني عبدي؛ يدعوني فأستحي أن أرده، ويعصيني ولا يستحي مني. وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعاً استحيا الله منه وهو مذنب. وما أجمل قول التي قالت: فليقولوا عن حجابي لا وربي لن أبالي قد حماني فيه ديني وحباني ذو الجلال زينتي دوماً حيائي واحتشامي هو مالي ولا أني أتولى عن متاع لزوالي لامني الناس كأني أطلب السوء لحالي كم لمحت اللوم منهم في حديث أو سؤال عن سعيد بن زيد الأنصاري ﵁: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أوصني! قال: أوصيك أن تستحي من الله كما تستحيي رجلاً من صالحي قومك).

стр. 714

صور من حيائهن أخيراً: ها قد وصلنا إلى النهاية، فإليك صوراً من حيائهن. أخية! أغمضي عينيك برهة، واسمعي هذا القول العظيم من أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي تقول عن نفسها: كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي ﵁ واضعة ثوبي وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر ﵁ معهما والله! ما دخلت إلا مشدودة علي ثيابي حياء من عمر ﵁. افتحي عينيك أخية! وقولي: يا سبحان الله! تستحي من الميت الذي في التراب، وهو شهيد المحراب. لماذا لا تستحي كثيرات من النساء اليوم من الأحياء؟ لماذا تركب الأمة مع السائق وحدها بدون حياء؟ لماذا تخرج الأمة إلى السوق بلا حاجة بدون حياء؟ لماذا تخالط الأمة الرجال في كل مكان بدون حياء؟ لماذا تلبس الأمة الضيق والقصير بدون حياء؟ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء - يعني الفحش- من الجفاء، والجفاء في النار) رواه الترمذي وصححه الإمام الألباني ﵀. وإليك خبراً آخر: مر عمر بن الخطاب ﵁ في بعض طرق المدينة فسمع امرأة تقول: دعتني النفس بعد خروج عمرو إلى اللذات فاطلعت تلاعا فقلت لها علجت فلن تطاعي ولو طالت إقامته رباعا أحاذر إن أطعتك سب نفسي ومخزاة تجللني قناعا فقال عمر: أي شيء منعك؟ قالت - واسمعي ما قالت-: منعني الحياء، وإكرام عرضي، فقال عمر ﵁: إن الحياء ليدل على هناة ذات ألوان، من استحيا استخفى، ومن استخفى اتقى، ومن اتقى وقي، وكتب عمر إلى زوجها فأرجعه إليها. أيتها الغالية! الحياء لا يأتي إلا بخير، وإذا ذهب الحياء ذهب الدين كله. قال صالح بن جناح: إذا قل ماء الوجه قل حياؤه، ولا خير في وجه إذا قل ماؤه وقال بعض العرب: كأني أرى من لا حياء له ولا أمانة وسط القوم عرياناً. وقال سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦].

стр. 715

أمور تعين على الحياء فاتقي الله أمة الله! واستحي من الله حق الحياء، ومما يعينك على ذلك: علمك بمراقبة الله لك في كل حين، وأنه في كل مكان يسمعك ويراك. فقد دخل موسى وهارون على فرعون: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] فقال سبحانه: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] فاستشعري هذا المعنى العظيم. ومما يعينك على الحياء أيضاً: النظر في نعم الله التي أسبغها عليك ظاهرة وباطنة، فمن حقه أن تشكريه ولا تكفريه، وأن تذكريه ولا تنسيه، وأن تطيعيه ولا تعصيه، وألا تستعيني بنعمه على معاصيه. ربنا! أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحاً ترضاه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. اللهم! لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا. اللهم! احفظ نساءنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم! اجعلهن تقيات نقيات خفيات. اللهم! أعنهن على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم! اقبل توبة التائبات، واغفر ذنب المذنبات، واقبل عمل الصالحات، وهب المسيئات منهن للمحسنات، اللهم! عاملهن بما أنت أهله، ولا تعاملهن بما هن أهله، إنك أنت أهل التقوى وأهل المغفرة. أستغفر الله العظيم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 716

من حياة عمر بن عبد العزيز إن عمر بن عبد العزيز من مشاعل الحضارة الإسلامية الذين يفتخر المسلمون أنهم كانوا في يوم من الأيام رعية لمثل هذا الرجل. إنه من العادلين إذا ذكر العدل، ومن الخائفين من الله إذا ذكر الخوف، وبسبب خوفه هذا ما تكبر أو تجبر أو تعالى على الناس، وإنما خشي الله فعدل فأمن فرضي. لقد ترك الدنيا وأعطاها غيره، بعد أن حرم نفسه كل ملذاتها ومتاعها الزائف.

стр. 717

لقد كان في قصصهم عبرة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! يقول المولى : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. أمتكم أمة مجيدة كريمة عظيمة، اختارها الله لتكون واسطة العقد في هذا التاريخ، فهي الشاهد على الناس والرسول عليها شهيد يوم القيامة، إنها أمة تمرض ولكنها لا تموت، وقد تغفو أحياناً ولكنها لا تنام، وتغلب أحياناً لكنها لا تقهر بإذن الله. أخرج الله منها منائر للتوحيد وهداة للبشر ومشاعل للحضارة الحقة. فمع علم من أعلام هذه الأمة نقف وقفة عظة وتذكر وتدبر، علم يجب على الأمة أن تجعله قدوة من القدوات يوم كادت تغيب القدوات، حتى يكون حديث شيوخها في المنتديات وقصصاً لأطفالها الذين شغلوا بالقصص الهابطة والرسوم المتحركة، وحديثاً لشبابها الذين طالما شغلوا بالحديث عن اللاعبين والفنانات، وملئوا أسماعهم وأبصارهم بالأفلام والمسلسلات، إنه من جعل كبير المسلمين له أباً، وأوسطهم له أخاً، وأصغرهم له ابناً، فوقر أباه وأكرم أخاه وعطف على ولده، إنه القيم والأخلاق والمثل، وما أجمل وأروع أن نرى المثل والأخلاق رجالاً وواقعاً ملموساً! إنه من العادلين إذا ذكر العدل، ومن الخائفين من الله إذا ذكر الخائفون، إنه من حيزت له الدنيا بأكملها، فتولى عنها يريد ما عند الله، فلم يصلح بينه وبين الله أحد من خلقه، فخاف الله وما تكبر وما تجبر وما ظلم، خشي الله فعدل، خشي الله فأمن، خشي الله فرضي. أظنكم قد عرفتموه، إنه عمر بن عبد العزيز، وما أدراكم ما عمر؟ إنها الهمم تتكلم وتتحدث، كان يقول لزوجه فاطمة: يا فاطمة! إن لي نفساً تواقة اشتاقت إلى الإمارة، فتولى الإمارة، فارتفعت الهمم، فقال لها: يا فاطمة! إن لي نفساً تواقة اشتاقت إلى الخلافة، فتولى الخلافة، فارتفعت الهمم: فقال لها: يا فاطمة: إن لي نفساً تواقة تشتاق إلى الجنة، إنه رجل لا كالرجال، وسيرته لا كالسير، وعذراً أن نفيه حقه في هذه العجالة، لكن حسبكم وحسبي أن نقف عند بعض المواقف، نقف ونتذكر ونعتبر، ونقرأ التاريخ. اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون الخبر ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] فهيا بنا نبحر في بحر عمر، ومن لآلئه نقتبس ونتذكر، ومن درره ننهل، وعند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة بإذن رب العالمين. تولى الخلافة ﵁ فكان مجدداً بحق، كانت خلافته ثلاثين شهراً، لكنها خير من ثلاثين قرناً، لم يضيعها في كسب دنيوي، ولا شهوة عاجلة، لكنه جعلها وقفاً لله رب العالمين، فبارك الله في سنتين ونيف، بويع بالخلافة، وقام ليلقي أول خطاب له على المنبر: فتعثر في طريقه إلى المنبر من ثقل المسئولية، ومن خوف رب البرية، فوقف يتحدث إلى الناس قائلاً: لقد بويعت بالخلافة على غير رغبة مني، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم رجلاً، فصاح الناس صيحة واحدة ممزوجة بالبكاء: قد اخترناك يا عمر ورضينا بك، فبكى وقال: الله المستعان! ثم أوصاهم من على المنبر قائلاً: أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شيء، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، ثم رفع صوته: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، ونزل من على المنبر باكياً. بعد ذلك عرضت عليه الخيل والدواب ليركبها لتكون موكبه إلى قصر الخلافة كما كان يفعل أسلافه، فأعرض قائلاً: ما أنا إلا رجل من المسلمين أغدو كما يغدون، وأروح كما يروحون. عاد إلى بيته معلناً أنه من تواضع لله رفعه، ترك قصر الخلافة ودخل غرفته المتواضعة، وجلس حزيناً يئن تحت وطأة المسئولية، ثم استدعى زوجه فاطمة مبتدئاً بالأقربين، استدعى فاطمة العابدة الزاهدة بنت الخليفة وأخت الخلفاء، قال لها: إني بعت نفسي من الله، فإن كنت تريدين العيش معي فحيهلا، وإلا فالحقي بأهلك، وهذه الحلي التي تلبسينها تعلمين من أين أتى لك بها أبوك، رديها إلى بيت المال، والله! لا أجتمع مع هذه الحلي في دار واحدة، قالت الزاهدة الراغبة فيما عند الله: بل أردها، والحياة حياتك يا عمر، وللآخرة خير وأبقى للذين آمنوا واتقوا. خرج إلى الأمة ليردها إلى الله الواحد القهار فكان فعله يصدق قوله، كان لا يشغله عن الله شاغل، ليله قيام وبكاء وخشوع وتضرع، ونهاره عدل وإنصاف ودعوة وبذل وعطاء، فما ليلنا ونهارنا يا عباد الله؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا قيوم السماوات والأرضين.

стр. 718

عدل عمر بن عبد العزيز وخشيته لله ملأ الأرض عدلاً بعد أن كادت تملأ جوراً، إيه يا عمر! قد عشت عمرك زاهداً في كل ما جمع البشر أتعبت من سيجيء بعـ دك في الخلافة يا عمر! بعد كل صلاة ينادي مناديه: أين الفقراء؟ أين المحتاجون؟ فيقدم لهم الطعام والأموال، فلا والله ما تنساه البطون الجائعة ولا الأكباد الظمأى ما دام في الأرض بطن جائعة أو كبد ظمأى. هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله رزقه الله الخشية، ومن رزق الخشية فقد رزق خيراً كثيراً، والذي يجعل الله نصب عينيه يفتح الله عليه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. فتح الله على عمر فتحاً لا يخطر على البال ولا يدور بالخيال، فكان أخوف الناس لله، وهو يرجو الأمان من الله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، وفي الحديث القدسي يقول الحق ﵎: (وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، إن أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة). دخل عليه أحد العباد وهو محمد بن كعب القرظي، فجعل ينظر في وجهه، فإذا هو وجه شاحب، وبدن نحيل، كأن جبال الدنيا قد سقطت عليه، فقال: يا عمر! ماذا دهاك؟ يا عمر! ما الذي أصابك؟ والله! لقد رأيتك وأنت أجمل فتيان قريش تلبس اللين، وتجلس على الوثير، لقد كنت لين العيش، نضر البشرة، والله لو دخلت عليك يا عمر في غير هذا المكان ما عرفتك، فتنهد عمر باكياً، قال: أما إنك لو رأيتني بعد ثلاث ليالٍ من دفني وقد سقطت العينان، وانخسفت الوجنتان، وعاثت في الجوف الديدان، وتغير الخدان، لكنت لحالي من حالي أشد إنكاراً وأشد عجباً! فبكى محمد وبكى عمر وبكى الناس حتى ضج المجلس بالبكاء. جعل الهم هماً واحداً، فرضي الله عنه ورحمه، إنه هم الآخرة وكفى، عرف عمر نفسه، وعرف همه وغايته، فرحم الله امرأً عرف قدر نفسه، لقد كسدت عنده بضاعات المنافقين والشعراء والدجالين، وقام عنده سوق المساكين والفقراء، يدخل عليه أحد الشعراء فيمدحه، فلم يجد سماعاً لما يقول، ولم يعطه عمر شيئاً من أموال المسلمين، فخرج وهو يقول: رجل يعطي الفقراء ويمنع الشعراء. وجدت رقى الشيطان لا تستفزه وقد كان شيطاني من الجن راقيا

стр. 719

تقريب عمر للصالحين أدنى الصالحين والعباد فجعلهم بطانته، وطلب منهم أن يوفوه ويبصروه بعيوبه، يقول لهم: لقد توليت أمر أمة محمد ﷺ فأعينوني، فكتب له أحدهم: صم هذا اليوم يا عمر! ولا تفطر حتى تلقى الله. وكتب له مطرف بن عبد الله: يا أمير المؤمنين! لو كان لك خصم لدود لأعجزك، فكيف بخصمين؟ كيف بثلاثة؟ كيف وخصمك يوم القيامة أمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه؟! جمع سبعة من الصالحين وقال: أنتم جلسائي كل ليلة، لكني أشترط عليكم شروطاً ثلاثة -ليتنا اشترطنا هذه الشروط في مجالسنا، اسمعوا وبلغوا هذه الشروط، فرب مبلغ أوعى من سامع-: أولها: لا تغتابوا، ولا تعيبوا في مجلسي أحداً. ثانيها: لا تتحدثوا في الدنيا. ثالثها: لا تمزحوا وأنا جالس أبداً. فكانوا يجتمعون بعد العشاء، فيتحدثون في الموت وما بعده، ثم ينفضون عن مجلسهم، وكأنهم انفضوا عن جنازة. كتب له أثناء خلافته سالم بن عبد الله بن عمر كتاباً شديداً يقول فيه: يا أمير المؤمنين! لقد تولى الملك قبلك أناس ثم صرعوا وهاهي مصارعهم، فانظر إليها لترى، كانوا ينظرون إلى اللذات بعيون فأكلت، ويأكلون ببطون فنهشت، ويتلفتون بخدود أكلها الدود، فاحذر أن تحبس في جهنم يوم أن يطلق العادلون، فلما قرأ ذلك انهد باكياً قائلاً: اللهم لا تجعلني مع المحبوسين يوم أن يطلق العادلون.

стр. 720

تقوى عمر وورعه لقد حمل هم الأمة، خلع كل لباس إلا لباس التقوى، لم يأخذ قليلاً ولا كثيراً، همه الآخرة لا الدنيا، كانت له نظرة مختلفة عن نظرات الناس، حتى مع الناس، وأخذ الناس يتسابقون يوم عرفة مع الغروب إلى مزدلفة وهو يدعو ويتضرع ويقول: لا والله ليس السابق اليوم من سبق جواده وبعيره، إن السابق من غفر له في هذا اليوم. كان شديد الخوف والمراقبة لله، إذا أراد النوم ارتجف صدره، فتقول زوجه: ما بالك يا عمر؟ فيقول: تذكرت قول الله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، فخفت خوفاً أورثني ما ترين. فما حالنا مع القرآن؟! فما حالنا مع الآيات والذكر؟! عمينا عن الذكر والآيات تندبنا لو كلم الذكر جلموداً لأبكاه مقياسه في تقييم الناس هو التقوى، وهكذا يجب أن تكون مقاييسنا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، يقول عمر: والله ما رأيت متقياً إلا وددت أني في جلده. استدعى مزاحماً يوماً فقال له: يا مزاحم! لقد رأيتك تصلي الضحى في شعب من الشعاب لا يراك فيه إلا الله، فأحببتك والله! فكن عوني على نفسي، فإذا رأيتني ظلمت فخذ بتلابيبي وقل: اتق الله يا ابن عبد العزيز! فما بالهم إذا نصحوا أخذتهم العزة بالإثم؟

стр. 721

عفو عمر وإحسانه ومحاسبته لنفسه لقد كان يحب العفو ويحب الإحسان، نال منه رجل يوماً، فقيل له: رد على هذا السفيه يا عمر، فقال: إن التقي ملجم. والصمت عن جاهل أو أحمق شرف وإن فيه لصون العرض إصلاح أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة والكلب يخسأ لعمري وهو نباح كان ﵁ لا يرد مظلمة، دخل أحدهم يبايعه فقبض يده، قال له: يا أمير المؤمنين! لم قبضت يدك؟ قال: اغرب عني، تجلد فلاناً سبعين جلدة؛ لأنه آذى ابنك! ما غضبت لله، ولكن غضبت لنفسك ولولدك، والله لن تلي لي عملاً بعد اليوم، فعزله عمر. قطع أعطيات بني أمية وصلاتهم، فغضبوا وأرسلوا له ابنه عبد الملك، فقال له: قل لهم يا بني: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥]. ألجم عمر نفسه بهذا اللجام، فهلا ألجمنا أنفسنا بهذا اللجام؟ ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥]. ولى العباد والزهاد واختارهم، فقامت الدنيا، يقول ميمون بن مهران: لقد أخبرنا رعاة الأغنام بأن الذئاب أيام خلافة عمر ما كانت تعدو على الأغنام! سبحان الله! حتى البهائم تسعد في ظل العدل وتأمن، فلما توفي عمر عدت الذئاب على الأغنام فعرف أهل البوادي أنه قد مات رجل عادل، فالعدل أمن وطمأنينة وسكينة، وبالعدل قامت السماوات والأرض. وكان شديد المحاسبة لنفسه، ورعاً تقياً، كان يقسم تفاحاً أفاءه الله على المسلمين، فتناول ابن له صغير تفاحة، فأخذها عمر من فمه، وأوجع فم الصغير، وذهب الصغير لأمه باكياً، فأرسلت من اشترى له تفاحاً. عاد عمر إلى البيت، وما عاد بتفاحة واحدة، فقال لـ فاطمة: هل في البيت تفاح؟ إني أشم رائحة تفاح في البيت، قالت: لا والله! وقصت عليه قصة الصغير، فذرفت عيناه، وقال: والله لقد انتزعتها من فم ابني وكأني انتزعتها من قلبي، ولكني كرهت أن أضيع نفسي بتفاحة من مال المسلمين، سبحان الله! ورب مشهد كهذا خير لـ عمر من الدنيا وما فيها ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]. كان متواضعاً لله، مدحه رجل في وجهه، فقال: يا هذا! أما إنك لو عرفت من نفسي ما أعرف ما نظرت إلى وجهي، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه.

стр. 722

ليل عمر بن عبد العزيز كان شديد الخوف من الله، ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، كان يذكر الله في فراشه كما تقول زوجه، ثم ينتفض كما ينتفض العصفور المبلل حتى أقول - يعني زوجه-: ليصبحن الناس ولا خليفة لهم، ثم تقول: يا ليت بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين، والله ما رأينا من سرور منذ تولى عمر الخلافة. تقول زوجه فاطمة: أمسى ذات ليلة وقد فرغ من استعراض حوائج المسلمين، ثم أطفأ السراج، ثم قام فصلى ركعتين، ثم جلس واضعاً رأسه على يديه، ودموعه تسيل على خده، ويشهق الشهقة فأقول: خرجت نفسه، وانصدعت كبده، فلم يزل كذلك حتى أصبح الصبح وهو باكٍ يتألم، ثم أصبح صائماً، تقول زوجه: فدنوت منه، وقلت: يا أمير المؤمنين! كثير منك ما كان ليلة البارحة، أأمر ألم بك أم ماذا دهاك؟! فأجابها - وقد نصب خوف الله أمام عينيه- قائلاً: إني نظرت في نفسي فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة صغيرها وكبيرها، وأحمرها وأسودها، يتيمها وأرملتها، ثم ذكرت الغريب والفقير واليتيم في أقاصي البلاد، فعلمت أن الله سيسألني عنهم، وأن محمداً سيكون خصمي في ذلك اليوم، فخفت لعله يثبت لي عند الله عذراً، فدمعت عيناي، ووجل قلبي، وكلما ذكرت ذلك ازداد وجلي، ثم انهد باكياً ﵁ ورحمه. أواه! من لنا بمثل عمر؟ عجزت نساء الأرض أن ينجبن مثلك يا عمر! بكته فاطمة زوجه بعد وفاته حتى ذهب بصرها، ودخل عليها إخوتها قائلين: ما هذا يا فاطمة؟! أتجزعين على عمر فهو والله أحق من يجزع عليه، أم جزعاً على شيء من الدنيا؟ فأموالنا بين يديك، فخذي ما أحببت واتركي ما شئت، قالت: لا والله لا هذا ولا ذاك، لكني رأيت من عمر ليلة منظراً ما تذكرته إلا بكيت، رأيته ليلة قائماً يصلي، فجلس يقرأ حتى أتى على قول الله جل في علاه: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٤ - ٥] فصاح: واسوء صباحاه، ثم وثب، ثم سقط يئن حتى ظننت أن نفسه ستخرج، ثم هدأ، ثم صاح: واسوء صباحاه، ثم قام وهو يقول: ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث، وتكون الجبال فيه كالعهن المنفوش، حتى طلع الفجر، ثم سقط مغشياً عليه، فلما سمع الأذان قام، فصلى بالمسلمين، تقول: فوالله ما ذكرت ليلته تلك إلا غلبتني عيناي، فلم أملك رد عبرتي. فأسأل الله أن يؤمنه وأن يؤمننا ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٤ - ٥]، خاف الله في الدنيا فنسأل الله أن يؤمنه في الآخرة. هذه مواقف من حياة عمر وخوفه من الله، وزهده وعدله، وهذا هو عمر الذي جلس للناس مربياً وأباً وأخاً، هذا هو عمر لمن أراد أن يقتدي بـ عمر (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) (ما من راع استرعاه الله رعية فمات حين يموت وهو لها غاش إلا حرم الله عليه الجنة). فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح اللهم أخرج من أصلاب هذه الأمة رجالاً كـ عمر يردون الأمة إليك رداً جميلاً. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 723

وفاة عمر بن عبد العزيز الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله! فلكل أجل كتاب، ولكل بداية نهاية، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] يموت كل صغير وكبير، وذكر وأنثى، ومقر وجاحد، وزاهد وعابد ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، تنتهي حياة الأخيار بنهاية حميدة، فكأن الأخيار ما بئسوا مع من بئس، ما كأنهم سهروا في طاعة الله، ما كأنهم تعبوا، ما كأنهم جاعوا بعد أن تنعموا؛ لأنهم غمسوا غمسة في الجنة فزال كل بؤس وألم ونصب وتعب، وتنتهي في المقابل حياة الفجار في حفرة من حفر النار، ما كأن الفجار تنعموا ولا أكلوا فعند أول غمسة في النار يزول كل نعيم، ولا خير في لذة من بعدها النار. وتأتي وفاة عمر الذي كان أعظم ما قاده إلى الله ذكر الموت، اشتد عليه المرض وأدخل عليه الأطباء ووضعوا له العلاج المناسب، والشفاء بيد رب العالمين، فقال: والله لو كان دوائي في أن أرفع يدي اليمني إلى أذني ما فعلت، والله ما أنا بحريص على الدنيا فقد مللتها، ولكني أسأل الله أن يُسلِّم. استدعى خادماً ثم قال: أسألك بمن سيجمع الناس ليوم لا ريب فيه، أأنت سممتني في الطعام؟ قال الخادم: إي والله قال: فكم أعطوك على ذلك؟ قال: ألف دينار، قال: اذهب فأنت حر لوجه الله، والله يحب المحسنين. دخل الناس عليه يعودونه، وكان كلما عاده أحد قال: اعف عني عفا الله عنك. قام وخطب بالناس، فكان مما قال في آخر كلامه: اتقوا الله قبل حلول الموت بكم، إني لأقول هذا وما أعلم أحداً عنده من الذنوب أكثر مما عندي، ثم خنقته عبرته، فأخذ طرف ردائه، فوضعه على وجهه يبكي، فما بقي أحد إلا بكى لبكائه، ولم يخطب بعدها ﵀. في ضحى يوم عيد الفطر حلت بـ عمر سكرات الموت التي لا بد من حلولها في كل واحد منا، ونسأل الله أن يحسن لنا الختام، فجاءه مسلمة بن عبد الملك فقال له: إنه قد نزل بك ما ترى، وإنك تركت صبيتك صغاراً لا مال لهم، فأوص بهم إلي، فجلس عمر وقال: والله! ما منعتهم حقاً هو لهم، ووالله لن أعطيهم ما ليس لهم، إن بني هؤلاء أحد رجلين: إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجاً، وإما مكب على المعصية فلم أكن لأعينه على معصية الله، ثم أمر فقال: ادعوا أبنائي جميعاً، فدعوهم وكانوا بضعة عشر صبياً كأنهم فراخ، نظر إليهم بحنان الوالد، نظر إلى ضعف طفولتهم، وبراءة أعينهم، فذرفت عيناه الدموع، ثم قال: أفديكم بنفسي أيها الفتية الصغار الذين تركتكم ولا مال لكم، أي بني! إن أباكم كان بين أمرين، إما أن يغنيكم فيدخل النار، أو يفقركم فيدخل الجنة، فاختار أن يفقركم ويدخل الجنة، لكن وليي الله فيكم الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، انصرفوا عصمكم الله. فانصرف أبناؤه، فجعل يبتهل إلى الله في خشوع ويقول: رباه! أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، رباه! ما عندي ما أعددته للقائك إلا خوفي منك، وحسن ظني بك، وأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، ثم أمر الناس أن يخرجوا، فكانوا يسمعونه يردد: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. أسلم عمر الروح إلى باريها، فرحمة الله عليه: جسد لفف في أكفانه رحمة الله على ذلك الجسد كان يقول قبل وفاته: إذا غسلتموني وكفنتموني ووضعتموني في لحدي، فاكشفوا عن وجهي، فإن ابيض فاهنئوا، وإن اسود فويل لي ثم ويل لي. يقول رجاء: فكنت فيمن غسله وكفنه، وأدخله في لحده، وحللت العقدة من كفنه، ثم نظرت إلى وجهه فإذا هو كالقراطيس بياضاً. بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. أسلم الروح عمر فأُسكت فم لطالما تلجلج بذكر الله، وأغمضت عينان لطالما ذرفتا من خشية الله، واستراحت يدان لطالما مدتا إلى ما يرضي الله، ودع الأمة والجياع قد شبعوا، والخائفون قد أمنوا، والمستضعفون قد نصروا بإذن الله، وجد اليتامى فيه أباً لهم، والأيامى كافلاً لهم، والتائهون دليلاً لهم، والمظلومون نصيراً لهم. وحلت المصيبة بالمسلمين وأغلقت القلوب بحزنها، والعيون بدمعها. فاليوم تنعم يا عمر بجوار من أهدى البشر فسقي رفاتك وابل من ماء غيث منهمر يقول مسلمة: يرحمك الله يا عمر! لقد لينت قلوباً قاسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً. ذهب عمر بعد أن حقق العدل والطمأنينة والسكينة والأمن والإيمان في سنتين وبضعة أشهر وخمسة أيام، فما حققنا نحن على مدى سنوات طوال؟ كان كثيراً ما يقول ويردد: إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل أنت فيهما، إن الأعمار لا تقاس بالأعمار، لكن بالهمم والمقاصد والأهداف. مات عمر وما مات ذكره، ولا يموت ذكر الصالحين، لهج المسلمون بالدعاء والثناء عليه، ليس المسلمون فحسب، فها هو ملك الروم ليون الثالث يقول: لو كان رجل يحيي الموتى بعد عيسى لكان عمر، والله لا أعجب من راهب جلس في صومعته وقال: إني زاهد، لكني أعجب من عمر يوم أتته الدنيا حتى أناخت تحت قدميه، فركلها بقدميه وأعرض عنها وهو يقول: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥]. هذه سيرة عمر أيها الأخ الكريم، هل أعجبتك، إن أعجبتك فاقتدِ بها، اقتد بـ عمر وبالصالحين لعلك تكون منهم، فإن لم تستطع وجاهدت نفسك فأحبهم، فإن المرء مع من أحب. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا يا أرحم الراحمين. اللهم اجز عمر عن المسلمين خير الجزاء يا رب العالمين! اللهم اجز كل العادلين عن رعيتهم خير الجزاء يا حي يا قيوم! اللهم أبرم لأمتنا أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا حي يا قيوم! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم قيض لهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير إذا فعلوه، وتذكرهم به إذا نسوه. اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، وأصلح ولاة أمورنا، يا حي يا قيوم! اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك الموحدين. اللهم انصر المستضعفين في العراق وفي الشيشان وكشمير والفلبين وأفغانستان، اللهم انصرهم في كل مكان يا حي يا قيوم، اللهم كن لهم عوناً وظهيراً، ومؤيداً ونصيراً، اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، اللهم تقبل شهداءنا وشهداءهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين! اللهم اجمع كلمتنا على الحق يا حي يا قيوم! اللهم قيض لهذه الأمة ولاة أمر صالحين، وعلماء ربانيين ودعاة مخلصين يردونها إليك رداً جميلاً يا حي يا قيوم! اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن، يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وبيوت المسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره يا رب العالمين! اللهم من حاربنا عبر الشاشات والقنوات، اللهم فلا تبارك لهم يا حي يا قيوم! اللهم اجعل كيدهم تدبيراً ومكراً عليهم يا قوي يا عزيز! اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا، يا عليم يا خبير! عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر.

стр. 724

نعمة النوم وآدابه إن النوم نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على العباد، وهو آية من آياته جلّ وعلا، فبالنوم يأخذ الجسم راحته، ويستعد للقيام بأعمال أخرى من أمور الدنيا والدين. ولا يشعر بقيمة هذه النعمة إلا من فقدها، فمن أصيب بالأرق أو بالمرض وحُرم من هذه النعمة فإنه مستعد أن يدفع كنوز الدنيا كي يحصل على جزء يسير منها، أو أن يغفو غفوة يتلذذ بهذه النعمة التي لم نتفكر فيها، ولم نتدبر في كيفية حصولها، والأسباب المؤدية إليها، فذلك وراءه من الأسرار والعلوم ما الله به عليم.

стр. 725

النوم نعمة ورحمة من الله تستوجب الشكر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! نعم الله علينا كثيرة لا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، ومن بين هذه النعم نعمة أنعم الله بها علينا، ونتلبس بها جميعاً، بل لا يكاد يمر يوم إلا ونحن تحت تأثيرها، وقل أن نحسب لهذه النعمة حسابها، وقليل فينا من يشكر الله عليها، وكثير منا من هو غافل عن شكره فيها، كما هو غافل عن الشكر في نعم أخرى مثيلة لها، إنها نعمة النوم، وهي نعمة مجهول قدرها، فإذا ما أصيب المرء بمرض أو أرق، أو مسه شدة جوع أو برد حالت دون نومه فإنه يدرك قيمة هذه النعمة، وما أطول ليل الأرقين! وما أنغص نوم المرضى والمهمومين! وفي المقابل فما ألذ النوم بعد الإعياء والتعب وطول الكد والبحث في سبل الحياة دون أن يكدره مرض أو هم أو غم! عباد الله! إنّ النوم كما هو نعمة فهو أيضاً آية من آيات الله، ألا ترى الخالق ﷻ يغشي الليل النهار فيظلم الكون، وتسكن الحياة، وتنكفئ الأحياء، وتقل الحركة، ويهدأ الناس، فيطيب المنام، وتسكن الأعضاء بعد كللها، وتستريح بعد تعبها، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]. تفكر عبد الله! -وأنت مدعو للتفكر والتأمل- وتأمل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل:٨٦]، وتأمل في قوله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم:٢٣]. عباد الله! إن تلك النعمة رحمة واحدة من رحمات الله على عباده تستوجب الشكر، قال سبحانه: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣]، فلا تستطيع أي قوة في هذا الكون سوى قوة الله أن تجعل الليل هادئاً ساكناً للمنام، ولا النهار مبصراً للحركة وانتشار الأنام، وأي قوة مهما بلغت فلن تستطيع أن تتصرف ما لو استمر الزمان ليلاً سرمدياً، أو نهاراً أبدياً، فلا أحد يستطيع ذلك إلا الذي خلق الخلق وقدره تقديراً، وهذه آيات عظيمة، والتفكر فيها يدعو لمزيد من الإيمان، فتدبر في قوله ﵎: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧١ - ٧٢]. إن في النوم سراً من أسرار الله في هذا الكون لا يقدر عليه إلا الله، إن في النوم موتاً ووفاة، لكنها موتة صغرى، ووفاة إلى أجل، قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٦٠]، فالأنفس في المنام يتوفاها الله جميعاً، فمن شاء أن يفسح لها في الأجل أعادها إلى الحياة مرة أخرى، فقد كنت ميتاً منذ سويعات فأحياك الله، وأما النفس التي قدر عليها الوفاة فإن يمسكها فلا يقظة بعد هذه النومة، فمن ذا الذي يقِّدر هذا، أو يعرف قيمة هذا؟ ومن الذي يستطيع أن يفعل هذا إلا الله ﵎؟ فتأمل في قوله ﵎: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢] فهناك سر عجيب يتكرر في النوم، ولا يكاد يوقظ قلوب الغافلين، أو يستدعي تفكر المتفكرين، ففي لحظة سريعة يغيب المرء عن الحياة والأحياء، وفي أخرى يستيقظ فإذا هو يعيش الحياة ويبصر الأحياء، فيستدل بالنوم -وهو الموتة الصغرى- على الوفاة الكبرى، وبالاستيقاظ على البعث والنشور. فإي وربي لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، وهناك في أرض المحشر ينكشف ليل المفسدين، وتكشف سوءات الفسقة والفاجرين، الذين نسوا أنهم إن غابوا عن أعين الخلق فهم في رقابة الخالق الذي لا تخفى عليه منهم خافية ليلاً ولا نهاراً، ففي الآخرة ينكشف الفرق بين قوم ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]، فكانوا في صلاة وتلاوة وذكر ودعاء، ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨]، وبين أناس يحيون الليل بسهرات صاخبة، ومجون وفواحش، وهم يظنون أنها ليالي حمراء، وغداً تبدو لهم ولغيرهم ليال سوداء. فخلاصة القول: أنه لا ينبغي للعاقل أن يتخذ من هدأة الليل مجالاً للفسوق والفجور بدلاً من أن يشكر الله على هذه النعمة، ويأوي إلى فراشه ذاكراً شاكراً مستودعاً ربه نفسه: إن أمسكها أن يرحمها، وإن أرسلها أن ليحفظها بما يحفظ به عباده المؤمنين، وكذلك كان النبي ﷺ يعلم أصحابه أن يقول أحدهم إذا أوى إلى فراشه: (باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمهما، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، فما أجمل هذا الدعاء لو تعلمناه وعملنا به! وكما أن النوم نعمة وعبادة تعينان على طاعة الله فهو ليس كذلك إذا حال بين العبد وبين طاعة ربه، فالصلاة خير من النوم، وهذا نداء يطلقه المؤذنون في فجر كل يوم، والخيرون من الناس هم الذين يستجيبون لهذا النداء، وأكثر الناس عن آيات ربهم غافلون، ومن تكرر نومه عن صلاة الفجر دون عذر شرعي فذلك الذي بال الشيطان في أذنيه. وكذلك يكون من ضعف النفس ونزغ الشيطان، إذا حال بين المرء وطلب علم نافع، أو داعب الأجفان في خطبة الجمعة أو حال بين المرء وبين عمل صالح. وهو رحمة وأمنة في حال الجهاد، ولقد أصاب المسلمين ومعهم النبي ﷺ منه شيء في بعض ملاحمهم مع المشركين، كما قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١]. يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 726

بعض آداب النوم الحمد لله رب العالمين ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام:٩٦]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، ويعلم مستقرها ومستودعها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان نومه أعدل النوم، وهو كما قال ابن القيم ﵀: أنفع ما يكون من النوم، وأنفع النوم -كما قال الأطباء- ثلث الليل والنهار: ثمان ساعات، ويتفاوت الناس على حسب أعمالهم واحتياجهم لساعات النوم، فمنهم من تكفيه أربع، ومنهم من تكفيه ست، لكن لا تزاد ساعات النوم على ثمانِ ساعات. اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه الأنبياء والمرسلين. عباد الله! إن للمصطفى ﷺ هدياً في النوم حري بنا أن نتعلمه ونعمل به؛ حتى يكون نومنا عبادة لله رب العالمين، فكان إذا أوى إلى فراشه قال: (باسمك اللهم أحيا وأموت). وكان من هديه أن يجمع كفيه ثم ينفث فيهما، ويقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، ويفعل ذلك ثلاث مرات، فيبدأ بهما على رأسه ووجهه ثم ما أقبل من جسده. وكان ﷺ ينام على شقه الأيمن، ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، ثم يقول: (اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك). رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد صحيح. ومن دعائه أيضاً إذا أوى إلى فراشه: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤو)، وهذا الحديث يذكرنا بجموع من المسلمين في زماننا هذا تسلط عليهم الأعداء فأخرجوهم من ديارهم، فهاموا على وجوههم بحثاً عن الزوايا، وبحثاً عن ركن يأوون إليه، أو طعام يستطعمون به، فنسأل الله أن يردهم إلى بلادهم، ويمكن لهم في أرضهم، ويمكن لهم من عدوهم، قال ﷺ : (من أصبح آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)، ألا فلنشكر الله على هذه النعم. وكان من هديه ﷺ ذكر الله في حال النوم تسبيحاً وتحميداً وتكبيراً، وتلك وصيته لأقرب الناس إليه وهي فاطمة بنت محمد ﷺ وعلي بن أبي طالب ﵄، وذلك حينما سألاه الخادم: فقال ﷺ : (ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم: إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فذلكما خير لكما من خادم). رواه الشيخان وغيرهما. ومن هديه ﷺ حال النوم: الوضوء والتطهر، وفي هذا يقول: (طهروا هذه الأجساد طهركم الله؛ فإنه ليس عبد يبيت طاهراً إلا بات معه ملك في دثاره لا ينقلب ساعة من الليل إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك هذا فإنه بات طاهراً). ومن هديه أيضاً: قراءة آية الكرسي، فلا يزال على قارئها من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، وبالجملة: (من اضطجح مضطجعاً لا يذكر الله تعالى فيه إلَّا كانت عليه من الله ترة) أي: حسرة وخسارة وندامة، رواه أبو داود بإسناد حسن. وكان من هديه ﷺ الاضطجاع على الشق الأيمن، وهناك صفة ذميمة في النوم أيقظ النبي ﷺ صاحبها، ألا وهي النوم على البطن، فعن يعيش بن طخفة الغفاري ﵁ قال: قال أبي: (بينما أنا مضطجع في المسجد على بطني إذ رجل يحركني برجله، فقال: إن هذه ضجعة يبغضها الله، فنظرت فإذا هو رسول الله ﷺ . رواه أبو داود بإسناد صحيح، وفي بعض الروايات: (تلك نومة أهل النار)، والعياذ بالله. ومن أدب الإسلام: ألا ينام المرء وبيده بقايا من أثر الطعام حتى يغسلها، قال ﵊: (من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه). رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح. ومن آداب النوم: أن ينفض الإنسان فراشه احتياطاً مما قد يخلفه فيه من بعده، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض بداخلة إزاره؛ فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليضطجع على شقه الأيمن، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك اللهم أرفعه، إن قبضت روحي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين). عبد الله! إذا كنت لا تدري إذا صعدت روحك إلى بارئها حال النوم أتكون ممن تمسك روحه فلا يقوم، أم ممن ترسل لتكمل بقية أجلها، فليس يليق بك أن تودَّع الدنيا بالفجور والعصيان، أو يكون آخر ما يقرع سمعك ألحان وغناء وأصوات الموسيقى والتخيلات الباطلة، بل ودَّع الدنيا بخير ما ينبغي أن تودَّع به، ثم نم على ذكر الله ﵎، واحتسب نومتك عبادة عند الله، وتذكر دائماً أنها ربما تكون آخر نومة تنامها، فاشكر الله على عافيته وكفايته وإيوائه لك، ونم وأنت عازم على القيام للصلاة المكتوبة، وإذا استيقظت فاحمد الله وقل كما قال المصطفى ﵊: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، وإذا تعاريت من الليل -أي: استيقظت في وسط الليل- فقد أرشدك النبي ﷺ إلى أن تقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإن قلت: اللهم اغفر لي! أو دعوت استجيب لك، وإن قمت فتوضأت ثم صليت قُبلتْ صلاتك). رواه البخاري وأحمد وغيرهما. عبد الله! وإذا أصابك أرق أو فزع أو وحشة فقد ورد عنه ﷺ أنه كان يعلم أصحابه أن يقولوا في حال الفزع: (أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، ومن شر عباده، ومن شر همزات الشياطين وأن يحضرون) رواه أحمد وغيره وهو حديث حسن. وورد: (أن رجلاً شكى إلى النبي ﷺ الأرق، فقال له قل: اللهم! غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا قيوم أنم عيني، وأهدئ بالي، فقالها الرجل فذهب عنه الأرق). وهكذا أحبتي يبدو الإسلام عظيماً في كل تشريعاته، فهو ينظم أمور الحياة في الليل والنهار، وفي اليقظة والمنام، وصدق الله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]. اللهم فقهنا في ديننا، وارزقنا شكرك وذكرك وحسن عبادتك. اللهم لك الحمد كما آويتنا وكفيتنا، وأنمتنا وأيقظتنا. اللهم اكف من لا كافي له، وآو من لا مأوى له، وأطعم من لا مطعم له. ألا وصلوا على البشير النذير، والسراج المنير الذي أمركم الله بالصلاة عليه فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم! صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اهدنا وعافنا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل يقظتنا ونومنا طاعة وعبادة لك يا رب العالمين! اللهم اجعل طعامنا تقوياً في طاعتك، ومنامنا تقرباً إليك يا رب العالمين! وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، قو عزائمهم، واربط على قلوبهم، وثبت الأقدام، وفك أسرانا وأسراهم يا رب الأنام، وأنزل عليهم رحمة وتأييداً من عندك يا حي يا قيوم! اللهم من سعى في فكاكهم ففك رقبته من النار يا رب العالمين! اللهم اكبت عدوك وعدونا فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز! وأخرجهم من بلاد المسلمين أذلة صاغرين، واجعلهم لمن خلفهم آية، ولا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية يا رب العالمين! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا حي يا قيوم! عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر.

стр. 727

هذا ما رأيت في رحلة الأحزان إن مرور الليالي والأيام يدل على اقتراب الأجل، وإن الأحداث العظيمة والكوارث الجسيمة فيها عبرة لنا؛ علّنا نرجع إلى ربنا ﵎، وما حدث في مناطق شرق آسيا بما يسمى بـ (تسونامي) سببه الرئيسي هو ذنوب العباد، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلكي نسلم من مثل هذه الكوارث علينا التزام الأوامر والنواهي الإلهية، فهو المخلص الوحيد من مثل هذه الحوادث الأليمة.

стр. 728

مرور الأيام معناه دنو الأجل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وبياكم وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. أحبتي! انتهى عام، ونحن على وشك أن نبدأ عاماً آخر، فما أسرع انقضاء الأيام والليالي، فالأيام والليالي تبليان كل جديد، وتقربان كل بعيد، وتأتيان بكل موعود ووعيد. إن مرور الأيام وانقضاء الليالي له معنى واحد وهو: أني أنا وأنت نقترب من النهاية، ومعناه: أن الأجل يقترب والفرصة تقل يوماً بعد يوم، ولا معنى له غير هذا المعنى، فكل ليلة وكل يومٍ ينقضي هو من عمري ومن عمرك أنت، والآجال تنقص ولا تزيد، والأعمار تنقص يوماً بعد يوم لا تزيد، فأعمارنا في نقصان يوماً بعد يوم. وعلى مدى عام إلى يومنا هذا حدثت أحداث، واستجدت أمور، وتغيرت أشياء لا يعلم بها إلا الحكيم الخبير الذي قال: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤]. إن محاسبة النفس في نهاية العام دليل على الجدية والهمة العالية، فالتاجر الناجح هو الذي يراجع الحسابات حيناً بعد حين؛ لذلك أمرنا الله بمراجعة الحسابات فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨]، والكيّس هو الذي يحاسب نفسه كل يوم، فإن لم يكن ففي الأسبوع مرة، فإن لم يكن ففي الشهر مرة، فإن لم يكن ففي السنة مرة، فإن لم يكن ففي العمر مرة، فلابد أن نقف ونراجع حساباتنا، ولن أقف مع ما فعلتَ أنتَ أو فعلتِ أنتِ أو ماذا قدمنا أو أخرنا، فخلال العام الماضي حدثت أمور جسام، وآيات عظام يخوف الله بها عباده، ولعلي مع نهاية هذا العام أقف وقفات، مع ما حدث في هذا الكون الذي يدبره الواحد الأحد، والذي لا يتحرك متحرك في كونه إلا بعلمه، ولا يسكن ساكن في أرضه ولا في سمائه إلا بقدرته وأمره ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٥٩ - ٦٧].

стр. 729

أعظم الأحداث في شرق آسيا لعل أعظم ما حدث في عامنا المنصرم هو ما حدث في شرق آسيا، تلك الآية العظيمة التي بلغ خبرها القاصي والداني، كيف لا وفي دقائق معدودة حدث ما حدث من الآيات العظام، لقد تغير مجرى هذا الكون رأساً على عقب، لقد تحركت الأرض، وماجت الجبال، وفاضت المياه والبحار والأنهار، واهتزت الأرض تحت أقدام البشر، فمات من مات، وهلك من هلك، وشرد من شرد، وأصيب من أصيب، وحدثت مصائب وآلام لا يعلم بها إلا الله، لقد حدثت في دقائق معدودة، ولكن للأسف الشديد فإن سكان الأرض لم يستفيدوا من تلك الآية، ولم ينزلوها في مكانها الصحيح، فالذي حدث أن وسائل الإعلام نقلت لنا الخبر وتكلمت عن أسباب الزلازل وأسباب الفيضانات، ونظروا إليها من المنظور العلمي، وما ذكروا أنها عقوبة من الله جزاء مخالفة أهل الأرض أوامر الله ﵎، فالأمر أمره، والأرض أرضه، والسماء سماؤه، يفعل ما يشاء و ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. لقد رأينا بأم أعيننا على شاشات التلفاز والقنوات تلك الأحداث التي جرت، لكن ليس الخبر كالمعاينة، فقد نقلت لنا وسائل الإعلام الخبر إلا أننا لا نستطيع أن نتصور ما حدث هناك حقيقة، فالذي حدث -والله الذي لا إله إلا هو- أمر يفوق تصور الإنسان، ولا يستطيع الإنسان بعقله المحدود أن يتصور ما حدث هناك، حتى حين ترى وتقف في تلك الأماكن فإن العقل يقف حيراناً، كيف حدث هذا؟! وكيف تم هذا في لحظات؟! وما هي تلك القوة التي أحدثت كل هذا الدمار في لحظات معدودة؟! إنها قوة الجبار الذي إذا أراد أمراً فإنما يقول له: كن فيكون. وقد ذهبت إلى هناك وشاهدت بأم عيني ماذا حل من الدمار، ورأيت ومع إنني رأيت لكنني والله لا أستطيع أن أصور حقيقة الأمر، فالأمر أكبر مما أستطيع أن أستوعبه أنا أو تفهمه أنت، والأمر أعظم من أن نذكره في كلمات، والأيام القادمة وما يليها ستكشف لنا حقيقة الأمر الذي كان هناك، في كل يوم كنت أتنقل من منطقة إلى منطقة والسؤال الذي كان يدور في خاطري دائماً ماذا كان يصنع هؤلاء حتى حل عليهم هذا؟ هل هو زنا وشرب خمور؟ الأمر أعظم من هذا كله، والأيام القادمة ستكشف لنا الحقيقة.

стр. 730

دوافع الرحلة ما الذي دفعني للذهاب؟ لقد شاهدت مثلكم ما بُثَّ على شاشات الفضائيات، ورأينا ما حل من الدمار، لكن حز في خاطري أنني رأيت الصليب يتجول هنا وهناك في بلاد المسلمين، حز في خاطري أني رأيت المعونات تقدم إلى المسلمين ممن يضعون الصليب على صدورهم وعلى ظهورهم! فقلت: أين نحن عن إخواننا هناك؟ وأين الهيئات والمنظمات الإسلامية؟ نعم لقد قدمت معونات وبلادنا أيضاً ممن قدم المعونات لكنها كلها ذهبت تحت إطار الأمم المتحدة التي يتزعمها الصليب، والذي قدم تلك المعونات هو الصليب للمسلمين هناك، فحز في خاطري أن أيام العيد قادمة وأنه ليس بين المسلمين من يواسيهم في مصابهم وفي آلامهم إلا أبناء الصليب، ورأيت من فتيات الصليب ومن شبابه متطوعين أتوا من كل مكان لكي يساعدوا في عمليات الإنقاذ والإعمار والتنظيف وإخراج الموتى، وما رأيت من العرب أحداً، ولا من المسلمين أحداً، ورأيت من شبابهم وكبار سنهم صغاراً وكباراً يتجولون بين الملاجئ والمستشفيات، وليس ذلك منهم حباً في الإسلام والمسلمين، والله! ما جاءوا لأنهم يحبوننا، لكنهم جاءوا حتى يبينوا للمنكوبين أن الصليب معهم، وأن الصليب يساعدهم في نكباتهم. فقررت الذهاب قبيل بداية شهر ذي الحجة بأيام، قالوا لي: تأخر إلى ما بعد الحج، لكني أعرف أن الجرح إذا تطاول عليه الزمان يبرأ يوماً بعد يوم، والذي نراه اليوم ليس كالذي نراه غداً وبعد غد، اليوم سترى أشياء ثم هذه الأشياء ستندثر وتختفي، ولن ترى ما تراه في بداية الأمر وفي أول المصاب، ثم إني أردت أن أكون بين أولئك في أيام العيد لأنظر كيف سيقضون أيام العيد! فقررت السفر، فاخترت صحبة للذهاب معي، لكن صحبتي تخلت وتقاعست في آخر اللحظات، وعذرهم أن الظروف الأمنية لا تسمح، وأن الظروف الصحية لا تسمح، وأن الأوضاع هناك مضطربة ولا أحد يستطيع أن يذهب إلى هناك، فقلت: سبحان الله! كيف ذهب أبناء الصليب وما وضعوا هذه العراقيل وهذه العقبات، لماذا عندما نقدم دائماً نتأخر ونضع العراقيل ونضع العقبات ولا يضعونها هم؟! لذلك تقدموا هم وتأخرنا نحن، فقررت السفر ولو كنت بمفردي. واستشرت أمي رحمها الله فقالت: ما دام الأمر طاعة، وفي مرضاة الله فصلِّ واستخر ثم توكل على الله، فكانت هذه الكلمات دافعاً لي على أن أعزم على الذهاب ولو كنت سأذهب بمفردي، فاتصلت على الإخوان في الكويت من جمعية إحياء التراث الكويتي، ولهم مكتب هناك، ثم مع بداية الأحداث فتحوا مكتباً آخر في المناطق المنكوبة فقالوا: سنستقبلك وسنرتب لك الأمور، وهذا شجعني على الذهاب حتى وإن كنت بمفردي. فما الذي دفعني للذهاب؟ لقد دفعني إلى ذلك أولاً: أن الذي حدث هناك آية من آيات الله أردت أن تكون واعظاً لي أنا أولاً ثم واعظاً للذين سأنقل لهم الصورة، وأردت من ذهابي أيضاً أن أرى بأم عيني حقيقة ما حدث، فصحيح أننا سمعنا ونقل لنا من هنا ومن هناك لكن ليس الخبر كالمعاينة، وليس من رأى كمن سمع، فأعددت العدة للسفر، وأسميت الرحلة من أولها إلى آخرها برحلة الأحزان، فهذا ما رأيت في رحلة الأحزان، وكيف لا تكون رحلة أحزان وقد رأيت مصرع آلاف من البشر؟! كيف لا تكون رحلة أحزان وقد رأيت من أحوال المسلمين ما يدمي القلب، ويقض المضجع، ويدمع العين؟! لقد رأيت أهوالاً عظاماً لعلي أستطيع أن أصورها لكم في هذه الساعة المحدودة وإلا فالأمر أعظم مما سأتكلم وأعظم مما سأقول.

стр. 731

بداية رحلة الأحزان انطلقت من هنا في يوم الخميس الثالث من ذي الحجة في الخامسة من مساء يوم الخميس عن طريق جسر الملك فهد، من هنا بدأت أحزاني، والجسر فيه زحام شديد لا يعلمه إلا الله، فكنت أتلفّت يمنة فلا أرى إلا شباباً من شبابنا ومن أبنائنا والموسيقى في كل مكان، والضحكات من هنا وهناك، وهم طوابير، فوالله! لقد وقفنا في الطابور أكثر من ساعتين حتى استطعنا أن نصل إلى المكان الذي نختم جوازاتنا فيه، ونتجاوز النقطة إلى النقطة التي تليها على مدى تلك الساعات، ووالله! ما رأيت إلا أمماً من الشباب تجاوزت الآلاف، أين سيذهبون؟ وماذا يريدون من الذهاب إلى هناك؟ وهل الوقت أصلاً يسمح لمثل هذا اللهو؟ فأمتنا جراحاتها في كل مكان، فهل هذا وقت لهو وضحك وتوزيع ابتسامات، هل هذا وقت معاص ومنكرات، فما رئي صلاح الدين مبتسماً، وحين سئل قال: كيف أبتسم والأقصى بين أيدي الصليبيين؟ فكم للأقصى وهو يئن ويشتكي؟! هاهو الأقصى يلوك جراحه والمسلمون جموعهم آحاد يا ويحنا ماذا أصاب شبابنا أو ما لنا سعد ولا مقداد؟

стр. 732

بداية الأحزان من قبل الإقلاع تجاوزنا أول النقاط ووصلنا إلى مطار البحرين، وهناك اختلط الحابل بالنابل فلا تعرف الرجال من النساء، ولا تعرف هل هذا رجل أم امرأة! فتقدمت بجوازي وتذكرة سفري إلى تلك التي تعمل في خطوط طيران الخليج، وكانت تتبسم لمن قبلي كلهم، وهذه هي وظيفتهم التبسم في وجه العملاء، فلما رأتني استنكرت وعبس وجهها وتغير، وكنت أعرف أن الرحلة إلى اندونيسيا مليئة بالنساء والخادمات، فقلت لها: لي مطلب واحد وهو: أن أكون على النافذة، وأن أكون بجانب رجل، قالت: ليس عندي لك مكان إلا هذا، قلت: من حقي أن أطلب المكان الذي أريده فأنا راكب على هذه الطائرة، ومن واجبكم أن تقدموا الخدمات المسموحة والممكنة لي، قالت: ليس هناك إلا ما أعطيتك إياه، قلت: أكيد لا يوجد غير هذا المكان؟ قالت: لا يوجد غير هذا المكان، ثم أعطتني تذكرة سفري، وبطاقة صعود الطائرة، قلت لأصحابي الذين رافقوني إلى المطار: هل يعقل أني سأركب في طائرة لمدة تسع ساعات بجانب امرأة؟ فكيف لو نمت وسقطت عليها بجانبي، أو هي نامت وسقطت علي، لا والله! لا يعقل، فتكلمنا مع أحد مسئولي المطار الذين يتعاملون مع الركاب، فقال: هات التذكرة، ثم أعطاني المكان الذي أريد، فلماذا لم تقدم لي تلك المرأة هذه الخدمة؟ أصبح الإسلام متهماً في كل مكان، والمصيبة ليس منهم وإنما هي من أبناء جلدتنا، والمصيبة ليست خارجية بل المصيبة في فهم أبنائنا وبناتنا لهذا الدين. فتجاوزنا هذه المرحلة ثم ركبت الطائرة فإذا بثلاثة من الشباب العرب في حالة سكر، جلسوا بجانبي، أنا على النافذة وهم في الثلاثة الكراسي الوسطى في الطائرة، ثم انتظرنا قبل الإقلاع نحو نصف ساعة، فبدءوا يطلقون السب والشتم واللعان، وبدءوا يستهزءون بالعرب والمسلمين، فسكت ثم تمادوا يسبون الإسلام، لقد بدأ أبناء الإسلام يتطاولون على الإسلام، ويقول أحد هؤلاء السكارى: يظنون أن الدين صلاة، ليس هذا هو الدين، -فيتناقش مع صاحبه وكأنه ينزل عليه الوحي في الطائرة، قالوا: يظنون أن الدين صلاة وإطلاق لحى، إن الدين طهارة القلب ليس صلاة ولا كثرة عبادة، وهنا لم أستطع السكوت أكثر مما سكت، فلقد تجاوزوا الحد، فقلت لهم: اسمعوا يا سكارى؟! أمركم على أنفسكم لكن لا تتجاوزوا في الكلام، فلقد ضايقتم ركاب الطائرة، فقال لي: يا أفغاني! يا كلب!!! اذهب وقاتل من أجل فلسطين يا جبان! قلت في نفسي والله! الأفغاني أفضل من وجهك ولكنهم سكارى، فعقولهم في وادٍ وهم في وادٍ آخر، وقد قال الله عن عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فهذا إن كان في كامل عقله وقواه فكيف بسكران مثل هذا؟ فقلت: لقد ضايقتم ركاب الطائرة، قال: ما أحد اشتكى إلا أنت، وهنا ثارت الطائرة كلها عليهم، وقامت لهم امرأة محجبة -لله درها- وأسمعتهم من غليظ الكلام، قالت: ألا تخشون الله في الأرض، أما تخافون من العقوبة بين السماء والأرض؟ أما تخشون وأنتم تسمعون عن العقوبات الإلهية في كل مكان، كيف تأتون الآن وتعصون الله؟ والله! لا أجالسكم في مكان واحد ثم انطلقت إلى الأمام، لقد تقاعس الرجال عن إنكار المنكر، فقامت المرأة وأنكرت عليهم، فتوعدوني وقالوا لي: الموعد في مطار أبو ظبي! وهنا تذكرت أحد أصحابي أحتاجه في مثل هذا الموقف، وأعرفه تمام المعرفة، وباستطاعته أن يمسك اثنين بقبضته، فتمنيته معي في ذلك الموقف لكن أراد الله أمراً آخر. فلما وصلنا إلى مطار أبو ظبي بحثت عنهم فلم أجدهم، وفترة الانتظار في أبو ظبي تمتد إلى ثلاث ساعات، وما أدراك ما مطار أبو ظبي؟! فالمنكرات في كل مكان، فأين الفرار؟ فما وجدت مهرباً إلا إلى الله، فرأيت مصلى صغيراً فأويت إليه، فمكثت فيه لمدة ثلاث ساعات أقرأ القرآن، كما فر كثير من الصالحين إلى ذلك المكان، فلا مفر من الفتن إلا إلى الله ﵎.

стр. 733

أخبار الرحلة على الطائرة إلى إندونيسيا عندما حانت ساعة الرحيل انطلقت إلى البوابة التي ينادى عليها ففوجئت أن السكارى معي على نفس الطائرة، فقلت: لم أتخلص منكم هناك وستظلون معي تسع ساعات الآن؟! فركبوا معي وكانوا في الكراسي التي أمامي تماماً لكنهم لم يتكلموا بكلمة طوال الرحلة، ماذا كانوا يصنعون؟ إنهم كانوا يتبادلون كئوس الخمر لتسع ساعات حتى أهلكهم الخمر، فناموا باقي الرحلة، فأقلعنا في الساعة الثانية ليلاً، أي: أنه بعد ساعتين أو ثلاث سيكون وقت صلاة الفجر، وعلى متن الطائرة أكثر من ثلاثمائة راكب ما بين رجل وامرأة وأكثرهم نساء، فنظرت في واقع هؤلاء النساء: ما الذي دفعهن للسفر آلاف الأميال؟ لقد تركن بيوتهن وتركن أهليهن وتركن كل شيء بحثاً عن لقمة العيش، مع العلم أن اندونيسيا ليست بالبلد الفقير، فهي أكبر دولة مسلمة من حيث تعداد السكان، وتعدادها أكثر من مائتين وعشرين إلى مائتين وثلاثين مليوناً، وهي رابع أكبر دولة في العالم، فجزرها وأراضيها تمتد ما بين المحيط الأطلسي والمحيط الهندي، وحتى تقطع اندونيسيا من أولها إلى آخرها تحتاج أن تركب الطائرة لمدة خمس ساعات، إنها جزر مترامية الأطراف، غنية بالنفط والمعادن والمياه والزراعة والقوة البشرية وبكل شيء، والعجيب أن شعبها من أفقر شعوب العالم! سأذكر لك السبب حين نصل إلى تلك الديار. فوفقني الله إلى رجل اندونيسي فيه من الخير الشيء الكثير، فبدأنا نتكلم أنا وإياه على مدى الرحلة عن أحوال المسلمين هنا وهناك، وأعجبني -رغم أنه لا يتكلم العربية بطلاقة- استشهاده بآيات القرآن، فقد كان يستشهد بآيات القرآن ويضعها في مكانها الصحيح، فحانت صلاة الفجر، فقلت له: نصلي ثم لابد -إبراءً للذمة- أن نخبر أهل الطائرة أنه قد حان وقت صلاة الفجر، فبدأ هو يطوف على من أمامنا وأنا أطوف على من خلفنا: أنه قد حانت صلاة الفجر، وركاب الطائرة تجاوزوا الثلاثمائة، فوالله! ما صلى إلا خمسة، سبحان الله! نحن بين السماء والأرض، وأنت بحاجة إلى أن تستشعر أنك في حاجة إلى الله في مثل هذا الظرف، وأسألكم بالله لو حدث خلل فني بسيط في الطائرة من الذي سيجيرنا من عذاب الله؟ ومن الذي سيدفع عنا عذابه؟ ومن الذي سندعوه في تلك اللحظات؟ ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا لما وصلنا إلى الشاطئ عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعةٍ وما سقطنا لأن الحافظ الله

стр. 734

الوصول إلى إندونيسيا بعد تسع ساعات متواصلة من الطيران بين السماء والأرض وصلنا يوم الجمعة في وقت صلاة العصر، واستقبلني أحد الإخوان الأفاضل هناك مع ابن له في العشرين سنة، فأعجبني منظره ومنظر ذلك الابن الذي يجيد اللغة العربية على أحسن ما يكون، فانطلقت معهم وفي الطريق قلت لهم: نريد مسجداً لكي نصلي فيه فقد حان وقت صلاة العصر، وأريد أن أجمع الظهر والعصر، فقال لي: لا أدري أين سنجد مسجداً قريباً، فقلت: أليست هذه بلدة مسلمة؟ قال: بلى، ولكن ليس من السهل أن تجد مسجداً قريباً، فقلت: الحمد لله! في بلادنا أينما تلتفت تجد المآذن ولا تبعد المساجد عن بعضها بعض، ففي كل مائة متر أو أكثر هناك مسجد، وأما هناك ففي كل خمسة أو عشرة كيلو مترات تجد مسجداً، فبحثنا عن مسجد فما وجدنا، فقالوا: لن يكون هناك وقت للصلاة إلا في الفندق الذي سنسكن فيه، فاتجهنا إلى مصلى الفندق أول ما وصلنا، فصليت الظهر وصليت معهم العصر، ثم خرجت معهم للغداء، فكلما ألتفت يمنة ويسرة لا أرى إلا كاشفات عاريات، والله! لا أرى إلا مصائب في كل مكان. إندونيسيا المسلمة لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، إندونيسيا المسلمة لا تعرف من مظاهر الإسلام إلا الاسم فقط، والأعجب أن عطلتهم يوم السبت والأحد! قلت: ماذا تصنعون يوم الجمعة؟ قال: الناس في أعمالهم، قلت: وكيف يصلون الجمعة؟ قال: يصلي من يصلي ويبقى من يبقى، فقلت: ويوم السبت والأحد هل تذهبون إلى الكنائس؟ قال: لا، لكن هذه هي عطلة البلد الرسمية. الله أكبر! بلد مسلم لكن الصليب فرض عليهم أن تكون عطلتهم مع أحفاد القردة وأبناء الصليب، ثم قلت: فوّت هذا الأمر، لكن نساؤكم في كل مكان محجبات بأضيق الثياب، فما رأيت محجبة تلبس وسيعاً إلا النساء الكبيرات، وأما فتياتهم فلا يعرفن إلا البنطال، والله! ما رأيت امرأة تغطي وجهها إلا امرأة واحدة من أهل هذه البلاد مع زوجها في زيارة إلى هناك، وأما بناتهم ونسائهم فما رأيت من تغطي وجهها أبداً، والغالب عليهن حجاب على الرأس، وبنطال ضيق يفصِّل الجسد أشد التفصيل. وفي مطار من المطارات رأيت كاشفات عاريات، والتفت أهل المطار إلى امرأة محجبة حجبت رأسها ولكنها ضيقت ثيابها تضييقاً حتى جعلت كل من في المطار يلتف حولها، والله! لو كشفت شعرها ولبست ثوبها كان أحسن من أن تفعل ما فعلت، أما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩]. فتغدينا ثم رجعت إلى فندقي وبت تلك الليلة وأنا في أهبة الاستعداد وعلى أحر من الجمر إلى أن أذهب إلى الأماكن المنكوبة، فأنا ما جئت للمكوث في جاكرتا لرؤية المنكرات، ولقد رأيت في ليل جاكرتا عجباً! فقد أخذوني ليلاً نمشي من مكان إلى مكان فما رأيت إلا نساء على جوانب الطريق، قلت: ما هذا؟ قالوا: هذا ليل جاكرتا، نوادي ليلية وملاه ومراقص ودعارة في الشوارع وفي كل مكان، قلت: أليس هذا بلداً مسلماً؟! فنحن نستنكر رؤية من تكشف وجهها فكيف وأنت ترى نساء يعرضن أنفسهن على جوانب الطريق؟! قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، متى سأسافر إلى هناك؟ فأنا أريد أن أفر من هذه المنطقة، قال لي: ليس هناك مجال إلا يوم الإثنين أو الثلاثاء، فعطلتنا يوم السبت والأحد، ويوم السبت والأحد ليس هناك مكاتب ولا مؤسسات طيران تعمل فلا بد من الانتظار حتى يوم الإثنين صباحاً لكي نرتب أمور السفر إلى إقليم آخر، ونحن الآن في جاكرتا، ونحتاج للوصول إلى جزيرة سومطرة التي فيها الإقليم المنكوب أكثر من ساعتين ونصف بالطائرة، ولأن الفترة فترة إغاثة وفترة نكبة فقد كانت الوفود تأتي من كل مكان من العالم، فالحجوزات ملأت الفنادق والمطارات والشقق، والحجوزات صعبة جداً قلنا: سننتظر، وسنرى ماذا نستطيع أن نفعل في يوم الإثنين. واستغلالاً ليوم السبت جاءني في الساعة الواحدة صاحبي وقال: سآخذك إلى معهد أيتام فيه مدرسة لكفالة الأيتام وتربيتهم، وهي ابتدائية ومتوسطة وثانوية، ثم بعد أن يتخرجوا من الثانوية يدخلون في معهد لكفالة الدعاة لمدة سنتين ثم يتخرجون دعاة، يتقنون اللغة العربية ويتقنون بعض العلوم الشرعية ثم ينشرونهم في قراهم التي أخذوهم منها، وهناك في المعهد ارتاح قلبي، فعلى مدى ساعتين ونصف ونحن في طريقنا إلى هناك، وبسبب الزحام الشديد امتدت الرحلة إلى أربع ساعات، فطرقهم ضيقة، وزحامهم شديد، وفي طول الطريق لا ترى إلا معاقل للمنكرات، ماذا يحدث بك وأنت قد تعودت على عدم رؤية مثل هذه المناظر؟ إنه يضيق صدرك شيئاً فشيئاً. ثم وصلت إلى ذلك المعهد فانشرح صدري وأنا أرى الصغار في حلقات القرآن، وأرى الكبار في المسجد يتعلمون ويعلمون، فاطمأن قلبي نوعاً ما، وعلمت أنه لازال هناك خير، صحيح أن الغالب شر لكن هناك خير وأهل الخير يعملون على قدر استطاعتهم وعلى قدر إمكاناتهم، وكل الجهود التي رأيناها هناك هي مقدمة لهم من خارج إندونيسيا، إما من هذه البلاد، أو من إحدى دول الخليج التي تساعدهم وتعاونهم على نشر الدعوة الصحيحة، والغالب على إندونيسيا التصوف إلا ما رحم الله، فهم لا يعرفون من الدين إلا التصوف، ويظنون أن هذا هو الدين، فوقفت حائراً متسائلاً أقول: يا ألله! كيف استطاع أهل المنهج الخاطئ أن ينتشروا في إندونيسيا كلها؟ وأين أهل المنهج الصحيح؟ وكيف استطاع أهل التصوف أن ينتشروا في هذه الجزر كلها ولم يستطع أهل المنهج الحق أن ينتشروا في كل مكان، ويصححوا المنهج؟ أما كان المنهج صحيحاً؟ بلى، كان المنهج صحيحاً ثم اجتهد هؤلاء حتى غيروا منهج أهل البلد وقلبوه رأساً على عقب! فلما دخلت المعهد اطمأن قلبي، ثم رجعنا من المعهد في الثامنة ليلاً بعد أن سمعنا من قراءات الصغار وكلام الكبار، وشهدنا مواقف جميلة معهم، ووصلنا في العاشرة تقريباً فالطريق أيضاً مزدحم، وفي يوم الأحد لم يكن هناك إلا الانتظار حتى يأتي يوم الإثنين، فكنا نرتب فيه أمور السفر، قلت له: لا أريد أن أذهب إلى أي مكان سأخلو بنفسي في هذا اليوم استعدادً للسفر، وبعد صلاة الظهر من يوم الأحد خرجت أنا بنفسي أمشي على قدمي وأترقب، والجميع ينظر إلي وكأني شيء غريب عندهم: رجل صاحب لحية وثوب يمشي في تلك الطرقات، فالجميع ينظر إلي باستغراب، وبعضهم يشير إلى لحيتي، وبعضهم يأتيني ويقول لي: أنا مسلم، قلت: سأسأل المارة أين أقرب مسجد؟ لكنهم يظلون يفكرون: هاه هنا لا لا هناك، إلى أن وصلت إلى أقرب مسجد لكي أصلي فيه صلاة الظهر، فدخلت المسجد وقد أذن لصلاة الظهر، فوالله الذي لا إله إلا هو! مئات من البشر خارج المسجد، وما صلى معنا إلا صف واحد، فتعجبت كيف يسمعون النداء ولا يجيب منهم أحد، فعلمت أن المأساة أعظم مما تتصور، يسمعون المنادي ينادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح، والله! ما يجيب منهم أحد، إنهم يصلون لكنهم لا يعترفون بصلاة الجماعة، حتى أني حين ناقشت أحدهم في وجوب صلاة الجماعة قال لي: أنت حنبلي؟ أنتم تجبرون الناس على الصلاة في المساجد، قلت: ما أقيمت المساجد إلا لصلاة الجماعة، ولا يتخلف عن صلاة الجماعة إلا ضعاف الإيمان. وتجاوزت أحزاني في المسجد وخرجت أبحث عن مطعم قريب، ويوجد هناك مطاعم عربية كثيرة، فالسواح العرب كثير من كل مكان، لما منعنا من السفر إلى شرق آسيا حول شباب الضياع وجهتهم إلى إندونيسيا، فأصبحت إندونيسيا هي محطة الضياع للشباب العربي، وأصبحت هي مكان اللهو والخمر والزنا بالنسبة للسواح العرب والشباب المسلمين، فدخلت المطعم وهم يتكلمون العربية؛ لكثرة السواح الذين يأتونهم، ثم أكلت، ثم فوجئت بدخول خمسة من الشباب، والله! لولا أنهم يتكلمون العربية ما ظننت أنهم من أبناء المسلمين، إن أشكالهم ورءوسهم لا تدل على ذلك، لقد صبغوا رءوسهم هذا شعره أخضر، وهذا شعره أصفر، وهذا شعره أحمر، فقلت: يا ألله هكذا يصنعون إذا أتوا وابتعدوا عن أهليهم، فأردت أن أكلمهم، لكن بعد أن انتهيت بحثت عنهم فإذا هم دخلوا من الباب الأول وخرجوا من الباب الآخر، فتحملت أحزاني ورجعت إلى فندقي، وبت تلك الليلة على أحوال لا يعلمها إلا الله، فهذه مشاهد تجعل الإنسان يتفكر ويقول: هل حقيقة أني في أكبر بلد مسلم؟ وهل حقيقة أني بين شعب يؤمن أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ إندونيسيا بلد رضخ تحت الاستعمار الهولندي عشرات السنين فغير فيه المستعمر كل شيء، حتى أيام العيد غيروها، وأنا أعرف أننا قد نختلف في عيد الفطر لاختلاف المطلع واختلاف الرؤيا، لكن لا نختلف في عيد الأضحى، والغريب أن العيد هنا كان يوم الخميس وكان العيد هناك يوم الجمعة! قلت: كيف هذا؟! قال: عيدنا مع الحكومة، وليس مع المسلمين، قلت: بالأمس الأربعاء وقف المسلمون في عرفة فاليوم هو يوم النحر وكان يوم الخميس، فإذا كان عيدكم يوم الجمعة فماذا نسمي يوم الخميس؟! يوم الأربعاء يوم عرفة ويوم الخميس يوم النحر، ويوم الجمعة يوم القر بمنى، فماذا تسمون هذه الأيام؟ هذه أيام لها مسميات، قال: عيدنا مع الحكومة، والله! ما خرجوا في الشوارع بالاحتفالات إلا يوم الجمعة، وباقي العالم الإسلامي في عالم آخر. وجاء يوم الإثنين، فذهبت أنا ومن استقبلني إلى مكتب جمعية إحياء التراث، وبدأنا بترتيبات السفر، وكان معي مبلغ من المال جمعته من بعض الإخوة الأفاضل من هنا وهناك؛ لعلّي أقدم به بعض العون للمنكوبين وللمصابين، وأجبر بعض الخواطر، وإلا فالخواطر تحتاج إلى ملايين حتى تجبر، فقد خسروا بيوتهم وممتلكاتهم وكل شيء، وما خرجوا من الدمار إلا بثيابهم التي يلبسونها، فخسروا كل شيء ولم يبق لهم أمل إلا بالله ثم بإخوانهم المسلمين، فمعي مبلغ من المال صغير، ولما صرفناه أصبح كبيراً، فقلت: يا إخوان! كيف أحمل هذه المبالغ وفيها أصفار كثيرة لا تستطيع أن تعدها، لكثرة أصفارها، فالعملة الإندونيسية ما فيها خير، فأين ذهبت البركة في الأموال، والبركة في الأعمار، والبركة في الثروات؟! كلها ذهبت وانطمست بسبب الذنوب والمعاصي، ووالله الذي لا إله إلا هو! إندونيسيا ليست بالبلد الفقيرة، وقد أخبرني أهلها عن كثي

стр. 735

السفر إلى الإقليم المنكوب وصلنا إلى المطار، ولشدة الزحام ولكثرة الرحلات تأخرت رحلتنا، وبدلاً من أن تقلع الطائرة في الخامسة والنصف أقلعت في الثامنة والنصف، وصلنا إلى هناك بعد ساعتين ونصف إلى بلد يبعد عن البلد المنكوب بالسيارة ثنتي عشرة ساعة، وهذا ليس لأجل أن المسافة طويلة، لكن لأن الطرق ضيقة، وإلا فالمسافة ستمائة كيلو، لكن لضيق الطريق ولازدحامه الشديد تقطع المسافات في ساعات طوال، فلما وصلنا استقبلنا أحد الإخوان هناك، وبدأنا نبحث عن مكان نبيت فيه في تلك الديار، فالفنادق كلها مليئة ولا تجد فيها أي مكان، فتجولنا بين فندق وثان وثالث ورابع وخامس ثم وصلنا إلى مكان كان في الأصل مستشفى لكن لشدة الزحام حوّلوا غرف المستشفى إلى فندق حتى يستقبل هيئات الإغاثة وهيئات الإنقاذ، فبتنا عندهم تلك الليلة، ففوجئت أن الباب يطرق علينا طول الليل، فإذا بالداعرات والمومسات ينتشرن بين الفنادق كلها ويطرقن الأبواب على السواح، آذونا في ليلنا كله نسأل الله العفو والعافية، وأنا أردد في نفسي وأقول: هل أنا في بلد مسلم أم ماذا؟! أحقيقة أنا في بلد مسلم أم أين أنا؟ وفي الصباح الباكر صلينا الفجر ثم انطلقنا إلى المطار بعد أن بتنا في خطر عظيم لا يعلمه إلا الله، فوصلنا إلى تلك الديار في الثامنة صباحاً، فلما نزلنا استغربت من وجود صور بالآلاف على مقدمة المطار وعلى جدرانه وفي كل مكان، وهي صور لأطفال ولرجال ولنساء، قلت: ما هذا؟ قال: هؤلاء الذين فقدوا في هذا الدمار، فصورهم معلقة في كل مكان، فآباء يبحثون عن أبنائهم، وأبناء يبحثون عن أمهاتهم، فقد ضلوا فلا يعرف أين هذا وأين ذاك، فهناك إحصائية تذكر في جريدة في اليوم الذي وصلت فيه أن عدد الذين ماتوا أكثر من مائة وستين ألفاً على مدى ثمانية عشر يوماً، وأنا وصلت إلى تلك الديار بعد مرور ثمانية عشر يوماً من حدوث تلك الحادثة، فمات أكثر من مائة وستين ألفاً، وهناك أكثر من مليون مشرد لا ملجأ لهم ولا مأوى، وأكثر من خمسة عشر ألفاً مفقودون، لا يعرف هل هم تحت الركام أم في الملاجئ أم في المستشفيات؟

стр. 736

كوارث ومصائب لا يتصورها العقل فانطلقنا فاستقبلني أفراد مكتب هيئة إحياء التراث الذين بعد أن حدث ما حدث هناك استأجروا لهم مكتباً هناك، وبدءوا بالعمل على إغاثة المنكوبين والمحتاجين، قال صاحبي: لا مجال للذهاب إلى المقر سنبدأ الجولة من الآن، والمطار يبعد عن عاصمتهم المنكوبة خمسة وعشرين كيلو، وبعد أن تجاوزنا المطار بخمسة كيلو مترات بدأت أرى آثار الدمار، وعلى بعد عشرين كيلو عن أمواج البحر ليس الدمار كبيراً، لكن كلما اقتربنا نرى العجب العجاب، وأنا أتلفت يمنة ويسرة والله ما أرى إلا دماراً فأقول: أمن المعقول أن الدمار بلغ إلى هنا؟! قال: سترى العجب العجاب، اصبر فقط. وقد قمت بتصوير المشاهد التي رأيت حتى لا يقال: إن الكلام الذي تقوله ليس حقيقة، فقد سجلت وصورت كل ما رأيته، وكتبت الرحلة من أولها إلى آخرها بكل أحزانها وبكل آلامها، وقد تخللتها ابتسامات لكن الأحزان والدموع أكبر مما تتصور، فسجلت هذا وسجلت ذاك، ثم صورت الأحداث كما رأيتها وسأحرص إن شاء الله على أن أخرج ما كتبت في كتيب صغير، وأخرج ما صورت في شريط فيديو؛ حتى يرى الناس حقيقة ما حدث هناك. فاقتربنا من قرية تبعد عن شاطئ البحر ثمانية كيلو مترات قلت: سبحان الله! ما هذا؟! قال لي: سترى أعظم، قلت: أعظم من هذا؟ قال: والله! ما رأيت شيئاً إلى الآن لقد رأيت يا إخوان بيوتاً مدمرة، وأشجاراً تراكمت وتقطعت من أصولها، وسيارات تراكمت بعضها على بعض، وقد اختلط الحابل بالنابل، ورأيت سيارات مع الأشجار ومع أثاث البيوت ومع كل شيء، وتحتها جثث من البشر لا يعلم عددهم، إن التفت يمنة أرى عشرات الجثث قد مددت، وإن التفت يسرة أرى مثلها، حيثما التفت أرى آثار الموت، والروائح الكريهة تشم من كل مكان، قلت: يا ألله! ما الذي حدث؟ قالوا لي: الأمر أعظم، إلى الآن لم ترَ شيئاً، أنت الآن في منطقة تبعد عن شاطئ البحر بثمانية كيلو مترات، لقد حدث في هذه المنطقة أن المياه تدفقت الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحاً والناس نيام ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٧]، فاقتحمت عليهم المياه بيوتهم في الثامنة صباحاً وهم نيام، فلم يستطع أحد أن يخرج من مكانه، لقد كسرت المياه الأبواب، واقتحمت النوافذ، وبلغت المياه داخل البيوت إلى مترين وثلاثة أمتار، فغرق من غرق، ومن سلم من الغرق فقد كسرته تلك الأشجار، وتلك السيارات، وذلك الأثاث المدمر، لقد كسرت عظامهم، وكسرت جماجمهم، ثم تراكمت عليهم تلك الأشجار والسيارات والبيوت التي تهدمت، من أين أتت تلك السيارات؟ لقد أتت من شاطئ البحر! قذف البحر بكل ما كان على شاطئ البحر على بعد ثمانية أو عشرة كيلو مترات، قذفت تلك الأمواج مع قوتها وشدتها كل ما كان على شاطئ البحر على بعد ثمانية أو عشرة كيلو مترات. ثم وقفت حائراً وأنا أرى منظراً عجيباً، قلت: ما هذا؟! قال: هذه سفينة! أنا لا أتكلم عن سفينة خشبية أو مركب صيد، أنا أتكلم عن ناقلة كبيرة طولها ستون متراً ووزنها خمسمائة وستون طناً، قلت: ما الذي أتى بها إلى هنا؟ قال: قذفتها الأمواج حتى أوصلتها إلى هنا! السفينة تحمل مولدات من الكهرباء كانت على شواطئ البحر فقذفتها الأمواج كالريشة، قلت: هل هذا معقول؟! قال: معقول والأمر أدهى وأعظم! وقد قال لي من عرف أني سأذهب إلى هناك وقد ذهب قبلي: قال: سترى قيامة مصغرة، أليس يوم القيامة تبدل الأرض غير الأرض؟ لقد انقلبت الأرض رأساً على عقب، فلاهي بالبيوت التي يعرفونها، ولا بالأشجار التي كانوا يرونها، ولا بالبحار التي كانت هادئة، لقد تغير كل شيء! ووجدت أناساً عند بيوت محطمة فقلت لهم: ماذا تفعلون؟ قالوا: أهلنا في الداخل نريد إخراجهم، وقد مضى على موتهم أكثر من ثمانية عشر يوماً، إنهم يجتهدون ويأتون من أماكن بعيدة لاستخراج أقاربهم من بيوتهم المدمرة، فوقفت مع أناس، قال أحدهم: هنا أخي وزوجته وأطفاله الأربعة، وكثير منهم يجتهدون في إخراج أهلهم حتى يدفنونهم فرادى، لكن حين يخرجونهم ويرون مقدار التشوه ومقدار العفن الذي أصابهم يوافقون على دفنهم في المقابر الجماعية على أطراف القرى، فيحفرون لهم حفراً كبيرة، ومعدل من يدفن فيها كل يوم أكثر من سبعمائة، كيف يدفنونهم؟ إنهم يحملونهم ثم ترمي الدركترات بعضهم على بعض، فلا يستطيع أحد أن يتولى دفنهم؛ لشدة العفن والتلف الذي أصيبت به تلك الجثث. ووقفت مع أحدهم فقال: أنا عمدة هذه البلدة، كنت مستيقظاً قبيل أن يحدث ما حدث، يقول: فشعرت بهزات أرضية، وكان أجدادنا يقولون: إذا شعرتم بالزلزال وأنتم قريبون من البحر ففروا إلى الجبال، يقول: فخرجت أصيح في الشوارع وفي طرقات القرية: الهرب الهرب الهرب الهرب، ففر معي أكثر من ألفين، وآلاف قضوا نحبهم تحت الأمواج، وتحت الركام، فأنقذت أهلي وفررت ومعي ألفان ممن فروا معي. فصعدنا على ظهر السفينة والتفت يمنة ويسرة فقلت: أحقيقة ما أشاهد؟ هل معقول أن هذا كله حدث؟ قال لي: أنت لا زلت إلى الآن بعيد عن مركز الحدث، إنك إلى الآن لم تر شيئاً! قلت: لا إله إلا الله! لم أر شيئاً؟! كل هذا الدمار وتقول لي: لم تر شيئاً؟! قال: إي نعم، إلى الآن لم ترَ شيئاً، فالأمر أعظم مما تتصور! فانتهينا من جولتنا في هذه القرية بعد أن رأينا عشرات الجثث تنقل من هنا ومن هناك، ثم انطلقنا إلى مكان أقرب يقع على شاطئ البحر، ووقفت على شاطئ البحر فلم أرَ شيئاً يا إخوان! أرض استوت تماماً لا ترى فيها شيئاً، ﴿قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٦ - ١٠٧]، أين البيوت؟! لقد زالت عن بكرة أبيها، أين القرى؟! أين البشر؟! ذهبوا كلهم. هل تظن أن بيوتهم خشبية؟ لا والله! بل هي عمارات ومبان شاهقة من الحديد والإسمنت، وقد زالت عن بكرة أبيها، والله! لا ترى إلا قواعد البيوت على مد البصر! قلت: لا إله إلا الله! أي قوة لهذه الأمواج حتى اقتلعت هذه البيوت من أصلها واقتلعتها من مكانها؟! سبحان الله! حجار وطين وحديد وكل ما تستطيع أن تتصوره زال عن بكرة أبيه، أين ذهب؟ لقد ساقته الأمواج إلى القرى التي تبعد عشرات الكيلو مترات عن تلك القرى، ففي جانب البحر لا ترى إلا أرضاً قد غسلتها الأمواج تماماً. ترى القواعد الأرضية، وبلاط البيوت في كل مكان قد تساقط، أما أثاثهم وسيارتهم وممتلكاتهم فاقتلعتها الأمواج عن بكرة أبيها، ورمت بها على بعد عشرات الأمتار والكيلو مترات إلى القرى التي تليها. وقفت أمام البحر وقد كان هادئاً أهدأ ما يكون فقلت: هل يعقل أن الأمواج خرجت من هنا؟! قال لي: الأمر أعظم، سأريك أعظم مما رأيت! فانطلقنا إلى مكان آخر على شاطئ البحر من جهة مقابلة، وحتى تدرك عظم الشواطئ التي أصيبت بالدمار فإن طولها أكثر من مائتين وخمسين كيلو، ودخلت المياه إلى اليابسة إلى بعد عشرة كيلو مترات، بطول الساحل مائتا وخمسون كيلو دخلت المياه إلى اليابسة إلى بعد عشرة كيلو مترات! فما هي القوة التي مع هذه الأمواج؟ إنك لا تستطيع أن تتصورها. فذهبنا إلى قرية أخرى على شاطئ البحر فما رأيت إلا دماراً، وقفت في قرى تبعد عن شاطئ البحر بكيلو مترات فرأيت فيها من الدمار ما الله بها عليم، ثم أخذت أقترب شيئاً فشيئاً من شاطئ البحر، حتى وقفت على تلك الأمواج الزرقاء، فقلت والبحر في أهدأ حالاته: أيعقل أن تلك الأمواج خرجت من هنا؟ نعم لقد خرجت من هنا، لكن لماذا خرجت؟ وكيف خرجت؟ انتقلنا من ذلك الموقع إلى موقع آخر على شاطئ البحر، إن الشواطئ من أجمل ما ترى العين، وصاحب القلب الحي يقف هناك ويقول: ما أعظم الله! فإنه يرى جمال وبديع خلق الله ﵎، وبدلاً من أن يذهب الناس إلى هناك للتفكر، ذهبوا لمحاربة الجبار بالمعاصي والمنكرات في أرضه وتحت سمائه. فأخذوني إلى قرية أخرى، فوقفت على شاطئها فرأيت مثل الذي رأيت هناك، إلا أنه اختلف شيء واحد وهو أن الأرض قد استوت تماماً من أولها إلى آخرها، لقد زالت المباني التي من الحديد والإسمنت عن بكرة أبيها إلا بيتاً وجدته ملقاً على جانب القرية، قلت: هذا البيت قد نجا، قال: لا هذا ليس بالدور الأول هذا الدور الثاني للبيت الذي تدمر تماماً، هذا يبعد عن شاطئ البحر حوالي مائتين أو ثلاثمائة متر، سبحان الله! ومع قوة الأمواج وشدتها اقتلعت الدور الأول بكل ما فيه، ثم طفا الدور الثاني وقذفت به الأمواج بعيداً عن الدور الأول بحوالي ستين أو سبعين متراً! ما هي القوة التي مع هذه الأمواج حتى تحمل مثل هذا؟! حملت السفينة ووزنها خمسمائة وستون طناً وقذفت بها إلى مسافة ثمانية كيلو مترات، فكيف ستصنع بما كان على شاطئ البحر؟! التفت إلى جهة أخرى فإذا ببنيان فيه مآذن وقبة بيضاء فقلت: ما هذا؟ قال: هذا مسجد القرية نجا من الدمار! قلت: لا إله إلا الله! فانطلقت إلى هناك، واقتربت من المسجد وفي قلبي رهبة، التفت يمنة ويسرة فلم أر شيئاً قائماً أبداً، فالبيوت التي لها قواعد حديدية وإسمنتية قد تدمرت، وبعضهم ممن رأى المسجد ورأى ما حوله قال: كانت البيوت خشبية فما قاومت الأمواج والتيارات، لا والله! بنيان المنازل كان أقوى من بنيان المسجد، والمسجد عمره عشرات السنين، وبعض المباني كانت حديثة، فهذا البيت الذي ذكرت لكم انتهى من بنيانه منذ ثلاثة أشهر فقط، وهو لا يزال في أقوى قوته، وفي أقوى قواعده، ومع هذا فقد زال تماماً، دخلت المسجد، فإذا به لم يصب إلا بضرر قليل، ويحتاج إلى ترميمات قليلة ليعود كما كان، هل تظن أنه المسجد الوحيد الذي هو بهذه الحال؟ لقد رأيت عشرات المساجد مثله! ركبت سفينة في رحلة بحرية لمدة ست ساعات فرأينا قرى مدمرة عن بكرة أبيها لم ينجُ منها أحد، ورأيت المساجد في وسط تلك القرى، كل شيء تدمر إلا المساجد! سألت أكثر من نجا: كيف نجوتم؟ قالوا: لجأنا إلى المساجد، وهكذا فإن الناس في الشدة يلجئون إلى الله.

стр. 737

سبب الكوارث والمصائب ماذا كان يحدث على تلك الشواطئ حتى حل بها ما حل؟ وقفت حائراً أتفكر، يا ألله! ما الذي حدث هنا؟ قرى أُبيدت عن بكرة أبيها فما رأيت مثل هذا إلا في كلام الرحمن ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل:٥٢] وقوله: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨]، فما الذي حدث حتى أغضبوا الجبار ﷻ فغارت بحاره وأرضه وصنعت بالبشر ما صنعت؟! قلت لأحد الذين نجوا: ما الذي كان يحدث هناك؟ قال: كان يحدث على الشواطئ أمر يفوق الخيال، اختلط الحابل بالنابل، قلت: من السواح؟ قال: لا، بل من المسلمين أنفسهم، فقد أصبحوا يعاقرون الفاحشة على مرأىً ومسمع من كل منهم، فهذا يزني بتلك، وهذا يزني بتلك، والجميع ينظر بعضهم إلى بعض! ثم يأتي الكفار فيزنون ببنات المسلمين على الشواطئ والمسلمون يرون ذلك ولا يتحرك فيهم شيء! قلت لهذا: أين تسكن؟ قال: هذا بيتنا! فلم أر شيئاً، قلت له: من فقدت؟ قال: فقدت أمي وأبي، قلت: أين كنت في تلك الساعة؟ قال: كنت أتجول على المساجد أعلق فيها صفة صلاة النبي ﷺ وصفة وضوئه في تلك الساعة التي حل فيها الدمار، سبحان الله! ﴿وأنجينا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:١٦٥]، قال: كنت أنكر عليهم ما كان يحدث هناك، وكنت أحذرهم أن العقوبة ستحل علينا، ولكن لقد أسمعت لو ناديت حياً.

стр. 738

من أخبار الناجين من الكوارث قال لي أحد الناجين: أنا أعمل في مصنع إسمنت مرتفع على جبل، فأحسست بزلزال في ساعة مبكرة من الصباح، فانطلقت إلى مكان عملي قبيل الساعة السابعة والنصف أو الثامنة، فشعرت بالأرض تتحرك، فخفت على أهلي ورجعت إلى البيت، فعندي زوجتان وعشرة أطفال، فدخلت الدار فإذا هم نيام، فاطمأننت عليهم ثم رجعت إلى مكان عملي، فما هي إلا لحظات حتى جاءت الأمواج وأخذت كل شيء، قال: كانت تلك النظرة الأخيرة لأهلي، فكأني ذهبت أودع أهلي وأطفالي العشرة والزوجتين، ففي لحظات ذهبوا مع من ذهب! قلت: فماذا رأيت؟ قال: رأيت عجباً! فما الذي حدث يا إخوان؟ إن إندونيسيا أكبر الدول المتضررة تبعد عن مركز الزلزال أربعين كيلو متراً، وفي المقابل آلاف الكيلو مترات في تايلند، والصومال أصابها الموج أقوى ما يكون! إن كان الموج قوياً على تلك الجهات على بعد مسافتها فأسألكم بالله ماذا تتوقع أن يحل بتلك الشواطئ؟ يقول لي: فلما ودعتهم واطمأننت عليهم رجعت إلى مصنع الإسمنت، وبعد لحظات رأيت أمواجاً سوداء تأتي من وسط البحر، فلما ضرب الزلزال في البحر انحسرت المياه داخل الأرض واختلطت بالحمم واللهب والنار التي توجد في قاع البحر، فاختلطت بها المياه وارتفعت درجات الحرارة، يقول: وعندما انحسر الماء داخل الأرض انحسرت المياه عن الشواطئ، وظهرت الأسماك، فالذين كانوا على شواطئ البحر دخلوا إلى البحر يجمعون الأسماك. قال: وبعدها بلحظات رأيت أمواجاً سوداء ارتفاعها عشرون أو ثلاثون متراً تطوي الأرض طياً، سرعتها تجاوزت الستمائة أو السبعمائة كيلو متراً، وبدأ الصياح يأتي من كل مكان، ودرجات حرارة الأمواج مرتفعة جداً، وقد رأيت هذا في الجثث التي رأيناها، لقد احترقت تماماً، واحترقت الأشجار، والأراضي، والبيوت، واحترق كل شيء، فزيادة على الغرق يوجد حرق! يقول: رأيت أمواجاً سوداء تطوي الأرض طياً، ورأيت كل شيء يهلك أمامي ولا أستطيع أن أفعل شيئاً، فتذكرت أبنائي الذين تركتهم هناك، فذهبوا مع من ذهب.

стр. 739

التخويف من غضب الله وبطشه فماذا كان يصنع هؤلاء حتى يحل بهم ما حل؟ والله! إن القضية أعظم من الزنا، وأعظم من شرب الخمور، والله! ما أراهم إلا أنهم قد تحدوا الله، والله ما أراهم إلا أنهم قد بلغوا درجة عظيمة من الطغيان حتى حل عليهم مثل هذا العذاب المهين، فلا تسمع إلا أصوات الاستغاثات من كل مكان، فالأمهات يهرولن والصغار يولولون، والمياه تندفع من كل مكان، ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة:١١ - ١٢]، ووالله! ما رأيت إلا قيامة قد قامت هناك، فأكثر من مائة وستين ألفاً ماتوا في لحظات! ومليون مشردون في كل مكان! فما دمر الله القرى إلا لظلمها، فحين سألت ذكروا لي كل أصناف الذنوب والمعاصي، وكل أنواع الظلم والطغيان، فسحر وشعوذة، وقتل للأبرياء، وزناً وانتهاك للمحارم، وكل أنواع المعاصي والمنكرات، والأدهى والأمر أنه لم يكن هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل كانوا قد رضوا بما كان يحدث هناك، فوالله ما رأيت دماراً كما رأيت، وما رأيت سبباً لهلاكهم إلا أنهم رضوا بما يحدث هناك، فالزنا في كل مكان، وشرب الخمر في كل مكان، فلماذا يُصنع بهم ما صُنع؟ لا يعلم ماذا كان يصنع هناك إلا الله جل في علاه، والذي أعرفه وأنا متيقن به: أنهم أغضبوا الله فأحل بهم ذلك العذاب، ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، وقد تقول: إن بينهم من يصلي ويصوم، فأقول: نعم، لكن ما فائدة الصلاة والصيام ونحن نرى أوامر الله تنتهك؟ وما فائدة الصلاة والصيام ونحن نرى الله يعصى ولا يتحرك فينا متحرك؟ فلا ينجو المجتمع إلا إذا تعاون أهل السفينة على إنقاذها، أفنترك العصاة وأصحاب الشهوات وأصحاب المنكرات يفعلون ما يشاءون حتى يحل بنا ما حل بهم؟ وهل نسكت حتى يحل بنا العذاب إذا تعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتَرك العصاة؟ قال الله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]، فمن يحفظنا من بأس الله إن جاءنا؟ أتظن أن الصلاة والصيام ستنجينا؟ (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث). ألسنا نرى الفساد اليوم انتشر في كل مكان؟ ألسنا نرى المعاصي والمنكرات في كل مكان؟ فماذا يمنع أن يحل بنا ما حل بهم؟ هل نحن أكرم على الله منهم؟ لا والله! قال النبي ﷺ : (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم عذاباً فتدعونه فلا يستجيب لكم)، فإذا تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حل بنا أعظم مما حل بهم. إنها قرىً مسلمة من أولها إلى آخرها وجاء النصارى يحتفلون على شواطئهم بالشرك وبأن الله له ولد، فلم ينكروا ذلك، وجاء أهل الصليب على شواطئهم يزنون ببنات المسلمين وما تكلم منهم أحد، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل:٥٢]، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف:٥٩]، لما دمر الله قرى قوم لوط وجعل عاليها سافلها قال ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]، فهاهو الربا في كل مكان، وهاهي والمعاصي في كل مكان! ووالله مهما قلت فلن أستطيع أن أصف لكم ما حدث؛ فالأمر أعظم، ووالله! ما أرى القوم إلا أنهم قد أغضبوا الجبار ﷻ ، والجبار حليم، والجبار رحيم، لكنهم وصلوا إلى درجة عظيمة من الظلم والطغيان. وفي يوم الجمعة صليت معهم، وبعد الصلاة أذنوا لي بكلمة بعد الصلاة، فذكرتهم بالذنوب والمعاصي والفواحش والمنكرات، ثم قام أحدهم وقال للذي ترجم الكلمة: قل للعرب والمسلمين: أين أنتم؟ الآن تأتوننا يوم أن حل بنا العذاب؟ أين أنتم من قبل عنا؟ لماذا تركتمونا للنصارى؟ لماذا تركتمونا للصليب؟ يقول: فعلى مدى أيام ما رأينا مسلماً واحد يواسينا في مصابنا: نعم والله! ما رأيت في الملاجئ إلا الصليب، يوزع النصارى الحلوى على الصغار، والله! ما رأيت إلا علامات الصليب تتجول في كل مكان، تقدم الإعانات للمسلمين، فأين نحن عنهم؟! أما قال الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. قلنا: ذلك بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، فأين ذنبونا ومعاصينا نحن؟ ومن الذي يمنع عنا مثل هذا العذاب؟ إن سكتنا -والله- ليحلن بنا أشد مما حل بهم. فهل قرأتم الجرائد منذ أيام مضت؟ عندما منعت الاتصالات على برنامج (أكاديمي استار) للتصويت للعصاة والزناة يقول أحدهم في إحدى الجرائد: هذه حرية شخصية نصوت لمن نريد، ونفعل ما نريد، يعني اتركونا نعصي الله، فهل هذه حرية شخصية؟! وهل نترك أمثال هؤلاء؟! قال الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ * قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٧]. وقال الله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١]. وقال الله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. فعندنا من المنكرات أكثر مما عندهم، لكن لازال عندنا أولئك الذين ينكرون وأولئك الذين يقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، وبمثل هؤلاء ننجو ونأمن من عذاب الله ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧]، فتخيل لو أن صغاري وصغارك كانوا بينهم! وتخيل لو أن نساءنا وأطفالنا كانوا بينهم! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]، ذكر الله هذه الآيات بعد تدمير القرى الظالمة التي ظلمت وطغت وتجرأت على الله جل في علاه. فالله الله! كن سبباً من أسباب النجاة، وأْمر بالمعروف، وانه عن المنكر، وقل الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم، وإن تخلينا فلا نلومن إلا أنفسنا، فالأمر -والذي نفسي بيده- أعظم من أن أبينه لك في ساعة، والأمر أعظم من أن ينقل بالكلام، والله! إني لا أستطيع أن أصف لكم حقيقة ما رأيت، مررت على الملاجئ، ومررت على المستشفيات ورأيت المصائب والآلام، وهم ينتظرون من يخفف عنهم تلك المصائب والآلام. في يوم السبت الذي وصلت فيه كتب في كل جرائدهم: إحباط محاولة اختطاف ثلاثمائة يتيم من الجمعيات النصرانية! فهم يخطفون الصغار والأيتام الذين فقدوا أمهاتهم وآباءهم، يأخذونهم إلى بلادهم فينصرونهم ويمسحون هويتهم المسلمة، وقد أخذوا من أخذوا وسرقوا من سرقوا من الأطفال، ولا أحد يعلم بهم، وقد جاءوا بطائراتهم يدعون أنهم يقدمون المساعدات، ووالله! ما أتوا حباً في المسلمين، فالله قد أخبرنا عنهم أنهم لن يرضوا عنا أبداً، والله أعلم بهم. فالله الله! فالمسلمون هناك يحتاجون من يدعو لهم، ويحتاجون من يزورهم، ويحتاجون من يمد لهم يد العون، إن أعظم ما نقدم لهم أن نصنع ابتسامة، وأن نشعرهم أننا معهم قلباً وقالباً، يقول لي: أين أنتم؟! أين دعاتكم؟! أين أبناؤكم؟! سبحان الله! يقول: لا يأتي منكم إلا من يزنون بنسائنا وبناتنا!! فالله الله بالالتفاف حول المسلمين، فإن لم نلتف حولهم في مصابهم ونعينهم على آلامهم فمتى يكون ذلك؟! أسأل الله أن يخفف عنهم مصابهم، وأن يرحم موتاهم، وأن يجعل ذلك عبرة لنا وآية، وأن يحيي بها قلوبنا، وأن يغير بها حياتنا، وأن يجعلنا بها من المتعظين والمعتبرين. اللهم ارحم موتاهم، واشف مرضاهم، وأعنهم على ما حل بهم، اللهم اجعلنا عوناً لهم على ذلك. اللهم ارحم ضعفنا وضعفهم، وارحم تقصيرنا وتقصيرهم، وتجاوز عن سيئاتنا وسيئاتهم، واجعلنا ممن يقولون الحق ولا يخافون فيك لومة لائم. اللهم طهر مجتمعاتنا وبلاد المسلمين من الشرك والبدع والخرافات والضلالات والمعاصي والمنكرات، اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم لا تؤاخذنا بالتقصير، واعف عنا الكثير، وتقبل منا اليسير، إنك -يا مولانا! - نعم المولى ونعم النصير.

стр. 740

وما قدروا الله حق قدره إن حقيقة تقدير الله حق قدره وتعظيمه حق عظمته يتحقق بأمرين: الأمر الأول: أخذ العبر والدلائل على عظمة الله من آياته في هذا الكون الفسيح. والأمر الآخر: الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الأهوال العظام، فينبغي الحرص على هذين الأمرين حتى نقدر الله حق قدره، ونخشاه حق خشيته.
следующие страницы →