Полный текст (882 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
كوارث ومصائب لا يتصورها العقل
فانطلقنا فاستقبلني أفراد مكتب هيئة إحياء التراث الذين بعد أن حدث ما حدث هناك استأجروا لهم مكتباً هناك، وبدءوا بالعمل على إغاثة المنكوبين والمحتاجين، قال صاحبي: لا مجال للذهاب إلى المقر سنبدأ الجولة من الآن، والمطار يبعد عن عاصمتهم المنكوبة خمسة وعشرين كيلو، وبعد أن تجاوزنا المطار بخمسة كيلو مترات بدأت أرى آثار الدمار، وعلى بعد عشرين كيلو عن أمواج البحر ليس الدمار كبيراً، لكن كلما اقتربنا نرى العجب العجاب، وأنا أتلفت يمنة ويسرة والله ما أرى إلا دماراً فأقول: أمن المعقول أن الدمار بلغ إلى هنا؟! قال: سترى العجب العجاب، اصبر فقط.
وقد قمت بتصوير المشاهد التي رأيت حتى لا يقال: إن الكلام الذي تقوله ليس حقيقة، فقد سجلت وصورت كل ما رأيته، وكتبت الرحلة من أولها إلى آخرها بكل أحزانها وبكل آلامها، وقد تخللتها ابتسامات لكن الأحزان والدموع أكبر مما تتصور، فسجلت هذا وسجلت ذاك، ثم صورت الأحداث كما رأيتها وسأحرص إن شاء الله على أن أخرج ما كتبت في كتيب صغير، وأخرج ما صورت في شريط فيديو؛ حتى يرى الناس حقيقة ما حدث هناك.
فاقتربنا من قرية تبعد عن شاطئ البحر ثمانية كيلو مترات قلت: سبحان الله! ما هذا؟! قال لي: سترى أعظم، قلت: أعظم من هذا؟ قال: والله! ما رأيت شيئاً إلى الآن لقد رأيت يا إخوان بيوتاً مدمرة، وأشجاراً تراكمت وتقطعت من أصولها، وسيارات تراكمت بعضها على بعض، وقد اختلط الحابل بالنابل، ورأيت سيارات مع الأشجار ومع أثاث البيوت ومع كل شيء، وتحتها جثث من البشر لا يعلم عددهم، إن التفت يمنة أرى عشرات الجثث قد مددت، وإن التفت يسرة أرى مثلها، حيثما التفت أرى آثار الموت، والروائح الكريهة تشم من كل مكان، قلت: يا ألله! ما الذي حدث؟ قالوا لي: الأمر أعظم، إلى الآن لم ترَ شيئاً، أنت الآن في منطقة تبعد عن شاطئ البحر بثمانية كيلو مترات، لقد حدث في هذه المنطقة أن المياه تدفقت الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحاً والناس نيام ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٧]، فاقتحمت عليهم المياه بيوتهم في الثامنة صباحاً وهم نيام، فلم يستطع أحد أن يخرج من مكانه، لقد كسرت المياه الأبواب، واقتحمت النوافذ، وبلغت المياه داخل البيوت إلى مترين وثلاثة أمتار، فغرق من غرق، ومن سلم من الغرق فقد كسرته تلك الأشجار، وتلك السيارات، وذلك الأثاث المدمر، لقد كسرت عظامهم، وكسرت جماجمهم، ثم تراكمت عليهم تلك الأشجار والسيارات والبيوت التي تهدمت، من أين أتت تلك السيارات؟ لقد أتت من شاطئ البحر! قذف البحر بكل ما كان على شاطئ البحر على بعد ثمانية أو عشرة كيلو مترات، قذفت تلك الأمواج مع قوتها وشدتها كل ما كان على شاطئ البحر على بعد ثمانية أو عشرة كيلو مترات.
ثم وقفت حائراً وأنا أرى منظراً عجيباً، قلت: ما هذا؟! قال: هذه سفينة! أنا لا أتكلم عن سفينة خشبية أو مركب صيد، أنا أتكلم عن ناقلة كبيرة طولها ستون متراً ووزنها خمسمائة وستون طناً، قلت: ما الذي أتى بها إلى هنا؟ قال: قذفتها الأمواج حتى أوصلتها إلى هنا! السفينة تحمل مولدات من الكهرباء كانت على شواطئ البحر فقذفتها الأمواج كالريشة، قلت: هل هذا معقول؟! قال: معقول والأمر أدهى وأعظم! وقد قال لي من عرف أني سأذهب إلى هناك وقد ذهب قبلي: قال: سترى قيامة مصغرة، أليس يوم القيامة تبدل الأرض غير الأرض؟ لقد انقلبت الأرض رأساً على عقب، فلاهي بالبيوت التي يعرفونها، ولا بالأشجار التي كانوا يرونها، ولا بالبحار التي كانت هادئة، لقد تغير كل شيء! ووجدت أناساً عند بيوت محطمة فقلت لهم: ماذا تفعلون؟ قالوا: أهلنا في الداخل نريد إخراجهم، وقد مضى على موتهم أكثر من ثمانية عشر يوماً، إنهم يجتهدون ويأتون من أماكن بعيدة لاستخراج أقاربهم من بيوتهم المدمرة، فوقفت مع أناس، قال أحدهم: هنا أخي وزوجته وأطفاله الأربعة، وكثير منهم يجتهدون في إخراج أهلهم حتى يدفنونهم فرادى، لكن حين يخرجونهم ويرون مقدار التشوه ومقدار العفن الذي أصابهم يوافقون على دفنهم في المقابر الجماعية على أطراف القرى، فيحفرون لهم حفراً كبيرة، ومعدل من يدفن فيها كل يوم أكثر من سبعمائة، كيف يدفنونهم؟ إنهم يحملونهم ثم ترمي الدركترات بعضهم على بعض، فلا يستطيع أحد أن يتولى دفنهم؛ لشدة العفن والتلف الذي أصيبت به تلك الجثث.
ووقفت مع أحدهم فقال: أنا عمدة هذه البلدة، كنت مستيقظاً قبيل أن يحدث ما حدث، يقول: فشعرت بهزات أرضية، وكان أجدادنا يقولون: إذا شعرتم بالزلزال وأنتم قريبون من البحر ففروا إلى الجبال، يقول: فخرجت أصيح في الشوارع وفي طرقات القرية: الهرب الهرب الهرب الهرب، ففر معي أكثر من ألفين، وآلاف قضوا نحبهم تحت الأمواج، وتحت الركام، فأنقذت أهلي وفررت ومعي ألفان ممن فروا معي.
فصعدنا على ظهر السفينة والتفت يمنة ويسرة فقلت: أحقيقة ما أشاهد؟ هل معقول أن هذا كله حدث؟ قال لي: أنت لا زلت إلى الآن بعيد عن مركز الحدث، إنك إلى الآن لم تر شيئاً! قلت: لا إله إلا الله! لم أر شيئاً؟! كل هذا الدمار وتقول لي: لم تر شيئاً؟! قال: إي نعم، إلى الآن لم ترَ شيئاً، فالأمر أعظم مما تتصور! فانتهينا من جولتنا في هذه القرية بعد أن رأينا عشرات الجثث تنقل من هنا ومن هناك، ثم انطلقنا إلى مكان أقرب يقع على شاطئ البحر، ووقفت على شاطئ البحر فلم أرَ شيئاً يا إخوان! أرض استوت تماماً لا ترى فيها شيئاً، ﴿قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٦ - ١٠٧]، أين البيوت؟! لقد زالت عن بكرة أبيها، أين القرى؟! أين البشر؟! ذهبوا كلهم.
هل تظن أن بيوتهم خشبية؟ لا والله! بل هي عمارات ومبان شاهقة من الحديد والإسمنت، وقد زالت عن بكرة أبيها، والله! لا ترى إلا قواعد البيوت على مد البصر! قلت: لا إله إلا الله! أي قوة لهذه الأمواج حتى اقتلعت هذه البيوت من أصلها واقتلعتها من مكانها؟! سبحان الله! حجار وطين وحديد وكل ما تستطيع أن تتصوره زال عن بكرة أبيه، أين ذهب؟ لقد ساقته الأمواج إلى القرى التي تبعد عشرات الكيلو مترات عن تلك القرى، ففي جانب البحر لا ترى إلا أرضاً قد غسلتها الأمواج تماماً.
ترى القواعد الأرضية، وبلاط البيوت في كل مكان قد تساقط، أما أثاثهم وسيارتهم وممتلكاتهم فاقتلعتها الأمواج عن بكرة أبيها، ورمت بها على بعد عشرات الأمتار والكيلو مترات إلى القرى التي تليها.
وقفت أمام البحر وقد كان هادئاً أهدأ ما يكون فقلت: هل يعقل أن الأمواج خرجت من هنا؟! قال لي: الأمر أعظم، سأريك أعظم مما رأيت! فانطلقنا إلى مكان آخر على شاطئ البحر من جهة مقابلة، وحتى تدرك عظم الشواطئ التي أصيبت بالدمار فإن طولها أكثر من مائتين وخمسين كيلو، ودخلت المياه إلى اليابسة إلى بعد عشرة كيلو مترات، بطول الساحل مائتا وخمسون كيلو دخلت المياه إلى اليابسة إلى بعد عشرة كيلو مترات! فما هي القوة التي مع هذه الأمواج؟ إنك لا تستطيع أن تتصورها.
فذهبنا إلى قرية أخرى على شاطئ البحر فما رأيت إلا دماراً، وقفت في قرى تبعد عن شاطئ البحر بكيلو مترات فرأيت فيها من الدمار ما الله بها عليم، ثم أخذت أقترب شيئاً فشيئاً من شاطئ البحر، حتى وقفت على تلك الأمواج الزرقاء، فقلت والبحر في أهدأ حالاته: أيعقل أن تلك الأمواج خرجت من هنا؟ نعم لقد خرجت من هنا، لكن لماذا خرجت؟ وكيف خرجت؟ انتقلنا من ذلك الموقع إلى موقع آخر على شاطئ البحر، إن الشواطئ من أجمل ما ترى العين، وصاحب القلب الحي يقف هناك ويقول: ما أعظم الله! فإنه يرى جمال وبديع خلق الله ﵎، وبدلاً من أن يذهب الناس إلى هناك للتفكر، ذهبوا لمحاربة الجبار بالمعاصي والمنكرات في أرضه وتحت سمائه.
فأخذوني إلى قرية أخرى، فوقفت على شاطئها فرأيت مثل الذي رأيت هناك، إلا أنه اختلف شيء واحد وهو أن الأرض قد استوت تماماً من أولها إلى آخرها، لقد زالت المباني التي من الحديد والإسمنت عن بكرة أبيها إلا بيتاً وجدته ملقاً على جانب القرية، قلت: هذا البيت قد نجا، قال: لا هذا ليس بالدور الأول هذا الدور الثاني للبيت الذي تدمر تماماً، هذا يبعد عن شاطئ البحر حوالي مائتين أو ثلاثمائة متر، سبحان الله! ومع قوة الأمواج وشدتها اقتلعت الدور الأول بكل ما فيه، ثم طفا الدور الثاني وقذفت به الأمواج بعيداً عن الدور الأول بحوالي ستين أو سبعين متراً! ما هي القوة التي مع هذه الأمواج حتى تحمل مثل هذا؟! حملت السفينة ووزنها خمسمائة وستون طناً وقذفت بها إلى مسافة ثمانية كيلو مترات، فكيف ستصنع بما كان على شاطئ البحر؟! التفت إلى جهة أخرى فإذا ببنيان فيه مآذن وقبة بيضاء فقلت: ما هذا؟ قال: هذا مسجد القرية نجا من الدمار! قلت: لا إله إلا الله! فانطلقت إلى هناك، واقتربت من المسجد وفي قلبي رهبة، التفت يمنة ويسرة فلم أر شيئاً قائماً أبداً، فالبيوت التي لها قواعد حديدية وإسمنتية قد تدمرت، وبعضهم ممن رأى المسجد ورأى ما حوله قال: كانت البيوت خشبية فما قاومت الأمواج والتيارات، لا والله! بنيان المنازل كان أقوى من بنيان المسجد، والمسجد عمره عشرات السنين، وبعض المباني كانت حديثة، فهذا البيت الذي ذكرت لكم انتهى من بنيانه منذ ثلاثة أشهر فقط، وهو لا يزال في أقوى قوته، وفي أقوى قواعده، ومع هذا فقد زال تماماً، دخلت المسجد، فإذا به لم يصب إلا بضرر قليل، ويحتاج إلى ترميمات قليلة ليعود كما كان، هل تظن أنه المسجد الوحيد الذي هو بهذه الحال؟ لقد رأيت عشرات المساجد مثله! ركبت سفينة في رحلة بحرية لمدة ست ساعات فرأينا قرى مدمرة عن بكرة أبيها لم ينجُ منها أحد، ورأيت المساجد في وسط تلك القرى، كل شيء تدمر إلا المساجد! سألت أكثر من نجا: كيف نجوتم؟ قالوا: لجأنا إلى المساجد، وهكذا فإن الناس في الشدة يلجئون إلى الله.
стр. 737
سبب الكوارث والمصائب
ماذا كان يحدث على تلك الشواطئ حتى حل بها ما حل؟ وقفت حائراً أتفكر، يا ألله! ما الذي حدث هنا؟ قرى أُبيدت عن بكرة أبيها فما رأيت مثل هذا إلا في كلام الرحمن ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل:٥٢] وقوله: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨]، فما الذي حدث حتى أغضبوا الجبار ﷻ فغارت بحاره وأرضه وصنعت بالبشر ما صنعت؟! قلت لأحد الذين نجوا: ما الذي كان يحدث هناك؟ قال: كان يحدث على الشواطئ أمر يفوق الخيال، اختلط الحابل بالنابل، قلت: من السواح؟ قال: لا، بل من المسلمين أنفسهم، فقد أصبحوا يعاقرون الفاحشة على مرأىً ومسمع من كل منهم، فهذا يزني بتلك، وهذا يزني بتلك، والجميع ينظر بعضهم إلى بعض! ثم يأتي الكفار فيزنون ببنات المسلمين على الشواطئ والمسلمون يرون ذلك ولا يتحرك فيهم شيء! قلت لهذا: أين تسكن؟ قال: هذا بيتنا! فلم أر شيئاً، قلت له: من فقدت؟ قال: فقدت أمي وأبي، قلت: أين كنت في تلك الساعة؟ قال: كنت أتجول على المساجد أعلق فيها صفة صلاة النبي ﷺ وصفة وضوئه في تلك الساعة التي حل فيها الدمار، سبحان الله! ﴿وأنجينا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:١٦٥]، قال: كنت أنكر عليهم ما كان يحدث هناك، وكنت أحذرهم أن العقوبة ستحل علينا، ولكن لقد أسمعت لو ناديت حياً.
стр. 738
من أخبار الناجين من الكوارث
قال لي أحد الناجين: أنا أعمل في مصنع إسمنت مرتفع على جبل، فأحسست بزلزال في ساعة مبكرة من الصباح، فانطلقت إلى مكان عملي قبيل الساعة السابعة والنصف أو الثامنة، فشعرت بالأرض تتحرك، فخفت على أهلي ورجعت إلى البيت، فعندي زوجتان وعشرة أطفال، فدخلت الدار فإذا هم نيام، فاطمأننت عليهم ثم رجعت إلى مكان عملي، فما هي إلا لحظات حتى جاءت الأمواج وأخذت كل شيء، قال: كانت تلك النظرة الأخيرة لأهلي، فكأني ذهبت أودع أهلي وأطفالي العشرة والزوجتين، ففي لحظات ذهبوا مع من ذهب! قلت: فماذا رأيت؟ قال: رأيت عجباً! فما الذي حدث يا إخوان؟ إن إندونيسيا أكبر الدول المتضررة تبعد عن مركز الزلزال أربعين كيلو متراً، وفي المقابل آلاف الكيلو مترات في تايلند، والصومال أصابها الموج أقوى ما يكون! إن كان الموج قوياً على تلك الجهات على بعد مسافتها فأسألكم بالله ماذا تتوقع أن يحل بتلك الشواطئ؟ يقول لي: فلما ودعتهم واطمأننت عليهم رجعت إلى مصنع الإسمنت، وبعد لحظات رأيت أمواجاً سوداء تأتي من وسط البحر، فلما ضرب الزلزال في البحر انحسرت المياه داخل الأرض واختلطت بالحمم واللهب والنار التي توجد في قاع البحر، فاختلطت بها المياه وارتفعت درجات الحرارة، يقول: وعندما انحسر الماء داخل الأرض انحسرت المياه عن الشواطئ، وظهرت الأسماك، فالذين كانوا على شواطئ البحر دخلوا إلى البحر يجمعون الأسماك.
قال: وبعدها بلحظات رأيت أمواجاً سوداء ارتفاعها عشرون أو ثلاثون متراً تطوي الأرض طياً، سرعتها تجاوزت الستمائة أو السبعمائة كيلو متراً، وبدأ الصياح يأتي من كل مكان، ودرجات حرارة الأمواج مرتفعة جداً، وقد رأيت هذا في الجثث التي رأيناها، لقد احترقت تماماً، واحترقت الأشجار، والأراضي، والبيوت، واحترق كل شيء، فزيادة على الغرق يوجد حرق! يقول: رأيت أمواجاً سوداء تطوي الأرض طياً، ورأيت كل شيء يهلك أمامي ولا أستطيع أن أفعل شيئاً، فتذكرت أبنائي الذين تركتهم هناك، فذهبوا مع من ذهب.
стр. 739
التخويف من غضب الله وبطشه
فماذا كان يصنع هؤلاء حتى يحل بهم ما حل؟ والله! إن القضية أعظم من الزنا، وأعظم من شرب الخمور، والله! ما أراهم إلا أنهم قد تحدوا الله، والله ما أراهم إلا أنهم قد بلغوا درجة عظيمة من الطغيان حتى حل عليهم مثل هذا العذاب المهين، فلا تسمع إلا أصوات الاستغاثات من كل مكان، فالأمهات يهرولن والصغار يولولون، والمياه تندفع من كل مكان، ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة:١١ - ١٢]، ووالله! ما رأيت إلا قيامة قد قامت هناك، فأكثر من مائة وستين ألفاً ماتوا في لحظات! ومليون مشردون في كل مكان! فما دمر الله القرى إلا لظلمها، فحين سألت ذكروا لي كل أصناف الذنوب والمعاصي، وكل أنواع الظلم والطغيان، فسحر وشعوذة، وقتل للأبرياء، وزناً وانتهاك للمحارم، وكل أنواع المعاصي والمنكرات، والأدهى والأمر أنه لم يكن هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل كانوا قد رضوا بما كان يحدث هناك، فوالله ما رأيت دماراً كما رأيت، وما رأيت سبباً لهلاكهم إلا أنهم رضوا بما يحدث هناك، فالزنا في كل مكان، وشرب الخمر في كل مكان، فلماذا يُصنع بهم ما صُنع؟ لا يعلم ماذا كان يصنع هناك إلا الله جل في علاه، والذي أعرفه وأنا متيقن به: أنهم أغضبوا الله فأحل بهم ذلك العذاب، ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، وقد تقول: إن بينهم من يصلي ويصوم، فأقول: نعم، لكن ما فائدة الصلاة والصيام ونحن نرى أوامر الله تنتهك؟ وما فائدة الصلاة والصيام ونحن نرى الله يعصى ولا يتحرك فينا متحرك؟ فلا ينجو المجتمع إلا إذا تعاون أهل السفينة على إنقاذها، أفنترك العصاة وأصحاب الشهوات وأصحاب المنكرات يفعلون ما يشاءون حتى يحل بنا ما حل بهم؟ وهل نسكت حتى يحل بنا العذاب إذا تعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتَرك العصاة؟ قال الله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]، فمن يحفظنا من بأس الله إن جاءنا؟ أتظن أن الصلاة والصيام ستنجينا؟ (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث).
ألسنا نرى الفساد اليوم انتشر في كل مكان؟ ألسنا نرى المعاصي والمنكرات في كل مكان؟ فماذا يمنع أن يحل بنا ما حل بهم؟ هل نحن أكرم على الله منهم؟ لا والله! قال النبي ﷺ : (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم عذاباً فتدعونه فلا يستجيب لكم)، فإذا تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حل بنا أعظم مما حل بهم.
إنها قرىً مسلمة من أولها إلى آخرها وجاء النصارى يحتفلون على شواطئهم بالشرك وبأن الله له ولد، فلم ينكروا ذلك، وجاء أهل الصليب على شواطئهم يزنون ببنات المسلمين وما تكلم منهم أحد، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل:٥٢]، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف:٥٩]، لما دمر الله قرى قوم لوط وجعل عاليها سافلها قال ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]، فهاهو الربا في كل مكان، وهاهي والمعاصي في كل مكان! ووالله مهما قلت فلن أستطيع أن أصف لكم ما حدث؛ فالأمر أعظم، ووالله! ما أرى القوم إلا أنهم قد أغضبوا الجبار ﷻ ، والجبار حليم، والجبار رحيم، لكنهم وصلوا إلى درجة عظيمة من الظلم والطغيان.
وفي يوم الجمعة صليت معهم، وبعد الصلاة أذنوا لي بكلمة بعد الصلاة، فذكرتهم بالذنوب والمعاصي والفواحش والمنكرات، ثم قام أحدهم وقال للذي ترجم الكلمة: قل للعرب والمسلمين: أين أنتم؟ الآن تأتوننا يوم أن حل بنا العذاب؟ أين أنتم من قبل عنا؟ لماذا تركتمونا للنصارى؟ لماذا تركتمونا للصليب؟ يقول: فعلى مدى أيام ما رأينا مسلماً واحد يواسينا في مصابنا: نعم والله! ما رأيت في الملاجئ إلا الصليب، يوزع النصارى الحلوى على الصغار، والله! ما رأيت إلا علامات الصليب تتجول في كل مكان، تقدم الإعانات للمسلمين، فأين نحن عنهم؟! أما قال الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].
قلنا: ذلك بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، فأين ذنبونا ومعاصينا نحن؟ ومن الذي يمنع عنا مثل هذا العذاب؟ إن سكتنا -والله- ليحلن بنا أشد مما حل بهم.
فهل قرأتم الجرائد منذ أيام مضت؟ عندما منعت الاتصالات على برنامج (أكاديمي استار) للتصويت للعصاة والزناة يقول أحدهم في إحدى الجرائد: هذه حرية شخصية نصوت لمن نريد، ونفعل ما نريد، يعني اتركونا نعصي الله، فهل هذه حرية شخصية؟! وهل نترك أمثال هؤلاء؟! قال الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ * قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٧].
وقال الله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١].
وقال الله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
فعندنا من المنكرات أكثر مما عندهم، لكن لازال عندنا أولئك الذين ينكرون وأولئك الذين يقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، وبمثل هؤلاء ننجو ونأمن من عذاب الله ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧]، فتخيل لو أن صغاري وصغارك كانوا بينهم! وتخيل لو أن نساءنا وأطفالنا كانوا بينهم! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]، ذكر الله هذه الآيات بعد تدمير القرى الظالمة التي ظلمت وطغت وتجرأت على الله جل في علاه.
فالله الله! كن سبباً من أسباب النجاة، وأْمر بالمعروف، وانه عن المنكر، وقل الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم، وإن تخلينا فلا نلومن إلا أنفسنا، فالأمر -والذي نفسي بيده- أعظم من أن أبينه لك في ساعة، والأمر أعظم من أن ينقل بالكلام، والله! إني لا أستطيع أن أصف لكم حقيقة ما رأيت، مررت على الملاجئ، ومررت على المستشفيات ورأيت المصائب والآلام، وهم ينتظرون من يخفف عنهم تلك المصائب والآلام.
في يوم السبت الذي وصلت فيه كتب في كل جرائدهم: إحباط محاولة اختطاف ثلاثمائة يتيم من الجمعيات النصرانية! فهم يخطفون الصغار والأيتام الذين فقدوا أمهاتهم وآباءهم، يأخذونهم إلى بلادهم فينصرونهم ويمسحون هويتهم المسلمة، وقد أخذوا من أخذوا وسرقوا من سرقوا من الأطفال، ولا أحد يعلم بهم، وقد جاءوا بطائراتهم يدعون أنهم يقدمون المساعدات، ووالله! ما أتوا حباً في المسلمين، فالله قد أخبرنا عنهم أنهم لن يرضوا عنا أبداً، والله أعلم بهم.
فالله الله! فالمسلمون هناك يحتاجون من يدعو لهم، ويحتاجون من يزورهم، ويحتاجون من يمد لهم يد العون، إن أعظم ما نقدم لهم أن نصنع ابتسامة، وأن نشعرهم أننا معهم قلباً وقالباً، يقول لي: أين أنتم؟! أين دعاتكم؟! أين أبناؤكم؟! سبحان الله! يقول: لا يأتي منكم إلا من يزنون بنسائنا وبناتنا!! فالله الله بالالتفاف حول المسلمين، فإن لم نلتف حولهم في مصابهم ونعينهم على آلامهم فمتى يكون ذلك؟! أسأل الله أن يخفف عنهم مصابهم، وأن يرحم موتاهم، وأن يجعل ذلك عبرة لنا وآية، وأن يحيي بها قلوبنا، وأن يغير بها حياتنا، وأن يجعلنا بها من المتعظين والمعتبرين.
اللهم ارحم موتاهم، واشف مرضاهم، وأعنهم على ما حل بهم، اللهم اجعلنا عوناً لهم على ذلك.
اللهم ارحم ضعفنا وضعفهم، وارحم تقصيرنا وتقصيرهم، وتجاوز عن سيئاتنا وسيئاتهم، واجعلنا ممن يقولون الحق ولا يخافون فيك لومة لائم.
اللهم طهر مجتمعاتنا وبلاد المسلمين من الشرك والبدع والخرافات والضلالات والمعاصي والمنكرات، اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم لا تؤاخذنا بالتقصير، واعف عنا الكثير، وتقبل منا اليسير، إنك -يا مولانا! - نعم المولى ونعم النصير.
стр. 740
وما قدروا الله حق قدره
إن حقيقة تقدير الله حق قدره وتعظيمه حق عظمته يتحقق بأمرين: الأمر الأول: أخذ العبر والدلائل على عظمة الله من آياته في هذا الكون الفسيح.
والأمر الآخر: الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الأهوال العظام، فينبغي الحرص على هذين الأمرين حتى نقدر الله حق قدره، ونخشاه حق خشيته.
стр. 741
حاجة القلوب إلى المواعظ القرآنية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وبياكم وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
وأسأله سبحانه أن يجمع شمل أمة محمد، وأن يعلي شأنها، ويوحد صفها، ويصلح ولاة أمورها، وأن ينصرها على القوم الكافرين.
فأهلاً بكم أحبتي في ليلة قرآنية عنوانها: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧].
فمواعظ القرآن توقظ القلوب النائمة، وتذكر الأنفس اللاهية، وما أحوجنا في ظل انشغالاتنا في طلب دنيانا أن نقف مع أنفسنا، ونعرض أنفسنا على مواعظ القرآن التي لا تخلو منها صفحة من صفحات كتاب الله جل في علاه.
إن الأنفس في أمسّ الحاجة إلى قطر السماء القرآني كما أن الأرض في أمس الحاجة إلى قطر السماء المائي، فالأرض إذا انقطع عنها ماء السماء يبست وقحطت، ثم إذا تنزل عليها الماء تبدل حالها وانقلب رأساً على عقب، قال الله جل في علاه: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً) [الحج:٥] يعني: ميتة، ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]، وهذا دليل ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦]، وهذا دليل ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧].
أرأيت كيف يتبدل حال الأرض عند نزول القطر؟ كذلك يتبدل حال القلوب إذا تنزلت عليها المواعظ القرآنية، فإن كانت الأرض في أمسّ الحاجة إلى قطر السماء فالقلوب في أمس الحاجة إلى تذكيرها بعلام الغيوب جل في علاه، فلا حياة للأرض إلا بالماء، ولا حياة للقلوب إلا بذكر الله جل في علاه.
فالقلب الذاكر قلب حي ينبض حياة في كل حين، والقلب اللاهي قلب قاس بعيد عن ذكر الله، وقد قست القلوب اليوم حين ابتعدت عن المواعظ القرآنية والمواعظ النبوية، والمطلوب عرض هذه القلوب على مواعظ القرآن وعلى المواعظ النبوية.
стр. 742
بيان عظمة الله في سورة الزمر
هناك آية عظيمة ساقها الله في سورة الزمر، وما أدراك ما سورة الزمر؟! بدأها الله ببيان عزته وحكمته: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]، فالله عزيز في ملكه، وعزيز في قهره، وعزيز في صفاته وأسمائه جل في علاه، وحكيم في أفعاله وفي تصرفاته، ومرد ذلك إلى علمه الذي وسع كل شيء، فهو عزيز جل في علاه، ومن عزته وحكمته أنه أنزل علينا هذا الكتاب، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١ - ٢].
فانطلقت هذه السورة بأول سطورها تبين عزة الله وحكمته، ثم بينت ما هو المطلوب من العباد وهو تحقيق العبودية لله، وعدم الإشراك بالله جل في علاه، فقال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر:٢ - ٣].
стр. 743
عدم تعظيم الناس لربهم حق التعظيم
ما قدر العباد الله حق قدره يوم أن عبدوا سواه، وما قدروا الله حق قدره يوم أن أشركوا في عبادته، وما قدروا الله حق قدره يوم أن قالوا: اتخذ الله صاحبة وولداً، وما قدروا الله حق قدره يوم خالفوا أوامره وارتكبوا نواهيه، وما قدروا الله حق قدره يوم أن قالوا: إن قدرة الله ليست بمطلقة، والله قد بين لهم أنه على كل شيء قدير، ثم جاءت آية عظيمة بين الله فيها عظمته وقدرته، فقال عن الذين أشركوا وخالفوا أوامره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
قوله: ((مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)) أي: ما عظموا الله حق تعظيمه وفي الأرض آياته وبيناته التي تدل على وحدانيته وعلى قدرته، فهلا سرتَ في الأرض لترى الدلائل والعلامات على قدرة الله جل في علاه، فكل ما في الأرض يدل على أنه واحد، فكيف يعصيه العاصي أو يجحده الجاحد.
((مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)) أي: ما عظموه حق تعظيمه، وقد جاءت الرسل لتبين لأقوامها هذه الحقيقة، حتى نبينا ﷺ بيّن للناس هذه الحقيقة وهي: أن الله عظيم في قدرته، وعظيم في قوته، وعظيم في كل اسم من أسمائه وفي كل صفة من صفاته.
قال نوح ﵇ لقومه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] أي: مالكم لا تعظمون الله حق تعظيمه فتخافون من عذابه وأليم نقمته؟! ثم بين لهم عظمة الله في أنفسهم، وفي آياته التي تحيط بهم يمنة ويسرة فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٤] يعني: أوجدكم من عدم ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١].
فمن أنت يا ابن آدم! حتى أوجدك الله وأخرجك إلى هذا الوجود؟! ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ يعني: طوراً بعد طور: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم أخرجكم طفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم، وهكذا خلق الإنسان، فما عظَّم الله حق تعظيمه وما قدر الله حق قدره من لم يتأمل في هذه الآيات.
ثم أمرهم نبيهم صلوات ربي وسلامه عليه أن ينظروا في ملكوت السماوات والأرض، وأن ينظروا في آيات الله يمنة ويسرة حتى يروا عظمة الله جل في علاه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح:١٥ - ٢٠].
قال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً ولن يكون هذا إلا إذا قدرت الله حق قدره، فما قدروا الله حق قدره يوم تخلفوا عن أوامره وتساهلوا في نواهيه، وما قدروا الله حق قدره من ناموا عن الصلوات المكتوبة، وما قدروا الله حق قدره من تطاولوا على الربويات، وما قدروا الله حق قدره من ملئوا ليلهم ونهارهم بالعكوف أمام الشاشات والقنوات، وما قدروا الله حق قدره يوم لم يستشعروا عظمته وأنه في كل مكان يراهم ويعلم سرهم ونجواهم.
فما عصى عاصي وما خالف مخالف إلا لأنه لم يقدر الله حق قدره، وما تخلف متخلف عن أوامر الله إلا لأنه ما قدر الله حق قدره.
стр. 744
قرب يوم القيامة
إن الله سبحانه يري العباد الآيات في أنفسهم، وسيريهم الآيات في السماوات وفي الأرض، وأي خطب أعظم وأجل من ذلك اليوم الذي تكون فيه الأرض في قبضة الجبار قال سبحانه: ((وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ))، وهنالك سيعرف أولئك الذين ما قدروا الله حق قدره أنهم كانوا خاطئين، فإن الله سيريهم في ذلك اليوم من الآيات العظام ما الله به عليم.
وكل خطب عظيم تسبقه أمور عظام، لذلك من حكمته جل في علاه ومن رحمته بنا أن جعل لذلك اليوم علامات تدل على وقوع ذلك اليوم العظيم، وهي أمارات صغار وأمارات عظام.
فأما العلامات الصغار فقد ظهرت إلا قليلاً منها، قال الله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٨ - ١٩].
والحقيقة التي يجب ألا تغفل عنها أننا في هذه الدنيا ضيوف وعما قليل سينادي المنادي بالرحيل، فأما الذين قدروا الله حق قدره فهم على أتم الاستعداد ليوم الرحيل، وأما المفرطون الذين لم يقدروا الله حق قدره فليلهم ونهارهم سواء، قال الله عنهم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣].
يا عجباً للناس لو أبصروا حاسبوا أنفسهم إذا قصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها فإنما الدنيا لهم معبرُ لا فخر إلا فخر أهل التقى غداً إذا ضمّهم المحشرُ ليعلمنّ الناس أن التقى والبر كانا خير ما يُذْخرُ فمن قدر الله حق قدره فليستعد لذلك اليوم.
стр. 745
تفاوت الناس في الإيمان بيوم القيامة
يتفاوت الناس في الإيمان الذي وقر في قلوبهم ما بين مؤمن قوي وضعيف، ويختلف الناس لاختلاف ذلك الإيمان الذي وقر في قلوبهم، ويظهر ما وقر في القلب هذا في التصرف والسلوك والأخلاق والمعاملات.
وقد بين الله لنا في كتابه أنه سيجمع الأولين والآخرين في يوم لا يغادر الله فيه صغيرة ولا كبيرة.
والإيمان باليوم الآخر قدمه الله على كثير من أركان الإيمان، فقال الله جل في علاه: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٢٣٢]، فقدم الله الإيمان بالله وباليوم الآخر على سائر أركان الإيمان؛ والسبب: أن الإيمان بذلك اليوم هو الذي يحرك الإنسان في حياته، فمن علم أنه عبد لله، وعلم أنه سيقف بين يدي ربه جل في علاه، وعلم أنه سيسأل عن كل صغيرة وكبيرة فكيف يكون حاله في دنياه؟ وكيف يكون حال من قدر الله حق قدره، واستشعر عظمة الله، واعلم أن الله مطلع عليه ويعلم سره ونجواه؟! كيف يؤثر ذلك في سلوكه وفي تصرفاته؟ وانظر في واقع الناس اليوم فإنهم يدعون أنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر لكن لا ترى لإيمانهم أثراً واقعاً ملموساً في حياتهم، بل تراهم يتهاونون في الطاعات ويتساهلون في المحرمات! فلماذا هذا؟ لأنهم ما قدروا الله حق قدره.
وقبل هذا اليوم العظيم أمور عظام، فكيف أنت إذا أشرقت الشمس من مغربها؟ وكيف أنت إذا سار المسيح الدجال في الأرض؟ وكيف أنت إذا خرجت الدابة تكلم الناس وتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون؟ وكيف أنت إذا فتحت يأجوج ومأجوج وظهرت هذه الآيات العظام؟! ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨].
فالمؤمن الذي قدر الله حق قدره إذا رأى هذه الآيات الصغار التي تدل على قرب الآيات العظام استعد أشد الاستعداد لملاقاة الله جل في علاه، فأنت قد تصبح ولا تدرك المساء، وأنت قد تمسي ولا تدرك الصباح، فلا بد من الاستعداد، ومن مات فقد قامت قيامته، واسمع إلى قول أولئك الذين ما قدروا الله حق قدره إذا رأوا آيات الله العظام يوم يقفون بين يدي الجبار جل في علاه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧].
فقال الله راداً عليهم: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨].
فكيف كان حالهم في دنياهم؟ قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٢٩ - ٣٣].
стр. 746
أهوال يوم القيامة
يجمع الله الخلق أولهم وآخرهم في يوم لا يغادر الله فيه صغيرة ولا كبيرة، فكيف سيكون حالي وحالك في ذلك اليوم العظيم؟! سيبدأ ذلك اليوم بنفخة في الصور كما قال الله جل في علاه في سياق تلك الآيات: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٧ - ٦٨].
وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٣ - ١٨].
فكيف سيكون حال أولئك الذين لم يقدروا الله حق قدره؟! إن الأهوال ستبدأ ببعث، ثم حشر، ثم شفاعة، ثم نزاع، ثم حساب، ثم تتطاير صحف.
فأسألك بالله العظيم: كم قرأت مثل هذه الأخبار في كتاب الله؟! أما يتكرر ذلك في كل صفحات القرآن؟! أما أعاد الله أمثال هذه الصور مرات ومرات في كتابه؟ إن المؤمن حقيقة يستعد لذلك اليوم، ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٥].
وقد أنكر الكفار قضية البعث والحشر والحساب، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧].
إن من حكمة الله البالغة أن يجمع الناس الأولين والآخرين، ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١]؛ حتى يثاب المحسن على إحسانه وحتى يعاقب المسيء على إساءته، فهذه من حكمة الله في جمع الناس في ذلك اليوم العظيم الذي لا يغادر الله فيه صغيرة ولا كبيرة، ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤].
أما تكرر هذا الحديث في القرآن وأن الله سيجمع الأولين والآخرين، فقال سبحانه: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٣]، ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٥٠].
فكيف سيكون حال الناس في ذلك اليوم؟! وكيف سيكون حال أولئك الذين ما قدروا الله حق قدره في ذلك اليوم؟! ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢].
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام:٣٠].
إن أمنية كل واحد منهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧]، فيجمع الله الأولين والآخرين في مكان واحد تبدل فيه الأرض غير الأرض والسماوات، فلا هي بالأرض التي نعرفها، ولا هي بالسماء التي كنا نستظل بها، وحال الناس لا يعلم به إلا الله، ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:٤٣].
إنّ اليوم العظيم تسبقه أهوال عظام، وقد تكررت تلك المشاهد في القرآن مرات ومرات لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وقد سمى الله ذلك اليوم القارعة؛ لأنه يقرع الآذان ويقرع القلوب، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٣ - ٥].
فكيف سيكون حالي وحالك إذا صارت الجبال كالعهن المنفوش، وصار الناس كالفراش المبثوث؟! وكيف سيكون حالنا ﴿إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١ - ٢٢]؟! فإذا نفخ في الصور خرج من في القبور يزيلون التراب من على رءوسهم ويقولون: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٢ - ٥٣].
وسمى الله ذلك اليوم يوم التلاق، فيلتقي فيه آدم مع ذريته، ويلتقي فيه أهل الأرض مع أهل السماء، ويلتقي فيه الظالم مع المظلوم.
وسماه الله يوم الجمع، حيث يجمع الله فيه الأولين والآخرين.
فلا تخلو صفحة من صفحات القرآن من صورة ومشهد من ذلك اليوم العظيم، وهي صور تحيي القلوب، لكن ما قدروا الله حق قدره، فغفلوا عن الاستعداد لذلك اليوم العظيم.
وإذا خرج الناس من قبورهم صاروا إلى محشرهم كما ولدتهم أمهاتهم حفاة عراة، ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]، تقول عائشة للنبي ﷺ : (الرجال والنساء حفاة عراة ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة! الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض).
إنه يوم الفرار، فيه ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
فالقلوب واجفة، والأبصار خاشعة، ولا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا يدرون إلى أين المصير، فيشتد الموقف على العباد في ذلك اليوم، وتدنو الشمس من رءوسهم، فأين الفرار في ذلك اليوم إذا أدنيت الشمس من رءوس العباد مقدار ميل؟! قال الراوي: والله ما أدري هل أراد ميل المسافة أم ميل المكحلة؟! فيغرق الناس في عرقهم كل على قدر أعماله، فمنهم من يأخذه العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً.
стр. 747
فريق في الجنة وفريق في السعير
ينتهي ذلك اليوم وينقسم الناس إلى قسمين: فريق في الجنة وفريق في السعير، فمن الذي سيفوز؟ ومن الذي سيخسر؟ إنه فوز لا خسارة بعده، وإنها خسارة لا فوز بعدها.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار، جيء بالموت على صورة كبش أقرن أملح بين الجنة والنار، فينادى: يا أهل الجنة! أتعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت، فينادى: يا أهل النار! أتعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، فيأمر به فيذبح، ثم ينادى: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت).
فتأمل مقدار السعادة، وتأمل مقدار الحسرة والندامة في قلوب الخاسرين، ثم قرأ ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠].
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٦٧ - ٧٠].
فينقسم الناس إلى قسمين: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧١ - ٧٢].
والفريق الآخر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٣ - ٧٤]، فكيف هو استعدادنا لذلك اليوم، يوم يجمع الله الأولين والآخرين؟ وكيف هو حال أولئك الذين قدروا الله حق قدره؟ وكيف هو حال أولئك الذين ما قدروا الله حق قدره؟ فاتقوا الله عباد الله! واستعدوا لذلك اليوم، قال الحسن البصري: إن أقواماً غرتهم الحياة الدنيا فخرجوا منها بلا حسنات، يقولون: إننا نحسن الظن بالله، وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
ولكنهم ما قدروا الله حق قدره، وسوف نعرف قيمة العمر وقيمة الحياة إذا فارقنا الأهل والأحباب، فنصيح بأعلى الصوت: رباه! ارجعون، فلا يستجاب لنا.
أما آن الأوان أن نقدر الله حق قدره، ونعلم أن الحياة مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي عند الله حقيرة، فاتقوا الله عباد الله! ومن تقوى الله الاستعداد لذلك اليوم العظيم، واقرءوا القرآن وتدبروا آياته، ففيه آيات لو تنزلت على الجبال لرأيتها خاشعة متصدعة من خشية الله.
والموفق من وفقه الله للاستعداد، ولو علم الله خيراً في الفريق الآخر لأسمعهم.
(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين)، مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، اذكروا الله يذكركم، انصروا الله ينصركم، وأوفوا بعهد الله يوفي بعهدكم، وحافظوا على أوامر الله يحفظكم في دينكم ودنياكم.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا -يا ربنا- من الراشدين.
اللهم استر في ذلك اليوم عوراتنا، وأمن فيه روعاتنا، وثقل فيه موازيننا، وبيض فيه وجوهنا، وزحزحنا فيه عن النار، وأدخلنا الجنة يا عزيز يا غفار! اللهم اجمع شمل المسلمين، ووحد صفهم، وأعل شأنهم، وأصلح ولاة أمورهم، وانصرهم -يا قوي يا عزيز- على القوم الكافرين.
وأستغفر الله العظيم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 748
الميزان
بعد ذلك توضع الموازين وتوزن الأعمال، وهي دليل على عدل الله وحكمته، يقول النبي ﷺ : (يؤتى بالرجل السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة).
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
فتوزن الأعمال حتى يعلم كل إنسان أن مكانته عند الله على قدر أعماله، والميزان عدل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، (فيؤتى برجل سيئاته مثل الجبال، حتى إذا ظن العبد أنه قد هلك قال الله: لا ظلم اليوم، هل لعبدي من حسنة؟ فيؤتى ببطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله، فيقول العبد الذي ظن أنه هلك: وما تصنع هذه البطاقة مع أعمالي التي كالجبال من الآثام؟! فتوضع البطاقة في كفة، والسيئات في كفة، فتطيح لا إله إلا الله بالسيئات! فترجح كفة الحسنات)، فاحفظوا هذه الكلمة: لا إله إلا الله، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، فلن ينجو في ذلك اليوم إلا أهل لا إله إلا الله، ولا من تحقيق شروطها من علم وصدق ويقين وانقياد وقبول ومحبة للا إله إلا الله، فماذا حققنا من شروط هذه الكلمة؟!
стр. 749
الصراط
لا يزال البشر ينتقلون من موقف إلى موقف، ومن شدة إلى شدة، ومن هول إلى أهوال، لا يدرون إلى الجنة أم إلى النار يكون المصير، فينصب الصراط وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف، ويؤمر الناس بالمرور، ومن تجاوز فإلى دار النعيم، ومن سقط فإلى العذاب المهين، فيعطى الناس نوراً في ذلك اليوم حتى يتجاوزوا ذلك الصراط، فمنهم من نوره يسعى من بين يديه ومن خلفه، ومنهم من يعطى نوراً كالجبل، ومنهم من يعطى نوراً كالكوكب الدري، ومنهم من يعطى نوراً في إصبع إبهام رجله، فيضيء له مرة فيقدم قدمه على الصراط، ويظلم مرة فيقف، والكلاليب تتخطف الناس وتهوي بهم إلى جهنم وبئس المصير، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس على وجهه في جهنم، والنبي ﷺ على الصراط يقول: (اللهم سلم سلم)، فهل أعددت لذلك اليوم عدته؟ واسمع إلى أحوال أولئك الذين قدروا الله حق قدره فاستعدوا لذلك اليوم العظيم، بكى عبد الله بن رواحة يوماً وهو مضطجع على فخذ امرأته، فبكت المؤمنة من بكائه، فقال لها: ما الذي يبكيك؟ قالت: ما بكيت إلا لبكائك، فما الذي أبكاك؟ قال: تذكرت قول الجبار جل في علاه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، يعني: وارد الصراط، لا يدري إلى الجنة يؤخذ به أم إلى النار، قال: تذكرت الصراط، وذلة الناس في ذلك اليوم العظيم، فبكيت عندما تذكرت ذلك، فهل أبكانا مثل ذلك اليوم؟ إنه يوم عظيم صوره الله فقال عنه: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٦٦ - ٧١]، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢]، فهل نحن من المتقين؟ واسمع بعض صفاتهم في كتاب الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]، فالمتقون هم الناجون في ذلك اليوم، ومن صفاتهم: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام:٩٢]، ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩]، ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٢٦ - ٣٥].
فهذه صفات الناجين الذين قدروا الله حق قدره.
стр. 750
الحساب
يبدأ الحساب بعد ذلك، فتخيل الموقف إذا قيل: فلان بن فلان استعد للعرض! فلو ينادى عليك بين يدي ملك من ملوك الدنيا لارتعدت فرائصك، ولو أمرت أن تقف بين يدي مسئول لارتعدت فرائصك، فكيف وأنت ستقف بين يدي من الأرض في قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
وستقودك الملائكة من بين الصفوف والبشر كلهم ينظرون إليك، وأنت لا تدري ماذا يفعل بك، ولا تدري إلى أين المصير! فأما الذين قدروا الله حق قدره فاسمع كيف يكون حسابهم، قال ابن عمر: يدني الله العبد منه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه -يعني ستره- ثم يقرره بذنوبه: تذكر يوم صنعت كذا وكذا، حتى إذا ظن العبد أنه هلك قال الله أرحم الراحمين: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أسترها عليك اليوم، فيؤتى كتابه بيمينه، فيخرج بين الملأ ضاحكاً مسروراً ينادي بأعلى صوته ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٢].
وأما حال الذين لم يقدروا الله حق قدره: فإذا وقف بين يدي ربه وقرره الله بذنوبه قال له الله: عبدي! أما استحيت أن تعصيني؟! أتختفي عن جميع الناس وتنساني؟! فينادي الله جل في علاه لزبانيته وملائكته: يا ملائكتي! خذوه، ومن عذابي أذيقوه، فقد اشتد غضبي على من قل حياؤه معي، فيعطي كتابه بشماله، فيخرج بين الملأ حسيراً كسيراً مطاطئ الرأس، يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩].
فينادي الجبار ملائكته: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٧].
стр. 751
العرض
وهل تظن أن الموقف قد انتهى؟ كلا، بل ينتقل الناس من شدة إلى شدة، وينتقل الناس من أمر عظيم إلى أمر جسيم، فيأذن الله بالشفاعة، ويأذن الله بالحساب، فتصف الصفوف ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف:٤٨].
فتقام الصفوف، وتطأطأ الرءوس، وتشخص الأبصار، وتتطاير الصحف، وتوضع الموازين، وتوزن الأعمال، ويتمنى الإنسان حسنة واحدة في ذلك المقام، فالأم تقول لابنها: حملتك في بطني تسعة أشهر، وفعلت لك ما فعلت، يا بني! حسنة واحدة لمثل هذا اليوم العظيم، وكذلك يقول الأب لأبنائه، فينادي كل منهم: نفسي نفسي نفسي.
تقول عائشة للنبي ﷺ : (أيعرف الناس أهليهم في ذلك اليوم؟ قال: نعم إلا في ثلاثة مواقف، يوم تتطاير الصحف فلا يدري الإنسان أيأخذ كتابه بيمينه أم بشماله، ويوم تنصب الموازين فلا يدري أترجح كفة الحسنات أم كفة السيئات، وإذا نصب الصراط فلا يدري أيتجاوزه أم يهلك مع الهالكين).
أو كما قال ﷺ .
ويأذن الله بالشفاعة ويأذن بالحساب، فيبدأ يوم عسير مقداره خمسون ألف سنة، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:١ - ٤].
فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتكلمون في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة! فكيف سيكون حالي وحالك؟! وكيف سيكون حال أولئك الذين ما قدروا الله حق قدره؟! وفي شدة الموقف والأهوال يظل الله من قّدروه حق قدره في ظل عرشه، وفي ذلك اليوم العظيم أصناف سبعة يستظلون بظل عرش الرحمن الرحيم، فأين أنت منهم؟ قال الحسن البصري: كيف أنت بأقوام وقفوا على أقدامهم مدة خمسين ألف سنة، لا يأكلون ولا يشربون ولا يتكلمون، وبينما هم على ذلك الحال وقوف إذ جيء بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها؟ ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان:١٢ - ١٣]، ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٨].
وقد أمرنا الله بتقواه والاستعداد لذلك اليوم العظيم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
فتتقطع الأحساب والأنساب، ثم يأمر الله بالحساب، فكيف أنت بمحكمة قاضيها الملك الديان، وشعارها ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧].
قرأ قارئ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَالَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:١ - ٧] فبكى وقال: والله إنه حساب شديد، سنحاسب فيه بالذرة! فكم نظرة نظرتها ستعرض عليك ذلك اليوم! وكم كلمة قلتها ونسيتها ستعرض عليك ذلك اليوم! وكم من أعمال عملتها ستصبح هباء منثوراً في ذلك اليوم!
стр. 752
الشفاعة في أرض المحشر
بينما الناس في ذلك الموقف العظيم إذ نظر بعضهم إلى بعض فقالوا: ألا ترون ما نحن فيه؟! ألا ترون ما قد بلغنا من الهم والغم؟! ألا ترون من يشفع لنا عند ربنا؟! روى مسلم عن أبي هريرة قال: (كنا مع النبي ﷺ في وليمة فأدنيت منه الذراع وكان يحبها، فنهش منها نهشة ثم قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، أتدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين الآخرين فلا يغادر منهم أحداً، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، حتى إذا استووا في موقف أدنيت الشمس من رءوس العباد مقدار الميل، فيغرق الناس في عرقهم) أو كما قال رسول الله ﷺ .
وفي ذلك اليوم لا يتكلمون ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩].
وتأمل هذه الأمور العظام التي تحدث بين يدي ذلك اليوم العظيم ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١٠٥ - ١١١].
فينظر الناس بعضهم إلى بعض، ويقولون: (ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا ترون ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا ترون من يشفع لنا عند ربنا؟ فيقولون: اذهبوا إلى آدم.
فيأتون آدم فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك جنته، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني نهيت عن تلكم الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح.
فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم.
فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وخليله، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله؟ ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت ثلاث كذبات -لو عددناها لعددناها من صالح أعمالنا- ثم يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى.
فيأتون موسى فيقولون: أنت نبي الله وكليمه، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى.
فيأتون عيسى فيقولون: أنت نبي الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولا يذكر ذنباً ويقول: نفسي نفسي نفسي).
أتدري من هؤلاء الذين يقولون: نفسي نفسي نفسي؟ هؤلاء هم أولو العزم من الرسل، وهؤلاء أحب الخلق إلى الله، وأخوفهم من الله، وأتقاهم لله، فكيف يكون حالي وحالك؟! وكيف سيكون حال أولئك الذين ما قدروا الله حق قدره؟! وكيف سيكون حال المفرطين والعصاة؟! قال: (فيقول عيسى: اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمداً -وفي رواية فيأتيهم- فيقولون: يا محمد! أنت نبي الله وخاتم المرسلين، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فأقول: أنا لها، فأنطلق إلى العرش فأخر ساجداً، ثم يفتح الله علي من محامده ما لم يفتحه على بشر من قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي، يا رب! أمتي)، فما تخلى الحبيب عن أمته، ولم ينس الحبيب أمته في أشد المواقف، بل نادى بأعلى صوته: (أمتي أمتي) فأين أمة محمد اليوم عن نصرة دينه؟ وأين أمة محمد اليوم عن اتباع سنته؟ وأين أمة محمد اليوم عن الذب عن شريعته، والجهاد في سبيله؟ قال: (فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من ليس عليه حساب من الباب الأيمن من الجنة، وهم شركاء الناس في سائر الأبواب).
ثم قال ﷺ : (والله! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، وليأتين عليها يوم وهي كضيض من الزحام).
стр. 753
أهمية الوقت وخطورة إهمال تربية الأولاد
أقسم الله بالوقت في مواضع عدة من كتابه؛ وذلك لعظيم أهميته وخطورة تضييعه، فالوقت هو العمر الذي يمتلكه العبد، وهو حجة لصاحبه أو عليه، وما مضى منه لا يرجع أبداً، فعلى المسلم أن يغتنم عمره في الخيرات، وأن لا يضيعه بما لا ينفعه فتكثر منه الحسرات.
стр. 754
أهمية الوقت
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله! لقد أقسم الله ﵎ بالوقت في مواضع عدة، فأقسم جل في علاه بالليل، وأقسم بالضحى، وأقسم بالفجر، وأقسم بالعصر، والله لا يقسم إلا بعظيم، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للمخلوق أن يقسم إلا بالله العلي العظيم.
وقد أقسم الله بالوقت لعظيم أهميته، ولعظيم خطورته، فالوقت هو الأعمار التي نمتلكها، وهو رأس المال، والوقت إذا مضى فإنه لا يرجع أبداً، فمن منا يستطيع أن يُرجع ساعة من العمر الذي مضى، أو دقيقة، بل ثانية؟! فكلنا نزين المعصم بالساعة، ونحن ننظر إلى عقارب الساعة تسير إلى الأمام، ولا ترجع إلى الخلف أبداً، فقد زينا المعاصم بالساعات ولكن قليلاً منا هم الذين عرفوا قيمة الساعات والأوقات.
وقد قال جل في علاه مبيناً أصناف الناس في استغلال أوقاتهم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢]، فالناس أصناف ثلاثة: قسم لا يشعر بالوقت، ولا يعرف أهميته، ولا يدرك خطورة تضييعه، فهؤلاء يكتشفون أنهم كانوا في حسرة وندامة عند ساعات الاحتضار، وأمنيتهم حينئذ أن يزدادوا في العمر ساعة؛ حتى يستدركوا ما فات.
وقسم يعرفون قيمة الوقت وأهميته، لكنهم أصيبوا بالكسل والفتور، فهممهم لم توصلهم إلى ما يريدون.
والقسم الثالث: أقوام لله درهم! عرفوا قيمة الوقت، وعرفوا أن الوقت هو العمر، وجعلوا قول النبي ﷺ : (خيركم من طال عمره، وحسن عمله) شعاراً لهم في حياتهم، فعرفوا قيمة الليل، وعرفوا قيمة النهار، فالليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ووعيد، قال عمر بن عبد العزيز: الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل أنت فيهما.
стр. 755
حقيقة الحياة الدنيا
لقد بين الله جل في علاه حقيقة هذه الحياة وأنها لا تعدو عن كونها أشياء أربعة، فقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠]، ثم بين طريق النجاة فيها فقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، فالحياة لا تعدو عن كونها أشياء أربعة، كما قال ربنا ﵎: لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر، وتكاثر في الأموال والأولاد، وشبهها ﵎ بالمطر الذي يعجب الكفار نباته، ثم في لحظات يصفر ويصبح حطاماً، ثم تبدو الحقيقة التي لا بد منها في الآخرة: إما عذاب شديد للذين ضيعوا الأعمار والأوقات، وإما مغفرة من الله ورضوان.
стр. 756
السباق في الدنيا
إن السباق في الحياة الدنيا على نوعين: إما سباق على الدرهم والدينار كما هو الواقع اليوم، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد الدينار، وإما سباق على مرضاة الله ﵎، ولكل سباق خط نهاية، ونهاية السباق إما نعيم دائم، أو عذاب مقيم، إما: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت.
والسباق يحتاج إلى مطية، والمطية لا بد أن تكون قوية؛ حتى نستطيع أن نقطع السباق، ففي طريق السباق مصاعب وعقبات وآهات وآلام، فإذا نام المسافر واستطال الطريق فمتى يصل إلى المقصود؟ فالمطية: هي الليل والنهار، فنركب مطية الليل ثم ننزل، ثم نركب مطية النهار ثم ننزل، ثم نركب مطية الليل وهكذا، حتى نصل إلى آخر السباق.
стр. 757
الأيام مطايا
هناك قصيدة لـ سعيد بن مسفر وهي جميلة أسماها: الأيام مطايا، يقول فيها: هذه الأيام مطايا أين العدة قبل المنايا؟ أين الأنفة من دار الأذايا؟ أين العزائم أرضيتم بالدنايا؟ إن بلية الهوى لا تشبه البلايا وإن قضية الزمان لا كالقضايا يا مستورين! ستكشف الخفايا إن ملك الموت لا يقبل الوساطة ولا يأخذ الهدايا أيها الشاب! ستسأل عن شبابك أيها الشيخ! تأهب لعتابك أيها الكهل! تدبر أمرك قبل سد بابك يا مريض القلب! قف بباب الطبيب يا منحوس الحظ! اشك فوات النصيب لذ بالجناب قليلاً، وقف على الباب طويلاً واستدرك العمر قبل رحيله وأنت بداء التفريط عليلاً يا من نذر الموت عليه تدور! يا من هو مستأنس في المنازل والدور! لو تفكرت في القبر المحفور وما فيه من الدواهي والأمور كانت عين العين منك تدور يا مظلم القلب! وما في القلب نور الباطن خراب والظاهر معمور إنما ينظر للبواطن لا للظهور يا من كلما زاد عمره زاد اسمه! يا من يجول في المعاصي فكره وهمه! يا قليل العبر وقد دق عظمه! يا قليل العبر وقد تبين أن القبر عما قليل يضمه! كيف نعظ من نام قلبه لا عقله وجسمه؟! فالأيام تقربان كل بعيد، وتأتيان بكل موعود ووعيد، وما من يوم تشرق شمسه إلا ومناد ينادي: يا ابن آدم! أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني إذا مضيت لا أرجع أبداً.
فهاهي الأعمار تنقضي، وهاهي الليالي تنطوي، وهكذا هي الحياة، فهاهو المسلسل يعيد نفسه من جديد، انقضت بالأمس اختبارات وامتحانات، وها نحن وإياكم نستقبل أيام الإجازات، فعلى أي حال سنستقبلها؟ هل نستقبلها كما استقبلناها في المرات الماضية والأعمار تضيع هدراً؟ فلو رأيت إنساناً يسير في طريق من الطرقات وبيده رزمة من الريالات، فصار يقذف بها يمنة ويسرة لعددت هذا مجنوناً غير عاقل، مع أن المال يعوض، فماذا تقول في الذي يهدر العمر، ويضيع الساعات، ولا يعرف قيمة الدقائق والثواني؟! جاء أحدهم إلى العمل متأخراً، وجاء بعذرٍ أقبح من ذنب، قلت له: ما الذي أخرك؟ قال: أطلت السهر ليلة البارحة، قلت: في قيام وقراءة قرآن؟ قال: أتهزأ بي؟! وأنا أعرفه لا يكاد يصلي صلاة الظهر في جماعة، ثم قال: قناة رياضية عرضت ثلاث مباريات من الدوري الأوروبي، شاهدتها مباراة تلو الأخرى، أي: بمعدل ساعتين لكل مباراة! فهذا أضاع ست ساعات أمام الشاشات والقنوات!
стр. 758
تنقل الإنسان من دار إلى دار
أعمارنا تضيع هدراً، فمتى سنعرف قيمتها؟ ومتى سنعرف أن العمر أغلى من الذهب والفضة؟ سنعرف ذلك إذا حاسبنا أنفسنا، وصدقنا مع أنفسنا، فاسأل نفسك يا ابن العشرين! واسأل نفسك يا ابن الثلاثين! واسأل نفسك يا ابن الأربعين والخمسين! كيف انقضت السنوات؟ وكيف انطوت تلك الساعات واللحظات؟ والله إنها أسرع من البرق، انظر إلى قرص الشمس هل يقف؟ هل توقفت الشمس يوماً عن الغروب أو تأخرت يوماً عن الشروق؟ إن مرور الأيام والليالي ليس له إلا دليل واحد وهو: أنني أنا وأنت نقترب من النهاية كلما انقضى يوم وكلما انقضت ليلة، فالعمر والليالي في نقصان، وأنا وأنت نقترب إلى آخر اللحظات، فننتقل أنا وإياك من دار إلى دار، وهي دور أربع، نتنقل من هذه الدار إلى تلك الدار حتى نصل إلى دار القرار، فكنت في بطن أمك في ظلمة يرعاك الله في ذلك المكان، وكنت آمناً مطمئناً في تلك الدار، فخرجت تبكي عندما تغير الحال، فلما استشعرت النور، واستشعرت الفرحة والسرور رضيت بدار الدنيا.
أنت الذي ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً فخرجت من بطن أمك إلى هذه الدار، فكم ستمكث فيها؟ الله أعلم، لكن خيركم في هذه الدار من طال عمره وحسن عمله، وشركم في هذه الدار، من طال عمره وساء عمله، قال رسول الله ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).
وقال النبي ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك).
والناظر في حال كثير من الناس يرى أنهم لا يستعدون للدار التي بعد هذه الدار.
وما دنياك إلا مثل ظل أظلك حيناً ثم آذن بالزوال فدار الدنيا سريعة الانقضاء، كما قال النبي ﷺ : (مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل ساعة تحت شجرة ثم تركها)، فالدنيا ساعة.
وقد مر النبي ﷺ على ملأٍ من بني سلمة وهم يعمرون داراً من دورهم فقال: (الأمر أسرع من هذا يا بني سلمة)، فالأمر أسرع من أن يعمر الناس الدار ويسكنونها.
وكم ستمكث في هذه الدار؟ الله أعلم، فالدنيا امتحان وابتلاء، قال رسول الله ﷺ : (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل من يجاوز)، فمن بلغه الله الستين فقد أعذره، من بلغه الله الستين فماذا ينتظر؟! كان السلف إذا بلغ أحدهم الأربعين اعتزل الدنيا، واستعد للقاء الله، واشترى كفنه، ولازم المسجد، ولازم الصيام والقيام.
ثم ستنتقل من هذه الدار إلى دار ثالثة: وهي دار القبور، وهي إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران، ولك الخيار فأنت الذي تختار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، ثم ستخرج من تلك الدار، وسيتقرر المصير، فإما إلى جنة، وإما إلى نار، وليست الخسارة أن تخسر صفقة مالية، أو تخسر وظيفة، أو تخسر أي أمر من أمور الدنيا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى:٤٥].
وينادون ويسألون كما قال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢]، سيسألون عن الأوقات وعن الأعمار وعن الخمسين والستين، قال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾، فأما الذين فرطوا وضيعوا فيقولون: كما قال تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] أي: فاسأل أولئك الذين عرفوا قيمة اللحظات والدقائق والليالي والأيام، ثم يأتيهم التوبيخ الشديد: قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]، وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٤٠]، بلى قادر، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨].
وقال ﵊: (ما منكم من أحد إلا وسيقف بين يدي ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 759
التحذير من الغفلة عن تربية الأولاد
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١].
أحبتي في الله! كثير من الناس فرطوا في أوقاتهم، وفرطوا في أعمالهم، ومع زيادة التفريط ضيعوا أبناءهم ومن يعولون، فمع بداية أيام الإجازات انقلبت الموازين في البيوت، فأصبح الليل نهاراً، والنهار ليلاً، وأصبح الأبناء في الشوارع حتى ساعات متأخرة من الليل بلا حسيب وبلا رقيب! واعلم -بارك الله فيك- أنك إن غفلت عن تربية هؤلاء فإن الشارع يربي، والشاشات والقنوات تربي، وأصحاب السوء يربون، والمخدرات والمسكرات تربي، وقد يكون الابن صالحاً لكن مع التفريط والإهمال يصبح من الضائعين.
جاءني أحد الآباء يبكي بدموع حارة وقد مات ابنه، ويريد أن يعرف: هل تسبب هو في ضياعه؟ قال: كان ابني من الصالحين، من الذين يحافظون على الصلوات، ويحفظون القرآن، وفجأة بدأت أحواله تتغير، وبدأ يكثر السهر، وبدأ يلازم الشارع أكثر من لزومه للبيت، وبدأت طباعه تتغير، والطيور على أشكالها تقع.
فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياه فكم فاسقاً أردى مطيعاً حين آخاه يقول هذا الرجل: وبدأ ابني يسرق، وبدأ يحتال ويكذب، وأهملت الأمر في أوله، ثم بدأ الأمر يتعاظم شيئاً فشيئاً، فبدأت أتتبعه، ثم اكتشفت أن ابني صار مدمناً للمخدرات، فطلبت له العلاج، وأخذته هنا وأخذته هناك، وسافرت به إلى كل مكان، وكان يرفض العلاج، وكلما رجعنا من السفر عاد إلى أصحاب الشر؛ فأخذوه مرة ثانية، فحاولت نصحه بكل الطرق وبشتى الأحوال ولم يكن يستجب للعلاج، فقررت أن أحبسه في الدار، فحبسته في دار فيها دورة مياه - أعزكم الله- يأكل ويشرب، ولا يغادر المكان، وقلت: أحبسه حتى يقضي الله بيني وبينه أمراً كان مفعولاً، فبدأ صياحه يزيد، وقلت لأمه ولأخواته ولأقاربه: لا تفتحوا له الباب، ولا تأخذكم الشفقة والرحمة عليه، لا نريد أن نخسره، فقد خسرناه بما فيه الكفاية، ونريد أن نسترجع ابننا من الضياع الذي بدأ يسير عليه، وصار بكاؤه وصياحه يخف يوماً بعد يوم، وبدأ يستجيب لنا، لكن أصحاب السوء كانوا يترددون حول بيتنا ويسمعونه، إنهم قريبون منه.
ومضت أيام فجاءت جدة العيال لزيارتهم، فلما سمع صوتها أخذ يبكي ورفع صوته بالبكاء قائلاً: ارحميني يا جدة! واسمعيني يا جدة! أنا تبت، وأنا كذا وكذا، فرقت الجدة لأمره، وفتحت له الباب، فالتقطه أصحاب المخدرات مرة أخرى، وخرج معهم، يقول الأب: جئت من وظيفتي في ذلك اليوم فرأيت بابه مفتوح، قالوا لي: جدته فتحت له الباب، قال: فألقي في روعي أني لن أرى ابني بعد ذلك اليوم، مضى يوم ومضى اليوم الثاني، بحثت عنه في كل مكان، ولم يبق جحر ضب إلا دخلته، وفي اليوم الثالث تعبت وأيست من وجوده، أين يختبئون؟ أين يذهبون؟ لا أعلم، وبعد أيام وفي ساعة متأخرة من الليل إذا طارق يطرق الباب، فقلت: اللهم! إني أعوذ بك من طوارق الليل إلا طارقاً يطرق بخير، فتحت الباب فإذا بسيارة الشرطة، قالوا لي: أنت فلان بن فلان؟ قلت: نعم، قالوا لي: البس ثيابك فنحن نريدك في أمر هام، فلبست الثياب وانطلقت معهم، فأخذوني إلى مجمع من المجمعات يغلق في تلك الساعات من الليل، فأدخلوني في سرية وفي هدوء تام، وأخذوني إلى دورات المياه، وقالوا لي: تعرف على هذه الجثة، فنظرت إليه فإذا هو ابني ابن التاسعة عشرة من العمر قد فارق الحياة، فأين أصحابه؟ وأين الذين أوصلوه إلى تلك النهاية؟ إنا لله وإنا إليه راجعون! ومثل هذا كثير، فكم خسرنا من أبنائنا بمثل هذه الصورة؟ وهذا بسبب تفريط الآباء، وبسبب تضييع البيوت للأمانة، وعدم حفظ الأوقات، فنتركهم هملاً في الشوارع حتى ساعات متأخرة من الليل، فلا صلاة فجر يصلونها، ولا صلاة جماعة يحافظون عليها.
فما المطلوب منا أن نصنعه للأبناء؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وكيف يكون ذلك؟ يكون ذلك بأن نربيهم على فعل الطاعات، ونربيهم على ترك الفواحش والمنكرات، ونهيئ لهم في البيوت البيئة الصالحة التي يعبدون الله فيها، فنطهر البيوت من الفواحش والمنكرات.
وأزيدكم من الشعر بيتاً؛ حتى تعرفوا مقدار المأساة! بالأمس القريب جاءني رجل يستفتي، فقلت له: ما سؤالك؟ قال لي: سؤالي عظيم، فالأمر أكبر مما تتصور، استر علي ستر الله عليك، قلت له: ما القضية؟ قال: لي زوجتان، أتعاهد هذه، وأتعاهد تلك، ولي ابن في سن العشرين، يغدو ويروح بلا حسيب وبلا رقيب، فأدمن شرب الخمور فأردت أن أدخله مصحة لكن فات الأوان، فقد اعتدى ابني على ابنتي ابنة السابعة عشرة وهو في حالة سكر شديد! فقلت له: صحح الموقف، قال: مضى وقت التصحيح؛ فالبنت حبلى من الزنى من أخيها وهي الآن في الشهر الرابع! هذا ما يحدث في بيوت المسلمين اليوم، قلت له: فماذا أصنع؟ قال: أريد أن يقام عليه القصاص، لا أريد أن أراه بعد اليوم، لكن ماذا أصنع بالبنية التي تحمل ابناً في بطنها؟! وليست هذه بالمرة الأولى التي نسمع بمثل هذا، أما آن لنا أن ننتبه ونربي البنين والبنات، فنهيئ لهم البيئة الصالحة، ونتخلص من الشاشات والقنوات التي أفسدت أخلاق البنين والبنات؟! اتقوا الله عباد الله! واحفظوا بيوتكم، واحفظوا أبناءكم، واحفظوا أعراضكم، واحفظوا صغاركم، وطهروا بيوتكم من المخالفات قبل أن يقع الفأس على الرأس.
اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
اللهم طهر بيوتنا وبيوت المسلمين من الفواحش والمنكرات يا رب العالمين! اللهم أصلح البنين والبنات، والنساء والأطفال يا حي يا قيوم! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا -يا ربنا- من الراشدين، وصن أعراضنا، واحقن دماءنا، وآمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تؤاخذنا بالتقصير، إنك -يا مولانا- نعم المولى ونعم النصير.
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 760
فاتخذوه عدواً
عندما خلق الله آدم ﵇ وأمر الملائكة بالسجود له أعلن إبليس عصيانه وتمرده على خالقه، وناصب العداء لآدم حتى أخرجه من الجنة، وأقسم بإغواء ذريته.
ولقد أضل جبلاً كثيراً من الناس إلا عباد الله المخلصين فليس له عليهم سبيل، فعلى المسلم أن يتبع سبيل المؤمنين، وأن يعتصم بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتخذه عدواً، فإن كيده كان ضعيفاً.
стр. 761
استمرار عداوة الشيطان لآدم ولذريته إلى قيام الساعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله! لقد حذرنا الله ﵎ من الشيطان، وأخبرنا أنه عدو لنا، فالمطلوب منا أن نتخذه عدواً، فإذا كان عدواً لنا فلا بد أن نعرفه تمام المعرفة، ونعرف أساليبه، ونعرف طرقه في إضلال البشرية؛ حتى نكون على حذر منه، وحتى نكون على أهبة الاستعداد إذا هاجمنا بأي وسيلة من وسائله.
فحين تسأل الزاني: لماذا زنيت؟ فإنه يقول: إن السبب هو الشيطان، وحين تسأل السارق: لماذا سرقت؟ فإنه يقول: إن السبب هو الشيطان، وحين تسأل القاتل: لماذا قتلت؟ فإنه يقول: إن السبب هو الشيطان، وحين تسأل الذي طلق زوجته: لماذا طلقتها؟ فإنه يقول: إن السبب هو الشيطان، فهو عدونا الأول الذي هدفه إغواء البشرية وإضلالها حتى يدخلها معه في النار: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦].
فالشيطان يقول: عجباً لبني آدم يدّعون أنهم يحبون الله ويعصونه، ويدعون أنهم يكرهونني ثم يطيعوني.
стр. 762
أسماء الشيطان وأصله
إن الشيطان من الجن، وقد كان يعبد الله في بداية أمره، وسكن السماء مع الملائكة، ودخل الجنة، ثم عصا ربه عندما أمره بالسجود لآدم؛ استكباراً وعلواً وحسداً، فطرده الله من رحمته.
والشيطان في لغة العرب: يطلق على كل عاص ومتمرد، وهو مأخوذ من (شَطَنَ)، أي: بعد عن الحق وتمرد عليه، وقد أطلق عليه هذا الاسم لعتوه وتمرده وتكبره على أوامر الله ﵎، كما يطلق عليه لفظ الطاغوت، وهو الطاغوت الأكبر كما قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦].
واسم الشيطان معلوم عند غالبية أمم الأرض بنفس الاسم، فهو يسمى بنفس الاسم في كل لغات أهل الأرض، وسمي طاغوتاً لتجاوزه حده، وتمرده على ربه، وتنصيبه نفسه إلهاً يعبد من دون الله، فكل من رضي أن يعبد من دون الله كان طاغوتاً.
وسمي بإبليس ليأسه من رحمة الله ﵎.
وأما أصله: فقد اختلف المتقدمون والمتأخرون في أصله، فمن قائل: هو من الملائكة، ومن قائل: هو من الجن، وهذا هو الراجح والصحيح لأدلة كثيرة منها: أن القرآن نص على أنه من الجن، كما قال الله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [الكهف:٥٠].
وقال سبحانه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠] فله ذرية، والمعروف أن الملائكة ليس لها ذرية، والشياطين تتوالد وتتكاثر.
وقد ثبت بالنص الصحيح أن الجن غير الملائكة في خلقهم، وغير الإنس أيضاً، وقد أخبر ﷺ -كما في صحيح مسلم - (أن الملائكة خلقوا من نور، وأن الجن خلقوا من نار، وأن آدم خلق من طين).
ولقد قال الله على لسان إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
وقال سبحانه: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧].
وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥].
فعلى هذا يكون خلقه مغايراً لخلق الملائكة، فالملائكة خلقوا من نور وهو وذريته خلقوا من نار.
قال صاحب (الظلال): قال الله عن الملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وهو حين أُمر عصى وتكبر وتمرد، فلو كان من الملائكة ما عصى أوامر الله ﵎، فالراجح والأصح أنه من الجن وليس من الملائكة.
стр. 763
بداية كيد الشيطان لآدم وذريته
وحديثنا ليس عن الشياطين بشكل عام، ولكن عن شيطانهم الأكبر، فمتى بدأ كيد الشيطان؟ تعالوا نستمع لهذه الآيات، ونتدبر فيها، ونرى أساليب الشيطان المتنوعة في إضلال البشرية، وكيف نجح في إخراج آدم من الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١١]، فقد خالف الأوامر، والملائكة لا تعصي لله أمراً: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فافتخر بأصله، ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١٣]، فكان التكبر أول ذنب عُصي به الله ﵎، ودافع ذلك هو الحسد أعاذنا الله وإياكم من ذلك، فقد حسد إبليس آدم فتكبر على أوامر الله جل في علاه، ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:١٢ - ١٤].
فهنا سأل إبليس الله سؤالاً فأعطاه إياه، وليس ذلك لكرامته على الله؛ بل لهوانه على الله ﵎، ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ [الأعراف:١٤ - ١٥].
ثم تعهد إبليس وتوعد: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧].
وهو يقصد بهذا التوعد والتهديد البشرية أجمعين، فقال: ((لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ))، وصدق حين قال: ((وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ))، فصدق وهو الكذوب، ولا تجد أكثرهم شاكرين، فسأجلس لهم على صراطك المستقيم، فإن أراد أحدهم الصلاة أو الصيام أو القيام، أو أراد الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، أو أراد طاعتك؛ خذلته عن الطاعات، وقدته إلى المعاصي والمنكرات.
﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨]، فخرج وطُرد من الجنة.
ثم بدأ كيده لآدم في وسط الجنة، قال الله: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٩].
فإذا عصيت فأنت ظالم، وإذا خالفت الأوامر فأنت ظالم؛ ولذلك فكل عاص لله ظالم لنفسه.
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:٢٠]، وهذا هو أسلوبه، فهو لم يجبر الناس إجباراً، ولم يضربهم على أيديهم، ولا قادهم إلى المنكرات بالسلاح، وإنما وسوس إليهم، والوسوسة هي: الصوت الخفي، أو هي حديث النفس، ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ إما بحديث النفس أو بإدخال الحية في الجنة -كما قيل- فبدأت توسوس لآدم، وهدفه من ذلك: ((لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا))، يريد أن ينتشر التعري والتفسخ بين البشرية؛ حتى تنتشر الفاحشة والرذيلة، وهذه هي أسرع الطرق لإغوائهم.
فقال لهما: ((قَال مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ* وَقَاسَمَهُمَا))، أي: أقسم لهما بالله إنه لمن الناصحين، فصدقه آدم، وما ظن آدم بفطرته السليمة أن هناك من يحلف ويقسم بالله كاذباً.
﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]، فكان هو أول من أقسم بالله كاذباً.
﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢].
وقد حذر الله آدم كما قال: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧].
وقد حذرنا الله أيضاً منه وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦].
وبعد أن عصى آدم وحواء ﵉ الله تعالى تابا كما قال الله عنهما: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، والنتيجة: ((قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)) لحكمة أرادها الله، ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف:٢٤] أي: إلى أن يأتي وعد الله ﵎.
﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف:٢٥].
فهذا هو العدو الذي حذرنا الله منه، فكم أغوى من عابد! وكم أضل من زاهد! وكم أضل من الشباب! وكم أضل من شيب! وكم أغوى من فتاة! وكم ضيع من شاب! حتى إذا ضيعهم تبرأ منهم قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦].
فإذا أسقط الإنسان في الكفر والضلال والمعصية تبرأ منه، ومن العجب العجاب أن الإنسان يسقط مرة تلو الأخرى، ويُلدغ من نفس الجحر مرات كثيرة!
стр. 764
أساليب الشيطان في إغواء بني آدم
اعلم -بارك الله فيك- أن للشيطان أساليب كثيرة، وأن له خبرة وباعاً طويلاً في إضلال البشرية، فمنذ أن خلق الله آدم وهو يتفنن في إضلال البشرية.
وهدف الشيطان الأول هو: أن يشرك الناس بالله ﵎، فما زال بقوم نوح حتى أغرقهم الله، وما زال بعاد وثمود حتى أهلكهم الله، وما زال بقوم فرعون حتى أغرقهم الله، وما زال بقوم لوط حتى أمطرهم الله حجارة من السماء، فأضلهم الشيطان ثم تبرأ منهم، وقد قال: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] قال أهل التفاسير: يعني سآتيهم من طريق دنياهم، فأزين لهم الدنيا وما فيها، لذلك قال الله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، وقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠]، فأخبر الله عن الحياة الدنيا أنها متاع الغرور، فلا يغرنكم الشيطان بتزيين هذه الدنيا وما فيها.
هب الدنيا تساق إليك عفواً أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا كمثل ظل أظلك ثم آذن بالزوال فأسلحته كثيرة، وخبرته طويلة، ومن أعظم أساليبه: تزيين الباطل، فهو يزين الباطل للناس كما زين لآدم فقال له: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠]، وكما قال: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩]، وكما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠].
ومن أساليبه أيضاً: أنه يسمي الأشياء بغير مسمياتها، كما قال النبي ﷺ : (ستأتي سنوات خداعات، يؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، ويصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويتكلم فيها الرويبضة)، فتنقلب فيها الموازين، وتسمى الأشياء بغير مسمياتها، واليوم نرى بأم أعيننا المنكر يسمى معروفاً، والمعروف يسمى منكراً، فيسمون الأغاني والألحان فناً وطرباً، ويسمون الزنا علاقات جنسية، ويسمون الخمور أم الأفراح وانشراح الصدور، ويسمون الربا الذي حاربه الله ونهى عنه بفوائد وأرباح بنكية! فضحك الشيطان على البشرية، فصاروا يسمون الأشياء بغير مسمياتها.
ومن أساليبه أيضاً: تحبيب الكسل والفتور إلى الناس، قال الله عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢].
وقال ﷺ : (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على قافيته ثلاث عقد، فإذا أراد أن يقوم قال له: ارقد فإن وراءك ليلاً طويلاً، فإذا قام وذكر الله انحلت العقدة الأولى، فإذا قام وذكر الله ثم توضأ انحلت العقدة الثانية، ثم إذا قام وذكر الله ثم توضأ ثم صلى انحلت العقدة الثالثة)، فبذكر الله نستطيع أن ننتصر على الشيطان.
فلنسأل أنفسنا أين نحن من هذا الحديث؟ وأين نحن من هذا الكلام؟ فقد سئل النبي ﷺ عن رجل نام عن صلاة الصبح -أي: صلاة الفجر- فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه).
فأسألك بالله العظيم: كيف كان حالك هذا الصباح؟ أبال الشيطان في أذنيك كما فعل بكثير أم أنت ممن ذكرت الله حتى انحلت العقد واحدة تلو الأخرى؟ فما أكثر الذين يبول الشيطان في آذانهم في كل يوم! ومن أساليبه أيضاً: الوعد والتمنية، قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠]، فكم من شاب أراد أن يتوب فسوَّف له الشيطان، وكم من شيخ كبير أراد أن يعود ويئوب فمنَّاه الشيطان، فهو يعدهم ويمنيهم بلعل وسوف وعسى، وأكثر صياح أهل النار من لعل وسوف وعسى.
ومن أساليبه أيضاً: إظهار النصح، فهو يظهر للبشرية أنه لهم ناصح، وهو الكذوب كما قال لآدم: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]، وكذب فإنه والله لمن الكاذبين، ومع ذلك أقسم إنه لمن الناصحين! ومن أساليبه: التدرج في الإضلال، فهو يأخذهم خطوة خطوة، نظرة فابتسامة فكلمة ثم معصية لله ﵎، كأن يقول: ادخل القنوات إلى بيتك لمتابعة الأخبار ومتابعة ما يحدث في العالم، ثم فجأة تنقلب الشاشات إلى لهو وغناء، ثم زنا وفاحشة ورذيلة، ثم انتهاك للمحرمات في البيوت، فكم ضحك الشيطان على الناس بإدخال الشاشات والقنوات إلى بيوتهم! ومن أساليبه أيضاً: أنه يخوف أولياءه كما قال الله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فإذا أراد أحد منا أن يأمر بمعروف أو ينكر منكراً هدده الشيطان وتوعده، وقال له: إن ردة فعل الناس كذا وكذا، وإن الناس لا يتقبلون مثل هذا الكلام، فهو يخوفهم، ولكنه يخوف أولياءه، ولا يخوف الشيطان إلا أولياءه.
فأساليبه كثيرة تتنوع وتتغير باختلاف الوقت والزمان، فقد يظهر أنه ناصح ولكنه في الحقيقة ماكر وكذاب كبير.
وقد قيل: إن رجلاً كان تحت جدار وكان الجدار على وشك السقوط، فجاءه رجل فأقامه من مكانه، فما هي إلا لحظات حتى سقط ذلك الجدار، فقال الرجل: جزاك الله عني خيراً فقد أنقذتني من الهلاك، فمن أنت؟ قال: أنا الشيطان، قال: أنت الشيطان وتفعل معي هذا! قال: نعم، خشيت أن تموت شهيداً؛ لأن الذي يموت في الردم والهدم يعتبر شهيداً، فقاتله الله! كم أضل من زاهد! وكم أغوى من عابد! وقد حذر الله وأنذر منه، فمن استجاب فقد فاز ونجا، ومن لم يستجب فلا يلومن إلا نفسه.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 765
أسلحة الشيطان في إغواء البشرية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١].
وكما أن أساليب الشيطان كثيرة فأسلحته أيضاً كثيرة، ومن أعظم أسلحته: أم الخبائث وهي الخمر، وما أدراك ما الخمر؟ فكم ارتكبت من جرائم تحت تأثير المسكرات والمخدرات! وكم يقطع الناس آلاف الأميال لإشباع الأهواء والرغبات ابتداءً بالخمور والمسكرات! وكم تهدمت بيوت بسبب أم الخبائث! يحكى أن امرأة جاءت إلى عابد ومعها طفل صغير وكأس من الخمر، فقالت له: أنت بين خيارات: إما أن تزني بي، وإما أن تقتل هذا الغلام، وإما أن تشرب الخمر، فظن أنه سيختار أهون هذه الأمور الثلاثة، فقال: أشرب الخمر ولا أزني ولا أقتل أحداً، فلما شرب الخمر تخمر عقله، والخمر معناها مأخوذ من التغطية، نقول: خامر الشيء إذا غطاه، والخمر تغطي العقل فلا يفكر الإنسان في عواقب الأمور.
فشرب الخمر، فلما طار عقله زنى بالمرأة، فلما زنى بالمرأة وعلم عظيم جرمه قتلها وقتل الغلام؛ لذلك قال النبي ﷺ : (الخمر أم الخبائث).
والملعونون في الخمر عشرة: شاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، ومشتريها، وبائعها، وآكل ثمنها، وساقيها، وما ذاك إلا لعظيم أثرها في الإفساد والتزيين.
ومن أعظم أسلحته التي انتشرت اليوم في كل بيت إلا من رحم الله: الموسيقى والألحان، حتى أصبحت قلوبنا لا تتأثر بالقرآن؛ لأنها ملئت بمزامير الشيطان، وصدق الله حين قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦١ - ٦٢]، ثم قال الله له: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٣ - ٦٤].
فإذا أتى الرجل أهله ولم يذكر الله شاركه الشيطان، وإذا أكل طعامه ولم يذكر الله شاركه الشيطان، وإذا دخل بيته ولم يذكر الله دخل معه الشيطان، فكم هي البيوت التي تسكنها الشياطين اليوم! لقد انتشرت الموسيقى والألحان كانتشار النار في الهشيم، فلا يكاد يخلو منها بيت ولا سيارة ولا مكتب ولا مطار، فكل أماكننا أصبحت أماكن لمعازف الشيطان والعياذ بالله! فأسألك بالله إن كنت عاقلاً: ماذا استفدنا من المعازف والألحان؟ ثم قل لي: ماذا استفدنا من هؤلاء الذين يغنون ويطبلون ويرقصون استجابة للشيطان؟! ماذا استفدنا منهم؟ وماذا يقدمون للمجتمع؟ إنّ الطبيب يعالج المرضى، والمدرس يكافح الأمية ويعلم الصغار والكبار، والفلاح يزرع، والصانع يصنع، وأما المغني والمغنية، والراقص والراقصة، والممثل والممثلة، فماذا يقدمون للمجتمع؟! ماذا يقدم لنا هؤلاء؟! بكل صراحة إنهم يقدمون لنا الفاحشة والرذيلة، ويقدمون لنا الزنا بكل صوره، ويدعوننا إلى شرب الخمور، ومعاقرة النساء، والسفر للسياحة إلى بلاد الكفار، أليس هذا هو الواقع؟ أي عاقل يقول: إن كلمات الأغاني تدعو إلى مكارم الأخلاق والفضيلة؟! ومع هذا امتلأت بيوتنا وسياراتنا بمعازف الشيطان، فأمة الإسلام هجرت القرآن، واتخذت معازف الشيطان لها شعاراً بالليل والنهار، فكيف تنتصر على أعدائها؟! إن حب القرآن وحب الألحان في قلب عبد مؤمن لا يجتمعان؛ فلذا أصبحت قلوبنا أقسى من الحجارة، والسبب: أنها تعلقت بمزامير الشيطان.
وقد سئل الإمام أحمد عن الموسيقى والألحان فقال: لا يفعلها عندنا إلا الفساق، وقال شيخ الإسلام: أولئك هم المخنثون عندنا.
فأسألكم بالله العظيم: لو رأى الإمام أحمد وشيخ الإسلام الفيديو كليب اليوم ماذا سيقولان؟! ولو رأيا نساءنا يتمايلن بأجسادهن وشعورهن على الشاشات والقنوات، وأمم من البشر يسهرون حتى ساعات الليل الأخيرة على المعازف والألحان ماذا سيقولان؟! ها هو الأقصى يلوك جراحه والمسلمون جموعهم آحاد يا ويحنا ماذا أصاب رجالنا أو ما لنا سعد ولا مقداد ومن أسلحته أيضاً: السحر والشعوذة، والكهنة والعرافين، فكم أضلوا وأفسدوا! وكم فرقوا ودمروا من بيوت! وكم فرقوا بين زوج وزوجة! ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢].
ومن أعظم أسلحته التي تظهر قلة الحياء، وقلة الغيرة على الدين: النساء، وما أدراك ما النساء؟ فهن أعظم سلاح للشيطان، فإذا عجز الشيطان عن الرجل الصالح جاءه من باب النساء كما قال النبي ﷺ : (ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل منكن)، فاذهب إلى الأسواق وانظر إلى الكاسيات العاريات، ثم قل بكل صراحة: أين الآباء؟! وأين ولاة الأمور؟! وأين من استرعاهم الله الرعية؟! أين هم حتى يروا بناتهم وفتياتهم يتلاعب الذئاب بهن في كل مكان.
стр. 766
الأسلحة التي نواجه بها الشيطان
هذه أسلحة الشيطان التي يهاجمنا بها، ومن فضل الله علينا أن أعطانا أسلحة مضادة لهذه الأسلحة، ومن أعظمها قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠]، فالجأ إلى الله، واعتصم به، وتوكل عليه: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١].
وقد جاء في الأثر أن الله يقول: (وعزتي وجلالي! ما اعتصم بي عبد من عبادي وكادته السماوات والأرض إلا جعلت له من بينها مخرجاً)، فمن اعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، ويقول النبي ﷺ : (إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت فاسأل الله)، وقال يوسف ﵇ حين هاجمته النساء من كل مكان ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف:٣٣ - ٣٤].
وقال الله للشيطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر:٤٢]، وقال: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل:١٠٠] وهم الذين يقودهم كما يقود الرجل الشاة والبعير، وهكذا يفعل الشيطان بكثير من أوليائه.
ومن أعظم الأسلحة التي نرد بها كيد الشيطان: ذكر الله تعالى، يقول النبي ﷺ : (مثل الذي يذكر الله كمثل رجل فر من قوم ثم دخل إلى حصن فتحصن به)، فذكر الله ﵎ حصن للمسلم في صباحه ومسائه.
وقال النبي ﷺ : (أنزلت علي اليوم سورتان ما رأيت أعظم منهما قدراً: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١])، فكررها صباحاً ومساءً.
ثم إن من أعظم ما نستطيع أن نعتصم به عن الشيطان: معرفة أساليب الشيطان التي ذكرناها، ونتذكر حين يخطو بنا خطوة تلو الخطوة أن هذا من مكر الشيطان ومن أساليبه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١].
وقد زين لقريش من قبل حتى دمرهم الله كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال:٤٨].
وسيخطب الشيطان في أهل النار خطبة عظيمة، ويخطب في الذين أضلهم فناموا عن الصلوات، واقترفوا المحرمات، وملئوا آذانهم بالأغاني والشهوات، وماتوا دون إعلان التوبة وإظهار المسكنة والاستغفار لله، وقد قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٥ - ٦]، وقال الله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢].
فاتقوا الله -عباد الله- واتخذوا الشيطان عدواً كما قال الله ﵎: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا))، وهل من المعقول أن نصاحب الأعداء؟! وهل من المعقول أن نسمع كلام العدو؟! فاتقوا الله عباد الله! قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمني وإياكم من الشيطان، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.
اللهم إنا نعوذ بك من همزات الشيطان، ونعوذ بك ربنا أن يحضرون.
اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.
اللهم اجعلنا من الذين هم على صلاتهم دائمون، ومن الذين هم على صلاتهم يحافظون، ومن الذين هم في صلاتهم خاشعون.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم احفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، اللهم انصرهم في كل مكان، في فلسطين والشيشان، وفي العراق وأفغانستان، اللهم كن لهم عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وقوَّ عزائمهم، واربط على قلوبهم.
اللهم اكبت عدوك وعدونا من اليهود والنصارى والمنافقين يا عليم يا خبير يا قوي يا عزيز! عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم.
стр. 767
ولا تهنوا ولا تحزنوا
على الأمة المسلمة أن تستمسك بدينها وتقوي إيمانها؛ حتى تستعيد به كرامتها المفقودة، وتعود إليها قيادة البشرية، وقد تبين لنا من خلال غزوات الرسول ﷺ أسباب النصر والهزيمة، ففي بدر كان الهدف والرأي واحداً وهو طلب مرضاة الله، فتحقق النصر، وفي أحد حصلت الهزيمة بسبب المعصية وحب الدنيا والتنازع عليها.
стр. 768
دروس من غزوة أحد
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا ربنا أولى بذا كرماً شبنا على الرق فاعتقنا من النار قال جل في علاه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فأمتكم هي خير أمة أخرجت للناس، وقد تكفل الله ألا تهزم هذه الأمة ولا تغلب، وأنها ظاهرة على الأمم كلها ما ابتغت إلى الله سبيلاً، وما سارت على طريق نبيها وطريق أصحابه، فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا على خطاهم سائرين.
عنوان هذا اللقاء هو: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أي: بشرط أن تحققوا الإيمان بالله رب العالمين، ولذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
فبالإيمان تنال العزة والنصر والتمكين، وبالإيمان يكون الثبات، وبالإيمان تنال ولاية الله جل في علاه، فلا عزة إلا بالإيمان، وحيث لا يوجد الإيمان فلا مكان للعزة.
وقد واسى الله محمداً ﷺ وأصحابه بهذه الآية الكريمة فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران:١٤٣٩ - ١٤٠] أي: يوم أحد، ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠] أي: في يوم بدر، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] لحكمة إلهية ربانية عظيمة، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤٢]، فلا تظن أن الجنة رخيصة، بل الجنة غالية، وطريقها صعب وشاق، فمن أرادها فليقدم الثمن.
стр. 769
حكمة الله من هزيمة المسلمين يوم أحد
ما حدث من أحداث يوم أحد كان لحكم أرادها الله، منها: تمييز الخبيث من الطيب، فما أكثر الذين ينتمون إلى الصف حين الانتصار! فيوم أن انتصر المسلمون في بدر التحق بالصف من ليس منهم، فهؤلاء يعرفون حين تنقلب الموازين.
ثم إن الله أعد للمؤمنين في جنات النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولن يصلوا إلى ذلك إلا بالامتحان والابتلاء العظيم، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢].
ثم من حِكَم الله جلَّ في علاه فيما حدث في ذلك اليوم العظيم: أن يبين للأمة من أقصاها إلى أدناها أن النصر ليس بوجود محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤ - ١٤٥].
ثم بين أن هذه سنة لا تتغير ولا تتبدل فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٧].
وعبودية الله لا بد أن تكون في السراء وفي الضراء، أما في الرخاء والسراء فالكل يدعي ذلك، فكان لا بد من إظهار العبودية في الشدة حتى يتميز الخبيث من الطيب.
وفي ذلك اليوم العظيم -يوم بدر- ذاق المسلمون طعم الانتصار، وفرحوا بذلك، وذكرهم الله بتلك النعمة العظيمة وبذلك الفضل الكبير فقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣] أي: قلة قليلة مستضعفة تخافون أن يتخطفكم الناس ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣].
ثم في يوم أحد ذاق المسلمون مرارة الهزيمة لحكمة أرادها الله؛ وذلك حتى يعرفوا النصر ويأخذوا بأسبابه، وحتى يعرفوا الهزيمة ويتجنبوا أسبابها.
стр. 770
من أسباب الهزيمة يوم أحد
إن اختلاف الرأي والنزاع وعدم السمع والطاعة، والذنوب والمعاصي، هي من أسباب الهزيمة، ففي يوم بدر كان الصف واحداً، وكانت الكلمة واحدة، وكانت النية صالحة، فلم تدخل الدنيا في القلوب فانتصرت القلة القليلة، لكن في يوم أحد اختلف الأمر تماماً، فقد جهزت قريش في ذلك اليوم ما لم تجهزه من قبل، بل أرسلت شعراءها يطوفون بين القبائل حتى يجمعوا المتطوعين لقتال محمد وأصحابه، فكان عندهم دافع قوي للقتال، فقد كانوا يريدون الثأر والانتقام، فما وقع عليهم يوم بدر لم يكن بالشيء القليل، فقد قتل كبراؤهم وأمراؤهم وساداتهم، وأثخن فيهم المسلمون الجراح، ونكلوا بهم تنكيلاً، حتى خرجوا من أرض المعركة يجرون قبل الهزيمة أذيال الذل والانكسار؛ لأنهم خرجوا بطراً ورئاء الناس؛ وليحقق الله للمؤمنين سنته: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].
فحشدوا في ذلك اليوم أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل، ومعهم سبعمائة بعير تنقل عتاد المعركة، وسبعمائة درع كقوة وقائية، وجعلوا ميزانية تلك الحرب هي القافلة التي استنقذت يوم بدر، وكان قوامها أكثر من خمسين ألف دينار ذهب، أي: ما يعادل اليوم أكثر من مليون ريال، وهو مبلغ كبير في ذلك الحين، وضعوا تلك القافلة وقفاً لإعداد الجيش في ذلك اليوم، وخرجوا بثلاثة آلاف، وما خرجت العرب بجيش مثله من قبل، وألبوا القبائل، وطلبوا المتطوعين من هنا ومن هناك، وخرجت النساء معهم يحرضنهم ويبثثن فيهم روح القتال والانتقام، ويذكرنهم بقتلاهم في بدر، والذل والهوان الذي لحقهم في ذلك اليوم.
стр. 771
السرية والكتمان في نقل المعلومات والأخبار المهمة
لما علم العباس بالأحداث في مكة -وكان لم يسلم حينها- أرسل إلى النبي ﷺ رسالة عاجلة مع رجل من رجاله الذين يثق فيهم، وكانت المسافة بين مكة والمدينة تقطع في عشرة أيام، فقطعها الرجل في ثلاثة أيام، ثم وصل وأخبر النبي ﷺ بالخبر وسلمه الرسالة، فقرأها أبي بن كعب وفيها أن قريشاً قد أعدت العدة واستعدت لغزو المدينة وهي في الطريق، فقال النبي ﷺ لـ أبي: (اكتم الخبر) أي: حتى لا يشيع الخبر قبل اجتماع القوم وأخذ المشورة، وكان سعد بن الربيع في داره، فجاءه النبي ﷺ إلى داره وأخبره بالخبر، فقال: والله! يا رسول الله! ما أرى هذا إلا خيراً، قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] ثم لما خرج النبي ﷺ من عند سعد قالت امرأة سعد لـ سعد: ماذا قال لك النبي ﷺ ؟ قال: لا أم لك، وما لك ولهذا؟ لأنه لا يريد أن يشيع الخبر، فقالت: أما والله! فإني قد سمعت الخبر، فأخذها من يدها ولحق النبي ﷺ بها وقال: يا رسول الله! لقد سمعت كلامنا، حتى إذا فشا الخبر لا تظن أني قد أشعت الخبر، فقال النبي ﷺ : (دعها وأطلق يدها؛ فإنها مؤمنة).
حتى النساء يتكتمن على أخبار المسلمين، وتعلم أن القضية قضية تكتم وقضية سرية؛ لأن الأمر يعنيها، فهي تشترك معهم في العقيدة والإيمان، وهي تشترك معهم في الهدف وفي المنهج وفي الطريق، ومحمد كما أنه رسول الرجال فهو أيضاً رسول النساء.
стр. 772
مشاورة القائد لجنوده
جمع النبي ﷺ كبار القوم من المهاجرين والأنصار وبدأ الرأي والمشورة بينهم، فأشار النبي ﷺ إشارة لا أمراً، فقال: (نقاتلهم داخل المدينة) أي نتحصن داخل المدينة -وهو ما يسمى اليوم بقتال الشوارع- لأن ذلك أدعى للتنكيل بالعدو، فالعدو لا يعرف أين المخابئ التي يختبئ بها المسلمون، ثم ستكون هناك فرصة لزيادة العدد، فالنساء سيقاتلن على ظهور البيوت، وسيرمين العدو بالحجارة، وستجتمع الكلمة الواحدة داخل المدينة، فأبى الشباب المتحمس إلا الخروج، ومنهم نفر لم يخرج يوم بدر، فقالوا: يا رسول الله! إنا لندعو الله لمثل هذا اليوم، أي: فكيف يوم أن جاء عدونا نجعلهم يدخلون علينا في دارنا؟! وكان أول المتحمسين أسد الله حمزة فقال: يا رسول الله! والله! لا أطعم طعاماً حتى أناجزهم خارج المدينة، وحمزة ﵁ هو الذي فعل بهم الأفاعيل يوم بدر، وقد كان الفرسان يهابون أن يقفوا أمام حمزة، ولا أحد يستطيع أن يقوم أمام أسد الله، فلما رأى النبي ﷺ أن رأي الأكثرية هو الخروج وافق على هذا وهو يرى أن المصلحة في البقاء، ووافقه على البقاء رأس الكفر والنفاق عبد الله بن أبي بن سلول؛ لأنه لا يريد الخروج والقتال أصلاً، وهو أجبن من أن يقاتل مع المسلمين، فقاتل الله المنافقين طباعهم لا تتغير في كل حين، وصفاتهم لا تتغير ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧].
فصلى النبي ﷺ صلاة الجمعة ثم دخل إلى داره ولبس لأمته ولبس كامل ثياب الحرب وخرج، فلما رأى الرجال أنهم قد أكرهوا النبي ﷺ على الخروج قالوا: يا رسول الله! كأننا قد أكرهناك، فاعمل بالرأي الذي تراه، فقال بهمته العالية: (ما كان لنبي أن يضع لأمته حتى يحكم الله بينه وبين عدوه) أي: ما كان لنبي أن يتردد عن قتال أعداء الله بعد أن وضع عدة السلاح؛ وقد عمل ذلك حتى يبين لهم أنه لا تردد في هذا الطريق.
стр. 773
مؤامرات المنافقين
خرج الرسول ﷺ ومعه ألف من الرجال، وباتوا يوم السبت خارج المدينة، وقبيل الفجر غير النبي ﷺ من مكانه، ثم صلى الفجر مع أصحابه، وهم بكامل عدتهم الحربية، ثم لما انتهوا من الصلاة بدأت مؤامرة المنافقين، فانسحب ابن سلول بثلاثمائة من الرجال، وكان الهدف من الانسحاب خلخلة الصف، وتفريق كلمة المسلمين، مع أنه قد حانت ساعة الصفر، وما بينهم وبين عدوهم إلا أمتار، وما بينهم وبين عدوهم إلا لحظات حتى يستقبلوهم بالقتال، فاختار عدو الله تلك اللحظة حتى يفعل فعلته، فرجع معه المنافقون وعددهم ثلاثمائة، وقال: استشار الولدان حين أشاروا عليه بالخروج، وأنا أشرت عليه بالبقاء في المدينة ولم يسمع كلامي، وكاد ببلبلته أن يفتن طائفتين من المؤمنين، طائفة من الأوس وطائفة من الخزرج، فقال الله جل في علاه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢١ - ١٢٢] فلولا أن ثبت الله المؤمنين لنكص منهم نفر على أدبارهم، وتوقف النبي ﷺ مع أصحابه بعد هذا الخبر، فكانت ردة فعل المسلمين شديدة، واختلفوا في رأيهم ماذا نصنع بهؤلاء؟ فقالت طائفة: نقتل هؤلاء المنافقين قبل أن يرجعوا إلى المدينة، فقال النبي ﷺ : (بل دعوهم) وأنزل الله ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣].
وهذه حكمة عسكرية كبيرة؛ لأنه لو تلاحم معهم في الصفوف والكفار على مقربة منهم لاشتعلت النار على المسلمين من كل الجهات.
стр. 774
خطة النبي ﵊ للمعركة
لقد رأى النبي ﷺ موازين المعركة: ثلاثة آلاف في الطرف المقابل بكامل العدة والعتاد يفوقون المسلمين في كل شيء إلا في الإيمان والعقيدة، وكفى بهذا فخراً للمسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥] فقسم النبي ﷺ رجاله على حسب ظروف المعركة، فاختار جبل أحد فجعل ظهره إلى الجبل، وقسم الرجال إلى قسمين: راية الأنصار وراية المهاجرين، وقسم راية الأنصار إلى رايتين: أوس وخزرج، ثم جعل خمسين من الرجال على قمة الجبل كقوة رادعة وقوة ضاربة تحمي ظهرهم، وترد الخيل، والخيل لا تستطيع أن تقاوم السهام والنبال.
فوضع القائد خطة كاملة تناسب ظروف المعركة، وقال للخمسين الرجل الذين جعلهم على قمة الجبل بعد أن أمرَّ عليهم عبد الله بن جبير: (لا تنزلوا ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير)، وكان للأوامر الصارمة دور في بداية المعركة حيث إن المسلمين انتصروا في البداية بسبب الرماة، ثم كان الرماة أنفسهم هم سبب الهزيمة في النهاية، والسبب كما ذكر الله جل في علاه: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢] وهم الذين كانوا على قمة الجبل، قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] وهم الذين كانوا في أرض المعركة.
صف النبي ﷺ الرجال ثم أخذ يحثهم على القتال، وقال: (إن روح القدس نفث في روعي وقال: إن نفساً لن تموت قبل أن تستوفي رزقها وأجلها، وما من أمر يحبه الله ورسوله إلا أمرتكم به، وما من أمر لا يحبه الله ورسوله إلا نهيتكم عنه، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا، وأخلصوا جهادكم لله رب العالمين).
ثم جُعلت كلمة السر التي يتعارف بها الرجال في أرض المعركة: (أمت أمت).
стр. 775
رفع النبي ﵊ لهمم المسلمين
قبل المعركة قام النبي ﷺ حتى يرفع همة الرجال فقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟)، فقام كثير من الصحابة، وأبى النبي ﷺ إعطاءهم، ثم قام أبو دجانة وكان النبي ﷺ يعنيه، فهو يعرف طبيعة الرجال فقال: (من يأخذه بحقه؟ قال: وما حقه يا رسول الله؟! قال: يضرب به هامات الكفار حتى ينحني، قال: أنا آخذه يا رسول الله)، والقوم يعرفون أبا دجانة، فهو رجل قتال، ورجل إذا ربط العصابة الحمراء على رأسه فإنه يقاتل حتى الموت، فربط العصابة، وأخذ يتبختر بين الصفوف متمايلاً، فقال النبي ﷺ : (إن هذه مشية يكرهها الله ورسوله إلا في هذا الموطن)؛ لأنها تغيظ الكفار.
следующие страницы →