← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

السرية والكتمان في نقل المعلومات والأخبار المهمة لما علم العباس بالأحداث في مكة -وكان لم يسلم حينها- أرسل إلى النبي ﷺ رسالة عاجلة مع رجل من رجاله الذين يثق فيهم، وكانت المسافة بين مكة والمدينة تقطع في عشرة أيام، فقطعها الرجل في ثلاثة أيام، ثم وصل وأخبر النبي ﷺ بالخبر وسلمه الرسالة، فقرأها أبي بن كعب وفيها أن قريشاً قد أعدت العدة واستعدت لغزو المدينة وهي في الطريق، فقال النبي ﷺ لـ أبي: (اكتم الخبر) أي: حتى لا يشيع الخبر قبل اجتماع القوم وأخذ المشورة، وكان سعد بن الربيع في داره، فجاءه النبي ﷺ إلى داره وأخبره بالخبر، فقال: والله! يا رسول الله! ما أرى هذا إلا خيراً، قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] ثم لما خرج النبي ﷺ من عند سعد قالت امرأة سعد لـ سعد: ماذا قال لك النبي ﷺ ؟ قال: لا أم لك، وما لك ولهذا؟ لأنه لا يريد أن يشيع الخبر، فقالت: أما والله! فإني قد سمعت الخبر، فأخذها من يدها ولحق النبي ﷺ بها وقال: يا رسول الله! لقد سمعت كلامنا، حتى إذا فشا الخبر لا تظن أني قد أشعت الخبر، فقال النبي ﷺ : (دعها وأطلق يدها؛ فإنها مؤمنة). حتى النساء يتكتمن على أخبار المسلمين، وتعلم أن القضية قضية تكتم وقضية سرية؛ لأن الأمر يعنيها، فهي تشترك معهم في العقيدة والإيمان، وهي تشترك معهم في الهدف وفي المنهج وفي الطريق، ومحمد كما أنه رسول الرجال فهو أيضاً رسول النساء.

стр. 772

مشاورة القائد لجنوده جمع النبي ﷺ كبار القوم من المهاجرين والأنصار وبدأ الرأي والمشورة بينهم، فأشار النبي ﷺ إشارة لا أمراً، فقال: (نقاتلهم داخل المدينة) أي نتحصن داخل المدينة -وهو ما يسمى اليوم بقتال الشوارع- لأن ذلك أدعى للتنكيل بالعدو، فالعدو لا يعرف أين المخابئ التي يختبئ بها المسلمون، ثم ستكون هناك فرصة لزيادة العدد، فالنساء سيقاتلن على ظهور البيوت، وسيرمين العدو بالحجارة، وستجتمع الكلمة الواحدة داخل المدينة، فأبى الشباب المتحمس إلا الخروج، ومنهم نفر لم يخرج يوم بدر، فقالوا: يا رسول الله! إنا لندعو الله لمثل هذا اليوم، أي: فكيف يوم أن جاء عدونا نجعلهم يدخلون علينا في دارنا؟! وكان أول المتحمسين أسد الله حمزة فقال: يا رسول الله! والله! لا أطعم طعاماً حتى أناجزهم خارج المدينة، وحمزة ﵁ هو الذي فعل بهم الأفاعيل يوم بدر، وقد كان الفرسان يهابون أن يقفوا أمام حمزة، ولا أحد يستطيع أن يقوم أمام أسد الله، فلما رأى النبي ﷺ أن رأي الأكثرية هو الخروج وافق على هذا وهو يرى أن المصلحة في البقاء، ووافقه على البقاء رأس الكفر والنفاق عبد الله بن أبي بن سلول؛ لأنه لا يريد الخروج والقتال أصلاً، وهو أجبن من أن يقاتل مع المسلمين، فقاتل الله المنافقين طباعهم لا تتغير في كل حين، وصفاتهم لا تتغير ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧]. فصلى النبي ﷺ صلاة الجمعة ثم دخل إلى داره ولبس لأمته ولبس كامل ثياب الحرب وخرج، فلما رأى الرجال أنهم قد أكرهوا النبي ﷺ على الخروج قالوا: يا رسول الله! كأننا قد أكرهناك، فاعمل بالرأي الذي تراه، فقال بهمته العالية: (ما كان لنبي أن يضع لأمته حتى يحكم الله بينه وبين عدوه) أي: ما كان لنبي أن يتردد عن قتال أعداء الله بعد أن وضع عدة السلاح؛ وقد عمل ذلك حتى يبين لهم أنه لا تردد في هذا الطريق.

стр. 773

مؤامرات المنافقين خرج الرسول ﷺ ومعه ألف من الرجال، وباتوا يوم السبت خارج المدينة، وقبيل الفجر غير النبي ﷺ من مكانه، ثم صلى الفجر مع أصحابه، وهم بكامل عدتهم الحربية، ثم لما انتهوا من الصلاة بدأت مؤامرة المنافقين، فانسحب ابن سلول بثلاثمائة من الرجال، وكان الهدف من الانسحاب خلخلة الصف، وتفريق كلمة المسلمين، مع أنه قد حانت ساعة الصفر، وما بينهم وبين عدوهم إلا أمتار، وما بينهم وبين عدوهم إلا لحظات حتى يستقبلوهم بالقتال، فاختار عدو الله تلك اللحظة حتى يفعل فعلته، فرجع معه المنافقون وعددهم ثلاثمائة، وقال: استشار الولدان حين أشاروا عليه بالخروج، وأنا أشرت عليه بالبقاء في المدينة ولم يسمع كلامي، وكاد ببلبلته أن يفتن طائفتين من المؤمنين، طائفة من الأوس وطائفة من الخزرج، فقال الله جل في علاه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢١ - ١٢٢] فلولا أن ثبت الله المؤمنين لنكص منهم نفر على أدبارهم، وتوقف النبي ﷺ مع أصحابه بعد هذا الخبر، فكانت ردة فعل المسلمين شديدة، واختلفوا في رأيهم ماذا نصنع بهؤلاء؟ فقالت طائفة: نقتل هؤلاء المنافقين قبل أن يرجعوا إلى المدينة، فقال النبي ﷺ : (بل دعوهم) وأنزل الله ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣]. وهذه حكمة عسكرية كبيرة؛ لأنه لو تلاحم معهم في الصفوف والكفار على مقربة منهم لاشتعلت النار على المسلمين من كل الجهات.

стр. 774

خطة النبي ﵊ للمعركة لقد رأى النبي ﷺ موازين المعركة: ثلاثة آلاف في الطرف المقابل بكامل العدة والعتاد يفوقون المسلمين في كل شيء إلا في الإيمان والعقيدة، وكفى بهذا فخراً للمسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥] فقسم النبي ﷺ رجاله على حسب ظروف المعركة، فاختار جبل أحد فجعل ظهره إلى الجبل، وقسم الرجال إلى قسمين: راية الأنصار وراية المهاجرين، وقسم راية الأنصار إلى رايتين: أوس وخزرج، ثم جعل خمسين من الرجال على قمة الجبل كقوة رادعة وقوة ضاربة تحمي ظهرهم، وترد الخيل، والخيل لا تستطيع أن تقاوم السهام والنبال. فوضع القائد خطة كاملة تناسب ظروف المعركة، وقال للخمسين الرجل الذين جعلهم على قمة الجبل بعد أن أمرَّ عليهم عبد الله بن جبير: (لا تنزلوا ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير)، وكان للأوامر الصارمة دور في بداية المعركة حيث إن المسلمين انتصروا في البداية بسبب الرماة، ثم كان الرماة أنفسهم هم سبب الهزيمة في النهاية، والسبب كما ذكر الله جل في علاه: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢] وهم الذين كانوا على قمة الجبل، قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] وهم الذين كانوا في أرض المعركة. صف النبي ﷺ الرجال ثم أخذ يحثهم على القتال، وقال: (إن روح القدس نفث في روعي وقال: إن نفساً لن تموت قبل أن تستوفي رزقها وأجلها، وما من أمر يحبه الله ورسوله إلا أمرتكم به، وما من أمر لا يحبه الله ورسوله إلا نهيتكم عنه، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا، وأخلصوا جهادكم لله رب العالمين). ثم جُعلت كلمة السر التي يتعارف بها الرجال في أرض المعركة: (أمت أمت).

стр. 775

رفع النبي ﵊ لهمم المسلمين قبل المعركة قام النبي ﷺ حتى يرفع همة الرجال فقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟)، فقام كثير من الصحابة، وأبى النبي ﷺ إعطاءهم، ثم قام أبو دجانة وكان النبي ﷺ يعنيه، فهو يعرف طبيعة الرجال فقال: (من يأخذه بحقه؟ قال: وما حقه يا رسول الله؟! قال: يضرب به هامات الكفار حتى ينحني، قال: أنا آخذه يا رسول الله)، والقوم يعرفون أبا دجانة، فهو رجل قتال، ورجل إذا ربط العصابة الحمراء على رأسه فإنه يقاتل حتى الموت، فربط العصابة، وأخذ يتبختر بين الصفوف متمايلاً، فقال النبي ﷺ : (إن هذه مشية يكرهها الله ورسوله إلا في هذا الموطن)؛ لأنها تغيظ الكفار.

стр. 776

توزيع القوات العسكرية وتقسيمها وضع النبي ﷺ صناديد الرجال في المقدمة، مثل سعد وحمزة وعمر وأبي بكر، وبدأ الكفار يحرض بعضهم بعضاً، والنبي يذكر المسلمين بالله وباليوم الآخر، وشتان بين فئة تقاتل في سبيل الطاغوت وفئة تقاتل في سبيل الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، ومهما بلغت قوتهم قال تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] وقال الله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠]، لكن إن خذلكم ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠].

стр. 777

صور من تضحيات الصحابة يوم أحد لقد كانت معركة أحد درساً للأمة في جيلها الأول وفي أجيالها المتلاحقة والمتعاقبة حتى يومنا هذا، فبدأ القتال وبدأت تعلو صيحات، وبدأ التكبير يأتي من هنا ومن هناك، وبدأ حمزة يضرب رقاب الرجال، فكان لا يسير بين الصفوف إلا تفرقت الجموع من أمامه. وأخذ أبو دجانة يضرب بسيف النبي ﷺ حتى أثخنت فيهم الجراح. وأما الزبير فصنع العجب العجاب، وكان النبي ﷺ يراقبه في أرض المعركة وهو يبحث عن حامل راية المشركين طلحة بن أبي طلحة، وراية المعركة هي شعار المعركة لكل فريق، وبنو عبد الدار هم حملة لواء قريش، فتتبعه الزبير، فلما جاءه وهو على بعيره قفز الزبير على ظهر البعير فجلس معه، ثم مسكه من تلابيبه، ورماه على وجهه من ظهر الجمل، ثم دك وجهه وقصم ظهره، ثم اجتز رقبته وأسقط راية الكفار، فتبسم النبي ﷺ وهلل وكبر، وقال: (لكل نبي حواري وحواريي من هذه الأمة الزبير بن العوام). وبدأت المعركة تسير على النظام الذي وضعه النبي ﷺ ، وكر الكفار على المسلمين في أول الأمر، فردهم الرماة، وكر خالد وعكرمة اللذان كانا على فرسان مكة، وردهم الرماة مرة ثانية، وكروا ثالثة فردهم الرماة، فكانت الخطة تسير كما ينبغي، والصفوف منظمة، والكلمة مسموعة، والهدف واحد. وصنع حمزة العجب العجاب، وقتل من فرسانهم، فانهارت عزائمهم، وحمل بنو عبد الدار الراية مرة ثانية فقتل سعد بن أبي وقاص حامل الراية، ثم حملها ثالث فقتلوه، حتى حمل الراية منهم ستة فقتلهم الصحابة جميعاً، وأسقطوا راية الكفار ست مرات ولم تتزعزع راية المسلمين، وبدأ المشركون يفرون من أرض المعركة، وبدأت علامات الهزيمة تظهر عليهم، وبدأت الغنائم تتناثر في أرض المعركة هنا وهناك، حتى أخلى المشركون معسكرهم، وبدءوا يفرون يمنة ويسرة، ثم أتت النقطة التي قلبت موازين المعركة، عندما خولفت الأوامر، فتباً للمعاصي ماذا تصنع! وتباً لمخالفة الأوامر ماذا تصنع!

стр. 778

سبب الهزيمة يوم أحد ما حدث للمسلمين في ذلك اليوم هو بسببين: الأول: مخالفة الأوامر وحب الدنيا، وهذا هو المرض الذي نعاني منه اليوم الذي تداعت علينا فيه الأمم: (قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: أنتم كثير)؛ فهذه الأمة عددها مليار ولكنها لا تملك لنفسها طرف، (أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع من صدور أعدائكم المهابة، ويقذف في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت). فكم أضلت الدنيا من عابد، وكم قتلت من زاهد، وكم أضعفت من مستقيم، وكم تزينت وكم فعلت. فقال الرماة: الغنيمة الغنيمة، فدخلت في القلب أثارة من دنيا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ * مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥١ - ١٥٢]، فقال عبد الله بن جبير: قد سمعتم الأوامر، فلا يتحرك أحد من مكانه، سواء كانت المعركة لنا أو علينا، قالوا: قد حسمت المعركة وفر القوم، فخالفوا الأوامر، ونزلوا ولم يبق إلا قلة قليلة مع عبد الله بن جبير ﵁ وأرضاه، فلما رأى خالد نزول هؤلاء استغلها فرصة، فدار بفرسانه من ناحية الجبل، وكان معه أكثر من مائتي فارس، فهاجموا القلة القليلة التي كانت على ظهر الجبل، فقتلوهم عن آخرهم؛ وبسبب مخالفة الأوامر قتل أكثر من سبعين من الصحابة، وبسبب مخالفة الأوامر كادوا أن يقتلوا النبي ﷺ ، وكادت الأمة أن تخسر نبيها في تلك اللحظات. وفوجئ المسلمون بالقوم يأتونهم من أمامهم ومن خلفهم، واشتعلت النيران على المسلمين، واختلت الصفوف، فأصبح المسلمون في حيرة من أمرهم، ولم تعد هناك خطة تتبع، وفشلت تلك الخطة التي وضعها النبي ﷺ ، وما فشلت لأنها لم تكن على قدر أرض المعركة، لكن كان فشلها لأن الذين كلفوا بتطبيق تلك الخطة قد خالفوا الأوامر بسبب شيء من حب الدنيا.

стр. 779

حال المسلمين حين هجم عليهم الكفار من خلفهم كان المسلمون في أرض المعركة على ثلاثة أقسام حين داهمهم القوم: يمنة ويسرة، وقلة قليلة كانت حول النبي ﷺ ، وبخبرته ﷺ العسكرية لم يذهب هو ومن معه إلى جمع الغنائم، بل بقي في مقر القيادة، وهناك قلة أخرى كانت تطارد فلول الكفار هنا وهناك، والأكثرية كانت في معسكر الكفار، وهذه الأكثرية هي التي تكبدت الخسائر كلها. والذين كانوا في معسكر الكفار أيضاً انقسموا إلى قسمين، وشاع الخبر أن النبي ﷺ قد قتل، فانهارت العزائم، وخارت القوى، وضعفت الروح، ففريق منهم رجع يجر أذيال الهزيمة إلى المدينة فاستقبلتهم النساء، يقلن لهم: تفرون من الموت في سبيل الله، فقال الرجال للنساء: قتل النبي ﷺ ، فقالت النساء: موتوا على ما مات عليه محمد ﷺ ، ولا ترجعوا إلينا تجرون أذيال الهزيمة، لضربة بالسيف على عز خير من حياة على ذل، فرجعوا وقاوم الرجال، وفي وسط المعركة تأتيهم الرماح والنبال من كل صوب.

стр. 780

سبب شيوع خبر أن النبي قد قتل في أحد وكيف شاع الخبر أن محمداً ﷺ قد قتل؟ لقد كان مصعب بن عمير أكثر الناس شبهاً بالنبي ﷺ ، فقتل ابن قمئة مصعباً الشاب الطاهر العفيف الذي كان له دور كبير في دخول الإسلام إلى المدينة، مات مصعب ولم ير عز الإسلام وانتصار المسلمين، وما نقص هذا من أجره شيئاً، لكنه قد فاز، حيث تستقبله الحور العين في جنات النعيم، وعندما قتل الكفار مصعباً وكان شبيهاً بالنبي ﷺ ظنوا أنهم قد قتلوا محمداً وشاع الخبر يمنة ويسرة، وما كان قد بقي من قوة في المسلمين خار وانهار عند سماع هذا الخبر، فإذا بـ أنس بن النضر الذي كان مع المسلمين في معسكر الكفار يسمع الخبر، فوقف في أرض المعركة يقول: إلى أين يا قوم؟! قالوا: قد مات محمد صلوات ربي وسلامه عليه، قال: إن كان محمد قد مات فرب محمد حي لا يموت، اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء، وأعتذر إليك مما فعل هؤلاء - يعني المسلمين - ثم انطلق ليقاتل الكفار، فلقيه سعد بن معاذ فقال: إلى أين يا أنس؟! قال: واه لريح الجنة يا سعد! والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فخرج يقاتل القوم حتى قتل، يقول أنس: والله ما نرى إلا أنه نزل فيه قوله ﵎: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣].

стр. 781

شجاعة النبي ﵊ وحكمته عند الهزيمة أراد النبي ﷺ أن يجمع أصحابه الذين تبعثروا في أرض المعركة، وأراد أن يبث الروح فيهم مرة ثانية، فأعلن عن مكانه في أرض المعركة معرضاً حياته للخطر، والكفار يريدونه هو- بأبي هو وأمي-، ومع هذا وقف موقف الشجعان، وكان باستطاعته أن ينسحب من أرض المعركة، ويلوذ بظهر الجبل، لكن ما كان له أن يترك الرجال هناك، فأخذ ينادي: (أيها المسلمون! أنا محمد بن عبد الله)، فلما سمعوا صوته ارتفعت العزائم، فقائدهم حي يرزق، وحبيبهم بين أظهرهم يقاتل معهم، فارتفعت عزائم الرجال، فشقوا الصفوف حتى وصلوا إليه ﷺ ، وتكوكبوا من حوله.

стр. 782

صور من تضحيات الصحابة في غزوة أحد لما رأى النبي ﷺ هجوم الكفار قال لنفر ممن حوله من شباب الأنصار: (من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة) فتطايرت الكلمات إلى مسامع شباب الأنصار، فتسابقوا حتى قتلوا جميعاً واحداً تلو الآخر وهم ستة من الرجال. وأما أبو دجانة فقد صنع العجب العجاب، فقد احتضن النبي ﷺ ، وأصبح ظهره ترساً للنبي ﷺ يقول المؤرخون: إن ظهره أصبح كظهر القنفذ من كثرة الرماح والنبال التي ألقيت على ظهره! ولا زال القوم يقدمون على قتل النبي ﷺ ، فقال: (من يردهم وهو رفيقي في الجنة؟)، فقام سعد بن الربيع يوم سمع هذه الكلمات، فالجنة هي التي بايعوا النبي ﵊ من أجلها، وهاهي الآن تعرض عليهم بأرخص الأثمان. ياحبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها فرمى بالدرع الذي كان يلبسه؛ لأنه كان يثقله، وانطلق يقاتل حتى قتل. ولم يشترك من نساء المسلمين في تلك المعركة إلا امرأة، ولكنها بألف رجل، إنها أم عمارة ﵂ وأرضاها، فلما رأت النبي ﷺ في أرض المعركة قد تكالب عليه الأعداء من يمنة ويسرة رمت القراب التي كانت تسقي بها جرحى المسلمين، وأخذت تدافع عن النبي ﷺ يا أختاه! يقول الرسول ﷺ عنها: (ما رأيت مثل ما رأيت من أم عمارة في ذلك اليوم! ألتفتُ يمنة وأم عمارة تذود عني، والتفت يسرة وأم عمارة تذود عني)، وقال لها النبي ﷺ في أرض المعركة: (من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟! سليني يا أم عمارة! قالت: أسألك رفقتك في الجنة يا رسول الله! قال: أنتم رفقائي في الجنة). أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ وجاء أبي بن خلف عدو الله يقول: أين محمد؟ لا حييت إن حييا، فلم يتردد القائد أو يجبن أو يختفي خلف الصفوف، ولكنه أخذ رمحه ووجهه نحو عدو الله فأرداه قتيلاً في أرض المعركة.

стр. 783

جراح النبي ﵊ يوم أحد في يوم أحد كسرت رباعيته ﷺ ، وشج رأسه، ودميت قدماه، وقال: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم؟!) فقال الله له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]. وفي يوم أحد قتل حمزة ﵁ وأرضاه، ولم يقتل وجهاً لوجه، وإنما قتل غدراً وخيانة، وما كان أحد يستطيع أن يواجه حمزة في تلك المواقف، قتله وحشي غدراً بعد أن قيل له: إن قتلته فأنت عتيق حر، فقتله وعاد إلى المعسكر، ولم يقتل أحداً غيره، ولم يفعل شيئاً إلا قتل حمزة. وجمع النبي ﷺ أصحابه، وبدأ ينسحب بهم إلى ظهر الجبل، ثم بدءوا يلتفون من حوله حتى ظن المشركون أنهم قد حسموا المعركة، فارتقى النبي ﷺ الجبل هو ومن معه، وخرجوا من أرض القتال لا انهزاماً، ولكن حفاظاً على البقية الباقية، وضبطاً وتنظيماً للصفوف، وفرح الكفار بما قد فعلوا، وظنوا أنهم قد أصابوا من المسلمين وما أصابوا؛ لأن الله وعدهم إحدى الحسنين: الموت أو الشهادة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢].

стр. 784

نهاية معركة أحد نادى أبو سفيان قائد القوم بأعلى صوته: (أفيكم محمد؟ أفيكم ابن الخطاب؟ أفيكم أبو بكر؟ فقال: اعل هبل، فقال النبي ﷺ : رد عليه يا ابن الخطاب! قال: بل الله أعلى وأجل، قال: الحرب سجال، هذا بيوم بدر، فقال: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) لذلك قال الله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠]. ثم قال: أفيكم محمد؟ فقال: نعم يا عدو الله! حتى يغيظ الكافر، وكان بإمكان أبي سفيان ومن معه أن يغيروا على المدينة فهي خالية من الرجال، ولكن ألقى الله في قلوبهم الرعب والمدينة خالية من الرجال!

стр. 785

من أخبار شهداء أحد لقد تفقد النبي ﷺ الشهداء، فنظر إلى حنظلة وقال: (والله الذي لا إله إلا هو إن الملائكة لتغسله بين السماء والأرض!) وسأل زوجه جميلة: ما خبر حنظلة؟ فأخبرتهم أنه دخل عليها في ليلة المعركة، فلما أصبح الصباح سمع منادي الجهاد ينادي، فخرج على جنابته، ولم يكن هناك وقت حتى يغتسل، فغسلته الملائكة بين السماء والأرض! أما عبد الله بن حرام أبو جابر فقال لأم جابر: يا أم جابر! إني أرى أني أقتل، وقال: أوصيك يا جابر! بأخواتك وأمك خيراً، وقتل عبد الله بن حرام مقبلاً غير مدبر، فرأى النبي ﷺ جابراً يبكي، فقال: (يا جابر! والله الذي لا إله إلا هو إن الله كلم أباك كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، وقال: تمن يا عبدي! قال: يا رب! أتمنى أن أرجع فأقتل فيك، قال: إني كتبت عليهم أنهم إليها لا يرجعون، لكن أُحلّ عليك رضواني فلا أسخط عليك أبداً). وقال النبي ﷺ : (من يأتيني بخبر سعد بن الربيع؟) فأخذوا يبحثون عنه بين القتلى، فوجدوه في آخر رمق من الحياة، فقال له الذي كان يبحث عنه وهو أبي بن كعب: إن النبي ﷺ يقرئك السلام ويقول: كيف تجدك يا سعد؟ قال: أقرئ النبي مني السلام وقل له: والله إني لأجد ريح الجنة، ثم وصى بوصية - وهو في آخر رمق من الحياة- فقال: وأقرئ قومي الأنصار مني السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف، ثم فارق الحياة. وما وصى بمال ولا وصى بعيال، بل وصى بالقضية التي كانت تشغله، فلما سمع النبي ﷺ بخبر سعد استعبر ودمعت عيناه، ثم توجه إلى القبلة ورفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم الق سعد بن الربيع وأنت عنه راض)، فرحمك الله يا سعد نصحت للإسلام حياً وميتاً. وأما عمرو بن الجموح فسطر قصة عجيبة في ذلك الموقف، ففي ليلة أحد جاء إلى النبي ﷺ يريد الخروج، فرده أبناؤه، وقالوا: أنت أعرج من أهل الأعذار، وليس على الأعرج حرج، فقال بنبرة صادقة وعزيمة صادقة: والله لأطأن بعرجتي الجنة، فقال النبي ﷺ : (خلوا بينه وبين ما أراد)، وكان له ذلك، فقتل شهيداً في ذلك اليوم.

стр. 786

غزوة حمراء الأسد رجع المسلمون من أحد بجراحات وآلام، وفقدوا من فقدوا، وجرح حبيبهم، وصنع بهم العجب العجاب، فجاءت الأخبار أن أبا سفيان لما قطع نصف الطريق، قيل له: ترجع ولم تستأصل شأفتهم؟ ما صنعتم شيء! محمد حي ﷺ ، وأبو بكر حي، وعمر حي فماذا صنعتم؟ وأين الانتصار الذي حققتموه؟ فأرادوا الرجوع، فلما سمع النبي ﷺ بالخبر أمر من حضر المعركة أن يستعد للخروج مرة ثانية، ولك أن تتخيل الموقف، هم مليئون بالجراحات وبالهموم، وأصابهم ما أصابهم ذلك اليوم، وقتل منهم من قتل، ومع ذلك قال: (لا يخرج معي إلا من خرج بالأمس)، وخرجوا إلى حمراء الأسد، فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٢ - ١٧٥].

стр. 787

المستقبل لهذا الدين لقد حصل بمخالفة واحدة ما حصل في يوم أحد، فالمجاهد الذي يجاهد في سبيل الله عنده هدف، والهدف ليس هو الغنيمة، وإنما الهدف أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فالمجاهد خرج يطلب الشهادة، ولم يخرج يطلب غنيمة، والغنيمة تأتي تبع في أرض المعركة، فلما جاء حب الدنيا، وخولفت الأوامر حصل ما حصل. فكم هي الأوامر التي خولفت اليوم؟! وكم هو إقبال الناس على الدنيا اليوم؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون، لكن: قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فبالإيمان سيتحقق النصر والتمكين، يقول النبي ﷺ : (أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره). ومن فضائل هذه الأمة أن الله يبعث لها على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، والجهاد ماض حتى تقوم الساعة، قال النبي ﷺ : (ولا تزال طائفة من أمتي منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، ويقاتل منهم قومٌ الدجالَ). وما كواكب الشباب التي نراها كل يوم تقبل على طاعة الله، وعلى المساجد، وعلى القرآن قلباً وقالباً إلا دليل على أننا الأعلون ديناً وعقيدة ومنهاجاً وطريقة، ومهما صنعوا فلن يستطيعوا أن يطفئوا نور الله، قال الله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]. فعلينا أن نستفيد من الدروس الماضية، وأن نزرع الإيمان زرعاً في القلوب، ونسقيه بماء الإخلاص والثقة واليقين، ومهما بلغت قوتهم فإن القوة لله جميعاً، والأمر لله من قبل ومن بعد. اللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك الموحدين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك الموحدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك. اللهم صن أعراضهم، واحقن دماءهم، وفك أسرانا وأسراهم. اللهم سدد رأيهم ورميهم، واكبت عدوك وعدوهم، واشدد وطأتك عليهم فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز! اللهم احفظ شبابنا وشاباتنا ونساءنا وشيبنا وأطفالنا. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين! ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

стр. 788

رفقاً بالقوارير إن العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة ستكون أكثر ثباتاً، وأدوم مودةً، وأغزر عطفاً، إذا كانت قائمة على التفاهم والتعاون والتكامل بينهما. ولن يتأتَّى هذا كله إلا إذا كان الرجل صاحب خلق ودين، وينبغي للرجل أن يعلم أن الزواج هو: مودة ورحمة، وأنه يعيش مع امرأة تسيطر عليها المشاعر والعواطف والأحاسيس، فعليه أن يتودد لها بأجمل العبارات، وأن ينتقي أفضل الألفاظ، وأن يشعرها بعظم قيمتها في حياته، كأن يأخذ مشورتها في بعض الأمور، وأن لا يتعامل معها بجفاء وغلظة، لئلا تستحيل حياتها إلى أشبه ما تكون بالعذاب.

стр. 789

الإيمان أساس عمارة البيوت وسعادتها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: سأل مسلم أحد المجوس: أي امرأة أنكح؟ فقال: ديننا ودين اليهود والنصارى كل له مواصفات في الزوجة، قال: في الجاهلية كانت تنكح للنسب، وعند النصارى تنكح للجمال، وعند اليهود تنكح للمال، ونبيكم ينكح للدين، فاختر أنت، فهذا هو الضابط للمرأة، أن تكون صاحبة خلق ودين. ونفس الشيء للرجل: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض). إذا وضعت المرأة في يد الرجل الصالح الأمين، إن أحبها أكرمها، وإن لم يحبها لم يهنها، إما سيمسكها بمعروف، أو سيفارقها بإحسان. اليوم تحصل إهانات في البيوت وأحوال لا يعلم بها إلا الله، وقد اتصلت بي أحد النساء تقول: يريدون أن يزوجوني من ولد عمي، قلت: هذا أمر طيب وخير وبركة، قالت: لكنه لا يصلي، وأعرف تماماً أنه لا يركع ولا يسجد. هل يجوز أن نزوج مثل هذا يا إخوان؟! حتى لو كان ولد عمها، أو ولد خالها، أو قريباً من أقاربها، لا يجوز. لماذا نقدم العادات والتقاليد القبلية البائدة على أوامر الدين؟ هذا هو سبب التأخر والمشاكل التي تحدث في البيوت الآن، فقلت لها: الجئي إلى وليك بعد الله، قالت: لجأت له بعد الله، ولكن للأسف! قال لها: إن شاء الله هدايته تكون على يديك. تقول: قلت له: وما يدريك لعل انحرافي يكون على يديه هو؟ فأنا أحتاج إلى من يعينني لا أن أعينه. سبحان الله! البيوت -في بعض الأحيان- إذا لم توضع لها هدفاً منذ بُنيت والله لن تستمر الحياة الزوجية، وإن استمرت فستستمر وفيها أخطاء وملابسات، وفيها أشياء لا يعلم بها إلا الله، إن لم تقم هذه البيوت على قوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، ويضع أصحاب البيوت هذا الهدف نصب أعينهم، ويسعون من أجل تحقيق هذا الهدف، وإلا والله كل البيوت ستتلاعب بها الشياطين صباح مساء. كتبت إلي إحداهن تقول: تزوجنا منذ سنتين، وكنا في حال لا يعلم بها إلا الله، وكنا لا نصلي إلا نادراً (الزوج والزوجة)، وأصوات الأغاني دائماً تتردد على مسامعنا؛ فبفضل الله وبرحمته اهتدى زوجي إلى طريق الحق والصواب والثبات، وتغيرت أحوالنا تماماً، فاستبدلنا أشرطة الأغاني بأشرطة الحديث والقرآن، وحافظنا على الصلوات والصيام، ولم يكن يقف أمامنا عائقٌ إلا الدش، قاتل الله هذه الأطباق! تقول: اقترحت على زوجي أن يحذف جميع القنوات ويبقي لنا بعض القنوات التي تبث البرامج الدينية، ولكن هذه ليست وسيلة للتخلص، فالقنوات لا تزال موجودة، وكل ما عليك: أن تغير الرقم السري وتفتح التشفير مرة أخرى، فأنت لم تتخلص منها، والشيطان لا يزال يوسوس لك، ويقول لك: غير وافتح وبدل، لكن التخلص من المعصية أن تتخلص منها تماماً وألاَّ تبقي لها أثراً أمامك. تقول: اقترحت عليه أن يحذف جميع القنوات، ويبقي لنا بعض القنوات التي تبث بعض البرامج الدينية، وانتقلنا إلى بيت ثانٍ بحكم أن البيت الأول لم يكن قريباً من المسجد. ويوم أن جاءت الهداية وجاءت الاستقامة تغيرت الأحوال، يريدون بيتاً بجوار المسجد وغيروا القنوات، هكذا يصنع الإيمان! لكن حتى الإيمان إذا لم نحفظه فإنه يذهب، الإيمان تارة يرتفع إذا حافظنا على الطاعات، وإذا ارتكبنا المعاصي والمنكرات انخفض، فليس من الصعب أن تصل إلى قمة الجبل، لكن الصعب أن تمكث في القمة، محتمل أن تنزل، لكن إن نزلت وراجعت الحسابات تستطيع أن ترجع مرة ثانية وبسرعة، لكن إذا استمر الانحدار، ولم تراجع الحسابات، ثم إذا التفت إلى القمة فإذا هي بعيدة فالرجوع إليها يكون صعباً؛ لذا من صفات الجادين المحاسبة، ومن صفات الصادق الجاد الذي عنده هدف أنه يجرد حساباته من حين إلى حين، فإذا راجع الحسابات أولاً بأول، فإنه سيرتقي بإيمانه مرة أخرى، وكثير من الناس من ينتكس ثم يهمل نفسه، وفي داخله منادٍ يناديه: ارجع فلا يستجيب، ارجع فلا يستجيب، ثم يأتي في يوم من الأيام يفكر أن يرجع لكن المسافة قد صارت بعيدة، والفجوة صارت سحيقة، لكنه إذا راجع حساباته من أول مرة سيرجع بإذن الله. تقول: بعد مرور سنة على حالنا هذه صارت لزوجي ظروف عمل، واضطر إلى أن يسافر عدة أشهر، وكان من الصعب أن يتركني وحدي في البيت، بحكم أننا لم نرزق بأطفال، ففكرت في أن أذهب إلى أهلي إلى أن يعود، وبالفعل ذهبت. ثم صارت ظروف في العمل واختاروا شخصاً آخر، ورجع هو قبل إتمام المهمة، وكان المفروض أننا إذا سافرنا أن نؤثر على الآخرين لا أن يؤثروا علينا. ومنذ أن سافر انغسلت الأفكار وتغيرت الوجهات، تقول: منذ أن رجع وبعد دخوله البيت بأسبوع أدخل لنا الإنترنت، ونحن لسنا ضد الإنترنت، ففيه خير كثير، لكن نحن ضد الاستخدام السيئ للإنترنت ما وقياساً على الحديث: ما خلا رجل أو امرأة بالإنترنت إلا كان الشيطان ثالثهما، فكم أفسدت الشبكات العنكبوتية؟! وكم دمرت من بيوت؟! وكم من عفيفة أصبحت زانية؟ وكم من شاب مستقيم أصبح من المنحرفين؟ السبب: الاستخدام الخاطئ، وضعف الوازع الديني، وقلة المراقبة في الخلوات، كل ذلك يؤدي بكثير من الشباب إلى الانحرافات نسأل الله العفو والعافية، ارتق بإيمانك، بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. بعض الشباب تضعه في مكان يؤثر على الجميع، ولله دره ما عندنا من هؤلاء إلا قليل، في أي مكان تضعه فهو يؤثر ولا يتأثر، وبعضهم بمجرد أن ينتقل من بيئة إلى بيئة إذا به يرجع لنا بأفكار أخرى. أقول: قس مدى حقيقة إيمانك، ليس أمام الناس؛ لأن أمام الناس الكل يتزين، والكل يدعي أمام الناس أنه عابد زاهد، لكن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل يجر أقتابه في النار -نسأل الله العفو والعافية- فيقول له أهل النار: أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. ومن أشد الناس عذاباً يوم القيامة أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، قس إيمانك -بارك الله فيك- إذا كنت خلف الجدران أترى سارقاً يسرق والناس يرونه؟ أتراه يزني والأبصار تشاهده؟ أبداً والله، لكن الذي يستشعر عظمة الله، ودعته امرأة ذات حسن وجمال، (وغلقت الأبواب وقالت هيت لك) ماذا قال لها؟! ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣]، يستشعر رقابة الله. أيها الإخوة! ساعة مع الإنترنت تهدم إيمان سنة، وساعة واحدة فقط أمام صور إباحية ومناظر خليعة تهدم طاعات وقيام ليل وصيام، أي إيمان هذا؟! أي شيء لا ينبني على أساس متين فمصيره إلى الزوال، النبي ﷺ يقول: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة) فيما يظهر للناس لكنه إذا خلا وجلس أمام الإنترنت يتصفح صفحة صفحة، يا ليت أنه يتصفح الطيب، وإنما يتصفح الخبيث، نسأل الله العفو والعافية. فلماذا تخاطر بدينك؟ أعجبني ذلك الشاب ولله دره، قال: عرضت علي دورة عمل -وكان حديث استقامة، ولم يمض على استقامته إلا شهور- قلت: ما هي الآثار المترتبة على هذه الدورة؟ قال: يا شيخ! الوظيفة ستتغير رأساً على عقب، وراتبي سيتضاعف من ستة آلاف إلى اثني عشر ألفاً، والمميزات التي سأحصل عليها بعد حصولي على الشهادة ستختلف تماماً، لكني أخاف على ديني، ولست أضمن إن ذهبت إلى هناك أني أرجع وأنا ملتزم. يقول لي ببسيط عبارته: أنا لم أكد أتمكن من الدين وأسلك الطريق المستقيم، حتى أرجع على ما كنت عليه مرة أخرى. والله لن أقبل هذه الدورة مهما أعطوني، ومهما بينوا لي. الله أكبر يخاف على ماذا؟ إنه يخاف على دينه، ونحن أيها الإخوة! نجازف بديننا في مثل هذه الأمور وكأن الدين رخيص، وكل مصائب الدنيا تهون إلا مصيبة الدين. تقول المرأة: منذ رجع أدخل الإنترنت بدون علمي حتى بدون أن يستشيرني، وبدأ يوم بعد يوم يهمل الصلاة، وترك الدروس والمحاضرات نهائياً: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]، بدل الصلوات وقراءة القرآن صار أمام الشاشات والقنوات والصور الخليعة والصور الإباحية، وصار شغله الشاغل الإنترنت، فيجلس عليه طوال الوقت، وكنت أقوم بالليل ولا أجده بالفراش، وإنما جالساً ساعات وساعات أمام الشاشات والقنوات، ولا يجلس معي، ولا يكلمني إلا إذا احتاج إلى شيء، هاتي لي أو افعلي لي! لكن طالب الحور العين، والذي يتذكر تلك التي لو ضحكت غطى نور وجهها نور الشمس والقمر، يبدل هذا بذاك، بعد ذلك ما هي المتعة أو اللذة المترتبة على هذا؟ أليس النظر إلى المحرمات موت بطيء، ونار تحترق في الداخل، لماذا أخاطر بنفسي؟! أمرنا الله بغض الأبصار لكي يعذبنا؟ أبداً، وإنما أمرنا حتى نرتاح وتطمئن النفوس؛ لأن المعاصي تنكت في القلب، فإذا أطلق النظر، وأطلق السمع، وأطلق الكلام، ماذا بقي؟ سيبدأ يتبع خطوات الشيطان خطوة خطوة. تقول: لا أذكر أنه كلمني بكلام طيب منذ أن أدخل الإ

стр. 790

بعض عيوب المتزوجين لعلٍّي في عجالة أذكر بعض عيوب المتزوجين. فبعضهم هاش باش في الشارع، يضحك مع هذا، ويضحك مع ذاك، وإذا دخل إلى بيته لا تكاد تراه يتبسم في وجه أهله! كثير من يظن -نسأل الله العفو والعافية- أنه يوم نقرأ أحاديث السلام، أو أحاديث المصافحة، أو أحاديث الخصومة، أو أحاديث كذا أننا نطبقها على الناس ولا نطبقها على أهلنا (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، لكن تبسمك في وجه أهلك أعظم، حين تتصدق على الفقير فالأمر عظيم، لكن حين تتصدق على أهلك الأمر أعظم، حين تصافح فلاناً وفلاناً الأمر عظيم، وتحط خطاياكم، لكن حين تصافح أهلك فالأمر أعظم. سبحان الله! كثير من النساء يشتكين: ما عرفنا كلام الحب والغرام إلا أيام الملكة، فإذا أخذها في داره ومضى الشهر ثم الشهران فلا تسمع مثل هذا الكلام، كلمة (أحبك) غير موجودة في قاموس كثير من الشباب اليوم. أقسم بالله العظيم أني خاطبت مجموعة من الشباب يوماً بينما كنا نتبادل أطراف الحديث، قلت: متى آخر مرة قلت لزوجتك: أنا أحبك؟ قال: لماذا أقول لها أصلاً، هي تعلم أني أحبها، أين أثر الكلمة الطيبة؟ اسألها: ألا تريدين أن أقول لك مثل هذا الكلام؟! اتصلت بي امرأة باكية بعد محاضرة من المحاضرات، فقالت: الحمد لله الذي أنقذني! لقد كنت على شفا حفرة من النار وأنا متزوجة، تقول: أقسم بالله العظيم أنه أصبحت لي علاقات هاتفية، ولولا أن الله ستر علي لخرجت معهم. لكن الحمد لله، الله أنقذني؛ بقي أن تنصحوا أزواجنا بأن يتلطفوا معنا في العبارات، قولوا لأزواجنا: أن يتلطفوا معنا بالعبارات، وأن يقولوا لنا كلاماً فيه حنان ومودة ولطف، لماذا نسمع هذا الكلام من الذئاب؟! أيها الإخوة! المرأة تسيطر عليها المشاعر فهي تحتاج إلى أن تسمع مثل هذا الكلام منك، مثل: أحبك! أودك! أنت أغلى ما عندي! أنت أم عيالي! زوجتي العزيزة! زوجتي الحبيبة! وتعالوا نفتح قاموساً جديداً، ونضع فيه مثل هذه العبارات. كان رسول الله ﷺ أول ما يدخل على أهله يستاك ويتطيب، واليوم الواحد منا يدخل على أهله وله رائحة كريهة يا إخوان! والله البعض يترفع أن يبتسم، بل إن البعض حين يتكلم عن أمه أو عن أخته أو عن زوجته يقول: المرأة أعزكم الله، فهو إذا تكلم عن المرأة يظن أنها أمر مهان، أبداً إنها مخلوق مكرم من عند الله، بل إن الله قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فوضع لها حقوقاً وواجبات. ويوم حجة الوداع خصص النبي ﷺ جزءاً كبيراً من الخطبة في ذلك اليوم العظيم للمرأة، وكان أكثر ما تكلم عن حقوق المرأة، ثم أرشد الأمة فقال: (ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد) لماذا؟ لأن الجاهلية كانت تهين المرأة، ولا تضع لها اعتباراً، وليس لها قيمة، فكانت لا تستشار ولا يؤخذ برأيها، بل كان يتم التعامل معها كمتاع من أمتعة البيت، فجاء الإسلام ليغير هذا المفهوم، فقال: (استوصوا بالنساء خيراً) في آخر وصاياه وهو يودع الحياة. ثم تأمل في هذه العبارات الجميلة: (رفقاً بالقوارير) واسمع بارك الله فيك! وهو يتلطف مع النساء: (رفقاً بالقوارير) إنه قائد أمة -أيها الإخوة- وعنده تسعة بيوت، ويتعاهد البيوت كل يوم، ويلاطف نساءه التسع، وأنت عندك زوجة واحدة، ولم تستطع أن تلاطفها بالليل وبالنهار، ألست تطالبها بالتزين والزينة أمامك؟ أنا لست أدافع، لكني أرد لكل ذي حق حقه، فعند النساء كثيراً من الأخطاء وسنتكلم في أخطاء النساء، لكن الرجل بيده التغيير يا إخوان! والرجل أكثر صبراً وتحملاً، يقول النبي ﷺ : (استمتعوا بهن على عوج). والظروف التي تمر بها هي، أو هل تدري ماذا يعني حمل ونفاس؟ والله أحوال لا يعلمها إلا الله، فتخيل وأنت تحمل في يدك قطعة وزنها كيلو واحد، وأنت حامل لها لمدة ساعة أو ساعتين أو ثلاث، فهل تستطيع أن تتحمل؟ وكم ستتعب؟ وكم ستضايقك؟ وتأمل في حملها تسعة أشهر الثلاثة أربعة أو إلى خمسة كيلو في بعض الأحيان، ثم هي تصبر وتتحمل، ثم يأتي من يهينها بعد صبرها وتحملها. بعض الأزواج يضحك ويتبسم في الشارع، فإذا دخل إلى بيته لا تكاد تسمعه، تقول عائشة: (كان بساماً في بيته يضاحك أهله ويلاعب أهله) بل أصبح تعدد الزوجات اليوم فضيحة من الفضائح، ومصيبة من المصائب في المجتمع الإسلامي، والسبب: الظلم. إن زواجه ﷺ من تسع لم يمنعه من أن يعطي كل بيت حقه، بل كان يجمع النساء ويلاعبهن، وقد اجتمعت عنده سودة وعائشة يوماً من الأيام، فأخذ يضاحك هذه ويضاحك هذه حتى قامت عائشة مرة بحريرة ولطخت بها وجه سودة، ولأن سودة امرأة أضعف من عائشة، فمسك النبي ﷺ بـ عائشة وأخذت سودة تلطخ وجهها. ويعملن هذا وهن ضرائر! لكن من الذي قام بالمسئولية؟ ومن الذي ألف بين القلوب؟ إنه الرجل، فهو الذي يؤلف بين القلوب. وأنت عندك امرأة واحدة فاكسب قلبها بارك الله فيك! وأنت إما زوج وإما ستكون زوجاً في القريب العاجل، فتعلم أدب الزواج قبل الزواج. وبعضهم قد يتزين للناس ولا يتزين لأهله، ويلبس للناس أحسن الثياب، فإذا جاء أمام أهله لبس أرداها. يقول ابن عباس: والله إني لألبس لها أغلى ثيابي، وإني لأتزين أشد مما هي تتزين لي. واليوم وقت شاشات ومغريات، والمصيبة العظمى: ضياع الغيرة من قلوب الرجال، فيجلس هو وإياها وهي تشاهد الرجال، وهو يشاهد النساء. ثق تمام الثقة بأي منظار أنت تنظر للمرأة، بنظرة الإعجاب في طولها! في قوامها! في شعرها! ثق تمام الثقة أنها تنظر للرجال بنفس النظرة. لما دخل ابن أم مكتوم الأعمى، وكانت حفصة وعائشة جلوس عند النبي ﷺ ، فلما جلس قال النبي ﷺ لـ عائشة وحفصة: (انصرفا، فقالتا: يا رسول الله! إنه أعمى، قال: أعمياوان أنتما؟!). فالمرأة تنظر إلى الرجل بنفس النظرة التي أنت تنظر إلى المرأة، والأدهى والأطم عندما يجلس هو وإياها يشاهدان المصارعة الحرة، فتخيل رجلاً مفتول العضلات! فهم يأتون بأناس مفتولين العضلات كالمنافقين، هيئات وشعور طويلة، وهي تنظر إلى زوجها تقول: الله ابتلاني بهذا، تشاهد رجلاً ذا طول وعرض وعضلات، وشعر طويل وحركات، ثم ماذا يلبس أمامها؟ إنه شبه عار، ثم ترى هذا يكحكح أمامها بسبب الدخان، والسمنة قد أهلكته! لماذا الله أخبرنا أن من كمال نساء الجنة أنهن قاصرات الطرف؟ من كمال جمال المرأة في الجنة أنها قاصرة الطرف لا تنظر إلى أحد من الرجال غير زوجها، وهذا هو المطلوب من المرأة اليوم، أنها لا تلتفت إلى أحد من الرجال غيره. اسمع هذه دعابة وخذها مني: امرأة تقول: أنام مع زوجي ونضع الشاشات والقنوات معنا في غرفة النوم، وهو يسهر وأنا أنام، وكلما قمت أحسست ببلل على وجهي! وفي اليوم الثاني أجد ثيابي مبللة، ووجهي مبللاً، فقلت: سأنظر ماذا يصنع زوجي؟ ومن أين يأتي هذا البلل؟ فكان الزوج يا إخوان! كلما نظر إلى امرأة على شاشة التلفاز بصق على زوجته. ولو نمت أنت واستيقظت وهي تشاهد الرجال، والله ستملأ وجهك مثلما ملأْت وجهها. نعم يا إخوان! الله أمر الرجال بغض الأبصار، وفي المقابل أمر النساء كذلك، هذا يغض البصر، وهذا يغض البصر، حتى لا يسقط كل واحد من عين صاحبه، وحتى لا تسقط زوجتك من عينك، ولا يسقط زوجك أنت من عينك، قال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢]، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٧٤]. لما مات النبي ﷺ وقرئ على سودة أم المؤمنين ﵁ قول الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، ما خرجت من بيتها إلا إلى المقبرة، لماذا؟ لأنها قصرت الطرف، ومات حبيبها فما عادت الدنيا تغنيها، فالرجل يحتاط لأهل بيته. تقول لي إحداهن: له شهر ما يكلمني، ونحن نعرف الحديث الذي فيه: (لا يحل لامرئ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) هذه زوجته، تقول: حتى السلام لا يسلم علينا، وبعضهم يهجرها أطول من هذا، وقد تستمر الخصومات في البيوت لأشهر طويلة، نسأل الله العفو العافية.

стр. 791

خيركم خيركم لأهله إننا ندعي أننا أتباع محمد، فكثير ادعوا أنهم يحبونه وأنهم أتباعه، فطلب الله منهم الحجة والبينة، فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، فصدق المحبة في صدق الاتباع، كيف كان مع أهله؟ يقول ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). سئلت عائشة: ماذا يصنع في بيتكم سيد البشر؟ ليس برئيس شركة، ولا أمير دولة، ولا ملك، ولا وزير، لا، بل سيد البشرية كلها، وخير من وطئ الأرض من البشر كلهم، يقال لـ عائشة: ماذا يصنع عندكم؟ فقالت: (كان يقوم خدمتنا فيكنس بيتنا، ويصلح طعامنا، ويغسل ثيابنا). أسألك بالله متى آخر مرة غسلت الصحون؟! هل هو عيب؟ لماذا نضطر لإحضار خادمات؟ لماذا الرجل لا يتلطف مع زوجته ويقف معها؟ لماذا دائماً نحب الأوامر والنواهي؟ بل إن التربية تبدأ بـ: (جي وهاتي) من ليلة العرس ومن يسيطر من ليلة الدخلة! هذه بنت تعطيها أمها التعاليم، ورجل تعطيه أمه التعليمات والبيانات، فالمرأة قالت لها أمها: من أول ليلة إما أن تركبينه، وإلا ستفقدين السيطرة، فافرضي شخصيتك من أول ليلة، قالت: وماذا أعمل يا أمي؟ قالت: إذا جلستم وغيرتم ثيابكم، وجلستم على فراش الزوجية، ضعي كأساً من الماء بعيداً عنك، فإذا جاء يريد أن يجلس بجوارك، قولي: لو سمحت! هات كأس الماء، أعطيه الأوامر من أول ليلة، وهو أمه قد وصته، فجاءت البنت تطبق الخطة التي علمتها أمها فتزينت وتعطرت وغيرت ثيابها، ثم وضعت كأس الماء وأبعدته يوم جاء وقرب، قالت له: لو سمحت هات كأس الماء، قال: (يلعن أبو وجهك) ولطمها على وجهها، قالت له أمه: أول أمر تعطيك لابد بأن تُجيب عليه بصفعة. لكن أقول: خير الهدي هدي محمد، فإذا دخل على زوجته في أول ليلة وضع يده على رأسها: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلت عليه)، وبعضهم لا يدري لماذا نصنع هذا؟ دخل النبي ﷺ على إحدى زوجاته وقد كان أهلها أعطوها وصايا؛ لكن وصاياهم لم تكن في محلها، قالوا لها: إذا أردت أن يحبك النبي ﷺ أول ما ترينه قولي: أعوذ بالله منك، فلما دخل عليها النبي ﷺ وقالت له هذا، قال لها: (لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك). هي آداب، فإذا اتبعنا الهدي النبوي فإن البركة تحل من أول ليلة، والهدي النبوي أولاً يكون في الاختيار، قال ﷺ : (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، وقال: (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس)، وقال: (إياكم وخضراء الدمن! قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسنة في المنبت السوء)، نختار، ثم إذا اخترنا نطبق الهدي النبوي، كيف كان في بيته؟ قالت عائشة: (كان يخدمنا فيغسل ثيابنا، ويصلح طعامنا، حتى إذا سمع النداء كأنه لا يعرفنا). لبعض سبحان الله! إحساس يعرف متى يلاطف أهله؟ ومتى يتجنب ذلك؟ ويعرف ساعات غضبهم، ويعرف ساعات انفعالهم، ويراعي مثل هذا، النبي ﷺ يقول: (والله يا عائشة! إني لأعرف غضبك ورضاك قالت: كيف يا رسول الله؟ قال: إذا غضبت تهجرين اسمي، فبدل ما تقولين: والذي بعث محمداً بالحق، تقولين: والذي بعث إبراهيم بالحق -وهي صادقة إبراهيم مبعوث بالحق- فتقول: أجل يا رسول الله لا أهجر إلا اسمك)، فهو يعرف أن زوجته غاضبة عندما تهجر اسمه. وبعضهم إذا قيل له: راض زوجتك، يقول: دعها تنفجر، لماذا لا تنفجر؟ انفجر أنت والله، هي دم ولحم ومشاعر، وما أعطيناك إياها لكي تقول: دعها تنفجر، إذا لم يكن عندك استعداد لترضيها فلماذا أخذتها؟ وهل تظن أن الحياة كلها ضحك؟ بل سبحان الله! الحب الحقيقي بعد الغضب في البيوت الصادقة يرجع أحسن مما كان. البيوت الصادقة تغضب، والغضب مثل الملح في الطعام، ينقي الشوائب، ويطهر البيوت، ويرجعها أحسن مما كانت عليه، اليوم أتباع محمد أبعد ما يكونون عن تطبيق سنة محمد ﷺ وهديه في الزواج، سب شتم إهانات مقاطعات وحتى الضرب يحصل لأتفه الأسباب، وقلة الغيرة، وشك في كل الأمور، أين نحن من قوله ﷺ (استوصوا بالنساء خيراً)؟! البيوت اليوم تهدم لأتفه الأسباب، امرأة ضُرِبت، وتشتكي فتقول: ضربني ضرباً حتى أمسكوه، ووصلت إلى درجة تقول: إن عيني عليها سواد، ووجهي كله اخضرار من كثرة الضرب، فهل هذه حلبة ملاكمة؟ وهل أتيت تفتل عضلاتك عليها! وما وجدت إلا هذه الضعيفة تظهر عليها قوتك، لكن ثق تمام الثقة أن الله سيسلط عليك من لا يخافك فيه ولا يرحمك. أتدري لماذا ضربها؟ ليتهمها بأنها ارتكبت جريمة، قلت: لماذا فعل هذا بك؟ اسمع -بارك الله فيك- حتى تعلم أنه تافه، إن كثيراً من الرجال تافه نسأل الله العفو والعافية، بل قل حقير في بعض الأحيان. تقول: كان عنده ثوب صوف اشتراه بأربعمائة ريال، وهو يغسل بالبخار، فقال لي: لا تغسليه مع الثياب، تقول: فاختلط مع الثياب فغسلته، فلما رآه كال لي الضرب والسب واللعان بأربعمائة ريال، فكسر رأسي! هذه أم عيالك يا أخي! والمفروض أن تقول لها: فداكِ المال والعيال والحلال لو كنت صادقاً في الحب، أما أن تضربها مثل هذا الضرب فما جاءت بفاحشة مبينة يا إخوان! فهل هذا هدي محمد؟ أم هل هذا هدي القرآن؟ بل إن القرآن في حالة نشوز المرأة وعدم طاعة زوجها، وضع لنا حلولاً، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] أول حلٍ: الموعظة، ثم قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، ثم السنة بيَّنت كيف يكون الضرب؟ بأن يكون ضرباً بسيطاً غير مبرح، أي: ضرب تأديب لا ضرب إهانة وإيلام، حتى تراجع حساباتها بارك الله فيك، لكن أن تضرب على ثوب -نسأل الله العفو والعافية- فلا يعقل ذلك. وحتى الطلاق أصبح اليوم يقع لأتفه الأسباب. تريد تضحك، اسمع: صلى رجل الفجر ثم عاد -لا أقول إنه مجنون وإنما هو شخص عاقل، لكن في تلك اللحظة ذهب العقل- جاءها وهي جالسة مسرورة تنتظر رجوعه، يضحك وإياها، فقال لها: هل تريدين أن أطلقك؟ قالت: أتحداك، قال لها: أنت طالق. أقسم بالله يا إخوان! أني أعرفه تمام المعرفة، وأقسم بالله العظيم إنه جاءها وهي تضحك! وهو الآن في ذمة الله، لكن العقول تزيغ يمنة ويسرة! ثم يقول: بعدما قلتها استشعرت ما الذي قلته؟ فجاءني أحد الشباب فقال: أريد أن أتزوج؛ لأني طلقت التي قبل، فقلت له: تريد تتزوج وتطلق، لماذا طلقتها؟ قال: زعلتني!! فثلاثة أمور جدهن جد وهزلهن جد؛ العتاق والطلاق والزواج، فلماذا نتلاعب بمثل هذه الكلمة؟ يقول: أنا كنت غاضب، وهل يطلق واحد وهو يضحك؟ هل يطلق وهو بيده كأس شاي وهو يضحك، ويقول لها: أنت طالق، إلا أخونا هذا صاحب صلاة الفجر. امرأة قالت لزوجها: أنا سأشتري خيلاً من تبوك، قال لها: والله لن يركبها أحدٌ سواي، قالت: والله لن تركبها -لاحظ أن الخيل ليست موجودةً- قال: علي الطلاق، والله أنت طالق. أين الخيل؟ إنها غير موجودة، وطلقت المرأة على أسباب تافهة، وهذا يحدث كثيراً، فتُهدم البيوت على أتفه من هذه الأسباب. ولاحظ أنه من شدة الكلمة ومن ثقل الكلمة ترتبط أسرة بكلمة، بل بكلمة تدخل الجنة أو بكلمة تدخل النار. وهذا حتى تعرف مسئولية الكلمة إن لم تكن أهلاً لها فلا تجني على الآخرين. من المتضرر إذا طلقت النساء؟ إنهم الأطفال. ليتنا نستشعر مسئولية الآخرين، ثم على فرض أنها وصلت الأمور إلى نقطة مسدودة تسمى الطلاق، ما تلاحظون يا إخوان؟! إن العلاقات بين الأسر تنقلب عداوات؛ بل بعضهم لو طُلقت أخته -وهو متزوج أخت المطلق- لطلق زوجته، لأن أخته طُلقت يقول الله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، هو مع هذه وصل إلى درجة لا يستطيع العيش معها، فتأخذهم نعرات الجاهلية والقبلية، ويطلقون الفتيات بسبب أن هذا طلق هذه، يا إخوان! هذا لا يجوز، لا في عرف ولا في شرع ولا في كتاب أنزله الله. لابد أن نعرف قيمة عقد الزواج وشعار الزوجية حتى نقوم بحقه كما ينبغي؛ نستشيرها -ليس شرطاً أن تأخذ برأيها- لتشعر أن لها مكانة ومنزلة، وأنك ستأخذ برأيها، ووالله إن بعض النساء عندهن من الرأي والمشورة أحسن مما عند كثير من الرجال. والله إن بعض النساء عندهن من الرأي والمشورة والحكمة والتدبير ما ليس عند كثير من الرجال، أما كان النبي ﷺ يستشير نساءه، ولم ينقص من قدره ولا من قيمته؛ لأنه يعرف أن بعض النساء عندهن من الرأي السليم والمشورة الحسنة ما الله به عليم. أمر أصحابه فقال: (انحروا هديكم واحلقوا رءوسكم)، إنهم أتوا يريدون الطواف والعمرة، منذ أن خرجوا من المدينة وهم في شوق إلى الطواف، وببنود جائرة جارت بها قريش على المسلمين، من هذه البنود: أنهم يرجعون ولا يعتمرون هذه السنة، يرجعون السنة المقبلة وتخلي قريش الحرم، ثم يدخل المسلمون يعتمرون، قالوا: يا رسول الله! كيف نرضى أن نرجع وقد أتينا؟! قال: (أنا رسول الله ولن يخذلني) ثم قال لهم: (انحروا هديكم، واحلقوا رءوسكم) فلم يفعلوا، وليس معصية إنما ظناً منهم أن النبي ﷺ قد يرجع عن كلامه، فرجع إلى أم سلمة، وقد كانت رفيقته في تلك الرحلة، قال لها: (هلك المسلمون أقول لهم: افعلوا كذا وكذا وهم لا يفعلون)، قالت: يا رسول الله -اسمع المرأة- اخرج ولا تتكلم وانحر هديك، واحلق رأسك، فخرج بمشورة أم سلمة ﵂ وأرضاها. اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم احفظنا في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم هيئ لهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وت

стр. 792

الجود والشح والكرم إن الجود والكرم من الصفات الحسنة التي حث عليها الإسلام، فقد كان النبي ﷺ أجود من الريح المرسلة، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكانت هذه الصفة التي فيه سبباً في إسلام كثير من الناس وفي حسن إسلامهم، وكذلك كان صحابته ومن سار على نهجهم؛ لعلمهم بأن الله يعوضهم خيراً مما تركوه، وقد ذم النبي ﷺ الشح وجعله من الموبقات.

стр. 793

الفرق بين الجود والكرم الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. أما بعد: أحبتي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين، اللهم فرج هم المهمومين، واكشف كرب المكروبين واقض الدين عن المدينين، ودل الحيارى واهد الضالين، واغفر للأحياء وللميتين. إن ديننا يحث على التكافل والترابط والتآخي والتماسك، يحثنا على مكارم الأخلاق، وعلى نبذ كل ما لا يرضي الله عنا، فمن صفات المؤمنين الصادقين: البذل والجود والكرم والتضحية والعطاء والإيثار إلى غير ذلك من الصفات. ومن صفات المنافقين: الشح والبخل والحقد والحسد والبغضاء، فميزنا الله عن أولئك المنافقين بالبذل والتضحية والعطاء. وإن من أسماء الله جل في علاه: الغني، الكريم، الجواد، المعطي وكل هذه الأسماء آثارها لا بد أن تظهر في حياتنا، فديننا يحثنا على مثل هذا سأجمع في موضوعنا الكلام عن الجود والشح والكرم. فإن قلنا: الجود والكرم، فالجود هو بذل المعروف لمن تعرف ولمن لا تعرف، وأما الكرم فلا يكون إلا في إقراء الضيوف، لذلك كان الجود أعظم من الكرم، وإن كان للكرم دور عظيم، فإن النبي ﷺ يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، فنكرمه نحن على كل حال من الأحوال، لكن من الذي سيعطي المحتاج الذي نعرفه والذي لا نعرفه؟ من سيسد حاجة اليتيم والأرملة والفقير؟ وعلى أكتاف من ستقوم أعمال البر والخير؟ وعلى أكتاف من ستبنى المساجد والمدارس ودور الرعاية؟ هذه كلها لا تقوم إلا على أكتاف المنفقين الباذلين المتقين، الذين صدقوا تقواهم بحسن ظنهم بربهم. وحين أمرنا الله بالمسارعة إلى الجنة بين لنا الطريق، فقال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] فمن أول صفات المتقين قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران:١٣٤]، أي: في كل الأحوال يعطي، فإن كانت الصدقة من الغني جميلة، فإنها من الفقير أجمل، ومن صفاتهم قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، فهذه الصفات كلها يعود نفعها على الآخرين؛ لذلك فالأعمال التي نعملها إما أعمال قاصرة أو أعمال متعدية. فالأعمال القاصرة هي التي يقصر نفعها على الشخص، كقراءة القرآن والتسبيح والتهليل والتكبير والصلوات فرضاً أو نافلة فالمردود له، فهذه أعمال قاصرة. والأعمال المتعدية أعظم أجراً عند الله، يقول ابن عمر: لأن أسير في حاجة أخي أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد. وبين الله عظم أجر الذين يسعون في الخير فقال سبحانه: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]؛ فإن هذه الأعمال كلها يعود نفعها على الآخرين، فقوله تعالى: ((إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ)) أي: أعطاها، وقوله: ((أَوْ مَعْرُوفٍ)) أي: أحسن إلى الآخرين، أو أصلح ذات البين، فهذه أعظم الأعمال عند الله جل في علاه. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]، أي: من يتصدق ويصلح ويبذل المعروف ابتغاء وجه الله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤].

стр. 794

صفة الجود ومعناها لغة واصطلاحاً فإذا قلنا: الجود، فالجود أعظم وأعم من الكرم، وضده: الشح والبخل أعاذنا الله وإياكم منهما. والجود لغة: من جاد يجود، وكلمة جود تدل على التسامح بالشيء وكثرة العطاء، فهو يعطيه ونفسه راضية ومطمئنة، ثم لا يعطي اليوم ويمسك أياماً، بل هو دائماً كلما تيسر له البذل والعطاء أعطى، ولا يؤجل ولا يسوف أبداً، بل كل ما حانت الفرصة بحث عن الفقير والمحتاج. والجود اصطلاحاً كما قال الزبيدي: الجواد هو الذي يعطى بلا مسألة؛ صيانة للآخذ من ذل السؤال. فمن الصعب أن تسأل الناس، حتى ولو كان هذا الذي تسأله أخاك فإن في السؤال مذلة لا يعلمها إلا الله، لكن الحاجة هي التي تدفع الناس إلى السؤال، يقول ابن عمر: أحب الناس إلي من بات وعليه هم ولم يجد أحداً يرمي بهمه عليه إلا أنا. أي: أحب الناس إلي ذاك الذي بات مهموماً، إما بدين أو بهم أو بغم، أو بأي حاجة من الحوائج، ثم لم يجد من يرمي بهمه عليه إلا أنا، قال: هذا أحب الناس إلي، ما جاءني إلا ثقة ومحبة في. فالجود اصطلاحاً: قال الزبيدي: الجواد هو الذي يعطي بلا مسألة؛ صيانة للآخذ من ذل السؤال، قال الشاعر: وما الجود من يعطي إذا ما سألته ولكن الجود من يعطي بغير سؤال وورد حديث عند البخاري ومسلم عن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس وأشجع الناس، قال: فزع أهل المدينة ليلة سمعوا هيعة في ناحية من نواحي المدينة، فأسرع الناس إلى ذلك المكان قبل الصوت، فتلقاهم النبي ﷺ راجعاً على فرس لـ أبي طلحة عري، فقال: لن تراعوا) أي: ليس عليكم بأس، فما نام وتركهم يخافون، بل كان دائماً في قضاء حوائجهم. تقول عائشة ﵂: (في آخر حياته كان يصلي جالساً من كثرة ما حطمه الناس)، فهو في حوائج الناس يمنة وغفوة وصباحاً ومساءً، تقول عائشة: (حتى كانت الصبية الصغيرة تأخذه من يده حتى يقضي حاجتها) فهو الذي علمنا فقال: (أنفع الناس أنفعهم للناس) فإذا تماسك الناس فيما بينهم أصبح المجتمع مترابطاً متماسكاً يخاف على بعضه البعض، فكيف أنتم بجار ينام وجاره ليس عنده ما يملأ بطنه؟ أي جار هذا! بأبي أنت وأمي يا رسول الله، من لي بمشيك المدلل تسير بالهون وتأتي في الأول. يقول عنه جابر: (ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال: لا)، لولا التشهد لكانت لاؤه نعم، وقد لبس مرة رداءً جاءوا به هدية له ﷺ ، فرآه أعرابي فقال: يا محمد! أعطني هذا، فخلعه في الحال، ولم يكن عنده غيره. قال الحسن البصري: الجود بذل المجهود في بذل الموجود، أي: الجود بالموجود الذي عندك بدون تكلف، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فهذا عنده مائة ألف فأخرج ألفاً، وهذا عنده مائة ريال وأخرج عشرة ريالات، فهي تعني الشيء الكثير.

стр. 795

جود الصحابة وإيثارهم على أنفسهم واسمع خبراً من الأخبار حتى تعلم أن أثر الجود والكرم يبلغ السماوات السبع، وأريدك وأنت تسمع أن تقول بعدها: سبحان الله! كيف وصلوا إلى هذه الدرجة من البذل والعطاء؟ ولا عجب في ذلك، فالقرآن زكى أولئك الرجال والنساء. جاء عند البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود -يعني: أصابني جوع وعطش وحاجة لا يعلم بها إلا الله- وأنا ضيف عليك، فأرسل النبي ﷺ إلى بعض نسائه فقال: عندكم طعام؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا ماء، فبعث إلى البيت الثاني: أعندكم شيء؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا ماء، فطافوا على بيوته التسعة وليس فيها غير الماء، فقال النبي ﷺ لأصحابه: من يضيف ضيف النبي ﷺ ؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله! فأخذه حتى إذا جاء إلى بيته وهو صاحب عيال وأطفال قال لزوجه: ماذا عندك من الطعام؟ قالت: والله ما عندنا إلا قوت العيال، قال: ألهيهم بأي شيء، فإذا ناموا جلسنا أنا وأنت مع الضيف -وكان ذلك قبل نزول آيات الحجاب فإن الضيف كان يجلس مع الرجل وأهل بيته- فقومي فأطفئي السراج، ثم تظاهري بالأكل حتى يشبع الضيف، فجلسوا مع الضيف ثم قامت فأطفأت السراج، ثم تظاهرا بالأكل حتى شبع الضيف ونام الضيف وارتاح، ونام الصغار وأهل البيت على جوعهم؛ إيثاراً للضيف، وليس عندهم شيء إلا ما قدموه، فلما أصبح الصباح وجاء إلى النبي ﷺ قال له: (إن الله قد عجب من صنيعكما مع ضيفكما الليلة) فهم لم يقدموا إلا الموجود، وآثروا الضيف على أنفسهم وعلى صغارهم وعلى فلذات أكبادهم، وهذا هو منتهى البذل والعطاء؛ فقال الله فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. الله أكبر! أنفق ولا تخش إقلالاً فقد قسمت على العباد من الرحمان أرزاق لا ينفع البخل مع دنيا مضللة ولا يضر مع الإقبال إنفاق

стр. 796

عشر خصال تبلغ بالعبد منزلة الأخيار إن أشرف خصال تبلغ بالعبد منزلة الأخيار عشر خصال، إن طبقناها بلغنا بها منزلة الأخيار. أولها: كثرة الصدقات، ثانيها: كثرة تلاوة القرآن؛ ليس من رمضان إلى رمضان، فقرآننا يشكو هجراً إلا ممن رحم الله، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]. ثالثها: كثرة الجلوس مع من يذكرك بالآخرة ويزهدك بالدنيا، وإن مجالسنا اليوم طابعها قيل وقال. اشترط عمر بن عبد العزيز على جلسائه شروطاً ثلاثة، أولها: لا تتكلموا في الدنيا، ثانيها: لا تغتابوا أحداً في مجلسي، ثالثها: لا تمزحوا في مجلسي أبداً. فكان حديثهم عن الآخرة: الموت، والحشر، ويوم القيامة، فقُلوبٌ هذا مدار حديثها ستكون قلوباً حية. فوالله ما قست القلوب وابتعدت إلا بالغيبة وكثرة كلامها عن الدنيا وما فيها. فالصحابة تعودوا على كثرة الصدقة وكثرة تلاوة القرآن، ومجالسة الذين يذكرون الآخرة ويزهدون في الدنيا، وصلة الأرحام، وعيادة المريض، وقلة مخالطة الأغنياء الذين انشغلوا بالدنيا وما فيها. قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]. رابعها: كثرة التفكر فيما أنت صائر إليه غداً الجنة أو النار. جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم، قال: يا إبراهيم مسألة شغلتني بالليل والنهار، قال إبراهيم: اتركني لا تشغلني فإن عندي من المسائل ما الله به عليم، قال: يا إبراهيم ما الذي شغلك؟ قال إبراهيم: ثلاث مسائل شغلتني، الأولى: الله يقول: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] فأنا لا أدري إلى أي الفريقين أكون، ممن تبيض وجوههم أو ممن تسود وجوههم. الثانية، قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) [هود:١٠٥] وأنا لا أدري من الأشقياء أكون أم من السعداء، فهل فكرت أنت في العاقبة والمآل والمصير؟ الثالثة: الله يقول: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]. فهؤلاء الصالحون شغلتهم مثل هذه الأمور بالليل والنهار، فالكل يغدو ويروح، ويسعى لفكاك نفسه من عذاب النار والفوز بجنات النعيم. أصبح النبي يوماً سائلاً أصحابه قبل أن ينتصف النهار، فقال: (من أصبح صائماً اليوم، قال الصديق - ولو لم يسأل ما أجاب- أنا، قال: من تصدق بصدقة؟ قال: أنا، قال: من سار في جنازة؟ قال: أنا، قال: من عاد مريضاً؟ قال: أنا، فقال النبي ﷺ : ما اجتمعت مثل هذه الأعمال في رجل إلا دخل الجنة). وهذه الأعمال سهلة، لكن الموفق من وفقه الله لفعل الطاعات، وصرف عنه الفواحش والمنكرات، فتفكر إلى أين المصير، وأين دارك غداً؟ رابعها: قصر الأمل وكثرة ذكر الموت، فما ألهى الناس وصدهم عن الصدق مع الله إلا طول الأمل، ومن أطال الأمل أساء العمل، قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ [الحجر:٣]. وقال الشاعر: يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل كان أحد الصالحين إذا أراد الخروج من المسجد بكى، فقيل له: ما الذي يبكيك؟ قال: أخاف ألا أرجع إليه مرة ثانية. وآخر يقول: والله ما نمت نومة إلا ظننت أني لا أستيقظ بعدها، وأما نحن فعندنا مخططات لشهور بل لسنوات، سنفعل كذا وكذا، فالأحرى بنا أن نبني على يومنا الحاضر، أما غداً فلا ندري ماذا سيكون فيه؟ خامسها: لزوم الصمت وقلة الكلام. وما أودى بالناس وكبهم على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم. فاللسان سلاح ذو حدين، إما أن يرفعك في الجنة درجات، وإما أن يحطك في النار على وجهك دركات. وفي الحديث أن معاذاً (قال: يا رسول الله! أمآخذون بما نقول؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ، هل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم). فالنبي ﷺ لم يستهن بالكلمة، قالت عائشة كلمة، فقال لها النبي ﷺ : (والله يا عائشة إنك قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لتغير طعمه)، وذلك أنها قالت: صفية قصيرة، والنبي ﷺ يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. وقال آخر: والله ما ندمت على السكوت أبداً، ولكني ندمت على الكلام مرات كثيرة. فالمسلم لا يندم على السكوت أبداً، إلا إذا سكت عن أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، فهذا شيطان أخرس. سادسها: التواضع ولبس الدون، وحب الفقراء ومخالطتهم وحب اليتامى والمساكين والمسح على رءوسهم.

стр. 797

الجود دليل على كمال الإيمان، وعلى حسن ظن العبد بربه في تعويضه عما أعطى وزيادة حسناته سابعها: والجود دليل على كمال الإيمان وحكم الإسلام، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:١٧٧]، إلى أن قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]، فالمتقون من اتصفوا بهذه الصفات. والجود والبذل والعطاء دليل على حسن الظن بالله، فالله يقول في الحديث القدسي: (أَنفق يا ابن آدم أُنفق عليك) ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]. فهذا أبو مسلم صحابي جليل أصابته فاقة، والعبد إذا بلغ مرتبة الولاية فليس بمستبعد أن الله يجري على يديه الكرامات، ففي بلاد اليمن أخذوا أبا مسلم ورموه في النار، فلما خمدت النار وجدوا أبا مسلم في النار قائم يصلي، فلما بلغ عمر الخبر، قال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد كإبراهيم ﵇، أما قال الله تعالى للنار حين ألقي فيها إبراهيم: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. خرج أبو مسلم يوماً ثم رجع آتياً إلى أهله يطلب طعاماً، فقالت له امرأته: ما عندنا شيء، فبحثا داخل الدار فما وجدوا إلا ديناراً، فقالت له امرأته: اشترِ لنا بها طحيناً نخبز به خبيزاً، وأعطته وعاء، فخرج بالوعاء ذاهباً إلى السوق ليشتري طحيناً، فإذا بسائل فقير يسأل، وليس عنده إلا هذا الدينار، ولكنه أحسن الظن بالله وأعطاه الدينار لعل الله أن يعوضه خيراً ورجع إلى داره، فمر على مكان نجارة فملأ الوعاء بنشارة النجارة، ثم جاء إلى امرأته وأعطاها الوعاء، وذهب إلى مصلاه يصلي، وبعد فترات قصيرة جاءته امرأته بالخبز حاراً، فقال لها: من أين لنا الطحين؟ قالت: من الذي أتيت به، فجعل يأكل وهو يبكي. فلما أحسن الظن بالله لم يضيعه الله. فهذه أخبار ثابتة عنهم، ولما سخروا أنفسهم لله سخر الله لهم كل شيء، فالله لا يعجزه شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. والمطلوب: أننا نحسن الظن بالله، ونعلم أننا إذا أعطينا سيعوضنا سبحانه، فأنت عندما تحسن إلى فلان وفلان من الناس، فإنهم سيردون معروفك، فكيف وأنت تتعامل مع رب العالمين؟ يقول تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] فمن يعطي الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف غير رب العالمين؟ ومن كرمه على المذنبين والعصاة أن يبدل سيئاتهم إلى حسنات، فأي كرم وجود أعظم من هذا؟ يقول في الحديث القدسي: (أتقرب إليهم بالنعم، ويبتعدون عني بالمعاصي، أخلق ويعبد غيري، أرزق ويشكر غيري، خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد، ومع هذا أطعمهم وأسقيهم)؛ لأنه غفور حليم كري، فإذا أعطيت فثق تمام الثقة أن الله لن يضيعك.

стр. 798

الجود سبب لمحبة الله والناس وقال: الجود سبب لحب الناس وقربهم من هذا الجواد الكريم، فمن الذي يحب البخيل الذي لا يعطي، وينفر ولا يبشر؟ قال أنس ﵁: (ما سئل النبي ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، جاءه رجل فأعطاه غنماً ما بين الجبلين، فرجع الرجل إلى قومه فقال: أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. قال الشاعر: وكيف تخاف الفقر والله رازقٌ فقد رزق الطير والحوت في البحرِ عليك بتقوى الله إن كنت جاهلاً يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري والجود سبب لرفعة مكانة الجواد في الآخرة وحب الله له. فمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (من تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) وهذا من شدة إخلاصه. والجود سبب لقلة الأعداء والحساد، وسبب لحسن ثناء الناس، وما أكثر ما يقولون: جزى الله فلاناً خيراً بسبب جوده وفضله وعطائه، وإذا زكى الناس إنساناً فهو على خير عظيم. (مرت جنازة أمام النبي ﷺ فقال: ما تقولون في هذا؟ فأثنوا عليه ثناءً حسناً، قال: وجبت. ثم مر آخر، فقال: ماذا تقولون في هذا؟ فذكروه بشر، قال: وجبت. قالوا: يا رسول الله! قلت: وجبت لهذا ووجبت لذاك؟ قال: ذكرتم هذا بخير فقلت: وجبت له الجنة، وذكرتم ذاك بشر فقلت: وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض والملائكة شهداء الله في السماء). وليس لنا من الناس إلا الظاهر، ومن الجهل أن يقال: المنفقون سادة الدنيا والأتقياء سادة الآخرة، فإنهم لن يكونوا متقين حتى ينفقوا كما قال الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] فقد كان من صفات الأبرار الجود والإنفاق، يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم، فانظر كيف كان كل واحد يغار على جاره ويهتم بأمر جاره، يقول عمر: أهدي إلى رجل من أصحاب محمد رأس شاة، فقال: جاري أحوج مني فأهداها إليه، فلا زالوا يتناقلونها من بيت إلى بيت حتى رجعت إلى الأول. فأي قوم هؤلاء؟! وأي جار هذا الذي ينام قرير العين وجاره لا يجد ما يلبس أو لا يجد ما يأكل ويشرب؟! قال الله عنهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، كانت هذه أخلاقهم وتلك صفاتهم فلا عجب أن يقول الله: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [المائدة:١١٩]، فتأمل الفرق بيننا وبينهم. كان ابن عمر إذا اشتد عجبه بمال له أنفقه قربة إلى الله، مستحضراً قول الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، وكثير من الناس اليوم إذا بليت ثيابه وتقطعت نعاله يعطيها الفقراء والمحتاجين تخلصاً منها، لا بذلاً ولا عطاء، فهذا هو الفرق بيننا وبينهم، فهم يعطون أجود أموالهم وأحسن ثيابهم، ونحن نعطي أدنى ما نملك تخلصاً منها. فحتى تكون جواداً منفقاً استشعر الأثر والأجر العظيم.

стр. 799

عشر خصال في الصدقة قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: عليك بالصدقة والجود بما قل أو كثر، فإن في الصدقة عشر خصال، خمس في الدنيا وخمس في الآخرة، أما الخمس التي في الدنيا. فأولها: تطهير مال، كما قال النبي ﷺ (ألا إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب فشوبوه بالصدقة) يعني: طهروه بالصدقة. ثانيها: تطهير البدن والنفس من الذنوب كما قال الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]. ثالثها: دفع البلاء ودفع المرض، يقول النبي ﷺ : (داووا مرضاكم بالصدقة)، فهو أعظم علاج لكل الأمراض، الصدقة يتبعها بالدعاء، فقلما يرد الدعاء بعد الصدقة، ومن منا لا يحزن، ومن منا لا يعرف مهموماً ولا مغموماً ولا مبتلى في بدنه. وقبل أن تذهب إلى الطبيب، تقرب إلى طبيب الأرض والسماء بالصدقة، فإن الصدقة مرضاة لرب العالمين. رابعها: إدخال السرور ومواساة المحتاج من غير أن يسألك، فكم من السرور تدخله عليه؟ قال النبي ﷺ : (أعظم الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم). خامسها: فيها بركة في المال وسعة الرزق، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]. وذُكر أن رجلاً وصل سن التقاعد، فخرج يوماً ليعطى حقوقه من الشركة، وكانت حقوقه نصفها ربا، فأعطي مليوناً؛ لأن حقوقه على مدى ثلاثين أو أربعين سنة خدمة، ثم في المقابل أعطوه مليوناً آخر؛ لأنه استثمر أمواله في الربا، فقيل له: هذه أموال ربوية. قال: بل هي أموالنا تعبنا فيها وليست ربا، إنكم أنتم الذين تضيقون على الناس، فخرج متقاعداً وأخذ المليونين، ثم بعد أشهر من تقاعده أصيب ابن له بمرض خطير، فلا زال ينقله من بلد إلى آخر حتى فنيت أمواله كلها، وعاد صفر اليدين، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]. القضية قضية ثقة برب الأرض والسماوات، فلما سُئلَ هذا المتقاعد عن أمره قال: أما في الماضي فكنا لا نعرف، أما الآن فوالله لا آخذ درهماً حراماً، فترك ملايين لله فعوضه الله خيراً مما ترك. أما الخمس التي في الآخرة، ونحن والله أحوج ما نكون إليها، وهي: الأولى: أن الصدقة تكون ظلاً لصاحبها في الحر الشديد، ودرجة الحرارة ليست أربعين درجة ولا خمسين ولا ستين، بل تدنو الشمس من رءوس العباد مقدار ميل، فيغرق الناس في عرقهم، فلا ماء يشربون، ولا أكل يأكلون، ولا ظل يستظلون، فترى الذين تصدقوا تحت غمامات صدقاتهم تظللهم في ذلك اليوم، قال رسول الله ﷺ : (الله يربي لأحدكم الصدقة كما يربي أحدكم فلوه). فالصدقة تظلله في ذلك اليوم العظيم، ومنهم من يستظل في ظل عرش الرحمن الرحيم؛ بسبب تلك الصدقات وتلك الأعمال التي قربتهم إلى رب الأرض والسموات. ثم قال: تسهيل الحساب، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٩]، فقد كانت أخبارهم كما قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٩]، فسهل عليهم الحساب في ذلك اليوم. وجاء في الخبر الصحيح: أن غنياً وفقيراً التقيا عند باب الجنة، فدخل الفقير في الحال، وبقي الغني يحاسب على ماله خمسمائة سنة حتى خاف الفقير عليه، فدخل الغني الجنة بعد خمسمائة سنة من دخول الفقير، فقال له الفقير: خفت عليك فما الذي أخرك؟ قال: أخرني مالي. وهذا المال حلال، لا ربا فيه ولا غش، ولا أكل أموال الناس بالباطل، لكن كل هذا الحساب هو السؤال فقط: من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وهذا الغني طهر المال في الدنيا، وطهر نفسه بالصدقات، لكن لا بد من السؤال والحساب. فقال الغني: حبسني مالي، حبست محبساً سال مني فيه العرق ما لو أن ألف بعير أكلت من حمض النبات ثم وردت عليه لارتوت. هذا الحساب على مال حلال ليس فيه ربا ولا سرقات، ولا أكل مالاً بالظلم والعدوان، ولا أكل أموال اليتامى بالباطل، لا افترى على الناس، بل هو حلال أخره خمسمائة سنة، فكيف بالذي أكل مال هذا وسب هذا وشتم هذا وأخذ زوراً وبهتاناً أموال الناس؟ ثم من آثار الصدقة يوم القيامة: أنها تثقل الميزان، قال يحيى بن معاذ: ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا حبة الصدقة. جاءت فقيرة إلى عائشة ﵂ فما وجدت إلا حبة عنب فأعطتها إياها، فاستحقرتها جاريتها، فقالت عائشة التي تعرف عظم الأجر والثواب: إن الله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] وكم من الذرات في حبة العنب. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، فالله لا يظلم أحداً، إنما يوفى الناس حسابهم بالعدل والتمام بلا ظلم ولا نقصان. ثم من آثار الصدقة في ذلك اليوم: الجواز على الصراط، قيل لأحد الصادقين المنفقين: ماذا صنع بك الله؟ قال: وضعت قدماً على الصراط والقدم الأخرى في الجنة. فلا يعبر الصراط بالطائرات أو بالقطارات أو بالسيارات، بل يعبر الصراط بالأعمال الصالحة، فمنهم من يمر كالريح، ومنهم كالخيل، ومنهم كالبرق، ومنهم من يركض ركضاً، ومنهم من يهرول هرولة، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يحبو حبواً، فناج مخدوش، ومكردس على وجهه في النار: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، أي: إلا سيمر على هذا الصراط ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]. ثم من الذي ينجو؟ قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢] ومن صفاتهم: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤ - ١٣٦]. والطريق سهل على من سهله الله. ثم من آثار الصدقة: زيادة الدرجات، فمن صلى وصام ليس كمن رقد ونام، ومن قام وصلى وجد واجتهد ليس كمن تكاسل عن العمل، شتان بينهما، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]. ألا يكفيني ويكفيك أن الصدقة تطفئ غضب الرب، فالأنبياء وأولو العزم يقولون يوم القيامة: (إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) ثم الكل ينادي: نفسي نفسي، نفسي نفسي، وهم أولو العزم من الرسل، خير من صلى وصام وقرأ القرآن وقام، كل يقول: نفسي نفسي نفسي، كيف سيكون مثل حالي وحالكم؟ فلا بد أن نتفكر في المصير والمآل.

стр. 800

الصدقة تنجي من عذاب الله سبحانه قال ابن القيم ﵀: فإن الصدقة تفدي من عذاب الله تعالى، فإن ذنوب العبد وخطاياه تقتضي هلاكه فتجيء الصدقة تفديه من العذاب وتفكه منه؛ ولهذا قال ﷺ للنساء يوم العيد: (يا معشر النساء! تصدقن ولو من حليكن فإني رأيتكن أكثر أهل النار)، وفي رواية أخرى قال: (رأيت النار، ورأيت أكثرها النساء)، قال: (يكثرن اللعن ويكفرن العشير). إذا رأت من الرجل شيئاً تقول: ما رأيت منك خيراً قط، وتنسى بحر الحسنات في سيئة من السيئات، فاتقي الله يا أمة الله، واتصفي واقتدي بـ عائشة وأمهات المؤمنين، أهدى معاوية لـ عائشة ثمانين ألفاً، تقول جاريتها: فما جاء المساء حتى أنفقتها كلها وكانت صائمة ﵂ وأرضاها، فقالت لها جاريتها: هلا أبقيت لنا درهماً نشتري به طعاماً، قالت: لو ذكرتني، فهم إذا وجدوا أبواب الخير والمعروف انفتحت لا يتوانون ولا يتأخرون، بل يسابقون ويسارعون؛ لأن الله هو الذي دعاهم، فينسون أنفسهم عند فعل الخير، فعجب أمرهم. قال يحيى بن معاذ وكأنه يتكلم عن أهل دنيانا: عجبت من ثلاث: رجل يرائي بعمله مخلوقاً مثله ويترك أن يعمله من أجل الله، ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه إياه، ورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم، ولا يرغب في صحبة الله ومودته. تباً لهؤلاء ولأمثالهم!

стр. 801

قصة أبي الدحداح وزوجه جاء أبو الدحداح إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله، ملك الملوك يستقرضنا، الغني يستقرض الفقراء، القوي يستقرض الضعفاء، قال: كيف ذلك يا أبا الدحداح؟ قال: الله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، قال: (نعم هو يستقرضكم حتى يرفع من درجاتك) فقال: يا رسول الله! أشهدك أن لي بالمدينة حائطاً فيه ستمائة نخلة، وإني أقرضتها الله ورسوله. يقول علي ﵁: كان الرجل منا يعمل من مغيب الشمس حتى طلوعها بأجرة تمرة أو تمرتين، فخرج إلى بستانه فإذا بـ أم الدحداح، فجعل يخاطبها شعراً، يقول لها: بيني، أي: أخرجي من الحائط واتركيه. بيني من الحائط بالوداد فقد مضى قرضاً إلى التنادي أقرضته الله على اعتماد بالطوع لا مَنٌ ولا ارتداد إلا رجاء الضِّعف في المعاد فارتحلي بالنفس والأولاد والبر لا شك فخير زاد قدمه المرء إلى المعاد فأخذت أم الدحداح تخاطبه شعراً وتقول: بشرك الله بخير وفرح مثلك أدى ما لديه ونصح قد نفع الله صغاري ومنح بالعجوة السوداء والتمر الملح والمرء يسعى وله ما قد كدح طول الليالي وعليه ما اجترح وقذفت التمرات وأخذت الصبية الصغار من أيديهم، وخرجت خالية اليدين. استقرضهم فأقرضوه، يقول النبي ﷺ : (ربح البيع أبا الدحداح كم لـ أبي الدحداح من جذع نخل في الجنة رداح)، فلا بد أن نعلم ونتيقن أن المال لن ينفعنا إلا إذا أنفقناه، أما تكديس الأموال وتجميعها فإن الله يقول فيها: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥].

стр. 802

جود عائشة ﵂ روي عن الصديقة عائشة ﵂ وعن أبيها وعن آل أبي بكر أجمعين (أنهم ذبحوا شاة فوزعتها وجاء النبي ﷺ فقال: ما بقي من الشاة؟ قالت: ذهب كلها، ولم يبق إلا الكتف، قال: لا يا عائشة! بقيت كلها ولم يذهب إلا الكتف)، ما أنفقت مدخر لها عند الله؛ لذلك قيل: إذا كان عندك تمر فلا تدفنه في الأرض، لكن ادفنه في السماء؛ لأن القلب معلق، فإذا دفن في السماء تذكر قول الله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]. قال الحسن: بئس الرفيق الدرهم والدينار لا ينفعانك حتى يفارقانك. وقال أبو ذر ﵁: الصلاة عماد الإسلام، والجهاد تمام العمل، والصدقة شيء عجيب، ثم كرره وأعاد قال: الصدقة شيء عجيب. من عجائبها: قال ﷺ : (بينما رجل يمشي بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: اسقي أرض فلان! فاتجهت تلك السحابة فأفرغت ماءها في حرة، فإذا تلك الحجارة مسيل ماء قد استوعبت ذلك الماء كله، يقول النبي ﷺ : فتتبع الرجل الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: اسمي فلان، قال: إني سمعت صوتاً في السحاب يقول: اسقي حديقة فلان، فماذا تصنع بها حتى يساق إليك هذا، فقال: أما وقد سألت، فإني أنظر إلى ما يخرج من هذه الحديقة، فثلث أنفقه في سبيل الله، وثلث أنفقه على عيالي، وثلث أدخره في الأرض). فهذا قسم الأموال إلى ثلاثة أقسام فكانت المكافأة من الله ذلك. قال ابن القيم ﵀: وللصدقة تأثير عجيب في دفع البلاء، ولو كنت فاجراً أو ظالماً، بل ربما لو كنت كافراً، حتى الكفار يعلمون أثر الصدقات، فالله يكافئ الكافر في دنياه، قال تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠] فلا تقل: إن الكافر لا يكافأ على إحسانه، بل الله كريم، حتى إذا وقفوا أمامه يوم القيامة كافأهم على أتعابهم الحسنة في الدنيا، لا تقل: إن الكافر لا يعمل أعمالاً حسنة، بل يعمل لكنه يكافأ عليها في دنياه، أما في الآخرة فليس لهم في الآخرة نصيب. قال: هذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون بأنهم جربوا ذلك، يقول الشافعي: يا لهف قلبي على مال أجود به على المقلين من أهل المروءات إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات

стр. 803

ذم الشح وجعله من السبع الموبقات وإن عكس الكرم والجود البخل والشح، قال الله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. وفي حديث جابر قال ﷺ : (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم). بلْ عدَّ النبي ﷺ الشح من السبع الموبقات، وفي حديث أبي هريرة قال ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات وعد منها بعد الشرك بالله الشح)، نسأل الله العفو والعافية. والشح كقطع الأرحام، ويحل الظلم والعدوان، ويجترئ الناس به على المعاصي وفعل السيئات؛ لأن أنفسهم مريضة، ثم إن الشح ينافي الإيمان ويغضب الرحمن، وليس البر أن نشح بما آتانا الله. ثم الصدقة تطفئ غضب الرب، والشح يغضب الرب، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:١٠]. والكرم والجود لا يكون بالمال فقط، بل بالنفس، وهذا من أعظم الكرم والبذل والجود، ثم الجود بالعلم، ثم الجود بالنفع والجاه، ثم الجود بالعرض.

стр. 804

من أخبار البخلاء نزل رجل على شيخ من أهل مرو وصبي له صغير، وأهل مرو معروف عنهم أنهم أبخل الناس، وفي دمهم البخل يرثونه وراثة، قال: فقلت للصغير: أطعمني من خبزكم، قال: لا تريده مر، اسقني من مائكم، قال: لا تريده مالح، قلت: هات كذا، قال: لا تريده هو كذا، فكلما ذكرت له صنفاً رد علي، فضحك الأب، قال: هذا العلم يجري في عروقهم. ووقف على أبي الأسود الدؤلي أعرابي وهو يتغدى، والأعرابي يعاني من جوع لا يعلمه إلا الله، فسلم عليه فرد عليه، ثم أقبل على أكله ولم يعزم عليه، فقال الأعرابي لـ أبي الأسود: لقد مررت بأهلك، قال: نعم كانوا في طريقك، قال: أخبروني أن امرأتك حامل، قال: كذلك تركتها، قال: يقولون: لقد ولدت، قال: لا بد لها أن تلد بعد الحمل، قال: يقولون: ولدت غلامين، قال: كذلك كانت أمها، قال: مات واحد منهم، قال: ما كانت تقوى على إرضاع اثنين، قال: مات الآخر، قال: مات حزناً على أخيه، قال: وماتت الأم، قال: حزناً على ولديها، قال: ما أطيب طعامك! قال: لذلك لن آكله إلا وحدي. وجلس أحد البخلاء مع زوجته على قدر من الطعام فقال: ما أطيب الطعام لولا كثرة الزحام، فقالت امرأته: وأي زحام وما ثم إلا أنا وأنت، قال: كنت أحب أن أكون مع القدر لوحدي. ومر رجل على رجل من أهل مرو، فبدأ يعرف بنفسه أنا كذا أنا كذا، يعرفه لأنه كان صديقه، قال له: اسمع يا شيخ، والله لو خرجت من جلدك ما عرفتك. قال أحد البخلاء الأغنياء لخادمه: هات الطعام وأغلق الباب، قال الخادم: لا، أغلق الباب ثم هات الطعام، قال: لماذا؟ قال: تغلق الباب حتى لا يدخل أحد، ثم تأتي بالطعام، قال: اذهب فأنت حر لوجه الله؛ لعلمك بعزائم الأمور. ومر رجل على رجل له إليه حاجة، فلا زال يكلمه في حاجته ويأتيه يمنة ويسرة، ولكن ليس هناك جدوى، ثم قال له: أين الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ قال: ذهبوا مع الذين لا يسألون الناس إلحافاً. اللهم أعط نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، إنك أنت وليها ومولاها، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع هداك يا رب العالمين، اللهم قيض لولاة أمورنا البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير إذا فعلوه وتذكرهم به إذا نسوه، واجمع شملنا، ووحد صفنا، وانصر مجاهدينا في كل مكان، وثبت أقدامهم واربط على قلوبهم واجعل الكافرين غنيمة لهم يا رب العالمين. اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، وأعل شأننا، وردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين. اللهم من أنفق في سبيلك فضاعف له الحسنات، ومن أمسك اللهم فصحح نواياه، اللهم من بنوا هذا المسجد فبارك لهم في أموالهم وذرياتهم وأزواجهم، واخلفهم في مسجدهم هذا خيراً، وارحم موتانا وموتاهم يا رب العالمين، اللهم من أنفق في سبيلك فأنت الكريم، عاملهم بمنك وكرمك واخلفهم في أموالهم خيراً يا حي يا قيوم. هذا وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 805

أين أنتن من هؤلاء ؟ لقد صنع الإسلام من النساء معجزات يعجز عن وصف مواقفهن الخطباء، وما انتكست أمتنا إلا عن طريق انتكاسة النساء في الرذائل والشهوات، ولذا يجب أن نعد النساء الصالحات وأن تقتدي نساؤنا بالمسلمات الأوائل.

стр. 806

دوافع الكلام على القدوات من النساء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة رجالاً ونساء! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حيا الله الجميع، وأسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا وإياكم في دار كرامته وأن يحفظنا وإياكم بحفظه, وأن يستر علينا وإياكم بستره, أساله سبحانه أن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين. حديث الليلة خاص إليك أنت. فأنت مدار الحديث كله، بصلاح المرأة صلاح المجتمع كله, وإذا قامت المرأة بدورها العظيم فإن النصر والتمكين يكون قريباً بإذن الله. أهلاً بك في لقاء بعنوان: أين أنتن من هؤلاء؟ قبل أن أبدأ أود أن أقول ما الدافع إلى هذا الموضوع؟ أولاً: حاجة المسلمات اليوم إلى القدوة في زمن ضاعت فيه القدوات. من الدوافع أيضاً: رفع الهمم في زمن ضعفت فيه همم كثيرات. ثم الواقع الذي نعيشه اليوم من رغبة الناس في الدنيا وعزوفهم عن الآخرة، فكان لا بد من تذكير النفس وتذكير الآخرين والأخريات بأن ما أعد الله للمؤمنين والمؤمنات خير من الدنيا وما فيها. ثم من الدوافع: أنه من أراد الوصول فعليه بالأصول، ومن سارت على الدرب وصلت بإذن الله. إننا أيتها الغالية! في أمس الحاجة للنظر في سيرة أولئك الرجال والنساء، إننا أخية! في أمس الحاجة لدراسة سيرة أولئك الرجال والنساء، إننا في أمس الحاجة أن نتأسى بأولئك الرجال والنساء. قال ابن مسعود ﵁: من كان متأسياً فليتأس بمن مات فإن الحي يخشى عليه من الفتنة. أيتها الغالية! إننا نحتاج إلى أن نصحح المسار ونتخذ من حياة أولئك الرجال والنساء مثالاً لنا، إننا بحاجة إلى القدوة في زمن قلت فيه القدوات، إننا بحاجة أن نتعلم منهم العزة في زمن قل فيه المعتزون والمعتزات، إننا بحاجة إلى أن نتعلم منهم الثبات في زمن قل فيه الثابتون والثابتات. أما تلاحظين أيتها الغالية! أن المفاهيم قد تغيرت حتى أصبح الممثلون والممثلات والمغنين والمغنيات هم القدوات، كم تصرف الأوقات والأموال لقراءة ومتابعة أولئك الغافلين والغافلات؟! أكرر: نحن بحاجة إلى أن نصحح المسار وأن نعرف من هم القدوات. سيتكون الموضوع بعد المقدمة التي ذكرناها من: صورة من العزة والثبات. ثم صورة من حب الله ورسوله. ثم المحبة ومعناها. ثم صانعة الأبطال. ثم المؤمنة والحياء. ثم نختم بإذن الله.

стр. 807

صورة من العزة والثبات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة رجالاً ونساء! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حيا الله الجميع، وأسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا وإياكم في دار كرامته وأن يحفظنا وإياكم بحفظه, وأن يستر علينا وإياكم بستره, أساله سبحانه أن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين. حديث الليلة خاص إليك أنت. فأنت مدار الحديث كله، بصلاح المرأة صلاح المجتمع كله, وإذا قامت المرأة بدورها العظيم فإن النصر والتمكين يكون قريباً بإذن الله. أهلاً بك في لقاء بعنوان: أين أنتن من هؤلاء؟ قبل أن أبدأ أود أن أقول ما الدافع إلى هذا الموضوع؟ أولاً: حاجة المسلمات اليوم إلى القدوة في زمن ضاعت فيه القدوات. من الدوافع أيضاً: رفع الهمم في زمن ضعفت فيه همم كثيرات. ثم الواقع الذي نعيشه اليوم من رغبة الناس في الدنيا وعزوفهم عن الآخرة، فكان لا بد من تذكير النفس وتذكير الآخرين والأخريات بأن ما أعد الله للمؤمنين والمؤمنات خير من الدنيا وما فيها. ثم من الدوافع: أنه من أراد الوصول فعليه بالأصول، ومن سارت على الدرب وصلت بإذن الله. إننا أيتها الغالية! في أمس الحاجة للنظر في سيرة أولئك الرجال والنساء، إننا أخية! في أمس الحاجة لدراسة سيرة أولئك الرجال والنساء، إننا في أمس الحاجة أن نتأسى بأولئك الرجال والنساء. قال ابن مسعود ﵁: من كان متأسياً فليتأس بمن مات فإن الحي يخشى عليه من الفتنة. أيتها الغالية! إننا نحتاج إلى أن نصحح المسار ونتخذ من حياة أولئك الرجال والنساء مثالاً لنا، إننا بحاجة إلى القدوة في زمن قلت فيه القدوات، إننا بحاجة أن نتعلم منهم العزة في زمن قل فيه المعتزون والمعتزات، إننا بحاجة إلى أن نتعلم منهم الثبات في زمن قل فيه الثابتون والثابتات. أما تلاحظين أيتها الغالية! أن المفاهيم قد تغيرت حتى أصبح الممثلون والممثلات والمغنين والمغنيات هم القدوات، كم تصرف الأوقات والأموال لقراءة ومتابعة أولئك الغافلين والغافلات؟! أكرر: نحن بحاجة إلى أن نصحح المسار وأن نعرف من هم القدوات. سيتكون الموضوع بعد المقدمة التي ذكرناها من: صورة من العزة والثبات. ثم صورة من حب الله ورسوله. ثم المحبة ومعناها. ثم صانعة الأبطال. ثم المؤمنة والحياء. ثم نختم بإذن الله.

стр. 808

غزية بنت حكيم العامرية أيتها الغالية! هل سمعت عن تلك التي قالت لقومها: إي والله إني على دينه؟! ما شأنها وما قصتها وما خبرها؟ إنها أم شريك إنها غزية بنت جابر بن حكيم القرشية العامرية التي كانت من أوائل من أسلم هي وزوجها، تحكي ﵂ قصة حياتها، حياة الثبات والصبر على دينها رغم التعذيب القاسي. تقول: جاءني أهل زوجي فقالوا لي: لعلك على دين محمد؟! قلت: إي والله إني لعلى دينه -تأملي نبرة العزة- قالوا: لا جرم! والله لنعذبنك عذاباً شديداً، ثم ارتحلوا بي على جمل هو شر ركابهم وأغلظه، يطعمونني الخبز والعسل ويمنعون عني الماء، حتى إذا انتصف النهار وحميت الشمس نزلوا فضربوا أخبيتهم وتركوني في الشمس قائمة وفعلوا بي ذلك ثلاثة أيام حتى ذهب عقلي وسمعي وبصري، ثم قالوا لي في اليوم الثالث: اتركي دين محمد وما أنت عليه! تقول: قلت في نفسي: ليتهم رجعوا إلى أنفسهم بعدما عاينوا صبري وقد ذهب عقلي وسمعي وبصري لعلهم يرجعون عن غيهم وفعلتهم هذه ويدخلون في دين الله الذي تذوقت حلاوته. نعم أيتها الغالية! إنها امرأة لا تملك من حطام الدنيا شيئاً لتفتدي به نفسها من ذلك العذاب الشديد، ولكنها تمتلك الإيمان الذي خالطت بشاشته القلوب فامتلأت بحب علام الغيوب نعم إن الإيمان هو المحرك الحقيقي لهذا الإنسان. تقول غزية: وما دريت والله ما يقولون إلا الكلمة بعد الكلمة، كنت أشير بإصبعي إلى السماء -علامة على ثباتها على معرفة الله الواحد الأحد- تقول: فوالله إني لعلى ذلك وقد بلغ مني الجهد، ولكن شاء الله أن يلطف بي بعد ذلك البلاء المبين! أما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، أما قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]؟ تقول: وبينا أنا على تلك الحال إذ وجدت برد دلو على صدري، فأخذته فشربت منه جرعة واحدة ثم انتزع، فنظرت -وهي التي فقدت بصرها- فنظرت فإذا هو معلق بين السماء والأرض فلم أقدر عليه، ثم تدلى ثانية فشربت منه جرعة، ثم تدلى ثالثة فشربت حتى رويت وأرقت على رأسي ووجهي وثيابي. خرج أهل زوجي ونظروا إلي على تلك الحال وقالوا: من أين لك هذا يا عدوة الله؟! فقلت بكل عزة وثبات: إن عدو الله غيري، إنه من خالف دين الله وعصى أوامره، ثم قلت: أما هذا الذي تسألون عنه فهو من عند الله رزق رزقنيه الله الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه الله الذي قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]. قريب أسمع وأجيب، وأعطي البعيد والقريب، وأرزق العدو والحبيب. قريب أغيث اللهفان، وأشبع الجوعان، وأسقي الظمآن، وأكافئ الإحسان. قريب عطائي ممنوح، وخيري يغدو ويروح، وبابي مفتوح، وأنا حليم كريم صفوح. قريب يدعوني الغريق في البحار، والضال في القفار، والمحبوس خلف الأسوار، كما دعاني عبدي في الغار. قريب فرجي في لمحة البصر، وغوثي في لفتة النظر، المغلوب إذا دعاني انتصر. سبحانه اطلع فستر، وعلم فغفر، وعبد فشكر، وأوذي فصبر سبحانه لا إله إلا هو. قالت: قلت: أما هذا الذي تسألون عنه فهو من عند الله رزق رزقنيه الله، الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه, هنا انطلق أهل زوجي سراعاً إلى قرابهم المملوءة بالماء وإلى أوعيتهم الأخرى يستجلون الخبر فعند القرب والأوعية الخبر اليقين، وجدوها موكوءة لم تحل، فعادوا إليها وقالوا: نشهد بأن ربك هو ربنا وأن الذي رزقك في هذا الموضع بعد أن فعلنا بك ما فعلناه هو الذي شرع هذا الدين العظيم، هو الإله الحق. ثم أسلموا وهاجروا جميعاً إلى رسول الله ﷺ بثباتها وعزتها وموقفها الشديد، أسلم القوم وظهر لهم الحق. إنه درس من الثبات، إنه الإيمان الذي جعل المؤمنات كالجبال الراسيات، فلا عذاب ولا تهديد يجعلهن يقدمن أي تنازلات، بل إباء وشموخ وثبات. أما قال بلال وهو الذي ذاق أمر العذاب لما سئل: كيف تحملت كل هذا العذاب؛ قال: مزجت حلاوة الإيمان بمرارة العذاب فطغت حلاوة الإيمان. كرر علي حديثهم يا حادي فحديثهم يجلي الفؤاد الصادي

стр. 809

المحبة ومفهومها في الصحيح عن أنس بن مالك قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان - وفي رواية: ذاق حلاوة الإيمان - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار). أخية! إن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه اللسان وعملت به الجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. أيتها الغالية! إن الإله هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً وخوفاً ورجاءً وتعظيماً وطاعةً له، بمعنى مألوه: وهو الذي تألهه القلوب، أي تحبه وتذل له.

стр. 810

صورة من حب الله ورسوله أيتها الغالية! إن العقول تحكم بوجوب تقديم محبة الله على محبة النفس والأهل والمال والولد وكل ما سواه، وكل من لم يحكم عقلها بهذا فلا تأبه لعقلها، فإن العقل والفطرة والنظر تدعو كلها إلى محبته سبحانه بل إلى توحيده في المحبة، وإنما جاءت الرسل بتقرير ما في الفطر والعقول كما قيل: هب الرسل لم تأت من عنده ولا أخبرت عن جمال الحبيب أليس من الواجب المستحق محبته في اللقاء والمغيب فمن لم يكن عقله آمراً بذا ما له في الحجا من نصيب وإن العقول لتدعو إلى محبة فاطرها من قريب أليست على ذاك مجبولة ومفطورة لا بكسب غريب أليس الجمال حبيب القلوب بذات الجمال وذات القلوب فيا منكراً ذاك والله أنت عين الطريد وعين الحريب ويا من يوسد محبوبه ويرضيه في مشهد أو مغيب حظيت وخابوا فلا تبتئس بكيد العدو وهجر الرقيب اسمعي أمة الله! اسمعي أماه! اسمعي أختاه! عن المحبات الصادقات وتساءلي وقولي: أين نحن من هؤلاء؟ في الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن الرسول ﷺ بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل فقال: هذه خديجة أتتك ومعها إناء فيه طعام وشراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها من ربك السلام ومني)، الله أكبر! ربها يقرئها السلام. نزلت عليه ﷺ آيات سورة المزمل تأمره بقيام الليل، فقام بأبي هو وأمي وقامت معه خديجة وقام الصحابة اثني عشر شهراً حتى انتفخت أرجلهم، ثم نزل التخفيف لما رأى الله صدقهم فقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، أما قال عنها ﷺ : (آمنت بي يوم كفر بي الناس, وآوتني يوم طردني الناس, وصدقتني يوم كذبني الناس, وأعطتني مالها يوم حرمني الناس)، فلا عجب أن يقرئها ربها السلام. القاسم هاهي الصديقة بنت الصديق , المبرأة من فوق سبع سماوات, يقول القاسم: كانت عائشة تصوم الدهر، وقال: كنت إذا غدوت - يعني إذا أصبحت - أبدأ بـ عائشة فأسلم عليها، فغدوت يوماً فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨] فانتظرت حتى مللت الانتظار، فذهبت إلى السوق لحاجتي ثم رجعت فإذا هي في مكانها قائمة تصلي وتبكي وتردد ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ * فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٩]. تأملي يا رعاك الله! إذا كان هذا نهارها فكيف تكون إذا جن عليها الليل؟! فإن كان الرسول ﷺ سيد العابدين فـ الصديقة العالمة بليله وقيامه ووتره سيدة المتهجدات ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]. أما بنت الفاروق حفصة فقال أنس: قال رسول الله ﷺ : (قال جبريل: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة). وقال نافع: ماتت حفصة حتى ما تخطئ. أخية! من علمت وأيقنت أن آخر العمر إلى اللحد لم تنشغل بتزيين المهد. سؤال ونحن في هذا المكان: كيف تكون أول ليلة في الزفاف والعرس؟
следующие страницы →