Полный текст (882 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
دوافع الكلام على القدوات من النساء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
معاشر الأحبة رجالاً ونساء! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حيا الله الجميع، وأسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا وإياكم في دار كرامته وأن يحفظنا وإياكم بحفظه, وأن يستر علينا وإياكم بستره, أساله سبحانه أن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
حديث الليلة خاص إليك أنت.
فأنت مدار الحديث كله، بصلاح المرأة صلاح المجتمع كله, وإذا قامت المرأة بدورها العظيم فإن النصر والتمكين يكون قريباً بإذن الله.
أهلاً بك في لقاء بعنوان: أين أنتن من هؤلاء؟ قبل أن أبدأ أود أن أقول ما الدافع إلى هذا الموضوع؟ أولاً: حاجة المسلمات اليوم إلى القدوة في زمن ضاعت فيه القدوات.
من الدوافع أيضاً: رفع الهمم في زمن ضعفت فيه همم كثيرات.
ثم الواقع الذي نعيشه اليوم من رغبة الناس في الدنيا وعزوفهم عن الآخرة، فكان لا بد من تذكير النفس وتذكير الآخرين والأخريات بأن ما أعد الله للمؤمنين والمؤمنات خير من الدنيا وما فيها.
ثم من الدوافع: أنه من أراد الوصول فعليه بالأصول، ومن سارت على الدرب وصلت بإذن الله.
إننا أيتها الغالية! في أمس الحاجة للنظر في سيرة أولئك الرجال والنساء، إننا أخية! في أمس الحاجة لدراسة سيرة أولئك الرجال والنساء، إننا في أمس الحاجة أن نتأسى بأولئك الرجال والنساء.
قال ابن مسعود ﵁: من كان متأسياً فليتأس بمن مات فإن الحي يخشى عليه من الفتنة.
أيتها الغالية! إننا نحتاج إلى أن نصحح المسار ونتخذ من حياة أولئك الرجال والنساء مثالاً لنا، إننا بحاجة إلى القدوة في زمن قلت فيه القدوات، إننا بحاجة أن نتعلم منهم العزة في زمن قل فيه المعتزون والمعتزات، إننا بحاجة إلى أن نتعلم منهم الثبات في زمن قل فيه الثابتون والثابتات.
أما تلاحظين أيتها الغالية! أن المفاهيم قد تغيرت حتى أصبح الممثلون والممثلات والمغنين والمغنيات هم القدوات، كم تصرف الأوقات والأموال لقراءة ومتابعة أولئك الغافلين والغافلات؟! أكرر: نحن بحاجة إلى أن نصحح المسار وأن نعرف من هم القدوات.
سيتكون الموضوع بعد المقدمة التي ذكرناها من: صورة من العزة والثبات.
ثم صورة من حب الله ورسوله.
ثم المحبة ومعناها.
ثم صانعة الأبطال.
ثم المؤمنة والحياء.
ثم نختم بإذن الله.
стр. 807
صورة من العزة والثبات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
معاشر الأحبة رجالاً ونساء! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حيا الله الجميع، وأسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا وإياكم في دار كرامته وأن يحفظنا وإياكم بحفظه, وأن يستر علينا وإياكم بستره, أساله سبحانه أن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
حديث الليلة خاص إليك أنت.
فأنت مدار الحديث كله، بصلاح المرأة صلاح المجتمع كله, وإذا قامت المرأة بدورها العظيم فإن النصر والتمكين يكون قريباً بإذن الله.
أهلاً بك في لقاء بعنوان: أين أنتن من هؤلاء؟ قبل أن أبدأ أود أن أقول ما الدافع إلى هذا الموضوع؟ أولاً: حاجة المسلمات اليوم إلى القدوة في زمن ضاعت فيه القدوات.
من الدوافع أيضاً: رفع الهمم في زمن ضعفت فيه همم كثيرات.
ثم الواقع الذي نعيشه اليوم من رغبة الناس في الدنيا وعزوفهم عن الآخرة، فكان لا بد من تذكير النفس وتذكير الآخرين والأخريات بأن ما أعد الله للمؤمنين والمؤمنات خير من الدنيا وما فيها.
ثم من الدوافع: أنه من أراد الوصول فعليه بالأصول، ومن سارت على الدرب وصلت بإذن الله.
إننا أيتها الغالية! في أمس الحاجة للنظر في سيرة أولئك الرجال والنساء، إننا أخية! في أمس الحاجة لدراسة سيرة أولئك الرجال والنساء، إننا في أمس الحاجة أن نتأسى بأولئك الرجال والنساء.
قال ابن مسعود ﵁: من كان متأسياً فليتأس بمن مات فإن الحي يخشى عليه من الفتنة.
أيتها الغالية! إننا نحتاج إلى أن نصحح المسار ونتخذ من حياة أولئك الرجال والنساء مثالاً لنا، إننا بحاجة إلى القدوة في زمن قلت فيه القدوات، إننا بحاجة أن نتعلم منهم العزة في زمن قل فيه المعتزون والمعتزات، إننا بحاجة إلى أن نتعلم منهم الثبات في زمن قل فيه الثابتون والثابتات.
أما تلاحظين أيتها الغالية! أن المفاهيم قد تغيرت حتى أصبح الممثلون والممثلات والمغنين والمغنيات هم القدوات، كم تصرف الأوقات والأموال لقراءة ومتابعة أولئك الغافلين والغافلات؟! أكرر: نحن بحاجة إلى أن نصحح المسار وأن نعرف من هم القدوات.
سيتكون الموضوع بعد المقدمة التي ذكرناها من: صورة من العزة والثبات.
ثم صورة من حب الله ورسوله.
ثم المحبة ومعناها.
ثم صانعة الأبطال.
ثم المؤمنة والحياء.
ثم نختم بإذن الله.
стр. 808
غزية بنت حكيم العامرية
أيتها الغالية! هل سمعت عن تلك التي قالت لقومها: إي والله إني على دينه؟! ما شأنها وما قصتها وما خبرها؟ إنها أم شريك إنها غزية بنت جابر بن حكيم القرشية العامرية التي كانت من أوائل من أسلم هي وزوجها، تحكي ﵂ قصة حياتها، حياة الثبات والصبر على دينها رغم التعذيب القاسي.
تقول: جاءني أهل زوجي فقالوا لي: لعلك على دين محمد؟! قلت: إي والله إني لعلى دينه -تأملي نبرة العزة- قالوا: لا جرم! والله لنعذبنك عذاباً شديداً، ثم ارتحلوا بي على جمل هو شر ركابهم وأغلظه، يطعمونني الخبز والعسل ويمنعون عني الماء، حتى إذا انتصف النهار وحميت الشمس نزلوا فضربوا أخبيتهم وتركوني في الشمس قائمة وفعلوا بي ذلك ثلاثة أيام حتى ذهب عقلي وسمعي وبصري، ثم قالوا لي في اليوم الثالث: اتركي دين محمد وما أنت عليه! تقول: قلت في نفسي: ليتهم رجعوا إلى أنفسهم بعدما عاينوا صبري وقد ذهب عقلي وسمعي وبصري لعلهم يرجعون عن غيهم وفعلتهم هذه ويدخلون في دين الله الذي تذوقت حلاوته.
نعم أيتها الغالية! إنها امرأة لا تملك من حطام الدنيا شيئاً لتفتدي به نفسها من ذلك العذاب الشديد، ولكنها تمتلك الإيمان الذي خالطت بشاشته القلوب فامتلأت بحب علام الغيوب نعم إن الإيمان هو المحرك الحقيقي لهذا الإنسان.
تقول غزية: وما دريت والله ما يقولون إلا الكلمة بعد الكلمة، كنت أشير بإصبعي إلى السماء -علامة على ثباتها على معرفة الله الواحد الأحد- تقول: فوالله إني لعلى ذلك وقد بلغ مني الجهد، ولكن شاء الله أن يلطف بي بعد ذلك البلاء المبين! أما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، أما قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]؟ تقول: وبينا أنا على تلك الحال إذ وجدت برد دلو على صدري، فأخذته فشربت منه جرعة واحدة ثم انتزع، فنظرت -وهي التي فقدت بصرها- فنظرت فإذا هو معلق بين السماء والأرض فلم أقدر عليه، ثم تدلى ثانية فشربت منه جرعة، ثم تدلى ثالثة فشربت حتى رويت وأرقت على رأسي ووجهي وثيابي.
خرج أهل زوجي ونظروا إلي على تلك الحال وقالوا: من أين لك هذا يا عدوة الله؟! فقلت بكل عزة وثبات: إن عدو الله غيري، إنه من خالف دين الله وعصى أوامره، ثم قلت: أما هذا الذي تسألون عنه فهو من عند الله رزق رزقنيه الله الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه الله الذي قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦].
قريب أسمع وأجيب، وأعطي البعيد والقريب، وأرزق العدو والحبيب.
قريب أغيث اللهفان، وأشبع الجوعان، وأسقي الظمآن، وأكافئ الإحسان.
قريب عطائي ممنوح، وخيري يغدو ويروح، وبابي مفتوح، وأنا حليم كريم صفوح.
قريب يدعوني الغريق في البحار، والضال في القفار، والمحبوس خلف الأسوار، كما دعاني عبدي في الغار.
قريب فرجي في لمحة البصر، وغوثي في لفتة النظر، المغلوب إذا دعاني انتصر.
سبحانه اطلع فستر، وعلم فغفر، وعبد فشكر، وأوذي فصبر سبحانه لا إله إلا هو.
قالت: قلت: أما هذا الذي تسألون عنه فهو من عند الله رزق رزقنيه الله، الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه, هنا انطلق أهل زوجي سراعاً إلى قرابهم المملوءة بالماء وإلى أوعيتهم الأخرى يستجلون الخبر فعند القرب والأوعية الخبر اليقين، وجدوها موكوءة لم تحل، فعادوا إليها وقالوا: نشهد بأن ربك هو ربنا وأن الذي رزقك في هذا الموضع بعد أن فعلنا بك ما فعلناه هو الذي شرع هذا الدين العظيم، هو الإله الحق.
ثم أسلموا وهاجروا جميعاً إلى رسول الله ﷺ بثباتها وعزتها وموقفها الشديد، أسلم القوم وظهر لهم الحق.
إنه درس من الثبات، إنه الإيمان الذي جعل المؤمنات كالجبال الراسيات، فلا عذاب ولا تهديد يجعلهن يقدمن أي تنازلات، بل إباء وشموخ وثبات.
أما قال بلال وهو الذي ذاق أمر العذاب لما سئل: كيف تحملت كل هذا العذاب؛ قال: مزجت حلاوة الإيمان بمرارة العذاب فطغت حلاوة الإيمان.
كرر علي حديثهم يا حادي فحديثهم يجلي الفؤاد الصادي
стр. 809
المحبة ومفهومها
في الصحيح عن أنس بن مالك قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان - وفي رواية: ذاق حلاوة الإيمان - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
أخية! إن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه اللسان وعملت به الجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
أيتها الغالية! إن الإله هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً وخوفاً ورجاءً وتعظيماً وطاعةً له، بمعنى مألوه: وهو الذي تألهه القلوب، أي تحبه وتذل له.
стр. 810
صورة من حب الله ورسوله
أيتها الغالية! إن العقول تحكم بوجوب تقديم محبة الله على محبة النفس والأهل والمال والولد وكل ما سواه، وكل من لم يحكم عقلها بهذا فلا تأبه لعقلها، فإن العقل والفطرة والنظر تدعو كلها إلى محبته سبحانه بل إلى توحيده في المحبة، وإنما جاءت الرسل بتقرير ما في الفطر والعقول كما قيل: هب الرسل لم تأت من عنده ولا أخبرت عن جمال الحبيب أليس من الواجب المستحق محبته في اللقاء والمغيب فمن لم يكن عقله آمراً بذا ما له في الحجا من نصيب وإن العقول لتدعو إلى محبة فاطرها من قريب أليست على ذاك مجبولة ومفطورة لا بكسب غريب أليس الجمال حبيب القلوب بذات الجمال وذات القلوب فيا منكراً ذاك والله أنت عين الطريد وعين الحريب ويا من يوسد محبوبه ويرضيه في مشهد أو مغيب حظيت وخابوا فلا تبتئس بكيد العدو وهجر الرقيب اسمعي أمة الله! اسمعي أماه! اسمعي أختاه! عن المحبات الصادقات وتساءلي وقولي: أين نحن من هؤلاء؟ في الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن الرسول ﷺ بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل فقال: هذه خديجة أتتك ومعها إناء فيه طعام وشراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها من ربك السلام ومني)، الله أكبر! ربها يقرئها السلام.
نزلت عليه ﷺ آيات سورة المزمل تأمره بقيام الليل، فقام بأبي هو وأمي وقامت معه خديجة وقام الصحابة اثني عشر شهراً حتى انتفخت أرجلهم، ثم نزل التخفيف لما رأى الله صدقهم فقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، أما قال عنها ﷺ : (آمنت بي يوم كفر بي الناس, وآوتني يوم طردني الناس, وصدقتني يوم كذبني الناس, وأعطتني مالها يوم حرمني الناس)، فلا عجب أن يقرئها ربها السلام.
القاسم هاهي الصديقة بنت الصديق , المبرأة من فوق سبع سماوات, يقول القاسم: كانت عائشة تصوم الدهر، وقال: كنت إذا غدوت - يعني إذا أصبحت - أبدأ بـ عائشة فأسلم عليها، فغدوت يوماً فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨] فانتظرت حتى مللت الانتظار، فذهبت إلى السوق لحاجتي ثم رجعت فإذا هي في مكانها قائمة تصلي وتبكي وتردد ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ * فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٩].
تأملي يا رعاك الله! إذا كان هذا نهارها فكيف تكون إذا جن عليها الليل؟! فإن كان الرسول ﷺ سيد العابدين فـ الصديقة العالمة بليله وقيامه ووتره سيدة المتهجدات ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤].
أما بنت الفاروق حفصة فقال أنس: قال رسول الله ﷺ : (قال جبريل: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة).
وقال نافع: ماتت حفصة حتى ما تخطئ.
أخية! من علمت وأيقنت أن آخر العمر إلى اللحد لم تنشغل بتزيين المهد.
سؤال ونحن في هذا المكان: كيف تكون أول ليلة في الزفاف والعرس؟
стр. 811
صورة من حب الله ورسوله
اسمعي وقولي: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١].
لما أهديت معاذة العدوية إلى زوجها صلة بن أشيم أدخله ابن أخيه الحمام, ثم أدخله بيت مطيباً فيه العروس, فقام يصلي حتى أصبح, وقامت معاذة خلفه فلما أصبح عاتبه ابن أخيه على فعله فقال له: أدخلتني بيتاً أذكرتني به النار, ثم أدخلتني على تلك العروس فتذكرت الجنة, فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت! لله درهم كم علت بهم هممهم! وأي كلام يترجم أفعالهم؟ امرأة تحيي ليلة بنائها كلها، فما بال النسوة في زماننا؟! بل ما بال الرجال في هذا الزمان؟! أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها كانت رحمها الله إذا جاء النهار قالت: هذا يومي الذي أموت فيه فما تنام حتى تمسي, فإذا جاء الليل قالت: هذه ليلتي التي أموت فيها, فلا تنام حتى تصبح.
اسمعي ما قاله ثابت البناني عن خبرها يوم أن بلغها نبأ استشهاد زوجها وابنها، إنها مصيبة عظيمة لكن على المؤمنات أبداً ما تكون، فأتت النساء يواسينها في مصابها فقالت: إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحباً بكن, وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن من حيث أتيتن! الله أكبر ولله درها! أي صنف من النساء هذه التقية النقية؟! لا عجب فهي تلميذة أم المؤمنين عائشة ﵂.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع يقول الحسن: لما مات زوجها شهيداً لم توسد فراشاً بعده، قالت لابنتها من الرضاعة: والله يا بنية! ما محبتي للبقاء في الدنيا للذيذ عيش, ولا لروح نسيم, وإنما أحب البقاء لأتقرب إلى ربي بالوسائل، لعله يجمع بيني وبين أبي الصهباء في الجنة.
تقول عنها عفيرة العابدة: لما احتضرها الموت بكت ثم ضحكت, فقيل لها: مم البكاء ومم الضحك؟ قالت: أما البكاء الذي رأيتم فإني ذكرت مفارقة الصيام, والصلاة, والذكر, فكان البكاء لذلك, وأما الذي رأيتم من تبسمي وضحكي فإني نظرت إلى أبي الصهباء قد أقبل في صحن الدار عليه حلتان خضراوان في نفر والله ما رأيت لهم في الدنيا شبهاً، فضحكت إليه وضحك إلي، ولا أراني أدرك بعد ذلك فرضاً معكم, قالت: فماتت قبل أن يدخل عليها وقت الصلاة التالية.
سبحان الله، بكت! لكن على ماذا بكت؟! بكت على فراق الصيام, والصلاة, والذكر, وأنت أيتها الغالية! على ماذا تبكين؟! ما هي همومك؟! وفيم أحزانك؟! على ماذا تلك الدمعات الغالية؟! من أجل من تذرفينها؟! قوم مضوا كانت الأيام بهم نزه والعيد كالعيد والأوقات أوقات ماتوا وعشنا فهم عاشوا بموتهم ونحن في صور الأحياء أموات
стр. 812
المحبة ومعناها
أخية! إن أول علامات الإيمان: هو حب الله جلا وعلا, وحب رسوله ﷺ , ولما كثر المدعون في المحبة, طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى, قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله, وأقوله, وأخلاقه.
اسمعي يا رعاك الله! ماذا قالوا عن المحبة التي هي من مقتضى وشروط لا إله إلا الله: قال عبد الله القرشي: المحبة هي أن تهب كلك لمن أحببت, فلا يبقى لك منك شيء.
معنى كلامه أن تهبي إرادتك، وعزمك، وأفعالك، ونفسك، ومالك، ووقتك لمن تحبينه، وتجعليها حبساً ووقفاً في مرضاته ومحابه، فلا تأخذي لنفسك منها إلا ما أعطاك هو, فتأخذيه منه ومن أجله.
قالوا: المحبة: الميل الدائم في القلب الهائم.
وقالوا: المحبة: إيثار المحبوب على جميع المصحوب.
ومن أجمل ما قيل ما ذكره أبو بكر الكتاني قال: جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم, فتكلم الشيوخ في المحبة، وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه، ودمعت عيناه, ثم قال: المحب عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله، ولله، ومع الله.
فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد.
المحب الصادق إذا تكلم فمن أجل الله، وإذا سكت فمن أجل الله، وإذا أعطى فمن أجل الله، وإذا منع فمن أجل الله, فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد.
ذكر ابن القيم رحمة الله عشرة أمور توصل إلى محبة الله ﵎ أولها: قراءة القران، والتدبر، والتفهم لمعانيه، وما أريد به.
ثانياً: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض.
ثالثاً: دوام ذكره على كل حال بالقلب واللسان.
رابعاً: إيثار محابه على محابك.
خامساً: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته.
سادساً: مشاهدة بره، وآلائه، وإحسانه، ونعمه الظاهرة والباطنة.
والسابع: - وهو أعجبها كما قال - انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى.
تاسعها: الخلوة به وقت النزول الإلهي، لمناجاته وتلاوته كتابه، والوقوف بالقلب، والتأدب بأدب العبودية بين يديه.
عاشرها: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما تنتقى أطايب الثمرات.
عاشراً: مباعدته كل سبب يحول بين القلب وبين الله .
وإليك مزيداً من أخبارهم، وقولي وكرري: أين نحن من هؤلاء؟
стр. 813
صانعة الأبطال
أيتها الغالية! أماً كنت أم أختاً! على ماذا نربي أبناءنا اليوم؟! ما هي الأمنيات التي نتمناها لهم؟ أما قال سبحانه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١]، فوصى الآباء بالأبناء، قبل أن يوصي الآباء بالأبناء.
انظري حولك في واقع الأبناء في هذه الأيام لتعرفي مقدار المأساة، أما أولئك كيف ربوا أبنائهم؟ وماذا علموهم؟ وماذا أعدوهم له؟ اسمعي وافتحي القلب قبل أن تفتحي الأذنين.
جاء في السير أنه كان في البصرة نساء عابدات, وكانت منهن أم إبراهيم الهاشمية، فأغار العدو على ثغر من ثغور المسلمين، فانتدب الناس للجهاد، فقام عبد الواحد بن زيد البصري خطيباً، فحضهم على الجهاد، كانت أم إبراهيم هذه حاضرة في مجلسه، وتمادى عبد الواحد في كلامه، ثم وصف الحور العين، وذكر ما قيل فيهن وأنشد في صفة حوراء: غادة ذات دلال ومرح يجد الناعس فيها ما اقترح خلقت من كل شيء حسن طيب فالليت فيها مطرح زانها الله بوجه جمعت فيه أوصاف غريبات الملح وبعين كحلها من غنجها وبخد مسكه فيه رشح ناعم تجري على صفحته نظرة الملك ولألاء الفرح فهاج المجلس وماج الناس بعضهم في بعض واضطربوا، فوثبت أم إبراهيم من وسط الناس وقالت لـ عبد الواحد: يا أبا عبيد! ألست تعرف ولدي إبراهيم؟ ورؤساء أهل البلد يخطبونه على بناته وأنا أضن به عليهم، فلقد والله أعجبتني هذه الجارية، وأنا أرضاها عروساً لولدي، فكرر ما ذكرت من حسنها وجمالها، فأخذ عبد الواحد في وصف الحوراء فأنشد: تولد نور النور من نور وجهها فمازج طيب الطيب من خالص العطر فلو وطئت بالنعل منها على الحصى لأعشبت الأقطار من غير ما قطر ولو شئت عقد الخصر منها عقدت هـ كغصن من الريحان ذي ورق خضر ولو تفلت في البحر شهد رضابها لا طاب لأهل البر شرباً من البحر فاضطرب الناس أكثر مما اضطربوا، فوثبت أم إبراهيم وقالت لـ عبد الواحد: يا أبا عبيد قد والله أعجبتني هذه الجارية وأنا أرضاها عروساً لولدي، فهل لك أن تزوجه منها، وتأخذ مني مهرها عشرة آلاف دينار ويخرج معك إبراهيم في هذه الغزوة، فلعل الله يرزقه الشهادة ويكون شفيعاً لي ولأبيه يوم القيامة.
فقال لها عبد الواحد: لئن فعلت والله لتفوزن أنت وولدك وأبو ولدك, والله لتفوزن فوزاً عظيماً.
فنادت ولدها: يا إبراهيم! فوثب من وسط الناس وقال لها: لبيك يا أماه! قالت: أي بني! أرضيت بهذه الجارية زوجة لك ببذل مهجتك في سبيل الله وترك العودة للذنوب؟ فقال الفتى: إي والله يا أماه! رضيت أي رضاً.
فقالت: اللهم إني أشهدك أني زوجة ولدي هذا من هذه الجارية، ببذل مهجته في سبيلك وترك العودة للذنوب فتقبله هدية مني لك يا أرحم الراحمين.
ثم انصرفت، ثم رجعت فجاءت بعشرة آلاف دينار وقالت: يا أبا عبيد هذا مهر الجارية تجهز به وجهز الغزاة في سبيل الله.
ثم انصرفت فاشترت لولدها فرساً وسلاحاً جيداً، فلما خرج عبد الواحد خرج إبراهيم رغم صغر سنه ,يعدو والقراء حوله يقرءون: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، فلما أرادت أم إبراهيم فراق ولدها دفعت إليه كفناً وحنوطاً, وقالت له: أي بني! إذا أردت لقاء العدو فتكفن بهذا الكفن, وتحنط بهذا الحنوط, وإياك ثم إياك أن يراك الله مقصراً في سبيله، ثم ضمته إلى صدرها وقبلته بين عينيه، وقالت: يا بني! لا جمع الله بيني وبينك إلا بين يديه في عرصات القيامة.
قال عبد الواحد: فلما بلغنا بلاد العدو وبرز الناس للقتال، برز إبراهيم في المقدمة، فصال وجال، وكر وفر، تارة في الميمنة، وتارة في الميسرة، فقتل من العدو خلقاً عظيماً، ثم اجتمعوا عليه فقتلوه، فلما أردنا الرجوع إلى البصرة قلت لأصحابي: لا تخبروا أم إبراهيم بخبر ولدها حتى ألقاها بحسن العزاء، لأن لا تجزع فيذهب أجرها.
قال: فلما وصلنا البصرة خرج الناس يتلقوننا، وخرجت أم إبراهيم مع من خرج، فلما أبصرتني قالت: يا أبا عبيد هل قبلت مني هديتي فأهنأ، أم ردت علي فأعزى، فقلت لها: قد قلبت والله هديتك، إن إبراهيم حي يرزق مع الشهداء إن شاء الله، فخرت ساجدة لله شكراً وقالت: الحمد لله الذي لم يخيب ظني وتقبل نسكي.
ثم انصرفت.
فلما كان من الغد أتت إلى المسجد فقالت: السلام عليك يا أبا عبيد بشراك بشراك، فقلت: لا زلت مبشرة بالخير فقالت: رأيت البارحة ولدي إبراهيم في روضة حسناء وعليه قبة خضراء، وهو على سرير من اللؤلؤ، وعلى رأسه تاج وإكليل وهو يقول لي: أبشري أماه! فقد قبل المهر وزفت العروس.
تأملي أيتها الغالية! كيف تساهم المرأة المسلمة في إعداد الأبطال! انظري إلى همِّ المرأة المسلمة وهو نصرة الإسلام مهما كان الثمن! انظري إلى الدور العظيم الذي تستطيع أن تقوم به المرأة المسلمة إن هي صلحت أولاً! إن الأمة اليوم في أمس الحاجة إلى مثل هؤلاء الأمهات اللائي يرضعن أبنائهن مع اللبن حب الإسلام والتضحية في سبيله، فهل تكونين تلك المرأة؟ ومن يتهيب صعود الجبال يعيش أبد الدهر بين الحفر كثيرات يدعين المحبة، ولكن شتان بين الصادقين والصادقات، وبين الكاذبين والكاذبات، في المصائب، في الآلام، في المواقف، في الشدائد تظهر معادن الرجال والنساء.
стр. 814
صورة من حب نساء الأنصاء للنبي ﷺ
بعد معركة أحد أشيع أن النبي ﷺ قد قتل، فخرج النساء يتلقين الجيش العائد من أرض المعركة، والكل يسأل عن أخبار ذلك اليوم العظيم، خرجت من بينهن امرأة.
من الأنصار، خرجت لتستقبل الجيش، خرجت لتطمئن على الحبيب ﷺ ، قيل لها: مات أبوك، فاسترجعت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا صنع النبي صلى الله علية وسلم؟ فقيل لها: مات زوجك، فاسترجعت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا صنع النبي ﷺ ؟ فقيل لها: مات أخوك، فاسترجعت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا صنع النبي صلى الله علية وسلم؟ فقالوا لها: هو بخير، قالت: والله لا يهدأ لي بال، ولا يقر لي قرار حتى أراه بأم عيني، فلما رأته بكت, وضحكت، وتبسمت، وقالت: كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله، كل فقد غير فقدك يهون يا رسول الله.
هل شاهدت مثل هذا الحب؟! أرأيت كيف هان عندها فقد الأب، والزوج، والأخ؟ إنه الحب الصادق لله ولرسوله، كيف لا تحبه وهو الذي أنقذها الله به من الظلمة إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن النار إلى الجنة.
أنا أعرف أنك تحبينه ولكن ما هو الدليل؟ هل اتبعت سنته؟ هل أخذت بهديه؟ كم تذكرين اسمه وتصلين عليه في اليوم والليلة؟ كم تحفظين من أحاديثه؟ ماذا تعرفين عن سيرته؟ أين أنت من أوامره التي أمر بها؟ وأين أنت من نواهيه التي نهى عنها؟ كم بذلت لنصرة هذا الدين والدعوة إليه.
قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين).
نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا نلام على محبتكم ويكفي شرفاً نلام ولا علينا إن كان عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
стр. 815
المؤمنة والحياء
بعد معركة أحد أشيع أن النبي ﷺ قد قتل، فخرج النساء يتلقين الجيش العائد من أرض المعركة، والكل يسأل عن أخبار ذلك اليوم العظيم، خرجت من بينهن امرأة.
من الأنصار، خرجت لتستقبل الجيش، خرجت لتطمئن على الحبيب ﷺ ، قيل لها: مات أبوك، فاسترجعت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا صنع النبي صلى الله علية وسلم؟ فقيل لها: مات زوجك، فاسترجعت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا صنع النبي ﷺ ؟ فقيل لها: مات أخوك، فاسترجعت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا صنع النبي صلى الله علية وسلم؟ فقالوا لها: هو بخير، قالت: والله لا يهدأ لي بال، ولا يقر لي قرار حتى أراه بأم عيني، فلما رأته بكت, وضحكت، وتبسمت، وقالت: كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله، كل فقد غير فقدك يهون يا رسول الله.
هل شاهدت مثل هذا الحب؟! أرأيت كيف هان عندها فقد الأب، والزوج، والأخ؟ إنه الحب الصادق لله ولرسوله، كيف لا تحبه وهو الذي أنقذها الله به من الظلمة إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن النار إلى الجنة.
أنا أعرف أنك تحبينه ولكن ما هو الدليل؟ هل اتبعت سنته؟ هل أخذت بهديه؟ كم تذكرين اسمه وتصلين عليه في اليوم والليلة؟ كم تحفظين من أحاديثه؟ ماذا تعرفين عن سيرته؟ أين أنت من أوامره التي أمر بها؟ وأين أنت من نواهيه التي نهى عنها؟ كم بذلت لنصرة هذا الدين والدعوة إليه.
قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين).
نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا نلام على محبتكم ويكفي شرفاً نلام ولا علينا إن كان عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
стр. 816
مفهوم الحياء وفضله
أخيراً: إليك هذا الخبر الذي يحمل صفة وخصلة لو حملتها ولبستها لصلحت لك جميع الأمور.
عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحياء لا يأتي إلا بخير) رواه البخاري ومسلم.
وفيهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه).
وفي الصحيح عنه ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت).
قال الجنيد ﵀: الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء.
وحقيقته: خلق يبعث على ترك القبائح ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق.
وقال السري السقطى: إن الحياء والأنس يطرقان القلب، فإن وجدا فيه الزهد والورع وإلا رحلا.
وآخر قال: والله إني لأستحي أن ينظر الله في قلبي وفيه أحد سواه.
وقال الفضيل بن عياض: خمس من علامات الشقوة: قسوة القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل.
وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعاً استحى الله منه وهو مذنب.
وقال ابن القيم: من لا حياء فيه فليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شي.
وقال ابن مسعود: من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله.
قيل لـ عمر بن عبد العزيز: إذا ذهب الحياء ذهب نصف الدين، قال: لا.
إذا ذهب الحياء ذهب الدين كله.
إن كان الحياء جميلاً في الرجال فهو في النساء أجمل وأزين، ووالله إذا فقدت المرأة حياءها لباطن الأرض خير لها من ظاهرها، قال الشاعر: إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء
стр. 817
حياء فاطمة بنت رسول الله ﷺ
اسمعي! كيف تضرب سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد ﷺ مثلاً للعفاف والحياء كما ينبغي أن يكون، اسمعيها وهي تقول وتحاور أسماء بنت عميس: يا أسماء إني لأستحى أن أخرج غداً على الرجال من خلال هذا النعش جسمي.
كانت النعوش عبارة عن خشبه مصفحة يوضع عليها الميت ثم يطرح عليه الثوب فيصف حجم الجسم.
خشيت فاطمة ﵂ إذا هي ماتت أن تحمل على مثل هذه النعوش، فيكون ذلك خدشاً لحيائها وحشمتها.
قالت أسماء: أولا نصنع لك شيئاً رأيته في الحبشة؟ فصنعت لها النعش المغطى من جوانبه بما يشبه الصندوق، ثم طرحت عليه ثوباً فكان لا يصف الجسم، فلما رأته فاطمة فرحت به وقالت لـ أسماء: ما أحسن هذا وأجمله، سترك الله كما سترتني! قال ابن عبد البر: هي أول من غطي نعشها في الإسلام على تلك الصفة.
أريت أيتها الغالية وسمعت كيف تحمل المؤمنة هم حيائها وعفافها وحجابها حتى بعد مماتها، تريد أن تعيش عفيفة وتموت عفيفة وتحشر إلى الله وهي عفيفة.
إن الحياء والحجاب عند المؤمنة قضية لا تحتمل النقاش، وهم لا يقبل المساومة، إنه طاعة لله واستجابة لأوامر الله وانقياد لحكمة الله، إنه الثغر الذي تتحصن به المسلمة فلا تتسرب من خلاله رذيلة وفاحشة إلى المجتمع، ولا تستباح محرمات ولا تدنس أعراض، إنه عنوان صلاح المرأة ودليل اعتزازها بدينها وشعارها الذي ترفعه في وجه أعدائها وكل من يخالفها.
اسمعي إلى التي قالت: لست من تأسر الحلي سباقه فكنوزي قلائد القرآن وحجاب الإسلام فوق جبيني هو عندي أبهى من التيجان لست أبغي من الحياة قصوراً فقصوري في خالدات الجنان انظري إلى الواقع من حولك أخية! كيف تتفلت النساء من حيائهن وحجابهن؟ كيف يقلن إن الحياء والحجاب تخلف ورجعية وتقييد للحرية؟ ولكن صدق الصادق المصدوق ﷺ حين قال: (بدأ الدين غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء)، قال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩].
стр. 818
الحث على الاقتداء بالصالحات من النساء
أيتها الغالية! هذه أخبار من أخبارهن، وقصص من قصصهن، وكما استطعن هن أنت أيضاً تستطيعين.
فلو كان النساء كما ذكرنا لفضلت النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخر للهلال اسمعي هذه البشارة من رب العالمين: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥].
اسمعي هذه البشارة من رسول رب العالمين: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت)، رواة الخمسة وابن حبان.
إن كن قد استطعن فأنت أيضاً تستطيعين.
المنبع واحد, والمصدر واحد، والطريق واحد، إنما يختلف الناس باختلاف الهمم، أرجل في الثرى ورءوس في الثريا.
اقرئي التاريخ فإن في التاريخ عبر، ضل قوم لم يعرفوا الخبر، استعيني بالصبر والصلاة، لا تحزني بقلة السالكين، ولا تغتري بكثرة الهالكين، أما قال ربك: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، أما قال ربك جلا في علاه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقال سبحانه ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، أما قال: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة:١٠٠].
فليكن شعارك التعاون على البر والتقوى والتناهي عن الإثم والعدوان سدد الله خطاك وحفظك في دينك ودنياك، وجعلك ذخراً وحصناً للإسلام والمسلمين.
اللهم فرج هم المهمومين واكشف كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، ودل الحيارى واهد الضالين، واغفر للأحياء والميتين، اللهم اجمع شملنا ووحد صفنا وأصلح ذات بيننا، وانصرنا يا قوي يا عزيز على القوم الكافرين.
أستغفر الله العظيم وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 819
أين دارك غداً
الدنيا دار غرور، والإنسان مبتلى فيها بالشهوات والمعاصي، وقد بين الله للناس في كتابه وسنة نبيه عظيم غرور الدنيا وحذرهم فتنتها، ومن أعظم ما يردع المرء عن الشهوات والمعاصي تذكر القبر وظلماته، وما فيه من الأهوال.
стр. 820
مواعظ قرآنية
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة بالنار.
معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، أسأله سبحانه أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
هذا لقاء من لقاءات مواعظ القلوب! العلاج الذي لا بد منه لقسوة القلوب، فقسوة القلوب مرض خبيث يقعد عن الخير ويصد عن الهداية، قال الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
القلوب ما بين رقة وقسوة، إذا رقت تذكرت علام الغيوب، وإذا قست نست فكان لا بد لها من التذكير، إذا غفلت لا بد لها من مواعظ القرآن والمواعظ النبوية، مواعظ القرآن التي تحيي القلوب القاسية، لأن كلام الرحمن لو تنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله.
نحن في لقاء بعنوان: (أين دارك غداً؟).
أنت الآن تسكن القصر الفسيح وتقطن الدار الرحيبة، وغداً ستكون في مكان آخر طال الزمان أو قصر: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه إن بناها بشر خاب بانيها إن مواعظ القرآن أعظم ما يحيي القلوب، والمواعظ النبوية الموجزة البليغة من أعظم المواعظ التي تحيي القلوب، فأعطني السمع والقلب والجوارح والأركان حتى نمر في موعظة قرآنية: قال الله جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٥ - ٦].
ترى ما الذي غرهم من الدنيا وهذه سهامها تصيب كل يوم أحدهم بسهم فترديه هالكاً وتسلمه إلى القبر المظلم المطبق عليه، سالكاً سبيل من سبقوه من الأموات الهالكين، وقد خرقت القبور منهم الأكفان ومزقت الأبدان ومصت الدم وأكلت اللحم؟ ترى ما صنعت بهم الديدان؟! أليست قد محت الألوان وعفرت الوجوه الحسان وكسرت الفقار، وأبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء؟! أليس الليل والنهار عليهم سواء؟! أليسوا في مدلهمة ظلماء؟! قد فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعة إلى المضايق.
إن المنادي كل يوم ينادي: يا ساكن القبر غداً ما الذي غرك من الدنيا؟! أين دارك الفيحاء؟ أين رقاق ثيابك؟ ليت شعري! كيف ستصبر على خشونة الثرى؟ وبأي خديك يبدأ البلى؟ والموت فاذكره وما وراءه فما لأحد عنه براءه وإنه للفيصل الذي به يعرف ما للعبد عند ربه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده أو يك شراً فالذي بعد أشد ويل لعبد عن سبيل الله صد قال سبحانه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٩ - ٤٠].
وقال سبحانه: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٤ - ٥٦].
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٢ - ١٤].
إنها المواعظ القرآنية التي تحيي القلوب! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].
نعم أيها الغالي! مواعظ القرآن هي علاج قسوة القلب، فإذا غفل القلب فلا يحيا إلا بمواعظ القرآن، وليس أحسن للقلب من مداومة ذكر الله بشرط أن يتواطأ القلب واللسان، ولا أحسن من سماع المواعظ النبوية والتدبر والعمل بما تسمع، وحتى تنتفع بالمواعظ لا بد من العمل، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٧ - ٦٨].
فبالاتباع هدى وثبات واستقامة وحياة لأولي الألباب.
стр. 821
القبر أعظم موعظة
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة بالنار.
معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، أسأله سبحانه أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
هذا لقاء من لقاءات مواعظ القلوب! العلاج الذي لا بد منه لقسوة القلوب، فقسوة القلوب مرض خبيث يقعد عن الخير ويصد عن الهداية، قال الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
القلوب ما بين رقة وقسوة، إذا رقت تذكرت علام الغيوب، وإذا قست نست فكان لا بد لها من التذكير، إذا غفلت لا بد لها من مواعظ القرآن والمواعظ النبوية، مواعظ القرآن التي تحيي القلوب القاسية، لأن كلام الرحمن لو تنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله.
نحن في لقاء بعنوان: (أين دارك غداً؟).
أنت الآن تسكن القصر الفسيح وتقطن الدار الرحيبة، وغداً ستكون في مكان آخر طال الزمان أو قصر: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه إن بناها بشر خاب بانيها إن مواعظ القرآن أعظم ما يحيي القلوب، والمواعظ النبوية الموجزة البليغة من أعظم المواعظ التي تحيي القلوب، فأعطني السمع والقلب والجوارح والأركان حتى نمر في موعظة قرآنية: قال الله جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٥ - ٦].
ترى ما الذي غرهم من الدنيا وهذه سهامها تصيب كل يوم أحدهم بسهم فترديه هالكاً وتسلمه إلى القبر المظلم المطبق عليه، سالكاً سبيل من سبقوه من الأموات الهالكين، وقد خرقت القبور منهم الأكفان ومزقت الأبدان ومصت الدم وأكلت اللحم؟ ترى ما صنعت بهم الديدان؟! أليست قد محت الألوان وعفرت الوجوه الحسان وكسرت الفقار، وأبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء؟! أليس الليل والنهار عليهم سواء؟! أليسوا في مدلهمة ظلماء؟! قد فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعة إلى المضايق.
إن المنادي كل يوم ينادي: يا ساكن القبر غداً ما الذي غرك من الدنيا؟! أين دارك الفيحاء؟ أين رقاق ثيابك؟ ليت شعري! كيف ستصبر على خشونة الثرى؟ وبأي خديك يبدأ البلى؟ والموت فاذكره وما وراءه فما لأحد عنه براءه وإنه للفيصل الذي به يعرف ما للعبد عند ربه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده أو يك شراً فالذي بعد أشد ويل لعبد عن سبيل الله صد قال سبحانه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٩ - ٤٠].
وقال سبحانه: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٤ - ٥٦].
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٢ - ١٤].
إنها المواعظ القرآنية التي تحيي القلوب! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].
نعم أيها الغالي! مواعظ القرآن هي علاج قسوة القلب، فإذا غفل القلب فلا يحيا إلا بمواعظ القرآن، وليس أحسن للقلب من مداومة ذكر الله بشرط أن يتواطأ القلب واللسان، ولا أحسن من سماع المواعظ النبوية والتدبر والعمل بما تسمع، وحتى تنتفع بالمواعظ لا بد من العمل، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٧ - ٦٨].
فبالاتباع هدى وثبات واستقامة وحياة لأولي الألباب.
стр. 822
القبر منزل لابد من نزوله
القبر أعظم موعظة، ما وقف على القبر واقف إلا تذكر، وما نظر إلى القبر ناظر إلا تفكر.
هي الدار التي ستسكنها طال الزمن أو قصر، ثم بعد السكنى الثانية ستخرج من تلك الدار ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤].
لاحظ الفرق حين تغادر فراشك في سفر أو في رحلة قريبة، كيف يصيبك الأرق؟ والهم والغم: فارقت موضع مرقدي يوماً ففارقني السكون القبر أول ليلة بالله قل لي ما يكون
стр. 823
القبر أول منازل الآخرة
القبر أول منازل الآخرة! ولماذا الحديث عن القبر؟ لأن في القبر يتحدد المصير إما إلى جنة وإما إلى نار.
القبور على نوعين أيها الغالي، القبور على نوعين أيتها الغالية: إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران لا بد من الاستعداد، لا بد من عمارة الدار قبل سكناها.
عندما تموت وتموتين سيتبعك ويتبعك ثلاثة: العمل، المال، الولد.
سترجع الدنيا وما فيها وستبقى رهين العمل، (فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد دون ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
قال ﷺ : (ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه).
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا أخالك ناجياً عند ابن ماجة عن البراء قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر وبكى حتى بل الثرى، ثم قال: يا إخواني! لمثل هذا فأعدوا).
دخل أحد العباد وهو كعب القرظي على عمر بن عبد العزيز بعد توليه الخلافة فجعل ينظر في وجهه فإذا هو وجه شاحب وبدن ناحل، كأن جبال الدنيا قد تساقطت عليه، فقال يا عمر! ما الذي دهاك؟! يا عمر ما الذي أصابك؟! والله لقد رأيتك أجمل فتيان قريش، تلبس اللين وتجلس على الوثير، لين العيش نظر البشرة، والله يا عمر! لو دخلت عليك في غير هذا المكان ما عرفتك! فتنهد عمر باكياً وقال: أما إنك لو رأيتني بعد ثلاث ليال من دفني وقد سقطت العينان، وانخسفت الوجنتان، وعاثت في الجوف الديدان، وتغير الخدان؛ لكنت لحالي من حالي أشد إنكاراً وعجباً.
ثم بكى عمر وبكى الناس حتى ضج مجلسه بالبكاء.
بكى عمر من حاله في القبر، ونحن على ماذا نبكي؟! بكى عمر بن عبد العزيز من حاله في القبر ونحن على ماذا نبكي؟! ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢]، ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٠ - ٦٢].
ضعوا خدي على الترب ضعوه ومن عفر التراب فوسدوه وشقوا عنه أكفاناً رقاقاً وفي الرمس البعيد فغيبوه فلو أبصرتموه إذا تقضت صبيحة ثالث أنكرتموه وقد سالت نواظر مقلتيه على وجناته وانفض فوه وناداه البلى هذا فلان هلموا فانظروا هل تعرفوه حبيبكم وجاركم المفدى تقادم عهده فنسيتموه
стр. 824
ضمة القبر
هل سمعت عن القبر وضمته؟! عند النسائي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (هذا الذي تحرك له عرش الرحمن، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه) يعني سعد بن معاذ.
وقال ﷺ في حديث آخر: (إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ).
سعد وما أدراك ما سعد؟ سعد الذي اهتز له عرش الرحمن عند وفاته! سعد الذي شيعه سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قط! سعد الذي فتحت له أبواب السماء! سعد سيد الأوس والخزرج! سعد الذي مناديله في الجنة خير من الدنيا وما فيها! هذا حال سعد فكيف يكون حالي وحالك؟ (لقد ضم ضمة ثم فرج عنه).
سبحانك! يا من ذللت بالموت رقاب الجبابرة، سبحانك يا من أنهيت بالموت آمال القياصرة، فنقلتهم بالموت من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة النساء والجواري والغلمان إلى مقاساة الديدان والهوام، ومن التنعم بأنواع الطعام والشراب إلى التمرغ في أنواع الوحل والتراب.
وقف علي ﵁ على القبور فنادى أصحابها: أتخبرونا أخباركم؟ أم نخبركم أخبارنا؟ أما أخبارنا فإن الأموال قد اقتسمت، والنساء تزوجت، والمساكن قد سكنت، قال سبحانه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩].
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧].
القبر كل يوم يناديك: يا ابن آدم! تمشي في جماعة على الأرض وسوف تقع وحيداً في بطني يا ابن آدم! تفرح وتمرح على ظهري وسوف تبكي في بطني.
يا ابن آدم! تأكل أموال الربا والحرام واليتامى على ظهري، وسوف يأكلك الدود في بطني.
يا ابن آدم! تنظر إلى الحرام بعينيك وسترى ما ينتظرك في بطني.
يا ابن آدم! تسمع الحرام بأذنيك وستسمع الأهوال في بطني.
يا ساهياً يا غافلاً! سيحملك أهلك وأخلاؤك إلى تلك الحفرة، سيتبعك مالك وولدك وعملك، سيرجع الكل وسيبقى العمل.
ستتزوج الزوجة من بعدك، وسيتقاسم الأولاد أموالك.
وأنت وأنت ينادى عليك: رجعوا وتركوك، وفي التراب وضعوك، وللحساب عرضوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.
﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:٦ - ١٢].
كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢].
стр. 825
فتنة القبر
ستسمع قرع نعالهم وستبقى وحيداً فريداً إلا من العمل، هناك ستمتحن امتحاناً شديداً، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان.
امتحانات الدنيا تعوض، والفرص تعطى مرات ومرات، لكن قل لي بالله العظيم! كيف سيكون الحال إذا ظهرت النتائج هناك؟ كيف سيكون الحال إذا وسدوك وجاءك الملكان وأقعدوك؟ عن البراء بن عازب قال: (كنا في جنازة مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، وجلسنا عند القبر ولم يلحد بعد، وكانت في يده ﷺ عصا فنكت بها في التراب ثلاثاً ثم قال: استعيذوا بالله من عذاب القبر.
ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال من الآخرة، جاءته ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة وجلسوا منه مد البصر، وجاء ملك الموت ﵇ وجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى روح وريحان ورب راض غير غضبان.
فتخرج روحه كما يسيل القطر من السقاء، فإذا قبضها ملك الموت لم تدعها الملائكة في يده طرفة عين حتى يلبسوه ذلك الكفن الذي من الجنة، ويحنطوه بذلك الحنوط الذي من الجنة فتخرج منه رائحة كأطيب رائحة مسك وجدت على وجه الأرض، ثم يعرج به إلى السماء فما يمرون على نفر من الملائكة إلا قالوا: من هذه الروح الطيبة صاحبة الريح الطيب؟ فيقال: هذا فلان بن فلان -بأحب أسمائه التي كان ينادى بها في الدنيا- حتى إذا وصلوا إلى باب السماء واستفتحوا له فتح له، ثم يشيعه مقربو تلك السماء إلى السماء التي تليها، حتى إذا وصل إلى السماء السابعة نادى منادي الله: أن اكتبوا كتابه في عليين وأرجعوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى.
فتعاد روحه في قبره فيأتيه ملكان أنفاسهما كاللهب، أبصارهما كالبرق الخاطف، أصواتهما كالرعد القاصف، فيقعدانه فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هو ذلك الرجل الذي بعث بكم؟ أما المؤمن فيقول: ربي الله حقاً، ونبيي محمد صدقاً، وديني الإسلام.
فيقال له: وما علمك؟ فيقول: تعلمت القرآن وعملت به، فينادي منادي الله: أن قد صدق، فافرشوا له فراشاً من الجنة وافتحوا له باباً من الجنة، فيأتيه من روحها وريحانها ويوسع له في قبره مد البصر، فيأتيه رجل أبيض الوجه طيب الشمائل، فيقول: من أنت؟ فوجهك والله لا يأتي إلا بالخير، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي).
هذا حال المؤمن الذي حافظ على الصلوات وترك النواهي والمحرمات.
قال: (أما العبد الكافر، -أو قال: العبد الفاجر- إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال من الآخرة جاءته ملائكة سود الوجوه، معهم كفن من أكفان النار وحنوط من حنوط النار وجلسوا منه مد البصر، ثم يأتي ملك الموت ﵇ فيجلس عند رأسه فيقول: أيتها الروح الخبيثة صاحبة الريح الخبيث! أبشري بسخط من الله وغضب، فتسل روحه كما ينزع السفود من القطن -يعني الحديد المتشابك- فإذا قبضها ملك الموت لم تدعها الملائكة في يده طرفة عين حتى يلبسوه ذلك الكفن الذي من النار ويحنطوه بذلك الحنوط الذي من النار، وتخرج منه رائحة كأنتن رائحة على وجه الأرض، ويعرج به إلى السماء، فما يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: من هذه الروح الخبيثة صاحبة الريح الخبيث؟ فيقال: هذا فلان بن فلان -بأقبح أسمائه التي كان ينادى بها في الدنيا- حتى إذا جاءوا إلى أبواب السماء واستفتحوا له لم يفتح له.
ثم قرأ ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠ - ٤١]، ثم ينادي منادي الله: أن اكتبوا كتابه في سجين وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى.
فتعاد روحه في قبره، فيأتيه الملكان فيقعدانه ويسألانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيخر في الأرض سبعين خريفاً، حتى إذا أفاق أقعداه وقالا له: وما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيضربانه حتى إذا أفاق قالا له: ومن ذلك الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: سمعت الناس يقولون كذا وكذا، فيقال له: لا دريت ولا تليت فينادي منادي الله: أن كذب عبدي، فافرشوا له فراشاً من النار وألبسوه لباساً من النار وافتحوا له باباً من النار.
فيضيق عليه في قبره حتى تختلج أضلاعه، فيأتيه رجل قبيح المنظر قبيح الريح فيقول: من أنت، فوجهك والله لا يأتي إلا بالشر؟ فيقول: أبشر بالذي يسوءك؟ هذا يومك الذي كنت توعد، أنا عملك السيئ، فيقول: رب لا تقم الساعة).
هذا حال الذين ضيعوا الصلاة وارتكبوا الفواحش والمنكرات، حالهم: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦]، حالهم: ﴿أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف:٥٣] يبكون فلا يستجاب لهم، ينادون فلا يسمع كلامهم ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧].
стр. 826
مشهد من عذاب القبر
روى الذهبي في كتاب الكبائر قصة رجل ماتت أخته فقبرت ودفنت، ثم ذهب إلى بيته فتبين له أنه فقد كيساً من الذهب، فراجع حساباته فتبين له أنه سقط في القبر حين كان يحفر ويدفن، فرجع ونبش القبر، فإذا بالقبر نار تتأجج، فرجع لأمه خائفاً باكياً وجلاً: أماه! أختي تقية نقية ما علمت عليها من سوء! كيف وقد وجدت قبرها ناراً تتأجج؟! اسمع يا صاحب القلب! اسمع وراجع الحسابات قبل فوات الأوان، قبل أن تبكي دماً، قالت الأم: أختك كانت تؤخر الصلاة عن وقتها.
إذا كان هذا حال الذي يؤخرون، فكيف سيكون حال الذين ينامون عن الصلوات؟ كيف سيكون حال الذين لا يصلون؟ كم سمعنا عن وجوه قد اسودت؟ كم سمعنا عن أبدان قد تقطعت؟ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥٠ - ٥١].
مر رجل على قصر من القصور قد اجتمع عليه ملأ من الناس، فقال: ما الخبر؟ قالوا: إن الأمير قد بنى هذا القصر وجمع الناس، فقال لهم: من قال لي: أن في هذا القصر عيباً أعطيته ما شاء.
قال الرجل قبل أن يدخل القصر فيه عيبان: أنه سيفنى القصر وسيفنى صاحبه: عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور يغدى عليك بما اشتهيـ ت من الرواح إلى البكور فإذا النفوس تقعقعت في ضيق حشرجة الصدور فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور
стр. 827
مشروعية زيارة القبور
قال سفيان: من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار.
قيل لبعض الزهاد: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلات الأموات.
وسأل رجل أحمد: ما يرق قلبي؟ قال: ادخل المقبرة.
قال آخر: ما اشتقت إلى البكاء إلا خرجت إلى المقابر.
وما أعظم قول الصادق المصدوق في موعظة بليغة موجزة: (ألا إني قد نهيتكم عن زيارة القبر، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة).
ما أحوجنا أن نخلو آحاداً آحاداً في ذلك المكان، اخلع النعال وسر بين القبور ففيها الأغنياء والفقراء والصغار والكبار سواء.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].
حتى تستفيد من الموعظة افعل ما توعظ به! (ألا إني قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) فإن في زيارتها حياة للقلوب الغافلة، إن في زيارتها تذكيراً للغافل والناسي والساهي، والقبر لا يعرف صغيراً ولا كبيراً ولا يعرف غنياً ولا فقيراً.
الكل في ذلك المكان مرتهن بالعمل الذي عمله وبالعمل الذي قدمه.
فاتقي الله أمة الله! واتق الله عبد الله! اتق الله أيها الشاب في شبابك، واتق الله أيها الشيخ في شيبتك.
والله الذي لا إله إلا هو إن الذي حال بين الناس وبين التوبة والصدق في التوبة: طول الأمل، ومن أطال الأمل أساء العمل، قال سبحانه: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣].
يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل اللهم هون علينا الموت والقبر وظلماته، هون علينا السؤال وشدته، هون علينا اللحد وضمته.
اللهم امنن علينا بتوبة نصوح قبل الموت، وبشهادة عند الموت، وبرحمة بعد الموت يا رب العالمين.
اللهم ارحم ضعفنا وتقصيرنا وإسرافنا في أمرنا يا رب العالمين، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا يا ربنا من الراشدين.
اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
اللهم نور على أهل القبور قبورهم، اللهم اغفر لهم وارحمهم ويسر أمورهم، اللهم آنس وحدتهم ونور ظلمتهم، اللهم أبدلهم داراً خيراً من دارهم، وأبدلهم أهلين خيراً من أهليهم.
اللهم ارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه تحت التراب وحدنا، إذا نسينا الأحباب وفارقنا الأهل والأصحاب، اللهم كن لنا عوناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً يا رب العالمين.
اللهم لا تؤاخذنا بالتقصير، واعف عن الكثير، وتقبل منا اليسير، إنك يا مولانا نعم المولى ونعم النصير.
اللهم اجمع شملنا وأصلح ولاة أمورنا، انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك الموحدين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الموحدين، انصر المجاهدين في كل مكان، ثبت أقدامهم واربط على قلوبهم، أفرغ عليهم صبراً يا رب العالمين، عجل بنصرهم يا قوي يا عزيز، اكبت عدوك وعدوهم فإنهم لا يعجزونك يا جبار السماوات والأرضين.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
أستغفر الله العظيم، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 828
بصراحة مع الشباب
الشباب هم أمل الأمة، والمأمول منهم أن يقيموا الدين، ويحافظوا على الشعائر، ويبعثوا روح الجهاد في سبيل الله لنصرة الأمة؛ لكن الصراحة أن كثيراً من شبابنا ضيعوا الأخلاق وأهملوا أعظم شعائر الدين، ولذا فلابد من الصلاح والاستقامة قبل الندم.
стр. 829
الشباب هم أمل الأمة
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلاله بالنار.
معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حياكم الله وبياكم وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، كما أسأله سبحانه أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
بصراحة مع الشباب: المقصد: كيف نسلك سبيل النجاة؟ كيف نتعاون على البر والتقوى؟ كيف نتعاون على أن ننجو بأنفسنا وأهلينا من عذاب الله؟ بصراحة مع الشباب: الشباب -بارك الله فيهم- هم بناة الحضارة، وعلى أكتاف الشباب يتغير الواقع، وبأيدي الشباب تستعيد الأمة مكانتها، وتستعيد الأمة العزة المفقودة والعزة المسلوبة؛ لكن أي نوع من الشباب هو الذي سيغير الواقع؟
стр. 830
خروج من طريق الضياع
الشباب اليوم على صنفين، وتعال نتكلم بصراحة ونقول للشباب: ماذا تريدون؟ كثير من الشباب يدعي أنه في سعادة ويدعي أنه في راحة وطمأنينة، لكن في قرارة نفسه يعلم أنه ليس كذلك.
على غير ميعاد منذ أسابيع مضت كنت في سفر إلى الرياض فصعدت الطائرة، وبينا أنا أضع حقائبي في المكان المخصص إذا بمنادٍ من خلفي يقول: السلام عليكم يا فلان! فالتفت فإذا بشاب أعرفه منذ سنوات طوال فرقت بيني وبينه أحوال الدنيا هنا وهناك، وكان في آخر عهدي به منذ سنين مضت أنه مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء سار مع أهل الاستقامة فترة ثم عاد إلى ما كان عليه.
الذي أعرفه أنه أصبح موظفاً في الخطوط الجوية وأصبح مضيفاً، وهذه أمنية كان يتمناها هو، كنت أسأله: لماذا تريد هذه الوظيفة المتعبة؟ قال: أحب السفر هنا وهناك كل يوم في بلد.
مضت الأيام وتفرقنا، والذي أعرفه أنه التحق في ذلك المجال الذي يريده، جاءتني الأخبار أنه تزوج وأصبح أباً، لم أره منذ عشر سنوات إلا في الطائرة في ذلك اليوم، قلت: فلان! قال: نعم، قلت: أهلاً وسهلاً، كان يرتدي ثياب الوظيفة لكنه لم يكن على مهمة في تلك الطائرة، كان يريد الذهاب إلى الرياض ثم من الرياض سيصعد على طائرة إلى خارج البلاد في رحله تستغرق أربع ساعات ثم يرجع إلى البلاد في نفس الليلة.
جلست معه، وقلت: ما هي أخبارك؟ قال: أبشرك بخير وسعادة وما مر علي لحظات إلا وأنا أحسن.
قلت: عندي خبر أنك تزوجت، قال: نعم تزوجت وعندي طفل صغير اسمه خالد، قلت: ما شاء الله تبارك الله، الآن أصبحت رجلاً مسئولاً عن أسرة كاملة، فكيف هي أحوالك؟ قال: بعد أن أنجبت زوجتي هجرتني لسنة كاملة، ذهبت وتركت البيت لسنة كاملة.
قلت: لماذا؟ قال: بصراحة يا شيخ! لسوء تصرفاتي، لقد كذبت عليك حين قلت لك إني في سعادة وإني في طمأنينة، الحقيقة يا شيخ! إني أعيش هموماً وغموماً لا يعلمها إلا الله، والله يا شيخ إني في ضياع لا يعلمه إلا الله كثرة السفر وكثرة التنقلات كنت أظنها ستجلب لي سعادة؛ لكن الذي حدث أنها أحدثت لي عكس ذلك، انجرفت مع الأشرار من بلد إلى بلد ومن مصيبة إلى مصيبة حتى تركتني زوجتي وذهبت إلى أهلها سنة كاملة، رجعت بعد أن عاهدتها أني سأستقيم وأني سأعود إلى صراط الله المستقيم؛ لكني ما صدقت في عهودي ولا في مواثيقي.
يقول: منذ أيام حدث حادث أثر في حياتي، وغير من مجريات حياتي، كنت في إحدى البلاد الأسيوية، بعد أن وصلت الرحلة المفترض أننا سنبقي ثلاث ليال هناك ثم نرجع مرة ثانية، خرجت مع من خرج يسرح ويمرح في تلك البلاد، رجعت ومعي فاجرة إلى الفندق، يقول: فلما تجردت من ثيابها وتجردت أنا من ثيابي إذا بنداء هز كياني، إذا بالأذان يرتفع من مسجد مجاور لنا، يقول: خافت هي وانتفضت ولبست ثيابها ودخلت إلى دورة المياه وتوضأت ثم خرجت وجلست تصلي وتبكي، وأنا لم يتحرك شيء في داخلي، قلت في نفسي: إلى هذه الدرجة أنا وصلت إلى الضياع! إلى هذه الدرجة أصبح الأذان يؤذن ولا يحرك في قلبي شيئاً! إلى هذه الدرجة أرى من يتأثر ويبكي ولا يعني لي شيئاً! فرجعت ولم أصنع شيئاً؛ لكني رجعت وأنا أحمل الهم وأنا أقول: إلى متى وأنا أسير على هذا الطريق؟ إلى متى وأنا أسير على طريق الضياع؟ سبحان الله! فاجرة سمعت الأذان ينادي فانتفضت في مكانها ورفضت أن تفعل الفاحشة وتوضأت وصلت باكية في مكانها! يقول لي: أنا الآن تجاوزت الثلاثين سنة ولا أدري متى سيتغير الواقع؟ قلت له: كيف أنت مع الصلاة؟ قال: أنا لا أصلي يا شيخ! قلت له: وكيف تحيا إذاً وأنت لا تصلي؟! ولا تعرف أوامر الله ولا تأتمر بأوامر الله؟! قال: كأن الله قد ساقك إليَّ الليلة، أنا أحتاجك يا شيخ! أنا أريد أن أصرح لك بما يدور في داخلي.
الذي يدور في داخله هو آثار الذنوب والمعاصي، آثار البعد عن الله جل في علاه، آثار الإدبار عن صراط الله المستقيم، كيف يتغير الواقع وهو لا يعرف أبسط أمور الدين، وهي الاستقامة على صلاته.
قلت: أنا أنزل في الرياض في مهمة وأرجع على طائرة الحادية عشرة والنصف.
قال: هي موعد رجوع طائرتي أيضاً، أنا أسافر إلى بيروت ثم أرجع وأقلع على طائرة الحادية عشرة والنصف؛ قال: أرجوك أنا أريدك يا شيخ! فقد مللت هذا الطريق وهذه الحياة.
قلت: استقم في صفوف المصلين والزم المسجد واركع واسجد لله حتى يتغير الحال، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
افترقنا في صالة المطار على أن نلتقي في الساعة الحادية عشرة والنصف حتى نرجع إلى الدمام، ولظروف تأخرت في المجيء إلى المطار حتى كادت الرحلة تفوتني، حتى قال لي الشباب في الرياض: امكث يا شيخ! امكث هذه الليلة وارجع غداً صباحاً، قلت: لا أنا على موعد في المطار، أنا على موعد مع ذلك الشاب الذي واعدته على أن نلتقي مهما كانت الظروف، فقد ودعني في المطار بعين باكية ولا زلت أذكر ذلك الوجه وهو يفترق ويبتعد عني وهو يقول لي: أرجوك يا شيخ! أنا أحتاجك، فما أردت أن أتخلف عن موعده.
انتقلت من منطقة بالرياض في الساعة الحادية عشرة والطائرة تقلع في الساعة الحادية عشرة والنصف، لما وصلت إلى المطار الساعة الحادية عشرة والنصف وجدت أن الركاب كلهم قد ركبوا إلا صاحبي كان ينتظر عند البوابة، فلما رآني بكى وأخذ يقول: والله يا شيخ ما كنت لأركب الطائرة حتى تأتي أنت، ثم ركبنا، وبين السماء والأرض باح واعترف، بين السماء والأرض أعلنها توبة لله رب العالمين، قال لي فيما قال في الحديث الذي دار بيني وبينه: أبشرك يا شيخ لقد صليت ولأول مرة أصلي منذ سنوات، والله لأول مرة بين السماء والأرض أحس أني قريب من الله، لأول مرة أحس بالراحة والطمأنينة في داخلي.
أقول: أحبتي! الإنسان في ضياع حتى يتعرف على الله جل في علاه قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] من معانيها: ما خلقتهم إلا ليتعرفوا علي.
وكيف يكون التعرف على الله إلا بالركوع والسجود والخضوع لأوامره والانتهاء عن نواهيه، أنت عبد للسيد الذي خلقك وأعطاك وأمدك بكل شيء، لا بد أن تحقق العبودية حتى يحقق الله لك ما وعد، لا بد أن تسير على النهج الذي خلقك الله من أجله ظل يبكي بين السماء والأرض ويدلي باعترافات: تركتني زوجتي، تركني المقربون، تركني أناس كثيرون، والسبب: الذنوب والمعاصي، كنت أظن أن السفر والترحال سيجلب لي سعادة كنت أظن أن السفر هنا وهناك ومعاشرة هؤلاء وهؤلاء ستجلب لي سعادة، قال: والله ما استشعرت السعادة إلا مرة واحدة منذ سنوات مضت، حين انتشلني أولئك الشباب الصالحون وأخذوا يغدون بي ويروحون إلى المسجد، حينها عرفت أنني إنسان، حينها عرفت أن لي قيمة في هذا المجتمع، اجتهدت أكثر من بعض الشباب في تلك الفترة، لكن حين سلكت تلك الوظيفة وبدأت أطير من بلد إلى بلد بدأت رحلة الضياع.
بصراحة: كثير من الشباب يعيش في ضياع لا يعلم به إلا الله، هو يضحك ويتبسم لكنها ليست بابتسامة خارجة من القلب، ابتسامة وراءها ما يعبر عنها، وأشياء كثيرة يخفيها الشباب خلف ابتساماتهم.
قل لأصحاب المعاصي والضياع: ماذا صنعت المعاصي بهم، وهل جلبت لهم سعادة؟ المطلوب مني ومنك بارك الله فيك أن نسير على طريق الاستقامة، أن نعيش عبيداً لله رب العالمين.
стр. 831
الشباب والمحافظة على الصلاة
اسمع بصراحة إلى واقع الشباب: التقيت بثلاثة على إحدى الطرق الطويلة في ساعة متأخرة من الليل، قلت وقد توقفت لهم: أين تريدون؟ قالوا: نريد الدمام، قلت: اصعدوا فأنتم على طريقي.
لما ركبوا وهم في مقتبل العمر لم تتجاوز أعمارهم الحادية والعشرين أو الثانية والعشرين، سألتهم: أين تريدون؟ قالوا: نريد المكان الفلاني، قلت: ماذا تريدون من هناك؟ قالوا: نبحث عن وظائف، قطعوا مسافات طويلة بحثاً عن وظيفة، بحثاً عن الجاه، بحثاً عن الرزق.
ولا عيب في أن يسعي الإنسان لرزقه؛ لكن عيب كل العيب أن يراه الله مقصر في حقه، عيب كل العيب أننا نخرج من أجل دنيانا وفي قضاء حوائجنا ولا نخرج في طاعة الله حين ينادينا منادي الله: الصلاة خير من النوم، أو حي على الصلاة حي على الفلاح.
قلت: اصدقوني ما هي المؤهلات التي تحملونها.
فما ذكروا مؤهلات تذكر، منهم من يحمل الشهادة المتوسطة ومنهم من يحمل دون ذلك، قلت: الأمر لله من قبل ومن بعد، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم، لكن من كان مع الله كان الله معه، وما سميت الصلاة صلاة إلا لأنها صله بين العبد وربه، ولأن الله يصل بفاعلها إلى الجنة ويصل بتاركها إلى النار، ولأن الله يتعهد أهل الصلوات، قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
لذلك سألتهم وقلت: كيف أنتم مع الصلاة؟ اسمع بارك الله فيك! اسمع أخبار الشباب وبصراحة مع صلواتهم التي هي أساس أمور دينهم، قال الذي يجلس بجانبي: أقول لك الصراحة أم أكذب عليك يا شيخ! قلت: إن كذبت فأنت لا تكذب علي بل تكذب على نفسك أنت، قال: بصراحة أنا ما أصلي، قلت: إذاً كافر، قال: لا، قلت: كيف وقد جاء في الحديث: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، (بين المرء وبين الكفر ترك الصلاة) فهل ترضى بهذا الاسم؟! قال: لا.
قلت: إذاً فافعل بفعل المسلمين الذين من أساس أركان دينهم بعد توحيد الله: إقامة الصلاة.
أما الثاني فقال لي: أنا أحسن منه يا شيخ! أنا أحسن منه حالاً! قلت: وكيف؟ قال: أنا أصلي من الجمعة إلى الجمعة.
قلت: هذا دين جديد وهذا شرع جديد.
قال: وماذا أفعل إذاً؟ قلت: هي خمس صلوات بارك الله فيك! قال الثالث: أنا أحسنهم حالاً يا شيخ! قلت: وكيف؟ قال: أنا أصلي في اليوم صلاتين.
أيعقل أن هذا هو حال الشباب، منهم من لا يركع ولا يسجد، ومنهم من لا يصلي إلا من الجمعة إلى الجمعة، ومنهم من لا يعرف الله إلا في وقت الشدة، في أوقات الامتحانات والاختبارات يقبل الناس على المساجد، وحين ترفع وتقضي حوائجهم يدبرون عن أوامر الله ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، يعدهم الشيطان ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً.
كم خسرنا من شاب وفتاة لا يصلون ولا يعرفون أوامر الله، كم خسرنا من صغار ومن كبار خرجوا من الحياة بلا رصيد من الحسنات، غرتهم الأماني وغرهم بالله الغرور.
يقول أحد مغسلي الموتى: جيء لنا بشاب في مقتبل العمر، فلما بدأنا بتغسيله وتكفينه انقلب لونه من البياض الشديد إلى السواد الشديد، خفنا من المنظر الذي رأيناه فخرجنا خائفين فوجدنا رجلاً في الخارج، قلنا: من أنت، ومن الميت؟ قال: الميت ميتنا وأنا أبوه.
قلت: ما خبر ميتكم هذا؟ قال: ميتنا هذا لم يك من المصلين، قلنا: نعوذ بالله! خذوا ميتكم أنتم وغسلوه وكفنوه، فحكم الله في هذا ألا يغسل ولا يكفن ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يدعى له ولا يستغفر له ولا يحمل على الرقاب، بل يسحب على وجهه، وتحفر له حفرة في الصحراء ثم يكب فيها على وجهه ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:٣٣].
أتدري كم من أمر للمحافظة على الصلوات في كتاب الله؟ أكثر من تسعين أمراً، يكفينا أمر واحد حتى نعلم أن القضية قضية خطيرة، وأن القضية يترتب عليها إما جنة وإما نار، وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة الصلاة، وحتى يستقيم حاله في دنياه وينظر الله في أموره في آخرته لا بد أن يستقيم صفوف المصلين.
أحد الشباب يقول: أنا وصاحب لي نغدو ونروح في أوقات الصلوات والله لا نعرف المساجد ولا نعرف الأوامر، نستهزئ بالمصلين ونستهزئ بأهل الاستقامة وأهل الالتزام، حتى جاء يوم فافترقنا بعد الفجر ولم نصلها، نمت فلما استيقظت قال لي أخي الأكبر: فلان صاحبك قد مات اليوم! ظننت بأن الأمر مزح وليس بالأمر الجد، فقلت: اترك عنك هذا الكلام فقد فارقته هذا الصباح وذهب هو إلى البيت.
قال: أقول لك بالحرف الواحد: فلان قد مات! فذهبت إلى بيته أتقصي الخبر، طرقت الباب فخرج إلي أبوه، قلت: أين فلان؟ فقال لي والدمعة على خده: عظم الله أجرك في فلان، قلت: أين هو؟ قال: أين هو؟! لن نصلي عليه ولن ندفنه في مقابر المسلمين، لأنه كان لا يصلي، كم نصحناه وإياك أن تحافظا على أوامر الله! يقول الشاب: حينها علمت أني على خطر، حينها تأكدت أني أسير على طريق غير صحيح، علمت أنه لا بد أن أصحح المسار، فهذا الموت يتخطف الصغار ويتخطف الكبار، منهم من يأخذه في الجو، ومنهم من يأخذه في الأرض، ومنهم من يأخذهم على ضفاف البحار؛ فكيف يكون حالي إذا جاءني المنادي يقول: يا فلان بن فلان، قد انقضى العمر وانتهت الحياة، وأنا على حال لا يعلمها إلا الله.
قال لي الأب: صل قبل ألا يصلِّ عليك كما فعلنا بفلان! علمت حينها أني على خطر عظيم، علمت حينها أن الله قد مد في عمري وأعطاني فرصة حتى أراجع الحسابات.
تمضي السنين وتنقضي الأيام والناس تلهو والأنام نيام والناس تسعي للحياة بغفلة لم يذكروا القرآن والإسلام والمال أصبح جمعة كتهجد وتمتع الشهوات صار صيام قد زين الشيطان كل رذيلة والناس تفعل ما تشاء حرام يا نفس يكفي فالذنوب كثيرة إن الغرور يسبب الأجرام هل تعلم اليوم المحدد وقته الله يعلم وحده العلام ماذا تقول إذا حملت جنازة ودفنت بالقبر الشديد ظلام هذا السؤال فهل علمت جوابه ماذا تقول إذا نطقت كلام اليوم تفعل ما تشاء وتشتهي وغداً تموت وترفع الأقلام بصراحة إن كثيراً من الشباب يحتاج إلى مراجعة الحسابات، اذهب إلى صلاة الفجر مع الجماعة فلا ترى إلا قليلاً من الشباب الذين هداهم الله وآباء وأجداداً يصلون، والبقية الباقية تمر وكأن الأمر لا يعنيها، ستخونهم المعاصي، ستخونهم المنكرات، ستخونهم المخالفات في ساعات هم في أمس الحاجة إلى العون والتثبيت من الله ولكن لا يثبت الله إلا أهل الصلوات.
يقول أحد مشايخنا الكرام: مات أحد الشباب الذين نعرفهم بالصلاح -نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً- يقول شيخنا: أعرفه تمام المعرفة، كان من الذين يحافظون على الصلاة وتكبيرة الإحرام في الصف الأول، أعرفه حريصاً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أعرفه حريصاً على فعل الخيرات وعلى ترك الفواحش والمنكرات، مات لكنه مات على طاعة، فكنت ممن غسله وكفنه وودعه في قبره.
قال: في ذلك اليوم رأينا في جنازته عجباً، رأينا في جنازته عبرة لأولي الألباب، لما بدأنا بتغسيله وتكفينه بدأنا بمزج المسك والكافور، يقول: والله الذي لا إله إلا هو لقد فاحت رائحة المسك منه قبل أن نضع المسك عليه حتى فاحت في المكان كله، فقلت لصاحبي: أتشم؟ قال: إي والله، والله ما شممت أحلى ولا أجمل من تلك الرائحة ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].
قال: فلما كفناه وذهبنا به إلى المقبرة كنت ممن نزل في قبره، وكان الناس على شفير القبر يريدون إنزاله، فلما أنزلوه وكنت أنا وصاحبي في القبر يقول: والله الذي لا إله إلا هو إنه حمل من بين أيدينا وما حملناه! ووالله إنه وضع في التراب وما وضعناه! والله إنه وجه إلى القبلة وما وجهناه! يقول: كشفت عن وجهه فإذا هو يضحك وعلى وجهه ابتسامة لولا أنني أنا الذي غسلته وكفنته لما كنت أظن أنه قد مات، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء؛ عاش على الطاعة ومات على الطاعة، فثبته الله في أشد اللحظات، كما خانت المعاصي أصحابها ثبتت الطاعات أهل الطاعات في أمس اللحظات.
стр. 832
الهدف الذي يعيش له الشباب اليوم
بصراحة: ماذا يريد الشباب اليوم؟! وما الهدف الذي يحيا من أجله كثير من الشباب؟! اعلم بارك الله فيك أنه من أراد الوصول فعليه بالأصول، ومن سار على الدرب وصل، وما ربك بظلام للعبيد، الطريق واضح الطريق مستقيم لا اعوجاج فيه يمنة ولا يسرة، إنما الاعوجاج في طريق المنكرات والفواحش والمخالفات، لذلك كان من فضل الله علينا وعلى الناس أن جعل الصراط مستقيماً حتى تقوم الحجة على الصغير وعلى الكبير، وأنت كل يوم يا من تصلي تسأل الله الثبات على هذا الصراط المستقيم لأن الإغراءات كثيرة، لكن من تعرف على الله تعرف الله عليه.
شاب أعرفه رويت لي أخباره تمام المعرفة، يقول أخوه: منذ صغره وهو متعلق بالمساجد، شاب نشأ وترعرع في طاعة الله، أحسبه والله حسيبه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فكما أننا نرى نماذج من الضياع نرى ولله الحمد نماذج كثيرة للاستقامة، وهؤلاء حجة على أولئك، لا يتعذر الشباب ويقول كثير منهم: نحن لا نستطيع، نقول: إن استطاع فلان فأنت أيضاً تستطيع؛ لكن خذ بالأسباب وخذ بسبل النجاة التي سلكها فلان حتى تنجو أنت.
يقول أخوه: نشأ وترعرع في طاعة الله، كبر وهو يحب المساجد ويحب أهل المساجد، لما التحق بالوظيفة التحق بالسلك العسكري، فكان ذلك اليوم يوماً مشهوداً لا ينساه أبداً، ويتذكر ذلك اليوم حين قوبل في مقابلة القبول ووافقوا عليه موظفاً في السلك العسكري، جاء اليوم الذي ستسلم فيه البطاقة له، فقال له الذي يأخذ الصور: أنت بلحيتك هذه، إن تصورت اليوم على هذه الصورة فأنت لا تستطيع بعدها أن تزيل هذه اللحية! فهل تريد إزالتها قبل أن نأخذ لك صورة؟ قال: أسأل الله أن يأخذ عمري قبل أن أبدل سنة محمد ﷺ ، سنوات وأنا أعتني بسنة محمد ﷺ ، سنوات وأنا أعتني بمظهري ثم آتي الآن من أجل وظيفة أتخلى عن دين الله أو أتخلى عن أي شيء من دين الله، خذ الصورة وكلي عزة أنني أقتدي بمحمد ﷺ .
فأخذت له الصورة في لحية تجلله وتجلل وجهه يظهر منها أثر النور، نسأل الله أن يتقبله فيمن عنده.
ثم بدأ يسلك طريق الاستقامة مع المستقيمين ويعمل مع العاملين، يقول أخوه: والله لا يهدأ بالليل ولا بالنهار يعمل على إصلاح الشباب وعلى استقامة الشباب بالليل والنهار، يأتيه الناس في حوائجهم وهو لا يكل ولا يمل، وكما قال النبي ﷺ : (أنفع الناس أنفعهم للناس)، وسئل عن رجل يخالط الناس ويتحمل أذاهم، وعن آخر لا يخالط الناس ولا يتحمل أذاهم فقال ﷺ : هذا أحب إلى الله وخير عند الله.
أي: الذي يسعى في هداية الناس ويسعى في قضاء حوائج الناس.
يقول: حتى إذا بلغ سن الزواج تزوج ثم رزقه الله بصبية وبنات وهو لا يكل ولا يمل في العمل الدعوي والعمل الخيري، ثم التحق بأحد الهيئات الخيرية يعمل معهم في نصرة الإسلام وفي نصرة المسلمين، حتى إذا بلغ متوسط العشرين أو دونها أو أكثر منها بقليل أصابه مرض وما علم أحد بمرضه، كان يتألم ألماً شديداً ولم يظهر لأحد من الناس ضعفه ولا ما سببه له المرض، كان يتألم ولا يبث شكواه إلا إلى الله جل في علاه، ثم بدأ المرض يتفاقم ويزيد عليه.
كان يخفي عن أمه آلامه حتى لا تتأذى المسكينة وتحمل هم مرضه، يقول: حتى إذا بلغ المرض منه مبلغة أخذناه إلى الطبيب، فقال الطبيب: إنه مصاب بورم خبيث في بطنه ولا بد أن يرضخ ويجلس للعلاج.
بدءوا علاجه بالمسكنات حتى يخففوا عنه الآلام.
ثم تفاقم المرض وزاد وكان لا بد أن يعالجوه بالجرعات الكيماوية، الجرعات الكيماوية هي الأخرى ماذا تسبب؟ أبسط مسبباتها أنها تسبب تساقط الشعر، سبحان الله! كان دائماً يدعو أن يثبته الله على دينه وأن يلقى الله غير مبدل ولا مغير، كان يعتز بمظهره الذي يدل عليه! سبحان الله! يقول الطبيب الذي عالجه: بدأنا بإعطائه جرعات كيماوية، سبحان الله! أول ما يظهر على المريض من مفاعلات عكسية من أثر هذه الجرعات أنه يتساقط الشعر، يقول: والله الذي لا إله إلا هو ما سقطت شعرة واحدة من جسمه، يقول الطبيب: كنت أتعجب! كل المرضى تحدث لهم مثل هذه الأعراض وكلهم يتساقط شعر جسدهم، يقول: كنت آتية وهو نائم في إغماءة كاملة من أثر هذه الجرعات ومن أثر الآلام التي كان يعانيها، وكنت أشد لحيته فلا تسقط منها شعرة واحدة؛ لأنه كان يدعو الله أن يلقى وهو غير مبدل ولا مغير.
اعتز بدينه فاعتز الله به، ثبت على دينه فثبته الله في أشد اللحظات، مات ولكن موته كان له أكبر الأثر على غيره، كثير يموتون وتنقضي أخبارهم بعد ثلاثة أيام، وآخرون يموتون ويحيا بموتهم أقوام، حتى في ساعات مرضه كان يدعو من حوله، أما يكفي أن الله أكرمه عند موته ولقي الله وهو معتز بسنة محمد ﷺ ، التي قال لصاحب الوظيفة: والله إني لن أتخلى عن لحيتي ولا طرفة عين.
فثبته الله في لحظات موته!
стр. 833
راجع حساباتك مع الله
بصراحة! الشباب يحتاجون إلى مراجعة حساباتهم، الشباب بحاجة إلى أن يراجعوا حساباتهم وأن يستقيموا في صفوف المصلين، سأسلك سؤالاً واصدقني في
الجواب
كيف أنت مع صلاتك؟ وهل صليت الفجر اليوم في جماعة المسلمين أم مع المتخلفين، أم كنت مع الذين أولئك الذين لم يركعوا ويسجدوا لله رب العالمين؟ كم عمرك اليوم؟ لقد بلغت من العمر عتياً؛ بعضنا جاوز العشرين وبعضنا جاوز الثلاثين وبعضنا قد جاوز الأربعين.
لن أسألك عن العشرين ولا عن الثلاثين ولا عن الأربعين سنة، سأسلك عن أشهر مضت منذ بداية العام حتى يومنا هذا: قل لي وكن صادقاً كم مرة فاتتك صلاة الجماعة؛ مرة أم مرتين أم ثلاثاً؟ قل لي واصدقني بالله العظيم كم مرة ناداك منادي الله: الصلاة خير من النوم وواقع حالك يقول: النوم خير من الصلاة؛ مرة أم مرتين أم ثلاثاً؟ وأنت يا من تدعي أنك محافظ على الصلوات وأنك لا تتخلف عن الجماعات! اصدقني وقل لي بالله العظيم: كم مرة تفوتك تكبيرة الإحرام على مدى أشهر وعلى مدى أيام؟ والله لا يستقيم حال الشباب صغاراً ولا كباراً حتى يستقيموا في صفوف المصلين.
قرأت عبارة جميلة علقت في أماكن كثيرة هنا وهناك: إذا أردنا النصر فلنصل الفجر.
إذا أردنا أن ننتصر على أعدائنا فلا بد أن ننتصر أولاً على أنفسنا.
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإن انتهت عنه فأنت عظيم والله الذي لا إله إلا هو إنك لن تلقى الله بقربة أعظم من المحافظة على الصلوات، والله لن يقودك إلى الجنان إلا المحافظة على الصلوات، ولو سألت أهل النيران عن سبب سلوكهم ذلك الصراط وذلك الطريق الضال: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣].
فالشباب بصراحة يحتاجون إلى مراجعة حساباتهم، حتى الشيب حتى الكبار يحتاجون إلى مراجعة الحسابات، فأين نحن من أولئك الذين لم تفتهم الصلوات؟ هذا يقول: أربعين سنة لم تفتني تكبيرة الإحرام، وآخر يقول: خمسين سنة ما فاتتني صلاة الجماعة، فأين نحن من هؤلاء؟ والله لن يتغير الحال ولن يتغير الواقع إلا إذا انضبطنا في صفوف المصلين، ولن يكون للكلام الذي سمعناه بالأمس ولا من قبله ولا اليوم أثر حتى نغير ما بأنفسنا، والصادق هو الذي يصدق مع نفسه، وما ربك بظلام للعبيد.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلني وإياكم من الذين هم على صلاتهم دائمون، وأن يجعلني وإياكم من الذين هم على صلاتهم يحافظون، وأن يجعلني وإياكم من الذين هم في صلاتهم خاشعون، اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، وأصلح ولاة أمورنا، وانصرنا يا قوي يا عزيز على القوم الكافرين.
وأستغفر الله العظيم، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 834
الأسئلة
بصراحة! الشباب يحتاجون إلى مراجعة حساباتهم، الشباب بحاجة إلى أن يراجعوا حساباتهم وأن يستقيموا في صفوف المصلين، سأسلك سؤالاً واصدقني في
الجواب
كيف أنت مع صلاتك؟ وهل صليت الفجر اليوم في جماعة المسلمين أم مع المتخلفين، أم كنت مع الذين أولئك الذين لم يركعوا ويسجدوا لله رب العالمين؟ كم عمرك اليوم؟ لقد بلغت من العمر عتياً؛ بعضنا جاوز العشرين وبعضنا جاوز الثلاثين وبعضنا قد جاوز الأربعين.
لن أسألك عن العشرين ولا عن الثلاثين ولا عن الأربعين سنة، سأسلك عن أشهر مضت منذ بداية العام حتى يومنا هذا: قل لي وكن صادقاً كم مرة فاتتك صلاة الجماعة؛ مرة أم مرتين أم ثلاثاً؟ قل لي واصدقني بالله العظيم كم مرة ناداك منادي الله: الصلاة خير من النوم وواقع حالك يقول: النوم خير من الصلاة؛ مرة أم مرتين أم ثلاثاً؟ وأنت يا من تدعي أنك محافظ على الصلوات وأنك لا تتخلف عن الجماعات! اصدقني وقل لي بالله العظيم: كم مرة تفوتك تكبيرة الإحرام على مدى أشهر وعلى مدى أيام؟ والله لا يستقيم حال الشباب صغاراً ولا كباراً حتى يستقيموا في صفوف المصلين.
قرأت عبارة جميلة علقت في أماكن كثيرة هنا وهناك: إذا أردنا النصر فلنصل الفجر.
إذا أردنا أن ننتصر على أعدائنا فلا بد أن ننتصر أولاً على أنفسنا.
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإن انتهت عنه فأنت عظيم والله الذي لا إله إلا هو إنك لن تلقى الله بقربة أعظم من المحافظة على الصلوات، والله لن يقودك إلى الجنان إلا المحافظة على الصلوات، ولو سألت أهل النيران عن سبب سلوكهم ذلك الصراط وذلك الطريق الضال: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣].
فالشباب بصراحة يحتاجون إلى مراجعة حساباتهم، حتى الشيب حتى الكبار يحتاجون إلى مراجعة الحسابات، فأين نحن من أولئك الذين لم تفتهم الصلوات؟ هذا يقول: أربعين سنة لم تفتني تكبيرة الإحرام، وآخر يقول: خمسين سنة ما فاتتني صلاة الجماعة، فأين نحن من هؤلاء؟ والله لن يتغير الحال ولن يتغير الواقع إلا إذا انضبطنا في صفوف المصلين، ولن يكون للكلام الذي سمعناه بالأمس ولا من قبله ولا اليوم أثر حتى نغير ما بأنفسنا، والصادق هو الذي يصدق مع نفسه، وما ربك بظلام للعبيد.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلني وإياكم من الذين هم على صلاتهم دائمون، وأن يجعلني وإياكم من الذين هم على صلاتهم يحافظون، وأن يجعلني وإياكم من الذين هم في صلاتهم خاشعون، اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا، وأصلح ولاة أمورنا، وانصرنا يا قوي يا عزيز على القوم الكافرين.
وأستغفر الله العظيم، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 835
الصحبة السيئة وأثرها في ترك الصلاة
السؤال
ما نصيحتك حتى أكون محافظاً على الصلوات، فإني أفرط في بعضها وأحافظ على البعض، ومن أهم أسباب عدم المحافظة الصحبة السيئة، فما توجيهكم حفظكم الله؟
الجواب
الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه أقول: للصحبة دور كبير في معرفه نوعية الشباب، فإن الطيور على أشكالها تقع، وما ضيع كثير من الشباب إلا الشباب أنفسهم، هذا يزين لهذا وهذا يزين لذاك حتى إذا وقع أحدهم في ورطة تخلى عنه أصحابه إلا أهل الصلاح.
ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، ما الدافع الذي يدفعنا للمحافظة على الصلوات؟ وما الذي يجعل القلوب حية حتى تستقيم على أوامر الله؟ فإن الحياة الحقيقية هي حياة القلب لا حياة الأجساد بالطعام والشراب، إذا حي القلب حيت الجوارح والأركان، وإذا مات القلب فالناس أموات في نظر الله ليسوا بأحياء.
أقول: الطيور على أشكلها تقع! سأصف لك علاجاً لكني أريدك أن تأخذ بالعلاج حتى يرفع الله عنك هذا التفريط وهذا الضياع: كثير من الناس يظن أنه على خير، وهذا لجهله وقلة معرفته بنفسه، قال لي أحد الرؤساء الذين أعمل معهم: فلان من الناس أخلاقه عالية، سلوكه وتصرفاته راقية؛ لكنه فيه عيب واحد! قلت: ما هو؟ قال: لا يصلي معنا في المسجد.
قلت: والله هذا عيب يقدح في رجولة الرجل، فإن الله سمى أهل المساجد رجالاً، أما من دونهم فتنتفي عنهم هذه الصفة عند الله جل في علاه.
التقيت هذا الذي ذكره وكنا قد خرجنا من المسجد وهو قد خرج من الصالة الرياضية مجتهداً على بدنه وعلى عضلاته؛ هكذا حال المنافقين نسأل الله العفو والعافية ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤].
التقيته والناس قد خرجوا من الصلاة وهو قد خرج من الصالة الرياضية، قلت: فلان! قال: نعم، قلت: أريدك في أمر هام، سلمت عليه ثم قلت: رئيسك يذكرك بالخير ويقول: فلان أخلاقه عالية وتصرفاته راقية لكن فيه عيب واحد! قال: ما هو؟! انظر بارك الله فيك كيف يحرص على أن يزيل عيوبه أمام رئيسه وفيه من العيوب أمام الله ما الله به عليم، لم يحرص يوماً على مراجعة حساباته مع ربه! قلت: يقول: إنك لا تصلي معهم في المسجد ولا تشهد الجماعة، قال: صحيح يا شيخ! أنا مقصر، قلت: لا، انتبه بارك الله فيك! كلنا نقصر لكن فرق بين التقصير وبين الضياع، أنا تفوتني تكبيرة الإحرام مرة في اليوم فأنا مقصر، أن تفوتني صلاة الفجر وأصليها بعد الفجر أنا مقصر، ألا أدرك أربعاً قبل الظهر من حين أو فترة من الفترات أنا مقصر، أن يفوتني قراءة وردي من القرآن يوماً أنا مقصر؛ لكن أن تفوتني صلاة الجماعة أو الجمعة والجماعات؟ قلت: أنت مضيع يا شيخ! أنت تعيش في ضياع وأنت لا تعلم.
وكثير على حاله وعلى شاكلته ويظن أنه على خير؛ قال الله جل في علاه: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧]، لا يصلي ولا يشهد الجمعة والجماعات ويظن أنه على خير، أي خير هذا؟! قلت: انتبه يا فلان! أنت تعيش في ضياع، التقصير كلنا نقصر ولا أحد يخلو من التقصير، لكن أنت تعيش في واد وأهل الصلاح يعيشون في واد آخر.
فراجع الحسابات واستقم في صفوف المصلين، لله در أقوام تنصحه مرة واحدة فيراجع الحسابات ويستقيم مع المستقيمين، فما جاءت الصلاة التي بعدها إلا وقد رأيته بثياب بيضاء وغترة بيضاء قد استقام في صفوف المصلين من كلمة واحدة، فإن الحر الذي تكفيه الإشارة.
فأقول أولاً: هناك حقيقة لا بد أن نعرفها: أننا لا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً، وأننا لا ندري متى ننتقل من هذه الحياة الدنيا إلى الحياة الأخرى، فالموت يأتينا بغتة، فهل يرضيك يا من تفرط في الصلوات أن يأتيك الموت وأنت على حال التفريط؟
الجواب
لا، إذاً لا بد أن تسعى إلى التغيير وتسعى إلى التبديل.
سأل رجل رجلاً رجل عنده وكان مضيعاً مفرطاً في أوامر الله، فقال: يا فلان! الحال التي أنت عليها هل ترضاها للموت؟ قال: لا، قال: فهل نويت أن تغير هذه الحال إلى حال ترضاها للموت؟ قال: ما اشتاقت نفسي بعد، قال: وهل تضمن ألا يأتيك الموت وأنت على هذه الحال؟ قال: لا، قال: وهل بعد هذه الدار دار فيها معتمل؟ قال: لا، قال: والله ما رأيت عاقلاً يرضى بهذه الحال! اعمل بالنصيحة بارك الله فيك! واسمع الموعظة فقد قال الله عن المعرضين: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٤٩ - ٥١].
العلاج: جاهد النفس، كما قال النبي صلى الله علية وسلم: (ألا إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة).
ما غفل من غفل ولا فرط من فرط إلا لأنه تناسى الموت الذي هو أقرب إلى أحدكم من شراك نعليه، الموت الذي ينتظر كل واحد منا، لو أيقنا بالموت ولحظاته وساعاته وأنه يأتينا بغتة لتغير حال كثير من الناس، كيف حال أولئك الذين فرطوا في ساعات احتضارهم ينادون بأعلى الصوت: رباه ارجعون، فلا يستجاب لهم؟ وحيل بينهم وبين ما يشتهون.
فاجعل لك زيارة للمقبرة من حين إلى حين تزور بها الموتى وتتذكر فيها حالهم، وتدعو لك ولهم.
سبحان الله! ما يعرف قيمة النعمة إلا من فقدها.
زر المرضى وانظر في أحوالهم، وانظر إلى من سلب نعمة السمع ونعمة البصر ونعمة القدم ونعمة اليدين، حتى تعلم أنك في خير عظيم.
رجل يعمل في أحد الأسواق حمالاً، طويل القامة مفتول العضلات، يحمل من الأثقال ما لا يستطيع أن يحمله الرجل والرجلان، قيل له: لماذا لا تصلي؟ لكنه لا يستجيب، قال: أنا على هواي، أفعل ما أشاء ولا أحد يأمرني وينهاني، اغتر بقوته وبعضلاته، يذهب الناس حين الصلاة بعد إغلاق متاجرهم إلى المسجد وهو يجلس في مكانه يأكل ويشرب.
سبحان الله! أما حمد الله على هذه النعم؟ وهل الحمد والشكر يكون بالكلام فقط، والله يمهل ولا يهمل.
سار يوماً بين المحلات وهو يحمل حملاً ثقيلاً فزلت قدمه على قشرة موز، فأصيب بشلل كامل ووضع على الفراش لا يتحرك منه إلا رأسه، يسأل: ما هي الأمنية التي تتمناها الآن؟ قال: أتمنى أن أصلي مع الجماعة! الله أكبر! أما كنت تذكر ويقال لك: صل مع المصلين وحافظ على أوامر الله مع المحافظين، فما استجبت: ((فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ)).
اعلم بارك الله فيك أنه من لم يعتبر بالآخرين سيكون لهم عبرة في يوم من الأيام؛ فزر المقابر وزر المرضى، وإذا حدثتك نفسك بالتفريط والتضييع فذكرها أن الموت قريب.
أسأل الله أن يحيي قلبي وقلوبكم وقلوب السامعين، وأن يجعلنا هداة مهدين لا ضالين ولا مضلين.
стр. 836
زلزال في موجة الموت (فاعتبروا يا أولي الأبصار)
إن الله تعالى قد أودع في هذا الكون سنناً ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، والجزاء من جنس العمل، وما تشاهده اليوم من عقوبات تحل بالبشر، كالزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير، إنما هو ابتلاء للصالحين، وعقاباً للعصاة، وعبرة وعظة للناجين منهم.
والواجب على المسلم في مثل هذه العقوبات: أن يلجأ إلى الله تعالى، وأن يرجع إليه سبحانه، وأن يتوب ويستغفر حتى يقيه الله مثل هذه العقوبات.
стр. 837
مضي سنن الله الكونية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: عباد الله! إن ما يقع في العالم من حوادث ومجريات لا يقع صدفة ولا محض عشواء, والظاهرات الكونية من زلازل وبراكين وغيرها من الآيات هي من الآيات الدالة على خالق هذا الكون وعلى عظمته, فلا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بعلمه وإذنه، قال الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هو وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
عباد الله! لقد أودع الله العليم الحكيم هذا الكون سنناً ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، والجزاء من جنس العمل, وما نشاهده اليوم من العقوبات في بعض البلدان القريبة والبعيدة لهو أكبر زاجر وواعظ, حروب ودمار, شتات وفرقة, زلازل وأعاصير, براكين وفيضانات، لقد طغت الماديات وتفنن الناس في المحرمات, وأصبح المعروف عند بعض الناس من أنكر المنكرات, والمنكر من أعرف المعروفات, والمصيبة الكبرى أن قل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر, فماذا ننتظر بعدها؟! اسمع رعاك الله! قال رسول الله ﷺ : (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه)، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦]، وسنن الله ماضية قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾ [الإسراء:١٧].
عباد الله! إن الله تعالى قص علينا قصص الأمم السابقة وما حل بها لنتعظ ونعتبر، ولا نفعل فعلهم حتى لا يصيبنا ما أصابهم, قال سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٣٨].
وسنن الله ماضية وسارية على الجميع دون محاباة ولا تمييز, لذلك قال ربنا ﵎: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] , ولذلك قال ربنا ﵎: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر:٥١].
стр. 838
كيفية التعامل مع هذه العقوبات
فهذه الظواهر من زلازل وبراكين وعواصف هي من جند الله التي سخرها الله عقاباً للمذنبين، وابتلاءً للصالحين، وعبرة للناجين, وإن لم ننظر لهذه الحوادث بهذا المنظار فلن نستفيد من حدوثها ووقوعها, فالله تعالى حكيم فيما يقضيه ويقدره, فهو سبحانه يسخر ما يشاء من الآيات تخويفاً لعباده وتذكيراً لهم كما قال هو: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ [الإسراء:٥٩].
عباد الله! لقد مر على العالم منذ أيام حدث عظيم سمع به القاصي والداني, ألا وهو: الزلازل العظيم الذي أصاب عدداً من البلاد المسلمة والكافرة، وهاج البحر بسببه فانطلقت أمواجه تحصد الأرواح والممتلكات, ففي أقل من دقيقة كان عشرات الآلاف من القتلى، ومثلهم من المفقودين, وملايين المشردين, ومليارات الخسائر المادية, وما زالت الإحصاءات مستمرة ليعلم الناس أن بطش الله شديد, وأنه ﷻ فعال لما يريد، ﴿ومَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١١٧].
سبحانك يا الله ما أعظمك! سبحانك يا الله ما أحلمك! سبحانك يا الله ما أعدلك! ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤]، لقد كان جزء كبير من المناطق المنكوبة منتزهات سياحية يأوي إليها الفساق من السياح من كل مكان, فيتعرون ويرقصون ويغنون ويسكرون ويعربدون, زنا ولواط, وفواحش ومنكرات, فلما رأى البحر محارم الله تنتهك، وأوامره تضيع غار البحر على محارم الله, فثار ومار واستأذن من الجبار.
جاء في مسند أحمد فيما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات على الأرض يستأذن الله في أن ينفضح عليهم - أي: على العصاة - فيكفه الله .
فلا إله إلا الله البحر يتمعر ويتمنى إغراق العصاة, ويستطيع ولكنه مأمور, ولقد أنذرهم الله فتماروا بالنذر، وقد أعذر من أنذر.
ففي العام الماضي أو الذي قبله حدث تفجير في أحد المنتزهات السياحية المليئة بالسكر والعربدة، وقتل في هذا الانفجار خلق كثير، فكان هذا بمثابة الإنذار المبكر لهؤلاء القوم لو كانوا يعقلون، ولسنا نقر التفجيرات ولكن أليست هي عقوبة من الجبار ﷻ , وبدلاً من أن يراجع هؤلاء القوم حساباتهم مع الله, عادوا إلى ما كانوا عليه، وزاد طغيانهم وتسلطوا على عباد الله الصالحين وأوليائه المؤمنين, فاتهموهم بما هم منه براء، وسجنوهم وعادوهم، وما زال كثير منهم حتى الآّن رهن الاعتقال رغم عدم ثبوت إدانته.
وعادت تلك المنتزهات إلى ما كانت عليه من الفجور والعربدة, وصدق الله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٦٠].
فغار الجبار الله في سمائه, فأوحى لأرضه أن تزلزلي، وأوحى لبحاره أن هيجي وأغرقي, فما كان للأرض أن تعصيه, وما كان للبحار إلا أن تستجيب لأوامره، فما الذي حدث؟ اسمع رعاك الله! وافتح القلب قبل أن تفتح الأذنين, في دقائق معدودة أقاليم بأكملها زالت, وقرى بكل ما فيها انمحت, وأمم من البشر بادت وماتت، بعض الجزر غطاها الموج العاتي، فأفنى بنيانها وأهلك حرثها ونسلها وقطع أشجارها, فلم تستطع المباني الشاهقة، ولا الأشجار العالية، أن تقف أمام الموجات العالية التي وصلت قوتها وسرعتها إلا مئات الكيلومترات.
فلا إله إلا الله فلا ترى إلا مباني سويت بالأرض, وسيارات ومراكب اصطدمت ببعضها البعض, فهذا فعل الأمواج العاتية بالمباني والأشجار والممتلكات, فما ظنك بفعلها بالبشر الضعفاء؟! يا الله! عشرات الآلاف من الجثث الهامدة، وبقايا أجساد متعفنة، منها ما هو طريح الرمال، ومنها ما هو معلق بالأشجار, ومنها ما هو مدفون تحت البنايات المتهدمة, وليس من شيء يعبر عن وصف تلك الحال مثل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤].
عباد الله! لقد كانت تلك الشواطئ، وتلك الديار من أجمل بقاع الأرض بما حباها الله من جبال وغابات وبحار وأشجار, وبدلاً من أن يأتي الناس إليها متفكرين لعظيم جمال خلق الله أتوها من كل مكان وجعلوها أماكن للعهر والفساد والفجور ﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٢٥]، أما قال الله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم * أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللهِ أَو تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٠٥ - ١٠٧].
стр. 839
بيان السبب الرئيسي لهذه العقوبات
عباد الله! لقد تحدثتْ جميع وسائل الإعلام عن هذا الحدث العظيم، وحللوا وعللوا وذكروا أسباباً عدة, ولكنهم للأسف لم يذكروا السبب الرئيسي لهذه الكارثة, فهل ربطوا الناس بربهم وخالقهم وبينوا أن الأمر كله لله؟ إنه حدث ضخم كبير, وزلازل مدمر يجب أن يوقف معه وقفات تأمل واعتبار, إن وسائل الإعلام الغشاشة الراعية أصلاً للعهر والفجور, لو نطقت بالحق وأخبرتنا خبر تلك الليلة لسمعت ورأيت ما يشيب له رأسك مما يجري في مراقص العهر وحانات الخمور وفنادق القمار.
قد يقول قائل: لقد كان فيهم راكعون وساجدون وأطفال ونساء، قلت: لقد أجابنا الرسول ﷺ عن هذا السؤال حين قال: (أولئك يبعثون على نياتهم)، ولكن أما تأملت معي وتدبرت أن صلاتهم وصيامهم لم تمنع عنهم العذاب؟ أما قال ﷺ مهدداً العرب: (ويل للعرب من شر قد اقترب, فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج وحلق بأصبعيه, قالت أم المؤمنين: أنهلك وفينا الصالحون؟! قال نعم إذا كثر الخبث).
عباد الله! إن الناظر في مجريات حياتنا، والمتأمل في واقعنا ومعاشنا سيصاب بالرعب والفزع بسبب ما نراه من انتهاك لحرمات الله وحدوده، وتضييع لأوامر الله وواجباته, فانظر إلى حال الناس في الصلاة، وما مدى محافظتهم على صلاة الجماعة؟ وكم هم الذين يشهدون ويواظبون على صلاة الفجر؟ والذي نفسي بيده، بالأمس فقط قال لي أحد الشباب: أنا لا أصلي، وقالت لي إحدى الفتيات: عمري عشرون سنة ولم أصل إلا من رمضان الذي مضى.
وانظر رعاك الله! إلى حال الناس مع أكل الربا والمسارعة إليه والحرص على المشاركة فيه! ألم تنتشر بنوك الربا في كل مكان؟! ألم تعلن الحرب على الله ﷻ ؟! ألم يدعى الناس للمساهمة في المعاملات الربوية، فسارع أكثرهم معرضين عن تهديد الله لهم: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]؟! فأين الصالحون؟! ثم انظر إلى انتشار الرشوة بين الناس، والتي قد لعن النبي ﷺ آخذها ومعطيها، فلا تقضى لك حاجة ولا ينجز لك عمل حتى تكون من الملعونين الراشيين والمرتشين! فأين الصالحون؟! أما نظرت إلى الأسواق وقد امتلأت بالفسقة والفاسقات، واللاهثين خلف الشهوات والمحرمات؟ أما آلمك ما آل إليه حال النساء من تبرج وسفور؟! فأين الصالحون؟! أما رأيت آلاف الشباب وهم يعبرون الجسور ويركبون الطائرات إلى دول مجاورة، وإلى دول قريبة يذهبون لشرب الخمور ومعاقرة الزنا والفجور؟! فأين الصالحون؟! أما بلغ مسامعك الموسيقى والألحان ومعازف الشيطان، فتسمع في كل لحظة وفي كل مكان؟! بل أكثر مما يسمع القرآن؟! فأين الصالحون؟! ألم تر وتسمع ماذا فعلت بنا الشاشات والأطباق الفضائيات؟! والله ما فرح الشيطان وأعوانه من الإنس والجان بمثل فرحهم بهذه الأطباق التي فعلت بالأمة فعلها, فضيعت الأمة دينها, وفسدت عقيدتها, ودمرت أخلاقها, حتى وصل الأمر أن يقع الأب على ابنته، والأخ على أخته, فانتهكت المحارم وإنا لله وإنا إليه راجعون.
والله لا تنجو المجتمعات إلا بالصالحين المصلحين، الآمرين بالمعروف, الناهين عن المنكر, الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.
ما أحلم الله! لكنه يمهل ولا يهمل, إننا والله نخشى أن تنزل علينا عقوبة الله بسبب أمننا من مكر الله تعالى وعقوبته, قال الله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَو يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَو يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ * أَو يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل:٤٥ - ٤٧].
أما قال الله حين أهلك القرى الظالمة العاصية: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]، هل بيننا وبين الله حسب؟ وهل بيننا وبين الله نسب حتى نأمن مكره وعقوبته؟! ﴿قُلْ هو الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَومِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهو الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ * لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٦٥ - ٦٧].
عجيب والله أمر الناس! الزلازل والفيضانات تضرب غرب الأرض، والناس في شرقها يضحكون ويمرحون، عجيب والله أمر الناس! الزلازل والفيضانات تضرب غرب الأرض، والناس في شرقها يضحكون ويمرحون في غمرة ساهون، لذلك قال الله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٤ - ٥٦].
يا أم أيمن قد بكيت وإننا نلهو ونمجن دون معرفة الأدب لم تبصري وضع الحديث ولا الكذب لم تشهدي بعض المعازف والطرب لم تشهدي شرب الخمور ولا الزنا لم تلحظي ما قد أتانا من عطب لم تشهدي فرق الضلالة والهوى لولا مماتك لرأيت من العجب لم تشهدي فعل العدو وصحبهم ها نحن نجثو لليهود على الركب وا حر قلبي من تمزق أمتي أضحت أمورك أمتي مثل اللعب والله ما ظهرت المعاصي في ديار إلا أهلكتها، ولا فشت في أمة إلا أذلتها، ولا تخلخلت في دولة إلا أسقطتها، فإنه ليس بين أحد وبين الله نسب، قال الجبار: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥٥ - ٥٦].
ولا تظنن أن العقوبات إنما تكون زلازل وبراكين، بل قد تكون حروباً وذهاباً للأمن والأمان, وقد تكون عقوبات اقتصادية، وسوء للأوضاع المالية فهل نحن مدكرون؟! نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 840
العقوبات من أشراط وعلامات الساعة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله.
اتقوا الله عباد الله! فقد أخبر نبينا ﷺ أن هذه الزلازل من أشراط الساعة ومن علامات قربها، فقد قال بأبي هو وأمي فيما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، ويتقارب الزمان، وتكثر الزلازل، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج, قيل: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل!).
وها أنتم ترون بأم أعينكم كثرتها وتتابعها في هذا الزمن مصداقاً لقوله ﷺ , فماذا بعد ذلك؟ فماذا بعد ذلك؟ قال الله: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٨ - ١٩].
عباد الله! إذا كانت زلزلة دقائق وثوان صنعت هذا الدمار والهلاك فكيف بزلزلة يوم يجعل الولدان شيباً؟! لقد جعل الله هذه الآيات والأحداث عبرة وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، قال جل في علاه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١١ - ١٨].
يا الله! كم مرة قرأنا قول الله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:١ - ٨].
إنها زلزلة يوم القيامة! وما أدراك ما يوم القيامة؟! في ذلك اليوم يشتد غضب الجبار ﷻ , فيقبض الأرض بيمينه, والسماوات بشماله وينادي: أنا الملك, أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم ينادي الجبار: يا آدم! أخرج بعث النار فيقول آدم: وما بعث النار؟ فيقول الجبار: من كل ألف تسعمائة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، قال ﷺ : (فحينها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد).
لذلك حذرنا ربنا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١]، كيف سيكون حالي وحالك؟! ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢١ - ٢٣].
يا مخطئاً ما أجهلك عصيت رباً عدلك وأقدرك وأمهلك عجل وبادر أملك واختم بخير عملك وناد رباً فضلك لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك اتقوا الله عباد الله!
стр. 841
واجب المسلم تجاه هذه العقوبات
إن الواجب علينا في مثل هذه الأحداث، وفي مثل هذه الظروف أن نرجع إلى الله, وأن نلجأ إلى الله, وأن نتضرع إلى الله, وأن نتوب ونستغفر الله، ولا نكون كالذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٣].
عباد الله! قد تكون الأحداث في ظاهرها مؤلمة, ولكنها والله رحمة من رب العالمين, حتى يراجع المسيء حساباته ويزيد الصالح في صلاحه, وينتهي أهل الباطل عن باطلهم, وأن يعلم الجميع أن هذه العقوبات والمعاصي والفواحش والمنكرات إنما هي عقوبة، وأن يعلم الجميع أن هذه العقوبات هي بسبب المعاصي والفواحش والمنكرات, كما قال الله: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠].
ذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر، فقال لها الرجل: (يا أم المؤمنين! حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنا, وشربوا الخمور, وضربوا المعازف, قال الله في سمائه لأرضه: تزلزلي بهم, فإن تابوا ونزعوا, وإلا أهدمها عليهم، قال الرجل: يا أم المؤمنين! أعذاباً لهم؟ قالت: لا, بل موعظة ورحمة وذكرى للمؤمنين، ونكالاً وعذاباً وسخطاً على الكافرين).
فتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، واعلموا أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، فلا تكونوا من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون.
فالواجب عباد الله! عند حدوث هذه الحوادث وهذه الآيات المسارعة بالتوبة والضراعة إلى الله، والإكثار من ذكره واستغفاره كما قال ﷺ : (فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره).
ويستحب أيضاً رحمة المساكين والصدقة عليهم، لقوله ﷺ : (ارحموا ترحموا)، وقال أيضاً: (الراحمون يرحمهم الرحمن, ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وقال أيضاً: (من لا يرحم لا يرحم).
والله لقد أخبرنا كثير من الناجين بأنهم نجوا لما لجئوا إلى بيوت الله التي وقفت صامدة أمام الأمواج والأعاصير، فسبحان الذي قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣]، اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
أما رأيتم عباد الله صور الموتى من الأطفال والنساء؟ فهل تخيلتم أطفالكم ونساءكم؟! يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم ارحم موتى المسلمين، اللهم ارحم موتى المسلمين الذين ماتوا في هذه الزلازل والفيضانات، واجعل ذلك تكفيراً لسيئاتهم ورفعة لهم في الدرجات، واجعل ذلك عبرة لنا وذكرى يا رب العالمين.
اللهم رحماك بالشيوخ والأطفال والنساء والضعفاء يا رب العالمين! اللهم إنهم جوعى فأطعمهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم خائفون فأمنهم يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإلا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن, عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين! ول علينا خيارنا واكفنا شرارنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك وابتغى رضاك يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وبلادنا وبلاد المسلمين بسوء فأشغله في نفسك، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا حي يا قيوم! اللهم إنا نسألك توبةً نصوحاً يا رب العالمين! اللهم أصلح الشباب والشيب، اللهم رد الشباب إلى الحق يا رب العالمين! وبارك في أعمال الشيب يا حي يا قيوم! واحفظ نساءنا وأطفالنا وبلادنا وبلاد المسلمين يا رب العالمين! لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين، اغفر لنا وارحمنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم عاملنا بما أنت أهله، ولا تعاملنا بما نحن أهله، إنك أنت أهل التقوى وأهل المغفرة، انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك, اللهم كن معهم في العراق وفلسطين والشيشان وفي أفغانستان وكشمير والفلبين والسودان وفي كل مكان يا رب العالمين! انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وقو عزائمهم، وثبت الأقدام، وفك أسرانا وأسراهم يا رب الأنام! اللهم اهزم عدوك وعدونا إنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز! عباد الله! ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 842
عذراً رمضان
إن من فضل الله تعالى وكرمه على هذه الأمة أن جعل لها مواسم خير، ومحطات إيمانية يتزود من خلالها المؤمن بزاد التقوى، ويتقرب إلى ربه بأنواع القربات.
ومن هذه المواسم: شهر رمضان، شهر فيه ليلة هي خير من ألف شهر، شهر تصفد فيه الشياطين، وتفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، لكن للأسف تجد بعض المسلمين لا يقدر هذا الشهر حق قدره، فتضيع الأوقات فيها يغضب الله تعالى، وفيما لافائدة منه، والحاذق من استغله في طاعة ربه .
стр. 843
عذراً رمضان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: معاشر الأحبة! حاضرين وحاضرات! مستمعين ومستمعات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
عنوان هذه الليلة المباركة في هذا المكان المبارك مع هذا الحضور المبارك: عذراً رمضان.
لماذا الموضوع؟ ومم سيتكون؟ سيتكون من العناصر التالية: لماذا الاعتذار؟ وقفة تفكر قبل البداية.
شهر رمضان.
كتب عليكم الصيام.
المطلوب منك ومنك ومني.
بدأ غريباً وسيعود غريباً.
الغرباء مع الصيام.
لك من أخبار الصائمات.
أنواع الصائمين.
عذراً رمضان.
النداء الأخير.
стр. 844
لماذا الاعتذار ؟!
الاعتذار لأننا في كل عام نكرر نفس الخطأ في رمضان، فقبل دخوله -أي قبل دخول رمضان - بأيام نعد أنفسنا ونمنيها بأننا سنصنع كذا وسنقوم من الليالي كذا وكذا، سنختم القرآن مرات ومرات، وسنبذل من الصدقات، ثم ما إن يدخل رمضان وتمضي أول الأيام حتى تفشل المخططات، وتذهب الأمنيات أتدري أتدرين ما السبب؟! السبب: أننا نريد أن نلزم أنفسنا بأعمال ما تعودناها، نريد أن نلزم أنفسنا بأعمال ما تعودناها قبل رمضان، فلا عجب سرعان ما تفشل المخططات، متى عهدنا بالقيام، وختم القرآن، ومداومة الصيام؟! أما هم فكان العام كله عندهم كله رمضان، فإذا دخل عليهم ارتفعت الهمم فزادوا في القربات.
فعذراً رمضان ابتداءً، لأن أكثرنا سيعيد وسيكرر نفس الخطأ والأخطاء.
كنا في العام الماضي في مثل هذه الأيام نرقب شهر الصوم ونتحراه، ثم ماذا؟! عام كامل بأيامه ولياليه قد قوض خيامه، وطوى بساطه، وشد رحاله بما قدمنا فيه من خير أو شر، وصدق الله - ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً)) ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً)) -: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، وصدق الله حين قال: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤].
قال ابن كثير ﵀: تمر بنا الأيام تترا، وإنما نساق إلى الآجال والعين تنظر.
إن الدقائق والثواني التي ذهبت من أعمارنا لن تعود، ولو أنفقنا جبال الأرض ذهباً وفضة.
اعلم واعلمي أن الأنفاس معدودة والآجال محدودة، واعلم واعلمي أن من أعظم نعم الله علينا أن مد في أعمارنا وجعلنا ندرك هذا الشهر العظيم إن أدركناه، فكم غيب الموت من صاحب، ووارى التراب من حبيب، تذكروا من صام معنا العام الماضي وصلى العيد، ثم أين هو؟! وأين هي الآن؟! غيبهم الموت وواراهم التراب، ونسيهم الأهل والأحباب.
اجعل واجعلي لك من هذا الحديث نصيباً، قال ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: اغتنم حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك)، رواه الحاكم.
احرصوا رعاكم الله أن تكونوا من خيار الناس كما قال ﷺ وأخبر حين سئل: أي الناس خير؟ قال: (من طال عمره وحسن عمله).
إلهي ثكلت خواطر أنست بغيرك عدمت قلباً يحب سواك
стр. 845
شهر رمضان
قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]، جاء عند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة: (كان رسول الله ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان، فكان يقول لهم: قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خير تلك الليلة فقد حرم الخير).
قال ابن رجب: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان، كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟! كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران؟! كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان؟! من أين يشبه هذا الزمان زمان؟! قال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان.
وقال يحيى بن كثير: كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً يا رب الأنام! فمرحباً بشهر طيب مبارك كريم، في رمضان أنزل القرآن والكتب السماوية، في رمضان الشفاعة بالصيام والقرآن، في رمضان التراويح والتهجد، في رمضان التوبة وتكفير الذنوب، في رمضان تصفد الشياطين، في رمضان تغلق أبواب الجحيم وتفتح أبواب الجنان، في رمضان الجود والإحسان والعتق من النيران، في رمضان الصبر والشكر والدعاء، في رمضان مضاعفة الحسنات وليلة القدر، رمضان شهر الجهاد والانتصار فكيف لا يفرح المؤمن بشهر هذا بعض ما فيه؟!.
بين الجوانح في الأعماق سكناه فكيف أنت ومن في الناس ينساه؟ وكيف أنت حبيباً كنت في صغري؟ أسير حسن له جلت مزاياه ولم أزل في هواه ما نقضت له عهداً ولا محت الأيام ذكراه قد شاخ جسمي ولكن في محبته وما زال قلبي فتى في عشق معناه وفي كل عام لنا لقيا محببة يهتز كل كياني حين ألقاه بالعين والقلب والآذان أرقبه وكيف لا وأنا بالروح أحياه والليل تحلو به اللقيا وإن قصرت ساعاتها أحيالها وأحلاه فنوره يجعل الليل البهيم ضحى فما أجل وما أجلى محياه ألقاه شهراً ولكن في نهايته يمضي كطيف خيال قد لمحناه في موكب الطهر في رمضان الخير تجمعنا محبة الله لا مال ولا جاه من كل ذي خشية لله ذي ولع بالخير تعرفه دوماً بسيماه قد قدروا مواسم الخيرات فاستبقوا والاستباق هنا المحمود عقباه صاموه قاموه إيماناً ومحتسباً أحيوه طوعاً وما في الخير إكراه وكلهم بآيات القرآن مندمجاً كأنه الدم يسري في خلاياه فالأذن سامعة والعين دامعة والروح خاشعة والقلب أواه عذراً رمضان عذراً رمضان! فما قدرناك حق قدرك.
следующие страницы →