Полный текст (882 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
واجب المسلم تجاه هذه العقوبات
إن الواجب علينا في مثل هذه الأحداث، وفي مثل هذه الظروف أن نرجع إلى الله, وأن نلجأ إلى الله, وأن نتضرع إلى الله, وأن نتوب ونستغفر الله، ولا نكون كالذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٣].
عباد الله! قد تكون الأحداث في ظاهرها مؤلمة, ولكنها والله رحمة من رب العالمين, حتى يراجع المسيء حساباته ويزيد الصالح في صلاحه, وينتهي أهل الباطل عن باطلهم, وأن يعلم الجميع أن هذه العقوبات والمعاصي والفواحش والمنكرات إنما هي عقوبة، وأن يعلم الجميع أن هذه العقوبات هي بسبب المعاصي والفواحش والمنكرات, كما قال الله: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠].
ذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر، فقال لها الرجل: (يا أم المؤمنين! حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنا, وشربوا الخمور, وضربوا المعازف, قال الله في سمائه لأرضه: تزلزلي بهم, فإن تابوا ونزعوا, وإلا أهدمها عليهم، قال الرجل: يا أم المؤمنين! أعذاباً لهم؟ قالت: لا, بل موعظة ورحمة وذكرى للمؤمنين، ونكالاً وعذاباً وسخطاً على الكافرين).
فتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، واعلموا أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، فلا تكونوا من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون.
فالواجب عباد الله! عند حدوث هذه الحوادث وهذه الآيات المسارعة بالتوبة والضراعة إلى الله، والإكثار من ذكره واستغفاره كما قال ﷺ : (فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره).
ويستحب أيضاً رحمة المساكين والصدقة عليهم، لقوله ﷺ : (ارحموا ترحموا)، وقال أيضاً: (الراحمون يرحمهم الرحمن, ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وقال أيضاً: (من لا يرحم لا يرحم).
والله لقد أخبرنا كثير من الناجين بأنهم نجوا لما لجئوا إلى بيوت الله التي وقفت صامدة أمام الأمواج والأعاصير، فسبحان الذي قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣]، اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
أما رأيتم عباد الله صور الموتى من الأطفال والنساء؟ فهل تخيلتم أطفالكم ونساءكم؟! يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم ارحم موتى المسلمين، اللهم ارحم موتى المسلمين الذين ماتوا في هذه الزلازل والفيضانات، واجعل ذلك تكفيراً لسيئاتهم ورفعة لهم في الدرجات، واجعل ذلك عبرة لنا وذكرى يا رب العالمين.
اللهم رحماك بالشيوخ والأطفال والنساء والضعفاء يا رب العالمين! اللهم إنهم جوعى فأطعمهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم خائفون فأمنهم يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإلا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن, عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين! ول علينا خيارنا واكفنا شرارنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك وابتغى رضاك يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وبلادنا وبلاد المسلمين بسوء فأشغله في نفسك، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا حي يا قيوم! اللهم إنا نسألك توبةً نصوحاً يا رب العالمين! اللهم أصلح الشباب والشيب، اللهم رد الشباب إلى الحق يا رب العالمين! وبارك في أعمال الشيب يا حي يا قيوم! واحفظ نساءنا وأطفالنا وبلادنا وبلاد المسلمين يا رب العالمين! لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين، اغفر لنا وارحمنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم عاملنا بما أنت أهله، ولا تعاملنا بما نحن أهله، إنك أنت أهل التقوى وأهل المغفرة، انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك, اللهم كن معهم في العراق وفلسطين والشيشان وفي أفغانستان وكشمير والفلبين والسودان وفي كل مكان يا رب العالمين! انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وقو عزائمهم، وثبت الأقدام، وفك أسرانا وأسراهم يا رب الأنام! اللهم اهزم عدوك وعدونا إنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز! عباد الله! ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 842
عذراً رمضان
إن من فضل الله تعالى وكرمه على هذه الأمة أن جعل لها مواسم خير، ومحطات إيمانية يتزود من خلالها المؤمن بزاد التقوى، ويتقرب إلى ربه بأنواع القربات.
ومن هذه المواسم: شهر رمضان، شهر فيه ليلة هي خير من ألف شهر، شهر تصفد فيه الشياطين، وتفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، لكن للأسف تجد بعض المسلمين لا يقدر هذا الشهر حق قدره، فتضيع الأوقات فيها يغضب الله تعالى، وفيما لافائدة منه، والحاذق من استغله في طاعة ربه .
стр. 843
عذراً رمضان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: معاشر الأحبة! حاضرين وحاضرات! مستمعين ومستمعات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
عنوان هذه الليلة المباركة في هذا المكان المبارك مع هذا الحضور المبارك: عذراً رمضان.
لماذا الموضوع؟ ومم سيتكون؟ سيتكون من العناصر التالية: لماذا الاعتذار؟ وقفة تفكر قبل البداية.
شهر رمضان.
كتب عليكم الصيام.
المطلوب منك ومنك ومني.
بدأ غريباً وسيعود غريباً.
الغرباء مع الصيام.
لك من أخبار الصائمات.
أنواع الصائمين.
عذراً رمضان.
النداء الأخير.
стр. 844
لماذا الاعتذار ؟!
الاعتذار لأننا في كل عام نكرر نفس الخطأ في رمضان، فقبل دخوله -أي قبل دخول رمضان - بأيام نعد أنفسنا ونمنيها بأننا سنصنع كذا وسنقوم من الليالي كذا وكذا، سنختم القرآن مرات ومرات، وسنبذل من الصدقات، ثم ما إن يدخل رمضان وتمضي أول الأيام حتى تفشل المخططات، وتذهب الأمنيات أتدري أتدرين ما السبب؟! السبب: أننا نريد أن نلزم أنفسنا بأعمال ما تعودناها، نريد أن نلزم أنفسنا بأعمال ما تعودناها قبل رمضان، فلا عجب سرعان ما تفشل المخططات، متى عهدنا بالقيام، وختم القرآن، ومداومة الصيام؟! أما هم فكان العام كله عندهم كله رمضان، فإذا دخل عليهم ارتفعت الهمم فزادوا في القربات.
فعذراً رمضان ابتداءً، لأن أكثرنا سيعيد وسيكرر نفس الخطأ والأخطاء.
كنا في العام الماضي في مثل هذه الأيام نرقب شهر الصوم ونتحراه، ثم ماذا؟! عام كامل بأيامه ولياليه قد قوض خيامه، وطوى بساطه، وشد رحاله بما قدمنا فيه من خير أو شر، وصدق الله - ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً)) ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً)) -: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، وصدق الله حين قال: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤].
قال ابن كثير ﵀: تمر بنا الأيام تترا، وإنما نساق إلى الآجال والعين تنظر.
إن الدقائق والثواني التي ذهبت من أعمارنا لن تعود، ولو أنفقنا جبال الأرض ذهباً وفضة.
اعلم واعلمي أن الأنفاس معدودة والآجال محدودة، واعلم واعلمي أن من أعظم نعم الله علينا أن مد في أعمارنا وجعلنا ندرك هذا الشهر العظيم إن أدركناه، فكم غيب الموت من صاحب، ووارى التراب من حبيب، تذكروا من صام معنا العام الماضي وصلى العيد، ثم أين هو؟! وأين هي الآن؟! غيبهم الموت وواراهم التراب، ونسيهم الأهل والأحباب.
اجعل واجعلي لك من هذا الحديث نصيباً، قال ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: اغتنم حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك)، رواه الحاكم.
احرصوا رعاكم الله أن تكونوا من خيار الناس كما قال ﷺ وأخبر حين سئل: أي الناس خير؟ قال: (من طال عمره وحسن عمله).
إلهي ثكلت خواطر أنست بغيرك عدمت قلباً يحب سواك
стр. 845
شهر رمضان
قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]، جاء عند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة: (كان رسول الله ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان، فكان يقول لهم: قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خير تلك الليلة فقد حرم الخير).
قال ابن رجب: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان، كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟! كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران؟! كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان؟! من أين يشبه هذا الزمان زمان؟! قال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان.
وقال يحيى بن كثير: كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً يا رب الأنام! فمرحباً بشهر طيب مبارك كريم، في رمضان أنزل القرآن والكتب السماوية، في رمضان الشفاعة بالصيام والقرآن، في رمضان التراويح والتهجد، في رمضان التوبة وتكفير الذنوب، في رمضان تصفد الشياطين، في رمضان تغلق أبواب الجحيم وتفتح أبواب الجنان، في رمضان الجود والإحسان والعتق من النيران، في رمضان الصبر والشكر والدعاء، في رمضان مضاعفة الحسنات وليلة القدر، رمضان شهر الجهاد والانتصار فكيف لا يفرح المؤمن بشهر هذا بعض ما فيه؟!.
بين الجوانح في الأعماق سكناه فكيف أنت ومن في الناس ينساه؟ وكيف أنت حبيباً كنت في صغري؟ أسير حسن له جلت مزاياه ولم أزل في هواه ما نقضت له عهداً ولا محت الأيام ذكراه قد شاخ جسمي ولكن في محبته وما زال قلبي فتى في عشق معناه وفي كل عام لنا لقيا محببة يهتز كل كياني حين ألقاه بالعين والقلب والآذان أرقبه وكيف لا وأنا بالروح أحياه والليل تحلو به اللقيا وإن قصرت ساعاتها أحيالها وأحلاه فنوره يجعل الليل البهيم ضحى فما أجل وما أجلى محياه ألقاه شهراً ولكن في نهايته يمضي كطيف خيال قد لمحناه في موكب الطهر في رمضان الخير تجمعنا محبة الله لا مال ولا جاه من كل ذي خشية لله ذي ولع بالخير تعرفه دوماً بسيماه قد قدروا مواسم الخيرات فاستبقوا والاستباق هنا المحمود عقباه صاموه قاموه إيماناً ومحتسباً أحيوه طوعاً وما في الخير إكراه وكلهم بآيات القرآن مندمجاً كأنه الدم يسري في خلاياه فالأذن سامعة والعين دامعة والروح خاشعة والقلب أواه عذراً رمضان عذراً رمضان! فما قدرناك حق قدرك.
стр. 846
كتب عليكم الصيام
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
الحكمة من الصيام: ليس أن يمنع الإنسان نفسه عن الطعام والشراب والنكاح، ولكن كما قال الله: ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))، وما أشار إليه النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه في قوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، ومعنى قوله ﵊: (من لم يدع قول الزور): هو كل قول محرم، أو العمل به أي بالزور، أي: كل فعل محرم، (والجهل) هو: العدوان على الناس وعدم الحلم.
стр. 847
المطلوب منك ومنكِ ومني
فالمطلوب منك ومنك ومني: تحقيق تقوى الله جل في علاه، فهي الغاية المنشودة والصفة المفقودة، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، وقال ﷺ : (اتق الله حيثما كنت)، والتقوى في أبسط معانيها: فعل المأمور وترك المحذور.
فهل ترانا حققنا هذا بصيامنا؟! أم نحن ممن بالنهار يتقيه وبالليل يعصيه؟! كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل جعلني الله وإياكم من المتقين.
تقوى الله أكرم ما أسررت، وأزين ما أظهرت، وأفضل ما ادخرت، ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥].
فإليك موجزاً وبعضاً من أخبار المتقين: قال البخاري: ما اغتبت مسلماً منذ احتلمت.
وقال الشافعي: ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً، ولو أعلم أن الماء يفسد علي مروءتي ما شربته.
قيل لـ محمد بن واسع: لم لا تتكئ؟! قال: إنما يتكئ الآمن وأنا لا زلت خائفاً.
وقرئ على عبد الله بن وهب: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]، فسقط مغشياً عليه.
وحج مسروق فما نام إلا ساجداً.
وقال أحدهم: ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله.
وقال أبو سليمان الدارني: كل يوم وأنا أنظر في المرآة هل اسود وجهي من الذنوب؟ هذا حالهم فكيف هو حالي وحالك؟! لبسنا الجديد، وأكلنا الثريد، ونسينا الوعيد، وأملنا الأمل البعيد! رحماك يا رب! لماذا تريد الحياة؟! لماذا تعشق العيش؟! إذا لم تدمع العينان من خشية الله جل في علاه! إذا لم نمدح الله في السحر! إذا لم نزاحم بالركب في حلق الذكر! إذا لم نصم الهواجر، ونخفي الصدقات! هل العيش إلا هذا؟! قالوا: إذا لم تستطع قيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
فهذه أخبارهم ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧].
стр. 848
بدأ غريباً وسيعود غريبا
قال ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، إن الذي يقرأ ويسمع عن أخبار السلف وثلة من الخلف يعلم أن الدين يعيش غربة بين أهله، من سمع عن صيامهم وقيامهم وجهادهم أيقن أن الواقع اليوم يحتاج إلى مراجعة وتصحيح.
فتعالوا أحبتي! ننظر في بعض صور الغرباء في رمضان، ومع الصيام ونقول ونكرر: عذراً رمضان.
стр. 849
الغرباء مع الصيام
عن ابن عمر ﵄ قال: ما مات عمر حتى فرغ الصيام.
أما أمير البررة وقتيل الفجرة عثمان، قال أبو نعيم عنه: حظه من النهار الجوع والصيام، ومن الليل السجود والقيام، مبتل بالبلوى منعم بالنجوى.
وعن الزبير بن عبد الله عن جدته قالت: كان عثمان يصوم الدهر ويقوم الليل إلا هجعة من أوله ﵁.
قتلوه وقد كان صائماً والمصحف بين يديه، والدموع على لحيته وخديه، حبيب محمد ووزير صدق ورابع خير من وطئ التراب.
أما أبو طلحة الأنصاري الذي قال عنه رسول الله ﷺ : (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل)، عن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي ﷺ من أجل الغزو فلما قبض النبي ﷺ لم أره يفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر.
أما حكيم الأمة وسيد القراء أبا الدرداء فقد قال: لقد كنت تاجراً قبل أن يبعث محمد ﷺ ، فلما بعث زاولت العبادة والتجارة فلم يجتمعا، فأخذت بالعبادة وتركت التجارة.
تقول عنه زوجه: لم تكن له حاجة في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار ما يفتر.
لله درهم!.
أما من خبر الإمام القدوة المتعبد المتهجد عبد الله بن عمر فيكفيه قول النبي ﷺ : (نعم العبد عبد الله)، قال عنه نافع: كان ابن عمر لا يصوم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضر.
وعن سعيد بن جابر قال: لما احتضر ابن عمر قال: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت هنا، يعني الحجاج.
وإليك وإليك المزيد، وكرروا معي: عذراً رمضان.
عن رجاء بن حيوة عن أبي أمامة قال: (أنشأ رسول الله ﷺ جيشاً فأتيته، فقلت: يا رسول الله! ادع الله لي بالشهادة، فقال: اللهم سلمهم وغنمهم، فغزونا فسلمنا وغنمنا، حتى ذكر ذلك ثلاث مرات، قال ثم أتيته فقلت: يا رسول الله! إني أتيتك تترا -ثلاث مرات - أسألك أن تدعو لي بالشهادة فقلت: اللهم سلمهم وغنمهم، فسلمنا وغنمنا يا رسول الله! فمرني بعمل أدخل به الجنة، فقال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له، قال فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهاراً إلا إذا نزل بهم ضيف، فإذا رأوا الدخان نهاراً عرف الناس أنهم قد اعتراهم الضيوف).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار حتى إنه ليضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا نبينا ﷺ وابن رواحة).
أما مسروق بن عبد الرحمن الذي كان في العلم معروف، وبالثناء موصوف، وبعبادة الله معشوق، قال عنه الشعبي: غشيته يوماً -أي: زرته يوماً- في يوم صائم، وكانت عائشة قد تبنته فسمى ابنته عائشة وكان لا يخالف ابنته في شيء، قالت: فنزلت عليه ابنته يوماً فقالت: أبتاه! أفطر واشرب! قال: ما أردتي يا بنية! ماذا تريدين من هذا الكلام؟ قالت: الرفق، أن ترفق بنفسك أبتاه! قال: يا بنية! إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة.
فماذا صنع الله لهم وماذا أعد لهم؟! ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان:١٢ - ١٤] إلى أن قال لهم: ﴿إن هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾ [الإنسان:٢٢].
وهذا خبر أخير عن المبشر المحزون، والمستتر المخزون، تجرد من التلاد وشمر للجهاد وقدم العتاد للمعاد: العلاء بن زياد كان ربانياً تقياً قانتاً لله بكاءً من خشية الله، فعن هشام بن حسان أنه قال: كان قوت العلاء بن زياد رغيفاً كل يوم، وكان يصوم حتى يخضر، ويصلي حتى يسقط، فدخل عليه أنس بن مالك والحسن فقالا له: إن الله تعالى لم يأمرك بهذا كله، فقال: إنما أنا عبد مملوك، فلا أدع من الاستكانة شيئاً إلا جئته.
قال له رجل يوماً: رأيت كأنك في الجنة، فقال له: ويحك أما وجد الشيطان أحداً يسخر به غيري وغيرك.
قال سلمة بن سعيد: رؤي العلاء بن زياد أنه من أهل الجنة، فمكث ثلاثاً لا ترقأ له دمعة ولا يكتحل بنوم ولا يذوق طعاماً، فأتاه الحسن فقال: أي أخي! أتقتل نفسك أن بشرت بالجنة؟ فازداد بكاءً، فلم يفارقه حتى أمسى، وكان صائماً فطعم شيئاً من الطعام، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٧].
دعوه لا تلوموه دعوه فقد علم الذي لم تعلموه رأى علم الهدى فسعى إليه وطلب مطلباً لم تطلبوه أجاب دعاءه لما دعاه وقام بأمره وأضعتموه لنفسي ذاك من فطن حصيف تذوق مطعماً لم تطعموه قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم:٦٣].
لله درهم! فكم علت بهم الهمم، وأي كلام يترجم فعلهم.
ولك أنت من أخبار النساء أيضاً وكرري وقولي: عذراً رمضان.
عن عبد الرحمن بن قاسم أن عائشة كانت تصوم الدهر، وعن عروة أن عائشة كانت تسرد الصيام، وقال القاسم: كانت تصوم الدهر فلا تفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر.
وقد بعث لها معاوية مرة بمائة ألف درهم، فقسمتها ولم تترك منها شيئاً، فقالت بريرة: أنت صائمة فهلا ابتعت لنا منها بدرهم لحماً؟ فقالت: لا تعنفيني، لو كنتِ أذكرتني لفعلت.
إنها الصديقة بنت الصديق، العتيقة بنت العتيق، حبيبة الحبيب، وأليفة القريب، المبرأة من العيوب ﵂ وأرضاها.
أما القوامة الصوامة حفصة بنت عمر ﵂ وعن أبيها وعن إخوتها وآل عمر وارثة الصحيفة، والجامعة للكتاب، فعن قيس بن زيد: (أن النبي ﷺ طلق حفصة فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شبع، فإذا بالنبي ﷺ قد أقبل فتجلببت ﵂، قال: فقال لهم النبي ﷺ : إن جبريل قد أتاني فقال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامه، وإنها زوجتك في الجنة).
فأي شهادة أعظم من شهادة الله وجبريل لـ حفصة ﵂، وأنعم بها من عبادة كانت سبباً لرجوع أم المؤمنين حفصة إلى رسولنا ﷺ لتبقى له زوجة في الجنة، قال نافع: ماتت حفصة حتى ما تفطر.
وإليك مزيد: اسمعي ونادي بأعلى الصوت: عذراً رمضان عذراً رمضان.
عن سعيد بن عبد العزيز قال: ما بالشام ولا بالعراق أفضل من رحمة العابدة مولاة معاوية، دخل عليها نفر من القراء فكلموها لترفق بنفسها، فقالت: ما لي وللرفق بها، فإنما هي أيام مبادرة وأيام معدودة، فمن فاته اليوم شيء لم يدركه غداً، والله يا إخوتاه! لأصلين لله ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له أيام حياتي، ولأبكين له ما حملت الماء عيناي، ثم قالت: أيكم يأمر عبده فيحب أن يقصر في حقه؟! ولقد قامت رحمها الله حتى أقعدت، وصامت حتى اسودت، وبكت حتى فقدت بصرها.
وكانت تقول: علمي بنفسي قرح فؤادي وكلم قلبي، والله لوددت أن الله لم يخلقني ولم أك شيئاً مذكوراً.
كانت رحمها الله تخرج إلى الساحل فتغسل ثياب المرابطين في سبيل الله، قال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال عنهم حين دخلوا الجنان: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ * فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٩] عذراً رمضا
стр. 850
أنواع الصائمين
أخي أخية! هذه أنواع الصائمين ذكرتها لنعرف أنفسنا ونقدم الاعتذار ونقول: عذراً رمضان.
من صام عن الطعام والشراب فصومه عادة، ومن صام عن الربا والحرام وأفطر على الحلال من الطعام فصومه عادة وعبادة، ومن صام عن الذنوب والعصيان وأفطر على طاعة الرحمن فإنه صائم رضا، ومن صام عن القبائح وأفطر على التوبة لعلام الغيوب فهو صائم تقى، ومن صام عن الغيبة والنميمة والبهتان وأفطر على تلاوة القرآن فهو صائم رشيد، ومن صام عن المنكر وأفطر على الفكرة والاعتبار فهو صائم سعيد، ومن صام عن الرياء والانتقاص وأفطر على التواضع والإخلاص فهو صائم سالم، ومن صام عن خلاف النفس والهوى وأفطر على الشكر والرضا فهو صائم غانم، ومن صام عن قبيح أفعاله وأفطر على تقصير آماله فهو صائم مجاهد، ومن صام عن طول أمله وأفطر على تقريب أجله فهو صائم زاهد.
قال ابن القيم: الصوم لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار المقربين لرب العالمين، يكفيك قول الله: (الصوم لي وأنا أجزي به).
يا قادماً للتقى في عينك الحب طال اشتياقي فكم يهفو لكم قلب صبرت عاماً أمني قرب عودتكم نفسي فهل يدنو لكم سرب قل هل طيفكم فاخضر عامرنا والله أكرمنا إذ جاءنا الخصب ففيكم يرتقي الأبرار منزلةً والخاملون كسالى زرعهم جدب قالوا في الصيام: الصوم: لذة الحرمان.
وقالوا: الصوم رجولة مستعلنة، وإرادة مستعلية.
وقالوا: رمضان شهر الحرية عما سوى الله، وفي الحرية تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية.
قالوا: رمضان شهر القوة، (فليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
قالوا: الصوم صبر وطاعة ونظام، أترون أمة من الأمم تتحلى بهذه الصفات ثم تجد سبيلها إلى الانهيار؟! صبر وطاعة ونظام، أترون جيشاً يتحلى بهذه الأخلاق القوية ثم يجد نفسه على عتبة الهزيمة؟! فلا تنسى ولا تنسي وأنت تصوم وأنت تصومين أن الله يريد أن يجعلنا بالصيام مثال القوي الأمين.
فحذار حذار! أن ينسلخ عنا رمضان ونحن كالضعيف الخائن.
أحبتي! لن يتسع المقام حتى نذكر حال الغرباء مع القيام ومع تلاوة القرآن، لن يتسع المقام لذكر أخبار الغرباء مع التضرع والدعاء والبذل والعطاء، ولن يتسع المقام لذكر بطولات الغرباء وصولاتهم وجولاتهم في ساحات الجهاد في رمضان، لكن حسبنا ما سمعنا وذكرنا من أخبارهم، واللبيب بالإشارة يفهم.
стр. 851
عذراً رمضان
لقد كان رمضان شهر عبادة واجتهاد، وكذا كان حالهم قبل وبعد رمضان، فما هو حالنا؟! اسمع شيئاً من أخبارنا، واسمعي بارك الله فيك! ولنقل جميعاً بأعلى الصوت: عذراً رمضان!.
في بحث واستفسار وأسئلة طرحت على مئات من المجتمع رجالاً ونساءً موظفين وطلاباً عن حالهم وعن أوقاتهم في رمضان، فجاءت الاعترافات التي تؤكد لنا قوله ﷺ : (بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً)، وحتى تعرف أننا لم نخطئ حين اخترنا هذا العنوان.
فقائل: أقضي الليل أمام شاشات التلفاز أتابع القنوات الفضائية حتى طلوع الفجر مع بعض زملائي أقول: عذراً رمضان.
وقائل: تحت أضواء الملاعب ضمن سلسلة المباريات مقامة في ليالي رمضان أقول: عذراً رمضان.
وقائل: على موائد البلوت والورقة في المجالس وعلى الأرصفة أقول: عذراً رمضان.
وقائل: أقضي الأوقات في التنزه في الحدائق تارة وفي الأنفاق تارة، إنا لله وإنا إليه راجعون.
يا أمة لعبت بدين نبيها كتلاعب الأطفال بالأوتار وإذا تلا الإمام عليهم سورة فأطال ما عدوه في الأسفار أما أهل الوظائف فسهر بالليل ثم كسل وخمول طوال النهار، والنتيجة لوم وتوبيخ وخطابات إنذار، وآخر يقول: أنا أحسن من غيري حيث يتسنى لي النوم في المكتب، ضاعت الأمانات التي قامت عليها الأرض والسماوات، وآخر يقول: في رمضان يكثر غيابي وتكثر الخصميات.
أما الأئمة فيشتكون وينادون ويقولون: عذراً رمضان، ففي لقاءات مع بعض الأئمة تحدث بعضهم مستبشرين بزيادة المصلين في رمضان، وإقبال الناس على الطاعة، وعبر آخرون عن حزنهم لحال المتخاذلين حتى في رمضان، وقال آخر: إنهم يزدادون في صلاة الفجر حتى يمتلئ المسجد بهم، ولكنا لا نكاد نراهم في صلاة الظهر والعصر، فقد انقلبت عندهم الحياة، الليل نهار، والنهار ليل.
أما في الأسواق فاسمع الأخبار من رجال الهيئات والأخبار.
أما في المقاهي فسئل أحد العاملين في إحدى المقاهي عن الفرق بالنسبة لهم عن العمل في رمضان وفي غير رمضان فأجاب: إن العمل في رمضان يكون أكثر تعباً وإرهاقاً حيث يكثر الزبائن، ويزدحمون بمعدل الضعف عن غير رمضان، يمضون ليلهم كله في المقاهي بين شيشة وورق ودخان، كيف لا نقول: عذراً رمضان، كيف لا نصيح وننادي ونقول: عذراً رمضان.
أما الأبناء فعلى الأرصفة والطرقات صخب ولهو فتسأل نفسك أين الراعي عن الرعية؟! أما النساء فسهرات نسائية، وانشغال في إعداد أصناف الحلويات والمشروبات والمأكولات، أمن أجل هذا شرع رمضان؟! وأمهات يسهرن حتى الفجر في انتظار الأولاد الذين لا يعودون إلا في هذه الأوقات المتأخرة.
أما الأسواق والمجمعات فحدث ولا حرج فأين العبادة؟! أين الجد والاجتهاد؟! أليست الأعمار محدودة؟ يقول أحدهم: أنام بعد الفجر ولا أستيقظ إلا بعد صلاة العصر، فالنوم عبادة! وآخر يقول: يوقظني والدي عند الإفطار وفي بعض الأحيان لا أفطر إلا قبيل صلاة العشاء.
أقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
ومع أحد الزبائن في إحدى المقاهي كانت هذه الأسئلة السريعة: منذ متى وأنت هنا؟ قال: من الساعة الثانية عشرة، إلى متى تجلس؟ قال: إلى وقت السحور، هل أنت موظف؟ قال: نعم أنا موظف حكومي، ألا تتأخر عن دوامك؟ قال: أتأخر قليلاً ثم أكمل النوم في المكتب.
هذا هو رمضان اليوم، هذا هو رمضان اليوم عند كثير من الفئات.
فيا خيبة الصائمين، ويا حسرة المفرطين، وعذراً رمضان، فما قدرناك حق قدرك.
стр. 852
نداء أخير
ويحنا ما غرنا! ويحنا ما أغفلنا! ويحنا ما أجهلنا! ويحنا لأي شيء خلقنا! أللجنة أم للنار؟! يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي! يا شموس التقوى والإيمان اطلعي وأشرقي! يا صحائف أعمال الصالحين ارتفعي وأبشري! يا قلوب الصائمين اخشعي وتضرعي! يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي! ويا عيون الساهرين لا تهجعي! ويا ذنوب التائبين اذهبي لا ترجعي! يا أرض الهوى ابلعي ماءك! ويا سماء النفوس أقلعي! يا خواطر العارفين ارتعي! يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي! قدمت في هذه الأيام موائد الإنعام للصوام، فما منكم إلا من دعي، ورمضان يناديكم ويقول: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢]، فطوبي لمن أجاب فأصاب، وويل لمن طرد عن الباب ألا يكفيك قوله: (الصوم لي وأنا أجزي به)؟!.
رباه عفوك إني للنور مدت يدايا وأبكي ويبكي دمعي ويبكي بكايا وحفنة من وعاء غرسه من دمايا ولا لغيرك دوى يا رب يوماً ندايا إليك أنت صباحي مصفداً في مسايا فاذكر إلهي ضياءك إني ظمآن ضل صدايا لم أدر من أي نبع أسقي حنين الركايا والشط لا ماء فيه يطفي اللظى في حشايا رحماك يا رب هذا إثمي وصادي تقايا وذاك دربي وهذا على الطريق عصايا رحماك يا رب إني وزورقي والخطايا في لجة ليس فيها من الضياء بقايا جفت وغاضت ولكن ما زلت أزجي رجايا غفرت أم لم فإني ما زلت أدعوك يا رب! فعجباً لمن عرفك ثم أحب غيرك! وعجباً لمن سمع مناديك ثم تأخر عنك! عذراً رمضان عذراً رمضان فما قدرناك حق قدرك.
اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، وارزقنا صيامه وقيامه إيماناً واحتساباً يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفقنا فيه لفعل الطاعات، ووفقنا فيه لترك المعاصي والمنكرات، واجمع فيه شملنا ووحد فيه صفنا وأصلح فيه ولاة أمورنا وانصر فيه المجاهدين وسدد فيه الدعاة والعلماء الربانيين، ووفق فيه الشباب والشيب والنساء والإماء لتوبة نصوح واستقامة وثبات حتى الممات يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإلا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
أستغفر الله العظيم.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 853
فجعت قلبي وأدميته
قضية الدين مسئولية جميع معتنقيه، وسوف يسألنا الله تعالى عن هذا الدين يوم القيامة، والنبي ﷺ هو أول من أرسى قواعد الدين، ثم من بعده أصحابه الغر الميامين فأبلوا فيه بلاءً حسناً، ومن ذلك صمودهم وجهادهم في غزوة مؤتة، ومواقفهم الرجولية التي يشهد لها التأريخ.
стр. 854
قضية الدين مسئولية جميع المسلمين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لابد لنا من الترابط بين مؤسسات المجتمع في خدمة الدين، وحفظ البلاد والعباد، فقضية الدين مسئولية كل المؤسسات، فليست مسئولية المساجد والدعوة والإرشاد والمحاكم والقطاعات الشرعية بل كل مؤسسات البلاد من أميرها إلى أدنى مسئول فيها، فالكل مسئول عن هذا الدين، فالدين أمانة استأمننا الله عليها، وسوف يسألنا عن هذا الأمر العظيم، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، وقال أيضاً: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
стр. 855
حال أمة الإسلام اليوم يبشر بخير
العنوان هو: فجعت قلبي وأدميته، فمواضيع الدين مرتبطة بعضها ببعض، حديثها وفقهها، وعقيدتها، وتاريخها، وسيرتها، لا ينفصل بعضها عن بعض.
والواقع الذي تمر به أمة الإسلام اليوم يبشر بالخير، فالصحوة -ولله الحمد- ملأت أطناب الأرض هنا وهناك، وبدأت قوة الإسلام تعود من جديد باتباع المسلمين له، أما قوة الدين فموجودة منذ أن أوحى الله إلى أهل الأرض بتوحيده وعبادته، فبدأ المسلمون يستشعرون الخطر، ويوحدون الصفوف، ويرجعون إلى الله.
والذي يتنقل بين بلاد المسلمين يمنة ويسرة يرى العودة العجيبة التي تشرح الصدر في كل بقاع المسلمين، اليوم لن يتآمروا على الضعيف، إنما يتآمرون على القوي، وأهل الإسلام اليوم يمرون في مرحلة قوة لا يعلمها إلا الله، لكننا نريد أن نستغل هذه القوة في عز الدين وعز الإسلام والمسلمين.
أردت من هذا الموضوع الذي اخترته أن أرفع الهمم، فكثير من الناس هم الذين يثبطون، وأن أرد على المشككين الذين يقولون: إن أمة الإسلام ليس عندها القدرة على مواجهة الآخرين، وتحتاج إلى سنوات طوال حتى تواكب الركب.
فأقول: أمة الإسلام في مقدمة الركب في كل حين وزمان مهما تغيرت الظروف والأحوال؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أي: أعلون بعقيدتنا، وباتباعنا، وبوحدتنا، وبتماسكنا، وفي كل شأن من شئون الحياة، إن أصابتنا ضراء صبرنا فكان خيراً لنا، وإن أصابتنا سراء شكرنا فكان خيراً لنا، فنحن على خير في كل حال من الأحوال، إن كثرت الذنوب والمعاصي فباب التوبة مفتوح والله غفار، وإن كثرت المخالفات فالمؤمنون نصحة يتعاونون فيما بينهم، فإن حاد أحد على الطريق ذكر بالله حتى يرجع إلى الصواب وإلى الصراط المستقيم.
стр. 856
موقف الصحابة في غزوة مؤتة
أردت من الموضوع أن أرفع الهمم مع بداية عام هجري جديد، وأن أذكر الأحفاد بما صنع الأجداد، وأن أذكر الرجال بما صنع الأبطال، ليُعلم أن أمتنا عندها قوة عجيبة، فلو أنها تشتغل في نصرة الدين.
لقد انبثق نور الإسلام من مكة ليحطم الجاهلية بكل ما فيها إلا ما وافق الإسلام، وقام محمد صلوات الله وسلامه عليه بحمل راية الدعوة والجهاد، والتف حوله الرجال يفدون دينهم بكل غال ونفيس، وما هي إلا سنوات قليلة مليئة بالصبر والتضحيات، إلا والإسلام قد ضرب أطنابه هنا وهناك، وانتشر أبطال الإسلام يبلغون دعوة الله رافعين شعار لا إله إلا الله والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فانقادت لهم الأرض، ونشروا العدل والمساواة، وقدموا من أجل ذلك تضحيات، وسطروا بطولات، فكانوا كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ثم تبدل الحال وتفكك البنيان، وركنت الأمة للدعة والشهوات، فضيعت أوقاتها بل أعمارها أمام شاشات وقنوات، فلقد علم الأعداء أنهم لن يقهروا هذه الأمة بالمدفع والدبابة فحاربوها باللهو والضياع، وأشغلوها بالمعازف والألحان؛ لأنهم يعلمون أن هذه الأمة إذا رفعت السلاح لا تقف قوة في الأرض أمامها.
стр. 857
بيان سبب غزوة مؤتة
روى الواقدي بسنده عن عمر بن الحكم قال: بعث النبي ﷺ الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد؟ فقال له: أريد الشام، فقال: لعلك من رسل محمد قال: نعم، أنا رسول الرسول ﷺ ، فأمر به فأوثقه، ثم قدمه فضرب عنقه، مخالفاً بذلك كل الأعراف والقوانين من أن الرسل لا تقتل، فلما بلغ الخبرَ النبيُّ ﷺ اشتد ذلك عليه، وزاد الأمر عليه عندما قامت مجموعة من العرب المتنصرة بقتل بعثة سلمية دخلت أرض الشام تدعو العرب إلى الإسلام فقُتلوا غدراً وكان عددهم أربعة عشر رجلاً، فرأى النبي ﷺ أنه لابد من تأديب هؤلاء الغادرين؛ ليعلموا أن لهذا الدين رجالاً يذودون عن دينهم وأعراضهم، فاستنفر القائد الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه ثلاثة آلاف من خيرة أصحابه، وعين ثلاثة يتولون قيادة الجيش بالترتيب، وهم: زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة، فخرج الجيش لتأديب أعداء الله، وليعلم أولئك أن للإسلام رجالاً يدافعون عن دينهم وأعراضهم، ودّع المسلمون جيشهم وهم يدعون لهم قائلين: دفع الله عنكم، وردكم صالحين غانمين منتصرين، فخرج الجيش بسرية وكتمان، ولكن الطابور الخامس -قاتلهم الله- من يهود ومنافقين أرسلوا الأخبار إلى إخوانهم في الكفر والنفاق؛ بخروج جيش المسلمين.
وعلتنا في كل زمان أنَّ الخطر يأتينا من الداخل وليس من الخارج، فعداوة الخارج معروفة أمَّا عداوة الداخل فمجهولة.
فحشد الكفار مائة ألف من مرتزقة العرب المتنصرة، ومائة ألف من الرومان، وتخيل الموقف أنَّ ثلاثة آلاف من الرجال يواجهون مائتي ألف من الكفار! إن اشتباك ثلاثة آلاف في معركة حاسمة مع مائتي ألف يمثل أخطر مغامرة في تاريخ الحروب.
فتشاور الرجال قبل لقاء العدو، وكان القرار الحاسم هو مواجهة العدو أياً كانت النتائج، لأن كلا الأمرين النصر والشهادة فوز للمسلم المجاهد في سبيل الله، أما التراجع دون لقاء العدو فليس من شيم الأبطال، ولا مجال للتراجع عند طلاب الهمم، لسان الحال: فأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى فإما حياة تسر الصديق وإما مماتٌ يغيض العدى
стр. 858
موقف عبد الله بن رواحة في رفع روح القتال عند المسلمين
قال عبد الله بن رواحة مشجعاً الناس وداعياً إلى عدم التردد في القتال: يا قوم! إن الذي تكرهون هو الذي خرجتم من أجله، إما النصر وإما الشهادة، ونحن لا نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا وأعزنا الله به، والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، ويوم أحد ما معنا إلا فرس واحد، فانطلقوا بنا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور عليهم فذلك الذي وعدنا نبينا وليس لوعده خلف، وإما الشهادة فلنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان.
فأثرت تلك الكلمات البليغة في نفوس الجيش، واشتاقت القلوب والأرواح لجنة الرحمن، فانطلقوا وهم يرددون: أرواحنا يا رب فوق أكفنا ترجو ثوابك مغنماً وجواراً في ظل السيوف كأننا في ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا
стр. 859
نقل وقائع معركة مؤتة
على أرض مؤتة في بلاد الشام التقى الجيشان، فريق مسلم لا يتجاوز الثلاثة آلاف، وأكثر من مائتي ألف من الكفار.
وضع قادة الجيش المسلم في حسابهم أن الجيش الروماني قد يلجأ إلى أسلوب التطويق فعددهم يسمح بذلك، فحينها إما أن يباد الجيش عن بكرة أبيه، أو يجبر على الاستسلام.
وفي حساب المقاييس الحربية العادية ليس من الصعب على مائتي ألف مقاتل مجهزون بأحسن تجهيز ومسلحون بأحسن سلاح أن يقوموا بتطويق ثلاثة آلاف وإبادتهم عن آخرهم، فالأمر هين ولن يستغرق ذلك إلا ساعات، فعدة الجيش الكافر خمسون ألف فارس، يتبعهم مائة وخمسون ألف مقاتل من المشاة يتسربلون بأحسن الدروع ويلبسون أحسن الخوذات.
من أجل ذلك انحاز زيد ﵁ بجيشه الصغير إلى قرية يقال لها: مؤتة وعسكر فيها؛ ليجنب جيشه الصغير خطر التطويق، فتحصن المسلمون في قرية مؤتة وقام زيد بن حارثة بتعبئة الجيش الصغير وتحصينه على أحسن حال.
أخذت جيوش الرومان والعرب المتنصرة تتدفق على مؤتة في زهو وخيلاء وغرور كأنها أمواج بحر متلاطم، وجيش المسلمين الصغير المرابط في مؤتة كأنه جزيرة صغيرة مهددة بالغرق.
لقد كانت الحالة بالنسبة للمسلمين حالة مخيفة مفزعة تثير الخوف والرعب، وتزيغ منها العقول والأبصار، وقد عبر أبو هريرة ﵁ عن هذه الحقيقة المفزعة وهذا الموقف الحرج بقوله: فرأى المسلمون المشركين ومعهم ما لا قبل لهم به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، وشهدت ذلك فبرق بصري، فقال ثابت بن الأقرم: مالك يا أبا هريرة كأنك ترى جموعاً كثيرة؟ قلت: نعم.
فقال: لم تشهد معنا بدراً إننا لم ننصر بكثرة.
ولا لوم على أبي هريرة فإنه بشر يخاف ويذهل، ولقد كان على كل جندي مسلم في ذلك اليوم أن يقاتل سبعين رجلاً من جنود الكفار، وقد كان بوسعهم الرجوع دونما قتال، لكن طلاب الجنان لا يتراجعون، فإما نصر وإما شهادة.
لقد أقدم الجيش الإسلامي الصغير في مؤتة على أكبر مغامرة حربية في التاريخ دونما جدال، ففي القوانين والأعراف العسكرية بين الأمم الأخرى غير المسلمة أنَّ ما أقدم عليه قادة الجيش في ذلك اليوم ضرباً من الانتحار تعاقب عليه القوانين العسكرية، أما عند طلاب الجنان فالحال يختلف، فالموت في سبيل الله غاية ما يتمنى المسلم الصادق، أما اشترى الله منهم الأنفس والأموال؟ أما باعوهما على أن يكون الثمن الجنة؟ ثبت المسلمون بجيشهم الصغير، ولا زالوا يثبتون في كل مكان، إنها مخاطرة عظيمة لم يشهد التاريخ مثلها، لقد كانت نتيجة المعركة مضمونة للرومان وهي النصر الساحق، بإبادة الجيش المسلم إبادة كاملة، وذلك حسب المقاييس والمفاهيم العسكرية، لكن الإيمان صنع عجب العجاب، وهذا ما نحتاجه اليوم، فالإيمان هو الدافع للشهادة والاستشهاد، الإيمان هو الدافع للبذل والإيثار والعطاء، والحياة لا قيمة لها إلا بالإيمان، ولا طعم لها إلا بالإيمان، والإيمان هو شعار هذه الحياة.
فتدفقت كتائب الرومان بحديدها وفرسانها كأمواج البحر الهادر، فصمد أمامها المسلمون، وعددهم لا يتجاوز الثلاثة آلاف، وأكثرهم خال من الدروع، فأي قوة كانت في قلوب أولئك الرجال؟! أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع جلس عمر في مجلس من المجالس فقال لمن معه: تمنوا، فقال أحدهم: أتمنى أنَّ لي من الذهب كذا وكذا أنفقها في سبيل الله، وقال آخر: أتمنى أن لي من المال كذا وكذا أنفقها في سبيل الله، فقال عمر: أتمنى أن لي ملء هذا البيت قادة شجعان مثل أبي عبيدة ﵁ وأرضاه، فعذراً أمة الإسلام! فليس عندنا ما تمنى أمير المؤمنين عمر.
إن الإيمان وصحة العقيدة والاستبسال في سبيل الله يعكس المفاهيم ويقلب المقاييس ويكسر الأغلال، فكثرة العدد والسلاح والتكنولوجيا العسكرية ليست هي التي تكفل النصر في أي حال من الأحوال، وإن لم يتوافر ذلك فليس معنى ذلك الهزيمة، فنحن لا نستمد النصر من العدة والعتاد، إنما نستمد النصر من السماء، لكن لابد من العدة والإعداد.
إن الذي يصنع النصر حقيقة ويصنع الصمود الذي يحول دون الهزائم الماحقة هو الإيمان الذي يسري بالقلوب عقيدة وضاءة مشرقة، لا عقيدة ماركس ولينين المؤلمة.
استمرت المعركة أياماً سبعة كانوا يتوقعون أنها ساعات، لم يتوقع الرومان أن المعركة ستكون على هذا المستوى من الصمود والثبات والشراسة والضراوة، ثبت المسلمون على مشارف مؤتة، بل وعلى قلتهم قاموا بهجوم معاكس أتوا فيه بالعجائب، فصرعوا عدة مئات من أفراد الجيش الروماني وأتباعه، وبعد أن صعقوهم بالهجمات بدأت جموع الرومان مع كثرتها تركن إلى الفرار والهروب من أرض المعركة، فرأوا الشرر والنار يتطايران من أعين الرجال، ورأوا الهول والعجب العجاب من التضحيات والإقدام، حاولوا اقتحام مواقع المسلمين لتطويقهم فما استطاعوا.
إن أي عاقل وأي منصف سيدرك ذلك المستوى الرفيع من الشجاعة والبطولة والتضحية والفداء والإيمان العميق الذي كان عليه المسلمون عندما يعلم أنهم كانوا ثلاثة آلاف محارب ومع ذلك استمروا يخوضون المعركة بصبر وشجاعة طوال سبعة أيام وما وهنوا، وما ضعفوا، وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧]، سبعة أيام وما استطاع الجيش الروماني أن يلحق أي تقدم أو هزيمة في ذلك الجيش الصغير، إنه ثبات عندما يكثر الثبات والشجاعة والإقدام، وعندما تصور الصور والبطولات في أرض المعركة.
стр. 860
استشهاد زيد بن حارثة واستلام جعفر للراية
ثبت زيد القائد العام، ثم استشهد بعد ستة أيام من القتال بعد أن مزقته رماح الرومان، وهو مقبل كالأسد الهصور، ثم استلم جعفر الراية فصار يقاتل وهو على فرس له شقراء والمسلمون خلفه يقاتلون بضراوة واستماتة لا مثيل لها، فاقتحم جعفر صفوف الرومان، ولكثرة الزحام وشدة الالتحام نزل عن فرسه، ثم عقرها حتى لا يهرب من أرض المعركة استعداداً للموت والشهادة في سبيل الله، وقطع لباب الهرب من أرض المعركة، فكان جعفر أول من عقر في الإسلام أثناء القتال، سابقة ما سبقه بها أحد، وترجل في أرض المعركة بعد أن أحاطت به الرومان من كل جهة وهو يقاتلهم قتالاً شديداً، وراية الرسول ﷺ مرفوعة في يده، وبينما هو كذلك تمكن أحد فرسان الرومان من قطع يد جعفر التي يحمل بها اللواء فحمله باليد الثانية، فقطعت فأظهر القائد الشاب بطولة فذة لا مثيل لها، فبعد أن فقد كلتا يديه وحفاظاً على اللواء احتضنه إلى صدره بعضديه مكباً عليه؛ ليظل مرفوعاً.
فراية لا إله إلا الله رفعت بأرض القتال والمعارك واليوم ترفع على المدرجات والملاعب، شتان بين انتصاراتهم وبين انتصاراتنا اليوم! ورغم استبسال جعفر وثباته وبقاء اللواء منصوباً في أرض القتال عدة ساعات انتهى ذلك الصمود الرائع بأن سقط جعفر شهيداً بعد أن تناوشه سيوف الرومان، وهو يحتضن اللواء في إصرار، وصعدت الروح لتأخذ مكانها بين الصديقين والشهداء والأبرار، قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين بعد أن فقد ذراعيه فأثابه الله جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء، ثم استمر القتال على أشد ضراوة.
стр. 861
موقف عبد الله بن رواحه بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب
سارع عبد الله بن رواحة لقيادة الجيش، وحمل اللواء فوجد في نفسه تردداً لكثرة الحشود الرومانية الهائلة، فعاتب نفسه وخاطبها شعراً: أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعة أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة قد طالما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنة ونزل عن فرسه ولواء النبي ﷺ في يده فقاتل حتى قتل لاحقاً بزميليه اللذين سبقاه إلى الشهادة وهو يردد: يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت
стр. 862
موقف خالد بن الوليد بعد استشهاد القادة الثلاثة
لقد عانى الرومان الأهوال من المسلمين، وصنع بهم المسلمون مقتلة عظيمة رغم قلة العدد والعتاد، وكان من قتلى الرومان القائد العام لقوات العرب المتنصرة، واسمه مالك بن واثلة، فقد قتله قائد ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذري ﵁ وأرضاه.
وظل المسلمون ثابتين يصارعون ويقاومون ويكرون ويفرون، ويسطرون أعظم الصور في التضحية والثبات، غير أن مصرع القادة الثلاثة، وبقاء الجيش دونما قائد رجح كفة الرومان، وحدث خلل واضطراب في صفوف المسلمين، وأخذ بعضهم ينهزم لاسيما بعد سقوط لواء الجيش أرضاً، وبدأت تظهر عليهم علامات الهزيمة، لكن ثابت بن أقرم أحد فرسان الأنصار أنقذ الموقف ورفع اللواء وصاح: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجل منكم يحمل اللواء ويقود الجيش فرشحوه فاعتذر وقال: ما أنا بفاعل، وبلغ الموقف خطورة لا تحتمل لفقدهم قائد الجيش، وبدأت علامات الخوف والاضطراب والهزيمة تظهر.
ولم يكن هناك من تتجه الأنظار إليه لإنقاذ الموقف سوى المحارب الشهير والقائد المظفر: خالد بن الوليد الذي لم يمض على إسلامه ودخوله في الإسلام إلا ثلاثة أشهر فقط، حمل خالد راية التوحيد فصاح ثابت بن الأقرم: يا خالد بن الوليد! خذ اللواء، خذ اللواء يا أبا سليمان! فقال خالد: لا آخذه أنت أحق به؛ لأنك أقدم إسلاماً وأكبر سناً -والرجال تعرف قدر الرجال- فقال ثابت: خذه يا أبا سليمان! والله ما أخذته إلا لك، فأنت أعلم مني بفنون القتال، فنادى ثابت بن الأقرم في كبار الجيش: أترضون بـ خالد بن الوليد أميراً عليكم؟ قالوا: رضينا، فتولى خالد القيادة لإنقاذ الموقف المتدهور الذي كان سيؤدي إلى إبادة الجيش لولا تدارك الأمر.
حمل خالد الراية وأصبح قائداً عاماً للجيش، فهذه الأحداث تدور في أرض المعركة فكيف كانت المدينة؟ وكيف كان حال الرجال والنساء هناك؟ ذكر المؤرخون وأصحاب السير والحديث أن الله تعالى كشف لرسوله المسافة الفاصلة بين المدينة ومكان المعركة، وأصبحت المعركة تنقل حيةً على الهواء إلى المدينة وحياً، حتى صار النبي ﷺ ينظر عياناً إلى ما يحدث هناك من قتال ضار عنيف! روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال للناس قبل أن يأتيهم الخبر (أخذ الراية زيد ثم قتل، ثم أخذها جعفر ثم قتل، ثم أخذها ابن رواحة ثم قتل، وعيناه تذرفان صلوات ربي وسلامه عليه، ثم سكت، ثم قال: ولقد رفعوا إلى الجنة، ثم قال: ثم حمل الراية سيف من سيوف الله، ولقد حمي الوطيس حتى فتح الله عليهم).
اجتمعت المدينة حول نبيها تتابع أخبار المعركة حية على الهواء وحياً من السماء، واليوم اجتمع المسلمون حول الشاشات والقنوات لمتابعة مباريات ومسلسلات حية على الهواء، فسبحان الله ما أعظم الفرق بين الأمس وبين اليوم! لقد كان اختيار خالد بن الوليد قائداً للجيش في تلك الساعات الحرجة اختياراً موفقاً، فهو فارس شجاع وبطلٌ مغوار، وداهية في القيادة العسكرية هجوماً ودفاعاً، ولقد أثبت في ذلك اليوم أنه من أعظم قادة المعارك الذين عرفهم التاريخ، قاد أول معركة بعد إسلامه بثلاثة أشهر، فأعاد للجيش تنظيمه الذي فقده بعد مقتل القادة الثلاثة، ثم أعاد للجيش ثقته بنفسه، بعد أن شن به هجوماً معاكساً على الرومان، زلزل به صفوفهم، ثم بمهارة فائقة تمكن بالانسحاب بالجيش الصغير انسحاباً عظيماً يعتبر في قاموس الخبراء العسكريين أعظم انتصار؛ ولهذا لقبه النبي ﷺ بسيف الله المسلول، بعد أن نجح في إنقاذ ذلك الجيش الصغير، بل حقق الانتصار الذي خرج من أجله.
كانت مهمة خالد صعبة لكن الصعاب لا تقف أمام الرجال، وكلمة مستحيل لا توجد إلا في قاموس العاجزين، والفشل أبسط الأشياء التي يستطيع أن يدفعها أي إنسان دونما مجهود.
مهمة خالد كانت من أصعب المهمات، لكن أبا سليمان رجل المواقف، ولقد أكد النبي ﷺ تحول ميزان المعركة لصالح المسلمين بعد أن رفع خالد الراية، قال ﷺ : (ولقد حمل الراية سيف من سيوف الله، ولقد حمي الوطيس ولقد فتح الله عليهم).
حمى الوطيس، وبدأت تتطاير الرءوس، وتتقطع الأعضاء والأجزاء، والدماء في كل بقعة تسيل كالأنهار، روى البخاري عن خالد نفسه أنه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية.
إن للطاقة البشرية حدود، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فلقد رأى خالد بخبرته وحنكته أن جيشه الصغير قد أبلى بلاء حسناً، وكبد العدو الخسائر في الأموال والأرواح، ولقنهم درساً لن ينسوه، وعلم أن بالمدينة رجالاً يدافعون عن أعراض المسلمين والمسلمات ويدافعون عن المقدسات، فكان لابد من خطة لإخراج الجيش من أرض المعركة بأقل الخسائر.
قام خالد أثناء الليل باجتماع مع قادة الجيش بتبديل كلي للميمنة والميسرة والخلف، فبدل مواقع الرجال، وهدفه من ذلك أن يجعل الرومان يعتقدون أن جيشاً جديداً يشارك في القتال، فرسم هذه الخطة للإيهام والتضليل، والحرب خدعة، فما كاد يطلع الصباح حتى وجد الرومان أنفسهم أمام جيش جديد، ما كانوا يعرفونه طوال ستة أيام من القتال، فظنوا أن مدداً قد جاء للمسلمين أثناء القتال، فألقى الله في قلوبهم الرعب، وبينما هم في دهشتهم إذا بغبار يسد الأفق من خلف ظهر الجيش المسلم، وما هي إلا لحظات وجيزة حتى دوت وارتفعت في أرض مؤتة أصوات التهليل والتكبير، ثم انشق الغبار عن كتائب من الفرسان تتبع إحداهما الأخرى في تنسيق وإحكام راكضة نحو المسلمين، وحوافر خيلها وأصوات فرسانها تصم الآذان: الله أكبر الله أكبر، ولإدخال مزيد من الرعب في قلوب الرومان اهتز معسكر المسلمين المواجه للرومان في أرض المعركة بالتهليل والتكبير، فأي قوة تقف أمام الله أكبر؟! وأي قوة تستطيع الصمود أمام الله أكبر؟! إذا خرج التكبير من القلوب اهتزت وتغيرت الموازين.
قام خالد بكل ذلك بإحكام وتدبير، فأيقن الرومان أن ما رأوه من تغيير شامل في الميمنة والميسرة والخلف وتدفق لتلك الكتائب التي أقبلت من خلف الجيش إنما هو مدد كبير جاء من المدينة لمساندة الجيش المسلم؛ ليستمروا في خوض المعركة حتى النصر، فدب الرعب في نفوسهم، وساد الهرج والمرج، ولسان حالهم: إذا كان ثلاثة آلاف قد فعلوا بنا الأفاعيل فماذا عسى أن يفعلوا بنا بعد أن وصل إليهم المدد؟ وعلى مدى ستة أيام أو سبعة لم نستطع أن نحقق عليهم أي انتصار، فماذا عساهم أن يفعلوا بنا بعد هذا؟! فألقى الله في قلوبهم الرعب، وأدرك خالد بحاسة القائد الماهر المحنك ما أصاب الرومان وحلفاءهم من خوف ورعب نتيجة الخطة البارعة فاغتنمها فرصة، وبدأ بالهجوم الكاسح، والمسلمون يرددون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦]، ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٤ - ٧].
فمالت صفوف المسلمين على خطوط الرومان الأمامية، فتملكهم الرعب واضطربت صفوفهم، فركبهم المسلمون وأحدثوا فيهم مقتلة عظيمة كانت كما وصفها المؤرخون مذبحة بكل المعايير.
قال ابن سعد في الطبقات وهو يروي قصة انتصار خالد والمسلمين على الرومان بعد توليه القيادة: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة وطعن حتى قتل، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة، ثم حمل الراية خالد ثم حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة، ووضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا، واستمر خالد وجيشه يطاردون الرومان حتى أثخنوهم ولقنوهم درساً لن ينسوه، حتى يعلم أولئك المعتدون أن بالمدينة رجالاً يدافعون عن أعراض المسلمين والمسلمات، ثم اغتنم خالد فرصة ارتباك الجيوش الرومانية واضطرابها، فأصدر أوامره إلى قادة الجيوش والكتائب في جيشه بالارتداد بالجيش جنوباً كما هو متفق عليه حينما وضعوا خطة الانسحاب ليلاً، وأخذ الجيش يغادر ميدان المعركة بكل هدوء وانضباط، وأشرف خالد على عملية الانسحاب، فكان يجول بفرسه بين الكتائب ليظل النظام سائداً أثناء الانسحاب، ولتظل روح الجند والقادة ومعنوياتهم عالية فلا يدركهم خوف ولا اضطراب، فتمت عملية الانسحاب كما أراد القائد خالد على أدق نظام ودونما أية خسارة، وأصبح الجيش الروماني شبه مشلول يسوده الذهول لما لقيه على أ
стр. 863
موقف أهل المدينة من جيش خالد
وصل خالد بجيشه إلى المدينة دون أن يتعرض لأي خطر في الطريق، ووصلت الأخبار إلى المدينة بأن المسلمين قد فروا وانهزموا، فاستاء أهل المدينة بذلك، فما كاد خالد يصل بجيشه إلى ضواحي المدينة حتى قابلته مظاهرة كبيرة تندد بالجيش، وكان المتظاهرون يصيحون بالجيش: يا فرار! يا فرار! أتفرون من الموت في سبيل الله؟! ويحثون في وجوه الجند والقادة التراب.
أما النساء فلم يفتحن لأزواجهن وأبنائهن الأبواب، وأغلقنها دونهم قائلات لهم: لم لم تموتوا مع أصحابكم في أرض القتال؟ أما الأطفال فلقد استقبلوا خالداً ومن معه في أزقة المدينة بالتراب والحجارة قائلين: يا فرار! يا فرار! والنبي ﷺ كان يعلم بالأخبار الصحيحة، ومقدار التضحيات والبطولات التي قام بها الجيش المسلم، ولذا قام مدافعاً عن الجيش وأفراده، قائلاً: (ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله).
كيف وقد أنقذ خالد جيشه من فناء محقق بخطة عسكرية بارعة، وألحق بالرومان وجنودهم شر مكفنة وأذاقهم خزياً وعاراً؟ والفرق بين الأمس واليوم أنَّ بالأمس كان صغارنا يستقبلون خالداً ومن معه في أزقة المدينة بالحجارة، ويقولون لـ خالد ومن معه: إلى أين يا فرار! واليوم صغارنا يستقبلون غانية ومطرباً بيده قيثار ولاعباً في صالة المطار بالورود والأزهار متار يا متار هذا زمان العار من طنجة إلى قندهار معتقل يعيش حالة احتضار أمتنا ليس لها قرار أمتنا ألعوبة باليمين واليسار نرجو صلاح الدين ندور في مأساتنا حتى أصابنا الدوار لكن لا خيار من موتنا فوق شغار السيف حتى يصر الشوك جل نار موقنون يا متار بحرقة المشوار فإن النصر مع الصبر والصراط فوق النار هذه باختصار كلمات اعتذار عن أمة تعدادها مليار، ليس لها قرار.
فذه أخبارهم فما هي أخبارنا!؟ وهذه تضحياتهم فما هي تضحياتنا؟! وهذه بطولاتهم فأين بطولاتنا؟ وهذه هي أخبار شيبهم وشبابهم، فما هي أخبار شيبنا وشبابنا؟! وهذه أخبار نسائهم فما هي أخبار نسائنا؟! وهذه هي أخبار أطفالهم فما هي أخبار أطفالنا؟!
стр. 864
حال المسلمين قديماً وحديثاً
ملكنا هذه الدنيا قرونا وأخضعها جدود خالدونا وسطرنا صحائف من ضياء فما نسي الزمان ولا نسينا بنينا حقبة في الأرض ملكاً يدعمه شباب صالحونا شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإقدام ديناً تعهدهم فأنبتهم نباتاً كريماً طاب في الدنيا غصونا إذا شهدوا الوغى كانوا كماة يدكون المعاقل والحصونا إذا جن المساء فلا تراهم من الإخفاق إلا ساجدينا شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينا ولم تشهدهم الأقداح يوماً وقد ملئوا نواديهم مجونا وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلى صيغت لحونا ترى هل يرجع الماضي فإني أذوب لذلك الماضي حنينا فإن كانوا قد استطاعوا أن يفعلوا فنحن أيضاً نستطيع أن نفعل، بشرط: أن نسير على نفس الطريق.
فتلك الانتصارات ما كانت تتحقق إلا لأنهم ملكوا الإيمان والتقوى والإحسان، فلما ضعف ذلك في حياتنا ذهبت الأمجاد والانتصارات، وضعف الإيمان بسبب كثرة الذنوب والمعاصي والآثام، فماذا صنعت بنا وبشبابنا الشاشات والقنوات؟ فكم أفسدت ودمرت؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١]، وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وقال أيضاً: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فانتصاراتنا قد ملأت آذانهم، لكنهم يحاولون بشتى الوسائل والطرق ألا نجمع أخبار الانتصارات؛ حتى لا ترتفع المعنويات.
стр. 865
حال المسلمين في العراق
في أرض العراق اليوم سطر الرجال بطولات منذ أيام ماضية، وودعت مدينة من المدن العراقية شباباً في قوافل الشهداء بعد أن أبلوا بلاء حسناً في ذلك المكان، تقول أخت أحدهم: رأيت أخي في رؤيا قبل أن ينطلق إلى أرض العزة والكرامة، وبجانبه فتاة جميلة، ما رأت عيني مثلها، وكلما أردت أن أدقق النظر في وجهها التفتت من حسنها وجمالها، فلم أستطع أن أميز ذلك الحسن والجمال، فهذه رؤيا وهو يقف على باب الجنة ويدعو الناس إلى الدخول، وبيده كمثرى من ذهب، صدقوا مع الله فصدق الله معهم.
أعرف أحدهم تمام المعرفة، وكان ممن يشهد معي الدرس في كل يوم ثلاثاء وجمعة، جاءني بعد صلاة المغرب وقال لي: ادع الله لي فلقد هممت على مشروع عظيم، فظننت أنه سيقدم على الزواج أو الوظيفة، وما علمت أنه يريد الزواج من حورية في الجنان، وأنه عقد العزم والنية على أن يعانقهن إلا بعدما مضى في طريقه وجاءتني الأخبار أنه سطر أعظم الصور، وأثخن في العدو، ولقنهم درساً، فالخير في هذه الأمة باق حتى تقوم الساعة، وهناك من المسلمين رجال يذودون عن أعراضهم وعن مقدساتهم، لسان حاله: سدت دروب الشعر وأقفلت أبوابه وبات قلبي بعد ذلك باكيا لما حيل بيني وبين مناي قهراً عشت ذل القعود وبعت حياتيا بعتها لمليكها الذي لا يرتضي لعباده ذلاً ولست أرضاها ليا أبتاه روحي في المعارك لا في أتحول بيني وبين نفسي وروحيا أبتاه جعفر في المنام بدا ليا ويصيح بي ألا لحقت ركابيا أبتاه نفسي لا تريد غوانيا مالي وللدنيا وما لها ما ليا أبتاه إني أرى في بغدادنا مهجاً تروي لنا الآلام توالياً وتواليا هناك يريدون لأعراضهم رداً وهنا إخوتي يتغزلون بأختيا هناك يطلبون لجوعهم سداً وأنا هنا أعاف طعاميا أبتاه يأملون لأطفالهم أمناً وأنا ثوابك ههنا آماليا أبتاه إني أرى في بغدادنا مهجاً تروي لنا الآلام توالياً وتواليا وا إسلاماه كالسيف الذي صار محطماً لقيوديا وا معتصماه كالسهم الذي سار محرراً لهم وليا أبتاه أقسم بالذي خلق الحياة لحكمة والرب العزيز يشهد عهديا أن أظل في ساح المعارك غازياً أذود بنفسي كما أذود بروحيا فإما أن أعود للوطن الحبيب براية رافعاً رأسي والجنود ورائيا أو أن أعود للوطن الحبيب ببسمة رسمت على شفاهي هناك قبل مماتيا شهادة ورب البيت فزت بها شهادة أقبل بها حوريتي بشفاهيا أرفرف تحت ظل العرش كطير أخضر فارتقب أبتاه ذاك مكانيا
стр. 866
موقف عبد الله بن حرام في غزوة أحد
في يوم أحد رأى عبد الله بن حرام ﵁ وأرضاه في ليلة المعركة أنه يقتل، فقال: يا جابر! أوصيك بأمك وأخواتك خيراً، ثم قتل عبد الله بن حرام كما رأى، فرؤيا المؤمن حق، فبكى جابر على فقد أبيه، (فجاءه النبي ﷺ مبشراً فقال: يا جابر! لا تبكِ؛ فوالذي نفسي بيده! إن الله كلم أباك كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، وما كلم أحداً قبله، فقال: تمن يا عبدي، قال: أتمنى يا ربي أن أرجع إلى الدنيا فأقتل فيك، قال تعالى: إني كتبت عليهم أنهم إليها لا يرجعون، ولكن أحل عليك رضواني فلا أسخط عليك أبداً).
والشهداء لهم فضل عظيم عند الله، فإن أرواحهم في حواصل طير معلقة بعرش الرحمن يغدون ويروحون في الجنان، ويزوجون من الحور العين ما يشاءون، ويطلع عليهم الرحمن في كل حين فيقول لهم: ماذا تشتهون؟ فيقولون: نشتهي أن نرجع إلى الدنيا فنقتل فيك، فيقول: إني كتبت عليهم أنهم إليها لا يرجعون، قالوا: يا ربنا نريد أن نبلغ قومنا وأهلنا أننا لم نمت، وأننا أحياء حتى لا يزهدوا في الجهاد والاستشهاد، فقال الله: أنا أبلغهم عنكم، فقال سبحانه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٣]، والخير لا يزال في هذه الأمة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، شاء من شاء، وأبى من أبى، وسيتمن الله هذا النور بعز عزيز أو بذل ذليل، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، وحينها سيعلم أهل الطابور الخامس أي منقلب ينقلبون، وسيعلم الذين يسعون في الأرض فساداً ويظنون أنهم مفلحون أي منقلب ينقلبون، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧].
стр. 867
أسباب النصر
المطلوب المحافظة على الطاعات، وترك الفواحش والمنكرات فوالله ما أضعف الأمة وجردها من سلاحها الذي لا تقهر به إلا الذنوب والمعاصي! فإن تركناها وعدنا إلى رب الأرض والسماء تحقق النصر بإذن الله، مهما بلغت قوتهم وطاقتهم، فأي قوة تقف أمام الله أكبر؟! فإن كان عندهم طائرات ومدافع ودبابات فمعنا جبريل وميكائيل وجند من الله يقاتلون معنا، ولو بسط جبريل جناحاً من جناحيه لغطى مشرق الأرض ومغربها، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، ولا يكون ذلك إلا بالصبر والتقوى، قال تعالى: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٥]، فأي قوة تقف أمام هذا؟! وحتى نكون فرساناً بالنهار لابد أن نتعلم الفروسية بالليل، كما قال الشاعر: عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه وحتى ننتصر على أعدائنا لابد أن ننتصر على أنفسنا ونربي الأبناء على الصلاة، قال النبي ﷺ : (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم لعشر)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
السنن الربانية لا تتغير ولا تتبدل، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقال أيضاً: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، وقال أيضاً: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، وقال أيضاً: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة:٤٠]، فإن وفينا لله بالعهد وفى الله لنا بوعد صادق وعهد سابق، فمن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً، قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١].
إن ما يمر بالعالم الإسلامي اليوم هو سحابة صيف عما قريب ستنقشع، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، اللهم انصر من نصرهم، اللهم اخذل من خذلهم، اللهم صن أعراضهم، واحقن دمائهم، واشف مرضاهم وتقبل شهداءهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين.
اللهم إنهم قلة فكثرهم، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إنهم خائفون فأمنهم، اللهم إنهم مظلومون فاقتص لهم، لا راد لفضلك ولا معقب لحكمك.
اللهم يا منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم الأحزاب وزلزلهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم لا تدع لهم قوة في الأرض إلا دمرتها، ولا في البحر إلا أغرقتها، ولا في السماء إلا أسقطتها.
اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، ومكن الرجال من أعناقهم يا رب العالمين.
اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين أذلة صاغرين، لا ترفع لهم في بلاد المسلمين راية، ولا تحقق لهم غاية.
اللهم من عاونهم على المسلمين فاقصم ظهره، واخرس لسانه، وشل أركانه يا قوي يا عزيز، يا مالك الملك، يا جبار السماوات والأراضين.
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
اللهم احفظ نساءنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اجعلهن هاديات مهديات، راضيات مرضيات، تقيات نقيات خفيات، اللهم استخدمهن في طاعتك، واجعلهن مجاهدات في سبيلك يا رب العالمين.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا حي يا قيوم.
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
أستغفر الله العظيم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 868
قاتل ومقتول
إن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، ومنها هذه السيارات التي نتنقل بها من مكان إلى مكان في يسر وسهولة، فالسيارة تعد من ضرورات الحياة اليوم لما فيها من منافع كثيرة، ولما يقضى بها من مصالح وفيرة، فشكر هذه النعمة واجب على كل مسلم، ومن شكرها استخدامها في الأمور المشروعة، وعدم استخدامها في أغراض سيئة، كفعل المعاصي والذنوب.
стр. 869
تحية في مستهل اللقاء
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطانا وخطاكم.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
أهلاً بكم أحبتي في هذا اللقاء المبارك، في هذا البلد المبارك، في هذا البيت المبارك، في هذه الدقائق واللحظات المباركة التي أسأل الله فيها أن يذكرنا فيمن عنده كما ذكرناه جل في علاه.
عنوان هذا اللقاء كما قالوا: قاتل ومقتول، وأنا أقول: حوادث على الطريق، فهؤلاء الذين تهوروا في استخدام السيارة قتلوا أنفسهم، وتسببوا في قتل الآخرين، فجنوا على أنفسهم وجنوا على الآخرين، إن هذه السيارة نعمة، لكنها إن لم تستخدم الاستخدام الصحيح انقلبت إلى نقمة، وقس هذا على كثير من الأمور، فالتلفاز نعمة لو استخدمناه الاستخدام الصحيح، لكن اليوم الشاشات والقنوات قلبت التلفاز إلى نقمة في البيوت، فأفسدت ودمرت.
الهاتف نعمة، ففي لحظات تستطيع أن تصل الأرحام في أدنى الأرض وأقصاها، لكن يوم أسيء استخدامه فأصبح سبباً في هدم البيوت.
حديثنا الليلة عن السيارات وحوادث السيارات والاستخدام الخاطئ للسيارات، وما حكم الشرع في أولئك الذين يسيئون استخدامها.
يتكون اللقاء أحبتي من عناصر: بعد الحمد وقبل البداية تحية.
ثم السيارة نعمة أم نقمة؟ ثم أرقام وإحصائيات، ثم ما هي الأسباب؟ ثم حوادث على الطريق: الحادث الأول: حادث قبل العيد، الحادث الثاني: من لم تعلمه المواعظ أدبته الحوادث، الحادث الثالث: في ذمة الله، الحادث الرابع: الملتقى الجنة.
أما بعد: فأهلاً بالصغار والكبار، رجالاً ونساء، وقبل البداية هذه تحية: إذا طلعت شمس النهار فإنها أمارة تسليمي عليكم فسلموا سلام من الرحمن في كل ساعة وروح وريحان وفضل وأنعم على الصحب والإخوان والولد والألى دعوهم بإحسان فجادوا وأنعموا وسائر من للسنة المحضة اقتفى وما زاغ عنها فهو حق مقدم أولئك أتباع النبي وحزبه فلولاهم ما كان في الأرض مسلم ولولاهم كادت تميد بأهلها ولكن رواسيها وأوتادها هم ولولاهم كانت ظلاماً بأهلها ولكن هم فيها بدور وأنجم أولئك أصحابي فحي هلاً بهم وحي هلاً بالطيبين وأنعم
стр. 870
السيارة نعمة أم نقمة ؟
أحبتي! إن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، ومنها هذه السيارات التي نتنقل بها من مكان إلى مكان في يسر وسهولة واطمئنان، قال سبحانه: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٥ - ٨] أي: ويخلق من الوسائل التي يركبها الناس في الجو والبر والبحر، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، ومن هذه الوسائل السيارة التي لا تخفى منافعها الكثيرة، ومصالحها الوفيرة، حتى صارت ضرورة من الضروريات في هذا العصر وفي هذا الزمان، حيث لا يستغنى عنها في قضاء الحوائج، وتحقيق المصالح، فالواجب علينا أن نشكر الله على هذه النعمة، ومن شكرنا له ألا نستخدم هذه النعمة في أغراض سيئة، أو نسيء استعمالها، أو نستعين بها على فعل المعاصي والذنوب، قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀: لقد استعمل بعض الناس هذه السيارة في أغراضه السيئة والوصول إلى مآربه السافلة، فصار يفر بها إلى البراري ليقترف ما تهواه نفسه بعيداً عن أعين الناس، وعن أيدي الإصلاح، وتناسى أن الله يراه في كل مكان، يخرج بعض الناس بعيداً عن البلد ليضيع ما أوجب الله عليه من إقامة الصلاة في وقتها، فهل يصح أن يقال لمثل هذا: إنه شاكر لنعمة الله؟ وهل يصح أن نقول: إنه سالم من عقوبة الله جل في علاه؟ كلا، فهو لم يشكر نعمة الله، ولن يسلم من عقوبة الله إلا أن يرجع إلى الحق والصواب.
السيارة نعمة أم نقمة؟ أحبتي! كم سمعنا عن أولئك الذين ماتوا في حوادث السيارات وهم سكارى، وبعضهم كان يسمع الغناء، وبعضهم كان سائراً إلى أماكن الخنا واللهو والغناء وما يكره الله جل في علاه.
أحبتي! كم تسببت الحوادث في وفيات، وإصابات، وإعاقات! كم خسرنا من شباب! وكم ترملت من نساء وتيتم من أطفال! كل ذلك بسبب الاستخدام الخاطئ للسيارة، وبسبب مخالفة الأنظمة التي وضعت لحماية الجميع.
كم تسبب متهور بسرعته وعدم مبالاته في فقد كثير من الأبرياء! وكم تسببت الحوادث في إعاقات مستديمة لكثير من الناس! قال أحدهم: أصبت في حادث مرور منذ عشرين عاماً بسبب السرعة الزائدة، وكانت الإصابة في ظهري فأدت إلى شلل كامل، وأنا الآن طريح الفراش منذ عشرين سنة، هكذا انقلبت حياتي رأساً على عقب بسبب التهور والسرعة، وبسبب عدم مبالاتي ضاعت أحلامي، وانتهت طموحاتي.
أقول: وهذا مثله كثير، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، فالكيس الفطن هو الذي يعتبر بالآخرين، واعلم بارك الله فيك أنك إن لم تعتبر فستكون في يوم من الأيام عبرة للغادين والرائحين.
стр. 871
أرقام وإحصاءات في حوادث السيارات
اسمع بعضاً من الأرقام والإحصائيات حتى تعلم أن الأمر خطير: هذه إحصائيات الأعوام الماضية عن عدد الحوادث وعدد المصابين والمتوفين في المملكة، ولو أضفنا إليها الإحصائيات التي في قطر وفي دول الخليج لوصل الرقم إلى أرقام خيالية.
في عام ألف وأربعمائة وسبعة عشر كان عدد الحوادث: ١٣٥٧٦٣ حادثاً، وعدد الإصابات: ٢٥٠٧١٨ إصابة، وعدد الوفيات: ٣١٣١ حالة وفاة.
وفي عام ألف وأربعمائة وثمانية عشر بلغ عدد الحوادث: ١٥٣٧٢٧ حادثاً، وعدد الإصابات: ٢٨١٠٤٤ إصابة، وعدد الوفيات: ٣٤٧٤ حالة وفاة والعدد في تزايد مستمر، ففي عام ألف وأربعمائة وتسعة عشر بلغ عدد الحوادث: ٢٦٤٣٢٦ حادثاً، وعدد الوفيات: ٤٢٩٠ حالة وفاة.
وفي عام ألف وأربعمائة وعشرين بلغ عدد الحوادث: ٢٦٧٧٧٢ حادثاً، وعدد الوفيات: ٤٨٤٨ حالة وفاة، ولم أستطع أن أتحصل على إحصائيات الأعوام القريبة، ولكن الذي أعلمه يقيناً أن العدد في ازدياد لا يعلمه إلا الله.
أما لو أضفنا عدد الوفيات في قطر وفي الكويت وباقي دول الخليج لبلغ الرقم أرقاماً خيالية، وأسباب هذه الحوادث السرعة الجنونية، ومخالفة الأنظمة، وقطع الإشارات وغيرها، ومن أعظم أسباب هذه الحوادث تسليم السيارات لصغار السن الذين هم دون سن الرشد، أولئك الذين لا يدركون قيمة السيارة، ولا عظم المسئولية حين ركوبها، كم نرى صغاراً يجوبون الشوارع والطرقات مع أصحاب لهم في سيارات فارهة، ملئوا الشوارع بالتفحيط والمخالفات، وآذوا الناس وتطاولوا على الآخرين.
стр. 872
التفحيط محرقة تحرق زهرة شباب الأمة
من الأشياء التي ابتلي بها كثير من الشباب اليوم (التفحيط) في الشوارع العامة، أو (التطعيس) على الكثبان الرملية في البراري، ولا شك أن فيهما إتلافاً للمال الذي بين أيديهم وهو السيارة، فهؤلاء لم يدفعوا قيمة هذه السيارات؛ لذلك لم يعرفوا قيمتها، لكني لا ألومهم وإنما ألوم الذي أعطاهم ذلك المفتاح حتى يقودوا تلك السيارة؛ لأن كثيراً منهم لا يعلم ماذا يصنع هؤلاء خلف أظهرهم، فكم وقعت من حوادث بسبب هذا (التفحيط) و (التطعيس) ذهب ضحيتها السائق وكثير من أولئك الذين يتفرجون أو بعض الذين ليس لهم علاقة بالأمر لا من قريب ولا من بعيد.
شهدت أحد مواقع التفحيط بعد حادث بدقائق معدودة، فرأيت أسرة كانت تمر بسلام في ذلك الطريق فاعترضها أحد هؤلاء الأشرار وقضى عليها بكاملها، ولم تدر تلك الأسرة من أين أتاها الموت في تلك اللحظة.
فهؤلاء في ذمة من؟ ومن المسئول؟ هل هو الذي قاد السيارة أم ذاك الذي أعطى السيارة لمن لا يعرف ولا يستشعر قيمة المسئولية فقتل نفسه وقتل الآخرين؟
стр. 873
فتاوى العلماء حول حكم التفحيط وخطره على الفرد والمجتمع
بين علماؤنا حفظهم الله حكم (التفحيط) و (التطعيس)، والمفاسد والأضرار على الفرد والمجتمع.
يقول ابن جبرين حفظه الله ومد في عمره موجهاً كلامه للآباء: أربعوا على أنفسكم وتفكروا في العواقب، ولا تتهاونوا بدماء المسلمين، ألا تعلمون أنكم تحملون إثماً كبيراً متى حصل حادث بسبب هذه السيارات التي وليتم قيادتها هؤلاء الشباب الذين هم ليسوا على قدر المسئولية؟! عليكم أن تعتبروا بمن حولكم، وبمن تسمعون خبره من الآباء وأولياء الأمور الذين تساهلوا مع أولادهم.
الثقة مطلوبة، لكن الإفراط في الثقة هو الذي لا نطلبه، الثقة مطلوبة حتى يتربى هؤلاء وهم واثقون بأنفسهم، لكن الثقة المفرطة بغير حسيب ولا رقيب هي التي دمرت الشباب.
فنصيحتنا للآباء: ألا يمكنوا أولادهم من القيادة إلا بعد سن الثامنة عشرة، وأنا أقول: حتى أصحاب الثامنة عشرة لا يعرفون قيمة المسئولية اليوم، فلا نستأمنهم على أرواح الآخرين إلا بعد التمرين والتدريب الطويل، وبعد التأكد من أنهم سيقودونها في تأن وبعد عن التهور والمخاطرة، فعلى كل الآباء التقيد بذلك ليريحوا أولادهم، ويحفظوا فلذات أكبادهم، وليأمن الآخرون من أخطارهم وتعدياتهم، والله أعلم.
وسئل ابن عثيمين ﵀ عن حكم الصعود على الكثبان الرملية المرتفعة وهو ما يعرف بـ (التطعيس)، وهل يعد آثماً من يشاهد ذلك، فضلاً عمن يقود السيارة؟ فأجاب ﵀ بقوله: أولاً: خروج الشباب إلى البر على هذا الوجه ربما يفضي إلى مفاسد، منها: تركهم للجماعات في المساجد، وبعدهم عن الأهل، وإتلاف الأموال؛ لأن السيارات تتلف بمحاولة إجبارها على أن تصعد على الكثبان الرملية، وإذا تضررت كان هذا من إتلاف الأموال، وإتلاف المال لغير مصلحة شرعية دينية أو دنيوية محرم، قال الله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥]، ولقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
ثم قال ﵀: ثم إني أسمع كثيراً من الناس يشكون من هذه السيارات، حيث إنها تفسد الأرض والنبات، ومعلوم أنه إذا كثر تردد السيارات على أرض بعينها فإنها تتلف، وتموت زروعها ومواشيها، وإذا تبين أن مثل هذا العمل مضيعة للمال، وقد يكون سبباً لأمور محظورة، فيكون تشجيعه والخروج له والتفرج عليه محرماً.
إذاً: الذي يقود يأثم، والذين يجتمعون هناك ليتفرجوا هم أيضاً آثمون؛ لأن فعلهم فيه إقرار للمحرم، ومساعدة عليه، وهؤلاء ما تجمعوا هنا إلا لإظهار مهاراتهم لهؤلاء الذين تجمهروا من حولهم، والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
стр. 874
اعتراف شاب مفحط على كرسي الإعاقة
اسمع هذا الخبر وقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، يقول أحد ضحايا التفحيط: أنا شاب أبلغ من العمر ثلاثين سنة أمضيت تسع سنوات منها على كرسي الإعاقة، والسبب هو التفحيط، فقد كنت أتباهى بمقدرتي وبراعتي في قيادة السيارة، وبينما كنت أفحط في يوم من الأيام أمام إحدى المدارس، سقطت سيجارتي من يدي فوقعت على قدمي، وعندها اختل توازني فاصطدمت سيارتي بعمود كهرباء وحصل ما حصل، فأحذر الشباب من خطورة التفحيط الذي جنيت عاقبته بإحراق زهرة شبابي، ولن ينفعني إلا رحمة الله.
أقول: وهذا مثله كثير، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].
стр. 875
حوادث على الطريق
стр. 876
حادث قبل العيد
أذكر هنا حوادث على الطريق، الهدف من ذكرها العبرة والاعتبار لا التسلية والإخبار.
أول هذه الحوادث بعنوان: (حادث قبل العيد) يقول صاحب القصة: أيام العشر الأواخر من رمضان بدأت تنقضي، والعيد أصبح قاب قوسين أو أدنى، لا أعرف أين سنذهب أنا وصديق الطفولة، ولكن كالعادة الجزء الأكبر من وقتنا نقضيه في جولات بين الأسواق والتجمعات والشوارع، وحين استقريت على مقعد السيارة بجوار عبد الرحمن سألني: هل جهزت ثوباً جديداً تستقبل به العيد؟ قلت له: لا، قال: ما رأيك أن نذهب إلى الخياط الآن، سألته متعجباً وأنا أهز رأسي: بقي ثلاثة أيام أو أربعة على العيد، أين نجد الخياط الذي يسابق العيد ويختصر الأيام، فلم يجبني، وإنما انطلق بسيارته بسرعة مجنونة كأنه يسابق الزمن حتى توقف أمام محل للخياطة الرجالية، سلم صاحبي على الخياط بحرارة فهو يعرفه تمام المعرفة، ثم قال له: نريد أن نفرح بالعيد، ونلبس الجديد، ضحك الرجل وأجاب وهو يربت على كتف عبد الرحمن: يا عبد الرحمن! ألا تعلم كم بقي على العيد؟ لماذا لم تأت مبكراً؟ أجاب عبد الرحمن وهو يهز يده بحركة لها معنى: سنزيدك في الأجرة، المهم أن ينتهي قبل العيد، ثم أعاد عليه: المهم أن ينتهي قبل العيد.
يقول: وبينما أنا أرقب المفاوضات الشاقة إذا بصاحبي يدفع جزءاً من الثمن وهو يردد قائلاً للخياط: لا تنس الموعد، بعد غد إن شاء الله نريد أن نلبس الجديد.
يقول: ثم انصرفنا بسيارتنا نجوب الشوارع بلا هدف حتى قبيل الفجر ونحن لاهون ساهون غافلون، مضت الليلة كاملة ولم نذكر الله فيها ولا مرة واحدة، وربما كانت ليلة القدر ونحن لا نشعر، حياة لا طعم لها، سعادة لا مذاق لها.
يقول: ولجنا من المعاصي كل باب، وهتكنا منها كل حجاب، تفحيط بالليل وتطعيس بالنهار، وحسبنا أن الأمر يمضي دون حساب، إظهار للسرور والسعادة، وضحكات تملأ المكان، ولكن -وضع تحت لكن عدة خطوط- في القلب هم وغم لا يعلمه إلا الله، والنفس تحترق بألم وحسرات وهي لا تدري كيف الهرب من هذا الألم وهذا الضيق، افترقنا قبيل الفجر يجمعنا الليل والسهر والعبث، نلتقي على المعاصي وتجمعنا الذنوب، نوم طويل يمتد من الفجر حتى العصر، صيام بلا صلاة، وصلاة بلا قلب، ساعة الصيام الوحيدة التي أستيقظ فيها هي قبيل المغرب، كانت أيام الصيام عبارة عن أيام عادية أقطعها بالمكالمات الهاتفية العابثة وبقراءة الصحف والمجلات، متتبعاً أخبار الفنانين والفنانات، وغيري يختم القرآن مرات ومرات، وذات مرة بينما أنا أنتظر موعد أذان المغرب، جاءتني مكالمة هاتفية من أحد الأصدقاء، وكان صوته متغيراً فقال: أما علمت أن عبد الرحمن مريض؟ قلت: لا، مساء البارحة كان بصحة وعافية، قال: إنه مريض، أدرك صاحبك! انتهت المكالمة، والأمر بالنسبة لي لا يعدو عن أن يكون معلومة غير صحيحة، وبينما كان المؤذن يرفع أذان العشاء إذا بصوت جرس الهاتف ينطلق مرة ثانية، رفعت السماعة فإذا به الشقيق الأكبر لـ عبد الرحمن، قلت في نفسي: ماذا يريد؟! أكيد أنه سيلومني وسيؤنبني على ما نفعله أنا وعبد الرحمن طوال الليل، أو أن أحداً أخبره بزلة من زلاتنا أو سقطة من سقطاتنا، لكن أتى صوته منهكاً مجهداً وعبراته تقطع حديثه، أخبرني بالخبر، قال: مات عبد الرحمن! بهت ولم أصدق، لا زال صوته يرن في أذني كأني أراه! كيف مات؟ من غير المعقول أنه مات بالأمس، ليلة البارحة افترقنا أنا وإياه وهو في أتم الصحة والعافية، قال أخوه: بينما هو منطلق إلى المنزل ليلة البارحة بسرعته الجنونية ارتطم بسيارة أخرى عند أحد التقاطعات فمات كل من في السيارة الأخرى، وحمل هو إلى المستشفى ولكنه فارق الحياة ظهر هذا اليوم.
يقول راوي القصة: أذني لا تصدق ما تسمع، لا أزال أراه أمامي نعم أمامي! بل اليوم كان موعدنا لنذهب إلى السوق الفلاني، وغداً موعدنا لنأخذ ثياب العيد، أيقظني صوت شقيق عبد الرحمن من غفوتي وهز جوانحي وأزال غشاوة كانت على عيني عندما قال: سنصلي عليه الظهر غداً، أخبر زملاءك.
انتهى الحديث بيني وبينه، وتأكدت أن الأمر جد لا هزل فيه، وأن أيام عبد الرحمن قد انقضت، آمنت بأن الموت حق، وأن موعدنا غداً هناك في المقبرة لا عند الخياط، لقد كان يتمنى أن يلبس ثوب العيد فتركه ولبس كفناً جديداً، تسمرت في مكاني، وأصبت بتشتت في ذهني ودوار في رأسي، فقررت أن أذهب إلى منزل عبد الرحمن لأستطلع الخبر وأستوضح الفاجعة، عندما ركبت سيارتي فإذا بشريط غناء في جهاز التسجيل، هذا هو الغناء الذي أفسد قلوبنا! ورباها على النفاق وجعلها أقسى من الحجارة! أخرجت الشريط فانبعث صوت إمام الحرم، من المذياع يعطر المكان بخشوعه وحلاوته، أنصت بكل جوارحي وكأنني أسمع هذا الكلام لأول مرة، وكأن الدنيا انقلبت، والقيامة قامت والناس تغيرت، أوقفت سيارتي على جانب الطريق أستمع إلى قراءة القرآن من الحرم، وكأني أسمع القرآن لأول مرة في حياتي، وعندما بدأ دعاء القنوت كانت دمعتي أسرع من صوت الإمام، فرفعت يدي لتستقبل تلك الدموع، يا الله ما أجمل الدعاء! وما أجمل الخضوع والخشوع واللجوء إلى الله! أخذ قلبي يردد صدى تلك العبرات، وبارقة أمل أقبلت خلف تلك الدموع أعلنتها توبة صادقة، بدأتها بصحبة طيبة ورفقة صالحة، ودعنا عبد الرحمن في اليوم التالي، وانطلقت أنا في طريق الهداية مع رفقة صالحة، أولئك الذين تركتهم بالأمس هم أحب الناس إلي اليوم من تطاولت عليهم بالأمس هم أنفع الناس في عيني اليوم من استهزأت بهم بالأمس هم أكرم الناس عندي اليوم، كنت على شفا جرف هار ولكن الله رحمني مع الرفقة الصالحة، هدأت نفسي، وأطلت علي السعادة التي كنت أبحث عنها ولا أعرفها، وأصبحت أشعر بانشراح في الصدر، وظهرت على وجهي أماراة سكينة ووقار زينتها تلك اللحية الجميلة التي بدأت تنمو وتكبر على وجهي، يا ألله ما أجمل السنة وما أجمل الاتباع! بعد يومين فاجأت الخياط وسألته عن ثوبي، سأل عن عبد الرحمن، قلت: عبد الرحمن مات، أعاد الاسم مرة ثم مرة، قلت له: عبد الرحمن مات، فبدأ يصف لي عبد الرحمن، ويصف لي سيارته، وكلامه، قلت له: نعم هذا هو، ولكنه مات، عندها أراني ثوبه، فبدأت أسترجع الذكريات ولسان حالي: هل حقاً مات؟ هذا ثوبي بجوار ثوبه، ومقعدي في السيارة بجوار مقعده، ولكن بقي لي أجل وعمر لعلي أستدرك ما فات، فحمدت الله على التوبة والرجوع والأوبة.
ولكن بقي لنا إخوة كثر مثل عبد الرحمن يعيشون في غفلة، ولا تزال الغشاوة على أعينهم، ولا يزال يعلو قلوبهم ران المعصية، فهل نتركهم يموتون كما مات عبد الرحمن؟ عبد الرحمن ذاك الذي كان يؤمل أن يلبس ثياب العيد، فلبس بدلاً عنه الأكفان، كيف نتركهم وأمامهم قبر ونار وعذاب؟! كيف نتركهم وأمامهم وأهوال صعاب؟ لن نتركهم وقد هدانا الله، بيننا وبينهم كتاب وشريط ونصيحة صادقة، اللهم ارحم عبد الرحمن برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 877
من لم تعلمه المواعظ أدبته الحوادث
يقول صاحب القصة: كنت شاباً غافلاً بعيداً عن الله غارقاً في لجج المعاصي والآثام، فلما أراد الله لي الهداية قدر لي حادثاً أعاد إلي رشدي وصوابي، ففي يوم من الأيام -وبعد أن قضينا أياماً جميلة في نزهة عائلية في مدينة الدمام- انطلقت بسيارتي عبر الطريق السريع بين الدمام والرياض ومعي أخواتي الثلاث، وكن في مقتبل العمر كالورود والأزهار، وبدل أن أدعو بدعاء السفر المأثور استفزني الشيطان بصوته وأجلب علي بخيله ورجله، وزين لي سماع لهو الحديث المحرم؛ لأظل ساهياً غافلاً عن الله، لم أكن حينئذ أحرص على سماع إذاعة القرآن أو الأشرطة الإسلامية النافعة للمشايخ والأئمة والعلماء؛ لأن الحق والباطل لا يجتمعان في مكان واحد وكما قيل: حب الكتاب وحب ألحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان إحدى أخواتي كانت صالحة مؤمنة ذاكرة لله حافظة لحدوده - نحسبها كذلك والله حسيبها- طلبت مني أن أسكت صوت الباطل، وأن أستمع إلى صوت الحق، ولكن أنى لي أن أستجيب وقد استحوذ علي الشيطان وملك علي جوارحي وفؤادي فأخذتني العزة بالإثم؟! رفضت طلبها، وقد شاركني في ذلك أختاي الآخرتان، فقد كانتا غافلتين كحالي، كررت أختي المؤمنة طلبها فازددت عناداً وإصراراً، وأخذنا نستهزئ بها ونسخر منها، وقلت لها: إن أعجبك الحال وإلا أنزلتك على قارعة الطريق، فسكتت على مضض، وقد كرهت هذا العمل بقلبها بعد أن أنكرته بلسانها وأدت ما عليها، والله سبحانه يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وفجأة وبقدر سبق من الله انفجرت إحدى عجلات السيارة ونحن نسير بسرعة شديدة فانحرفت السيارة عن الطريق وهوت في منحدر جانبي وأصبحت رأساً على عقب بعد أن انقلبت عدة مرات، صرنا في حال لا يعلمها إلا الله العلي العظيم، اجتمع الناس حول سيارتنا المنكوبة، وقام أهل الخير بإخراجنا من بين الحطام والزجاج المتناثر، ولكن ما الذي حدث؟ لقد خرجنا جميعاً سالمين، إلا من بعض الإصابات البسيطة، ما عدا أختي الصالحة الصابرة الطيبة فقد أصيبت إصابات بالغة وماتت من حينها، لقد ماتت أختي الحبيبة التي كنا نستهزئ بها، واختارها الله إلى جواره، وإني لأرجو أن تكون في عداد الشهداء الأبرار، وأسأل الله أن يرفع منزلتها، ويعلي مكانها في جنات النعيم، أما أنا فقد بكيت على نفسي قبل أن أبكي على أختي، وانكشف عني الغطاء فأبصرت حقيقة نفسي وما كنت فيه من الغفلة والضياع، وعلمت أن الله قد أراد بي خيراً، وكتب لي عمراً جديداً لأبدأ حياة جديدة ملؤها الإيمان والعمل الصالح.
أما أختي الحبيبة فلا تكاد تغيب عن مخيلتي، أراها في كل حين، وأتخيلها وأذرف دموع الحزن والندم، فكم وجهت لنا تلك النصائح، وكم دعت لنا تلك الدعوات، لقد كان موتها سبباً لاستيقاظي وانتباهي من غفلتي، أتذكر تلك الذنوب والمعاصي وأتساءل في نفسي: هل سيغفر الله لي؟ فأجد الجواب في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
هذه نصيحتي للغافلين والمدبرين والمعرضين عن الصراط المستقيم، أقول: من لم تعلمه المواعظ أدبته الحوادث، أفيقوا من غفلتكم، وخذوا من غيركم العبرة، قبل أن تكونوا لغيركم عبرة، والكيس من اعتبر بغيره، قبل أن يكون عبرة للآخرين.
стр. 878
احفظ الله يحفظك
يقول عبد الله راوي هذه القصة: في ضحى أحد الأيام وحين كانت درجة حرارة الجو عالية انطلقت أنا وزميل لي إلى منطقة بعيدة في مهمة عمل، وكان صاحبي يتولى القيادة، وكنت بجانبه بين نائم ويقظان، وكنت أثناء ذلك أنبهه إلى عدم تجاوز السرعة المحددة، وكنا نستمع إلى شريط لأحد المشايخ، وكان يتكلم فيه عن الجنة ونعيمها، وقبل وصولنا إلى تلك المنطقة حدث ما لم يكن على البال ولا في الحسبان، انفجر الإطار الخلفي لسيارتنا من شدة الحرارة، وسبب انفجاره صوتاً عالياً مما أربك صاحبي وأفقده السيطرة تماماً على السيارة التي أخذت تسير بنا كسفينة بلا ربان تتقاذفها الأمواج، ازداد الموقف شدة وسوءاً حين اتجهت سيارتنا إلى الطريق المعاكس، وأخذت تتجه نحو شاحنة أقبلت علينا بسرعة عظيمة، لم يبق على الموت إلا لحظات، حينها مرت بخاطري أمور وذكريات استرجعت بها شريط الحياة، فتذكرت أمي التي ودعتها في الصباح على أن أرجع إليها في المساء، وقلت في نفسي: كيف سيكون حالها وهي تتلقى الخبر؟ مر بي شريط حياتي الماضية في لحظات، أخذت أردد: باسم الله لا إله إلا الله الله أكبر ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] اللهم هون علينا الموت وسكراته، وأثناء ذلك أغمضت عيني بانتظار الاصطدام وبانتظار الموت، ثم فتحت عيني فإذا بسيارتنا قد مرت من أمام الشاحنة التي لم يكن بيننا وبينها إلا خطوات، ثم سقطت سيارتنا في حفرة على جانب الطريق، وساد السيارة صمت قطعه أصوات الذين اجتمعوا حول سيارتنا، نزلت من السيارة وأنا أردد: الحمد لله الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، والله ما كان بيننا وبين الموت إلا لحظات، أما صاحبي فلم يستطع النزول من السيارة وانكب على وجهه باكياً من شدة الموقف، وأنا أهدئ من روعه، وبينما نحن على هذه الحال أقبل علينا شيخان كبيران تزينهما لحى بيضاء وثياب قصيرة فأخذوا يقبلاننا ويهنئاننا ويحمدان الله على سلامتنا، ثم قال لنا أحدهما كلمات سأظل أذكرها أبداً ما حييت، قال: كنا خلفكم ورأينا كيف مالت بكم السيارة يميناً ويساراً، ورأينا مروركما من أمام الشاحنة ونجاتكما من الموت بأعجوبة، ولا أقول إلا: إنكما كنتما في حفظ الله ورعايته، وإنكما صليتما الفجر في جماعة فكنتما في ذمة الله، يقول عبد الله: قلت في نفسي: الحمد لله، فأنا منذ سنوات طوال وأنا أحافظ على جميع الصلوات في المسجد، وصلاة الفجر خاصة، كم أشعر بالأمن والأمان والراحة والاطمئنان، كيف لا وهي حفظ من الله وضمان، ثم سألت صاحبي: أين صليت الفجر اليوم؟ فلم يستطع الإجابة، وإنما توجه إلى خلف السيارة وتوضأ ثم بدأ يصلي.
سبحان الله! لم يبق على صلاة الظهر إلا وقت يسير، وصاحبي لم يصل الصبح إلى الآن، أي حياة هذه؟! أسألكم بالله كيف سيكون حاله لو فارق الحياة في تلك اللحظة؟ وفي ذمة من سيكون؟ إن صلاة الفجر تشتكي هجراً ومقاطعة من شباب المسلمين وشيبهم ونسائهم وأطفالهم، إنك لتحزن أشد الحزن على حال الأمة وهي تمر في أحلك الظروف وأشد المواقف، وإلى الآن لم ترجع إلى ربها، ولم تراجع حساباتها! لي فيك يا ليل آهات أرددها أواه لو أجدت المحزون أواه أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٣]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٩].
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا واغفر أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة وما سقطنا لأن الحافظ الله
стр. 879
المحافظة على الصلوات سبب في حفظ الله للعبد
أبشر يا من حافظت على صلاة الفجر وباقي الصلوات، فأنت في ذمة الله حين تغدو وحين تروح، قال ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح)، قال أهل العلم: (في ذمة الله) يعني: في حفظ الله ورعايته، وقالوا: إذا مات من يومه دخل الجنة، قال ﷺ : (من صلى البردين دخل الجنة)، والبردان: الصبح والعصر.
أبشر يا من صليت الفجر وباقي الصلوات في المسجد بالنور التام يوم القيامة، قال ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، وما أدراك ما يوم القيامة! قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٢ - ١٤].
فاعلم بارك الله فيك أن من أعظم صفات المنافقين التخلف عن الصلوات، وصلاة الفجر خاصة.
جاء في الحديث المتفق عليه من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته)، لكن هناك الثمن إذا أردت أن ترى وجه الحي القيوم فإن هناك ثمناً لذلك قال: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا)، الثمن هو أن تصلي الفجر مع الجماعة، وتصلي باقي الصلوات مع المسلمين، وتنتظم في صفوف المصلين، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
فبينما هم في عيشهم وسرورهم وأرزاقهم تجري عليهم وتختم إذا هم بنور ساطع أشرقت له بأقطارها الجنات لا يتوهم تجلى لهم رب السماوات جهرة فيضحك فوق العرش ثم يكلم سلام عليكم يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمه إذ يسلم يقول سلوني ما اشتهيتم فكل ما تريدون عندي إنني أنا أرحم فقالوا جميعاً نحن نسألك الرضا فأنت الذي تولي الجميل وترحم فيعطيهم هذا ويشهد جميعهم عليه تعالى الله فالله أكرم فيا بائعاً هذا ببخس معجل كأنك لا تدري بلى سوف تعلم فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.
стр. 880
رسالة إلى من ضيع الصلاة
إليك يا من آثرت نومك على طاعة ربك أرسل إليك رسالة: أترضى أن تتصف بصفات المنافقين، قال ﷺ : (أثقل الصلوات على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) رواه أحمد.
وقال الله عنهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤٢ - ١٤٣].
أفترضى أيها المتخلف عن الصلوات أن تكون مثل هؤلاء؟ (سئل ﷺ عن رجل نام حتى أصبح، فقال -بأبي هو وأمي-: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)، أترضى أن يكون هذا حالك كل يوم؟! إذا استيقظت وفاتتك الصلاة وقد صلى المصلون، وأشرقت الشمس وكنت مع المتخلفين، وقد بال الشيطان في أذنيك؛ فاغسل أذنيك سبعاً، ستاً بالماء وواحدة بالتراب.
اسمع بارك الله فيك هذا الوعيد الشديد لمن ينام عن صلاة الفجر أو صلاة العصر أو أي صلاة، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع -وفي رواية: ملقى على قفاه- وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يعود رأسه كما كان، ثم يعود فيفعل به مثلما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذا؟! قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على مثل التنور -قال الراوي: أحسب أنه قال- فإذا فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا -أي: علت أصواتهم وصاحوا من الألم- قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذا؟! قالا: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على نهر -قال الراوي: حسبت أنه قال- مثل الدم، وإذا في النهر رجل يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا بذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي إلى ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه -أي: يفتح فمه- فيلقمه حجراً فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، وكلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً، قلت: سبحان الله ما هذا؟ قالا: انطلق انطلق) إلى أن قال في آخر الحديث: (قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟! قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن وينام عن الصلاة المكتوبة -وهذا ينطبق على المرأة التي تفعل مثل ذلك العمل-، أما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور فهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في نهر من الدم ويلقم بالحجر فإنه آكل الربا)، قد كفانا الله بحلاله عن حرامه، فاتق الله اتق الله يا من تنام عن الصلوات! اتق الله يا من تعاقر الزنا والمومسات! اتق الله يا من تأكل الأموال الربوية! أيها اللاهي بلا أدنى وجل اتق الله الذي قال : ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦].
فإلى متى الغفلة؟ إلى متى هذا الضياع؟ فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قليل ستندم أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم وبالسنة الغراء كن متمسكاً هي العروة الوثقى التي ليس تفصم وهيئ جواباً عندما تسمع الندا من الله يوم العرض ماذا أجبتم به رسلي لما أتوكم فمن يجب سواهم سيخزى عند ذاك ويندم وخذ من تقى الرحمن أعظم جنة ليوم به تبدو عياناً جهنم وينصب ذاك الجسر من فوق متنها فهاو ومخدوش وناج مسلم ويأتي إله العالمين لوعده فيفصل ما بين العباد ويحكم فيا ليت شعري كيف حالك عندما تطاير كتب العالمين وتقسم فبادر إذاً ما دام في العمر فسحة وعدلك مقبول وصرفك قيم
следующие страницы →