Полный текст (933 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
حكم قضاء الصلاة ممن تركها كسلاً
السؤال
تقول امرأة: تركت الصلاة لسنوات كثيرة كسلاً وعدم تعود، وعدت إلى الله وواظبت على صلاتي، ماذا أفعل فيما فاتني، مع العلم أنني أم لخمسة أطفال، وأجد صعوبة في القضاء؟
الجواب
يا أمة الله! أسأل الله أن يتوب علينا أجمعين، الصلاة دين، ومن شروط صحة التوبة أداء الحقوق، سواء كانت حقوقاً لله أو حقوقاً للعباد، والصلاة حق الله، فمن تاب وجب عليه القضاء على حسب الطاقة، فلا تشتغلي بنافلة، ولا بتطوع وإنما اشتغلي بالقضاء، مع كل فرض صلي فرضاً أو فرضين، إلى أن يغلب على الظن أنه قد تم الأمر.
стр. 107
تفسير كلمة الشفع والوتر
السؤال
ما هو الشفع؟ وهل هو ركعتان قبل الوتر؟
الجواب
الشفع: هو الزوج، والوتر: هو الفرد، فالثلاثة كلها وتر، لكن لئلا نشبهها بصلاة المغرب نصلي ركعتين ونسلم، ومن ثم نصلي ركعة، ويمكن نصلي الثلاث متصلة بتشهد واحد.
стр. 108
الطلاق الشرعي والطلاق البدعي
السؤال
ما معنى قول العلماء: الطلاق الشرعي هو أن تطلق المرأة في طهر لا تمسها فيه؟ وهل من جامع امرأته بالليل، ثم طلقها في الصباح لا يقع طلاقه؟
الجواب
من جامع امرأته في الليل ثم طلقها في الصباح وقع طلاقه وهو آثم؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يطلق امرأته وهي حائض، ولا يجوز أن يطلق امرأته وهي نفساء، ولا يجوز أن يطلقها في طهر قد مسها فيه، بل تنتظر إلى أن تطهر، وبعد ذلك إن شئت طلق وإن شئت أمسك.
والغرض من هذا أمرين: الأمر الأول: تأخير الطلاق وتأجيله، بحيث أن الإنسان يتروى ويفكر.
الأمر الثاني: هو عدم إطالة مدة العدة، يعني: لو طلقت امرأة وهي حائض فهذه مشكلة؛ لأن الحيض لا يعتد به، وإنما العدة بالأقراء التي هي الأطهار، قال : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].
стр. 109
لباب النقول في أسباب النزول [٥]
اليهود هم من كذب رسل الله وجحدوا آياته، وآذوا أنبياء الله وأولياءه، وفي القرآن الكريم عدد كثير من الآيات التي تذكر أوصافهم وتبين لؤم طباعهم وخسة نفوسهم، فهم الذين حرفوا صفة رسول الله ﷺ في التوراة من جملة ما حرفوه، وهم المفترون على الله تعالى بأنه لن يذيقهم النار إلا أياماً معدودةً، وهم الجاحدون لرسالة محمد ﷺ بعد أن كانوا يستفتحون به على مشركي العرب، وهم الذين أعلنوا عداوتهم لأمين الوحي جبريل ﵇ ولي الأنبياء، فأي خير يرتجى ممن هذه أفعالهم وهذه طبائعهم؟!
стр. 110
سبب نزول قوله تعالى: (وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)
الآية السادسة والسبعون من سورة البقرة قول الله : ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٦].
سبب نزول هذه الآية كما أخرج ابن جرير عن مجاهد ﵀ قال: (قام النبي ﷺ تحت حصونهم يوم قريظة فقال: يا إخوان القردة، ويا إخوان الخنازير، ويا عبدة الطاغوت.
فقالوا -أي: قال اليهود بعضهم لبعض-: من أخبر بهذا محمداً؟! ما خرج هذا إلا منكم، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليكون لهم حجة عليكم).
فاليهود مسخ الله طائفة منهم قردة؛ لأنهم مسخوا شرع الله ، فالله حرم عليهم الصيد في يوم السبت؛ ثم ابتلاهم بأنه كان في يوم السبت تأتيهم حيتانهم شرعاً، أي: منع الصيد فكثرت الحيتان، وكانت ترفع رءوسها تتراءى لهم، ثم في يوم الأحد كانت هذه الحيتان تختفي، فاليهود ما صبروا طويلاً، بل لجئوا إلى الحيلة، فكما يخادعون البشر أرادوا أن يخدعوا رب العالمين ﷻ ، فكانوا يأتون بالشباك، ويأتون بالحبل الطويل الذي ربط فيه الطوق، ويربطون طرفه بوتد على الشاطئ، وفي يوم السبت الذي حرم فيه الصيد كانوا إذا جاءت الحيتان رموا هذا الطوق لأنه مربوط على الشاطئ، ثم إذا غربت شمس السبت جروه وسحبوه وهم يضحكون، ويقولون: ما صدنا يوم السبت، فلما مسخوا شرع الله مسخهم الله قردة وخنازير، هذه القصة كان اليهود يخفونها، بحيث لم يعرفها أحد، والله قد قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة:١٥]، فالرسول ﷺ لما حصلت خيانة اليهود يوم قريظة، ومالئوا الكفار من قريش وتميم وغطفان، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥] رجع إلى بيته، فخلع لأمته ووضع سلاحه، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! أو قد وضعت السلاح؟! فقال: نعم، قال له: فإن الملائكة لم تضع أسلحتها، وإني ذاهب إلى قريظة فمزلزل بهم الأرض فاتبعني.
فقال الرسول ﷺ لأصحابه: (من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة) وخرج بنفسه ﵊، وأول ما وصل إلى حصونهم خاطبهم بهذا الكلام فقال: (يا إخوان القردة، يا إخوان الخنازير، يا عبدة الطاغوت) فهنا اليهود استغربوا، كيف عرف محمد ﷺ هذه المعلومات الخطيرة، فقال بعضهم لبعض: ما خرج هذا إلا منكم، ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٦]، قال الله : ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة:٧٧] وهل تخفى على الله خافية في الأرض أو في السماء؟!
стр. 111
سبب نزول قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)
الآية التاسعة والسبعون قول الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة:٧٩].
أخرج النسائي عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت في أحبار اليهود؛ وجدوا صفة رسول الله ﷺ مكتوبة في التوراة: أكحل، أعين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه.
كما قال الله : ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وجدوا صفته في التوراة ﵊ بأنه أكحل، أي: يبدو وكأن عينيه قد كحلتا بينما هو لم يكحلهما، وبعض الناس إلى الآن تجده بهذه الصفة، بحيث يبدو وكأن في عينيه كحلاً، فالرسول ﷺ كان أكحل، أعين، أي: واسع العينين، وكان ربعة، أي: ليس بالطويل ولا بالقصير، وكان جعد الشعر، أي: ما كان ﷺ سبط الشعر، فبعض الناس شعره ناعم، بحيث لو سجد ينزل شعره، فالرسول ﷺ ما كان هكذا، ما كان شعره سبطاً، ولا كان شديد الجعودة، وإنما كان شعره ﷺ ناعماً لكن دون أن يكون سبطاً، وكان حسن الوجه، فاليهود وجدوا هذه الصفات منطبقة على الرسول ﷺ ، فمسحوها وغيروها، وقالوا: نجده طويلاً، أزرق، سبط الشعر.
وذلك لكي لا تنطبق على النبي ﷺ بحال من الأحوال، فالله قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]، وفي آل عمران قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ومَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٧٨].
стр. 112
سبب نزول قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة)
الآية الثمانون قول الله : ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [آل عمران:٨٠] فاليهود أصحاب تناقض، فمرة قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] وفي مرة أخرى قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة:١١١]، وهنا قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] وهذه من المعلومات المغلوطة المكذوبة.
وقد أخرج الطبراني وابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة واليهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس بكل ألف يوماً)، وهذا كله كذب، فمن أين لهم أن الدنيا سبعة آلاف سنة والله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف:١٨٧]؟! فاليهود قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً من أيام الآخرة، فإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب.
كما قال سبحانه في سورة آل عمران عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات﴾ [آل عمران:٨٠] فهذه هي دعوى اليهود قاتلهم الله.
стр. 113
سبب نزول قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم)
الآية التاسعة والثمانون: قول الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩].
سبب نزول هذه الآية أن اليهود حاربت غطفان، فقهرتهم غطفان، فقالت اليهود في تلك المعركة: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم.
وكانوا كذلك يستفتحون على الأوس والخزرج، يقولون لهم: إن نبياً قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم.
ولما بعث رسول الله ﷺ ، وقال الأنصار بعضهم لبعض: إنه النبي الذي تتوعدكم به يهود، فأسلم الأوس والخزرج وكفر اليهود، وقد قال معاذ بن جبل وبشر بن البراء: يا معشر يهود! اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته! فقال لهم سلام بن مشكم أحد أحبار اليهود: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم.
وهكذا اليهود يلعبون بدين الله .
стр. 114
سبب نزول قوله تعالى: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله)
الآية الرابعة والتسعون قول الله مخاطباً اليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٩٤].
أخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، فأنزل الله هذه الآية، أي إن كنتم صادقين في أن الجنة خالصة لكم ومحرمة على غيركم فتمنوا الموت.
والآن لو أن الواحد منا يضمن أنه إن مات فسيدخل الجنة فهل ستبقى له إرادة في الدنيا؟! لا؛ لأنه لا يوجد ضمان، ولذلك قال الرسول ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت)؛ لأنك لا تعرف، ولذلك تجد بعض الجهال إذا ضاقت به الدنيا يقول: يا رب! أرحني بالموت! وما أدراك أنه سيريحك؟ ربما إذا مت يكون ذلك بداية العذاب والنكال، لكن الرسول ﷺ عندما خير بين الخلد في الدنيا وبين لقاء الله اختار لقاء الله ﵊.
فاليهود قال الله لهم: إن كنتم صادقين فتمنوا الموت الآن، قال الله : ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥]؛ لأنهم يعرفون أن صحيفتهم سوداء ملطخة بالعار والشنار، لذلك لن يتمنوا الموت، وهذا من تحدي القرآن، وقد كان يمكن اليهود أن يأتوا إلى الرسول ﷺ ، فيقولون له: يا محمد! قد زعمت أن الله أنزل عليك أننا لن نتمنى الموت، وها نحن نتمناه -ويرفعون أيديهم-: اللهم إنا نسألك أن تميتنا الآن.
فلو أن القرآن كان من عند غير الله لكان يمكن اليهود أن يفعلوا ذلك، لكن القرآن كلام الله، فلذلك ما جاءوا، قال الله : ((وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا)) يعني: ليس الآن فقط، بل الآن وغداً وبعد ألف سنة، وقد قال الله تعالى عنهم: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة:٩٦] قالوا: ليس المقصود الألف بعددها، وإنما المقصود التكثير، وإلا فإن الواحد منهم يتمنى لو يعمر عشرة آلاف سنة ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة:٩٦].
стр. 115
سبب نزول قوله تعالى: (قل من كان عدواً لجبريل)
الآية السابعة والتسعون: قول الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٩٧].
سبب نزول هذه الآية ما رواه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ (أن بعض أحبار اليهود جاءوا إلى الرسول ﷺ فقالوا له: يا محمد! نسألك عن أربع خصال فإن أجبتنا فأنت نبي)، وكان الرسول ﷺ قد جرب فيما مضى أن أجابهم ثم جحدوا، (فقال لهم: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى إن أنا أجبتكم لتؤمنن بي ولتتابعنني على ديني؟! فأعطوه عهد الله وميثاقه، فقال: سلوا عما بدا لكم، فقالوا له: ما كان الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا عن ماء الرجل وماء المرأة، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، فقال لهم: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن نبي الله يعقوب ﵇ كان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فمرض فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه على نفسه؟! قالوا: بلى.
قال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر؟! قالوا: بلى.
قال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أنه إذا سبق ماء الرجل أذكر بإذن الله، وإذا سبق ماء المرأة آنث بإذن الله؟ قالوا: بلى.
فقالوا له: أخبرنا: من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك؟ فقال: إن وليي جبريل، فقالوا: جبريل ذاك عدونا، لو كان غيره لاتبعناك)، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨]، وقال لهم النبي ﷺ : (ما بعث الله نبياً إلا وهو وليه) فأي نبي من الأنبياء جبريل وليه عليه صلاة الله وسلامه.
стр. 116
لباب النقول في أسباب النزول [٦]
لليهود -عليهم لعائن الله- مواقفهم الكفرية مع الإسلام ورسوله وشريعته، فقد جاءهم النبي ﷺ بالآيات البينات فما وجد منهم إلا الإنكار والجحود، ولقد اقترحوا الآيات بأهوائهم تعنتاً لا طلباً للتصديق، وكفروا بعيسى ﵇ وكذبوا إنجيله، ووصل بهم العناد والشقاق والكذب والبهتان إلى أن اتهموا سليمان ﵇ بالسحر، فهؤلاء هم أشقياء الخلق الذين خابوا وخسروا في الدنيا والآخرة.
стр. 117
سبب نزول قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون)
الآية التاسعة والتسعون من سورة البقرة: قول الله : ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة:٩٩].
سبب نزولها ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: (قال ابن صوريا للنبي ﷺ : يا محمد! ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة، فأنزل الله في ذلك: ((وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)) [البقرة:٩٩]).
والآيات: جمع آية، وهي العلامة، ومنه قول الله : ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة:٢٤٨]، فقوله تعالى: ((إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ)) بمعنى: علامة ملكه.
وآيات الرسل صلوات الله وسلامه عليهم هي المعجزات التي أيدهم الله بها، كما قال ربنا سبحانه عن موسى ﵇: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١] وهي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات، وعيسى ﵇ آتاه الله آيات، منها أنه تكلم في المهد صبياً، وأنه كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وكان يحيي الموتى بإذن الله، وكان ينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم.
وسيدنا محمد ﷺ آتاه الله من الآيات مثلما آتى الأنبياء قبله، فكان ﵊ يبرئ المريض، وكان مجاب الدعوة، وكان يخبر عن المغيبات مما علمه الله ، وكان ﵊ يخاطب الحيوانات، بل كان ﷺ يخاطب الشجر، وكان الحجر يسلم عليه، كما في الحديث: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي) ولما جاءه الأعرابي فقال: من أنت؟ قال: أنا رسول الله، فقال: أرني آية.
فقال له: اذهب إلى تلك الشجرة وقل لها: رسول الله ﷺ يدعوك، فذهب الأعرابي وهو يرى أنه قد استهزأ به، فذهب إلى الشجرة فقال لها: رسول الله ﷺ يدعوك.
فأقبلت تخد الأرض خداً -أي: عملت في الأرض أخدوداً- حتى وقفت بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال الأعرابي: مرها فلترجع، فأمرها ﷺ ، فرجعت من حيث جاءت.
ثم إن النبي ﷺ فاق سائر الأنبياء بهذا القرآن؛ وذلك لأن معجزات الأنبياء ﵈ كانت معجزات وقتية محدودة بوقتها، لا يعلمها إلا من رآها، أما القرآن فهو معجزة خالدة إلى أن تقوم الساعة وشاهد ناطق على أن محمداً رسول الله.
وقد مر معنا في قول الله : ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:٧٦] أنها نزلت لما قال الرسول ﷺ لليهود: (يا إخوان القردة، يا إخوان الخنازير، يا عبدة الطاغوت)، فاليهود كانوا يخفون هذه المعلومات، فمن أين عرفها محمد ﷺ ؟! فلما قال هذا الحبر الكذاب ابن صوريا: يا محمد! ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل الله عليك من آية بينة، قال الله جواباً عليه: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة:٩٩].
стр. 118
سبب نزول قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان)
الآية الثانية بعد المائة: قول الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٢].
أخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: قالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل! يذكر سليمان مع الأنبياء، وما كان إلا ساحراً يركب الريح.
فاليهود يقولون: إن محمداً ﷺ يخلط الحق بالباطل؛ لأنه يذكر سليمان مع الأنبياء، وما كان سليمان إلا ساحراً يركب الريح.
والله ذكر سليمان في الأنبياء في عدة مواضع، فقد قال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠]، وقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣]، وقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٤] إلى غير ذلك من الآيات، فهو نبي قطعاً، لكن اليهود الذين اتهموا المسيح ابن مريم بأنه ابن زنا، واتهموا موسى بأنه آدر، واتهموا نوحاً بأنه شرب الخمر، ولوطاً بأنه زنى بابنتيه، اتهموا سليمان بأنه كان ساحراً، قال الله : ((وَاتَّبَعُوا)) أي: اليهود، ((مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ))، وسليمان ﵇ سخر الله له الجن والإنس والطير، ولم يسخر الجن لأحد من بعده؛ لأنه ﵇ دعا الله فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥].
أقول هذا الكلام لأن بعض الدجالين يموهون على الناس، بحيث يقول قائلهم: أنا عندي خدام، وقد سخر لي من الجن كذا.
ويحصي عدداً، فنقول: إن الجن لا يسخرون لأحد بعد سليمان، فهذا الدجال ليس الجن خداماً له، وإنما الخِدْمات بينهم متبادلة، فالجن يسرقون له بعض الأشياء، ويخبرونه ببعض الأشياء في مقابل كفره بالله .
فالمرأة تذهب إلى الدجال فتنتظر في مكان الاستقبال، وأول ما تدخل على الدجال يقول لها: أنت فاطمة بنت زينب، وتسكنين في مكان كذا، وعندك وجع في الكلى، وعندئذ تستسلم المرأة وتظن أن هذا رجل صالح عنده كشف، والواقع أن الذي أخبره شيطانه، وشيطانه لا يعرف الغيب، فمن أين عرف؟ يعرف ذلك عن طريق القرين الشيطاني الآخر.
فالمقصود أن سليمان سخر الله له الجن، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص:٣٧]، فكان إذا أراد أن يبني مسجداً لا يحتاج إلى مقاولين ولا إلى عمال، بل هؤلاء الجن يعطيهم المواصفات وخلال أيام يكون المسجد قد اكتمل، كما قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ:١٣] يعني: مساجد ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ:١٣]، وكان ذلك في شريعتهم جائزاً، وهناك من الشياطين من يغوصون في البحر ويأتونه بالأصداف، والذي يتمرد منهم فإنه يحكم عليه بما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص:٣٨].
فالشياطين كانوا يعملون مع سليمان وهم كارهون وخائفون، فلما مات ﵇ كان متكئاً على عصاه، فبدأت دابة الأرض تأكل منسأته، والجن يعملون، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤].
ثم جاءت الشياطين بالسحر فدفنته تحت كرسي سليمان بعدما مات، فجاء اليهود وحفروا واستخرجوا تلك الأسحار، وقالوا: بهذا كان يملككم ابن داود، أي: كان مسخركم عن طريق السحر.
فالله ينفي هذه التهمة عن سليمان بقوله تعالى: ((وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ))، ولو كان ساحراً لكان كافراً ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] فأي ساحر أستاذه الشيطان، فلا يتعلم السحر إلا من طريق الشيطان، فهذا الذي ينبغي أن يعلم.
стр. 119
سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا)
الآية الرابعة بعد المائة قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة:١٠٤]، وسبب نزولها أن الأنصار عليهم من الله الرضوان كانوا يقولون للنبي ﵊: راعنا.
من المراعاة، أي: اصبر علينا وعلمنا وفهمنا وأعد الكلام علينا.
وكانت كلمة (راعنا) يقصد بها اليهود السب من باب الرعونة، كما يقال: فلان أرعن، أي: طائش أحمق.
فبدأ اليهود يأتون إلى النبي ﷺ ويقولون: يا محمد! راعناً -بالتنوين- يقصدون الشتم والسب، مثلما كانوا يقولون له: السام عليك يا محمد، يوهمونه بأنهم يقولون: السلام، وهم يقولون: السام عليك يا محمد، فكان يقول لهم: (وعليكم) دون أن يزيد، فهنا قالوا: راعناً.
وقال لهم سعد بن معاذ: يا أعداء الله! عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لو سمعت أحدكم يقولها لأضربن عنقه.
فقالوا له: أولستم تقولونها؟! فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة:١٠٤].
стр. 120
سبب نزول قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)
الآية السادسة بعد المائة: قول الله : ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦].
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان ربما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل وينساه بالنهار.
وهذا -ولله المثل الأعلى- مثل الطبيب يراجعه المريض فيغير له الدواء حيناً بعد حين، إلى أن يحصل الشفاء، ولله المثل الأعلى، فالله يغير في التشريع في الأحكام مراعاة لحال المكلفين، والنسخ لا يدخل في العقائد ولا يدخل في الأخبار، وإنما هو فقط في الأحكام.
مثاله: كانت عدة المرأة أول الإسلام إذا مات زوجها حولاً كاملاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] فنسخ هذا بقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:٢٣٤].
والله أنزل القرآن على العرب، وكان عندهم عادات مضطربة، ومن بين عاداتهم أن المرأة إذا توفي زوجها كانت تدخل حفشاً -والحفش أردأ بيت وأظلمه- فتقعد فيه، ولا تمس ماء سنة كاملة، ولا تغير لباساً، ولا تخرج من هذا المكان، بل يأتونها بالطعام في مكانها، فإذا انتهت السنة خرجت وأخذت بعرة ورمت بها، قالوا: هذا كناية وكأنها تقول: إن الذي عانيته في سبيل زوجي الذي مات لا يساوي عندي إلا كما تساوي هذه البعرة.
أي: أنا لست مهتمة بالسنة التي قضيتها في الضنك والعذاب.
وقيل: ترمي بالبعرة كناية عن انقطاع ذكرى زوجها، وبعد سنة كاملة يكون عليها الوسخ، فتحتك بشاة أو ببعير؛ لأن الماء لا يستطيع أن ينظفها، تقول أم سلمة: فقلما احتكت بشيء إلا مات.
فالقرآن نزل على هؤلاء الناس، وأبطل هذه العادات الباطلة كلها، وأثبت العدة سنة، وبعد مدة لما استقر الأمر جعل الله العدة أربعة أشهر وعشراً، لمعرفة براءة الرحم؛ لأن الجنين يتم تكوينه في أربعة أشهر، والعشرة أيام احتياط من أجل أن تشعر بالحركة.
وكذلك الخمر، فالعرب كانوا يشربون الخمر، ولا يظنون أن يأتي عليهم يوم يفارقونها، فالله حرم الخمر أولاً قرب أوقات الصلاة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]، فكان الخمر محرماً قرب أوقات الصلاة، أما بعد العشاء فإن من أراد أن يشرب يشرب، حتى نزل قول الله : ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] فصارت الخمر حراماً بالليل والنهار.
стр. 121
سبب نزول قوله تعالى: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل)
الآية الثامنة بعد المائة: قول الله : ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:١٠٨].
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال: رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله ﷺ : (يا محمد ائتنا بكتاب ينزل عليك من السماء نقرؤه، أو فجر لنا أنهاراً؛ نتبعك ونصدقك، فأنزل الله هذه الآية).
فالكفار كانوا يقترحون الآيات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء:٨٩ - ٩٢]، أي: قطعاً ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء:٩٢] أي: أمامنا ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء:٩٣] أي: من ذهب ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه﴾ [الإسراء:٩٣] هذه كانت اقتراحات المشركين، فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:٩٣].
فهذان الرجلان يطلبان من النبي ﷺ أن يأتي بكتاب من السماء ليقرءوه، أو يفجر لهم أنهاراً، فالله عاب عليهم ذلك فقال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:١٠٨].
стр. 122
سبب نزول قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء)
الآية الثالثة عشرة بعد المائة: قول الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣].
قال ابن عباس: (لما قدم أهل نجران -أي: النصارى- على رسول الله ﷺ أتتهم أحبار يهود فتنازعوا، فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء وكفر بعيسى والإنجيل، فقال رجل من أهل نجران لليهود: ما أنتم على شيء وجحد نبوة موسى ﵇.
ونصارى نجران بعث الرسول ﷺ إليهم رسالة دعاهم فيها إلى الإسلام، فجاء منهم وفد بقياد ثلاثة: السيد والعاقب وعبد المسيح، وبدءوا يناظرون الرسول ﷺ ، وفي أثناء جلوسهم في المسجد جاء اليهود وبدءوا يجادلون أولئك النصارى، ولما احتد الجدال أنكر اليهود نبوة المسيح وأنكروا الإنجيل، وقام النصارى كذلك وقالوا: أنكرتم نبينا والكتاب ونحن كذلك لا نؤمن بموسى ولا بالتوراة! وهكذا كفر متبادل والعياذ بالله، أما نحن -المسلمين، والحمد لله- فنؤمن بموسى ونؤمن بعيسى وبسائر الأنبياء وبما أنزل الله عليهم مثلما نؤمن بمحمد ﷺ .
ولذلك ذكروا أن الخديوي الذي كان يحكم أيام الإنجليز مصر والسودان جاءه حاخام اليهود وراهب النصارى وكان شيخ الأزهر الشيخ محمد عبده، فـ الخديوي يبدو أنه كان رجلاً خفيف العقل، فقال لهم: أنا أريد أن يثبت كل واحد منكم بأنه سيدخل الجنة وأن الاثنين الآخرين لن يدخلاها، فاليهودي قال: ليتكلم حبر النصارى أولاً، وذلك لكي يفكر، فقام حبر النصارى فقال: ليتكلم شيخ المسلمين أولاً، فالشيخ محمد عبده ﵀ قال: إذا كان اليهود سيدخلون الجنة لأنهم آمنوا بموسى وبالتوراة فإنا داخلوها؛ لأنا آمنا بموسى وبالتوراة، وإذا كان النصارى سيدخلون الجنة لأنهم آمنوا بعيسى والإنجيل فإنا داخلوها؛ لأنا آمنا بعيسى والإنجيل، وإذا كنا داخليها فليسوا هم بداخليها؛ لأنهم كفروا بمحمد ﷺ وبالقرآن.
وهذا نوع من الاستدلال الجيد.
فهؤلاء اليهود قالوا: ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣].
стр. 123
سبب نزول قوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه)
الآية الرابعة عشرة بعد المائة: قول الله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة:١١٤].
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (أن قريشاً منعوا النبي ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام فأنزل الله هذه الآية).
وقيل: بل نزلت لما صد المشركون المسلمين عن البيت الحرام عام الحديبية.
لكن الآية تشمل كل ظالم إلى يوم القيامة، والآن في كثير من بلاد المسلمين -والحمد لله الذي عافانا- تفتح المساجد قبل الأذان بخمس دقائق وتغلق بعد الصلاة بخمس دقائق، فإذا انتهت الصلاة لا يوجد شيء اسمه قراءة قرآن بعد ذلك، وليس هناك شيء اسمه اعتكاف، بل في بعض بلاد الله يطارد الشباب الذين يترددون على المساجد، فإذا كان هناك شيخ طاعن في السن فإنه يصلي، أما إذا كان شاباً فإنه يكتب عنه تقرير ويحاصر؛ لأن هذا خطير ومتطرف، فهؤلاء جميعاً يشملهم قول الله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:١١٤].
стр. 124
سبب نزول قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب)
الآية الخامسة عشرة بعد المائة: قول الله : ((وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)).
أخرج الإمام مسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يصلي على راحلته تطوعاً أينما توجهت به، وهو آت من مكة إلى المدينة).
وهذا شرح للآية وليس سبباً للنزول، وهو يفيد أن الإنسان في السفر لو أراد أن يتنفل فليس بالضرورة أن يستقبل القبلة، فإذا كنت راكباً سيارتك وأنت جالس وأردت أن تصلي نافلة فإنك تكبر وتومئ بالركوع والسجود.
أما سبب نزول الآية فهو ما رواه الترمذي وابن ماجة والدارقطني عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله -يعني: على ما أداه إليه اجتهاده- فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]).
فالإنسان لو أشكلت عليه القبلة وما عرف إلى أين يصلي فصلى ثم استبان له أنه صلى إلى غير القبلة فصلاته صحيحة، وليس عليه إعادة.
стр. 125
الأسئلة
стр. 126
ما يعالج به المصاب بالاكتئاب
السؤال
مريض يعاني من حالة اكتئاب، فنرجو إن كانت هناك آيات قرآنية معينة يجب عليه تلاوتها أن تدلونا عليها؟
الجواب
هناك كتاب اسمه العلاج بالرقى فيه ذكر العلاج، وأنصحك بالاستغفار يا صاحب الاكتئاب، فقد قال النبي ﷺ : (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب)، وأنصحك بالإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، فإنه بذلك يقضى دينك ويفرج الله همك.
стр. 127
بيان قوله تعالى (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج)
السؤال
أرجو التكرم بالحديث عن هذه الآية: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب:٥٢]؟
الجواب
هذه الآية من خصائص الرسول ﷺ ، ونزلت بعد أن اجتمع عليه زوجاته يطالبنه بالنفقة، وذلك أن الحياة كانت صعبة، حيث كان يمر الهلال والهلال والهلال وما يوقد في بيته ﷺ نار، وما لهم من طعام إلا الأسودان، فاجتمعن عليه يطالبنه بالنفقة، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨] فالمرأة التي تحب الذهب والفضة والبحبوحة وتكتفي بذلك مستغنية به عما عند الله تعالى لا تصلح زوجة للرسول ﷺ ، والتي تريد أن تصبر على شظف العيش أعد الله لها أجراً كريماً في الآخرة، فالرسول ﷺ بدأ بـ عائشة فقال لها: (يا عائشة! إني سأعرض عليك أمراً، ولا تعجلي حتى تستأمري أبويك)، وذلك أنه رأى أن عائشة صغيرة يمكن أن تستعجل، فقال لها: استشيري أبويك، وتلا عليها الآيات، فكانت ﵂ كبيرة، فقالت: يا رسول الله! فيك أستأمر أبوي؟! -أي: أذهب إليهما أشاورهما بأن أبقى معك أو أطلق؟! - بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة! أي: أصبر على شظف العيش.
ثم قالت له: يا رسول الله! هل تخير الأخريات؟ فقال: (بل سأخيرهن، فقالت: فلا تخبرهن بما اخترته).
فالرسول ﷺ قال: والله لأخبرهن، وجميعهن اخترنه ﷺ ، فمن باب المكافئة وتعجيل الثواب لهن قال الله له: ((لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ)) يعني: لا تتزوج ((وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ)) تقول: أطلق واحدة وآتي بواحدة مكانها.
وهذا من باب تعجيل الجزاء لهن رضوان الله عليهن.
стр. 128
الزكاة في رأس المال والربح
السؤال
أنا زوجة ومعي أولادي، وقد ورثنا من زوجي بعض المال، فاشترينا ببعضه أرضاً وأردنا أن نبني بالباقي، ولكن قبل ذلك قمنا بالعمل بهذا المال فربحنا فيه (٣٠%)، فهل عليه زكاة، وإذا كان عليه زكاة فهل على الربح ورأس المال؟
الجواب
الزكاة تجب في أصل المال وربحه، فلو كان عندك غنم حال عليها الحول فإن الزكاة في أصلها ونتاجها، فلو كان عندك في رمضان أربعون شاة، وفي أثناء العام كل واحدة من الغنم أنتجت ثلاثاً، فلا تقل عند مجيء الحول: لن أزكي إلا الأربعين؛ لأن الأربعين كانت في رمضان، أما الباقيات فقد جئن في أثناء السنة، فأصل المال يزكى مع ربحه.
стр. 129
لباب النقول في أسباب النزول [٧]
إن معرفة أسباب نزول الآيات لها أهمية عظيمة، إذ بها تتضح الأحكام وتنتفي الشبه، وكثير من آيات سورة البقرة نزلت في اليهود، وبعضها في المشركين، وأحكامها عامة لجميع أفراد الأمة.
стр. 130
سبب نزول قوله: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية)
الآية الثامنة عشرة بعد المائة: قول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٨]، هذه الآية نزلت في شأن رجل من اليهود اسمه رافع بن حريملة، قال للنبي ﷺ : إن كنت رسولاً من الله حقاً كما تقول فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه، هذا الرجل شابه أسلافه من اليهود الذين قالوا لنبي الله موسى ﵇: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، وهكذا اليهود دائماً يعتدون على ذات الإله ﷻ ، ويتكلمون عنه مثل ما يتكلمون عن واحد من المخلوقات.
стр. 131
سبب نزول قوله: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً)
الآية التاسعة عشرة بعد المائة: قول الله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة:١١٩] روى عبد الرزاق عن محمد بن كعب القرظي ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: (ليت شعري ما فعل أبواي؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة:١١٩] فما ذكرهما حتى توفاه الله).
يعني: في هذه الآية الله يطمئن رسوله ﷺ بأنه ليس مسئولاً قبل بعثته، وليس مسئولاً عمن اختار الكفر على الإيمان، فلا تسأل عن أصحاب الجحيم.
стр. 132
سبب نزول قوله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)
الآية العشرون بعد المائة، قول الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
عن ابن عباس قال: إن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي ﷺ إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، وأيسوا أن يوافقهم على دينهم؛ فأنزل الله هذه الآية.
يعني: ليست القضية مع اليهود والنصارى قضية القبلة، بل هي أعمق من ذلك، لو أنك يا مسلم وافقتهم في قبلتهم، وشاركتهم في بعض شعائرهم، وتشبهت بهم في أخلاقهم؛ فهذا كله لن يرضيهم، لن يرضى عنك هؤلاء إلا إذا تركت ملتك واتبعت ملتهم، وفي هذا درس لكثير من المسلمين الآن الذين يظنون أنهم إن وافقوا أهل الكتاب في بعض الأمور رضوا عنهم، وكفوا أذاهم عنهم.
стр. 133
سبب نزول قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)
الآية الخامسة والعشرون بعد المائة: قال الله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].
هذه الآية فيها فضيلة لسيدنا عمر ﵁، روى البخاري وغيره عن عمر قال: (وافقت ربي في ثلاث - أي: في ثلاث خصال - قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].
وقلت: يا رسول الله! إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣].
واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك).
فهذا عمر ﵁ من أدبه يقول: وافقت ربي، ما قال: وافقني ربي، وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، صل عند المقام، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].
قلت: يا رسول الله! إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، الناس ليسوا سواء، فلو أمرتهن بالحجاب فنزلت آية الحجاب.
واجتمع نساؤه في الغيرة، حتى أن النبي ﷺ حلف ألا يدخل على نسائه شهراً لما أكثرن من الطلب والإلحاح، شهر كامل اعتزلهن في علية ﵊، وكان الصحابة يتوقعون بين عشية وضحاها أن يطلق النبي ﷺ نساءه، فـ عمر دخل على نساء النبي ﷺ وفيهن ابنته حفصة وقال لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت الآية بنفس الألفاظ التي قالها عمر ﵁.
стр. 134
سبب نزول قوله: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)
الآية الثلاثون بعد المائة: قول الله : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠].
بعدما ذكر ربنا خبر ذلك العبد الصالح إبراهيم ﵊، وأنه ابتلاه بكلمات فأتمهن، ونجح نجاحاً عظيماً في كل الاختبارات، بذل ماله للضيفان، وبذل نفسه للنيران، وولده للقربان، وابتلاه الله بالطغاة والجبابرة مثل النمرود بن كنعان الذي قال: أنا أحيي وأميت، وابتلاه بأبيه الطاغية الذي كان يصنع الأصنام ويبيعها للناس، وابتلاه الله كذلك بخصال الفطرة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، أما التي في الرأس: فالمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، وفرق الرأس، وأما التي في الجسد: فالاستحداد، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وغسل أثر البول والغائط بالماء، فإبراهيم ﵇ نجح في هذا كله، فقال الله : ((وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ)) يعني: من يترك ملة إبراهيم الحنيفية السمحة إلى غيرها إلا السفيه: ((إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ))، وهذه المادة: السين والفاء والهاء تدل على الرقة والخفة، ومنه تقول العرب: ثوب سفيه إذا كان رقيقاً خفيفاً، وإذا قيل: هذا رجل سفيه، يعني: في عقله خفة.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠].
هذه الآية نزلت لما دعا عبد الله بن سلام ﵁ ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما أن الله قد قال في التوراة: إني باعث نبياً من ولد إسماعيل اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر، فنزلت الآية.
وعبد الله بن سلام هو الحبر البحر الذي أسلم عن علم، وأثنى عليه ربه في القرآن فقال: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٤٣]، والذي عنده علم الكتاب هو عبد الله بن سلام.
وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠] والشاهد هو عبد الله بن سلام.
وقد دعا ابني أخيه إلى الإسلام عن علم، واحتج عليهما بالتوراة، وقال لهما: قد علمتما أن الله ذكر في التوراة أنه باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد هدي ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأحد الرجلين وفق فأسلم، والآخر أبى؛ فأنزل الله : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠].
стр. 135
سبب نزول قوله: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا)
الآية الخامسة والثلاثون بعد المائة: قول الله : ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:١٣٥].
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال ابن صورياء للنبي ﷺ : ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا -يا محمد- تهتدي، وقالت النصارى: ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا -يا محمد- تهتدي؛ فأنزل الله : ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:١٣٥]، ومن كان يهودياً أو كان نصرنياً فقد ضل ضلالاً بعيداً، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧].
стр. 136
سبب نزول قوله: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها)
لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة كان يستقبل بيت المقدس في الصلاة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، إذا أراد الصلاة استقبل الشام، وكان يهود يسخرون ويقولون: ما بال هذا الرجل يخالف ملتنا ويستقبل قبلتنا؟! فأنزل الله : ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، فبدأ اليهود يشككون في القبلة فقالوا للمسلمين: في كل يوم قبلة؟! إن كانت الأولى حقاً فالثانية باطلة، وإن كانت الثانية حقاً فالأولى باطلة، فأنزل الله الآيات من الثانية والأربعين بعد المائة إلى الخمسين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ﴾ [البقرة:١٤٢] أي: ما صرفهم ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) [البقرة:١٤٢] ﷻ ، إن شاء وجهنا إلى المشرق وإن شاء وجهنا إلى المغرب، وهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءهُم﴾ [البقرة:١٤٦]، يعرفون أمر النسخ، وأنه كان في شريعتهم نسخ، وأن يعقوب كان يحل له الجمع بين الأختين، فيجوز أن يتزوج امرأة وأختها، وأن هذا في شريعة موسى حرام، أليس هذا نسخاً؟ شيء يكون حلالاً في شريعة إسرائيل وحراماً في شريعة موسى ﵇.
روى ابن إسحاق عن البراء ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله : ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤] فقال رجل من المسلمين: وددنا لو علمنا علم من مات منا قبل أن نصرف إلى القبلة وكيف بصلاتنا قِبل بيت المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، وقال السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فأنزل الله: ((سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ)) [البقرة:١٤٢]) الآية.
стр. 137
سبب نزول قوله: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات)
الآية الرابعة والخمسون بعد المائة: قول الله : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة:١٥٤] قيل: هذه الآية نزلت في شأن عمير بن الحمام ﵁ الذي كان أول الشهداء يوم بدر، الذي كان يأكل تمرات من مخبأة معه، فسمع النبي ﷺ يقول للصحابة: (والذي نفسي بيده! لا يقاتلنهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة).
فسمع عمير فقال: بخ بخ، وألقى ما كان في يده من تمرات، فقال له النبي ﷺ : (ما حملك على قولك: بخ بخ؟ قال: يا رسول الله! ما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ قال: بلى، قال: إنها لحياة طويلة إن بقيت حتى آكل هذه التمرات).
أي: لو انتظرت خمس دقائق حتى أكمل هذه التمرات إنها لحياة طويلة! الآن الآن، فألقى التمرات وسل سيفه ودخل في صفوف المشركين، وكان ﵁ أول من قتل في ذلك اليوم.
حدثني بعض الشيوخ الفضلاء: إن بعض السفهاء في التلفاز قبل أيام صنعوا أضحوكة يسمونها التمثيلية، وهي: أن امرأة استشهد زوجها فجاء أخوه يخطبها، فجاء مجموعة في هيئة شيوخ أو منسوبين للعلم يلبسون عمائم كبيرة وما يسمى بالعباءة، ثم جلسوا مع هذا الشاب الخاطب وقالوا له: لا يحل لك أن تخطب زوجة أخيك أو أرملة أخيك، قال لهم: كيف؟ فقرءوا عليه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] فهو ما زال حياً وهي زوجته؛ فاقتنع بكلامهم وترك الخطبة.
فهذه الأضحوكة المقصود منها السخرية من الآية أو من شعيرة الجهاد، وإلا فمعلوم أن الآية واضحة في ألفاظها: ((أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ))، أما في حكم الدنيا فهم أموات، ولذلك تقسم أموالهم، وتنكح نساؤهم، وفي الدنيا نجعلهم تحت التراب، فلو كانوا أحياء ما دفناهم في التراب، فالشهيد في حكم الدنيا ميت، أما عند الله فهو حي حياة برزخية لا يعلم كيفيتها إلا الله.
فهذه سفاهة وتطاول، ولا ينبغي للمسلم أن يسمع مثل هذا، ولا أن تنطلي عليه هذه الحيل، والله يقول: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠].
فما كان ينبغي للقائمين على التلفاز لو كانوا يتقون الله أن يسمحوا بأن يبث مثل هذا الهراء والغثاء، وهذا الباطل الذي فيه تحريف للكلم عن مواضعه.
стр. 138
سبب نزول قوله: (إن الصفا والمروة من شعائر الله)
الآية الثامنة والخمسون بعد المائة، قول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، قد مضى عند الكلام عن أسباب النزول أن عروة بن الزبير لم يفهم هذه الآية على وجهها فظن أن الآية تنفي الجُناح عمن لم يسع بين الصفا والمروة، فالسيدة عائشة ﵂ بينت له الصواب، وأن الآية نازلة في شأن الصحابة الذين تحرجوا من أن يسعوا بين الصفا والمروة بعد الإسلام؛ لأنه في الجاهلية كان عند الصفا صنم يقال له مناة، وعند المروة صنم يقال له هبل، وكانوا إذا سعوا تمسحوا بهما، فأنزل الله هذه الآية ينفي الجُناح عمن سعى، لأن الجاهلية قد مضت بشرورها وآثامها، وما داخل هذه المناسك من شعائر الشرك فإنه لا ينفي كونها حقاً وخيراً.
стр. 139
سبب نزول قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب)
الآية التاسعة والخمسون بعد المائة: قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:١٧٤]، نزلت هذه الآية -كما قال ابن عباس - حين سأل معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة بن زيد نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم؛ فأنزل الله هذه الآية.
والنبي ﷺ قال: (من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار).
فكتمان العلم حرام، لكن -أيها الإخوان- أحياناً يكون كتمان العلم لمصلحة السائل نفسه، ولذلك ذكروا أن عبد الله بن عباس جاء إليه رجل يسأله: هل للقاتل توبة؟ قال له: لا.
القاتل ليس توبة، فخرج الرجل، فأصحاب ابن عباس سألوه وقالوا له: قد سمعناك تقول بأن للقاتل توبة، فقال لهم: إن هذا الرجل أراد أن يقتل، ونحن لا نريد ذلك، فجاء يأخذ فتوى على أنه ممكن أن يتوب، كأن ابن عباس تفرس في الرجل توتراً وضيقاً، وفعلاً تتبع أصحاب ابن عباس ذلك الرجل فوجدوه كما قال.
فمثل هذا قد يُكتم عنه العلم؛ لأن المتلقي لن يفهم، وفي الحديث: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).
ولذلك علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يُكذب الله ورسوله؟ وقد يُكتم العلم لأن صاحب العلم يخاف على نفسه، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، أما أحدهما فبثثته -أي: نشرته- وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا الحلقوم، فهو يقول: الرسول ﷺ أعطاني علماً كثيراً، فبعضه نشرته بين الناس ورويته، والآخر لو نشرته لحدثت مشكلة.
قال أهل الحديث: ما كتمه أبو هريرة هو أسماء أمراء الجور من بني أمية، فإن رسول الله ﷺ قال له: سيلي فلان وهو جائر، وفلان فاسق، وفلان ظالم، يذكرهم بأسمائهم، فـ أبو هريرة قام في الناس وأخبر أنه لا مصلحة من نشر هذا سوى تهييج الناس؛ لأن الناس لو سمعوا أن رسول الله ﷺ قال ذلك فسيثورون عليهم، وإذا ثاروا على أمراء الجور فسيواجهون الثورة وتسيل الدماء، وتزهق الأرواح، وتخرب الممتلكات، ولا يعود الناس بفائدة، ولا ينالون خيراً، فلذلك أبو هريرة ﵁ رأى أن من المصلحة ألا يخبر بذلك.
стр. 140
لباب النقول في أسباب النزول [٨]
القرآن الكريم فيه أنواع مختلفة من الأحكام والأخبار والقصص، فمن أخباره ما حكاه الله عن موقف المشركين من التوحيد ودعوة الله لهم إلى التفكر في خلقه، ومنها ما حكاه عن جرائم اليهود بأكلهم أموال الناس بالباطل وكتمانهم صفة محمد ﷺ ، ومن أحكامه أنه كتب القصاص بين المسلمين في قتل العمد، وبين أنه لا يقتل إلا القاتل، ومنها بيان حل الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان، وبيان حرمة أكل الأموال بالباطل والإدلاء بها إلى الحكام لأخذها بطريق محرم.
стр. 141
سبب نزول قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض)
الآية الرابعة والستون بعد المائة من سورة البقرة: قول الله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤].
سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قول الله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] تعجب المشركون وقالوا: كيف يسع العالم إله واحد؟! وقد حكى ربنا عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فأنزل الله هذه الآية.
وهناك سبب آخر، وهو أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقاً فأتنا بآية، وادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً -أي: جبل الصفا- نتقوى به على عدونا، فأنزل الله هذه الآية يخبرهم فيها أنهم لا يحتاجون إلى هذا الدليل، وهو جعل الصفا ذهباً، فهناك آيات أعظم وأجل، وهي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.
فهذه آيات عظيمة، كما قال سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].
стр. 142
سبب نزول قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا)
الآية السبعون بعد المائة: قول الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠] هذه الآية نزلت في اليهود، قال ابن عباس: دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام، ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ونقمه، فقال مالك بن عوف ورافع بن حريملة: بل نتبع -يا محمد-! ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا.
أي: لن نستمع إلى القرآن الذي تتلوه، ولا الخير الذي جئت به، بل نحن على ما كان عليه آباؤنا؛ لأن آباءنا كانوا أعلم وخيراً منا.
وهذا القول قالته كل أمة كافرة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فكل أمة كافرة كانت تقول ذلك، وإلى الآن تجد بعض الناس ممن تلبسوا بشيء من البدع أو الأمور الشركية إذا قيل لهم: قال الله، قال رسوله ﷺ ، يقولون: هذا الذي وجدنا عليه آباءنا، ونحن لن نغيره، وأنت جئتنا بدين جديد.
стр. 143
سبب نزول قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً)
الآية الرابعة والسبعون بعد المائة: قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:١٧٤].
هذه الآية نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم، وكانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضل، وكانوا يرجون أن يكون النبي ﷺ منهم، فلما بعث محمد ﷺ من غيرهم، خافوا ذهاب مأكلتهم، وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ فغيروها، وقد حكى الله عنهم في القرآن قوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة:٣٤]، وهذه حيلة رجال الدين في كل ملة إذا فسدت القلوب والعياذ بالله، يتخذون من الدين سبباً ووسيلة لأكل أموال الناس بالباطل، مثلما يفعل الآن زعماء الروافض ممن ينتسبون إلى الإسلام، حيث يفرضون على الناس الخمس في أي شيء يكتسب، ومثلما يفعل رهبان النصارى، فإذا وقع الإنسان في خطيئة فلا بد أن يأتي إلى الراهب ويقول: إني قد فعلت كذا وكذا وكذا، ويطلب منه المغفرة، فيرفع الراهب الصليب دلالة على أنه قد قبلت توبته، وغفرت خطيئته، ويضع بعد ذلك هذا التائب في الصندوق شيئاً معلوماً.
ومثل ذلك ما يفعله بعض علماء المسلمين حين يبدل الفتاوى ويغيرها من أجل أن يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً.
فاليهود علموا أنهم لو تابعوا محمد ﷺ على دينه فإنهم سيصبحون كسائر الناس، وكعامة المسلمين، وستذهب رئاستهم وملكهم، فعمدوا إلى تغيير صفة الرسول ﷺ ، وهو عندهم في التوراة: أنه رجل ربعة أبيض مشرب بحمرة إلى غير ذلك من صفاته صلوات الله وسلامه عليه، فغيروا هذه الصفات، فقالوا: إنه رجل طويل آدم -أي: أسمر- وسبط الرأس، وقالوا: هذا النبي لا يشبه ذا الصفة الموجودة عندنا، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٤].
стр. 144
سبب نزول قوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب)
الآية السابعة والسبعون بعد المائة: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧].
هذه الآية جاءت في ثنايا الحديث عن تحويل القبلة، وقد كانت النصارى تستقبل المشرق، وكان اليهود يستقبلون المغرب، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧]، ولكن البر يتمثل في أمور قلبية، وأمور تعبدية، وأمور أخلاقية سلوكية، ولذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] وهذه مسائل عقدية قلبية ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة:١٧٧] يعني: وهو محب لهذا المال ﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:١٧٧] وهذه كلها عبادات وشعائر.
ثم ذكر الأخلاق بقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]، فهذه هي حقيقة البر.
قال أهل التفسير: هذه الآية أجمع آية لخصال البر في القرآن.
стр. 145
سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)
الآية الثامنة والسبعون بعد المائة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨].
نزلت هذه الآية في حيين من العرب اقتتلا في الجاهلية، وكان أحد الحيين قد قهر الآخر وظهر عليه، فلما جاء الله بالإسلام وأسلموا قال ذلك الحي المنتصر: والله لا نقتل بالأنثى منا إلا الذكر منهم، ولا نقتل بالعبد منا إلا الحر منهم، فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن المفترض قتل القاتل وحده، وأن لا يتعدى القتل إلى غيره، فيقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى للأنثى.
وليس المقصود من الآية أن الأنثى لا يقتل بها الذكر، فقد أجمع أهل العلم على أن الرجل لو قتل امرأة فإنه يقتل بها.
إذاً: الآية ليست على ظاهرها الذي يفهم، وإنما يفهم معناها بمعرفة سبب نزولها، وهو أنه لا يقتل إلا القاتل.
следующие страницы →