← Джавами‘

Джавами‘ · id 37422

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

عبد الحي يوسف

Полный текст (933 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

سبب نزول قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض) الآية الرابعة والستون بعد المائة من سورة البقرة: قول الله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤]. سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قول الله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] تعجب المشركون وقالوا: كيف يسع العالم إله واحد؟! وقد حكى ربنا عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فأنزل الله هذه الآية. وهناك سبب آخر، وهو أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقاً فأتنا بآية، وادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً -أي: جبل الصفا- نتقوى به على عدونا، فأنزل الله هذه الآية يخبرهم فيها أنهم لا يحتاجون إلى هذا الدليل، وهو جعل الصفا ذهباً، فهناك آيات أعظم وأجل، وهي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا. فهذه آيات عظيمة، كما قال سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].

стр. 142

سبب نزول قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) الآية السبعون بعد المائة: قول الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠] هذه الآية نزلت في اليهود، قال ابن عباس: دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام، ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ونقمه، فقال مالك بن عوف ورافع بن حريملة: بل نتبع -يا محمد-! ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا. أي: لن نستمع إلى القرآن الذي تتلوه، ولا الخير الذي جئت به، بل نحن على ما كان عليه آباؤنا؛ لأن آباءنا كانوا أعلم وخيراً منا. وهذا القول قالته كل أمة كافرة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فكل أمة كافرة كانت تقول ذلك، وإلى الآن تجد بعض الناس ممن تلبسوا بشيء من البدع أو الأمور الشركية إذا قيل لهم: قال الله، قال رسوله ﷺ ، يقولون: هذا الذي وجدنا عليه آباءنا، ونحن لن نغيره، وأنت جئتنا بدين جديد.

стр. 143

سبب نزول قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً) الآية الرابعة والسبعون بعد المائة: قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:١٧٤]. هذه الآية نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم، وكانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضل، وكانوا يرجون أن يكون النبي ﷺ منهم، فلما بعث محمد ﷺ من غيرهم، خافوا ذهاب مأكلتهم، وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ فغيروها، وقد حكى الله عنهم في القرآن قوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة:٣٤]، وهذه حيلة رجال الدين في كل ملة إذا فسدت القلوب والعياذ بالله، يتخذون من الدين سبباً ووسيلة لأكل أموال الناس بالباطل، مثلما يفعل الآن زعماء الروافض ممن ينتسبون إلى الإسلام، حيث يفرضون على الناس الخمس في أي شيء يكتسب، ومثلما يفعل رهبان النصارى، فإذا وقع الإنسان في خطيئة فلا بد أن يأتي إلى الراهب ويقول: إني قد فعلت كذا وكذا وكذا، ويطلب منه المغفرة، فيرفع الراهب الصليب دلالة على أنه قد قبلت توبته، وغفرت خطيئته، ويضع بعد ذلك هذا التائب في الصندوق شيئاً معلوماً. ومثل ذلك ما يفعله بعض علماء المسلمين حين يبدل الفتاوى ويغيرها من أجل أن يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً. فاليهود علموا أنهم لو تابعوا محمد ﷺ على دينه فإنهم سيصبحون كسائر الناس، وكعامة المسلمين، وستذهب رئاستهم وملكهم، فعمدوا إلى تغيير صفة الرسول ﷺ ، وهو عندهم في التوراة: أنه رجل ربعة أبيض مشرب بحمرة إلى غير ذلك من صفاته صلوات الله وسلامه عليه، فغيروا هذه الصفات، فقالوا: إنه رجل طويل آدم -أي: أسمر- وسبط الرأس، وقالوا: هذا النبي لا يشبه ذا الصفة الموجودة عندنا، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٤].

стр. 144

سبب نزول قوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) الآية السابعة والسبعون بعد المائة: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧]. هذه الآية جاءت في ثنايا الحديث عن تحويل القبلة، وقد كانت النصارى تستقبل المشرق، وكان اليهود يستقبلون المغرب، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧]، ولكن البر يتمثل في أمور قلبية، وأمور تعبدية، وأمور أخلاقية سلوكية، ولذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] وهذه مسائل عقدية قلبية ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة:١٧٧] يعني: وهو محب لهذا المال ﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:١٧٧] وهذه كلها عبادات وشعائر. ثم ذكر الأخلاق بقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]، فهذه هي حقيقة البر. قال أهل التفسير: هذه الآية أجمع آية لخصال البر في القرآن.

стр. 145

سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) الآية الثامنة والسبعون بعد المائة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨]. نزلت هذه الآية في حيين من العرب اقتتلا في الجاهلية، وكان أحد الحيين قد قهر الآخر وظهر عليه، فلما جاء الله بالإسلام وأسلموا قال ذلك الحي المنتصر: والله لا نقتل بالأنثى منا إلا الذكر منهم، ولا نقتل بالعبد منا إلا الحر منهم، فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن المفترض قتل القاتل وحده، وأن لا يتعدى القتل إلى غيره، فيقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى للأنثى. وليس المقصود من الآية أن الأنثى لا يقتل بها الذكر، فقد أجمع أهل العلم على أن الرجل لو قتل امرأة فإنه يقتل بها. إذاً: الآية ليست على ظاهرها الذي يفهم، وإنما يفهم معناها بمعرفة سبب نزولها، وهو أنه لا يقتل إلا القاتل.

стр. 146

سبب نزول قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) الآية الرابعة والثمانون بعد المائة: قول الله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]. نزلت هذه الآية -كما قال مجاهد - في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، والمرأة العجوز، والمريض الذي لازمه مرضه، هؤلاء جميعاً ليس عليهم الصيام، وإنما عليهم الإطعام. قال تعالى: ((وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)) ولا بأس بأن يطعموا جميعاً دفعة واحدة، كما كان يفعل أنس بن مالك ﵁، فقد كان يصنع جفنة من ثريد ويدعو ثلاثين مسكيناً فيطعمهم.

стр. 147

سبب نزول قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) الآية السادسة والثمانون بعد المائة: قول الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]. نزلت إجابة لسؤال رجل أعرابي قال: (يا رسول الله! أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟) أي: أقريب ربنا فنتكلم بالنجوى -وهي المخافتة- أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية يبين أنه قريب من عباده يسمع دعوة الداعي، ويجيبه ﷻ . وهذه الآية مثلها قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] ولذلك فإن الدعاء كلما كان مخافتة كلما كان أظهر في الافتقار؛ لأنك عندما تتكلم مع من دونك قد تصرخ عليه وترفع صوتك، وإذا تكلمت مع من هو أعلى منك شأناً فإنك تخفض صوتك، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]. وهناك ناحية أخرى، وهي أن المخافتة في الدعاء أدل على الإيمان، أي أنك تؤمن بأن الله يسمعك ﷻ ، وأنه لا تخفى عليه خافية، وذلك أبلغ في الأدب.

стр. 148

سبب نزول قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) الآية السابعة والثمانون بعد المائة: قول الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]. أخرج الإمام أحمد وابن جرير عن كعب بن مالك ﵁ قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. أي: ليس من حقه أن يستيقظ فيأكل أو يشرب، فلا طعام ولا شراب، إلا إذا غربت الشمس من اليوم الذي يليه. قال: وإن عمر بن الخطاب كان عند النبي ﷺ وقد سمر عنده، أي: جلس عنده في الليل يتكلمان في مصالح المسلمين، فرجع من عنده، فأراد امرأته -أي: أراد أن يأتي أهله-، فقالت له امرأته: إني قد نمت، فقال لها: ما نمت، -وهي أدرى بحالها- ووقع عليها، وصنع كعب مثل ذلك، فذهب عمر إلى النبي ﷺ في الصباح فأنزل الله هذه الآية وفيها الفرج: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقال : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقد كان رجال إذا أرادوا الصوم -كما روى البخاري عن سهل بن سعد - ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله : ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. وجاءت تسمية الرجل الذي فعل ذلك في بعض الروايات بأنه عدي بن حاتم الطائي ﵁.

стр. 149

سبب نزول قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) الآية الثامنة والثمانون بعد المائة: قول الله : ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] أي: للباطل، وللغش، وللرشوة، وللربا، وللكذب، ولشهادة الزور قال تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة:١٨٨] أي: ترفعوا القضايا إلى المحاكم ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٨] أي: طائفة من أموال الناس ((بالإثم وأنتم تعلمون)) بأن هذا المال حرام عليكم أكله. وقد نزلت هذه الآية في رجلين اختصما في أرض، وأراد أحدهما أن يحلف، فنزلت هذه الآية، ويؤيد هذا قول النبي ﷺ : (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها) أي: أن بعض الناس يخاصم في قضية، وهو يعلم أنه على باطل، فلو حكم القاضي له بناء على الظاهر لكون المحامي ذكياً مثلاً، أو لأنه زور أوراقاً وشهادات وغير ذلك، فهل يحل له هذا المال؟ لا يحل له أبداً. قال أهل العلم: إن حكم القاضي لا يحل الحرام مطلقاً، وقد تكون الخصومة بين الزوجين، بحيث يطلق الرجل المرأة، وبدأ بعد ذلك يذلها، ولا يعطيها النفقة الواجبة، ويكون له منها أولاد، فتشفع الشفعاء، ويتوسط الوسطاء، فأبى، فترفع الزوجة عليه قضية، والله يعلم أن عنده من المال الشيء الكثير، لكنه يذهب إلى القاضي، ويدعي بأنه عاطل عن العمل، وأنه مدين، وأنه مفلس، وأنه غريم، وأنه مريض، وأنه وأنه، ويقيم على ذلك شهادة الزور، والله يعلم أنه يطيق أن يدفع المليون، فيقول له القاضي: ادفع كذا وكذا وهو ما لا يكفي للخبز الجاف، ويقول للمرأة: ما عندنا إلا هذا، وبعد ذلك يماطل الرجل في أداء هذا القليل، ولو مات فإنه يلقى الله غارماً، وقد قال النبي ﷺ : (إني أحرج في الضعيفين: اليتيم والمرأة) فإن طلقتها فلا تظلمها، واتق الله فيها، وأد إليها حقوقها.

стр. 150

لباب النقول في أسباب النزول [٩] وردت آيات في سورة البقرة تنص على أنه ينبغي أن يكون السؤال هادفاً نافعاً للناس، وأن القتال محرم في الأشهر الحرم إلا إن بدأونا بذلك، وأن التهلكة إنما هي في ترك الجهاد والإقامة بين الأهل والمال، وأن التجارة في الحج جائزة إذا أديت مناسك الله بلا إخلال.

стр. 151

سبب نزول قوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة) الآية التاسعة والثمانون بعد المائة: قول الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:١٨٩]. سبب نزول هذه الآية كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة قالا: (يا رسول الله! ما بال الهلال يطلع دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟) أي: أن الصحابة ﵃ يسألون: لم يبدو الهلال في أول الشهر دقيقاً مثل الخيط، ثم لا يزال يكبر ويزيد حتى يستدير، ثم يرجع فينقص ويستدق حتى يكون كما بدأ، ولا يكون على حال واحدة؟ فأنزل الله هذه الآية ليبين العلة التي من أجلها خلق الله الأهلة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] يعني: أن الله يوجههم إلى السؤال الأوفق والأنسب؛ لأن النبي محمداً ﷺ ما جاء ليشرح الظواهر الطبيعية، وإنما جاء ليهدي الناس، وهذا ينطبق الآن على كثير من الناس ممن يطرحون أسئلة ليس فيها كبير فائدة، فبعض الناس ربما يقرأ قول الله : ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة:٧٣]، فيسأل ما هو البعض الذي ضرب به قتيل بني إسرائيل؟ ويقرأ قصة أصحاب الكهف فيسأل عن عدتهم كم كانوا؟ مع أن الله تعالى قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٢]، ويسأل عن لون الكلب الذي كان معهم. وإذا قرأ قول الله : ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣] يقول: هذه العصا من أي خشب كانت؟ وإذا قرأ قول الله : ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]، قال أين الجودي؟ وسفينة نوح كم كان طولها؟ وكم كان عرضها؟ فهذه كلها أسئلة لا تؤدي إلى فائدة، ولو كان العلم بهذه التفاصيل مؤثراً لذكرت في القرآن. فهنا الله يرشدنا إلى السؤال المناسب، وإلى العلة الصحيحة، مثلما قال في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]. وقول الله : ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]، كانت للعرب في الجاهلية عادات ما أنزل الله بها من سلطان، ومن ذلك: أن الواحد منهم إذا أحرم بالنسك فلا يدخل إلى بيته من الباب، وإنما لا بد أن يتسوره، ويعتقدون بأن هذا من التقوى، ثم إذا ذهب فقضى نسكه ورجع أيضاً لا يدخل من الباب، وإنما يأتي من ظهر البيت، فأنزل الله يقول: ((وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا)) أي: ليس البر في هذه الأشكال، ((وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى))، كما مر معنا قول الله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٧٧]. فمن الخطأ أن يخترع الإنسان طقوساً ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا موجود الآن، فتجد المرأة مثلاً إذا توفي عنها زوجها فإنها تخترع طقوساً، مثلاً: قالت الشريعة للمرأة: يا من توفي عنك زوجك، لا تكتحلي، ولا تتخضبي، ولا تتطيبي، ولا تتحلي، ولا تلبسي ملابس الزينة، فزادوا من عندهم أنه لا بد لها أن تلبس الأبيض، ولا بد أن تجلس على ملاءة بيضاء، ولا بد أن تجلس في غرفة، أو في برندة، ولا ينفع أن تقعد في الحوش، ولا يصلح أن تتكلم مع أحد عند طلوع الشمس وعند غروبها، وأن تستقبل الشمس عند شروقها وغروبها؛ فإذا انقضت العدة أربعة أشهر وعشر ذهبوا بها إلى البحر كما يوجد في بعض الأقاليم، فهذا كله ما أنزل الله به من سلطان. ومثلما اخترعوا الطقوس في العرس، وأنه لابد من الحناء، وأنه إذا لم يتحنَ فلن يولد له ولد، ونحن لم نتحن وعندنا جيش من البنين والبنات والحمد لله، فهذه كلها طقوس ما أنزل الله بها من سلطان اخترعها الناس، ثم اعتقدوا بأنها دين يجب التمسك به والعض عليه.

стр. 152

سبب نزول قول الله: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) الآية التسعون بعد المائة: قول الله : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠]. هذه الآية كما قال ابن عباس: نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله ﷺ هو وأصحابه صدوا عن البيت، ومنعوا من الوصول إلى البيت الحرام، ثم صالحه المشركون على أن يرجع من عامه هذا ذو القعدة سنة ست، ولا يعتمر، ثم يعود في العام القابل من عام سبعة من الهجرة، فلما كان العام القادم تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي قريش بوعدها، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره الصحابة أن يقاتلوا في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، وتحرجوا من ذلك فأنزل الله هذه الآية لتبين لهم: أن من قاتلكم فقاتلوه ولو كان ذلك في الشهر الحرام، ولو كان في البلد الحرام: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠].

стр. 153

سبب نزول قول الله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) الآية الخامسة والتسعون بعد المائة: قول الله : ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)). ماذا يفهم الناس من هذه الآية؟ للأسف الشديد يستدل بها بعض الناس على تحريم العمليات الاستشهادية التي يقوم بها المجاهدون في فلسطين أو في غيرها من بلاد الله، فيقولون: لا يجوز؛ لأن الله تعالى قال: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ))، وهذا الاستدلال ليس صحيحاً، ويتضح ذلك من سبب نزول الآية. روى البخاري عن حذيفة ﵁ قال: نزلت في النفقة، كيف هذا؟ يعني: أن الأنصار عليهم من الله الرضوان كانوا أهل كرم، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، فأصابتهم سنة، يعني: أمسكت السماء في عام من الأعوام، فكأن الأنصار عليهم من الله الرضوان أمسكوا، فأنزل الله هذه الآية يبين أن التهلكة في الإمساك، وهذه الرواية أخرجها البخاري. وللآية سبب آخر؛ فقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم وغيرهم عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سراً: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام؛ فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله فيما قلنا: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فكانت التهلكة في الإقامة على الأموال وإصلاحها وترك الغزو، يعني: أن الأنصار ﵃ جاهدوا في الله حق جهاده، فلما فتح الله مكة، وأعز الله الإسلام، وكثر أنصاره في أنحاء الجزيرة، قال الأنصار: نحن قد أهملنا مزارعنا، وضيعنا أموالنا، وشغلنا بالجهاد سنين عدداً، والحمد لله، فها قد تحققت الغاية، وارتفعت الراية، وكثر أنصار الإسلام؛ فهلم نرجع فنصلح أموالنا، ونثمر زروعنا، وننمي مواشينا، ويقوم بالجهاد غيرنا؛ فأنزل الله : ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) فكانت التهلكة في الإقامة وترك الجهاد. فلا علاقة بين الآية وبين ما يقوله المانعون من العمليات الاستشهادية.

стр. 154

سبب نزول قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) الآية السادسة والتسعون بعد المائة: قول الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]. أخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية ﵁: (أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ متضمخاً بالزعفران عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فقال النبي ﷺ : أين السائل عن العمرة؟ قال: هأنذا، فقال له ﵊: ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل، واستنشق ما استطعت، ثم اصنع ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك). وهل يجوز للمحرم التضمخ بالطيب؟ الجواب لا يجوز؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لا يلبس القمص) فالمحرم لا يلبس قميصاً، (ولا العمائم ولا سراويل)، والمحرم لا يلبس سروالاً، (ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران) يعني: الثوب الذي فيه طيب لا يلبسه. وهذا الرجل جاء متضمخاً بالزعفران، وعليه جبة، ويسأل عن العمرة، فأنزل الله هذه الآية، والرسول ﷺ قال له: (ألق عنك جبتك)، فالجبة التي عليك لا تنفع في الإحرام. (ثم اغتسل)، من أجل أن تذهب رائحة الزعفران. (واستنشق ما استطعت) من أجل أن تزيله، (ثم ما كنت صانعاً في حجك فاصنع في عمرتك) يعني: نفس هيئة الطواف في الحج هي في العمرة، ونفس هيئة السعي في الحج هي في العمرة، ومثلما تحلق أو تقصر في الحج، فاصنع في العمرة مثله.

стр. 155

سبب نزول قوله تعالى: (فمن كان مريضاً أو به أذىً من رأسه) قال الله في الآية نفسها: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، ما سبب نزول الآية؟ روى البخاري عن كعب بن عجرة قال: (حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال ﵊: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا. قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، واحلق رأسك). فهل يجوز للمحرم أن يحلق رأسه؟ الجواب لا يجوز أن يحلق رأسه ولا غيره، كأن يقص شاربه، أما اللحية فخلقها حرام في الإحرام وفي غير الإحرام. المقصود: أن كعب بن عجرة ﵁ كان شعره كثيراً، وكان قد أحرم، وكان شعره مليئاً بالقمل، والقمل يضايق الإنسان، فلما اشتد عليه الأذى، حمل إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهه، والرسول ﷺ رءوف رحيم، والمفتي لا بد أن يتحلى بهذا الجانب، فمن يتأسى برسول الله ﷺ ينبغي أن يرحم الناس بما لا يتعارض مع الشرع، فالرسول ﷺ نظر إلى القمل يتناثر على الرجل، فما قال له: اصبر يومين أو ثلاثة وما أشبه ذلك، ولكن الرسول ﷺ أبدى التأثر، وقال له: (ما كنت أظن أن الجهد يبلغ منك ما أرى)، فيمكن أن نحل هذه القضية، قال: (هل تجد شاة؟ قال: لا). فإما أنه لا توجد الشياة أصلاً، أو أن الشياة موجودة وليس عنده الثمن، فالرسول ﷺ أعطاه البديل، فقال له: (فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك). وهذا هو معنى الآية: ((فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)). مثلاً: رجل محرم، ولباس الإحرام معروف رداء وإزار، لكن الرجل مصاب بحساسية، بحيث إن الإحرام لا يناسبه فنقول له: البس ثيابك، واذبح شاة بعد ذلك، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، وهكذا في سائر المحظورات. مثال آخر: رجل طالت أظفاره، ولم يتنبه لها حتى أحرم، ثم بدأت أظفاره تتكسر، وتؤذيه، ويسيل منها الدم، ففي هذه الحالة نقول له: إن ربنا لم يأمرنا بالضرر، فافد وقلم أظفارك، والفدية: شاة، أو صدقة، أو صيام، والله أعلم.

стр. 156

سبب نزول قوله تعالى: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) الآية السابعة والتسعون بعد المائة: قال الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. روى البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله: ((وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى))، يعني: أن أناساً من اليمن كانوا يحجون ولا يحملون معهم طعاماً، ويقولون: نحن متوكلون على الله، وهذا لا يصلح فقد قال ﷺ : (اعقلها وتوكل)، ومن التوكل: الأخذ بالأسباب، كما كان يصنع رسول الله ﷺ ؛ فإنه كان يتزود لسفره ﵊، ولذلك جاء رجل إلى الإمام أحمد ﵀ وقال له: إني حاج، فقال له: تزود، قال: إني متوكل، قال له: إذاً اخرج وحدك، فقال: لا، بل أخرج مع القوم، قال له: إذاً أنت متوكل على أزواد القوم. يعني: أنت لست متوكلاً على الله تعالى، وإنما متوكل على طعام القوم وشرابهم.

стр. 157

سبب نزول قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) الآية الثامنة والتسعون بعد المائة: قول الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]. روى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] أي: في مواطن الحج، يعني: ليس هناك مانع للرجل بأن يحج ويتاجر أو يؤجر سيارته للناس مثلاً، وكذلك الجزار والحلاق، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨].

стр. 158

سبب نزول قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) الآية التاسعة والتسعون بعد المائة، قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كانت العرب تقف بعرفة، وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة، يعني: أن قريشاً كانوا يشعرون بأنهم أرفع من الناس قدراً، وأسلم ديناً، وكانوا يقولون: نحن أهل الله والحرم؛ فلا نقف مع الناس في عرفة، بل يكون لنا مكان خاص وهو المزدلفة، فأنزل الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] يعني: يا معشر قريش! قفوا حيث وقف الناس، وأفيضوا من حيث أفاض الناس.

стр. 159

سبب نزول قوله تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله) الآية المائتان: قول الله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠]. كانت لدى العرب عادة ذميمة وهي: أنهم إذا انتهوا من يوم عرفة وذهبوا إلى المزدلفة ورموا الجمرة يقفون يتفاخرون، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم الطعام، ويحمل الحمالات، ويدفع الديات، وكان أبي، وكان أبي، فبين الله لهم: أن هذا الموضع ليس موضعاً لذكر الآباء، ثم قال لهم: ((فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ)) أي: إذا ذكرتم آباءكم فاذكروا الله كذكركم آباءكم، يعني: على الأقل اجعلوا لله نصيباً كنصيب آباءكم، أي: لا يذكر أباه وينسى ذكر الله تعالى، نعوذ بالله من تلك الحال.

стр. 160

لباب النقول في أسباب النزول [١٠] لله تعالى في كونه الكثير من السنن فمنها: انقسام الناس إلى صادق القول والقلب، ومنهم من لسانه حلو الكلام وفعله قبيح الأعمال، وقد أمر الله عباده بالدخول في كل أحكام الإسلام، وحذرهم من اتباع خطوات الشيطان.

стр. 161

سبب نزول قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك) الآية الرابعة بعد المائتين: قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]. هذه الآية تحكي نموذجاً لنوع من الناس حلو اللسان، لكنه عظيم الفساد في الأرض، يعطيك من طرف اللسان حلاوة، ولكن أعماله تكذب أقواله، وهذا حال المنافقين. هذه الآية نزلت -كما قال ابن عباس - في شأن رجلين من المنافقين؛ إذ لما أصيب أصحاب الرجيع عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وإخوانهم، قال المنافقون: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم؛ فهم يشمتون بالمسلمين الذين قتلوا. وهذا يشبه قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦]، هكذا المنافقون يحاولون دائماً أن يلقوا الحسرة والندامة في قلوب المؤمنين.

стр. 162

سبب نزول قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه) الآية السابعة بعد المائتين: قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. ومن الناس صنف يشري أي: يبيع نفسه طلباً لرضوان الله . قال سعيد بن المسيب ﵀: نزلت في صهيب بن سنان الرومي ﵁ لما خرج مهاجراً فلحق به بعض المشركين، فالتفت إليهم، وقال: قد علمتم معشر قريش أني أرمى القوم، يعني: أنه من أحسن الناس رماية، والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي فأخذتموه، فدلهم على مكان ماله، وأنه تحت عتبة الباب، فرجع القوم وأخذوا مال صهيب كله، فلقيه رسول الله ﷺ وقال له: (ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى) وأنزل الله هذه الآية.

стр. 163

سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم) الآية الثامنة بعد المائتين: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:٢٠٨]. نزلت هذه الآية في جماعة من اليهود أسلموا، ثم استأذنوا رسول الله ﷺ في أن يسبتوا -أي: أن يعظموا السبت وأن يقوموا الليل بالتوراة، فأنزل الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)). الإسلام لا يصلح فيه التلفيق، بأن تكون قطعة من هنا، وقطعة من هناك، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] إن كنت مسلماً فانس الماضي، كما قال الله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] ولا يمكن أن تكون مسلماً وأنت لا زلت تحتج بالتوراة وتنظر فيها وتعظم السبت، وقد أبدلك الله بالتوراة قرآناً، وبالسبت الجمعة، فلا يصلح.

стр. 164

سبب نزول قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل) الآية الرابعة عشرة بعد المائتين: قول الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. هذه الآية نزلت في يوم الأحزاب، عندما كان المشركون يحاصرون المسلمين، وجاءوهم من أعلى المدينة، واليهود كانوا في أسفلها، والمنافقون كانوا في الصفوف يثبطون الناس ويشككونهم؛ حتى إن بعض المسلمين داخلهم شيء من الشك، وقالوا: يا رسول الله! نصبح ونمسي في السلاح، يعني: نحن دائماً خائفون متوقعون العدو أن يأتينا من هنا أو هنا، فأنزل الله هذه الآية ليبين لهم أن من سنة الدعوات التمحيص والابتلاء والزلزلة. أم حسبتم أيها المسلمون أن تدخلوا الجنة وأنتم ما عرفتم أخبار السابقين من أتباع النبيين ممن مستهم البأساء والضراء، البأساء: الحرب والقتال، والضراء: الضر من مرض وفقر ونحوه. وَزُلْزِلُوا لكثرة الأعداء، حتى إن النبي منهم كان يتساءل هو والمؤمنون معه ويقولون: متى نصر الله؟ قال الله : ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. لكن هذا القرب في علمه هو ﷻ ، وليس بمقاييسنا نحن البشر، فلا نقول: إن النصر سيكون بعد شهر أو سنة أو نحو ذلك.

стр. 165

سبب نزول قوله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون) الآية الخامسة عشر بعد المائتين: قول الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٥]. أخرج ابن جرير عن عبد الملك بن جريج: أن المسلمين سألوا رسول الله ﷺ أين يضعون أموالهم، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٥]، فإن كان عندك مال أنفق على نفسك حتى تعفها، ثم بعد ذلك على والديك، هذه النفقة الواجبة، ثم بعد ذلك على الأرحام الأقرب فالأقرب.

стр. 166

سبب نزول قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) الآية السابعة عشرة بعد المائتين: قول الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ [البقرة:٢١٧]. هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن جحش، وذلك أن الرسول ﷺ قال لـ عبد الله بن جحش ﵁: إذا صليت الصبح غداً فوافني عند باب المسجد، فجاء عبد الله بن جحش فوجد مجموعة مع الرسول ﷺ فيهم عكاشة بن محصن، وأبو حذيفة بن عتبة، وخالد بن البكير، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، وواقد بن عبد الله اليربوعي. ثم دعا النبي ﷺ أبي بن كعب فأملى عليه كتاباً، ثم خيط هذا الكتاب ودفعه النبي ﷺ إلى عبد الله بن جحش وقال له: اذهب فقد أمرتك على هؤلاء النفر، سر يومين ثم افتح كتابي، وهذه يسمونها المهام المكتومة، يعني: حتى الجندي لا يعرف ما يراد منه، وهي إلى الآن مستعملة في الحروب، يركب الجنود طائرة ولا يعرفون إلى أين تتوجه بهم، المهم يقال لهم: حيث ما حطت الطائرة تعاملوا مع عدوكم. فسار ﵁ بأصحابه يومين، ثم فتح الكتاب، فإذا فيه: أما بعد: (أن سر حتى تأتي نخلة بين مكة والطائف فترصد عيراً لقريش، ولا تكره أحداً من أصحابك على المسير معك). فـ عبد الله بن جحش تلا الكتاب على من معه، وقال لهم: وقد أمرني رسول الله ﷺ ألا أستكرهكم وإني ماض لأمره، فقال الصحابة: ونحن ماضون لأمر رسول الله ﷺ . فذهبوا رضوان الله عليهم حتى وصلوا بطن نخلة، فوجدوا عيراً لقريش قد جاءت من قبل اليمن، وفيها الزبيب، والعنب، والأدم وغير ذلك، يقودها رجل يقال له: عمرو بن الحضرمي، ومعه رجلان من بني مخزوم وكان ذلك في آخر يوم من رجب، ورجب من الأشهر الحرم، لو تركوا القافلة فسوف تمضي، فكانوا يقولون: ننتظر غداً حتى يدخل شعبان، فبدءوا يتشاورون فقالوا: هل اليوم الثلاثون من رجب أم الأول من شعبان؟ وفي النهاية قالوا: هو الأول من شعبان. وكان واقد بن عبد الله التميمي رجلاً رامياً، وهو الذي رمى عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، ثم اشتدوا إثر هؤلاء المشركين، أما أحدهم فقد أعجزهم هرباً، والثاني جاءوا به أسيراً، واستاقوا العير، وهنا أجلب المشركون بخيلهم ورجلهم، وقالوا: إن محمداً وأصحابه قد استحلوا الشهر الحرام، وغيروا دين إبراهيم. ودخل الرسول ﷺ في حرج شديد، وقال لهم: (ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام)؛ لأن هذا التصرف خطأ، وخلاف التعليمات؛ فضاقت صدور الصحابة رضوان الله عليه، فجاء الفرج من الله: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ)) المعنى: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام. ((قُلْ)) يا محمد! ((قِتَالٌ فِيهِ)) حكمه كبير، وخطأ ومعصية. ثم قال سبحانه: ((وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)) يقول ربنا لرسوله ﷺ : إن كان أصحابك أخطئوا مرة، فإن هؤلاء المشركين ارتكبوا أربع جرائم كبيرة؛ فهم يشوشون عليكم من أجل خطأ، وهم قد وقعوا فيما هو أعظم وأنكى وهو: الكفر بالله، والصد عن سبيل الله، وإخراج المسلمين من المسجد الحرام، ولذلك قال عبد الله بن جحش يخاطب المشركين: تعدون قتلاً في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ببطن نخلة لما أوقد الحرب واقد ونفس الشيء يحدث الآن من الأمريكان الكفرة قاتلهم الله، فهم يقتلون في العراق ثلاثين ألف مسلم، يدكون المباني على أهلها، ثم المسلمون إذا أمسكوا بجماعة من الكفرة وذبحوهم ذبح الشياه تقوم الدنيا ولا تقعد؛ لأن هذا خلاف الأديان، والحضارة، والتسامح، والإنسانية، وهذه وحشية، وهكذا وكذا. وهذا الذي تفعلونه، وهذه القنابل التي يسمونها القنابل الذكية، والانشطارية، والعنقودية وغيرها من الأسماء، هل هذه حضارة ورحمة؟! فلذلك ينبغي أن نجيبهم بنفس الجواب. فنقول: ربما يكون هذا خطأ، مع أنا لا نسلم بأن الذبح خطأ، لكن لو فرض أنه خطأ في حق مائة، ولكنكم قد ارتكبتم الفظائع في حق شعب بأكمله، فما الذي جعل هذا مباحاً حلالاً، وجعل هذا قبيحاً حراماً؟! فنفس الدعاية التي يثيرها هؤلاء الكفرة الآن كان أسلافهم كـ أبي جهل وأبي لهب يثيرونها حول رسول الله ﷺ وأصحابه.

стр. 167

سبب نزول قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر) الآية التاسعة عشرة بعد المائتين: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]. الخمر هو كل ما خامر العقل فغطاه، سواء كانت من الذرة، أو الشعير، أو العنب، أو التمر، أو الحنطة أو غير ذلك مما يستحدثه الناس. والعلماء ﵏ قالوا: الخمر أو المسكر ما أذهب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب، يعني: الرجل السكران -عافني الله وإياكم- يكون عقله غير موجود لكن حواسه موجودة، بحيث إنه لو وضع يده على النار فإنه يشعر، فالمسكر ما أذهب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب، قال الشاعر: وإذا شربت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا أفقت فإنني رب الشويهة والبعير يعني: عندما يكون سكران يرى نفسه في قصور وأنه ملك، فإذا أفاق وجد نفسه مع الغنم. والخورنق والسدير قصران للنعمان بن المنذر في الحيرة. ونشربها فتتركنا ملوكاً وأسداً لا ينهنهنا اللقاء فالمسكر ما أذهب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب. والمخدر هو ما أذهب العقل دون الحواس لا مع نشوة وطرب، فالرجل السكران بالخمر تجده في نشوة وطرب أما الذي أخذ المخدر فإنك تجده ساكناً هادئاً تقول له: السلام عليكم، فيقول: هاه. والمسلمون كانوا يشربون الخمر، فالله بحكمته ورحمته ما حرمه عليهم مرة واحدة، وإنما حرمها على أربع مراحل: المرحلة الأولى: قول ربنا سبحانه: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل:٦٧] ما دام أن الناس اتخذوا سكراً ورزقاً حسناً، فمعناه أن السكر ليس رزقاً حسناً. وقال عمر: اللهم أنزل لنا في الخمر بياناً شافياً، فجاءت المرحلة الثانية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] فقال عمر: اللهم أنزل لنا في الخمر بياناً شافياً. فجاءت المرحلة الثالثة: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]. فبعض المسلمين قالوا: لا خير في شيء يشغل عن الصلاة، لكن بعضهم ما زال يشرب الخمر، فجاءت المرحلة الرابعة: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]. وقد لعن الله في الخمر عشرة: شاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، وآكل ثمنها، وعاصرها، ومعتصرها، كل من أحاط بالخمر فإنه ملعون، نسأل الله العافية.

стр. 168

الأسئلة

стр. 169

حصول الأجر بالنية الصادقة بلا عمل السؤال لي نية في الاعتكاف ولكن ظروفي لا تسمح، فهل يندرج هذا تحت حديث الرسول ﷺ : (تركنا أقواماً بالمدينة ما قطعنا وادياً إلا كانوا معنا حبسهم العذر)؟ الجواب أولاً: قال ربنا سبحانه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]. ثانياً: قال رسول الله ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثلما كان يعمل مقيماً صحيحاً). ثالثاً: في غزوة تبوك قال النبي ﷺ للصحابة: (إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، إلا شاركوكم في الأجر، حبسهم العذر) من هنا أخذ العلماء قاعدة: كل من نوى عملاً صالحاً حيل بينه وبين ما يشتهي يكتب الله له أجره. فأنت تحب الصيام وتصوم فإذا قدر الله عليك مرضاً منعك من الصيام، فإن الله يكتب لك أجر الصائم. أنت تصلي الفرض في جماعة، فتصلي صلواتك الخمس في المسجد، فإذا قدر الله عليك ملاريا، وجلست أسبوعاً لا تخرج من البيت يكتب الله لك أجر الجماعة، مع أنك تصلي إلى جوار سريرك، لماذا؟ لأن الله لا يعاملنا بالعدل وحده، وإنما يعاملنا بالعدل والفضل، ولذلك يوم القيامة تكون الحسنة بعشر إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، والسيئة واحدة.

стр. 170

حكم الشرع في اتخاذ الطيور للزينة وحبسها السؤال ما حكم الشرع في اتخاذ الطيور للزينة وحبسها، مع العلم أنه يهيأ لها المكان، ويوفر لها الطعام والشراب؟ الجواب من اتخذ طيوراً فأطعمها وسقاها، وكنها من الحر والقر فلا حرج عليه؛ لأن الرسول ﷺ قال: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض) معناه: لو حصل أحد الأمرين فقد انتفى الحرج، لو أنك أطعمتها فقد خرجت من الحرج، ولو تركتها تأكل من خشاش الأرض فقد انتفى الحرج، أما أن تحبسها في قفص، ثم لا تطعمها ولا تسقيها حتى تموت، فأنت عاصٍ والجزاء من جنس العمل، من عذب خلق الله عذبه الله.

стр. 171

جواز الاعتكاف في أي مسجد السؤال قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] هل يدل هذا على جواز الاعتكاف في أي مسجد غير المساجد الثلاثة؟ الجواب الذي عليه جمهور العلماء أن الاعتكاف يجوز في أي مسجد، اللهم إلا إذا كان الاعتكاف في العشر الأواخر فلا بد أن يكون مسجداً جامعاً؛ لئلا تضطر للخروج إلى الجمعة؛ لأنك لو خرجت بطل اعتكافك. أما قول النبي ﷺ في الحديث: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) فهذا يحمل على الاعتكاف الكامل، يعني: ذو الأجر الكبير، ولا شك أنه لا مقارنة بين اعتكاف في مسجد ما وبين اعتكاف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي.

стр. 172

عدم جواز الخروج من المعتكف إلا لضرورة السؤال أنوي الاعتكاف -إن شاء الله- ولكن لدي معاينة في أحد أيام الاعتكاف، فهل هذه ضرورة أقطع لها الاعتكاف أم أنه يبطل وينقص الأجر؟ ومتى يبدأ الاعتكاف في هذا المسجد؟ الجواب الاعتكاف ليس فيه شيء نظامي يبدأ يوم كذا وينتهي يوم كذا، من شاء أن يعتكف من أول رمضان فبيت الله يسع الجميع، لكن الاعتكاف يكون في العشر الأواخر، وكان هدي رسول الله ﷺ أنه يدخل في اليوم العشرين قبل غروب شمسه؛ من أجل أن يدرك أول ليالي الوتر، التي هي ليلة إحدى وعشرين، وما كان يخرج ﷺ إلا إلى مصلى العيد. أما الخروج من المعتكف لغير ضرورة فإنه يبطل الاعتكاف، ولذلك لا تترك المعاينة إن شاء الله، واخرج ثم تعال واستأنف وجدد النية، وابدأ اعتكافاً من جديد، وليس هناك شيء يضيع الاعتكاف الأول، وسوف تجده في الميزان، والذي اعتكفته آخراً سوف تجده في الميزان.

стр. 173

حكم البنج السؤال هل البنج من المخدرات المحرمة؟ الجواب البنج من المخدرات بلا شك، فهو مسكر ويذهب العقل، بدليل أن الإنسان في العميلة الجراحية يستعمل معه المشرط، وتغرز فيه الحقن ولا يشعر، لكن هذا من باب الضرورة العلاجية، بشرط أن تكون الجراحة نفسها مباحة، وإلا لو كانت الجراحة محرمة مثل جراحة تغيير الجلد، أو من لا يعجبه أنه رجل، ويريد أن يصبح امرأة -والعياذ بالله- وامرأة لا يعجبها أنها امرأة، فتريد أن تكون رجلاً، فهذه جراحة محرمة، ومثل ذلك جراحة التجميل التحسينية، كمن يرى أنفه كبيرة، وقالوا له: هناك دكتور يمكن أن يصغرها، فهذه محرمة؛ لأنها داخلة في قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩]، فإذا كانت الجراحة محرمة، فإن التخدير محرم.

стр. 174

استخدام الموبايل أثناء الاعتكاف السؤال هل يجوز للمعتكف استخدام الموبايل أثناء فترة الاعتكاف؟ الجواب إذا كان يستخدم الموبايل في خير، فهو خير، وإذا كان يستخدم الموبايل لكي يسأل عن أولاده، فلا مانع، صفية ﵂ كانت تأتي وتزور الرسول ﷺ في المعتكف، وعائشة ﵂ كان يدخل النبي ﵊ لها رأسه فترجله وهو في معتكفه، وهي حائض ﵂. فالموبايل قد تسخدمه في شيء واجب أو مباح بقدر معلوم، لكن من يلعب به، أو يدير أعماله من خلاله، فالأفضل في حقه ألا يعتكف؛ لئلا يؤذي الناس، وبعض الناس يعتكفون ليقضوا أياماً طيبة، فيها الفرفشة، فهذا لا يصلح. الاعتكاف معناه: أن تحبس نفسك في بيت الله على عمل مخصوص، ذكر، قرآن، دعاء، استغفار، صلاة ونحو ذلك، ولذلك سن لنا الرسول ﷺ الخباء، بأن يصنع الرجل له حاجزاً من أجل ألا يشتغل بالناس، ولا هم يشتغلون به.

стр. 175

حكم القنوت في الصلاة السؤال ما حكم القنوت في الصلاة؟ الجواب القنوت مسألة خلافية بين الأئمة الأربعة، فالناس على مذهب إمامهم، إن قنت وجب عليهم أن يقنتوا معه، وإن لم يقنت فلا يقنتوا.

стр. 176

معنى دعاء (اللهم احفظ قلوبنا من النفاق) السؤال ماذا يعني الدعاء القائل: اللهم احفظ قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء، وأعيننا من الخيانة؟ الجواب يقول ابن أبي مليكة ﵀: أدركت ثلاثين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يخشى على نفسه النفاق، ولذلك الإنسان العاقل دائماً يدعو الله أن يطهر قلبه من النفاق، وأعماله من الرياء فالرياء يسري إليها، والرياء لا يكاد يسلم منه أحد، حتى الصديق ﵁ سيد هذه الأمة جاء يشكو للنبي ﷺ فعلمه دعاء يدعو به. وأعيننا من الخيانة، العين تخون، يعني: يا رب احفظ بصري من أن تكون له خائنة، وخائنة الأعين هي: أن الإنسان إذا كان بين الناس غض بصره، وإذا لم يكن معهم تتبع المرأة ببصره، ويعاين مرة ثانية إذا تأكد من أنه لا يوجد رجل يراه؛ لأنه يتظاهر بالورع، فهذه خائنة الأعين. وبعض الناس يلبس نظارات سوداء يشاهد من خلالها المحرمات، والناس لا يعرفون؛ لأن الرأس في ناحية، والنظر في ناحية. ومن الأدعية أيضاً: اللهم سلمنا وسلم ديننا! اللهم سلمنا! أي: سلمنا من سائر الشرور والآفات. وسلم ديننا: سلم ديننا من كل نقص، وسلب، وطعن. ولا تسلب وقت النزع إيماننا، أي يا رب! في وقت نزع الروح توفنا ونحن مؤمنون. وكان من دعاء النبي ﷺ في صلاة الجنازة: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفاه على الإيمان).

стр. 177

مدة بقاء موسى في مدين السؤال كم بقى موسى في مدين: الجواب ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ [القصص:٢٧] على أن تعمل أجيراً عندي ثماني حجج، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص:٢٧]. وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : (سألت جبر أين الأجلين قضاهما موسى؟ فقال: أتمهما وأوفاهما) يعني: موسى رجل كريم، يقابل الكرم بالكرم، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فعمل عند العبد الصالح عشر سنين.

стр. 178

لباب النقول في أسباب النزول [١١] إن المرأة كانت قبل الإسلام تعيش حالة من البؤس والشقاء والإذلال والمهانة، إلى أن سطع نور الإسلام وأنبلج فأعاد للمرأة إنسانيتها التي سُلبت منها، فشرع لها أحكاماً تحفظ لها كرامتها، ومن جملة هذه الأحكام: أن أجاز للرجل معاشرة ومخالطة زوجته أثناء الحيض دون جماع، وكذلك حرم الإسلام أن يأخذ الزوج من زوجته شيئاً من صداقها إذا طلقها، بل أوجب عليه أن يسرحها سراحاً جميلاً، وجعل الطلاق مرتين لئلا تصير المرأة معلقة في يد زوجها متى شاء طلقها ومتى شاء راجعها.

стр. 179

سبب نزول قوله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير) الآية العشرون بعد المائتين: قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]. أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه عن طعامه، وشرابه عن شرابه، فجعل يفصل له شيئاً من طعامه فيحبسه له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢٢٠]. ومعنى كلام ابن عباس ﵄: أنه لما نزلت الآيات التي تحذر من أكل مال اليتيم والتعرض لماله بغير التي هي أحسن أثرت هذه الآيات في نفوس الصحابة ﵃، فأي شخص من الصحابة كان عنده يتيم انطلق فعزل طعامه عن طعامه، وشرابه عن شرابه؛ حذراً من هذه الآية، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٠]. وهذا معلوم حتى من ناحية التربية، فلو كان عندي يتيم في البيت فعزلت له طعامه بعيداً عن طعام الأهل والعيال فهذا يؤثر عليه تأثيراً سلبياً؛ ولذلك أرشدنا الله إلى مخالطتهم فقال: ((وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)) وبين ربنا أن الأعمال بالنيات فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] أي: أن الله يعلم من الذي يريد أن يأكل مال اليتيم ومن الذي لا يريد ذلك، وهذا نظيره قول رسول الله ﷺ : (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله).

стр. 180

سبب نزول قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) الآية الحادية والعشرون بعد المائتين: قول الله : ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]. أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن سليمان قال: نزلت هذه الآية في مرثد بن أبي مرثد الغنوي ﵁ عندما استأذن النبي ﷺ في عناق أن يتزوجها، وكانت ذات حظ وجمال فنزلت: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، ومرثد بن أبي مرثد هو من المهاجرين الأولين، وكانت لديه علاقة في الجاهلية بامرأة اسمها عناق، فلقيت عناق مرثداً فدعته إلى نفسها فأبى وقال لها: قد حرم الله الزنا، فقالت له: تزوجني فقال: لا أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فلما جاء واستأذن نزلت هذه الآية التي يبين الله فيها أن نكاح المشركة حرام أياً كان شركها سواء كانت ملحدة لا تؤمن بالله أصلاً، أو كانت ذات دين باطل كالبوذية، والمجوسية، والهندوسية، والزرادشتية، والشيوعية ونحو ذلك، فهذه المرأة لا يجوز نكاحها، وما استثنى ربنا من أهل الأديان الباطلة إلا اليهوديات والنصرانيات بشرط العفة، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] المحصنات يعني: العفيفات، فالنصرانية أو اليهودية لو كانت زانية كما هو حال أكثرهن في زماننا هذا لا يجوز التزوج بها.
следующие страницы →