← Джавами‘

Джавами‘ · id 37422

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

عبد الحي يوسف

Полный текст (933 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

معنى دعاء (اللهم احفظ قلوبنا من النفاق) السؤال ماذا يعني الدعاء القائل: اللهم احفظ قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء، وأعيننا من الخيانة؟ الجواب يقول ابن أبي مليكة ﵀: أدركت ثلاثين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يخشى على نفسه النفاق، ولذلك الإنسان العاقل دائماً يدعو الله أن يطهر قلبه من النفاق، وأعماله من الرياء فالرياء يسري إليها، والرياء لا يكاد يسلم منه أحد، حتى الصديق ﵁ سيد هذه الأمة جاء يشكو للنبي ﷺ فعلمه دعاء يدعو به. وأعيننا من الخيانة، العين تخون، يعني: يا رب احفظ بصري من أن تكون له خائنة، وخائنة الأعين هي: أن الإنسان إذا كان بين الناس غض بصره، وإذا لم يكن معهم تتبع المرأة ببصره، ويعاين مرة ثانية إذا تأكد من أنه لا يوجد رجل يراه؛ لأنه يتظاهر بالورع، فهذه خائنة الأعين. وبعض الناس يلبس نظارات سوداء يشاهد من خلالها المحرمات، والناس لا يعرفون؛ لأن الرأس في ناحية، والنظر في ناحية. ومن الأدعية أيضاً: اللهم سلمنا وسلم ديننا! اللهم سلمنا! أي: سلمنا من سائر الشرور والآفات. وسلم ديننا: سلم ديننا من كل نقص، وسلب، وطعن. ولا تسلب وقت النزع إيماننا، أي يا رب! في وقت نزع الروح توفنا ونحن مؤمنون. وكان من دعاء النبي ﷺ في صلاة الجنازة: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفاه على الإيمان).

стр. 177

مدة بقاء موسى في مدين السؤال كم بقى موسى في مدين: الجواب ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ [القصص:٢٧] على أن تعمل أجيراً عندي ثماني حجج، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص:٢٧]. وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : (سألت جبر أين الأجلين قضاهما موسى؟ فقال: أتمهما وأوفاهما) يعني: موسى رجل كريم، يقابل الكرم بالكرم، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فعمل عند العبد الصالح عشر سنين.

стр. 178

لباب النقول في أسباب النزول [١١] إن المرأة كانت قبل الإسلام تعيش حالة من البؤس والشقاء والإذلال والمهانة، إلى أن سطع نور الإسلام وأنبلج فأعاد للمرأة إنسانيتها التي سُلبت منها، فشرع لها أحكاماً تحفظ لها كرامتها، ومن جملة هذه الأحكام: أن أجاز للرجل معاشرة ومخالطة زوجته أثناء الحيض دون جماع، وكذلك حرم الإسلام أن يأخذ الزوج من زوجته شيئاً من صداقها إذا طلقها، بل أوجب عليه أن يسرحها سراحاً جميلاً، وجعل الطلاق مرتين لئلا تصير المرأة معلقة في يد زوجها متى شاء طلقها ومتى شاء راجعها.

стр. 179

سبب نزول قوله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير) الآية العشرون بعد المائتين: قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]. أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه عن طعامه، وشرابه عن شرابه، فجعل يفصل له شيئاً من طعامه فيحبسه له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢٢٠]. ومعنى كلام ابن عباس ﵄: أنه لما نزلت الآيات التي تحذر من أكل مال اليتيم والتعرض لماله بغير التي هي أحسن أثرت هذه الآيات في نفوس الصحابة ﵃، فأي شخص من الصحابة كان عنده يتيم انطلق فعزل طعامه عن طعامه، وشرابه عن شرابه؛ حذراً من هذه الآية، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٠]. وهذا معلوم حتى من ناحية التربية، فلو كان عندي يتيم في البيت فعزلت له طعامه بعيداً عن طعام الأهل والعيال فهذا يؤثر عليه تأثيراً سلبياً؛ ولذلك أرشدنا الله إلى مخالطتهم فقال: ((وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)) وبين ربنا أن الأعمال بالنيات فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] أي: أن الله يعلم من الذي يريد أن يأكل مال اليتيم ومن الذي لا يريد ذلك، وهذا نظيره قول رسول الله ﷺ : (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله).

стр. 180

سبب نزول قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) الآية الحادية والعشرون بعد المائتين: قول الله : ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]. أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن سليمان قال: نزلت هذه الآية في مرثد بن أبي مرثد الغنوي ﵁ عندما استأذن النبي ﷺ في عناق أن يتزوجها، وكانت ذات حظ وجمال فنزلت: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، ومرثد بن أبي مرثد هو من المهاجرين الأولين، وكانت لديه علاقة في الجاهلية بامرأة اسمها عناق، فلقيت عناق مرثداً فدعته إلى نفسها فأبى وقال لها: قد حرم الله الزنا، فقالت له: تزوجني فقال: لا أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فلما جاء واستأذن نزلت هذه الآية التي يبين الله فيها أن نكاح المشركة حرام أياً كان شركها سواء كانت ملحدة لا تؤمن بالله أصلاً، أو كانت ذات دين باطل كالبوذية، والمجوسية، والهندوسية، والزرادشتية، والشيوعية ونحو ذلك، فهذه المرأة لا يجوز نكاحها، وما استثنى ربنا من أهل الأديان الباطلة إلا اليهوديات والنصرانيات بشرط العفة، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] المحصنات يعني: العفيفات، فالنصرانية أو اليهودية لو كانت زانية كما هو حال أكثرهن في زماننا هذا لا يجوز التزوج بها.

стр. 181

سبب نزول قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض) الآية الثانية والعشرون بعد المائتين قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]. روى مسلم والترمذي عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت -ومعنى يجامعوها في البيوت أي: يساكنوها- فسأل الصحابة النبي ﷺ فأنزل الله : ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] فقال النبي ﵊: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فاليهود كانوا أصحاب السيطرة الثقافية والتوجيه الفكري في المدينة، وكان الأوس والخزرج أهل أوثان، فكانوا إذا اختلفوا في شيء رجعوا إلى اليهود بوصفهم أهل العلم بالكتاب الأول، ومما عرفوه من ثقافة اليهود أن المرأة إذا حاضت اعتزلوها تماماً فلم يؤاكلوها، يعني لا يقعدوا معها في سفرة واحدة، ولا يضاجعونها، أي: أن اليهودي لا ينام مع المرأة الحائض في فراش واحد، ولا يجامعوها في البيوت، حتى الغرفة التي هي فيها لا يقعد معها فيها، فأنزل الله هذه الآية فقال: ((فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ))، وفسر الرسول ﷺ الاعتزال بقوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، وكان الرسول ﵊ يعامل المرأة التي تكون حائضاً معاملة عادية، كما قالت أمنا عائشة: (كان يكون علي الحيض فيأمرني رسول الله ﷺ فأتزر فيباشرني وأنا حائض). وكذلك كان يضع رأسه في حجر عائشة فيرتل القرآن وهي حائض، فتكون عائشة ﵂ حائضاً والرسول ﵊ يضع رأسه في حجرها ويرتل القرآن. فيا عبد الله! إذا حاضت الزوجة فممنوع عليك الجماع في الفرج فقط، أما ما كان دون ذلك فلا إشكال.

стр. 182

سبب نزول قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) الآية الثالثة والعشرون بعد المائتين: قول الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فأنزل الله هذه الآية يبيح فيها للمسلم أن يأتي أهله من أي مكان طالما أن الجماع في محل الحرث أي: محل زراعة الولد، سواء جاء من أمام أو من الخلف، وسواءً كانت قائمة أو باركة أو راكعة أو ساجدة على كل الأحوال.

стр. 183

سبب نزول قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) الآية الرابعة والعشرون بعد المائتين: قول الله : ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤] هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق في شأن مسطح بن أثاثة، وهذا الرجل كان ابن خالة أبي بكر يعني من أرحامه، ولما تكلم عبد الله بن سلول في عرض أمنا عائشة واتهمها بـ صفوان بن المعطل رضوان الله عليهما، كان مسطح من الذين خاضوا في حديث الإفك، فلما أنزل الله براءة أمنا من السماء غضب أبو بكر وقال: والله! لا أنفعه بخير ما حييت، فبعدما كان يتصدق عليه أقسم بالله ألا يعطيه شيئاً، فأنزل الله هذه الآية ينهى المسلم عن المسارعة إلى اليمين إلى الحلف. ومثلها قول الله : ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور:٢٢] أي: لا يحلف، فالألية القسم، ومنه قول القائل: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن بدرت منه الألية برت قال الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢] فـ أبو بكر ﵁ رجع عن يمينه وأخذ يعطي مسطحاً ضعف ما كان يعطيه؛ لأن الله ختم الآية بقوله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] فقال أبو بكر ﵁: بلى إني لأحب أن يغفر الله لي.

стр. 184

سبب نزول قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) الآية الثامنة والعشرون بعد المائتين: قول الله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] قال أبو داود: هذه الآية نزلت في أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية ﵂ قالت: (طلقت على عهد رسول الله ﷺ ولم يكن للمطلقة عدة فأنزل الله العدة للطلاق: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]). (المطلقات): جمع مطلقة، والمطلقة هي التي طلقها زوجها، طلقها بلفظة تدل على نقض عقد التزويج إما أنه تلفظ أو قال لها: أنت طالق أو مطلقة أو نحو ذلك، أو استعمل الكنايات فقال لها: حبلك على غاربك، أو قال لها: أنت حرة، أو قال لها: اذهبي إلى بيت أبيك، أو قال لها: الذي بيني وبينك انتهى، فهذه كلها كنايات، وهذه المطلقة عليها عدة، والمفروض أنها لا تذهب إلى بيت أبيها إلا بعدما تقضي ثلاثة أطهار، والقرء هو: الطهر، فتمكث في بيت الزوجية مع زوجها الذي طلقها، وتتزين له لعل الله أن يحدث بعد ذلك أمراً.

стр. 185

سبب نزول قوله تعالى: (الطلاق مرتان) الآية التاسعة والعشرون بعد المائتين: قول الله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩]. أخرج الترمذي والحاكم وغيرهما عن عائشة قالت: (كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة وأكثر) يعني: في الجاهلية ما كان هناك حد للطلاق، فهو يطلقها وهي في العدة ثم يرجعها، وبعد فترة يطلقها وهكذا، ولو طلقها مائة مرة أو أكثر، قالت: (حتى كان رجل قال لامرأته: والله! لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبداً) قال لها: أنا لن أطلقك ولن أدعك زوجة، سأجعلك معلقة (قالت له: كيف ذلك؟ قال لها: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة وأخبرت النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩]) أي: أنه قال لها: كل مرة سأطلقك إلى قبل نهاية عدتك بقليل فأراجعك، فمثلاً: غداً أطلقك ثم تعتدي ثلاثة قروء وقبل نهاية عدتك أراجعك، وهكذا تبقين معلقة، فالمرأة ﵂ ما صبرت على هذا الظلم، وذهبت إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ يعني لا يستطيع -حتى ولو كانت نيته نية سوء- أن يعلقها إلا مرتين وهي تقريباً ثلاثة أشهر ثم بعد ذلك يصبح أمرها بيدها، ((فَإِنْ طَلَّقَهَا)) يعني: للمرة الثالثة ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠].

стр. 186

سبب نزول قوله تعالى (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً) وفي نفس الآية قال الله : ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة:٢٢٩]. قال ابن عباس: كان الرجل يأكل مال امرأته من نحلته التي نحلها، لا يرى أن عليه جناحاً، فأنزل الله هذه الآية. وقيل كما في رواية ابن جرير عن عبد الملك بن جريج: نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس وزوجته حبيبة فقد شكته إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فدعاه فذكر له ذلك، قال: وتطيب لي بذلك -يا رسول الله- قال: نعم، قال: ففعلت). ومعنى الكلام: أن الرجل في الجاهلية كان يتزوج المرأة ويعيش معها سنة أو سنتين أو خمساً وبعد ذلك يزهد فيها ولكنه لا يريد أن يطلقها مجاناً، فيبدأ يضيق عليها، ويعبس في وجهها، ويغلظ القول لها، فإذا قالت له: طلقني، قال لها: ردي علي ما دفعت! وهو ما يفعله الظالمون في هذا الزمان، وهذا حرام. فإن أردت أن تطلق زوجتك فلا يحل لك أن تأخذ مما آتيتها شيئاً، بل الواجب أن تعطيها؛ لأن الله قال: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] متعوهن يعني: عندما تزوجتها اشتريت لها ملابس وذهباً وعطوراً، فعندما تطلقها اشتر لها أيضاً، قال الله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١]. وخاطب الله نبيه ﷺ فقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨]. قال الله : ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] يعني: لو كان النشوز من قبل المرأة وكرهت زوجها، فإذا سئلت: هل الرجل فيه عيب في دينه؟ قالت: لا. وهل هذا الرجل أخلاقه صعبة؟ فأجابت: لا. وهل يسيء إليك؟ فإذا قالت: لا. وهل يقصر في النفقة؟ فإذا قالت: لا. فإذاً: لم تريدين الطلاق؟ فأجابت: كرهته، لماذا كرهتيه؟ قالت -مثلاً-: كرشه كبير، أو قالت: هو قصير، أو قالت: هو طويل، فهذا كله من صنع الله ومن تقديره، ففي هذه الحالة نقول لها: ردي ما دفع لك، كما فعلت حبيبة بنت سهل ﵂ فقد (جاءت إلى الرسول ﷺ وقالت له: يا رسول الله! زوجي -وهو ثابت بن قيس - ما أعيب عليه خلقاً ولا ديناً ولكن لا يجمعني وإياه سقف واحد -أنا لا أعيش معه-، قال لها: ولم؟ قالت له: نظرت من كوة في الجدار -يعني: من الشباك- وهو مقبل مع جماعة فإذا هو أقصرهم قامة وأسودهم وجهاً!). فالرسول ﷺ ما قال لها: لا تقعدي معه، وإنما استدعى زوجها وقال له: (طلقها -أي: طلق المرأة التي لا تريدك- قال: يا رسول الله! أصدقتها حديقة -المهر كان حديقة بستان-، فالرسول ﷺ قال لزوجته: أتردين عليه الحديقة؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته، فقال ﵊: أما الزيادة فلا، فقال لـ ثابت: طلقها تطليقة، وقال للمرأة: ردي عليه الحديقة. فقال ثابت: وتطيب لي بذلك يا رسول الله؟! -يعني: الحديقة هذه تكون طيبة لي حلالاً؟ - قال ﷺ : نعم). فهذا يكون في حالة الكراهية من الزوجة لزوجها، أما إذا كنت أنت الذي كرهتها فاتق الله وطلقها ومتعها كما قال الله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩]، ولذلك ما زال الصالحون من عباد الله الواحد منهم إذا زهد في صحبة المرأة فإنه يطلقها ثم يزودها بعد انقضاء عدتها بكل ما تحتاج إليه من ثياب ومتاع وأثاث، وبعض الصالحين يخيرها ويقول لها: خذي كل ما تريدينه من البيت من أثاث ومن غيره، ثم يحملها معززة مكرمة إلى بيت أهلها، فلا يشتم ولا يسيء ولا يطلع الناس على عيوبها.

стр. 187

الأسئلة

стр. 188

بيان ما يجب على من قتل خطأ السؤال في حالة القتل الخطأ وبعد دفع الدية هل يترتب على القاتل صيام؟ الجواب نعم، القتل الخطأ فيه حقان: حق لأولياء الدم، وحق لله، حق أولياء الدم: الدية، فإن عفوا فجزاهم الله خيراً، ويبقى حق الله، وتكون الكفارة بعتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله.

стр. 189

حكم بيع الطعام في نهار رمضان لغير المسلمين السؤال امرأة مسلمة تبيع الطعام لمجموعة من النصارى يعملون في إحدى الأسواق الصغيرة في وضح نهار رمضان المبارك، فما الحكم في ذلك؟ الجواب لا يجوز بيع الطعام في نهار رمضان لمسلم ولا لكافر يريد أن يأكل في نهار رمضان؛ لعموم قول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. والذي عليه جمهور العلماء أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، يعني: أن الكافر يوم القيامة سيحاسب على كفره بالله وكفره بالرسل، ثم بعد ذلك يحاسب على الصلاة، ويحاسب على الصيام، ويحاسب على الحج، وكل فروع الشريعة في العبادات وفي المعاملات وفي الأخلاق؛ ولذلك هذا لا يجوز. وقد يقول بعض الناس: أنا عندي رجل شغال في البيت وهو غير مسلم هل أعطيه أكلاً؟ ف الجواب لا تعطه، ولا تجبره على الصيام لأنه لا إكراه في الدين، لكن لا أعينه على كفره بالله .

стр. 190

حكم تكرار العمرة من التنعيم السؤال من ذهب للعمرة في رمضان وجلس في مكة واعتمر أكثر من مرة؛ لأنه يقول: إن هذه فرصة وربما لا أعود لهذه الرحاب المباركة، وكان يذهب للتنعيم ويحرم منها، فهل عمرته صحيحة؟ وهل إحرامه من التنعيم صحيح؟ الجواب عمرته صحيحة وإحرامه صحيح، وقد فعلت ذلك أمنا عائشة ﵂، فبعدما فرغت من الحج قالت للرسول ﷺ : يا رسول الله! أيرجع صويحباتي بحجة وعمرة وأرجع بحجة؟! فأمر النبي ﷺ أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر بأن يصحبها إلى الحل، أي أنه: ليس ضرورياً من التنعيم، بل من أي مكان مثل: جدة أو الطائف، فإذا ذهب إلى أي مكان خارج حدود الحرم، فليحرم من هناك ويأتي بعمرة من الحل.

стр. 191

حكم من جعل سداد دينه جزءاً من زكاته السؤال لي دين على أحد الأقارب تعثر في سداده لأكثر من عام، فهل يمكن أن أتركه له وأخصمه من زكاة أموالي لهذا العام؟ الجواب لا يجوز أن تفدي الدين الذي لك بالزكاة، وهذا باتفاق أهل العلم، فأنا دينت فلاناً من الناس مليون ريال ثم بعد ذلك ما استطاع السداد، فلما حال الحول كانت زكاتي عشرة مليون، فهل أقول: المليون هذا نعتبره من الزكاة؟ هذا لا يجوز.

стр. 192

حكم زكاة الأرض السؤال ما حكم زكاة الأرض؟ الجواب الأرض إذا اشتريتها من أجل أن تبني عليها سكناً لك ولأسرتك فليس فيها زكاة، أما من اشتراها بغرض الاستثمار فإنه إذا باعها يخرج زكاتها لحول واحد.

стр. 193

حكم من قال إنك تجعلنا نكفر السؤال بعد الإفطار تناقشت مع أخي الأصغر في خطأ فعله، وأغضبني فقلت له: إنك تجعلنا نكفر في رمضان، فما هو الحكم في هذا؟ الجواب والله! أنا لا أدري ماذا تقصد بهذه الكلمة، لعلك تقصد بالكفر: المعصية، يعني: تجعلنا نعصي ربنا، والشريعة سمت بعض المعاصي كفراً، كقوله ﷺ : (اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت)، وقوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). فإذا كنت تقصد: أنك تجعلنا نعصي الله ونضيع ثواب صيامنا فلا شيء عليك في ذلك، وكذلك إذا كنت تقصد كفر النعمة فلا شيء عليك في ذلك.

стр. 194

حكم من أكل أو شرب بعد الأذان الثاني لصلاة الفجر معتقداً أنه الأول السؤال استيقظت في الأذان الثاني للفجر ولكني سمعت أذاناً واحداً فظننت أنه أذن قبل المساجد الأخرى، فشربت وانتظرت لتؤذن المساجد الأخرى، ولكنها أقيمت الصلاة، واتضح لي أن الأذان الذي سمعته كان آخر مؤذن، فهل أفطرت عمداً، وما كفارة يومي هذا؟ الجواب يا أخي! أنت لديك ساعة، فالأذان يكون -مثلاً- الساعة: الخامسة وسبع وعشرون دقيقة، يعني: في ذلك الوقت يجب عليك الإمساك ولو لم تسمع أذاناً، فلو فرضنا أن كل المؤذنين ناموا فيجب عليك أن تمسك، فالذي يظهر -والعلم عند الله تعالى- أن عليك القضاء مكان ذلك اليوم؛ لأنك تأولت تأويلاً ليس بذاك، وليس عليك إلا القضاء.

стр. 195

حكم المضاربة أو القراض السؤال نحن نساء في الحي نتعامل مع امرأة ونعطيها ذهباً قديماً والمعروف أن قيمته المادية تقل عن الذهب الجديد، ثم تستثمره وترد لنا بعد فترة مالاً بسعر الذهب الجديد، وأحياناً أعطيها مبلغاً من المال ثم ترده لنا بفائدة بعد فترة أي بالزيادة باعتبار أنه ربح، فما حكم هذا التعامل؟ الجواب هذه المعاملة تعتبر مضاربة وتسمى قراضاً، بمعنى: أني أدفع مالاً لإنسان يشتغل به، بعد ذلك نقتسم الربح بيننا، لكن المفروض ألا أشترط عليها أنه لابد أن تزيد ربحاً محدداً، فالله أعلم، قد تربح وقد تخسر، فإذا كان فيه اشتراط فهذه مضاربة فاسدة، بل هذا هو الربا بعينه الذي حرمه الله ، أما إذا كان الذهب القديم تتجر فيه ثم بعد ذلك ما يقسم الله من ربح يكون بينكما حسب ما تتفقان عليه فلا حرج في ذلك إن شاء الله. فإذا لم يكن هناك ربا فلا حرج أن نعطيها المال ونقول لها: اتجري به والربح بيننا بالسوية، النصف بالنصف، أو الثلث والثلثين أو العكس، وإذا لم نعرف كم الربح فلا حرج، أما أن نعطيها مليوناً ونقول لها: بشرط بعد شهرين نجعل على مليون ومائتين ألف فهذا هو الربا بعينه، والله تعالى أعلم.

стр. 196

تفسير من سورة الأعلى إلى سورة البلد لقد اشتملت سورة الأعلى والغاشية والفجر والبلد على فوائد جمةٍ، ومعانٍ عظيمةٍ، ولفتاتٍ قيمةٍ، وهي من السور المكية التي يغلب عليها طابع الإعجاز والتحدي، والتذكير بالآخرة، ولفت أذهان ذوي الألباب إلى مشاهدة دلائل التوحيد والربوبية الموجودة في الخلق وفي النفس البشرية، ولفت أنظارهم كذلك إلى ما أعده الله لأوليائه، وما توعد به أعدائه، فالله تعالى ما ترك لنا شيئاً خيَّراً إلا وأرشدنا إليه، ولا شراً إلا وحذرنا منه، فلنعظم الله بالتوحيد، ولنسبحه بالتقديس والتمجيد، فالله مولانا وهو خير الناصرين.

стр. 197

تفسير سورة الأعلى

стр. 198

فضل سورة الأعلى الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المقبولين. سورة الأعلى هي السورة التي نقرأ بها في صلاة الوتر في كل ليلة، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال لـ معاذ بن جبل ﵁: (هلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى). وثبت في مسند الإمام أحمد من حديث أم المؤمنين عائشة، وأبي بن كعب، وعبد الرحمن بن أبزى ﵃ أجمعين: (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد)، زادت أمنا عائشة ﵂: (وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس). وثبت في مسند أحمد من حديث النعمان بن بشير ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية في صلاة العيد، وفي صلاة الجمعة). وقد اشتملت هذه السورة المباركة على تسع عشرة آية، وثمان وسبعين كلمة، وإحدى وسبعين ومائتي حرف، بمعنى: أن من قرأ هذه السورة فإن له من الحسنات ألفان وسبعمائة وعشر، وقد كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة لأنها اشتملت على بشارتين: البشارة الأولى: قول الله : ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] أي: نيسرك لكل سبيل خير في الأقوال والأعمال. والبشارة الثانية: قول الله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦]، فبشره الله بأن القرآن محفوظ لا يحتاج منه إلى جهد صلوات الله وسلامه عليه، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧ - ١٨].

стр. 199

معنى قوله سبحانه: سبح اسم ربك الأعلى وهذه السورة افتتحت بالأمر: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، أي: نزه اسم ربك إذا كان مختصاً به ﷻ ، وقد أجمع أهل العلم على أن هناك اسمين عظيمين لا يطلقان إلا على رب العزة ﷻ : الله والرحمن، قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:١١٠]، ولذلك لا يوصف أحد من خلق الله بواحد من هذين، فلا يقال عن أحد: إنه الله، أو الرحمن، ويمكن أن يقال: الرحيم، كما قال الله : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، أو: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] في حق نبينا ﷺ . فنزه اسم الله عن أن تطلقه على غيره إذا كان مختصاً به، نزه اسم الله أن تؤله غيره، نزه اسم الله من أن تعتقد أن غيره يتصف به على سبيل الكمال، بأن تقول: فلان رازقي، أو أنا توكلت على فلان. فهذا كله ممنوع يخالف التنزيه الوارد، ونزه اسم الله من أن يطرح على الأرض، أو يلقى في المزابل. ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، أي: الأعلى مكاناً ﷻ ، فهو سبحانه مستو على عرشه، بائن من خلقه، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، تعرج الملائكة إليه، ويتنزل الأمر من عنده ، فهو سبحانه الأعلى مكاناً، والأعلى مكانة: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى:٤]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠] فهو سبحانه أعلى ذاتاً ومكانة.

стр. 200

لماذا نسبح الله تعالى ؟ قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، يا ربنا! لم نسبحك؟ ذكر سبحانه الحيثيات والأسباب لذلك: أول سبب: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:٢]، فقد استدل سبحانه بخلقه على جلاله وقدرته . وهذا سبيل الأنبياء كما قال الرازي ﵀، فطريقة أكابر الأنبياء: الاستدلال بالخلق على الله، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٧ - ٨٠]، وكما قال موسى ﵇ لما سأله فرعون عن رب العالمين ﷻ ، فقال له موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]، وهذه هي صفته سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾، سوى بين الخلائق في الإحكام والإتقان، فكما أن خلقة السماء محكمة متقنة متينة كذلك فإن أدنى حشرة من الحشرات محكمة. والسبب الثاني: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٣]. ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]، فقد هدى بني آدم لما ينفعهم ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، وهدى البهائم لمراتعها، فحتى البهائم والطيور تعرف ما ينفعها مما يضرها ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. والسبب الثالث: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى:٤]. وهو الحشائش الرطبة التي ترعى فيها البهائم فتسمن وتبدن ويدر ضرعها بإذن ربها، ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى:٥]، فبعد أن كان هذا المرعى رطباً طيباً يؤكل صار غثاء يابساً هشيماً يحمله السيل بزبده، وأحوى: أي أسود بعدما كان أخضر يانعاً خضرته تسر الناظرين.

стр. 201

إثبات النسخ في الأحكام ثم وجه ربنا ﷻ الخطاب لمحمد ﷺ فقال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦]، وهذا القرآن محفوظ بحفظ الله ، ومحمد ﷺ وعاء حافظ، فجبريل ينزل بالوحي والنبي ﵊ لا يحتاج إلى أن يردد ولا أن يعيد، وإنما يحصل الحفظ تلقائياً ومن ثم البلاغ. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى:٧] إلا ما شاء الله أن ينسيك إياه لكونه منسوخاً، يعني: -ولله المثل الأعلى- كما أن الطبيب يكتب للمريض دواء، ثم بعد حين تقتضي حالة المريض تغيير الدواء، كذلك ربنا ﷻ يغير في الأحكام، فعلى زمن التشريع كانت تتغير الأحكام، فبعدما كان الواجب هو صيام عاشوراء فقط، نسخ صيام هذا اليوم بصيام شهر كامل هو شهر رمضان، وبعدما كان صيام رمضان على التخيير من شاء صام ومن شاء أطعم صار واجباً ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، ولو كان غنياً، ولو أطعم ألف مسكين، بل ألف ألف مسكين لا يسقط عنه الصيام.

стр. 202

إحاطة علمه سبحانه بالسر والعلانية قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى:٧]، فالله ﷻ يعلم ما نجهر به وما نعلن، وما نخفيه ونضمره، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. لذلك كان بعض الناس يأتي إلى رسول الله ﷺ وعنده سؤال فيقول: يا رسول الله! إني سائلك، فيقول له النبي ﷺ : (سل، وإن شئت أخبرتك قبل أن تسأل) فمن أين عرف ﵊؟ من الله . كذلك الحارث بن أبي ضرار ﵁ سيد بني المصطلق: فقد جاء يوماً في فداء ابنته جويرية بإبل كثيرة، ولما وصل على مشارف المدينة أعجبه بعيرين، فغيبهما في شعب من الشعاب، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! جئتك في فداء ابنتي، وهذه الإبل كلها في فدائها، فقال له النبي ﷺ : (دع عنك هذا وأخبرني عن البعيرين اللذين غيبتهما في ذلك الشعب ما خبرهما؟! فقال الرجل: والله ما أعلمك إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله). فالله يعلم السر وما كان أخفى من السر، والسر: هو ما يكون بينك وبين فلان، والأخفى من السر: هو ما أضمرته في نفسك ولم تحدث به أحداً قط. ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨]، أي: الشريعة السمحة السهلة الميسرة في أحكامها، الميسرة في فهمها وأداء أركانها، وقد كان رسول الله ﷺ أسمح الناس وأيسرهم، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما عليه الصلاة السلام، ودينه اليسر: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].

стр. 203

مكانة الذكرى في قلوب المتقين قال الله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]. وهذا كقوله سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]. قال أهل العلم: يؤخذ من هذا أدب: أن العلم لا يوضع عند من لا يوقره ولا يحترمه، وإنما يبذل العلم لمن ينتفع به: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]. قال الله : ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠] كما قال: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس:٧٠]، فمن يخشى الله ويتقيه هو الذي ينتفع بهذا القرآن. أما الفاجر والمنافق والشقي فإن القرآن ظلمات عليه. ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ [الأعلى:١١]، نزلت في الوليد بن المغيرة الذي كان يسمع القرآن، ويقول: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٤]، فهذا هو الأشقى. ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:١٢]، الذي سيعاني حرها، ويصلى سعيرها. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:١٣]، نسأل الله العافية، فهو في النار لا ميتاً فينسى، ولا حياً فيرجع، قال الله : ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧]، وليته مات، ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، يطلبون من الله أن يميتهم وأن يهلكهم لكن لا يستجاب لهم، وهكذا ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦]، ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧]. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤]، نال الفلاح من زكى نفسه بالطاعة والعبادة والذكر وقراءة القرآن والدعاء. ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٥] قالوا: المقصود بالزكاة زكاة الفطر، فهو يزكى ثم يصلى بعدها صلاة العيد، وذكر اسم ربه بالتكبير فصلى.

стр. 204

شقاء من آثر الدنيا على الآخرة قال الله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى:١٦] وهذه هي عادة بني آدم في الأعم الأغلب، ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة:٢٠ - ٢١]، قال رسول الله ﷺ : (الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ويجمع لها من لا عقل له). وقال علي بن أبي طالب: (الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل يحق الحق ويبطل الباطل، فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها)، بل حالكم أنكم تؤثرون الحياة الدنيا، تؤثرون العاجلة، كما قال بعض الفساق: لا أبيع نقداً بنسيئة، يعني بالنقد: الدنيا، وبالنسيئة: الآخرة، أنا لا أبيع الدنيا من أجل الآخرة. قال الحسن البصري ﵀: لو كانت الدنيا ذهباً يفنى، والآخرة خزفاً يبقى، لوجب على العاقل أن يؤثر الباقي على الفاني، فكيف والدنيا خزف يفنى، والآخرة ذهب يبقى؟! بالله عليكم! لو أن إنساناً يبني بيتاً ويجمله فهل يبقى على جماله؟ بل إنه يصير بعد سنة وسنتان وثلاث وعشر بالياً خرباً، لكن الآخرة ذهب يبقى، وأهل الجنة -نسأل الله أن يجعلنا منهم- لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم، لا يبصقون، ولا يمرضون، ولا يمتخطون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، في نعيم الأبد هذا حالهم. ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧] وأفعل التفضيل هنا ليس على بابه، كقول الله : ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] إذ لا مقارنة بين مقيل أهل الجنة وأهل النار لأجل أن يقال: أحسن، فأفعل التفضيل ليس على بابه.

стр. 205

الأمثال والعبر هي فحوى صحف إبراهيم وموسى قال الله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [الأعلى:١٨]، الإشارة هنا لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] وهذا مذكور في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦] ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]. ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٩]، سأل أبو ذر رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ما كانت صحف إبراهيم؟ قال ﵊: (كانت أمثالاً)، ومن بين أمثاله التي وردت وحكاها رسول الله ﷺ : (ينبغي للعاقل أن تكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو بحاجته من المطعم والمشرب، وينبغي للعاقل ألا يكون ظاعناً إلا في ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم). فالإنسان إما أن يسعى للآخرة، أو للدنيا، أو يتلذذ بغير محرم. وينبغي للعاقل أن يكون مقبلاً على شانه، ممسكاً للسانه، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا في ما يعني، قال أبو ذر: يا رسول الله! فما كانت صحف موسى؟ قال: (كانت عبراً كلها، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن؟! وعجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟! وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف لا يعمل؟! وعجبت لمن أيقن بالدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟!) إنسان رأى الدنيا، ورأى تقلبها بأهلها، الصحيح يسقم، والغني يفتقر، والقوي يضعف، كيف يطمئن إلى هذه الدنيا ويخلد إليها؟! ومن السنة: قراءة سورة الأعلى مع سورة الكافرون في صلاة الوتر، ومن السنة: قراءة سورة الأعلى والغاشية في صلاة الجمعة، ومن السنة: قراءتهما في صلاة العيد. نسأل الله أن يجعلنا من المرتفعين المعتدلين المتعظين.

стр. 206

تفسير سورة الغاشية وقد اشتملت هذه السورة المباركة على ست وعشرين آية، وضمنت اثنتين وتسعين كلمة، في ثلاثمائة وواحد وثمانين حرفاً، معنى ذلك: أن من قرأها فله من الحسنات ثلاثة آلاف وثمانمائة وعشر. وقد كان نبينا ﵊ يقرأها مع سورة الأعلى في صلاة الجمعة، وفي صلاة العيد.

стр. 207

غشيان الأهوال للناس يوم القيامة بدأت هذه السورة بالسؤال والخطاب لرسول الله صلى الله وعليه وسلم: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] قال أهل التفسير: هل بمعنى: قد، أي: قد أتاك، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان:١] أي: قد أتى، وروي: (أن رسول الله ﷺ كان يمشي في طريق من طرقات المدينة، فسمع امرأة ترتل القرآن، فوقف يصغي، فقرأت: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] قال: نعم، قد أتاني قد أتاني) والغاشية هي القيامة، سميت بذلك لأنها تغشى الناس بأهوالها ومصائبها، كما قال الله : ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٥٥] ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١].

стр. 208

حال الكفار في أرض المحشر ثم بدأ ربنا ﷻ يصف أحوال الناس في ذلك اليوم العظيم، وأنهم ينقسمون إلى فريقين، ولكل فريق سمات وصفات وأحوال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية:٢]، هذا حال الكفار والفجار نسأل الله السلامة، ((خَاشِعَةٌ)) أي: خاضعة ذليلة من الخزي، كما قال الله : ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤] فالخشوع بمعنى: الذلة والسكون والتنكيس والخضوع، وهو حال الكفار.

стр. 209

حال الكفار في الدنيا قال الله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٣]، وهي صفتان: في الدنيا والآخرة. روى الإمام البخاري عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: هم النصارى. وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: هم الرهبان في الصوامع. فربنا يصف حال هؤلاء الناس في الدنيا وأنهم كانوا في عمل متعب لكن ما النتيجة؟ يقول الحسن البصري ﵀: لما قدم عمر بن الخطاب ﵁ بلاد الشام جاءه راهب شيخ رث الهيئة، وسخ الثياب، يابس الجلد، فلما رآه عمر ﵁ بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: هذا المسكين طلب أمراً فأخطأه، ورجى رجاءاً فلم يصبه، ثم تلا هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٢ - ٣]، ففي الدنيا كانت تعمل وتجتهد لكن في ضلال وكفر وبدعة، قال النبي ﷺ : (يجاء بأناس من أمتي يوم القيامة فيذادون عن الحوض -يمنعون من ورود حوضه ﵊ فأقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم بدلوا وغيروا). فقد كانوا في الدنيا في تعب في غير ما شرع محمد ﷺ ، وكذلك الحال في قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). وقد كان علي بن أبي طالب ينزل هذه الآية على الخوارج؛ لأن النبي ﷺ قال فيهم: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وقراءتكم مع قراءتهم) ومع ذلك فهم كلاب النار، مع أنهم يكثرون من الصلاة وقراءة القرآن، لكنهم يكفرون أمة محمد ﷺ ، ولذلك ليس لهم في الآخرة إلا النار. ثم إن هذه الوجوه التي كانت في الدنيا عاملة ناصبة تعبت كذلك يوم القيامة -والعياذ بالله- يقفون حفاة عراة في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة، ثم يسحبون في النار على وجوههم، ويعانون صعود الجبال والوهاد والوديان في حر النار، كما قال الله : ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر:١٧]؛ فيكلف صعود جبل في النار، كلما بلغ قمته هوى إلى قاعه وأسفله، وهذا حاله.

стр. 210

شراب الكفار في النار وطعامهم قال الله: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٤]، وقد مر معنا قول الله : ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:١٢] فيصلى أي: يقاسي حرها وسعيرها. ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ قد اشتد حرها غيظاً وغضباً: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]؛ لأن النار غاضبة على هؤلاء الكفار والفجار: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٥]؛ أي: بلغت غايتها في الحرارة، كما قال الله : ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: نضجه وتمامه. وهذه العين قد بلغت الكمال في الحر والسعير، ولو أن قطرة منها سقطت على الأرض لأذابتها، قال الله : ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦]، وقال: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩]. ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦]، قال قتادة ﵀: أبشع الطعام وأخبثه وأنتنه؛ شوك ينبت في النار، وقيل: سمي ضريعاً؛ لأنهم يتضرعون إلى الله منه، ويدعون الله بألا يطعموه، وفي تفسير ابن عطية: سمي ضريعاً؛ لأنه مضرع يسبب هزالاً في الجسد، ومنه قول النبي ﷺ في حال ابني جعفر: (مالي أراهما ضارعين) يعني: نحيفين هزيلين. يقول الإمام القرطبي في قول الله : ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٥ - ٣٦]، ما عندهم طعام إلا الغسلين، وهنا يقول: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] قال: ووجه الجمع بين الآيتين: أن النار دركات -والعياذ بالله- فمن أهل النار من طعامه الغسلين، ومن أهل النار من طعامه الضريع، ومن أهل النار من طعامه الزقوم، كما أن من أهل النار من شرابه الحميم، ومن أهل النار من شرابه الصديد، قال الله : ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن:٤٤]، وهذا حالهم. ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧] لا يتحقق به مقصود، ولا يندفع به محذور، فليس فيه فائدة.

стр. 211

حال أهل الجنة في نعيمهم ثم انتقل ربنا إلى حال أهل الجنة -نسأل الله أن يجعلنا منهم- فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:٨] ناعمة: عليها البهاء والحسن، كما قال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩]، فهذه الوجوه يظهر عليها أثر النعيم. ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية:٩] راضية عن عملها الذي كان في الدنيا، فإنه يجلس بعضهم مع بعض يستأنسون، ويقول قائلهم: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧] فقد كنا في الدنيا أهل صيام، وقيام، وصلاة، وقرآن، ودعاء، وكنا في الدنيا أهل صدقات وبر وإحسان وصلة للأرحام، وقيام بالحقوق، وهم الآن يشعرون بالرضا، كحال الطالب الذي إذا ظهرت نتيجته وبانت، وتفوق على الأقران، شعر بالرضا عن عمله وسعيه. ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢٢] بهية رفيعة القدر، عالية المكان والمكانة. ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الغاشية:١١] ولاغية: مصدر كالعاقبة، فلا تسمع فيها قولاً شائناً، ولا إفكاً مبيناً، ولا إثماً ولا كذباً، كما قال الله : ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ [النبأ:٣٥]، ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور:٢٣]، ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]، ليس في الجنة كلام باطل، ولا ساقط.

стр. 212

من أوصاف الجنة ثم قال الله: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية:١٢] تجري من تحت أرجلهم في غير أخدود. والماء الآن إذا جرى لا بد أن يجري في مكان محفوظ، إما أن يكون بحراً، أو أخدوداً، لكن الجنة تجري من تحتها الأنهار من غير أخاديد. ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٣] مرفوعة سمكها، مرفوعة قدرها، عليها الفرش الناعمة، والحور العين. ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٤] أكواب، وأباريق، وأوانٍ من فضة وذهب يشربون فيها من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن عسل مصفى، ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان:١٥ - ١٨]، هذا حالهم. ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٤] أي: قريبة في متناول أيديهم، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية:١٥] النمارق: جمع نمرقة، وهي: الوسائد والمرافق التي يتكئون عليها مرصوصة بنظام تسعه وتسع زواره، وإخوانه ومن يأتونه. ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٦] الزرابي: جمع زربية، وهي البسط الفاخرة، ولم يقل: وزرابي مصفوفة، وإنما قال: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، كما قال هنالك في حال خدم أهل الجنة: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩] فقالوا: إن اللؤلؤ المنثور أجمل من اللؤلؤ المنضود، وكذلك هذه الزرابي فإن جمالها في أنها مبثوثة، قد ألقيت هنا وهناك بسط فاخرة ثمينة، ففي سنن ابن ماجة عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (ألا من مشمر إلى الجنة، هي والذي نفسي بيده نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، وفاكهة كثيرة، وثمرة نضيدة، وزوجة حسناء جميلة في مقام أبداً، قال الصحابة: نحن المشمرون يا رسول الله، قال: قولوا: إن شاء الله، فقال الصحابة: إن شاء الله)، فهذا وصف الجنة. ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٠ - ١٦]. ولما سمع الكفار هذا الكلام استهزءوا وسخروا وقالوا: يعدنا محمد بجنان كجنان الأردن، ويتوعدنا محمد بشجر ينبت في النار: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٦]. وفي الآية الأخرى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٤]، قالوا: يعدنا بشجرة تخرج في النار، والنار تأكل الشجر! إن هذا كلام لا أصل له.

стр. 213

آية الله في خلق الإبل والسماء والجبال والأرض قال الله : ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧]، فيا من تكذبون بالجنة والنار! قد جعلت لكم آيات باهرات بين أيديكم: هذه الإبل ضرب الله بها المثل؛ لأنها قوية شديدة غليظة عظيمة الخلق سخرها الله للإنسان الضعيف الراعي الذي لا يزن خمسين كيلو يقود هذا الجمل حيث شاء، ويحمله من الأثقال ما شاء، فقد سخر الله عظيماً لصغير، قال أهل التفسير: وقد ذكر الله الإبل أولاً؛ لأن الحيوانات على أربعة أنواع: أكولة، وحلوبة، وركوبة، وحمولة، فإما أن يأكل لحمها، وإما أن يشرب لبنها، وإما أن يركب ظهرها، وإما أن يحمل عليها، والإبل فيها الأربع: يؤكل لحمها، ويركب ظهرها، ويحلب درها، ويحمل عليها، كما قال الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ [غافر:٧٩ - ٨١] ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:٨ - ٩]. والله يضرب المثل بهذه الأمثل: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ١٨] فكيف رفعت هذه السماء التي فوقهم؟ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢]، وليس هناك بناء في الدنيا على صغر حجمه إلا وله أعمدة، أما هذه السماء التي لا تدركها الأبصار فليس لها عمد، ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٩ - ٢٠]، أي: سخرت للسالكين، وإلى الجبال كيف جعلها الله منصوبة أوتاداً تمنع الأرض من أن تميد وتضطرب.

стр. 214

نسخ قوله تعالى: (لست عليهم بمصيطر) بأمر الله لرسوله بإبلاغ هذا الدين ولو بالقتال قال الله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] هذه مهمتك، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]. يقول ابن عطية ﵀: هذه آية منسوخة بآيات القتال، ففي البداية كان الرسول ﷺ مذكراً لا مسيطراً، ثم بعد ذلك أمره الله بأن يقاتل من كفر، كما قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله). ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية:٢٣] قال ابن كثير: تولى عن العمل بأركانه، وكفر بالحق بجنانه ولسانه. أي: تحقق فيه الكفر كله، ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ [الغاشية:٢٤]، وهو العذاب الذي مضى ذكره، ثم سلى الله نبيه محمداً ﷺ فقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥]، فسيرجعون إلينا، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٦]، كما قال الله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]، فأنت تبلغ وتأمر وتذكر، والحساب على الله رب العالمين. أيها الإخوة الكرام! إننا إذا قرأنا في هذه السورة ومثيلاتها في صفة الجنة والنار، فسنجد أن ذلك يحفز المؤمن للعمل على أن يكون من أهل الجنة، وعلى أن يجتنب النار. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.

стр. 215

تفسير سورة الفجر سورة الفجر سورة مكية كالأعلى والغاشية، لكنها أطول منهما، مشتملة على ثلاثين آية، في سبع وعشرين ومائة كلمة، وخمسمائة وتسعة وتسعين حرفاً، يعني: ستمائة حرف إلا واحداً. وهذه السورة المباركة عنيت بالحديث عن اليوم الآخر، وعن فساد مقاييس المشركين اللاتي يقيسون بها الأمور، وقد افتتحها ربنا ﷻ بالقسم، والقسم في القرآن ورد في تسع عشرة سورة افتتحت به.
следующие страницы →