← Джавами‘

Джавами‘ · id 37422

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

عبد الحي يوسف

Полный текст (933 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

حال أهل الجنة في نعيمهم ثم انتقل ربنا إلى حال أهل الجنة -نسأل الله أن يجعلنا منهم- فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:٨] ناعمة: عليها البهاء والحسن، كما قال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩]، فهذه الوجوه يظهر عليها أثر النعيم. ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية:٩] راضية عن عملها الذي كان في الدنيا، فإنه يجلس بعضهم مع بعض يستأنسون، ويقول قائلهم: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧] فقد كنا في الدنيا أهل صيام، وقيام، وصلاة، وقرآن، ودعاء، وكنا في الدنيا أهل صدقات وبر وإحسان وصلة للأرحام، وقيام بالحقوق، وهم الآن يشعرون بالرضا، كحال الطالب الذي إذا ظهرت نتيجته وبانت، وتفوق على الأقران، شعر بالرضا عن عمله وسعيه. ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢٢] بهية رفيعة القدر، عالية المكان والمكانة. ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الغاشية:١١] ولاغية: مصدر كالعاقبة، فلا تسمع فيها قولاً شائناً، ولا إفكاً مبيناً، ولا إثماً ولا كذباً، كما قال الله : ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ [النبأ:٣٥]، ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور:٢٣]، ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]، ليس في الجنة كلام باطل، ولا ساقط.

стр. 212

من أوصاف الجنة ثم قال الله: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية:١٢] تجري من تحت أرجلهم في غير أخدود. والماء الآن إذا جرى لا بد أن يجري في مكان محفوظ، إما أن يكون بحراً، أو أخدوداً، لكن الجنة تجري من تحتها الأنهار من غير أخاديد. ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٣] مرفوعة سمكها، مرفوعة قدرها، عليها الفرش الناعمة، والحور العين. ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٤] أكواب، وأباريق، وأوانٍ من فضة وذهب يشربون فيها من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن عسل مصفى، ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان:١٥ - ١٨]، هذا حالهم. ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٤] أي: قريبة في متناول أيديهم، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية:١٥] النمارق: جمع نمرقة، وهي: الوسائد والمرافق التي يتكئون عليها مرصوصة بنظام تسعه وتسع زواره، وإخوانه ومن يأتونه. ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٦] الزرابي: جمع زربية، وهي البسط الفاخرة، ولم يقل: وزرابي مصفوفة، وإنما قال: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، كما قال هنالك في حال خدم أهل الجنة: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩] فقالوا: إن اللؤلؤ المنثور أجمل من اللؤلؤ المنضود، وكذلك هذه الزرابي فإن جمالها في أنها مبثوثة، قد ألقيت هنا وهناك بسط فاخرة ثمينة، ففي سنن ابن ماجة عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (ألا من مشمر إلى الجنة، هي والذي نفسي بيده نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، وفاكهة كثيرة، وثمرة نضيدة، وزوجة حسناء جميلة في مقام أبداً، قال الصحابة: نحن المشمرون يا رسول الله، قال: قولوا: إن شاء الله، فقال الصحابة: إن شاء الله)، فهذا وصف الجنة. ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٠ - ١٦]. ولما سمع الكفار هذا الكلام استهزءوا وسخروا وقالوا: يعدنا محمد بجنان كجنان الأردن، ويتوعدنا محمد بشجر ينبت في النار: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٦]. وفي الآية الأخرى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٤]، قالوا: يعدنا بشجرة تخرج في النار، والنار تأكل الشجر! إن هذا كلام لا أصل له.

стр. 213

آية الله في خلق الإبل والسماء والجبال والأرض قال الله : ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧]، فيا من تكذبون بالجنة والنار! قد جعلت لكم آيات باهرات بين أيديكم: هذه الإبل ضرب الله بها المثل؛ لأنها قوية شديدة غليظة عظيمة الخلق سخرها الله للإنسان الضعيف الراعي الذي لا يزن خمسين كيلو يقود هذا الجمل حيث شاء، ويحمله من الأثقال ما شاء، فقد سخر الله عظيماً لصغير، قال أهل التفسير: وقد ذكر الله الإبل أولاً؛ لأن الحيوانات على أربعة أنواع: أكولة، وحلوبة، وركوبة، وحمولة، فإما أن يأكل لحمها، وإما أن يشرب لبنها، وإما أن يركب ظهرها، وإما أن يحمل عليها، والإبل فيها الأربع: يؤكل لحمها، ويركب ظهرها، ويحلب درها، ويحمل عليها، كما قال الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ [غافر:٧٩ - ٨١] ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:٨ - ٩]. والله يضرب المثل بهذه الأمثل: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ١٨] فكيف رفعت هذه السماء التي فوقهم؟ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢]، وليس هناك بناء في الدنيا على صغر حجمه إلا وله أعمدة، أما هذه السماء التي لا تدركها الأبصار فليس لها عمد، ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٩ - ٢٠]، أي: سخرت للسالكين، وإلى الجبال كيف جعلها الله منصوبة أوتاداً تمنع الأرض من أن تميد وتضطرب.

стр. 214

نسخ قوله تعالى: (لست عليهم بمصيطر) بأمر الله لرسوله بإبلاغ هذا الدين ولو بالقتال قال الله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] هذه مهمتك، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]. يقول ابن عطية ﵀: هذه آية منسوخة بآيات القتال، ففي البداية كان الرسول ﷺ مذكراً لا مسيطراً، ثم بعد ذلك أمره الله بأن يقاتل من كفر، كما قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله). ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية:٢٣] قال ابن كثير: تولى عن العمل بأركانه، وكفر بالحق بجنانه ولسانه. أي: تحقق فيه الكفر كله، ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ [الغاشية:٢٤]، وهو العذاب الذي مضى ذكره، ثم سلى الله نبيه محمداً ﷺ فقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥]، فسيرجعون إلينا، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٦]، كما قال الله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]، فأنت تبلغ وتأمر وتذكر، والحساب على الله رب العالمين. أيها الإخوة الكرام! إننا إذا قرأنا في هذه السورة ومثيلاتها في صفة الجنة والنار، فسنجد أن ذلك يحفز المؤمن للعمل على أن يكون من أهل الجنة، وعلى أن يجتنب النار. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.

стр. 215

تفسير سورة الفجر سورة الفجر سورة مكية كالأعلى والغاشية، لكنها أطول منهما، مشتملة على ثلاثين آية، في سبع وعشرين ومائة كلمة، وخمسمائة وتسعة وتسعين حرفاً، يعني: ستمائة حرف إلا واحداً. وهذه السورة المباركة عنيت بالحديث عن اليوم الآخر، وعن فساد مقاييس المشركين اللاتي يقيسون بها الأمور، وقد افتتحها ربنا ﷻ بالقسم، والقسم في القرآن ورد في تسع عشرة سورة افتتحت به.

стр. 216

المقسم به في سورة الفجر قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]، الفجر: هو الوقت المعروف، وسمي بالفجر؛ لأن الضياء ينفجر من الظلمة. ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:٢] هذه الليالي العشر قيل: هي العشر الأول من ذي الحجة، وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله تعالى من أيام العشر) يعني: عشر ذي الحجة. وقيل: هي العشر الأواخر من رمضان، وقيل: هي العشر الأول من المحرم، وقيل: هي العشر التي ذكرها ربنا في قصة موسى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢]. ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:٣]، قيل: الوترُ هو: الله ﷻ ، والشفع: خلقه، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات:٤٩]. ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ:٨]. وقال عكرمة ﵀: الشفع: هو يوم النحر، والوتر: يوم عرفة؛ لأن يوم عرفة هو يوم التاسع، ويوم النحر هو اليوم العاشر، وقيل: الشفع والوتر هي الأيام منها شفع، ومنها وتر، وقيل: العدد منه شفع ومنه وتر، وقيل: الصلوات، فمنها شفع كالعشاء، ووتر كالمغرب، وقيل: الشفع والوتر آدم وحواء، فقد كان آدم ﵇ وتراً فلما خلقت حواء صارا شفعاً، وقيل: الشفع والوتر إشارة إلى صفات المخلوقين وصفات الخالق ﷻ ، فصفات المخلوقين شفع: قدرة وعجز، قوة وضعف، علم وجهل، بصر وعمى، كلام وخرف، هذا حال المخلوق. أما الله فصفاته علم بلا جهل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وكلام بلا خرف، وبصر بلا عمى ﷻ .

стр. 217

الأمم المقسم عليها في سورة الفجر وقد أقسم ربنا ﷻ بالفجر، ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر:٢ - ٤] أي: إذا ذهب ومضى، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير:١٧]. ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر:٣٣ - ٣٤]. وهذه الخمسة أقسم بها ربنا ﷻ ثم قال: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:٥]، الحجر: هو العقل، وسمي حجراً؛ لأنه يحجر الإنسان ويمنعه عن تعاطي ما لا يليق من الأقوال والأفعال، ومنه سميت الحجرة حجرة؛ لأنها تحجر وتحجز ما بداخلها. ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ يعني: أيها المشركون! إذا كانت لكم عقول فتأملوا في هذه الخمسة التي ذكرها ربنا ﷻ ، ثم إن المشركين كانوا معجبين بقوتهم، وكانوا يدلون على الله بغناهم وأموالهم، فالله ذكر لهم خبر ثلاثة من الأمم قبلهم كانوا أهل قوة وغناء، وأهل يسار وسعة فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٦ - ٧] وعاد: هي القبيلة العربية التي أرسل الله إليها هوداً ﵇، وكانوا عتاة جبارين متمردين على أمر الله، مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه، وكانوا أهل كبر وعتي، يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، ونبيهم ﵇ قال لهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣٠] أتبنون بكل مكان مرتفع بناية كبيرة لمجرد العبث لا للسكنى، يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون، ويأملون ما لا يدركون، هذه قبيلة العماد: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٧] وإرم: هو جدهم الأكبر، ذات العماد: كانت لهم أعمدة وأبنية كما حكى ربنا عنهم في القرآن: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء:١٤٩] وهذا حالهم. ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٨]، وتأملوا هذه الأوصاف فإنكم تجدونها تنطبق على الدولة المتكبرة على الناس اليوم. ثم الأمة الثانية: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر:٩] وقبيلة ثمود: قبيلة عربية، أرسل الله إليهم صالحاً ﵇، وجابوا: أي: قطعوا، ومنه قولهم: فلان يجوب البلاد، أي: يقطعها جيئة وذهاباً، ومنه سميت الجيب جيباً، أي: وقطع الذين جابوا الصخر بالواد هؤلاء أيضاً، كما قال لهم نبيهم صالح ﵇: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف:٧٣ - ٧٤]، فقد كانوا يصنعون من الجبال بيوتاً قوية محكمة. ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ [الفجر:١٠] وفرعون: هو اللئيم الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر:٢٩]، ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]. وقد قيل: ذو الأوتاد: أي: الجيوش الكثيرة التي تشيد ملكه وتدفع عنه، وقيل: كان يدق أوتاداً في الأرض ويشد إليها من خالفوه حتى يموتوا، مثلما هدد موسى ﵇: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩].

стр. 218

عقاب الله للمخالفين من الشعوب والأفراد قال الله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:١١ - ١٢] هؤلاء الثلاثة: عاد وثمود وفرعون، ﴿طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:١١ - ١٢] وفسادهم: عقدي، وسياسي، واجتماعي، ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:١٢ - ١٣] وصب: أي أفرغ عليهم عذاباً مؤلماً خالط اللحم والدم، ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:١٣] قيل: السوط: هو العذاب الذي يخالط اللحم والدم، من قولهم: ساطه يسوطه، فالرجل يسوط السكر في الشاي من أجل أن يختلط، ولذلك سمي السوط سوطاً. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] فالله يرصد خلقه، ويراقب أفعالهم، ويسمع كلامهم، ويرى أحوالهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم.

стр. 219

عظم حكمة الله تعالى في توزيع الأرزاق على الخلق ثم بين ربنا ﷻ أن أكثر الخلق خاطئون؛ إذ أن كثيراً من الناس إذا كان غنياً موسراً يظن أن هذا المال جاءه لأنه كريم على الله، وكثير من الناس يظن إذا كان فقيراً معدماً بأن هذه الفاقة قد أصابته لأنه هين على الله، كما حكى القرآن قول ذلك الكافر الذي قال لأخيه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، ثم قال له: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦]، ويقول الله في وصف هذا الإنسان: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠] هذا حال كثير من الناس. يقول الله سبحانه: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦]، ((فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ)) اختبره، ((فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ)) ((وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ)) اختبره فقدر عليه، أي: ضيق رزقه: ((فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)). يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: وهؤلاء الذين يظنون أنهم قد حرموا الرزق لكونهم هينين على الله ليسوا بأحق عند الله ممن ظنوا أنهم نالوا المال لكرامتهم عند الله، وقد قال الله سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦]، فالله يعطي الدنيا لمن أحب ومن لا يحب، وقد كان الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبو جهل، وأمثالهم من أغنى أغنياء البشر، ومع ذلك فهم في أسفل سافلين. يقول العلامة ابن عاشور ﵀: وهذا الذي خفيت حكمته على كثير من أهل الشرك والزندقة حتى قال قائلهم: كم من عاقل عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تراه مرزوقاً كم من عاقل عاقل أعيت مذاهبه: يعني: ما استطاع أن يتحصل على المال، وجاهل جاهل تراه مرزوقاً. هذا الذي ترك الأفهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقاً فهو يعترض على الله ويقول: كيف يكون العالم فقيراً، والجاهل غنياً ميسوراً؟ لكن الله بين أن ذلك لا يرجع لمسألة كرامة أو إهانة، وإنما هو ابتلاء واختبار.

стр. 220

التغليظ في حرمة أكل الأموال بالباطل عموماً ومال اليتيم خصوصاً قال تعالى: ﴿كَلَّا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر:١٧]؛ لأن اليتيم عندكم مهان، ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر:١٨]، أي: لا يحض بعضكم بعضاً على إطعام المسكين، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر:١٩] أي: جمعاً، يقال: لَمَّ الشيء إذا جمعه، ومنه الدعاء: اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تجمع بها قلوبنا، وتلم بها شعثنا. تأكلون التراث، أي: ميراث النساء والصغار، وهو فعل من لا يتقي الله إلى يومنا هذا، فالنساء عندهم ليس لهن في الميراث نصيب، والصغار ليس لهم نصيب.

стр. 221

حديث سورة الفجر عن يوم القيامة ثم بدأ ربنا ﷻ يحدثهم عن القيامة: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر:٢١] زلزلت وغيرت وبدلت، كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٤ - ١٦]. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] مجيئاً يليق بجلاله لا نسأل كيف؟ (والملك)، أي: الملائكة صفاً صفاً. ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] نعوذ بالله من حرها، ((وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ))، قال رسول الله ﷺ : (يؤتى يومئذٍ بجهنم ولها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها). ((يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى))، يتذكر عمله، تفريطه في جنب الله، تقصيره في الطاعات، إقدامه على المعاصي، جرأته على حدود الله، تكذيبه للشرع وللقدر: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣]، ما الفائدة؟ ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] يندم ويتحسر، يا ليتني قد فعلت الطاعات واجتنبت المحرمات، يا ليتني تزودت من القربات، يا ليتني قدمت عملاً صالحاً، ويسألون الله: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، يبدءون فيستغيثون، لكن لا سبيل إلى النجاة: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣]. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦]؛ ففي ذلك اليوم ليس عذاب كعذاب الله -نعوذ بالله منه- ولا وثاق ورباط كوثاق الله ، يأمر الله هؤلاء الملائكة فيجعلون ذلك الكافر في سلسلة طويلة ذرعها سبعون ذراعاً، ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢]، ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨]، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧].

стр. 222

بشارة المؤمن بالرضوان عند خروج روحه من جسده ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. وقد قيل: نزلت هذه الآية في حمزة بن عبد المطلب ﵁ وهو سيد الشهداء، ولما سمعها أبو بكر قال: ما أحسن هذا الكلام يا رسول الله! قال: (سيقوله لك الملك عند الموت يا أبا بكر)، سيقول لك: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨]. وفي سنن ابن ماجة من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد المؤمن إذا توفي يناديه الملك: يا أيتها النفس المطمئنة! اخرجي إلى مغفرة ورضوان، ورب راض غير غضبان، فتخرج روحه تسيل كما تسيل القطرة من فم السقاء) هذا حال المؤمن. ويروي ابن أبي حاتم ﵀ عن سعيد بن جبير قال: لما مات ابن عباس وحمل إلى قبره في الطائف، جاء طائر لم يرَ على خلقته قط، فدخل في نعشه ما بين كفنه وجسده، ثم لم يرَ خارجاً منه، فلما وضعناه في قبره سمعنا تالياً يتلو لا نرى صورته: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٩] أي: في عبادي الصالحين، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٣٠]. نسأل الله سبحانه أن يجعلنا منهم.

стр. 223

تفسير سورة البلد سورة البلد سورة مكية، تضمنت عشرين آية في اثنتين وثمانين كلمة، في ثلاثمائة وواحد وخمسين حرفاً.

стр. 224

إقسام الله بمكة وقد افتتح الله هذه السورة المباركة بقوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] والبلد: هو مكة بإجماع المفسرين، وقد أقسم ربنا ﷻ بمكة في قوله سبحانه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:١ - ٣]، وهنا يقول: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١]، قال أهل التفسير: (لا) هاهنا مزيدة صلة على عادة العرب في كلامهم، وقد تكرر هذا في القرآن كثيراً، كقول الله مخاطباً إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢] والمعنى: ما منعك أن تسجد، وقول موسى لهارون: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه:٩٢ - ٩٣] أي: أن تتبعني، وقول الله : ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٩] أي: ليعلم أهل الكتاب، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيراً حيث يؤتى بلا زائدة، ومنه أيضاً قول القائل: ما كان يرضى رسول الله دينهم والأطيبان أبو بكر ولا عمر أي: أبو بكر وعمر، وقول الله : ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت:٣٤] أي: ولا تستوي الحسنة والسيئة. وبعض أهل التفسير قال: أصل الكلام: (لأقسم بيوم القيامة) وأشبعت الفتحة حتى صارت ألفاً، كما قال بعض العرب: وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترا قبلي أسيراً يمانياً والمعنى: كأن لم ترَ قبلي أسيراً يمانياً، لكن قال: كأن لم ترا. والآخر يقول: ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زيادِ فيجعل ألم يأتك ألم يأتيك وأشبع الكسرة، فالله قال: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] البلد: مكة، والمعنى أقسم بهذا البلد.

стр. 225

إباحة الله مكة لنبيه عام الفتح قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:٢]، وأنت يا محمد -صلى الله وعليه وسلم- حلال لك ما تفعله في مكة يومئذ من غير ضيق ولا حرج، بل إنك مصيب فيه، وأنا عنك راض، يعني: تدخل مكة تقتل من تقتل، وتأسر من تأسر، وتفعل ما تفعل وأنا عنك راض. وهذا المعنى قال فيه الرسول ﵊: (ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض؛ فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تلتقط لقطتها، وإنها قد حلت لي ساعة من نهار، ولا تحل لأحد بعدي، ألا فليبلغ الشاهد الغائب). ومعنى الكلام: أن الله قد أحل لرسوله ﷺ مكة إذا فتحها أن يفعل فيها ما يشاء، ولذلك عفا الرسول صلى الله وعليه وسلم عن أهل مكة كما في الخبر: (ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء). لكن الرسول ﷺ قتل ناساً منهم: مقيس بن صبابة، وعبد الله بن خطل وجاريتيه اللتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ، وأهدر دماء أقوام؛ لأن الله قال له: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:٢].

стр. 226

الإنسان في مكابدة مستمرة ثم قال الله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد:٣] فبعد أن أقسم ربنا بالبلد أقسم بالوالد وهو آدم ﵇ وأولاده، أو بالصالحين من ذريته. ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد:٣] ما جواب القسم؟ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، فالله يحلف بالبلد، وبآدم وذريته على أن هذا الإنسان مخلوق في مكابدة وشدة وضيق وحرج، وهاهنا كلمات للإمام أبي عبد الله القرطبي أقرأها بنصها؛ لأن فيها حكمة بالغة، قال: قال علماؤنا: أول ما يكابد قطع سرته. وهذا أول ما يعانيه الإنسان، ويمكن أن نقول: إن أول ما يعانيه هو الخروج من بطن أمه، هل يخرج بسهولة أم أنهم يجرونه جراً، ويسحبونه سحباً، وأحياناً رأسه؟! فهذا كله يحصل، لكن الشيخ قال: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً وشد رباطه، يعني: عندما يلف الطفل لفاً محكماً، وربما يكون ذلك في شدة الحر، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، فيعاني الطفل ما يعاني إلى أن يعتاد ثدي أمه، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، والأسنان غير سهلة إذا طلعت، وتصحبها حمى وإسهالات، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، فأول يوم نذهب فيه إلى المدارس نبكي، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يكون إيرادها من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغمّ اليدين، ووجع السن، وألم الأذن، ويكابد محناً في المال والنفس مثل الضرب والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا ويقاسي فيه شدة، ويكابد فيه مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مسألة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار إما في الجنة، وإما في النار، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] فلو كان الأمر إليك -أيها الإنسان- لما اخترت هذه الشدائد، فدل ذلك على أن لك خالقاً دبرك، وقضى عليك بتلك الأحوال فامتثل أمره ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]. وهذه الآية -أيها الإخوان- فيها عزاء لأي شدة يقابلها الإنسان.

стр. 227

نعم الله على الإنسان قال الله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد:٥] يا مسكين! يا ضعيف! أتحسب أن الله ليس بقادر على أن يعيدك كما بدأك؟ ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد:٦]. قال مقاتل بن سليمان: نزلت هذه الآية في الحارث بن نوفل أذنب ذنباً، فاستفتى رسول الله ﷺ فأمره بالكفارة، فماذا قال؟ قال: لقد أهلكت مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد، لقد أهلكت مالاً لبداً أي: كثيراً. ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد:٧]، وهذه دعوى يطلقها كثير من الناس يقول: أنا أنفقت وأنا فعلت، والله هو العالم ﷻ ، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد:٥]. ثم بدأ ربنا ﷻ يعدد النعم التي ما طلب فيها ثمناً: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد:٨] هاتان العينيان هل طلب منك عنهما مالاً؟ ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٩]، تصوروا لو أن الله ما خلق لنا هاتين الشفتين كيف يكون منظر أحدنا؟ بل جعل الله هاتين الشفتين في خدمة الإنسان؛ فمتى شئت أطبقتهما، ومتى شئت فتحتهما. ثم النعمة الأكبر: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، فبين لك طريق الخير وطريق الشر.

стр. 228

سبل اقتحام العقبة قال الله: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:١١] هلا اقتحمت العقبة يا ابن آدم؟! قال ابن عمر: العقبة: جبل في جهنم. وقال غيره: بل هو الصراط المضروب على جهنم، وقال آخرون: هي جهنم نفسها. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد:١٢]، كيف نقتحم العقبة؟ دلنا ربنا ﷻ على ثلاث سبل: السبيل الأول: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد:١٣] تعتق من كان رقيقاً، كما في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أعتق نفساً مسلمة أعتق الله بكل عضوٍ عضواً حتى ليعتق اليد باليد، والرجل بالرجل، والفرج بالفرج). وفي الحديث الآخر: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة، ومن أعتق نفساً مؤمنة أعتقه الله من النار، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة). السبيل الثاني: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد:١٤]، إطعام الطعام في يوم ذي مسغبة، في يوم فيه مجاعة، فيه أزمة ومخمصة، في يوم ذي مسغبة نطعم من يا ربنا؟ ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٥] فهو يتيم ومن الأرحام، قال النبي ﵊: (من أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله يوم القيامة، ومن كسا مسلماً على عري كساه الله من حلل الجنة)، أطعم يتيماً من الأرحام، (خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه). ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦]، إنسان مسكين من شدة مسكنته وعظيم فاقته التصقت يده بالتراب فما عاد يستطيع القيام، ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦]. السبيل الثالث: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٧]، فلو أنك أعتقت رقبة، وأطعمت مسكيناً، وكفلت يتيماً من غير إيمان فلن ينفعك كل هذا، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ [النور:٣٩] كرماد لا ينفعهم عند الله. وقد سألت عائشة ﵂ الرسول ﵊ فقالت: يا رسول الله! إن عبد الله بن جدعان كان يصل الرحم، ويطعم الطعام، ويكسو العاري، ويحمل على إبله لله، فهل ينفعه ذلك شيئاً؟ فقال النبي ﷺ : (لا ينفعه ذلك شيئاً؛ لأنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين). ما سينفعه، لماذا؟ لأن الله قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧]. وقال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]. ولذلك فإن رهبان النصارى يتعبدون، وأحبار اليهود وعباد الوثن وغيرهم يتعبدون؛ لكنهم حصب النار؛ لأنه لا يوجد لديهم إيمان صحيح، فمن أراد الفوز فلابد أن يكون من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، أوصى بعضهم بعضاً بالصبر، وأوصى بعضهم بعضاً بأن يرحموا خلق الله: (الراحمون يرحمهم الرحمن). (من لا يرحم لا يرحم). (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد:١٨] أي: أصحاب الجنة.

стр. 229

مآل أصحاب المشأمة في الآخرة قال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [البلد:١٩] نسأل الله العافية، أي: أصحاب الشمال. ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:٢٠]، وفي قراءة ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُوْصَدَةٌ﴾ [البلد:٢٠]، أي: مغلقة، قال أبو عمران الجوني ﵀ وهو من سادة المفسرين: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان، وكل من كان في الدنيا يخاف الناس شره فأوثقوا في الحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم، ثم أوصدت عليهم، أي: أطبقت، قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبداً، ولا والله لا ينظرون إلى أديم سماء فوقهم أبداً، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبداً، ولا والله لا يذوقون بارد شراب أبداً، هذا حالهم في النار: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:٢٠]. قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل لأحدهم صندوقاً من نار على قدره، ثم أقفل عليه بأقفال من نار، فلا يضرب منه عرق إلا وفيه مسمار، ثم جعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار) وتلا قوله تعالى: ((لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ)). نسأل الله أن يجيرنا من النار برحمته.

стр. 230

تفسير من سورة الشمس إلى سورة الشرح تُعدُّ سورة الشمس والليل والضحى والشرح من السور المكية التي نزلت في فترة حرجة من حياة النبي ﷺ وأصحابه، وقد احتوت على دروس وفوائد عظيمة، ومنها: أن العظيم لا يقسم إلا بعظيم، وقد أقسم الله في هذه السور بعدد من مخلوقاته العظيمة والعجيبة، وبيان عاقبة من حاد الله ورسوله من الأمم السابقة، وفضل الجود والإنفاق في سبيل الله، وذم الشح والبخل وبيان عاقبته، وذكر النعم والمنن التي امتن الله بها على رسوله محمد ﷺ ، وغيرها من الدروس والفوائد العظيمة. فعلى المسلم أن يقف مع كتاب الله متدبراً متأملاً، ليكون له نبراساً ونوراً في طريقه إلى ربه ﵎.

стр. 231

تفسير سورة الشمس الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فنسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين. سورة الشمس سورة مكية، اشتملت على خمس عشرة آية، وفيها أربع وخمسون كلمة، ومائتان وأربعون حرفاً، فمن وفقه الله لتلاوتها كتب الله له أربعمائة وألفي حسنة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وهذه السورة المباركة افتتحت بالقسم، وقد تقدم أن في القرآن تسع عشرة سورة افتتحت بالقسم، وفي هذه السورة المباركة أقسم ربنا ﷻ بسبعة من مخلوقاته: أقسم بالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض والنفس.

стр. 232

إقسام الله بالشمس وعظيم خلقها وأثرها بدأ ربنا ﷻ هذه السورة بقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١]. فأقسم ربنا ﷻ بالشمس؛ لأنها من عظيم مخلوقاته، وآية من آياته، كما قال سبحانه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٧ - ٤٠]. والشمس هي الآية التي حج بها إبراهيم ﵇ النمرود بن كنعان الطاغية المستبد: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨]. والله يقسم بالشمس لأنها عظيمة في خلقها وأثرها، عظيمة الحرارة والضوء على مر الزمان بلا انتقاص. يقول العلامة الشيخ عطية ﵀ في أضواء البيان: قال أهل العلم من أهل الفلك: لو أن الشمس اقتربت من الأرض قليلاً أو ابتعدت عن الأرض قليلاً ما أدت مفعولها ولا وظيفتها؛ فلو ابتعدت قليلاً تجمدت المخلوقات، ولو اقتربت قليلاً احترق العالم. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨]. فيقسم الله بالشمس وضحاها، وضحى الشمس هو: انتشار لضوئها من حين طلوعها وارتفاعها قدر رمح -فيما يظهر للرائي- إلى قبيل الزوال بربع ساعة تقريباً. وقال بعض أهل التفسير: الضحى المقصود به هاهنا وفي قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١]: الساعة التي خر السحرة فيها ساجدين. بيانه: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٩] فأقسم ربنا بالشمس وضحاها.

стр. 233

إقسام الله بالقمر وعظيم خلقه وأثره أقسم تعالى بالقمر، فقال: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:٢]، وهو أيضاً من عظيم مخلوقات الله ، فيخفف ظلمة الليل، وجعله الله ميقاتاً للناس في زكاتهم، وصيامهم، وإفطارهم، وحجهم، وحساب حول زكاتهم، وعدة المرأة إذا طلقت أو توفي عنها زوجها، وليس عندها ما تحسب به إلا هذا القمر، وقد أعلى الله قدره فأقسم به في القرآن فقال: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق:١٧ - ١٨] أي: إذا اكتمل. وقول الله : ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر:٣٢ - ٣٤]. فيقسم ربنا بالقمر إذا غربت الشمس، ثم ظهر القمر وتلاها وتبعها في بعض أيام الشهر، وعلى العكس في أيام أخرى. قال العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: ابتدئ القسم في هذه السورة بالشمس إيماء لشأن الإسلام أنه سينتشر انتشار الشمس بحيث لا يترك للضلال مسلكاً، وإيماء لعموم نوره في الكون كما عَمَّ نور الشمس. ومصداق كلامه ﵀ قول رسول الله ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وسيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار)، فأقسم ربنا بالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها.

стр. 234

إقسام الله بآيتي الليل والنهار أقسم الله أيضاً بالنهار إذا جلاها فقال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس:٣] أي: النهار إذا جلى ضوء الشمس. وقال ابن كثير ﵀: الضمير يرجع إلى الأرض ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، أي: كشف الأرض بحيث ينتشر الناس آمنين. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس:٤] فيغطي الأرض ويغطي الشمس. فهاتان الآيتان لا ينتبه إليهما الناس، لكن الله نبهنا إلى أن الليل والنهار آيتان من آيات الله كما أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله. وربنا بين أنه لو لم ينعم علينا بنعمة الليل ومثلها نعمة النهار ما استطاع أحد أن يأتي بها: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧١ - ٧٣]. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢] الليل آية من آيات الله، والنهار آية من آيات الله، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ:١٠ - ١١]، هذه آية من آيات الله.

стр. 235

إقسام الله بالسماء والأرض وعظيم بنيانهما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:٥]. قال بعض أهل التفسير: (ما) هنا بمعنى من، أي: السماء ومن بناها؟ والمقصود رب العزة ﷻ ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣]، أي: من أعبد ﷻ ؟ وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣]، أي: من طاب لكم من النساء؟ فـ (ما) تقام مقام من أحياناً، وقال بعضهم: بل (ما) مصدرية، والمعنى: والسماء وبناءها. فيقسم الله بهذه السماء التي رفعها بغير عمد، والتي لفت إليها الأنطار في كثير من آيات القرآن فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]. وفي سورة الملك أمرنا الله بأن نكرر البصر إلى هذه السماء لننظر هل فيها من فطور؟ هل فيها من شقوق؟ لا، إنها من آيات الله ﷻ . ﴿وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس:٦] طحاها بمعنى دحاها، وكما في سورة النازعات: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠] أي: كورها؛ لأن دحاها وطحاها بمعنى واحد.

стр. 236

معاني النفس في القرآن قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧] اعلموا بارك الله فيكم أن النفس في القرآن تطلق ويراد بها أربعة معاني: كلمة النفس تطلق ويراد بها الروح، ومنه قول الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾ [الأنعام:٩٣]، أي: أرواحكم. وتطلق النفس ويراد بها مجموع الروح والجسد مع بعضهما، كما في هذه الآية: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧]، أي: سوى خلقتها فجعلها معتدلة مستقيمة، وسوى فطرتها فجعلها فطرة قويمة. وتطلق النفس ويراد بها القلب، كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]، أي: في قلبك. ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف:٢٠٥]. وقول الله في شأن قصة يوسف: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٧٧] أي: في قلبه. وتطلق النفس على القوة المفكرة المدبرة، كما في قول الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠]، وقول الله : ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:٢]. فيقسم ربنا بهذه النفس التي فيها عجائب ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧] أي: ومن سواها ﷻ أو وتسويتها.

стр. 237

إلهام الله للنفوس فجورها وتقواها يقول ربنا سبحانه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨]، الإلهام علم يحصل من غير تعليم من الله ﷻ . ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨] التقوى: الطاعة والخير، والفجور: المعصية والشر. وهذا كله بقدر الله. روى الإمام مسلم عن أبي الأسود الدؤلي ﵀: أن عمران بن حصين ﵁ سأله فقال له: أرأيت ما يسعى الناس فيه ويتكادحون، أأمر قدر عليهم فيما مضى وسبق، أم أمر يستقبلونه فيما أنزل الله على نبيه ﷺ ؟ قال: فقلت: بل أمر قدره الله عليهم وسبق، فكل شيء بقدر، فقال: أترى ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت فزعاً شديداً، وقلت له: ليس ظلماً بل الله لا يسأل عما يفعل، فقال لي: سددك الله! إنما سألتك لأختبر عقلك. وهذا يؤخذ منه: أن العالم يطرح السؤال على المتعلم من أجل أن يختبره، وإذا كان مخطئاً يسدده ويصححه. قال: إنما سألتك لأختبر عقلك، وإن رجلاً من مزينة أو جهينة أتى رسول الله ﷺ فسأله فقال: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه، أأمر قد قضي فيما سبق وقدر أم أمر يستقبلونه وتقوم الحجة به؟ فقال النبي ﷺ : (بل أمر قد قدر. قال: ففيم الحساب؟ -إذا كان شيء مقدر وكتب الفجور وكتبت التقوى- قال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له).

стр. 238

فلاح الأنفس بالطاعات وخسرانها بالمعاصي قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] أي: من زكى نفسه وطهرها بالطاعات وبالإيمان، والتزكية في القرآن تنسب إلى الله ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٩] ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١]. وأحياناً تنسب إلى الرسول ﵊: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة:٢]، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]. وأحياناً تنسب إلى الشخص، ومنه قوله في هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩]. تزكية النفس تكون بالطاعات، الصلاة، الطهارة، الزكاة، الصيام، ذكر الله، قراءة القرآن، الدعاء، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الدعوة إلى الله كل هذا تزكية للنفس. ثم كان من دعاء رسول الله ﷺ : (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) فالتزكية من الله . ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] قال أهل التفسير: دساها بالمعاصي، دساها أخفاها. قال الإمام القرطبي: فأولئك علوا أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها، قال: وكذا الفاجر أبدا خفي المكان، فهو غامض الشخص، ناكس الرأس، زمر المروءة. أي: قليل المروءة. هذا هو الفاجر والعياذ بالله. وقال بعض أهل التفسير: أخفاها في أهل الطاعات وهو ليس منهم. (خاب من دساها) أي: يدس نفسه ويسلك بنفسه مع الصالحين وهو ليس منهم يسلك نفسه مع الصالحين ببعض المظاهر والأشكال، وهو يعلم من حاله أنه ليس صالحاً، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠].

стр. 239

قتل ثمود لناقة الله ذكر ربنا قصة أولئك القوم العتاة الجبابرة الذين ذكروا في سورة الفجر: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر:٩] جابوا: قطعوا، فقد كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين. قال الله : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس:١١]، أي: بسبب طغيانها وعتوها وجبروتها وكبرها. ﴿إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس:١٢] رجل اسمه قدار بن سالف عارم عزيز في قومه، كان معجباً بنفسه معتزاً برهطه، هذا الرجل انبعث فاعتدى على الناقة، وكانوا ثمود قد طلبوا من صالح آية. ما الآية التي تريدون؟ قالوا: نريد ناقة كوماء، أي: ضخمة، وكثيرة اللبن، فيكون لبنها في الشتاء دافئاً، وفي الصيف بارداً. هكذا طلبوا آية على مزاجهم، فدعا الله فانشقت صخرة، وخرجت منها الناقة على الصفة المذكورة، قال لهم صالح: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥]، هذه ناقة تشرب في يوم، ثم أنتم تشربون في اليوم الذي بعده. ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٧٣]، لكن القوم كانوا جبارين عتاة شياطين؛ فحرضوا هذا الخبيث قدار بن سالف، فانبعث أشقى القوم، وكان صالح ﵇ قد حذرهم: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣] (فقال لهم رسول الله) صالح. (ناقة الله) احذروا ناقة الله وسقياها، ولا تمسوها بسوء. قال أهل التفسير: الإضافة إلى الله للتشريف، ومعلوم بأن النوق كلها لله، لكن الإضافة للتشريف احذروا ناقة الله وسقياها. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الشمس:١٤] وقالوا: ائتنا بعذاب الله إن كنت من المرسلين، قال الله على ألسنتهم: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٧٧]. مثلما قال قوم لوط وقوم هود.

стр. 240

الراضي بالمنكر كالفاعل له ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس:١٤] مع أن العاقر واحد، وانتبهوا أن الله نسب الفعل للجميع؛ لأنهم كانوا راضين، فالمنكر إذا فعل ولم ينكره الإنسان لا بيده ولا بلسانه ولا كرهه بقلبه فحكمه حكم الفاعل، فلذلك الله نسب الفعل للجميع، وأنزل العذاب على الجميع. ((فَعَقَرُوهَا)) قال قتادة ﵀: بلغني أن الشقي ما عقرها إلا بعدما بايعه كبيرهم وصغيرهم وذكرهم وأنثاهم، بل كانوا يريدون أكثر من ذلك كانوا يريدون قتل صالح، ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل:٤٩]، قال الله : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل:٥٠ - ٥١].

стр. 241

إهلاك الله لثمود قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس:١٤]، قال القرطبي ﵀: الدمدمة إهلاك مع استئصال، وبين ربنا ﷻ صفة الإهلاك في آيات أخرى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر:٣١] فكان هذا حالهم. ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس:١٤] سواها فيها تفسيران: فقيل: سوى بينهم في العقوبة. وقيل: سوى عليهم الأرض ودفنهم بعدما أرسل عليهم الصاعقة. قال سبحانه: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس:١٥] الله أكبر، الله يقول عن نفسه: أنا لا أخاف عاقبة الفعل، وقد قال في الحديث القدسي في صحيح مسلم من رواية أبي ذر: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً). فالله لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، نسأل الله أن يجعلنا من المنتفعين.

стр. 242

تفسير سورة الليل الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فأسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين. سورة الليل سورة مكية، اشتملت على إحدى وعشرين آية، في إحدى وسبعين كلمة، في ثلاثمائة وعشرة أحرف. وهذه السورة من قرأها له من الحسنات ثلاثة آلاف ومائة حسنة ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]. وهذه السورة كسابقتها افتتحت بالقسم، وتقدم أن سورة الشمس قد أقسم الله فيها بسبعة من مخلوقاته، وفي هذه السورة أقسم الله بثلاثة من مخلوقاته.

стр. 243

إقسام الله بالليل والنهار قال الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣]. أقسم ربنا سبحانه بالليل إذا يغشى الكون بظلامه ويغطيه بظلمته، وأقسم ربنا ﷻ بالنهار إذا تجلى بضوئه وأسفر بنوره، والليل والنهار آيتان من آيات الله ذكرهما ربنا ﷻ في كثير من آياته، وبين أنهما من آثار رحمته: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣]. وأنه لا أحد سوى الله يستطيع أن يأتي بالليل أو بالنهار: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧١ - ٧٢]. قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:٣]. قال بعض أهل التفسير: (ما) بمعنى من، كما في قول الله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:٥] أي: ومن بناها الله ﷻ ، ومن خلق الذكر والأنثى، فيقسم ربنا بذاته. وقال بعض أهل التفسير: (ما) مصدرية، أي: والذكر والأنثى. والمقسم عليه قول الله : ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤]، فالناس في هذه الدنيا سعيهم مختلف؛ فمن فاعل خيراً، ومن فاعل شراً، ومن فاعل لرضا الله، ومن فاعل لرضا الناس، ومن آمر بالمعروف وناه عن المنكر، ومن ناه عن المعروف وآمر بالمنكر.

стр. 244

بيان جزاء من أعطى واتقى وصدق بالحسنى يقول الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل:٥] قال قتادة ﵀: أي: أعطى حق الله، واتقى محارم الله، والحسنى هي: الإسلام. وقيل: لا إله إلا الله. وقيل: الجنة. ويشهد لهذا قول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]. وقال ابن عباس ﵄: الحسنى، أي: أيقن بالخلف من الله، وأن الله سيخلف عليه. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٦] صدق بالإسلام، بلا إله إلا الله، بالجنة، بأن الله سيخلف عليه. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٧] سنيسره للخصلة الميسرة المؤدية إلى الخير الباعثة على الهدى. هذه الآيات نزلت مبشرة جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم صديق هذه الأمة أبو بكر ﵁، هذا التقي النقي الجواد الكريم الباذل ماله في رضا الله ورسوله ﷺ . مر على بلال ﵁ وقد ألقي في حر الشمس بعد أن أجاعوه وعطشوه ووضعوا على صدره الصخرة العظيمة، ودفعوه إلى غلمان قريش يتقاذفونه كالكرة. فقال أبو بكر ﵁: يا أمية! أما آن لك أن ترحم هذا المسكين؟! أما تتقي الله فيه؟ فقال له الكافر الخبيث: يا أبا بكر! أنت الذي أفسدته، فإن شئت خلصه، فقال أبو بكر ﵁: بكم تبيعه؟ قال: بعشر أواق. فذهب أبو بكر ﵁ فعد المال نقداً، ثم جاء به إلى أمية، وبعدما أمسك الخبيث بماله قال: أما لو أبيت إلا أوقية لبعتك، قال أبو بكر: والله لو أبيت إلا مائة لاشتريت. فأنزل الله هذه الآيات. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل:٥] أبو بكر ﵁ أعطى حق الله، واتقى محارم الله، وصدق بالخلف من الله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٧]. وروى ابن أبي حاتم ﵀، عن ابن عباس: أن رجلاً كانت له نخلة فرعها مائل في بيت رجل من الأنصار، فكان هذا الرجل صاحب النخلة إذا صعد ليأخذ شيئاً من تمرها ربما سقط شيء من التمر من الفرع المائل في بيت الأنصاري الفقير، فيأخذ أولاده ذلك التمر فيأكلون منه، فيشرع ذلك الرجل فيجمع التمر، بل ربما يخرجها من فم الصبي الصغير، فاشتكي الفقير إلى رسول الله ﷺ ، فقال له ﵊: اذهب، ثم لقي صاحب النخلة، فقال له: يا فلان! أرأيت نخلتك المائل فرعها في دار فلان؟ قال: بلى، قال: أعطنيها ولك بها نخلة في الجنة -فيبدو والله أعلم أن الرجل كان منافقاً- فقال: لقد أعطيت -أي: الثمن طيب- ولكن تمرها أحب إلي من كل شيء، فهو لا يريد أن يبيعها بنخلة في الجنة. وكان رجل من الصحابة اسمه ابن الدحداح ويقال له أبو الدحداح، فسمع هذا الكلام، فذهب لذلك الرجل وقال له: أتبيعني نخلتك المائل فرعها في دار فلان، فقال له ذلك الرجل: لعلك سمعت أن محمداً قد أعطاني بها نخلة في الجنة. قال له: بلى. قال له: فإني لا أبيعها إلا بأربعين نخلة. فقال له: نخلتك المائل فرعها بأربعين نخلة لقد سألت عظيماً، قال: لا أريد غير ذلك، فسكت الرجل ﵁ حينا، ً ثم قال له: قد اشتريت. فقال له: إن كنت صادقاً فأشهد من كان حاضراً على أنه قد باعه حائطه الذي حوى أربعين نخلة بتلك النخلة المائل فرعها، فلما تمت الصفقة جاء ابن الدحداح إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أرأيت ما قلت لفلان؟ قال: بلى. قال: أرأيت لو أني قد أعطيتكها أتعطيني نخلة في الجنة؟ قال: بلى. قال: فهي لك يا رسول الله اصنع بها ما شئت. فهذا الرجل أعطى تلك النخلة للرسول ﵊، والنبي ﷺ ذهب للأنصاري الفقير، وقال له: النخلة لك ولعيالك، وما مضى إلا قليل على أبي الدحداح ﵄، والنبي ﷺ كان يضعه في لحده ويقول: (كم من عذق معلق في الجنة لـ أبي الدحداح)، باع فانياً بباقي، وعاجلاً بآجل ﵁ وأرضاه. وأنزل الله هذه الآيات في شأن هؤلاء، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]، يعينه الله ويوفقه من خير إلى خير، ومن حسنة إلى حسنة، ومن طاعة إلى طاعة.

стр. 245

بيان جزاء من بخل واستغنى وكذب بالحسنى قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠] وأما من بخل -والعياذ بالله- بحق الله، واستغنى عن رحمة الله. ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ حين يقول: لا أبيع عاجلاً بآجل، لا أبيع نقداً بنسيئة، لا أبيع حاضراً بغائب. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، أي: سنيسره للخصلة المؤذية القبيحة الشديدة. قال أبو حيان ﵀: هذا على سبيل المقابلة (فسنيسره لليسرى) (فسنيسره للعسرى)؛ لأن العسرى لا تيسير فيها. وقال العلامة الشيخ عطية رحمة الله عليه: وقد يكون التيسير حقيقياً لا مجازياً؛ فإن المشاهد من حال من خذلهم الله -والعياذ بالله- أن الواحد منهم يجد قبولاً وارتياحاً وتيسيراً في كل حرام، حتى إنه لا يستطعم الحلال، ولا يجد للحلال طعماً. قال: وقد حدثوني أن واحداً من الناس قد احترف السرقة، فلما كثر ماله وكبرت سنه ترك السرقة، لكنه لم يصبر عليها، وهو لا يستطيع أن يمارسها بنفسه، قال: فاستأجر رجلاً وأعطاه مالاً ليسرق له ثمراً من بستان فلان، قال: فذهب الرجل المستأجر إلى بستان الرجل الخبيث نفسه، وأتاه بثمرة، فبمجرد ما أكلها لفظها، وقال: لا أجد فيها طعم السرقة، فصار يميز ويستطعم. قارنوا حال هذا الرجل بحال أبي بكر الذي كان لا يأكل طعاماً حتى يسأل من أين هو؟ فجاءه غلامه يوماً بطعام وأبو بكر جائع فأكل لقمة، فقال له الغلام: كنت تسألني في كل ليلة، ولم تسألني في هذه الليلة؟ قال: والله ما حملني إلا الجوع، من أين أتيت بها؟ قال له: إني تكهنت لقوم في الجاهلية، أي: ادعيت أني أعرف الغيب وقرأت لهم الكف وضربت الرمل، فجعلوا لي جعلاً، فما أعطوني إلا الليلة، فابتعت لك هذا الطعام. قال أبو بكر: لا إله إلا الله كدت تهلكني، فأخذ ﵁ يشرب الماء ويضع أصبعه في فيه ويتقيأ، قال له بعض الناس: إنها لقمة. قال: والله لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، فقارنوا هذا بهذا. قال الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:٨ - ١١] قال الإمام القرطبي ﵀: دلت هاتان الآيتان: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٥ - ٦]، مع قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة:٢٧٤] على: أن الجود من مكارم الأخلاق، وأن البخل من أرذلها، وليس الجواد هو الذي يعطي في غير موضع العطاء، ولا البخيل الذي يمنع في موضع المنع، لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطى أجراً وحمداً فهو الجواد، وكل من استحق بالمنع ذماً أو عقاباً فهو البخيل. قال الله عن هذا البخيل المستغني: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١١] أي: إذا هوى وسقط في دركات الجحيم سيندم، ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨]، ﴿لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:٣].

стр. 246

هداية البيان والإرشاد قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:١٢] أي: أن الله يقطع على نفسه عهداً بأن يهدي، قال أهل التفسير: الهداية هنا هداية البيان والإرشاد، ولا تعارض هذه الآية قول الله : ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٦] فالهداية هنا بمعنى الدلالة والإرشاد، وهي للناس عامة. ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:١٣] أي: لله الدنيا والآخرة.

стр. 247

بيان من يستحق النار ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] أي: ناراً حامية تتلظى وتتلمظ لمجيء الكفار والفجار. ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى﴾ [الليل:١٥] أي: لا يقاسي حرها إلا الأشقى. قيل: نزلت في أمية بن خلف. ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٦] أي: كذب بكلام الله وتولى عن طاعته، وقيل: كذب بقلبه، وتولى بجوارحه، كما في قول الله : ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ [الغاشية:٢٣ - ٢٤].

стр. 248

إنفاق الصديق وبذله للأموال في سبيل الله قال الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧]، قال ابن كثير ﵀: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نازلت في أبي بكر. قال: ولا ريب أن صديق هذه الأمة التقي النقي الجواد الممدح الباذل ماله في رضا الله ورسوله داخل دخولاً أولياً في هذه الآية، فإنه قد بذل ماله لا على الضعفاء والمساكين بل على السادات والرؤساء، ويدلك على ذلك: أن عروة بن مسعود الثقفي يوم الحدييبة كان يفاوض الرسول ﷺ ، فقال له: يا محمد! لا يغرنك هؤلاء الذين اجتمعوا حولك فإنهم عما قليل يوشك أن ينفضوا عنك -يمارس معه حرباً نفسية- فقال له أبو بكر: نحن ننفض عنه؟! امصص بظر اللات، فقال عروة: من هذا يا محمد؟ من هذا الفظ الغليظ، قال له: هذا أبو بكر، فقال عروة بن مسعود: والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لرددت عليك. أي: لولا أنك رجل كريم ورجل باذل، وقد فعلت في معروفاً، وهذا المعروف أنا ما جزيتك به، لكنت رددت عليك هذه الكلمة بمثلها، لكنني لا أستطيع. أبو بكر ﵁ نزلت فيه هذه الآية: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨] فينفق ماله، وقد شهد له رسول الله ﷺ : (والله ما نفعني مال مثلما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ما بقيت لأحد يد في الإسلام إلا جزيناه بها إلا أبا بكر، فإن له يداً يجزيه الله بها يوم القيامة)، قال رسول الله ﷺ : (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، رواه مسلم عن أبي ذر. وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ : (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي يوم القيامة: يا عبد الله! هذا خير ادخل من باب الجنة. قال أبو بكر ﵁: فهل أحد يدعى من الأبواب كلها يا رسول الله؟ قال: نعم، وأنت منهم يا أبا بكر!). ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩] أبو بكر لما اشترى بلالاً وزنيرة وجارية بني المؤمل وفلاناً وفلاناً من الضعفاء وقال في بلال: لو أبى أمية إلا مائة لاشتريت، قال المشركون: إن لـ أبي بكر يداً عند بلال، أي: أبو بكر عمل جميلة في بلال وبلال يريد ردها، قال الله : ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ﴾ [الليل:١٩] لا بلال ولا غيره ﴿مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١] أي: هو ما عمل شيئاً من أجل الناس وإنما من أجل الله، قال الله : ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:٢١]، الله أكبر! سيرضى إذ رافق رسول الله ﷺ في الدنيا، وكان معه ولم يفارقه قط في غزاة ولا هجرة ولا سفر ولا حضر، حتى قيل لـ عمر ﵁: أنت خير أم أبو بكر؟ فبكى ﵁، وقال: والله ليلة لـ أبي بكر مع رسول الله في الغار خير من عمر وآل عمر، وليتني كنت شعرة في صدر أبي بكر، أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي. ثم أرضاه الله بأن يرافق رسول الله ﷺ في البرزخ، ثم سيرضى يوم البعث الأكبر، وخرج الرسول ﷺ يوماً بين أبي بكر وعمر وقال: (هكذا نبعث يوم القيامة) نسأل الله أن يحشرنا معهم.

стр. 249

تفسير سورة الضحى الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فأسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين. سورة الضحى هي سورة مكية، اشتملت على إحدى عشر آية، في خمسين كلمة، في مائة واثنين وسبعين حرفاً.

стр. 250

سبب نزول سورة الضحى هذه السورة المباركة يقول عنها سيد قطب ﵀: هذه السورة بموضوعها وتعبيرها ومشاهدها وظلالها وإيقاعها لمسة حنان، ونسمة رحمة وطائف من ود، وهي بموضوعها وتعبيرها وظلالها وتصويرها خالصة لرسول الله ﷺ ، ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وقد نزلت في ظروف خاصة. روى البخاري ومسلم من حديث جندب بن عبد الله ﵁: أن امرأة من قريش قالت لرسول الله ﷺ : يا محمد! ما أرى شيطانك إلا ودعك! وكان الوحي قد أبطأ عن النبي ﷺ في فترة، فقالت: -وجاء في بعض الروايات تسميتها بأنها- أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان زوجة أبي لهب التي سماها الله في القرآن حمالة الحطب: ما أرى شيطانك إلا ودعك، فأنزل الله هذه السورة: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣].
следующие страницы →