← Джавами‘

Джавами‘ · id 37422

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

عبد الحي يوسف

Полный текст (933 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مقدمة الطهارة_وسائل التطهير_أنواع النجاسات بين الفقهاء أحكام الطهارة وأقسامها وأنواعها، وبينوا وسائل التطهير، كما بينوا أحكام النجاسات وأنواعها وكيفية تطهيرها. وتستمد الطهارة أهميتها من أهمية العبادات التي لا تصح ولا تقبل إلا بالطهارة.

стр. 457

مقدمة في الطهارة

стр. 458

تعريف الطهارة الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار. وصلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد، ما اختلف الليل والنهار. وصلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا لما تحب وترضى. أما بعد: الطهارة في اللغة: هي النظافة، تقول: طهر الثوب من القذر، يعني: تنظف. وأما في الشرع فهي: صفة اعتبارية أو معنوية قدرها الشارع شرطاً للصلاة.

стр. 459

أقسام الطهارة وأهميتها الطهارة تنقسم إلى طهارة ظاهرة وطهارة باطنة، فالظاهرة: تشمل تطهير البدن والمكان والثوب، والباطنة تشمل تطهير القلب بالإيمان واجتناب الشرك، والإنسان إذا لم يطهر باطنه أولاً فلا فائدة له من طهارة الظاهر. فالنوع الأول من الطهارة: طهارة الباطن، أو الطهارة المعنوية أو الأصلية. وعدم طهارة الباطن قد يطلق عليها: نجاسة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، وقد يطلق عليها: مرض، كما في قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [الأحزاب:٣٢]. وأمراض القلوب هي عبارة عن نجاسة معنوية، وهي تتدرج وتتفاوت، فمن أمراض القلوب الشرك، والشرك هو: أن تصرف شيئاً من العبادة لغير الله، أو أن تحب شيئاً من الأشياء كحب الله، أو تعتقد في أحد غير الله أنه يملك لك الضر أو النفع. وهذا الشرك، إن لم يطهر الإنسان منه قلبه، فيا خسارته! قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]. ومن أمراض القلوب أيضاً: الرياء، وهو: أن يعمل العبد العمل لا يريد به وجه الله، أو أنه يريد به وجه الله وغيره، فهذا هو: الرياء. ومن أمراض القلوب كذلك: الحسد، وهو: تمني زوال النعمة عن الغير. فهذه فالطهارة الباطنة نسميها الطهارة المعنوية، أو الطهارة الأصلية، وهي أهم من طهارة البدن، بل لا يمكن أن تقوم طهارة البدن مع وجود نجس الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة:٢٨]، فلو أن إنساناً سجد للصنم، أو للبشر، ثم بعد ذلك تطهر بأحسن صابون ووضع أطيب العطور، ولبس أحسن الثياب فهو نجس؛ لأن نجاسة القلب لا تغني عنها طهارة البدن. والنوع الثاني: طهارة ظاهرة: وتسمى الطهارة الحسية، أو الطهارة الفرعية، وهي: ارتفاع الحدث، وزوال الخبث مثلاً: إنسان يصيبه الحدث، والحدث هو: وصف حكميٌ يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة. فلو أن إنساناً خرج منه ريح، فهذا نسميه حدثاً، أو خرج منه مذي نسميه حدثاً كذلك، ولو كان الحدث الأكبر: مثل خروج المني، فهو حدث أيضاً، فالطهارة الفرعية هي: ارتفاع الحدث وزوال الخبث، والمقصود به: النجاسة، وهي الأشياء التي حكمت الشريعة بأنها نجسة وسيأتي تفصيلها، مثل بول الآدمي ورجيعه، والدم المسفوح والعذرة لما لا يؤكل لحمه، كعذرة الحمار أو الكلب، فهذه كلها نسميها: أعيان نجسة، فكلمة نجس تعادل كلمة خبث. فالطهارة الظاهرة هي ارتفاع الحدث، وزوال الخبث. قلنا: وزوال الخبث، ولم نقل: وإزالة الخبث؛ لأنه قد يزول بنفسه، مثلاً: لو جاء كلب -أكرمكم الله- فبال في أرض المسجد، ثم أنزل الله من السماء ماء طهوراً، فغسل تلك النجاسة وأزالها المطر دون أن نعمل في إزالتها؛ ولذلك نقول: الطهارة هي ارتفاع الحدث وزوال الخبث. إذاً: فالطهارة لغة: النظافة. وهي نوعان: الأول: طهارة باطنة. الثاني: طهارة ظاهرة. والطهارتان مطلوبتان، فلا يقول أحد: أنا قلبي نظيف، فلماذا أتوضأ؟! قال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)، ولو كان قلبه أطهر القلوب.

стр. 460

الحث على الطهارة أمرنا ربنا ﷻ بالطهارة على اختلاف أنواعها، فمن ذلك: قول الله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، فهذه هي الطهارة الظاهرة وهي: الوضوء. وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] يعني: الغسل، وهو: طهارة ظاهرة. وفي طهارة الثياب قال سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]. وفي طهارة المكان قال سبحانه: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]. فالمطلوب: طهارة البدن، وطهارة الثياب، وطهارة المكان، وقبل ذلك كله طهارة القلب، ولذلك قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] ((يُحِبُّ التَّوَّابِينَ)) أي: من طهروا بواطنهم، ((وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)) أي: من طهروا ظواهرهم.

стр. 461

فوائد الطهارة للطهارة فوائد عظيمة جداً، أول هذه الفوائد: أنها سبب لمحبة الله للعبد، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وهناك آية في سورة التوبة تتكلم عن مسجد الضرار وفيها قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]. الفائدة الثانية: أنها سبب لدخول الجنة، فالإنسان الذي يحرص على الطهارة دائماً من أهل الجنة إن شاء الله تعالى، قال رسول الله ﷺ : (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم! اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فتحت له أبواب الجنة الثمانية). فأبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة، قال الله عن جهنم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤]. الفائدة الثالثة: الطهارة سبب لتكفير الذنوب والخطايا، قال رسول الله ﷺ : (ما منكم رجل يقرب وَضوءه) وكلمة الوَضوء بالفتح: اسم للماء، والوُضوء بالضم: اسم للفعل، (ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض ويستنشق، إلا خرت خطايا وجهه -وفيه وخياشيمه-). الفائدة الرابعة: هي سبب للنور التام يوم القيامة، قال النبي ﷺ : (إن أمتي يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء)، والغرة هي: بياض في جبهة الفرس، وقوله: محجلين من التحجيل، وهو: جمع محجل، والتحجيل أيضاً: بياض في ركبتي الفرس، يعني: أن المؤمن يوم القيامة يكون بين عينيه نور، وفي يديه ورجليه نور، كما قال الله : ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢]. فمن أسباب هذا النور: الوضوء. الفائدة الخامسة: أن في المحافظة على الطهارة تشبهاً برسول الله ﷺ ؛ الذي كان أنظف الناس ثوباً، وأطيبهم ريحاً، فقد كان عرقه ﷺ كريح المسك، ولذلك لما نام نومة القيلولة، في وقت الظهر في بيت أم حرام بنت ملحان -وكانت خالته من الرضاعة- يعني: رضعت مع أمه آمنة، (استيقظ ﷺ ، فوجدها تمسح العرق عن وجهه، ثم تعصره في سكٍ لها) السك: ما تحفظ فيه المرأة طيبها، (فقال لها: ما تصنعين يا أم حرام؟ قالت: أخلط عرقك بطيبنا فيكون أطيب الطيب). فالرسول ﷺ علمنا النظافة، ومن ذلك أنه علمنا ﷺ أن نستاك فقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وكان يستاك، حتى في مرض موته ﵊، فقبل أن يتوفى بقليل كان يستاك ﵊، وعلمنا ﷺ النظافة في كل شيء، دخل عليه بعض الصحابة، وشعره كثير منتفش، فأمره الرسول ﷺ أن يحلقه، أو يرجله، أي: ينظمه، فذهب الصحابي، ثم رجع بعد ذلك، فقال ﵊: (أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟!). الفائدة السادسة: أنها استجابة لأمر الله ، وأمر رسوله ﷺ ، فالله أمر بالطهارة فقال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]، وقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦]، وقال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، وهذه كلها أوامر، فالمتطهر مستجيب لأمر الله، وكذلك مستجيب لأمر الرسول ﵊ في قوله: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وقوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ).

стр. 462

وسائل التطهير التطهير يكون بعدة وسائل وهي على النحو التالي: الوسيلة الأولى: الماء، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]. فالماء، هو أطيب الطيب، ولذلك لو انقطع الماء عن بيتك، ثم جاءوك بأفخر العطور لا تغني عنك شيئاً، ولكن لو كان عندك ماء وما استعملت العطور لا يضرك؛ ولذلك قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، وعد أهل التفسير الماء من أنواع النعيم التي سنسأل عنها يوم القيامة. الوسيلة الثانية: التراب، وهو بدل عن الماء في رفع الحدث في حالة عدم وجود الماء، وسيأتي معنا التيمم، فالتراب وسيلة تطهير مع الماء في حال ولوغ الكلب، ودليله حديث أبي هريرة وعبد الله بن مغفل ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب). وفي رواية: (أولاهن)، وفي رواية: (إحداهن)، وفي رواية: (أخراهن)، وفي رواية: (وعفروه الثامنة بالتراب). لكن الرواية الصحيحة: (أولاهن بالتراب)، وهذا الذي تقتضيه الناحية العقلية؛ لأن الإنسان يستعمل التراب، ثم بعد ذلك الماء المطهر، لكن لو أننا استعملنا الماء، ثم بعد ذلك التراب، فما تطيب النفس بذلك. فأول شيء نغسله بالتراب، ثم بعد ذلك بالماء، وكذلك سائر ما يلمسه الكلب بلعابه، فلابد أن يغسل سبعاً أولاهن بالتراب؛ لأن نجاسة الكلب مغلظة.

стр. 463

أقسام المياه أقسام المياه: الماء ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس. فالماء الطهور: هو الماء الباقي على أصل خلقته، أي: لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة، لا لونه، ولا طعمه، ولا رائحته، فهذا نسميه ماءً طهوراً، ونستعمله في عاداتنا في شربنا، وفي طبخنا، وفي غسلنا، وفي تنظيفنا لبيوتنا، ونستعمله كذلك في العبادات في وضوئنا، وفي غسلنا، وفي تطهير ما تنجس من ثيابنا أو من أماكننا. فالماء الطهور نستعمله في العادات، وفي العبادات، مثاله: ماء السماء، وهو الماء الذي ينزل من السماء، قال الله : ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]. وقال سبحانه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١]. ثانياً: ماء العيون؛ لأن ماء العيون أصله من السماء: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٢١]. ثالثاً: ماء البحر، سأل الصحابة رسول الله ﷺ قالوا: (يا رسول الله! إنا نركب البحر - نكون في السفينة - ويكون معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ قال النبي ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فهم سألوا سؤالاً واحداً، والرسول ﷺ أجابهم إجابتين، أو عن سؤالين، أنتوضأ بماء البحر؟ لو كنت أنا وأنت، فسنقول: نعم، توضئوا، لكن الرسول ﷺ أراد فائدة أعظم فقال: (هو الطهور) يعني: ماء البحر (الطهور ماؤه) يعني: توضئوا به واغتسلوا ونظفوا آنيتكم، واطبخوا طعامكم، واشربوا منه واصنعوا ما تريدون، ثم قال: (الحل ميتته). وهنا السؤال كان معنا في السفينة خروف، وهذا الخروف قفز، ووقع في البحر فمات، أي: مات في البحر، فهل يحل لنا أكله؟ فإن قال قائل: نعم؛ لأن الرسول ﷺ قال: (هو الحل ميتته) قيل: هو مات رغماً عن أنفه، وأنت ستموت رغماً عن أنفك، وكلنا سنموت رغماً عن أنوفنا، وهو ليس من دواب البحر، فقول النبي ﷺ : (الحل ميتته) أي: ما كان من دوابه فقط، فالخروف إذا مات في البحر ميتة يحرم عليك تناولها. فإن قيل: فما حكم الحيوانات البرمائية التي تعيش في البر وفي الماء؟ ف الجواب نقول: أيها أغلب عيشها في البحر أم عيشها في البر؟ فإذا كان الأغلب عيشها في البحر، فإنها من دواب البحر، وإذا كان الأغلب عيشها في البر، فليست من دواب البحر، والقاعدة تقول: العبرة للأعم الأغلب، لا للشاذ النادر. وهل كل حيوان بحري يؤكل؟ وما مثاله؟ الجواب لا، فالتمساح مثلاً اختلف فيه أهل العلم، فبعضهم قال: بجواز أكله لعموم هذا الحديث، وبعضهم قال: لا؛ لأنه مفترس، والنبي ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع. ومثله أيضاً خنزير البحر، وشكله مثل الخنزير البري، لكنه يعيش في البحر، فهل يجوز لنا أكله؟ الإمام مالك سئل عن هذا السؤال، فمن ورعه قال للسائل: أنتم تقولون: خنزير، يعني: كيف تستطيبونه واسمه خنزير؟! قال: خنزير اسمه قبيح، ولذلك الخنزير عند اليهود حرام. ذهب يهودي إلى مطعم، وشم رائحة شوى الخنزير، فدخل في نفسه، وهو يعرف أنه حرام فمشى إلى المطعم، وقال لصاحبه: أريد من هذا السمك، فقال له: هذا خنزير، فقال اليهودي: هل أنا سألتك عن اسمه؟! فهو يريد أن يتحايل على أكله، فيسميه بغير اسمه. ومن أمثلة الماء الطهور كذلك: ماء الآبار؛ لأن النبي ﷺ سئل عن بئر بضاعة، وهي بئر في المدينة، فقالوا: (يا رسول الله! إنها تلقى فيها الجيف والحيض، فقال ﵊: إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، يقصد ماء الآبار، ﵊. وحكم الماء الطهور: أنه طاهر في نفسه، مطهر لغيره، يستعمل في العادات والعبادات. القسم الثاني: الماء الطاهر: وهو الذي تغير بملاقاة شيء طاهر، كما إذا تغير بطبخ شاي، فيصبح شاياً، يعني: أن تأخذ الماء فتغليه، ثم بعد ذلك تضع فيه شاياً، فهذا الماء صار طاهراً، لكن ليس طهوراً، أو أن تأتي بالماء، ثم تصب عليه محلولاً أحمر، فيصبح عصيراً فهذا نسميه: ماءً طاهراً يستعمل في العادات، كالأكل والشرب، ولا يستعمل في العبادات، كالوضوء والغسل وتطهير الجسد والثوب؛ فإنه لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً. لو جاءت صلاة المغرب فما لقينا ماءً فهل أشتري عصيراً لكي أتوضأ؟! هذا الوضوء باطل، وكذلك المرق؛ لأنه ماء طاهر وليس بطهور. القسم الثالث: الماء النجس: وهو الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة، مثل ماء تغير لونه بدم مسفوح، أو تغيرت رائحته بهر سقط فيه، يعني: لو أن عندك في البيت برميل في أيام انقطاع الماء، وقفزت في هذا البرميل هرة فأنتن، فلما قمت لصلاة الصبح وجدت ريح الماء قد تغير، فهذا الماء نسميه ماء نجساً؛ لأن رائحته تغيرت بنجاسة، والنجاسة: هي الميتة، وسيأتي الكلام في أن الميتة معدودة ضمن النجاسات. والماء النجس لا يجوز استعماله، لا في العادات، ولا في العبادات، فلا يجوز لك شربه، ولا يجوز لك الوضوء به، ولا تطهير النجاسة به، بل هو نفسه لو وقع على شيء نجسَه. إذاً: نحن وضعنا ضابطاً وهو: إذا تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه، لكن بفرض أن الماء كثير في برميل، وسقطت فيه قطعة من الصابون فرست في قاعه وما غيرت منه طعماً ولا لوناً ولا ريحاً فهو باق على طهوريته. فلو كان ماء فيه صابون كثير، وثيابك فيها بقعة من الدم، فغسلت الثياب بهذا الماء، فلا تعد الثياب طاهرةً، إلا إذا صببت ماءً طهوراً، وهذا الذي يحصل، فالناس يستعملون الصابون في غسل الثياب، ثم يستعملون بعده ماء طهوراً.

стр. 464

مسائل تتعلق بطهارة الماء ونجاسته هذه مسائل فيها الكثير من الأجوبة على بعض الأسئلة التي طرحت: المسألة الأولى: لا يؤثر على طهورية الماء تغير ريحه بما يجاوره من النجاسات، فلو أن جيفة بجانب غدير أو بركة وتغير ريح الماء منها فإنه يبقى على طهوريته، وهذا خارج عن الإرادة، مثاله: عندي ماء في البيت، وقدر الله أن كلباً مات في الخارج أو في داخل البيت، وأنا لا أعرف مكانه، والماء بعيد عن هذه الجيفة لكنها أثرت عليه، يعني: أثرت على ريحه فلا تسلبه الطهورية؛ لأن هذا شيء خارج الماء ولم يخالطه ولا مازجه وإذا تغير الماء فتغير لونه، أو ريحه، أو طعمه، بأي نوع من أنواع التغيرات، كملوحته من السبخة التي هي مقره، فلا يؤثر على طهوريته. المسألة الثانية: لا يؤثر على طهورية الماء ما تولد منه وغيره كالطحلب والسمك ومثاله: عندك ماء في برميل وعندما ذهبت تفتح البرميل وجدت هذا الماء فيه أشياء خضراء تولدت في داخله؛ فلا تؤثر على طهوريته، فما تولد في الماء من داخله لا يؤثر على طهوريته. المسألة الثالثة: لا يؤثر على طهورية الماء ما يعسر الاحتراز منه كورق وسدر يسقطان في غدير أو بركة، فيتغير الماء. مثاله: عندنا بركة ماء، وفي الخريف أوراق الشجر تتساقط، فتساقطت بكثرة في هذا الغدير، أو في تلك البركة، حتى تغير لونها، فلا يؤثر فيها؛ لأن هذا شيء يشق الاحتراز منه، ومثله أيضاً ما سيأتي معنا في باب النجاسات، لو أن ذبابة وقفت على عذرة كلب وأكلت منه وحملته بجناحيها، ثم جاءتك وأنت تصلي، فوقفت على قمة عمامتك، وبعد الصلاة خلعت العمامة، ونظرت فإذا شيء قليل من النجاسة، فلا يضر؛ لأنه ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فديننا والحمد لله يسر قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. المسألة الخامسة: لا يؤثر على طهورية الماء ما غيره مما يستعمل في تطهيره وإصلاحه، ويدخل في ذلك وسائل التعقيم في زماننا مثل مادة الكلور وغيرها التي تستعمل في الماء لتعقيمه. مسألة: عندنا إناء فيه ماء، فسقطت فيه فأرة فماتت، فحكم الماء أنه نجس؛ لأنه قد لاقته نجاسة فغيرته. مثال آخر: صهريج يسع ستين جالوناً، وهذا الصهريج دخل إليه حمامة صغيرة فماتت، فلم تغير طعمه ولا لونه ولا ريحه، فحكمه أنه طهور؛ لأن النجاسة يسيرة، والماء كثير، فلم تغير له طعماً، ولا لوناً، ولا ريحاً. مثال آخر: برميل كان مطلياً بطلاء، فلاحظنا أن لهذا الماء رائحة طلاء، فحكمه طهور؛ لأنه ما تغير بشيء طارئ، وإنما تغير بطول المكث، فهو مثل ما تغير بالسبخة التي هي: طبيعة الأرض التي هو فيها.

стр. 465

أنواع النجاسات

стр. 466

تعريف النجاسة أول ما يلزم بيانه تعريف النجاسة: النجاسة: هي كل عين يحرم تناولها لا لضررها، ولا استقذارها، ولا لحرمتها. ومعنى قولنا: (النجاسة عين يحرم تناولها) أي: لا يجوز للإنسان أن يطعمها، مثل: العذرة، وأما مثل السموم فيحرم تناولها لا لأنها نجسة، وإنما لكونها ضارة. وقولنا: (ولا لاستقذارها): يخرج مثل البصاق والمخاط، فلا يجوز أكله لا لكونه نجساً، وإنما لأنه مستقذر. وقولنا: (ولا لحرمتها): أخرج مثل أن يسرق إنسان كبشاً مثلاً، ثم شواه وقال لك: تعال فكل، فلا يجوز أن تأكل منه؛ لأنه حرام مغتصب مسروق، لا لكونه نجساً.

стр. 467

بيان الأصل في الأشياء من حيث الطهارة والنجاسة وتعداد النجاسات ما هي النجاسات؟ الجواب الأصل في الأشياء الطهارة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، فهذا الكيس طاهر، وهذا الجهاز طاهر، وهذا الثوب الذي ألبسه طاهر، والمقعد الذي أجلس عليه طاهر، وكل الأشياء طاهرة إلا أشياء معينة بينت الشريعة أنها نجسة. ومعنى ذلك أنه لو اختلف اثنان في شيء ما هل هو طاهر أو نجس فالمطلوب الدليل ممن يقول بأنه نجس؛ لأن الأصل في الأشياء كلها الطهارة. إذاً: فما هي الأشياء النجسة؟ الجواب أولها: المسكرات المائعات كالخمر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) [المائدة:٩٠]. والمسكر: هو كل ما أذهب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب، وهو بخلاف المخدر، فإنها تذهب العقل دون الحواس من غير نشوة ولا طرب، فالسكران الذي يشرب الخمر يذهب عقله، وأما حواسه فموجودة، فإذا وضع يده على شيء ساخن أبعدها، ويكون ذلك مع نشوةٍ وطرب، فتجده يفرح ويغني، ويضحك ويتكلم، وأما من يتعاطى المخدرات فإن عقله يذهب وحواسه موجودة، لكن لا يكون هناك نشوة ولا طرب. ثانيها: ما فصل من أجزاء الحيوان البري وهو حي؛ لقوله ﷺ : (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو كميتته)، والحيوانات إما طائرة، أو برية، أو مائية، والمائية مضى معنا قوله ﷺ فيها: (الحل ميتته)، فلو خرجت ميتة من البحر فلا بأس بها، فلو أخرجنا سمكاً ميتاً فإنا نأكله ولا شيء علينا. وأما الحيوانات البرية فهي كالخراف والمعز وما أشبه ذلك، فلو أن إنساناً قطع منها شيئاً وهي حية فهذا الشيء نجس؛ لأنه لم تلحقه الذكاة الشرعية، فلو كان عندك جمل مثلاً وكان سنامه كبيراً، فقطعت هذا السنام لتأكله فلا يجوز ما دام حياً. وإذا كان عندك خروف إليته كبيرة، فقطعت هذه الإلية لتأكلها فلا يجوز لك أكلها، قال النبي ﷺ : (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو كميتته). وهناك أشياء تنفصل من الحيوان البري وهي ليست بنجسة، كالعرق والمخاط والدمع واللعاب، فهذا كله طاهر، فقد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ ركب فرساً عري لـ أبي طلحة)، أي كان الفرس من غير سرج، ومعروف أن الفرس إذا مشى ورُكب عليه فإنه يعرق، وهذا العرق سيخالط الثياب، فالرسول ﷺ ركب على هذا الفرس ولم يأتِ عنه أنه غسل أثر العرق، فهو إذاً طاهر وليس بنجس. وجاء في حديث عمرو بن خارجة قال: (كنت آخذ زمام ناقة النبي ﷺ ولعابها يسيل على كتفي)، فعلم بذلك أن هذا اللعاب طاهر. إذاً: أول نوع من أنواع النجاسات هو: المسكرات المائعات، والنوع الثاني: ما انفصل من الحيوان البري وهو حي، إلا العرق واللعاب والدمع. ثالثها: الميتة، فالميتة نجسة، ويستثنى منها الريش والصوف والشعر والوبر، فهذه كلها طاهرة؛ لأنها لا تحلها الحياة، قال الله : ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠]، ولم يستثن الميتة، ومثاله: أن يكون عند الرجل في البيت خروف مثلاً، وكان الجو بارداً، فأراد أن ينتفع بصوفه فمن الممكن أن يجز صوفه ولا حرج في ذلك إن شاء الله. إذاً: الميتة نجسة، قال الله : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]، والرجس: هو النجس، والميتة نجسة إلا ميتة الآدمي، فالآدمي لا يوصف بأنه نجس. رابعها: الدم المسفوح، وهو الدم الذي يجري عند موجب جريانه. وقيدنا الدم بالمسفوح ليخرج الدم غير المسفوح، فمثلاً قد تأتي بلحم إلى بيتك فإذا طبخته فإنك ترى في القدر قليلاً من الدم، أو قد ترى في عروق ذلك اللحم قليلاً من الدم، فهذا لا يضر؛ لأنه ليس دماً مسفوحاً، فإنك إذا مررت بالسكين على ذلك اللحم فإن ذلك الدم لا يسيل، وقد كان الصحابة ﵃ يقولون: كنا نطبخ اللحم فنرى الدم في أعلى القدر. خامسها: القيح والصديد، فهما نجسان لأنهما متولدان عن الدم، وهناك شيء ثالث وهي السوداء، وهو دم أسود يخرج من معدة المريض عافانا الله وإياكم فهي نجسة أيضاً. سادسها: المذي، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة أو التفكر، قال النبي ﷺ لـ علي بن أبي طالب لما سأله عن المذي: (اغسل مذاكيرك وتوضأ)، والأمر بالغسل لا يكون إلا من الشيء النجس. سابعها: الودي، وهو ماء أبيض خاثر، يعني: فيه ثخانة، يخرج إثر البول، فيجب منه ما يجب من البول. ثامنها وتاسعها: بول الآدمي ورجيعه، فبول الآدمي وكذلك رجيعه نجسان باتفاق، قال أنس ﵁: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه -أي: اكفف عن هذا- فقال النبي ﷺ : (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله، وهذا من النبي ﷺ بُعد نظر؛ لأن الرجل لو ضُرب فإنه سيقوم ويتحرك فبدلاً من أن يبول في مكان واحد فإنه سينجس عدة أمكنه، وبدلاً من أن ينجس المسجد فإنه سينجس بدنه وثيابه؛ لذا قال لهم الرسول ﷺ : (لا تزرموه) فتركوه حتى بال، ثم أمر النبي ﷺ رجلاً من القوم فجاء بدلوٍ من ماء فشنه عليه، أي: صبه في مكان البول وانتهت المشكلة، وهذا من حكمة الرسول ﷺ ، ثم جاء بالأعرابي وقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذه القاذورات، وإنما هي لذكر الله وتلاوة القرآن)، ففرح الأعرابي بتعليم النبي ﷺ إياه، ثم ذهب يصلي فقال: اللهم! ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فقال الرسول ﷺ : (لقد حجرت واسعاً) أي: إن رحمة الله وسعت كل شيء. فالمقصود هو أن نتعلم من هذا درساً في معالجة المفسدة بالحكمة خاصة مع الصغار وضعاف العقول وما أشبه ذلك. العاشر والحادي عشر: بول ما لا يؤكل لحمه ورجيعه، وما لا يؤكل لحمه مثل: الخنزير والكلب والحمر الأهلية -وهي الحمير الموجودة بين الأهالي-، وأما الحمير التي في الخلاء فهذه لا يشملها هذا الحكم، فما لا يؤكل لحمه بوله ورجيعه نجس، ومثال ما يؤكل لحمه البقرة والثور والمعزة والتيس والنعجة والكبش والجمل والناقة والطيور بأنواعها. فعندنا قاعدة وهي: ما يؤكل لحمه بوله طاهر ورجيعه طاهر، فإذا أتيت إلى المسجد وأمسكت بشاة -مثلاً- فبالت على ثيابي، فمباشرةً أذهب أصلي، ولا حرج عليَّ. مثال آخر: دخلت تحت جمل، فبال على رأسي، فأصلي ولا حرج عليَّ، والدليل على ذلك: أن جماعة من البدو -من الأعراب- جاءوا إلى المدينة فأسلموا، وأظهروا الإسلام، فأصابهم مرض في حلوقهم، -أو كما جاء في الحديث- فاستوخموا المدينة، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يذهبوا إلى إبل الصدقة -الإبل التي أخذوها من الزكاة- فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فشربوا فصحوا أي: رجعت إليهم صحتهم، فقتلوا الراعي، وسملوا عينيه، أي: كحلوها بالمسامير المحماة بالنار، ثم ساقوا الإبل وارتدوا عن الإسلام، فهؤلاء ارتكبوا أربع جرائم: الردة وهي أفحشها، ثم القتل، والتمثيل بالراعي، والسرقة، فالرسول ﷺ : أتى بهم فأقام عليهم حد الحرابة إلى آخر القصة، والمقصود أنه ﷺ أمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، قالوا: معناه أن كل ما يؤكل لحمه فبوله ورجيعه طاهر. وإذا كنت جالساً في المسجد النبوي الشريف، أو جالساً عند الكعبة المشرفة فذرقت حمامة عليك، ووقع ذرقها على ثيابك، فلا حرج في ذلك؛ لأن الحمام يؤكل. الثاني عشر: المذر، وهو ما تعطل من البيض، فالبيضة إذا تعطلت فهي نجسة؛ لأنها بمنزلة الميتة. الثالث عشر: القيء المتغير، مثاله: إنسان طعم طعاماً، وهذا الطعام مكث في بطنه ثم قاءه وقد تغير لونه وريحه، فهو بمنزلة الرجيع فهو نجس أيضاً. أما القيء غير المتغير فطاهر، مثاله: إنسان مصاب بملاريا، تجدونه يشرب الماء ثم يتقيؤه فهذا ليس بنجس، ولا يعد نجساً؛ لأنه ليس متغيراً. الرابع عشر: الكلب نجس، والدليل على نجاسته قوله ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب)، فالكلب ليس نجساً فقط وإنما نجس نجاسة مغلظة، ولا يوجد حيوان آخر أمرنا الرسول ﷺ أن نغسل الإناء منه سبع مرات بهذا التغليظ إلا الكلب، فالكلب من الحيوانات النجسة.

стр. 468

كيفية تطهير النجاسة مسألة: كيف نطهر النجاسة؟ الشيء النجس لا يخلو من حالتين: إما أن يكون نجساً بذاته كالبول والغائط والخنزير والدم المسفوح فهذا لا يمكن تطهيره؛ لأن نجاسته ذاتية، مثلاً الدم، لا يمكن تطهيره، فالدم نجس، والبول كذلك، فهذا نجس بذاته. وإما أن يكون متنجساً، وليس نجساً، وإنما هو طاهر، لكن حصلت فيه نجاسة، فهذا نسميه متنجساً، ومثال المتنجس: ثوب وقع فيه بول، والنعل وقع على الغائط، فنطهره بغسله في الماء الطهور إلى أن ينفصل عنها الماء طاهراً بلا أثر، يعني: أن النجاسة إذا كانت نجاسة مائعة أي: سائلة مثل البول والمذي إذا وقع على الثوب فيكفي أن أكاثره بالماء وأضربه إلى أن أصب الماء فينفصل طاهراً بذات لونه، ومعنى ذلك أن الثوب قد تطهر. أما إذا كانت النجاسة يابسة فلا بُدَّ من إزالة عينها، فإذا وقع على الثوب دم ويبس، ففي هذه الحالة لا بد من إزالة عين هذه النجاسة، بمعنى: أني أعركه وأفركه وأحكه بأظافري، وأستعمل ما شاء الله إلى أن تزول عين هذه النجاسة، فمثل هذه النجاسة اللزجة لا بد أن أعركها.

стр. 469

أحكام الغسل_أحكام التيمم جاء دين الإسلام بطهارة المسلم ظاهراً وباطناً، ومن طهارة ظاهره أنه شرع له الغسل، والغسل قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً وقد يكون مباحاً. وجاءت الشريعة بالتيمم تسهيلاً وتيسيراً على من لم يجد الماء أو تعذر عليه استعماله، وهذا من خصائص ومميزات دين الإسلام.

стр. 470

تعريف الغسل الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى. نتكلم في هذا الدرس على ما يتعلق بأحكام الغسل. الغسل في اللغة مصدر غسل يغسل غسلاً بالضم، لكن إذا كان تعميماً للبدن بالماء نسميه غُسلاً، ولذلك ما نقول: غَسل الميت وإنما نقول: غُسل الميت؛ لأن الميت لا نغسل منه أعضاءً مخصوصة، وإنما نعمم بدنه، أما بالنسبة لغسل اليد في الوضوء لا نقول: غُسل اليد، وإنما نقول: غَسل اليد. أما في الشرع فهو: تعميم البدن بالماء مع اقتران النية.

стр. 471

الأغسال الواجبة الغسل على نوعين: غسل واجب وغسلٌ مستحب، ويكون الغسل واجب في أربعة أحوال: أولها: الجنابة، فإذا أصابت الإنسان جنابة وجب عليه الغسل. ثانيها: غسل المسلم إذا مات. ثالثها: غسل الكافر إذا أسلم. رابعها: غسل المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض أو النفاس. هذه أربعة أحوال الغسل فيها فرض. فغسل الجنابة فرض، وكلمة الجنابة معناها: البعد، كما قال الله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦]، والجنب سمي جنباً لأنه بعيد من العبادة، هذه هي الحالة الأولى من موجبات الغسل. الحالة الثانية: غسل المسلم إذا مات؛ لأنه إذا مات يجب علينا معشر المسلمين أن نغسله، ولو أنا دفناه من غير غسل ومن غير عذر فإننا آثمون، لكن قد يكون في مكان ليس فيه ماء مثلاً أو قد يكون بدنه مهترئاً بحيث لو غسل تزايل، كما في حالة الغريق الذي لم نجد جثمانه إلا بعد ثلاثة أيام أو أكثر، ففي هذه الحالة يكون بدنه مهترئاً بحيث لو غسل سيتزايل، ففي هذه الحالة لا يجب غسله. الحالة الثالثة: غسل الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لما ثبت في حديث قيس بن عاصم أنه لما أسلم أمره النبي ﷺ بأن يغتسل. الحالة الرابعة: غسل المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض أو النفاس.

стр. 472

الأغسال المستحبة الأغسال المستحبة هي: ١ - غسل الجمعة. ٢ - غسل العيدين. ٣ - غسل الإحرام. ٤ - الغسل من حمل الميت؛ لأن الرسول ﷺ قال: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ). ٥ - الغسل لدخول مكة. ٦ - غسل يوم عرفة. أما غسل يوم الجمعة فلأن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، ويحمل على ذلك الغسل في العيدين؛ لأنه لما كانت الجمعة عيداً فيوم الفطر ويوم النحر من باب أولى؛ ولأن عبد الله بن عمر ﵄ ثبت عنه أنه كان يغتسل يوم الجمعة والعيدين. ثالثاً: غسل حمل الجنازة، فإنه يستحب لك بعدها أن تغتسل. رابعاً: غسل الإحرام، فإذا أردت أن تحرم بالنسك في الحج أو العمرة فيستحب لك أن تغتسل، كما فعل الرسول ﵊. خامساً: يستحب غسل دخول مكة؛ لأن الرسول ﷺ لما جاء إلى ذي طوى بات بها، ولما أصبح اغتسل ودخل مكة، وهذا من باب التعظيم لحرم الله . أما غسل الجنابة فيدل على وجوبه قول الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦]، وقول النبي ﷺ : (إنما الماء من الماء)، وقوله ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) أي: وإن لم ينزل.

стр. 473

فرائض الغسل فرائض الغسل خمسة: أولها: النية، وفي الوضوء ذكرنا أن أول فرض النية، وفي الغسل أول فرض النية، وسيأتي في التيمم أن أول فرض هو النية، وفي الصلاة سيأتي أن أول فرض هو النية، وفي الصيام أول فرض هو النية، وفي الزكاة أول فرض هو النية، وهكذا في الحج، فكل عمل لابد فيه من نية، قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، فالغسل لابد فيه من النية، والنية محلها القلب، فلا يصح أن تدخل الحمام وتقول: نويت أن أغتسل غسل الجمعة مثلاً. الفرض الثاني: تعميم جميع الجسم، كما قال الله : ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]، والاغتسال هو غسل جميع الجسد، فلابد أن الماء يصل إلى كل جزء من أجزاء بدنك الظاهرة، ولذلك جاء: (أن الرسول ﷺ كان يدخل أصابعه في شئون رأسه حتى يروي بشرته) لأنه ﷺ ما كان يحلق إلا في نسك في حج أو عمرة. الفرض الثالث: الدلك؛ لأنه لا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه، أما إنسان وقف تحت الدش فقط ولم يدلك فهذا يقال: أفاض على جسده الماء، ولا يقال: اغتسل، والعرب تفرق بين قولها: غسلت الثوب وقولها: أفضت عليه الماء، يعني: لو أني أدخلت الثوب تحت الماء فلا يقال: إني غسلته. والدلك هو: إمرار اليد على العضو إمراراً متوسطاً، هذا هو الدلك. والمكان الذي لا تصل إليه اليد لا شيء فيه؛ ولو أن إنساناً يستعمل بدل يده خرقة ونحوها أو ما يسمى الآن بالليف فإنه يجزي، وجعل الدلك من فرائض الغسل هو مذهب المالكية، وأما الحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم رحمة الله على الجميع فلا يجعلون الدلك من فرائض الغسل. الفرض الرابع: تخليل الشعر خفيفاً كان أو كثيفاً؛ لأن أمنا ﵂ قالت: (إن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بهما أصول شعره)، وعلي بن أبي طالب ﵁ كان دائماً يحلق شعره، فلما سئل قال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: (في كل شعرة جنابة، فمن ترك موضع شعرة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا)، فمن ثم عاديت شعري، يعني صار شعري هو عدوي، فكان يحلق دائماً، كلما نبت شعره حلق، وهذا كان فيما مضى؛ لأن القضية كان فيها غرف ماء وكان فيها مشقة، أما الآن بفضل الله تفتح الدش فيصب عليك الماء صباً، وأنت تشتغل بالدلك بكلتا يديك، فلو كان شعرك كصوف خروف فلن يضر؛ لأنك تستطيع أن تخلله بكل سهولة. الفرض الخامس: الموالاة، وهي: الإتيان بأفعال الغسل في زمن واحد؛ لأن الرسول ﷺ لم يغتسل إلا غسلاً متوالياً، ولم نسمع أن النبي ﷺ غسل فرجه ثم خرج ثم جاء فتوضأ ثم أكل ثم رجع فخلل شعره ثم ذهب ثم جاء، وإنما أفعال الغسل كلها تقع في وقت واحد متوالية.

стр. 474

سنن الغسل سنن الغسل خمسة: أولها: غسل اليدين إلى الكوعين قبل إدخالهما في الإناء، هذا فيما مضى لما كان الناس يستعملون الآنية، فالرسول ﷺ نهى الجنب أن يدخل يده في الإناء إلا بعد أن يغسلهما ثلاثاً، وكذلك نهى ﷺ من استيقظ من النوم أن يغمس يده في الإناء؛ لأن النوم أخو الموت. ثانيها: المضمضة، وهي: إدخال الماء في الفم وتحريكه، ومضمضة على وزن فعللة، مثل كلمة زلزلة، وفعللة تدل على حركة، كالقلقلة؛ فإن الإنسان يحرك فمه ولسانه عند حروف القلقلة. ثالثها: الاستنشاق، وهو: جذب الماء إلى داخل الأنف. رابعها: الاستنثار، وهو: طرح الماء بواسطة النفس. خامسها: مسح صماخ الأذنين. فهذه هي سنن الغسل الخمسة، غسل اليدين إلى الكوعين قبل إدخالها في الإناء ثم المضمضة والاستنشاق والاستنثار ومسح صماخ الأذنين.

стр. 475

فضائل الغسل الفرق بين السنة والفضيلة: أن السنة ما فعله النبي ﷺ وأظهره للناس وأمر به، والفضيلة ما كان دون ذلك. وفضائل الغسل هي: أولها: التسمية، وهنا السؤال إذا كان الإنسان يتوضأ في الحمام هل يسمي الله؟ و الجواب لا يسمي، بل يذكر الله بقلبه، لكن لا ينطق؛ فإن اسم الله ينزه عن أن ينطق به في تلك الأماكن، وبعض الناس يقول: ما هو الدليل؟ ونقول: الدليل هو الأدب؛ فإنه يجب أن نتأدب مع الله ، وأن نتأدب مع الرسول ﵊، وأن نتأدب مع القرآن، والنبي ﷺ علمنا هذا الأدب بأنه كان إذا أراد الخلاء طرح خاتمه ﷺ ؛ لأن فيه اسم الله ﷻ ، فإذا كنت في الحمام فلا تذكر الله، وقد تقدم أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء يقول: (غفرانك)، تنزيهاً لله من الذكر في ذلك الموطن. ثانيها: البدء بإزالة الأذى عن جسده وعورته وأعضائه بوضوئه، فقد كان الرسول ﵊ إذا اغتسل من الجنابة يغرف من الماء فيغسل يديه ثلاثاً، ثم يصب بيديه فيغسل بقية أعضاء الوضوء، وأحياناً يؤخر غسل رجليه ﷺ . ثالثها: تقديم الأعالي على الأسافل والميامن على المياسر، والإنسان إذا بدأ بالغسل يبدأ بغسل رأسه، وكذلك يبدأ بميامنه قبل مياسره. رابعها: تثليث غسل رأسه، ففي الوضوء يكون مسح الرأس مرة واحدة، أما في الغسل فلا بد من غسله ثلاثاً كما كان يصنع الرسول ﵊. خامسها: قلة الماء، وقد تقدم أن النبي ﵊ كان يتوضأ بالمد، والمد: ملء الكفين المعتدلتين، وكان ﵊ يغتسل بالصاع، والصاع: حوالى اثنين كيلو وربع. وهذه الفضائل والسنن أخذناها من حديث عائشة وميمونة ﵄، فقد قالت ميمونة ﵂: (أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات كل حفنة ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فرده)، وفي رواية: (وجعل ينفض الماء بيديه)، وليس معنى هذا أن تنشيف الأعضاء مكروه، بل ممكن أن تغتسل وتتنشف، وممكن أن تغتسل ولا تتنشف، ورد رسول الله ﷺ المنديل إما لأنه كان في المنديل شيء كرهه ﵊، أو لأنه كان مستعجلاً، ليس عنده وقت للتنشيف، وإما ليخالف فعل المترفين، أو ليبين جواز التنشف وعدمه، فهذا جائز وهذا جائز. وميمونة ﵂ ذكرت أنه ﷺ غسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم غسل فرجه ﷺ ، ثم توضأ، ثم حثا على رأسه، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم غسل رجليه، وقد أجمع أهل العلم على أن المغتسل لو لم يتوضأ جاز له أن يصلي بهذا الغسل؛ لأنه غسل عبادة وليس غسل عادة، يعني: سواء كان غسلاً واجباً أو مستحباً يصح لك أن تصلي بهذا الغسل دون أن تتوضأ؛ لأنهم متفقون على أن الحدث الأصغر يندرج في الحدث الأكبر، وأن الطهارة الصغرى تندرج تحت الطهارة الكبرى، فإذا ارتفع الأكبر فمن باب أولى الأصغر.

стр. 476

حكم تعميم الجسد بالماء من غير وضوء إذا اقتصرت في غسلك على تعميم بدنك بالماء على قول الجمهور جاز لك أن تصلي به، وإذا كان الغسل مستحباً جاز لك أن تصلي به؛ لأنه غسل عبادة؛ لأنك لم تغتسل تبرداً ولا تنظفاً وإنما اغتسلت تعبداً، لذلك الواحد منا لو كان أطهر ما يكون في يوم الجمعة والجو بارد فيستحب له أن يغتسل.

стр. 477

حكم الكلام أثناء الوضوء والغسل من المكروهات في الوضوء والسغل الكلام إلا لمهم كرد سلام وطلب ماء ونحوه إذا طرق عليك الباب طارق مثلاً وقال لك: أنا أريد كذا، فترشده إلى مكان الشيء المطلوب.

стр. 478

الأمور التي تمنع منها الجنابة موانع الجنابة: الحدث الأصغر يمنع من أمور: أولاً: الصلاة. ثانياً: مس المصحف. ثالثاً: الطواف. رابعاً: مس المصحف وقراءة القرآن، فالإنسان إذا كان عليه جنابة لا يجوز له أن يقرأ القرآن؛ لأن نبينا ﵊ ما كان يمنعه من القرآن شيء إلا الجنابة. خامساً: دخول المسجد، فالإنسان الذي عليه جنابة وكذلك أيضاً الحائض والنفساء لا يجوز لهم دخول المسجد؛ لأن الله قال الله: ((لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ)) قال أهل التفسير: يدخل في ذلك مواضعها، ومواضع الصلاة هي المساجد، قال الله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]، فالجنب إذا اتخذ المسجد معبراً فلا حرج عليه، أما المكث في المسجد فممنوع. فإذا أقيمت الصلاة فاغتسل وصل في بيتك، ولا تأت المسجد وأنت جنب؛ لأن الطهارة شرط.

стр. 479

حكم صلاة الجماعة صلاة الجماعة على قول المالكية والحنفية سنة مؤكدة، وعلى قول الحنابلة واجبة، وعلى قول الشافعية فرض كفاية، ولم يقل أحد بأنها شرط في صحة الصلاة إلا الظاهرية فقط.

стр. 480

ذكر بعض أحكام التيمم إذا لم يجد الإنسان ماءً أو عجز عن استعمال الماء فإنه ينتقل إلى الأصل الثاني الذي منه خلق، ومعلوم أن الإنسان مخلوق من ماء وتراب، قال الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، والطين أصله ماء وتراب، وفي آيات أخرى ذكر الله الماء وحده، وفي آيات ذكر التراب وحده، كقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، وفي آية أخرى قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [غافر:٦٧]، ولا تعارض في هذا كله، فالمقصود أن الشريعة خففت على العباد، وشريعة الإسلام مبنية على اليسر، كما قال الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، ومن يسر الشريعة أنها أباحت للإنسان إذا عدم الماء أو عجز عن استعماله أن يتيمم.

стр. 481

تعريف التيمم التيمم في اللغة: القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] يعني: لا تقصدوا إلى المال الخبيث فتنفقوا منه، وإنما الإنسان ينفق من الطيب. وأما التيمم في الشرع فهو: القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها، والصعيد هو: ما صعد على الأرض من جنسها، أو ما كان على وجه الأرض من جنسها، ويدخل في ذلك التراب والرمل والحصباء والحجارة، يعني: بشرط ألا تكون دخلت فيه صنعة الآدمي، فلا يصح أن تتيمم بالإسمنت ولا بالجبس ولا بالطوب الأحمر ولا غير ذلك مما دخلت فيه صنعة الآدمي، أما ما كان باقياً على أصله فإنه يصح التيمم به، وهذا كالماء؛ فإنه لا يصح أن تتطهر إلا بالماء الباقي على أصل خلقته الذي هو الماء الطهور، وهنا أيضاً لا تتيمم إلا بما كان صعيداً باقياً على أصل خلقته.

стр. 482

أدلة مشروعية التيمم التيمم مشروع، ودليل ذلك قول الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦])) [النساء:٤٣]، وكذلك الرسول ﷺ قال لمن لم يجد الماء: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك)، وأجمع المسلمون على مشروعية التيمم متى وجد سببه.

стр. 483

الحالات التي يباح فيها التيمم يباح التيمم في الأحوال الآتية: الحالة الأولى: عند فقد الماء، فإذا لم يجد الإنسان ماءً ليتطهر به سواء كان غسلاً أو وضوءاً، ففي هذه الحالة يتيمم؛ لحديث: (جاء أعرابي إلى النبي ﵊ فقال: يا رسول الله! إني أكون في الرمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر، فيكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟ قال: عليك بالتراب). والمقصود بالرمل: البادية، فالإنسان إذا كان في الصحراء وعنده ماء قليل فإنه يبقيه لشربه ولسقي ما معه من الإبل والماشية، والرسول ﵊ أرشد هذا الأعرابي إلى التيمم ولو بقي أربعة أشهر أو خمسة أشهر، وفي حديث آخر قال ﵊: (التيمم طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته). الحالة الثانية: إذا خاف باستعمال الماء حدوث مرض أو زيادته أو تأخر شفاء، كما هو الحال في الشتاء، فبعض الناس يكون عنده حساسية وهو على يقين أنه لو اغتسل في الفجر فإنه سيمرض أو أن مرضه سيزيد أو أن برأه سيتأخر، ففي هذه الحالة يتيمم، والدليل حديث عمرو بن العاص ﵁ في قصته في غزوة ذات السلاسل قال: (احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك -أي: أموت- فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم يا رسول الله! احتلمت في ليلة باردة فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وتذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، فتيممت، ثم صليت، فضحك النبي ﷺ ولم يقل شيئاً). والنبي ﷺ لا يسكت على منكر فلو كان عمل عمرو بن العاص باطلاً فلن يقره، وسيأمره ﷺ أن يعيد الصلاة، وألا يعود لمثل ذلك، كما فعل ذلك مع الرجل الذي جاء والرسول ﷺ يصلي وقد ركع بأصحابه، فالصحابي -وهو أبو بكرة - ركع عند باب المسجد ثم دب وهو راكع حتى دخل في الصف، فالرسول ﷺ بعد الصلاة قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد)، فلو كان فعل عمرو خطأً لقال له النبي ﷺ : لا تعد. الحالة الثالثة: من كان عنده ماء ويخاف العطش على نفسه أو على محترم معه ولو كان ذمياً أو حيواناً فإنه يتيمم ويترك الماء لإنقاذ نفسه أو المحترم الذي معه، يعني: إذا كنت في مكان ليس فيه ماء، وليس معي إلا ماء قليل أستعمله للشرب، فأصابتني جنابة، وأخاف أني لو اغتسلت به ألا أجد ماءً أشرب، ووجدت يهودياً أو نصرانياً ذمياً يحتاج إلى ماء ليشربه، فأشربه أو أسقيه اليهودي أو النصراني وأتيمم، وهكذا إذا كان معي غنم أو بقر أو إبل أو أي شيء من دواب الأرض المحترمة فأسقيها وأتيمم. ولو كان معي خنزير فلا أسقيه وأتيمم، بل أتركه يموت. الحالة الرابعة: من كان بقربه ماء ويمنعه خوف لص أو سبع عنده، يعني: الماء موجود لكن بينك وبين الماء أسد أو سبع أو لص، ففي هذه الحالة تتيمم، وبعض الناس قد يقول: لا يصح أن تخاف، لا تخف إلا الله، فقل له: هذا كلام ليس بصحيح، هذا خوف طبيعي، فالإنسان يخاف من النار ويخاف من السبع، فليس عيباً أني أخاف من الأسد أو أخاف من الذئب أو أخاف من كذا، والله ذكر عن موسى ﵇ أنه خاف فقال: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١] أي: خرج خائفاً من فرعون، وهذا خوف طبيعي، لكن بعض الناس قد يبلغ درجة في القرب من الله حتى إنه لا يخاف من شيء، مثل سيدنا عبد الله بن عمر ﵄، فإنه كان يمشي وفي الطريق أسد واقف، فرأى الناس محجوزين بسبب الأسد، فجاء عبد الله بن عمر وأخذ بأذنه وقال له: تنح عن طريق الناس! فذهب الأسد، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن! أما تتقي الله؟! يعني: كيف تعمل هذه العملية؟ فقال: إني لأستحي أن أخاف غير الله، أنا أستحي من الله أن أخاف غيره، لكن هذه درجة خاصة يصل إليها من كان ولياً لله، نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يتوب علينا أجمعين. فإذا كان في قريباً من الماء لص أو سبع أو كان الماء بقربه ولا يقدر الإنسان على تناوله بنفسه كأن يكون مشلولاً وليس في البيت أحد يناوله ولا يستطيع أن يمشي إلى الماء؛ يتيمم؛ لقوله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. فمثل هذا يتيمم ويصلي، وهذا كله داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء:٤٣]؛ لأن عدم وجود الماء إما أن يكون حقيقياً أو حكمياً، فالماء قد يكون موجوداً لكن لا أقدر على الوصول إليه، أو لا أقدر على استعماله، أو لا أجد من يناولني إياه. ولو دخل وقت صلاة العصر فلا يتيمم الإنسان مباشرة إلا إذا خشي خروج الوقت، قال العلماء: الراجي ينتظر إلى آخر الوقت، والمتردد يصلي في وسطه، والآيس يصلي في أوله، مثال ذلك: لو أن هيئة مياه الخرطوم قطعت الماء وعملت إعلاناً: أن الماء لن يأتي إلا في التاسعة مساءً، ودخل وقت صلاة العصر فحكمي أني آيس، والماء لن يأتي إلا بعدما يخرج وقت العصر الاختياري والضروري، وبعدما يخرج وقت المغرب الاختياري، ففي هذه الحالة أتيمم وأصلي. فإذا كانت هيئة المياه قطعت الماء الساعة الثالثة وأعلنت أن الماء سيرجع في الخامسة والنصف فحكمي أني راجٍ وفي هذه الحالة أنتظر، فإذا لم يأت في الخامسة والنصف أنتظر إلى السادسة، فإذا ما جاء أنتظر إلى السادسة والربع، ثم أتيمم؛ لأن في الساعة السابعة يؤذن أذان المغرب، فالراجي يصلي في آخر الوقت، أي آخر الوقت الاختياري، أما إذا كنت متردداً فأتيمم وأصلي. كذلك لو أن إنساناً استيقظ لصلاة الصبح مثلاً، لكنه قام متأخراً، وهذه قد تحصل مرة في العمر لا كل يوم، فليس معنى هذا أن الواحد ينام ثم يستيقظ بعد طلوع الشمس، ويقول: النوم هذا سلطان كما يقولون، وهذا ليس بحديث ولا آية، بل إن بعض الناس يتعمد التأخر، نسأل الله العافية، ونعوذ بالله من الضلال، فتجده يضبط المنبه على ميعاد المدرسة أو الجامعة أو الشغل، فيضبط المنبه على الساعة السابعة والنصف؛ لأن الشغل يبدأ في الساعة الثامنة، وهو يعرف أن الشمس تطلع الساعة السابعة وعشر دقائق، فمثل هذا -والعياذ بالله! - يخشى عليه أن يخرج من الإسلام، أعني: الذي يتعمد أن يضيع الصلاة حتى يخرج وقتها، لكن أقول: ممكن أن تحصل مرة في العمر أن الإنسان يكون متعباً فينام ولا يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، وقد حصل ذلك للرسول ﷺ مرة، فالرسول ﷺ وأصحابه كانوا في سفر يمشون ولما بقي ثلث الليل الآخر تعبوا، فالرسول ﷺ قال: (من يحفظ لنا الفجر)، فقال بلال: أنا يا رسول الله! فناموا، ثم نام بلال، فالصحابة قالوا: أين كنت يا بلال؟! فقال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، شعرت بشيء يهدهدني كما تهدهد الأم وليدها، فالرسول ﷺ قال: (ذلك الشيطان) أي: أن الشيطان جاء يمرجح بلالاً ﵁ إلى أن نعسه ونومه، وهذه قد تحصل مرة. وهنا مسألة: لو أن إنساناً استيقظ قبل طلوع الشمس بقليل، وعليه جنابة، ويعلم يقيناً أنه لو اغتسل طلعت الشمس، ففي هذه الحالة نقول له: تيمم وصل؛ لأن فضيلة الوقت مقدمة على استعمال الماء.

стр. 484

فرائض التيمم فرائض التيمم: أول فرض: النية، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) وأنا عندما أتيمم لا ينبغي أن أنوي رفع الحدث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما أنوي استباحة الشيء الممنوع، فالصلاة ممنوعة في حال الحدث، فأنوي بالتيمم استباحة الصلاة، وغيرها، يعني: إذا كنت أريد أمس المصحف أنوي بالتيمم استباحة مس المصحف، ونحو ذلك. الفرض الثاني: قصد الصعيد الطاهر، وهو ما ظهر على وجه الأرض منها من تراب أو حصباء أو رمل أو حجارة، قال النبي ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). الفرض الثالث: أن الضربة الأولى تكون على التراب، ومعرفة هذا الكلام مهم؛ لأنه قد يكون جدك مثلاً: في المستشفى مريضاً، ولا يصلي، فتسأله: لمَ لا تصلي يا جد؟! فيقول لك: أنا لا أقدر أن أستعمل الماء، فقل له: تيمم، فيقول: لا يوجد تراب، ففي الحالة هذه يتيمم ولو بالجدار أو الفراش إذا كان فيه غبار، ولا ينبغي أن يترك الصلاة أبداً حتى لو لم يقدر على التيمم، فإذا لم يوجد حجر ولا شيء فيصلي من غير طهور، لكن لا ينبغي أن يترك الصلاة. فالضربة الأولى تضرب على التراب أو تضرب على الحجر ثم تمسح وجهك وكفيك؛ لأن الله قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦]، سواء كان من الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر، كما قال النبي ﷺ لـ عمار: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر وجهه وكفيه). الفرض الرابع: مسح الوجه واليدين إلى الكوعين. الفرض الخامس: الموالاة بين فرائضه، فلو فرق أعاد التيمم، وهذا مثل الموالاة في الوضوء والموالاة في الغسل.

стр. 485

سنن التيمم سنن التيمم هي: السنة الأولى: الضربة الثانية لليدين، لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين)، رواه الدارقطني ولو أردنا التحقيق العلمي فإن هذا الحديث لا يصح، فالصحيح -والعلم عند الله تعالى- أن التيمم يكون ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الكوعين، هذا هو الراجح. السنة الثانية: مسح اليدين من الكوعين إلى المرفقين؛ استدلالاً بحديث: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين). السنة الثالثة: الترتيب؛ لأن حديث عمار قال فيه: (ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه)، فقدم ذكر الكفين على الوجه. السنة الرابعة: التسمية في أوله، ففي الحديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) وتقدم أن هذا الحديث متأول عند جماهير العلماء بأن التسمية مقصود بها النية، يعني: لا وضوء لمن لم ينو. السنة الخامسة: تقديم مسح اليد اليمنى، وهذا كما تقدم في الوضوء أنه تقدم الميامن، وفي الغسل أيضاً تقدم الميامن، فهنا أيضاً نقدم اليد اليمنى؛ لأن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.

стр. 486

حكم تحريك الخاتم في التيمم الذي يتيمم إذا كان عنده خاتم يحركه، وفي الوضوء لا نحتاج لتحريك الخاتم؛ لأن الماء يتخلل، أما بالنسبة للتيمم فلابد من تحريك الخاتم.

стр. 487

شروط صحة التيمم شروط صحة التيمم: أولاً: دخول الوقت واتصاله بالصلاة التي تيمم لها؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦]، ولقوله ﷺ : (أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت). ثانياً: التجديد لكل وقت، وهذا بخلاف الوضوء، فلو أني توضأت للمغرب ولم يحصل مني حدث جاز لي أن أصلي بهذا الوضوء صلاة العشاء، فأكون قد صليت المغرب والعشاء بوضوء واحد، أما لو تيممت للمغرب ثم جاء وقت العشاء وما حصل حدث فلابد أن أتيمم مرة أخرى للعشاء؛ لأنه سبق معنا الكلام في أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة، فكل صلاة تحتاج إلى استباحة غير الأولى.

стр. 488

مبطلات التيمم مبطلات التيمم هي مبطلات الوضوء، ويزيد التيمم بوجود الماء قبل الصلاة لا فيها، يعني: لو تيممنا وذهبنا نصلي المغرب فسمعنا خرير الماء، أو قال لنا أحد الناس: جاء الماء، فلا نصلي بالتيمم، بل نذهب ونتوضأ أولاً. ولكن لو أننا كبرنا للصلاة، وبعد ذلك سمعنا خرير الماء فنواصل الصلاة؛ لأن الله قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وهذه الاستطاعة قد فعلناها. ومن فقد الماء والصعيد بأن لم يكن عنده ماء ولا تراب ولا حجارة ولا حصباء، كأن يكون في الطائرة أو في سجن والسجن بلاطه سراميك، أو كان في مكان فيه جليد، والجليد ماء، لكن ليس ماءً يسيل، وإنما هو ماء متجمد، فهذا يصلي بغير طهور، يعني: بدون وضوء وبدون تيمم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فأنا لا أستطيع الوضوء ولا أستطيع التيمم؛ لأني لا أجد ماءً ولا صعيداً، ففي هذه الحالة أصلي بغير طهور؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قبل أن تنزل آية التيمم كانوا في غزوة من الغزوات وفقدوا الماء قالت عائشة ﵂: فصلوا بغير وضوء، فأنزل الله آية التيمم، وكانت رحمة للناس.

стр. 489

الأسئلة

стр. 490

معنى الرجيع السؤال ما هو رجيع بول الآدمي؟ الجواب لا يوجد شيء اسمه رجيع بول الآدمي، وإنما بول الآدمي شيء والرجيع شيء آخر، الرجيع هو: البراز أو العذرة.

стр. 491

حكم غسل المذي من الثوب السؤال في حالة الودي أو المذي هل يجب غسل المذاكير فقط أم المذاكير والملابس الداخلية؟ الجواب المذي نجس يجب غسل الثوب منه، لكن المذي ليس بشيء كثير بحيث يصل إلى الثياب كلها، وإنما هو في الغالب قطرات، وأما المني فيخرج دفقاً، كما قال : ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٥ - ٦]، أما المذي فيكون شيئاً يسيراً يقطر قطراً.

стр. 492

حكم الجماعة الثانية في المسجد الواحد السؤال يرى البعض أنه لا يجوز للمسبوقين أن يصلوا جماعة ثانية بحجة أنه لا إمامين في مسجد واحد؟ الجواب أول شيء نفرق بين مساجد الأحياء ومساجد الأسواق، فمساجد الأسواق لا حرج في تعدد الجماعات فيها؛ لأن الإنسان يمر عليها ولا يدري متى يصلون، أما مساجد الأحياء فإن الإنسان يعرف أن صلاة الظهر -مثلاً- في الساعة الواحدة والنصف، والعصر في الساعة الرابعة والنصف، والعشاء في الساعة الثامنة والنصف، فكثير من العلماء كره إقامة جماعة أخرى سوى الجماعة الراتبة؛ لأن معنى الجماعة أنها تجمع الناس، وأما إذا كان كل واحد سيأتي في الوقت الذي يريد ويقيم جماعة فلم يبق للجماعة معنى. والمالكية ﵏ يرون أنه لا كراهة في الجماعة الثانية، لكن تكون في البرحة أو خارج المسجد، يعني: لا يقيمون الجماعة الثانية في داخل المسجد. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

стр. 493

فقه الصلاة_فضل الجماعة وشروط الإمامة صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع أو خمس وعشرين درجة، وما عذر النبي ﷺ الأعمى ورخص له في ترك الجماعة، بل قد عزم ﷺ على تحريق بيوت المتخلفين عنها، وذلك لأهميتها العظيمة في الإسلام. والإمامة في الإسلام من أشرف المناصب وأرفعها، كيف لا وأشرف الخلق ﷺ منذ أن فرض الله الصلاة إلى أن توفاه الله ما ترك إمامة المسلمين في الصلاة إلا بعد أن أقعده المرض قبل وفاته ﷺ ؟! وللإمامة شروط ينبغي توافرها في الإمام.

стр. 494

فضل صلاة الجماعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. أما بعد: فنتناول الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة، وبين يدي هذه الأحكام لا بد لنا من مقدمة أذكر فيها بأن الإسلام هو دين الجماعة، ودائماً ما يرغبنا في الاجتماع، سواء كان ذلك في العبادات، أو كان ذلك في العادات، وحتى في الطعام فالنبي ﵊ يقول: (اجتمعوا على الطعام يبارك لكم فيه)، وقال ﵊: (يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار)، ويبين لنا ﵊ أن (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)، وينهانا ﷺ أن يسافر أحدنا وحده. فهذا كله من أجلى المظاهر وأوضحها بأن الإسلام هو دين الجماعة، وكذلك هذه الصلوات الخمس المكتوبات، فالإسلام يحثنا على السعي إلى المساجد لأداء هذه الصلوات في جماعة، فقد صح عن نبينا ﵊ أنه قال: (من غدا إلى المسجد أو راح؛ أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح). وصح عنه ﵊ أنه قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة). وصح عنه ﷺ أنه رتب على صلاة الجماعة أجراً عظيماً فأخبر: (أن الرجل إذا خرج من بيته لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له درجة، وحطت عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما دامت الصلاة هي التي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه). وأخبر ﵊ بأن صلاة الجماعة يرفع الله بها الدرجات ويمحو بها الخطيئات، قال ﵊: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط). فصلاة الجماعة سبب لمضاعفة الحسنات، وحط الخطيئات، ورفع الدرجات، ويحصل بسببها خير كثير، فالإنسان في المسجد يلقى أخاه المسلم؛ فيتبسم في وجهه؛ فيكتب الله له بذلك صدقة، وقد يصافحه؛ فتتساقط الذنوب قبل أن يتفرقا، وقد يجد في المسجد محتاجاً فيساعده، أو ملهوفاً فيغيثه، وقد يصادف في المسجد جنازة فيصلي عليها، وقد يخبر في المسجد أن فلاناً مريض فيعوده، أو أن فلاناً قد مات له ميت فيعزيه وهكذا صلاة الجماعة سبب لخير كثير؛ لذلك قال الإمام الشوكاني ﵀: لا يخل بالمحافظة عليها إلا محروم مشئوم.

стр. 495

حكم صلاة الجماعة
следующие страницы →