Полный текст (933 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
حكم غسل المذي من الثوب
السؤال
في حالة الودي أو المذي هل يجب غسل المذاكير فقط أم المذاكير والملابس الداخلية؟
الجواب
المذي نجس يجب غسل الثوب منه، لكن المذي ليس بشيء كثير بحيث يصل إلى الثياب كلها، وإنما هو في الغالب قطرات، وأما المني فيخرج دفقاً، كما قال : ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٥ - ٦]، أما المذي فيكون شيئاً يسيراً يقطر قطراً.
стр. 492
حكم الجماعة الثانية في المسجد الواحد
السؤال
يرى البعض أنه لا يجوز للمسبوقين أن يصلوا جماعة ثانية بحجة أنه لا إمامين في مسجد واحد؟
الجواب
أول شيء نفرق بين مساجد الأحياء ومساجد الأسواق، فمساجد الأسواق لا حرج في تعدد الجماعات فيها؛ لأن الإنسان يمر عليها ولا يدري متى يصلون، أما مساجد الأحياء فإن الإنسان يعرف أن صلاة الظهر -مثلاً- في الساعة الواحدة والنصف، والعصر في الساعة الرابعة والنصف، والعشاء في الساعة الثامنة والنصف، فكثير من العلماء كره إقامة جماعة أخرى سوى الجماعة الراتبة؛ لأن معنى الجماعة أنها تجمع الناس، وأما إذا كان كل واحد سيأتي في الوقت الذي يريد ويقيم جماعة فلم يبق للجماعة معنى.
والمالكية ﵏ يرون أنه لا كراهة في الجماعة الثانية، لكن تكون في البرحة أو خارج المسجد، يعني: لا يقيمون الجماعة الثانية في داخل المسجد.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.
стр. 493
فقه الصلاة_فضل الجماعة وشروط الإمامة
صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع أو خمس وعشرين درجة، وما عذر النبي ﷺ الأعمى ورخص له في ترك الجماعة، بل قد عزم ﷺ على تحريق بيوت المتخلفين عنها، وذلك لأهميتها العظيمة في الإسلام.
والإمامة في الإسلام من أشرف المناصب وأرفعها، كيف لا وأشرف الخلق ﷺ منذ أن فرض الله الصلاة إلى أن توفاه الله ما ترك إمامة المسلمين في الصلاة إلا بعد أن أقعده المرض قبل وفاته ﷺ ؟! وللإمامة شروط ينبغي توافرها في الإمام.
стр. 494
فضل صلاة الجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
أما بعد: فنتناول الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة، وبين يدي هذه الأحكام لا بد لنا من مقدمة أذكر فيها بأن الإسلام هو دين الجماعة، ودائماً ما يرغبنا في الاجتماع، سواء كان ذلك في العبادات، أو كان ذلك في العادات، وحتى في الطعام فالنبي ﵊ يقول: (اجتمعوا على الطعام يبارك لكم فيه)، وقال ﵊: (يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار)، ويبين لنا ﵊ أن (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)، وينهانا ﷺ أن يسافر أحدنا وحده.
فهذا كله من أجلى المظاهر وأوضحها بأن الإسلام هو دين الجماعة، وكذلك هذه الصلوات الخمس المكتوبات، فالإسلام يحثنا على السعي إلى المساجد لأداء هذه الصلوات في جماعة، فقد صح عن نبينا ﵊ أنه قال: (من غدا إلى المسجد أو راح؛ أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح).
وصح عنه ﵊ أنه قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).
وصح عنه ﷺ أنه رتب على صلاة الجماعة أجراً عظيماً فأخبر: (أن الرجل إذا خرج من بيته لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له درجة، وحطت عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما دامت الصلاة هي التي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه).
وأخبر ﵊ بأن صلاة الجماعة يرفع الله بها الدرجات ويمحو بها الخطيئات، قال ﵊: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط).
فصلاة الجماعة سبب لمضاعفة الحسنات، وحط الخطيئات، ورفع الدرجات، ويحصل بسببها خير كثير، فالإنسان في المسجد يلقى أخاه المسلم؛ فيتبسم في وجهه؛ فيكتب الله له بذلك صدقة، وقد يصافحه؛ فتتساقط الذنوب قبل أن يتفرقا، وقد يجد في المسجد محتاجاً فيساعده، أو ملهوفاً فيغيثه، وقد يصادف في المسجد جنازة فيصلي عليها، وقد يخبر في المسجد أن فلاناً مريض فيعوده، أو أن فلاناً قد مات له ميت فيعزيه وهكذا صلاة الجماعة سبب لخير كثير؛ لذلك قال الإمام الشوكاني ﵀: لا يخل بالمحافظة عليها إلا محروم مشئوم.
стр. 495
حكم صلاة الجماعة
стр. 496
القول بأن صلاة الجماعة سنة مؤكدة
حكم صلاة الجماعة مختلف فيه: فيقول المالكية ﵏: صلاة الجماعة سنة مؤكدة في الفرض غير الجمعة، أما الجمعة فشرطها الجماعة، أي أن صلاة الجمعة لا تصح إلا في جماعة، أي: لا يصح مثلاً أن أقوم أنا في بيتي منفرداً فأؤذن للظهر، ثم أقوم فأخطب الخطبة الأولى، ثم الثانية، وأصلي ركعتين؛ لأن الجمعة أصلاً مشتقة من الجماعة، وقد قال النبي ﷺ -كما سيأتي معنا الحديث في أحكام صلاة الجمعة-: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة) فاشترط النبي ﷺ لصحة الجمعة حصول الجماعة، أما الصلوات الخمس فصلاة الجماعة فيها عند المالكية سنة مؤكدة.
والدليل على أن صلاة الجماعة سنة حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، وفي حديث أبي هريرة: (بخمسة وعشرين جزءاً).
فعندنا هاتان الروايتان، في أحدهما: سبع وعشرون، وفي الأخرى: خمس وعشرون، وقد تعددت أوجه أهل العلم ﵏ في الجمع بين هاتين الروايتين: فرجع بعضهم رواية الخمس؛ لكثرة رواتها.
ورجح آخرون رواية السبع؛ لأن فيها زيادة للعدل الثقة، وزيادة العدل الثقة مقبولة.
وقال بعضهم: ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، كما في أصول الفقه؛ لأن المفهومات عند الأصوليين متعددة: فهناك مفهوم اللقب، ومفهوم العدد، ومفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم المخالفة، فمفهوم العدد بعض أهل العلم كالحنفية لا يقولون به أصلاً، فمثلاً: قول الله : ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، فهل لو استغفر لهم مائة مرة سيغفر الله لهم؟
الجواب
لا، والعدد لا مفهوم له، فههنا أيضاً قالوا: العدد لا مفهوم له، وإنما المراد أن الثواب كثير، وفرضوا هذا في جميع الأعداد الواردة في الجزاء على الأعمال، مثل قول الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّة﴾ [البقرة:٢٦١] ثم قال الله : ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١].
ومثله قول الرسول ﷺ : (قال الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة كاملة، فإن عملها فاكتبوها عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة) فليست القضية أنها تسعيرة لا تزيد ولا تنقص بل هي بحسب نية الإنسان، وجودة عمله، وإخلاصه لله ، فالثواب يتفاوت، لأسباب متعددة، فهنا قالوا: مفهوم العدد غير مراد، وذكر القليل لا ينفيه الكثير.
الوجه الثالث: قيل: أخبر بالخمس والعشرين، ثم أخبره الله بزيادة الفضل، لأن الرسول ﷺ قال: (إن صلاة الرجل في جماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين جزءاً) هكذا أخبر ﵊، ثم أوحى الله إليه أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
الوجه الرابع: قالوا: إن الفرق باعتبار قرب المسجد وبعده، أي: أنها خمس وعشرون درجة للمسجد القريب، وسبع وعشرون للمسجد البعيد، ويدل على هذا المعنى أن أحد الصحابة رضوان الله عليهم كما يقول الصحابة عنه: كنا لا نعلم رجلاً أبعد ممشى إلى المسجد منه، وكان لا تفوته أو لا تخطئه صلاة خلف رسول الله ﷺ ، فقلنا له: لو ابتعت حماراً تركبه في الليلة الظلماء، وفي الليلة الشاتية، فقال: والله ما يسرني أن بيتي معلق طنبه بطنب بيت رسول الله ﷺ ، والله إني لأرجو أن يكتب الله لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي منه، فسمعه النبي ﷺ فقال له: (قد جمع الله لك ذلك كله) أي: أن الدرجات مكتوبة لك في الذهاب وفي الرجوع، فقالوا: كلما كان المسجد أبعد؛ كانت الحسنات أكثر.
الوجه الخامس: أن الفرق باعتبار حال المصلي، كأن يكون أعلم، أو أخشع، فنحن نصلي في المسجد بجوار بعضنا، ولكن أجرنا ليس سواء، فبعض الناس يصلي في المسجد ويخرج بالحسنات كاملة، وبعض الناس يصلي ولم يكتب له إلا نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، أو خمسها، أو سدسها، أو سبعها، أو ثمنها، أو تسعها، أو عشرها كما قال النبي ﵊، فليس الناس في الأجر سواء، فالفرق باعتبار حال المصلين، فبعضهم أعلم من بعض بالصلاة وأحكامها وسننها وآدابها، وبعضهم: قلبه أخشع وأسكن وأكثر طمأنينة، وكما قال العلماء: الخشوع نوعان: خشوع الجوارح، وخشوع القلب، فإذا كانت الجوارح خاشعةً والقلب غافلاً فإن هذا الخشوع يسمى خشوع المنافقين، وهو أن يقف الإنسان في صلاته ساكناً لا يتحرك، لكن قلبه في واد آخر، وكان بعض السلف يقول: نعوذ بالله من خشوع النفاق.
الوجه السادس: أن الفرق بإيقاعها في المسجد أو غيره، أي: أن من صلى في المسجد فله سبع وعشرون، ومن صلى مع الزوجة والعيال في البيت فله خمس وعشرون، وكذلك من صلى أمام الدكان وصلى جماعة معه فله خمس وعشرون، وهذا كما يصنع بعض الناس في رمضان في صلاة المغرب.
الوجه السابع: أن الفرق بالمنتظر للصلاة وغير المنتظر، فإنسان صلى المغرب، وجلس ينتظر العشاء؛ فله سبع وعشرون، وإنسان صلى المغرب وانصرف، ثم رجع للعشاء فله خمس وعشرون، أو إنسان جاء إلى صلاة المغرب قبل عشر دقائق، فمكث في المسجد، وآخر جاء مع الإقامة؛ فليسوا في الأجر سواء.
الوجه الثامن: أن الفرق بإدراكها كلها أو بعضها فلو جاء واحد وأدرك تكبيرة الإحرام، وجاء الثاني وأدرك الركوع الأخير فهل هما في الأجر سواء؟ ليسوا سواء.
الوجه التاسع: أن الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم، فمن صلى في زاوية المصلون فيها عشرة، ليس أجره كمن صلى في الجامع والمصلون فيه ألف أو يزيدون.
الوجه العاشر: أن السبع والعشرين درجة مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: الفجر والعصر، وأن الخمس والعشرين مختصة بالصلوات الأخرى.
الحادي عشر: أن السبع والعشرين للجهرية، والخمس والعشرين للسرية، ورجح هذا الحافظ ابن حجر في الفتح، والصلوات الجهرية هي: الصبح، والجمعة، والأوليان من المغرب والعشاء، فالفضل فيها بسبع وعشرين، لماذا؟ لاعتبار زيادة العمل فيها؛ لأن الصلاة المعروف أنها اشتملت على أكثر العبادات، فالصلاة فيها ركوع، وسجود، وخشوع، وفيها كذلك تسبيح، وتحميد، وتهليل وتكبير، وفيها كذلك صيام؛ لأن الإنسان لا يأكل ولا يشرب في الصلاة، وفيها كذلك الصدقة، فالإنسان يتصدق بوقته، فيترك مكتبه، ويترك حانوته، ويترك عمله، وفيها كذلك الاتصال بالبيت الحرام عن طريق استقبال الكعبة، والصلاة الجهرية فيها عمل أكثر من الصلاة السرية، فالإنسان إذا كان إماماً أو منفرداً يقرأ، وإذا كان مأموماً فإنه يمسك عن القراءة، ففيها زيادة عمل، ويترتب على ذلك زيادة في الأجر ونقول: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة:٤]، والعلم عند الله تعالى.
فخلاصة قول المالكية ﵏، ومعهم الحنفية: أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة أي: أن من أدى صلاة الجماعة في المسجد فأجره مضاعف، ومن صلى وحده فصلاته صحيحة، لكنه فوت على نفسه الأجر الكثير.
стр. 497
القول بوجوب صلاة الجماعة
القول الثاني: أن صلاة الجماعة واجبة وهو قول: عطاء بن أبي رباح والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وأبو بكر بن المنذر وابن حبان وابن خزيمة، وأهل الظاهر وهم أصحاب داود بن علي الظاهري وابن حزم فمن تركها من غير عذر؛ فهو آثم.
واستدل المالكية ﵏ بقوله ﷺ : (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد ...) إلخ.
قالوا: إن قوله: ((أفضل)) معناه: أن في كلتيهما فضيلة، ولكن إحداهما أفضل من الأخرى، أما الذين يقولون بوجوبها فيقولون: لا، بل إن صلاة الجماعة قد استأثرت بالفضل كله، فصلاة الإنسان فرداً مجزئة وتسقط عنه الواجب، لكنه قد يحمل من الإثم وزراً عظيماً، ودليلهم على هذا القول: حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال رسول الله ﷺ : (أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما؛ لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق ومعي رجال معهم حزم من حطب إلى رجال يصلون في بيوتهم؛ فأحرق عليهم بيوتهم).
واستدلوا أيضاً بحديث أبي هريرة: (أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله! إني أعمى وليس لي قائد يلائمني، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، هل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فأذن له، فلما ولى دعاه قال: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب) رواه مسلم.
واستدلوا بأثر ابن مسعود قال: ولقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، وجه الدلالة من هذه الأدلة: الدليل الأول: وهو حديث أبي هريرة المروي في الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: (أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الصبح).
ومعناه: أن الصلاة على المنافقين كلها ثقيلة، لكن هاتان الصلاتان أعظم ثقلاً، قال: (ولو يعلمون ما فيهما) أي: من الأجر والثواب، (لأتوهما ولو حبواً) كما يحبوا الصغير على يديه وركبتيه أو على استه.
قال ﵊: (ولقد هممت) والهم: هو العزم، (أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق ومعي رجال معهم حزم من حطب إلى رجال يصلون في بيوتهم فأحرق عليهم بيوتهم)، ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ عزم على التحريق، والتحريق عقوبة، والعقوبة لا تكون إلا على ترك واجب، أو فعل محرم.
فالرسول ﷺ لم يعاقب الناس على أنهم تركوا صيام الإثنين والخميس -مثلاً- أو على أنهم تركوا ركعتين بعد صلاة المغرب، بل في حديث الأعرابي أنه لما عرف أن الصلوات خمس، وأن الصيام المفروض هو صيام رمضان، وأن الحج مرة، قال: (والله! لا أزيد عليها ولا أنقص، فقال الرسول ﷺ : أفلح إن صدق).
فكون النبي ﷺ نوى تحريق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، دل ذلك على أن صلاة الجماعة واجبة.
لكن المالكية والحنفية ردوا عليهم فقالوا: إذا كانت صلاة الجماعة واجبة فكيف يتركها الرسول ﷺ ويذهب ليحرق بيوت المتخلفين عنها، فقيل لهم: لا، بل سيرجع ويصليها بعدما يحرق بيوتهم، أو أنه يصلي الجماعة ثم يذهب ليحرق بيوتهم لتخلفهم عن صلاة الجماعة.
فرد عليهم المالكية والحنفية وقالوا: عقوبة التحريق لا تكون إلا للكفار، وهي ليست للمسلمين، فدل ذلك على أن القوم كانوا منافقين، وليسوا مسلمين أصلاً، فتحريق البيوت ليست لترك أهلها الجماعة بل لنفاقهم ولم يذكر عنه أنه أحرق بيت مسلم؛ لأنه يصلي في بيته.
فرد عليهم الحنابلة ومن معهم بقولهم: إن رسول الله ﷺ يعلم أن المنافق كافر في الباطن لا تقبل صلاته، ولا تنفعه سواء أوقعها في البيت أو أوقعها في المسجد، أي: المنافق الذي قلبه انطوى على الكفر لو صلى لا تنفعه صلاته سواء صلى إماماً بالناس أو صلى في الصف الأول ما يزيده ذلك من الله إلا بعداً.
فقال المالكية والحنفية: إن هذا الحديث منسوخ بقوله ﷺ : (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد).
فردوا عليهم بقولهم: أين دليل النسخ؟ وأين الدليل على أن هذا الحديث كان بعد هذا؟ لأن هذا الناسخ الذي زعمتم متأخر عن المنسوخ، وبين القوم أجوبة ومطاولات.
فأتى الحنابلة ومن معهم بالحديث الذي بعده وهو حديث الأعمى الذي جاء إلى الرسول ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني أعمى وليس لي قائد يلازمني، والمدينة كثيرة الهوام والسباع أتجد لي رخصة؟) طلب من رسول الله ﷺ الترخيص، والترخيص: هو التسهيل والتيسير، فقال: أتجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فالرسول ﷺ أذن له وقال: (صلِ في بيتك) فلما ولى دعاه وقال: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب)، قالوا: إن الرسول ﷺ لم يرخص للأعمى ترك الجماعة فكيف بالبصير، والحديث صحيح رواه مسلم والنسائي.
وفي الحديث إشكالان: الإشكال الأول: كيف أذن له النبي ﷺ أولاً، ثم ألزمه ثانياً، قالوا: الإذن أولاً من الرسول ﷺ ، والإلزام ثانياً جاء بوحي من الله، فالرسول اجتهد لكون الرجل أعمى فعذَرَه وأذن له أن يصلي في بيته، ومثل ذلك إذنه للمنافقين في غزوة تبوك اجتهاداً منه ﷺ ؛ فعاتبه الله بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] فهنا أيضاً قالوا: ترخيصه للأعمى كان اجتهاداً منه، وهذا الاجتهاد منع بالوحي، وقيل: إن الأعمى سأل النبي ﷺ : أتجد لي رخصة أن أصلي في بيتي أي: ويكون لي أجر الجماعة؟ فقال له النبي ﷺ : (لا، أجب).
ويترتب على هذا الإشكال إشكال ثان: وهو ألم يقل الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ َ﴾ [النور:٦١]؟ وهذه تكررت مرتين في القرآن في سورة النور، وفي سورة الفتح ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ َ﴾ [النور:٦١]، فهو أعمى وليس عنده قائد يقوده، والمدينة لم تكن شوارعها مرصوفة، ولا كانت فيها الأنوار، وهي كثيرة الهوام والسباع، والرسول ﷺ لا يأذن له بترك الجماعة؛ ففي هذا غاية الحرج.
رد الحنفية والمالكية عن ذلك بقولهم: قد علم النبي ﷺ أن هذا الأعمى تعييناً يستطيع أن يصل إلى المسجد بدون قائد؛ لفرط ذكائه كما هو حال كثير من العميان؛ فألزمه بالحضور، فقد تجد أحياناً أعمى يمشي إلى المكان وحده، وبدون قائد، ومن لا يعرفه يحسبه بصيراً؛ إما لأنه كان يتردد عليه قبل العمى، أو لأنه ذكي ألمعي، ولذلك قد تجد بعض العميان يسلم على الإنسان، وقد طالت الدهور بينهم، فبمجرد أن يسمعه يعرفه؛ لأن الله عوضه حاسة بحاسة.
الدليل الثالث: وهو أثر ابن مسعود، قال ﵁: يا أيها الناس! من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، فلو أنكم صليتم كما يصلي هذا المتخلف في بيته؛ لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم؛ لضللتم، قال: ولقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق.
هذا الكلام الذي قاله ابن مسعود ﵁ لو طبقناه الآن على المسلمين فكم يوجد من المنافقين؟ وإذا قُرنت صلاة الصبح بصلاة الجمعة في سائر المساجد؛ ففي صلاة الجمعة أكثر الناس يصلون في المسجد، ولربما يصلون تحت حرارة الشمس في الشارع، أما صلاة الصبح فنجد الناس يعدون بالأصابع، وبقية الناس أين هم؟ والذي فرض الجمعة هو الذي فرض الصبح، لكن كما قال ﷺ : (أثقل صلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الصبح).
وفي بعض الأحاديث قال ﵊: (والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدكم أنه يجد عظماً سميناً) لو عرف أن المسجد فيه لحم (أو مرماتين حسنتين) وهو لحم الضلوع (لشهد العشاء الآخرة).
стр. 498
القول بأن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة
القول الثالث: أن صلاة الجماعة شرط في صحة الصلاة، فالذي يصلي في بيته صلاته باطلة، وهذا قول الظاهرية، والبعض كالشافعية قالوا: إن صلاة الجماعة فرض كفاية.
وخلاصة ما قاله العلماء ﵏ في صلاة الجماعة، والتي ذكرها الشوكاني ﵀: أنه لا يخل بالمحافظة عليها إلا محروم مشئوم، وأعيذك بالله ونفسي أن نكون من هؤلاء المحرومين المشئومين؛ لأن في ترك الجماعة في المسجد هجر لبيوت الله ، وهذا لا يجوز، قال الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، فالرجل صلاته في المسجد.
стр. 499
بم تدرك صلاة الجماعة ؟
تدرك صلاة الجماعة بإدراك ركعة مع الإمام، وذلك بأن يركع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، وإن لم يطمئن إلا بعد اعتدال الإمام، قال رسول الله ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام؛ فقد أدرك الصلاة).
مثال ذلك: صلاة العشاء في الحضر أربع ركعات، وجئت متأخراً فما أدركت إلا الركوع الأخير وهو ركوع الركعة الرابعة، لكني أدركت الإمام قبل أن يقيم صلبه، فقد أدركت الركعة كاملة، وبالتالي أدركت صلاة الجماعة ولو لم أطمئن -والطمأنينة هي استقرار الأعضاء- إلا بعد اعتدال الإمام، فأنا بذلك أدركت فضل الجماعة، ومعنى ذلك: أن من أدرك التشهد فليس له حكم الجماعةُ، من أدرك الإمام بعدما قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة؛ فليس له حكم الجماعة، أما من ناحية الفضل فالله أعلم بذلك فهل أدرك فضل الجماعة أو لم يدرك؟ الله أعلم.
ولو أن رجلاً تأخر عن الجماعة؛ لأنه كان مشغولاً بتمريض أبيه، أو أمه، وآخر تأخر عن الجماعة؛ لأن هناك مباراة فليس هذا والأول سواء.
ومن أخطاء المصلين أنه إن أدرك الإمام راكعاً أحدث أصواتاً من فرط سرعته ولربما قال للإمام: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] ليتأخر الإمام في الركوع فيدرك معه الركعة، وهذا جهل منه.
ومن الأخطاء: أنه إن أدرك الإمام راكعاً؛ كبر وركع ونوى بهذه التكبيرة الانتقال إلى الركوع، فصلاته باطلة؛ لأنه يكبر تكبيرة الإحرام.
стр. 500
فضل الإمامة
الإمامة من أشرف المناصب وأرفعها، ويكفي الإمامة شرفاً: أنه تولاها خير خلق الله ﷺ ، وأنه في حياته المباركة ﵊، منذ أن فرض الله الصلاة إلى أن توفاه الله ما تخلف عن إمامة المسلمين سوى خمس عشرة صلاة، وهي: ثلاثة أيام قبل أن يتوفاه الله؛ لأنه ما استطاع أن يصلي بهم أصلاً، فبعدما كان يصلي بهم قائماً، صلى بهم قاعداً، ثم عجز عن الخروج أصلاً، وذلك عندما أمر ﵊ بماء؛ فوضع له في المخضب؛ فاغتسل ﵊، فلما أراد القيام أغشي عليه، فأمر بماء فوضع في المخضب؛ فاغتسل فلما أراد القيام أغشي عليه، فسأل: (هل صلى الناس؟) قالوا: لا، فأمر بماء فوضع له في المخضب؛ فاغتسل فلما أراد القيام أغشي عليه فسأل: أصلى الناس؟ قالوا: لا، هكذا سبع مرات، كلما أراد أن ينهض ﵊ أغشي عليه، فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) لذلك كانت الإمامة أشرف المناصب.
ومن أدلة شرفها: أن الصحابة لما قدموا أبا بكر خليفة لرسول الله ﷺ ، وحاكماً على المسلمين، استدلوا بأن النبي ﷺ جعله إماماً في الصلاة وقالوا: رضيك رسول الله ﷺ لديننا؛ أفلا نرضاك لدنيانا! ومن فضل الإمامة كذلك: أن النبي ﷺ دعا للأئمة فقال: (اللهم! أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين، الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن).
стр. 501
شروط الإمامة
الإمامة من أشرف المناصب وأجلها وأرفعها؛ لذا كان لا بد لها من شروط؛ لأن الإمامة العظمى وهي رئاسة الدولة أو الخلافة لها شروط كذلك، فلا يصلح كل شخص للإمامة في الصلاة: والشروط المعتبرة للإمام عند المالكية هي: أول شرط: الذكورة، فلا تصلي بالناس امرأة؛ لأن النبي ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم) فالمالكية ﵏ استدلوا بهذا الحديث على: أن المرأة لا تؤم رجالاً، ولا نساء، وهذا خلاف قول الجمهور الذين قالوا: إن المرأة تصلي بالنساء وتقف في وسطهن، ولم يخالف في عدم جواز إمامة المرأة الرجال في الصلاة إلا الإمام الطبري لو صحت الرواية عنه، والإجماع منعقد على أن المرأة لا تؤم الرجال.
ووجه استدلال المالكية في عدم جواز إمامتها للرجال والنساء: أن كلمة القوم معني بها الرجال، والدليل أن الله قال: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١] ثم قال: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات:١١] واستدلوا بقول القائل: وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء والمقصود أرجال آل حصن أم نساء والصحيح -والعلم عند الله تعالى- هو قول الجمهور، وهو أن المرأة تصلي بالنساء؛ لأن النبي ﷺ أذن لـ أم ورقة ﵂ أن تتخذ مؤذناً، وأن تؤم نساء دارها.
الشرط الثاني: الإسلام، وهذا لا نقاش فيه؛ لأن الكافر لا يصح منه عمل أصلاً، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ [النور:٣٩].
وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِف﴾ [إبراهيم:١٨].
وقال: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨].
الشرط الثالث: العقل؛ فالمجنون لا تصح إمامته، وكذلك السكران، لأن قد يصلي العشاء ركعتين، والفجر ثمان وقد يركع في الركعة الواحدة ثلاث ركعات، وقد يفعل الأفاعيل المبطلة للصلاة.
الشرط الرابع: البلوغ، فلا تصح إمامة الصبي؛ لأن الصلاة في حقه نافلة.
وعند المالكية: لا يصح أن يأتم المفترض بالمتنفل، ومثلهم الحنفية في عدم جواز إمامة الصبي، وكذلك الإمام أحمد ﵀ في قول له، لكن الصحيح أنه يجوز أن يصلي الصبي بالناس، ولا فرق في ذلك بين فريضة أو نافلة، ودليل ذلك: حديث عمرو بن سلمة الذي رواه البخاري قال: (لما كانت وقعة الفتح؛ قدم الناس بإسلامهم وبادر أبي بإسلام قومه ثم جاءنا فقال: قدمت من عند رسول الله حقاً، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن أحدكم؛ وليؤمكم أكثركم قرآناً؛ فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين، وكانت علي بردة، وكنت إذا سجدت تقلصت عني البردة -يعني: إزار صغير فكان إذا سجد تقلصت البردة- فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا سوءة قارئكم؟ قال: فاشتروا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص).
الشاهد من الحديث أنه صلى بالناس وهو ابن ست أو سبع وهو صبي.
стр. 502
فقه الصلاة_مكروهات الصلاة [١]
بصلاح الصلاة تصلح سائر الأعمال، وبفسادها تفسد بقية الأعمال فهي فاتحة الحساب يوم الحساب، وهي من أعظم دعائم الدين، ومن شعائره الظاهرة الدالة عليه، ومن هذا المنطلق كان لزاماً على المسلم أن يعرف ما ينقص من أجرها العظيم وخيرها الجليل، ومن ذلك مكروهات الصلاة التي تنقص من قيمة الصلاة.
стр. 503
تسوية الصفوف من تمام الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار، أما بعد: أيها الإخوة الكرام! في بداية هذه المحاضرة لا بد من التنبيه على أن السنة ألا يبدأ الناس صفاً حتى يكملوا الصف الذي قبله، فإني دخلت في صلاة المغرب بعد تكبيرة الإحرام، فوجدت ثلاثة صفوف ناقصة؛ وذلك لأن صفوف المسجد طويلة، فالناس يتكاسلون عن إكمال الصف فيبدءون صفاً جديداً، ولربما بعض الناس بدءوا صفاً من ناحية الشمال، وآخرون بدءوا من خلف الإمام، فيكون الصف مقطعاً، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يتمون الصف الأول فالأول) يعني: لا نبدأ صفاً جديداً حتى نتأكد من إكمال الصف الذي قبله.
ثم الإنسان إذا وجد الصف مكتملاً فأراد أن يبدأ بصف جديد فلا بد أن يكون البدء من خلف الإمام، ثم ينتشر الناس يميناً وشمالاً، ولو كان يمين الإمام قليلاً فلا يضر، أما أن يبدأ الناس من الناحية اليسرى فهذا مخالف للسنة، والأصل في ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (فصففت أنا واليتيم خلفه والعجوز من ورائنا)، فلا بد من التزام هذا الأمر.
стр. 504
الرجوع إلى الكتاب والسنة والاسترشاد بمذاهب الأئمة
الأمر الثاني أيها الفضلاء! ورد سؤال في نهاية المحاضرة الماضية عن الرجوع إلى الكتاب والسنة مباشرة، وأحسب أن الجواب عليه لم يك كافياً، وأريد أن أقول في تكملة
الجواب
إن الأئمة الكبار قديماً وحديثاً اقتدوا بمن تلقوا عنهم، فإذا قويت ملكة الواحد منهم، ورسخ في العلم قدمه؛ صار له منهج أو صارت له أقوال، لكن لم يبدأ أحد من هؤلاء الأئمة بالإفتاء قبل أن يحفظ القرآن، وقبل أن يعرف السنة، وقبل أن يدرس اللغة العربية، فيقول: أنا آخذ مباشرة من القرآن والسنة! حتى العلماء الكبار المعاصرون في زماننا هذا عندهم مذاهب، فمثلاً الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه حنبلي، والشيخ محمد صالح العثيمين ﵀ حنبلي، ولا يعني ذلك أنهما لا يخالفان مذهب الإمام أحمد في قليل أو كثير، لكن بعدما رسخت أقدامهم في العلم، وقويت شوكتهم، واشتدت ملكتهم صاروا ينظرون في المذاهب الأخرى، ولربما يختار أحدهم لنفسه قولاً.
وقل مثل ذلك في المتقدمين، فمثلاً الإمام أبو عبد الله بن القيم أو الإمام أبو العباس بن تيمية رحمة الله على الجميع، هؤلاء جميعاً كانت لهم مذاهب.
والآن من يقولون: نرجع إلى الكتاب والسنة حقيقة الأمر أنهم مقلدون، ولكنهم يقلدون بعض المعاصرين، فمثلاً الآن تجد بعض الإخوة يقول: أنا ليس لي مذهب، وإنما آخذ من الكتاب والسنة مباشرة، لكنه في غالب الأمر يرجع إلى أقوال الشيخ ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه، أو يرجع إلى ترجيحاته، فهو مقلد شاء أم أبى، لكن الفرق بينه وبين غيره، أن غيره قلد أحد الأئمة الأربعة أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد، وهو قلد معاصراً من المعاصرين، فالمفروض أن يعرف كل امرئ منا قدره، وألا يعدو هذا القدر، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه، فنقلد أولئك الأئمة لأنهم أتقى وأورع، وأعلم وأفضل، وأقرب عهداً بالنبوة، ثم بعد ذلك إن بان لنا الحق في خلاف قول الإمام الذي نقلده نأخذ بالحق اتباعاً للإمام؛ لأن الإمام نفسه سواء كان أبا حنيفة أو مالكاً أو الشافعي أو أحمد أمرنا بأن نتبع الدليل.
فمثلاً إمامنا مالك ﵀ في صيام ست من شوال قال: أكرهه ولم أر أحداً من أهل العلم يفعله، وأكره أن يلحقه أهل الجفاء برمضان.
فهذا القول من مالك ﵀ لا يعمل به حتى المالكية أنفسهم؛ لأن الحديث ثبت عن رسول الله ﷺ : (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر).
стр. 505
من يؤمر بإعادة الصلاة ؟
النبي ﷺ أمر الأعرابي الذي لم يحقق شرط الطمأنينة أن يعيد الصلاة، ولم يأمر معاوية بن الحكم الذي تكلم في الصلاة بالإعادة، مع أن هذا ارتكب مبطلاً والآخر ارتكب مبطلاً، فما الفرق؟ هذا محمول على أن معاوية بن الحكم كان حديث عهد بالتشريع الذي منع فيه الكلام في الصلاة؛ لأنهم في أول الأمر كانوا يتكلمون، فـ معاوية تكلم بناء على الأصل وهو إباحة الكلام، فجاء دليل رافع لهذا الأصل وهو قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
قال الراوي: [فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام] ومعاوية ما كان يعرف هذا فتكلم، فالنبي ﷺ عذره لحداثة عهده؛ ولأنه لم يعلم بهذا التشريع.
ومثل هذا عندما صلى المسلمون في قباء مستقبلين بيت المقدس، وكانت الآية قد نزلت: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، ولما جاء من يبلغهم كانوا قد أتموا ركعتين فقال لهم: نزل على رسول الله ﷺ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، فتحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال وأكملوا الركعتين الأخيرتين وهم مستقبلون المسجد الحرام، والنبي ﷺ لم يأمرهم بالإعادة رغم أن صلاتهم كانت بعد نزول الآية، لكن الآية لم تبلغهم.
والإمام الشوكاني ﵀ ذكر جواباً آخر وهو أن الأعرابي أمره النبي ﷺ بالإعادة صراحة: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ونقل إلينا، أما معاوية فإنه لم ينقل إلينا أنه أمره بالإعادة، وعدم حكاية الأمر بالإعادة لا يستلزم عدم الأمر بها، يعني: راوي الحديث ما نقل أن النبي ﷺ قال له: يا معاوية! أعد الصلاة، لكن نقل إلينا أنه قال له: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح وقراءة القرآن) وعدم العلم ليس علماً بالعدم، فمثلاً قال عبد الله بن عباس: الرسول ﷺ ما صلى في جوف الكعبة، غاية ما عنده أنه ليس عنده علم، ولا يستلزم هذا العلم العدم؛ لأن بلالاً ﵁ أثبت أن رسول الله ﷺ صلى في جوف الكعبة.
فهذا جواب آخر ذكره الإمام الشوكاني رحمة الله عليه، وحقيقة هذه المسألة ترجع إلى أصل وهو هل يعذر الجاهل بالجهل أو لا يعذر؟ فبعض العلماء قالوا: يعذر، وبعضهم قال: لا يعذر.
ومسألة الكلام في الصلاة فيها مسائل كثيرة، مثل من تكلم بآية يقصد جواب مخلوق فصلاته باطلة، كمن يستأذن عليه أحد وهو يصلي فيقرأ قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦]، أو جاء رجل اسمه نوح، فأزعجك وأنت تصلي فتقول: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود:٣٢]، ولكن بعض العلماء يقولون: لا تبطل صلاته، لأنه في حقيقة الأمر قرأ آية، واستدلوا بأن علياً ﵁ بينما كان يصلي جاء رجل من الخوارج ممن ساء أدبهم وقل علمهم فقال له: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، فهم كانوا يتهمون علي بالكفر، فـ علياً ﵁ أجابه على البديهة هكذا: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]، وقصد بذلك جوابه، لكن في مسائل الخلاف الورع يقتضي أن الإنسان يخرج من الخلاف، فلا يفعل شيئاً يجعل صلاته عند البعض صحيحة، وعند البعض باطلة.
стр. 506
المكروهات في الصلاة
ننتقل الآن إلى محاضرة اليوم وهي مكروهات الصلاة، والمحاضرة الماضية كانت عن المبطلات، والمبطل: اسم فاعل من البطلان، والبطلان: هو أن يكون العمل باطلاً فلا يعتد به، سواء كان في المعاملات أو في العقود، فالباطل ما لا يترتب عليه أثره، فمثلاً: عقد البيع أثره هو انتقال ملكية الثمن للبائع والمثمن للمشتري، وإذا كان البيع باطلاً لا يترتب عليه أثره شرعاً، يعني: لا ينتقل الثمن للبائع ولا المثمن أو السلعة للمشتري، ومثلاً: عقد النكاح أثره حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر، فإذا كان العقد باطلاً فلا يترتب عليه أثره، مثل أن يكون النكاح من غير الولي، أو فقد الشهود، أو كانت المرأة ليست محلاً للعقد لكونها من المحارم مثلاً، أو لكونها أختاً له من الرضاعة ونحو ذلك، فهذا هو الباطل.
أما المكروه فهو: الذي يثاب تاركه، ولا يعاقب فاعله، مثل النوم على البطن، فهو عند أكثر العلماء مكروه؛ (لأن الرسول ﵊ رأى رجلاً نائماً على بطنه فأيقظه برجله وقال له: قم؛ فإنها ضجعة أهل النار).
قال القرافي ﵀: المكروه هو: ما رجح تركه على فعله شرعاً من غير ذم، والمباح ما استوى فيه الطرفان الفعل والترك، يعني: كونك تشرب ماءً أو تشرب عصيراً هذا مباح، أي: ليس في فعله ثواب ولا في تركه عقاب، أما المكروه فطرف الترك فيه راجح، لكن لا يلحق فاعله ذم مثلما يلحق فاعل الحرام، وفاعل الحرام يلحقه الذم، فما هي المكروهات التي على المصلي أن يجتنبها؟
стр. 507
الدعاء أثناء قراءة الفاتحة
الأول: يكره الدعاء أثناء الفاتحة، والمصلي لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون إماماً، أو منفرداً، أو مأموماً، فالإمام والمنفرد يقرأان، والمأموم ينصت، فالمصلي لا يخلو من هذين الحالين، إما أن يقرأ، وإما أن ينصت، ولا محل للدعاء، وبعض الناس يدعو عندما يقرأ الإمام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فتجد أحدهم يقول: استعنت بالله، وبعض العلماء يبطل الصلاة بهذه الكلمة، ويجعلها من الكلام الأجنبي الذي هو من غير جنس الصلاة.
وأيضاً بعض الناس إذا قال الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] يدعو بدعوات كثيرة: رب اغفر لي ولوالدي والمؤمنين يوم يقوم الحساب، وفي ظنه أن الناس حين يقولون: آمين، أنهم يؤمنون على دعائه هو! فهذا من الأمور المكروهة في الصلاة، فما ينبغي أن يدعو الإنسان حال قراءة الفاتحة، بل إما أن يقرأ، وإما أن ينصت.
стр. 508
الدعاء أثناء الركوع
الثاني: الدعاء أثناء الركوع، فرسول الله ﷺ قسم الأذكار في أثناء الصلاة، ففي حال القيام القراءة، وفي حال الركوع ذكر معين، وهو تعظيم الرب ﷻ ، وفي أثناء السجود ذكر معين مع الإكثار من الدعاء، قال رسول الله ﷺ : (فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، فالإنسان حال ركوعه إما أن يقول: سبحان ربي العظيم، وإما أن يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، وإما أن يقول: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح)، وهذا ثابت في صحيح مسلم، ولا يختص بقيام الليل، وإما أن يقول: اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين.
ويستثنى من الدعاء ذكر واحد ثبت من حديث أمنا عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يكثر في آخر حياته من أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، قالت: كان يتأول القرآن؛ لأن الله تعالى قال له: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]، وفي البخاري وغيره أن عبد الله بن عباس ﵁ كان يدخله عمر في مجلسه وهو شاب، فكأن بعض الصحابة وجد في نفسه وقال: لم يدخل عمر هذا الفتى وعندنا أبناء مثله؟! فـ عمر ﵁ كأنه علم بما قالوا فسألهم في مجلس من مجالسه: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]؟ فقال بعضهم: أمرنا ربنا إذا نصرنا وفتح علينا أن نستغفره ونسبحه، وسكت آخرون فلم يقولوا شيئاً، فقال عمر: وأنت ما تقول يا ابن عباس؟ فقال ﵁: هذه السورة نعت إلى رسول الله ﷺ نفسه فقال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢]، وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]، فقال له عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.
إذاً: الركوع يشرع فيه تعظيم الرب، إما أن تقول: سبحان ربي العظيم، وإما أن تقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، وإما أن تقول سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وإما أن تقول: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين، وإما أن تقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، ولا تجعل الركوع محل الدعاء، وإنما محل الدعاء هو السجود.
وبهذه المناسبة أقول: الحنفية ﵏ يقولون ببطلان الصلاة بالدعاء بما يشبه كلام الناس كمن يقول: اللهم زوجني فلانة، والحنفية ﵏ ليس عندهم على هذا دليل، وهذا دعاء مشروع من حسنة الدنيا، فدعاء: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة:٢٠١] فسرت الحسنة منه بالزوجة الصالحة، والإمام المجد بن تيمية ﵀ ليس أبا العباس وإنما جده صاحب منتقى الأخبار ترجم باب من دعا بما ليس مشروعاً إذا كان جاهلاً، وأتى بقصة الأعرابي الذي بال في المسجد، ثم دعا فقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فهذا الدعاء ليس بمشروع، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة؛ لأنه جاهل، فإذا كان هذا ما بطلت صلاته، فمن باب أولى من قال: اللهم زوجني فلانة.
стр. 509
قراءة القرآن في الركوع والسجود
الثالث من المكروهات: قراءة القرآن في الركوع وفي السجود؛ لأن النبي ﵊ قال في نفس الحديث الذي سبق: (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، فقراءة القرآن حال الركوع وحال السجود مكروهة؛ لأن هذا الركن ليس محله القراءة، وإنما محل القراءة القيام.
ولو أن سائلاً قال: أنا أريد أن أدعو بشيء من أدعية القرآن فما الحكم؟ فنقول: لا بأس؛ لأنك ما قصدت القراءة، وإنما قصدت الدعاء كما لو قال قائل في دعائه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢]، أو قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم:٤١]، أو قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:٤٠]، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١]، أو قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
وقد اتفق أهل العلم على أن أفضل الدعاء ما كان في القرآن، ويليه في الرتبة ما ثبت عن نبينا ﵊؛ وأقول هذا الكلام لأن رمضان قد اقترب نسأل الله أن يبلغنا إياه، وبعض الأئمة يتكلف في الدعاء، ويأتي بأدعية ما أنزل الله بها من سلطان، مثل: اللهم احفظنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، اللهم إنا نسألك العافية في الجسد، والصلاح في الولد، والأمن في البلد، وبعض الناس يدعو فيقول: اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وإخواننا وأخواتنا، وأبنائنا وبناتنا، وأعمامنا وعماتنا، وأخوالنا وخالاتنا، وأجدادنا وجداتنا! وخير الدعاء دعاء القرآن، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨]، ونحو ذلك، أما التكلف في الدعاء فهذا خطأ محض، ولذلك بعض الصالحين لما رأى رجلاً يدعو ويتكلف في الدعاء قال له: يا هذا! أتبالغ على الله؟! لقد رأيت فلاناً في يوم عرفة وما كان يزيد على أن يقول: اللهم اجعلنا مؤمنين، اللهم لا تفضحنا يوم العرض عليك، ونحو هذا، كلام يسير، لكنه يخرج من القلب، فيستجيب الله له.
واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه، فلا تبالغوا أيها الفضلاء! وإذا صلى أحدكم بالناس فلا يطول في الدعاء، وحبذا لو اقتصر على المأثور من القرآن وما ثبت عن رسولنا ﵊ كقوله: (اللهم تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، وسدد ألسنتنا، واهد قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا) (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) ونحو ذلك مما ثبت عنه ﷺ ، وهي أدعية كثيرة.
стр. 510
السجود على ما فيه رفاهية
الرابع: السجود على ما فيه رفاهية، قال سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين: الصلاة على الطنفسة محدثة، وهي مثل هذا الفراش الذي يسمى بالموكيت، ومع هذا بعض الناس لشيء في نفسه يأتي من بيته بسجادة فيفرشها فوق هذا الفراش ويسجد عليه، فلو أنه ترك هذا الترف لكان خيراً له، ولا يتميز عن الناس.
والمالكية يقولون: يستحب السجود على الأرض أو على الحصير، قالوا: ولا يسجد على شيء سميك، اللهم إلا إذا كان وقفاً من قبل بناء المسجد، والحقيقة أن الأمر واسع إن شاء الله، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ شكا إليه الصحابة الحر فلم يشكهم، يعني ما التفت إلى شكواهم، ثم أذن لهم ﷺ أن يبسط أحدهم ثوبه فيسجد عليه، فدل ذلك على أن الإنسان لو بسط رداء أو ثوباً من غير ترفه فلا حرج في ذلك إن شاء الله والصلاة صحيحة.
стр. 511
الالتفات في الصلاة بلا حاجة
الخامس من مكروهات الصلاة: الالتفات في الصلاة بلا حاجة، سئل رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)، والاختلاس هو من أخذ الأمر خلسة أي: بخفة وبسرعة، قال النووي ﵀: الجمهور على أن الالتفات مكروه ما لم يبلغ إلى حد استدبار القبلة، والحكمة في النهي عنه ما فيه من نقص الخشوع، والإعراض عن الله تعالى، وعدم القدرة على مخالفة وسوسة الشيطان، ومن ذلك التلفت بالعينين.
أما من استدبر القبلة فصلاته باطلة؛ لأنه قد أخل بشرط من شروط الصحة.
أما إذا كان الالتفات في الصلاة لحاجة فلا كراهة إن شاء الله، ودليل جواز الالتفات لحاجة حديث جابر ﵁ قال: (اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، فالتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا)، رواه مسلم، ومعنى اشتكى أي مرض، يقال هو شاكٍ أي مريض، ولا تقل: شاكٌ بالتشديد والتنوين، لأنه يكون بمعنى شك.
وحديث سهل بن سعد ﵁ في صلاة أبي بكر بالناس حين ذهب رسول الله ﷺ ليصلح بين بني عمرو بن عوف، وهو متفق عليه.
وحديث سهل بن الحنظلية قال: (ثوب بالصلاة -أي أقيمت صلاة الصبح- فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب) رواه أبو داود بإسناد صحيح.
إذاً نقول: من مكروهات الصلاة الالتفات، وهذا الالتفات إما أن يكون لحاجة أو لغير حاجة، والالتفات لغير حاجة مثاله: إنسان يصلي في المسجد فأحس بداخل فالتفت لينظر من هذا الداخل أو أحس بخارج فالتفت لينظر من هذا الخارج، أو شعر بأن إنساناً دخل يحمل في يده شيئاً فالتفت لينظر ما في يد هذا الإنسان، هذا كله التفات بغير حاجة، وهو مكروه، أما الالتفات لحاجة فلا كراهة.
стр. 512
الأنبياء يطرأ عليهم ما يطرأ على غيرهم من البشر
الأنبياء يطرأ عليهم ما يطرأ على البشر، فهم ينسون كغيرهم من البشر، قال ﵊: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) وهم يخافون كما قال الله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا﴾ [القصص:٢١]، والنبي قد يغضب، قال الله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:١٥٠]، حتى بلغ من غضب موسى ﵇ أنه جر أخاه من لحيته، والنبي قد يخطئ إصابة الحق في القضاء، والدليل: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، وقال الرسول ﷺ : (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار)، والنبي يمرض، والدليل من القرآن: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، والنبي يموت قال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
والنبي محمد ﷺ كغيره كان يمرض أحياناً، وقد اعترته العوارض البشرية في يوم أحد، فجرح في رأسه، وجحشت ركبته، وكسرت رباعيته ﵊، وتهشمت البيضة على رأسه، وكل هذه عوارض بشرية.
стр. 513
الالتفات لحاجة في الصلاة
في الحديث: (صلى ﵊ بالناس شاكياً فقعد فأحس ﵊ بالناس من خلفه يصلون قياماً فالتفت ﵊ وأشار إليهم أن يجلسوا)؛ لأنه ﵊ علمنا أن الإمام يقتدى به، وقال: (فإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) وعند المالكية لا يصلي أحد قاعداً بعد رسول الله ﷺ ، فمن شروط الإمام عندهم أن يكون قادراً على الأركان كالمأموم.
فهنا الرسول ﷺ التفت لحاجة، فهذا الدليل الأول على جواز الالتفات للحاجة.
الحديث الثاني: (أن الرسول ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهما، فحضرت الصلاة ولم يأت رسول الله ﷺ ، فكلم بلال أبا بكر ليصلي للناس، فتقدم أبو بكر، فلما افتتح صلاته قدم رسول الله ﷺ ، فجعل الناس يتنحنحون، وكان أبو بكر لا يلتفت، فلما أكثر الناس من التنحنح التفت ﵁، فإذا برسول الله ﷺ فأشار إليه أن مكانك -يعني واصل صلاتك إماماً- فحمد أبو بكر ربه، ثم رجع القهقرى وتقدم رسول الله ﷺ ، فأتم بالناس الصلاة، فلما انصرف قال لـ أبي بكر: ما منعك أن تمكث إذ أمرتك)، وهذا اقتباس من القرآن، فقال أبو بكر: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ ، فهنا أبو بكر التفت لحاجة.
الحديث الثالث: حديث سهل بن الحنظلية ﵁ (أن النبي ﷺ ثوب بالصلاة) يعني: أقيمت الصلاة، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا أذن المؤذن ولى الشيطان وله ضراط، فإذا فرغ رجع، فإذا سمع التثويب -يعني: الإقامة- ولى وله ضراط ثم رجع)، قال: (ثوب بالصلاة -يعني: صلاة الصبح- فجعل رسول الله ﷺ يلتفت يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، وكان ﵊ قد أرسل رجلاً حارساً قبل شعب من الشعاب في المدينة) يعني: كان الرسول ﷺ في حال خطر في غزوة من الغزوات، فدل ذلك على أن الالتفات في الصلاة إذا كان لحاجة فلا كراهة.
ومن الالتفات للحاجة إذا وسوس لك الشيطان في الصلاة، فالنبي ﷺ أرشدنا إلى الاستعاذة، وأن يتفل أحدنا عن يساره ثلاثاً، هكذا نفخ من غير ريق، لحديث عثمان بن أبي العاص الثقفي في صحيح مسلم قال: (شكوت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إن الشيطان قد لبس علي صلاتي فلم أدر كم صليت، فقال ﷺ : ذاك شيطان يقال له: خنزب)، هذه بالمثلثة يعني: خَنْزب، وخُنْزب، وخِنْزب وعلى الأحوال الثلاثة عليه لعنة الله سواء كان بالفتحة أو بالضمة أو بالكسر، قال: (ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته في صلاتك فاتفل عن يسارك ثلاثاً واستعذ بالله منه، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني).
وفي الحديث السابق أبو بكر استخلف رسول الله ﷺ ؛ لأنه ما كان لأحد أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ ، وهذا تخصيص بالحال، أما أنا مثلاً أصلي بالناس، ومرة التفت فأجد خلفي أعظم علماً، وأكبر سناً، وأفضل وأجدر، فلا يشرع أن أقدمه وقد دخلت في الصلاة.
مثال آخر للالتفات للحاجة، في حالة الحرب تضطر إلى الالتفات ومراقبة العدو، وقد مر معنا الآن حديث سهل بن الحنظلية.
مثال آخر: طبيب يلازم المريض، والمريض حالته حرجة، فهو يصلي وينظر إلى الجهاز ويتتبع تخطيط القلب، فهذا التفات لحاجة، ولو حصل خطر يقطع الصلاة، ثم يستأنفها من جديد، فإذا تزاحمت الواجبات يقدم الأهم فالمهم، كما لو كنت تصلي فرأيت أعمى يسير نحو هاوية مثلاً، أو رأيت طفلاً يسير نحو كهرباء مكشوفة أو نار؛ فتقطع الصلاة، وتنقذ هذه النفس، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢].
قد يقول قائل: كيف خالف أبو بكر أمر الرسول له بالبقاء في الصلاة؟
الجواب
الشافعية يقولون: الأدب مقدم على الأمر، واستدلوا بقصة أبي بكر عندما أمره الرسول ﷺ أن يمكث في مكانه ويتم الصلاة، لكن أبا بكر رجع، وكذلك قصة علي ﵁ لما كتب بسم الله الرحمن الرحيم فقام سهيل بن عمرو وقال له: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب باسمك اللهم، فقال الرسول ﷺ : (امحها يا علي!) فـ علي ﵁ محاها، ولما كتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو قال له: لو نعرف أنك رسول الله ما حاربناك، اكتب محمد بن عبد الله، فقال ﷺ : (امحها يا علي، فقال: والله لا أمحوها، فمحاها ﷺ بيده)، لكن لا يخفى عليكم أن كلام الشافعي ﵀ في هذا الأمر مرجوح؛ لأن الصلاة جعلت لتعظيم الله ، فلا يناسب أن يسود فيها محمد ﷺ ، وهو سيدنا بلا شك، ولا خلاف في هذا بين أهل الإسلام، وقد قال ﵊: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، بل يوجد من دونه من هو سيدنا كما قال عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، وهو بلال، والرسول ﷺ قال: (يا معشر الأنصار! قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) أي سعد بن معاذ، ولما قال سعد بن عبادة في الحديث: أهكذا نزلت يا رسول الله؟! قال: (أما تسمعون ما يقول سيدكم؟!)، لكن في الصلاة ما نقول: سيدنا، يوجد مسجد هنا في أم درمان دخلت للصلاة فيه فسمعت المؤذن وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن سيدنا محمد رسول الله، ويكررها! فهذا يفتح باب الابتداع، أنت قلت: سيدنا، وأنا بكرة آتي وأقول: أشهد أن سيدنا ومولانا محمداً رسول الله، وبعد بكرة يأتي واحد يقول: أشهد أن سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد رسول الله، والأذان يزداد يوماً بعد يوم كأنه مطاط!
стр. 514
فقه الصلاة_مكروهات الصلاة [٢]
يتعلق بالصلاة جملة من الأحكام الشرعية، ومنها ما يكره فعله في الصلاة، فقد كره الشرع فعل أشياء في الصلاة كما كره ترك أشياء فيها، فمما كره الشرع فعله في الصلاة تشبيك الأصابع فيها وكذلك حال الذهاب إليها، وكره فرقعة الأصابع فيها، وكره الإقعاء فيها والتخصر وتغميض العينين ورفعهما إلى السماء، وكره التفكير فيها في أمر دنيوي، والاشتغال بما يلهي عن الصلاة، والتثاؤب وغير ذلك، ومما كره الشرع تركه ترك السنن المستحبة في الصلاة كدعاء الاستفتاح والاستعاذة والبسملة ورفع اليدين في مواطن لا يصح رفعهما فيها ونحو ذلك.
стр. 515
تابع مكروهات الصلاة
стр. 516
تشبيك الأصابع
السادس من الأمور المكروهة في الصلاة: تشبيك الأصابع؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامداً إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه؛ فإنه في صلاة).
والمعنى أن الإنسان لا يشبك بين أصابعه في الصلاة، ولا هو في الطريق إلى الصلاة، ويلحق بذلك أيضاً ما يفعله بعض الناس من أنه يجعل يديه من وراء ظهره.
وقد يقال: لم نهى رسول الله ﷺ عن التشبيك بين الأصابع؟ قيل: لما فيه من العبث، وقيل: لما فيه من التشبه بالشيطان، وقيل: لأنه دال على تشبيك الأحوال، أي أنه دليل الهم والغم والضيق والكرب، لذلك فإن بعض إخواننا لو رأى إنساناً واضعاً يديه على رأسه ينهاه ويقول له: أرسل يديك؛ لأن ذلك دليل الهم.
стр. 517
فرقعة الأصابع
المكروه السابع: فرقعة الأصابع، أي: غمز مفاصلها حتى تحدث صوتاً، لحديث معاذ عند البيهقي: (الضاحك في الصلاة والملتفت والمفرقع أصابعه بمنزلة واحدة)، وهذا الحديث ليس صحيحاً؛ لأن في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف، ولا يخفى أن في المتن نكارة؛ لأن الضاحك في الصلاة صلاته باطلة، والملتفت صلاته ليست باطلة، وإنما فعله ذلك مكروه، فكيف نجمع بين الضاحك والملتفت والمفرقع أصابعه؟ فالمفرقع أصابعه فعله عبث، وأقل أحواله الكراهة.
وقد يقال: لم نأتي بهذا الحديث مع كونه ضعيفاً؟
و
الجواب
أن هذه المذكرة كتبت على مذهب مالك ﵀، فما هو مذكور هاهنا هو مذهب مالك ﵀، فنذكره وبعضه نرد عليه، ولذلك أتيت بالحديث نقلاً من مذهب مالك، ثم عقبت عليه بأنه ضعيف.
ولكن العلماء جميعاً ينصون على أن فرقعة الأصابع في الصلاة مكروهة؛ لأنها عبث، فإذا كنا نهينا عن الأفعال الكثيرة في الصلاة كحك البشرة وإصلاح الرداء فمن باب أولى ننهى عن الفرقعة؛ لأن الحك قد يحتاج إليه الإنسان، أما الفرقعة فلا يحتاج إليها.
стр. 518
الإقعاء
المكروه الثامن: الإقعاء.
والإقعاء: أن يضع المصلي أليتيه على عقبيه بين السجدتين، والعقب هو مؤخر القدم، وهو الذي يسمى العرقوب، فبعض الناس في الصلاة يجلس فيضع أليتيه على عقبيه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن عقبة الشيطان، وقال ﷺ : (إذا صلى أحدكم فلا يقعين إقعاء الكلب).
إلا أنه قد ثبت في الصحيح أن عبد الله بن عباس ﵄ كان يجلس على عقبيه بين السجدتين، فقال له طاوس: إنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس: هي سنة نبيكم ﷺ ، وطاوس بن كيسان رجل يماني فقيه من تلاميذ عبد الله بن عباس، وكان ابن عباس يقول: والله إني لأظن طاوساً من أهل الجنة، فقد كان من الصالحين ومن العباد ومن العلماء الفضلاء.
وثبت أن ابن عمر ﵄ كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول: إنه من السنة.
وعن طاوس قال: رأيت العبادلة يقعون.
والعبادلة هم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، هؤلاء هم العبادلة، لكن هل أدرك طاوس ابن مسعود؟ المهم أنَّ هؤلاء كلهم عبادلة ﵃ وأرضاهم.
يقول طاوس: رأيت العبادلة يقعون.
قال الحافظ ابن حجر: وأسانيدها صحيحة.
وعندنا هنا أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن عقبة الشيطان، وقال: (إذا صلى أحدكم فلا يقعين إقعاء الكلب)، فالنبي ﵊ نهانا عن التشبه بالحيوانات، ونهانا عن التشبه بالنساء، قال ابن القيم ﵀: نهى الرسول ﷺ في الصلاة عن التفات كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونهانا ﷺ أن يرفع أحدنا يديه في الصلاة كأذناب الخيل الشمس، فبعض الناس في التشهد وهو قاعد والإمام في تشهده يحرك يديه كأنه يقول للإمام: أرحنا فيحرك يديه كهيئة الفرس إذا رفع ذيله.
فالنبي ﷺ نهانا عن التشبه بالكلب، وعن التشبه بالثعلب، وعن التشبه بالذئب، وعن التشبه بالغراب، وعن التشبه بالسبع، ونهانا عن افتراش كافتراش السبع بأن يضع الإنسان ذراعيه على الأرض حال السجود، وذلك أن بعض الناس من كسله لا يسجد على كفيه، وإنما يمد ذراعيه على الأرض، فهذا -أيضاً- من المكروهات في الصلاة؛ لأن فيه تشبهاً بالحيوانات، فالإقعاء والافتراش والنقر والالتفات وتحريك الأيدي هذا كله فيه تشبه بالحيوانات.
وهذا النهي ثابت عن رسول الله ﷺ ، وثبت عن ابن عباس وابن عمر وسائر العبادلة أنهم كانوا يقعون، بمعنى أن أحدهم كان يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، ومن هنا اختلف العلماء ﵏، فقال الإمام أبو سليمان الخطابي صاحب شرح سنن أبي داود ﵀: الإقعاء منسوخ، ولعل ابن عباس لم يبلغه النهي.
وأنكر هذا النووي وابن الصلاح، وقال البيهقي والقاضي عياض وجماعة من المحققين: إن الإقعاء المنهي عنه هو الذي يكون كإقعاء الكلب، وإقعاء الكلب هو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض.
والإقعاء الذي صرح ابن عباس وغيره أنه من السنة هو وضع الأليتين على العقبين، وتكون الركبتان على الأرض، وهذا ليس فيه كراهة إن شاء الله.
стр. 519
التخصر
المكروه التاسع: التخصر، وهو أن يجعل يده على خاصرته؛ لحديث أبي هريرة ﵁: (نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصراً)، وقد فسر ذلك بأقوال: فقيل: هو أن يمسك بيده مخصرة، أي: يتوكأ على عصا.
وقيل: هو أن يختصر السورة فيقرأ آخرها، وهذا كثير جداً، فبعض الأئمة يقرأ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] وبعد (آمين) يقرأ ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩]، فما هو الذي في الصحف الأولى؟! وقيل: أن يختصر في صلاته، فلا يتم قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، قال النووي: والصحيح هو أن يجعل يده على خاصرته.
هذا هو معنى التخصر، والخاصرة معقد الإزار، وهو المكان الذي يربط الإنسان فيه إزاره، ويقال للجانب منه أيضاً: الحقو.
فالاختصار أن يجعل الإنسان يده على خاصرته، وبعض الناس يفعل ذلك حتى على المنبر، فتجده يتكلم مع الناس ويفعل ذلك.
وقد يقال: لماذا نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصراً؟ قيل: لأنه فعل المتكبرين، فلا يليق بالصلاة، وقيل: لأنه فعل اليهود، وقيل: لأنه فعل الشيطان، وقيل: لأنه شكل من أشكال أهل المصائب، وقد سبق أن مما قيل في الحكمة من النهي عن التشبيك بين الأصابع أن النهي دال على تشبيك الأحوال، وكذلك هنا، فلو ذهبت إلى قوم بين أيديهم جنازة تجد أهل الميت واقفين في حال من الحيرة قد وضعوا أيديهم على خواصرهم.
стр. 520
تغميض العينين
المكروه العاشر: التغميض في الصلاة؛ لحديث ابن عباس: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة أو في الصلاة فلا يغمض عينيه)، وهذا الحديث إسناده ليس بذاك؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، لكن يمكن أن نقول: التغميض مكروه؛ لأن سنة رسول الله ﷺ النظر إلى موضع السجود، لكن إذا كان هناك شيء يلهي المصلي ويشغله فليس له حل إلا أن يغمض عينيه.
стр. 521
رفع البصر إلى السماء
المكروه الحادي عشر: رفع البصر إلى السماء، فكما أن الالتفات مكروه فكذلك رفع البصر إلى السماء، وقد شدد رسول الله ﷺ في ذلك فقال: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟! لينتهن عن ذلك أو لتختطفن أبصارهم)، فقوله: (لينتهن عن ذلك) أي: عن رفع البصر إلى السماء.
وقد أجمع العلماء على كراهية هذا الفعل، فمن كان في الصلاة ينظر في السقف ويتأمل في النقوش وفي القبة ونحو ذلك ففعله مكروه.
стр. 522
رفع الرجل ووضع رجل على أخرى وإقرانهما حال القيام
المكروه الثاني عشر: رفع رجل أو وضعها على أخرى وإقرانها؛ لأن هذا يتنافى مع هيئة الصلاة وهو من العبث الممقوت.
فتجد بعض الناس يدخل في صلاة التراويح فيطيل الإمام فيبدأ يرفع رجلاً وينزلها ويرفع الثانية وينزلها، ثم يقرنهما على هيئة العساكر، وهذا مكروه لا ينبغي، ومثله ما يفعله بعض الناس ممن يريد تطبيق السنة، حيث يفرج بين رجليه فيكون واقفاً كالهرم، وقد كان السلف يستدلون بهذا الفعل على قلة فقه الرجل، فيا عبد الله! لا تقرن ولا تفرج، وإنما افتح رجليك على قدر منكبيك ليستقيم الصف، وكلا طرفي قصد الأمور ذميمُ.
стр. 523
التفكر في أمر دنيوي
المكروه الثالث عشر: التفكر بأمر دنيوي.
وهذا لا يسلم منه كثير من الناس، ولكن بعض الناس يسترسل، وإذا كان التفكر في الأمر الدنيوي مكروهاً فضده -وهو تركه- فيه أجر عظيم، وقد توضأ النبي ﷺ أمام الصحابة ثم قال: (ما من عبد يتوضأ نحو وضوئي هذا ثم يصلي ركعتين لا يحدث فيهما نفسه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه).
قال العلماء: إن حديث النفس على نوعين: إما أن يكون حديثاً دنيوياً، وهذا مكروه، ومثاله من يصلي العشاء فيفكر فيها بأنه سيتعشى ثم بعد ذلك سيذهب إلى فلان، ثم يبدأ يخطط في الصلاة ويبرمج، ثم ينتقل إلى اليوم الذي يليه، ولذلك ذكر عن بعض أهل البادية أنه اختلف أهل مسجد صلى فيه أصلى الإمام ثلاثاً أم أربعاً؟ فقال لهم: الإمام صلى ثلاثاً، فقيل له: من أين عرفت ذلك؟ فقال لهم: لأني سلخت البعير ولم أشوه بعد، ففي الركعة الأولى ينحر، وفي الركعة الثانية يسلخ، وفي الركعة الثالثة يغسل، وفي الركعة الرابعة يشوى، فيجعل صلاته كلها شواء ونحراً.
وإما أن يكون التفكر في أمر أخروي، وحينئذٍ لا كراهة، فلو تفكر الإنسان في الآيات التي تتلى وهي تتحدث عن الجنة، فبدأ يتأمل في الجنة، أو كانت تتحدث عن النار فبدأ يتأمل في النار ويسأل الله العافية فهذا ليس مكروهاً، فقد ثبت أن سيدنا عمر كان يقول: إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة.
стр. 524
النظر إلى ما يلهي عن الصلاة
وهناك جملة أخرى من المكروهات في الصلاة هي على النحو الآتي: أولاً: النظر إلى ما يلهي.
ومن ذلك تزيين المحراب بآيات تخط بخط جميل، وكذلك المفارش المزينة، فبعض الناس يبدأ يتأمل في هذه الزينة في صلاته، فهذا نظر إلى ما يلهي، وشر من هذا من يصلي والتلفزيون أمامه يبث، فهذا فعل مكروه في الصلاة، وهذا الصنف قد تبطل صلاته، نسأل الله العافية.
ودليل ذلك حديث عائشة: (كان رسول الله ﷺ يصلي وعليه خميصة ذات أعلام، فلما فرغ قال: اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته) فالرسول ﷺ كان عليه خميصة -وهي ثوب فيه نقوش- فقال: (اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته).
والأنبجانية ثوب ليس فيه أعلام؛ لأن أبا جهم ﵁ كان عنده قميص ليس فيه أعلام.
стр. 525
كف الشعر والثوب
ثانياً: أن يكف شعره وثوبه.
لحديث ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً) والمقصود ربط الشعر، هذا ليس موجوداً عندنا، فما رزقنا الله شعوراً تحتاج إلى ربط، لكن بعض الناس يربط شعره في الصلاة، فـ عبد الله بن عباس رأى عبد الله بن الحارث ﵁ يصلي وقد عقص رأسه؛ فذهب يكف شعر الرجل وهو يصلي فاستقر له، أي: ما عارضه، وبعدما انتهى من صلاته قال له: يا ابن عباس: ما لك ولرأسي؟ فذكر له هذا الحديث، وهو أن النبي ﷺ قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً).
وبعض الناس الآن لا يكف شعره، لكن إذا سجد يتدلى شعر فيكون مهموماً بتسويته وإعادته، بحيث يريد أن يسجد فينزل شعر، ومرة أخرى يقوم فيعيده، والذي ينبغي أن يضع شعره ويسجد معه.
стр. 526
مسح الحصى عن الجبهة والثوب
ثالثاً: مسح الحصى في الصلاة.
لما رواه معيقيب أن رسول الله ﷺ قال: (لا تمسح الحصى وأنت تصلي).
فالإنسان قد يصلي على التراب، بحيث يأتي إلى المسجد فيجد المكان قد امتلأ والفرش قد شغلت بالمصلين، فيصلي على مكان ليس فيه فراش، فبعض الناس كلما سجد يمسح ما علق بجبهته، فالرسول ﷺ نهى عن ذلك، قيل: لأنه يخالف التواضع والخشوع.
قال أهل العلم: إلا إذا كان يؤلمك، فإذا كان يسبب لك ألماً ففي هذه الحالة لك أن تمسحه لإزالة الضرر.
وكذلك ما كان منه في الثوب، فإنه أيضاً يترك.
стр. 527
التثاؤب
رابعاً: التثاؤب.
لحديث أبي هريرة: (إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرده ما استطاع؛ فإن أحدكم إذا قال: ها ها ضحك الشيطان منه) رواه مسلم.
وفي صلاة الفجر يتثاءب الناس بصورة مزعجة، ويحصل ذلك أحياناً في الدروس، فالتثاؤب في الصلاة مكروه.
стр. 528
عد الآيات
خامساً: عد الآي في الصلاة، وذلك لأنه يشغل عن الخشوع.
стр. 529
ترك سنة من السنن
سادساً: ترك سنة من السنن، وهذا -أيضاً- مكروه، وهذا يرد على المالكية؛ فإنهم يقولون بكراهة دعاء الاستفتاح، ويقولون بكراهة الاستعاذة والبسملة، كل هذا عندهم مكروه، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح صلاته قال: (سبحانك -اللهم- وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وربما قال: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي)، ولربما قال في صلاة الليل ﵊: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت ربي وأنا عبدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك، أنا منك وإليك، تباركت ربي وتعاليت)، هذا كله كان يقوله في دعاء الاستفتاح، وهذا ثابت عن رسول الله ﷺ .
وقالوا: الاستعاذة مكروهة، وقد ثبت (أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح صلاته يقول: أعوذ بالله السمع العليم من الشيطان الرجيم)، وثبت عنه أنه في صلاة الليل كان يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه).
والبسملة ثابتة أيضاً، فقد كان ﷺ يبسمل، فالمالكية قالوا بكراهة هذا كله ولا كراهة إن شاء الله.
ومن ذلك ترك سنة القبض، وعند بعض المالكية أنه مكروه، وبعضهم يقول: هو مكروه إذا قصد به الاتكاء.
والقبض لا كراهة فيه إذا كان على الصفة المشروعة بأن تجعل باطن كفك اليمنى على ظاهر كفك اليسرى، أو أن تقبض باليمنى على كوع اليسرى، وتجعلهما فوق الصدر أو تحت الصدر فوق السرة.
ونلحظ أن الناس يتركون كثيراً من السنن في الصلاة، ومنها رفع اليدين في أربعة مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام إلى الركعة الثالثة من صلاة ثلاثية أو رباعية، فهذا كله لو تركته فقد ارتكبت مكروهاً، وفوت على نفسك الأجر، ومثله -أيضاً- الإشارة بالأصبع عند التشهد، فإن رسول الله ﷺ (كان يقبض على أصابعه كلها ويشير بسبابته، ولربما حلق بين الإبهام والوسطى وأشار بسبابته).
وفي بعض المذاهب -كالحنفية- يقولون: هذا عبث لا يليق في الصلاة.
والحق أنَّ هذا ليس فيه عبث، بل هو سنة الرسول ﷺ .
ومن الأمور المكروهة أن تترك الدعاء الذي هو بعد التشهد، فقد كان ﷺ يستعيذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
بل إن طاوس بن كيسان قال لولده: أدعوت بها في صلاتك؟ قال: لا، فقال له: فأعد صلاتك.
فكأنه ﵀ كان يرى الوجوب؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا فرغ أحدكم من التشهد فليستعذ بالله من أربع) فكأن طاوساً ﵀ أخذ بظاهر الحديث.
فيكره لك -أيها الأخ الكريم- أن تترك شيئاً من هذه السنن، لقول الله : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:٤] وإقامة الصلاة: أن تؤديها في أوقاتها بكامل أركانها وشروطها وسننها وآدابها، هذه هي الإقامة، وهي الأداء على وجه التمام وبلوغ الغاية.
стр. 530
الأسئلة
следующие страницы →